Полный текст (422 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لَهُ عِنْدَنَا. وَلِهَذَا يُسَوَّى بَيْنَ اشْتِبَاهِ الْبَوْلِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَاشْتِبَاهِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ، وَنَحْنُ نَقُولُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ وَلَدَ إحْدَى إمَائِهِ ابْنُهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ بُيِّنَ بِالْقُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّجَّادِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَمَنْ قُرِعَ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ جَدَّدَ الْآخَرُ نِكَاحَهُ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْقَاضِي فِي بَعْضِ مَجَامِيعِهِ قَالَ: حَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ قَالَ سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا، فَحَضَرَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ زَوَّجَنِي أَبُوك مِنْك عَلَى صَدَاقٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَبَضَهَا مِنِّي، وَعَدِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ فِي الْحَالِ وَقَالَتْ الْبِنْتُ: أَعْلَمُ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ تَزَوَّجَنِي يَقِينًا وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَيُجْبَرُ الثَّلَاثَةُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَقْتَرِعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْأَلْفِ فَأَيُّهُمْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ أَخَذَ الْأَلْفَ ثُمَّ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: تَزَوَّجِي أَيَّهمْ شِئْت إنْ أَحْبَبْتِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ مُسْتَنَدَ الْقَاضِي فِي الْحِكَايَةِ عَنْ النَّجَّادِ فَقَدْ وَهَمَ فِي تَسْمِيَتِهِ ; فَإِنَّ الْحِكَايَةَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَنَسَبَهَا هُوَ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي نِكَاحَيْنِ مُشْتَبِهَيْنِ بَلْ فِي دَعْوَى الْقُرْعَةِ فِيهَا إنَّمَا هِيَ لِلْمَالِ لَا لِمَحَلِّ الْبُضْعِ فَلَا يَصِحُّ مَاحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلْيُحَقَّقْ ذَلِكَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة يُفْسَخُ النِّكَاحَانِ جَمِيعًا ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا إذَا شَاءَتْ نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّا، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافِهِ وَالْخِرَقِيِّ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا يَبْطُلُ النِّكَاحَانِ.
وَالثَّانِيَة: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَصَحُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ النِّكَاحَيْنِ يَبْطُلَانِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَلِيَّيْنِ زَوَّجَا امْرَأَةً لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا زَوَّجَ قَبْلُ، قَالَ مَا أَرَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا هَاهُنَا نِكَاحًا، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى ذَلِكَ وَجْهًا وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا أَمْكَنَ وُقُوعَهُمَا مَعًا وَقَدْ جَعَلَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ عَلِمَ وُقُوعَهُمَا مَعًا فَهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ غَيْرُ مُنْعَقِدَيْنِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَفِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَقَعَا مُتَرَتِّبَيْنِ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فِيهِ الرِّوَايَتَانِ.
قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَعَلَّهُ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا حُكْمُ الْمَهْرِ فِي هَذَيْنِ النِّكَاحَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَإِنَّ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى مَنْ تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْفَسْخِ فَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ نِصْفُ مِيرَاثِهَا أَوْ رُبْعُهُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَوَرِثَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَا نَقِفُ الْخُصُومَاتِ قَطُّ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَيْفَ يَحْلِفُ مَنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْحَالَ؟ ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَلَى رِوَايَةِ الْقُرْعَةِ: أَيُّهُمَا قَرَعَهُ فَلَهُ الْمِيرَاثُ
стр. 352
بِلَا يَمِينٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا لَا يُقْرِعُ، فَإِذَا قُلْنَا إِنَّهَا تَأْخُذُ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصْفَ الْمَهْرِ بِالْقُرْعَةِ فَكَذَلِكَ يَرِثُهَا أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِمَّا إنْ قُلْنَا لَا مَهْرَ فَهُنَا قَدْ يُقَالُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا انْتَهَى. وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ جَمِيعًا فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ اتَّفَقَتْ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَعَ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ هُوَ السَّابِقُ فَالْمِيرَاثُ لَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ إشْكَالٍ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ السَّابِقُ وَأَنْكَرَ هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. فَإِنْ نَكَلُوا قَضَى عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا فَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَبْرَأَ.
وَالثَّانِي: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ الْعِلْمَ بِالْحَالِ، وَيَشْهَدُ لَهُ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتَهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَيْضًا فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُقِرَّ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا بِذَلِكَ ثُمَّ مَاتَا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ لَهَا مِيرَاثٌ مَنْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا
(وَمِنْهَا) إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ بِالْقُرْعَةِ فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بَعْدَ عِدَّةِ الْأَرْبَعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ وَالْقُرْعَةَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَاتِ الْمُبْهَمَاتِ فَيُمَيَّزْنَ بِالْقُرْعَةِ وَيُحْكَمُ بِاخْتِيَارِهِنَّ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَيُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهُنَّ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْبَوَاقِي. وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: يُطَلَّقُ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ ثَابِتٌ لَمْ يُحْكَمْ بِفَسَادِهِ فَيَلْحَقُهُنَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَلَا يَنْكِحُ شَيْئًا مِنْهُنَّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ. وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِاخْتِيَارٍ وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ فِي الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِنَّ بِخَصَائِصِ مِلْكِ النِّكَاحِ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ الطَّلَاقَ هُنَا فَسْخٌ وَلَا يُحْسَبُ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَيُوَرَّثُ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ لِأَنَّهُ مَاتَ وَالْكُلُّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَى نِكَاحِهِ فَكَانَ عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَإِسْلَامُهُ لَمْ يُوجِبْ الْبَيْنُونَةَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ بَلْ الْبَيْنُونَةُ تَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ فَإِذَا اخْتَارَ فِي حَيَاتِهِ أَرْبَعًا فَعِدَّةُ الْبَوَاقِي مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي أَنَّ عَلَيْهِنَّ أَطْوَلَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَعِدَّةِ الْوَطْءِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ زَوْجَاتٌ وَالْبَوَاقِي مَوْطُوآتٌ بِشُبْهَةٍ فَيَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ لِتَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْ الْعِدَّةِ الْوَاجِبَةِ بِيَقِينٍ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ ثَبَتَتْ بِالْإِسْلَامِ وَتَتَبَيَّنُ بِالِاخْتِيَارِ فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا
стр. 353
فَعِدَّةُ الْبَوَاقِي مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتِيَارِهِ فَهُنَّ زَوْجَاتٌ لَهُ حَتَّى يَخْتَارَ فَلَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ سِوَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ نِكَاحَهُنَّ فِي حُكْمِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ خَصَائِصَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ أَوْجَبَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى.
وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً أَوْ مُعَيَّنَةً ثُمَّ أُنْسِيهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَإِنَّا نُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ وَتَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ وَيُورَثُ الْبَوَاقِي كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ وَإِنْ دَخَلَ بِهِنَّ لَزِمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ حِينِهِ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةً وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً، فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِدُونِ ذَلِكَ وَهَذَا يُخَالِفُ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ لَمْ تُوَرَّثْ وَلَمْ تَعْتَدَّ، وَمُرَادُهُ أَنَّهَا لَمْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَابِعَةٌ لِلْمِيرَاثِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا قُرْعَةُ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا سِوَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِهَا، وَعَلَى الْبَوَاقِي عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا ; لِأَنَّ الْقُرْعَةَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَقَدْ حَكَمْنَا بِحِلِّ الْبُضْعِ بِهَا كَمَا سَبَقَ فَجَازَ أَنْ يَبْتَنِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الطَّلَاقِ وَلَوَازِمِهِ، فَعَلَى هَذَا الْمَنْصُوصِ يَتَخَرَّجُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَتَلْزَمُهُنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِهَا وَيَلْزَمُ السَّهْوَكَةَ عِدَّةُ الْوَطْءِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ إذَا قُلْنَا إنَّ عِدَّتَهُنَّ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَلَى الْجَمِيعِ أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَصْدَقَ الزَّوْجَةَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَحَكَى طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةُ رِوَايَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَهَا الْوَسَطُ مِنْهُمْ وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهَا وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعْطِيهَا مَا يَخْتَارُهُ هُوَ.
وَالثَّانِي: يُعْطِي مَا تَخْتَارُهُ هِيَ، وَاخْتَارَ أَنَّهُمْ إنْ تَسَاوَوْا فَلَهَا وَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ وَإِلَّا فَلَهَا الْوَسَطُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ مُهَنَّا فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَقَالَ: أُعْطِيهَا مِنْ أَحْسَنِهِمْ؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُعْطِيهَا مِنْ أَوْسَطِهِمْ فَقُلْت لَهُ تَرَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: تَسْتَقِيمُ الْقُرْعَةَ فِي هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ، يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ. وَتَأَوَّلَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَبَهَ.
قَالَ الْقَاضِي وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ ; لِأَنَّهُ قَالَ يُعْطِي وَسَطَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَعْتَبِرْ الْأَوْسَطَ وَنَقَلَ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُقَوَّمُ الْخَادِم وَسَطًا عَلَى قَدْرِ مَا يُخْدَمُ مِثْلُهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا دَعَاهُ اثْنَانِ إلَى وَلِيمَةٍ عُرْسٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ الْمُرَجِّحَةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
(وَمِنْهَا) إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ مَعًا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى زَوْجَاتِهِ أَوْ الْبُدَاءَةَ بِهَا لَمْ يَجُزْ بِدُونِ قُرْعَةٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَوَاقِي بِذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً
стр. 354
مِنْ نِسَائِهِ مُبْهَمَةً بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ الْمُطَلَّقَةَ بِالْقُرْعَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ لَهُ تَعْيِينَهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ مَرَّةً فِيهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ.
(وَمِنْهَا) إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ أُنْسِيهَا أَوْ جَهِلَهَا ابْتِدَاءً كَمَنْ قَالَ إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا وَيَسَعُهُ طَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَة طَالِقٌ، فَطَارَ وَلَمْ يَعْرِفْ مَا كَانَ فَالْمَشْهُورُ أَيْضًا أَنَّهَا تُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ وَيَحِلُّ لَهُ الْبَوَاقِي. كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً مِنْ إمَائِهِ وَأُنْسِيهَا عَيَّنَهَا بِالْقُرْعَةِ وَحَلَّ لَهُ الْبَوَاقِي لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَامَتْ مَقَامَ الشَّاهِدِ وَالْمُخْبِرِ لِلضَّرُورَةِ، وَالشَّارِعُ لَمْ يُكَلِّفْ الْعِبَادَ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِمَا ظَهَرَ وَبَدَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ مَادَامَ مَجْهُولًا فَإِذَا عُلِمَ ظَهَرَ حُكْمُهُ كَالِاجْتِهَادِ مَعَ النَّصِّ وَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ صَرِيحًا عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُقْرَعُ بَلْ يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، قَالَ الشَّالَنْجِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي الطَّلَاقِ بِالْقُرْعَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ مَاتَ هَذَا؟ قَالَ: أَقُولُ بِالْقُرْعَةِ، أَيْ لِأَجْلِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَهَذِهِ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي. وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ مَنْ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ وَأَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ فِيهَا. وَهَلْ تَرْجِعُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ أَحْمَدُ مَرَّةً. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ ; لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ الثَّانِي تَعَلَّقَ بِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ وَفَسْخِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَإِنْ كَانَتْ الْقُرْعَةُ بِفِعْلِ الْحَاكِمِ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ أَنَّ فِعْلَ الْحَاكِمِ حُكْمٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا يَرْفَعُ فِعْلَ الْحَاكِمِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِ الْحَاكِمِ كَتَعَلُّقِ حُكْمِ الزَّوْجِ وَأَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْقُرْعَةُ مِنْ الْحَاكِمِ رَجَعَتْ إلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ إخْبَارَهُ بِذَلِكَ مَقْبُولٌ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا إلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ عَنْهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ
(وَمِنْهَا) لَوْ رَأَى رَجُلَانِ طَائِرًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى يَقِينِ نِكَاحِهِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِحِلِّ زَوْجَتِهِ شَاكٌّ فِي تَحْرِيمِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَتَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ تَيَقَّنَ زَوَالَ النِّكَاحِ فِي إحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَلِذَلِكَ عُيِّنَتْ بِالْقُرْعَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَفِي الْجَامِعِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَنْ اعْتَقَدَ خَطَأَ الْآخَرِ
стр. 355
دُونَهُ حَلَّ الْوَطْءُ وَإِنْ شَكَّ وَتَرَدَّدَ كَفَّ عَنْهُ وُجُوبًا عِنْدَ الْقَاضِي. وَوَرَعًا عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَعْتَزِلَانِ نِسَاءَهُمَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَكِنْ لَمْ تُخْرِجْهُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا رَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ خَاصَّةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَأَمَّلْتُ نُصُوصَ أَحْمَدَ فَوَجَدْتُهُ يَأْمُرُ بِاعْتِزَالِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَهُوَ بَارٌّ فِيهَا أَمْ لَا؟ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ بَارٌّ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَارٌّ اعْتَزَلَهَا أَبَدًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَارٌّ فِي وَقْتِ وَشَكَّ فِي وَقْتِ اعْتَزَلَهَا وَقْتَ الشَّكِّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ وَأَمْكَنَ وُجُودُهُ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يُعْلَمَ انْتِفَاؤُهُ. نَصَّ عَلَى فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ (مِنْهَا) إذَا قَالَ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يُتَبَيَّنَ الْحَمْلُ.
(وَمِنْهَا) إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يَدْرِيَ مَا يَفْعَلُ.
(وَمِنْهَا) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَعْتَزِلُهَا إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ.
(وَمِنْهَا) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُهَا مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ مُهَنَّا (وَمِنْهَا) مَسْأَلَةُ إنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَابًا، وَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
(وَمَنْ مَسَائِلِ الْقُرْعَةِ) إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى مُتَعَاقِبَيْنِ وَأَشْكَلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا وَاحِدَةً لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُلْغَى كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِي: يُعَيِّنُ الْوَاقِعَ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ وُقُوعَ أَحَدِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَشَكَّ فَمَيَّزَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ وُقُوعَ طَلَاقِ إحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي إلْحَاقِ الطَّلَاقِ لِأَحَدِ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَبِهَةِ فَمَنْ قَالَ بِالْقُرْعَةِ هُنَا جَعَلَهَا لِتَعْيِينِ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَجَعْلِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَازِمًا لِذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَهَا نَظَرَ إلَى الْقَصْدِ بِهَا هُنَا هُوَ اللَّازِمُ وَهُوَ الْوُقُوعُ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِيهِ وَهَذَا أَظْهَرُ.
(وَمَنْ غَرَائِبِ مَسَائِلِ الْقُرْعَةِ فِي الطَّلَاقِ) إذَا قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ أَيَّتُكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا اللَّيْلَةَ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ وَلَمْ يَطَأْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُنَّ يُطَلَّقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ; لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ وَهُوَ خُلُوُّ الْوَطْءِ فِي اللَّيْلَةِ قَدْ تَحَقَّقَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهَا فَإِذَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهَا لَا يَتَّسِعُ لِلْإِيلَاجِ تَحَقَّقَ شَرْطُ طَلَاقِ الْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيُطَلَّقُ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثُ صَوَاحِبَاتٍ لَمْ يَطَأْهُنَّ فَاجْتَمَعَتْ شُرُوطُ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا. وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ:
أَحَدُهُمَا هَذَا.
وَالْآخَرُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَجَزَمَ بِهِ أَنَّ إحْدَاهُنَّ تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَالْبَوَاقِيَ يُطَلَّقْنَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الْأُولَى طَلُقَتْ الثَّلَاثُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الثَّانِيَة طَلُقَتْ الْأُولَى وَاحِدَةً وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ ثِنْتَيْنِ
стр. 356
ثِنْتَيْنِ فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الثَّالِثَةِ طَلُقَتْ الْأُولَى اثْنَتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ اثْنَتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَبَانَتْ الرَّابِعَةِ فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الرَّابِعَةِ امْتَنَعَ عَنْهَا وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ فَلَمْ يَقَعْ بِالِامْتِنَاعِ فِيهَا طَلَاقٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا قُرْعَةُ الثَّلَاثِ حَرُمَتْ بِدُونِ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، وَمَلَكَ رَجْعَةَ الْبَوَاقِي. وَشَرْحُ كَلَامِهِ إنْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْئِهِنَّ مُرَتَّبًا ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا كَذَلِكَ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْلَةِ زَمَنٌ لَا يَتَّسِعُ لِلْإِيلَاجِ فِي أَرْبَعٍ فَقَدْ تَعَذَّرَ وَطْءُ الْأُولَى حِينَئِذٍ فَتَطْلُقُ الثَّلَاثَةُ الْبَوَاقِي طَلْقَةً طَلْقَةً فَإِذَا بَقِيَ زَمَنٌ لَا يَتَّسِعُ لِلْإِيلَاجِ فِي الثَّلَاثِ فَقَدْ تَعَذَّرَ وَطْءُ الثَّالِثَةِ فَتَطْلُقُ بِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالرَّابِعَةُ طَلْقَةً طَلْقَةً فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلْقَةٌ وَعَلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ طَلْقَتَانِ، فَإِذَا بَقِيَ زَمَنٌ لَا يَتَّسِعُ لِلْإِيلَاجِ فِي اثْنَتَيْنِ فَقَدْ تَعَذَّرَ وَطْءُ الثَّالِثَةِ فَتَطْلُقُ بِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالرَّابِعَةُ فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلْقَتَانِ وَعَلَى الرَّابِعَةِ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ فَتَحْرُمُ حِينَئِذٍ وَتَخْرُجُ عَنْ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا يَبْقَى الِامْتِنَاعُ مِنْ وَطْئِهَا شَرْطًا لِطَلَاقِ صَوَاحِبَاتِهَا ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ: أَيَّتَكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا اللَّيْلَةَ وَهِيَ زَوْجَتِي.
وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الرَّابِعَةِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ مَتَى حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فِي وَقْتٍ مُتَّسِعٍ فَتَعَذَّرَ فِعْلُهُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ حِنْثَهُ إنَّمَا هُوَ بِتَرْكِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي حَالِ التَّعَذُّرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ فَتَلِفَ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْأُولَى مِنْهُنَّ مَنْ كَانَ وَقْتُ الْيَمِينِ حَظَّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالثَّانِيَةُ الَّتِي تَلِيهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ وَالزَّوْجَةُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُدَّعٍ وَهِيَ مُنْكِرَةٌ.
وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قُرِعَ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
(وَمِنْهَا) إذَا آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا تُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَفِي الْمُحَرَّرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعَيِّنُ بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِي: بِتَعْيِينِهِ وَهُمَا مُخْرَجَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَفِي الْمَعْنَى لَهُ وَطْءُ الْجَمِيعِ سِوَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ سِوَى وَاحِدَةٍ تَعَيَّنَ الْإِيلَاءُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِدُونِ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَلَا يَصِيرُ مُوَالِيًا بِدُونِ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ النَّسَبِ بِالْقَافَةِ إمَّا لِعَدَمِهَا أَوْ لِعَدَمِ إلْحَاقِهَا بِالنَّسَبِ لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهَا وَلِاخْتِلَافِهَا فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِالْقُرْعَةِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ ابْنِ سَعْدٍ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي ثَلَاثَةٍ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ صَحِيحًا وَأُوهِنُهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْقَافَةِ أَعْجَبُ إلَيَّ يَعْنِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَضِيعُ نَسَبُهُ أَوْ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعَهُ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِينَ لَهُ فَيُلْحَقَ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ مَعًا كَالْمُدَّعِيَيْنِ لِعَيْنٍ
стр. 357
لَيْسَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا إذَا اسْتَوَيَا فِي الْبَيِّنَةِ أَوْ عَدَمِهَا فَإِنَّ الْعَيْنَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَكَذَا هَاهُنَا يُلْحَقُ النَّسَبُ بِهِمَا إذْ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْقُرْعَةِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ أَيُّهُمَا وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرِهَا، أَيْشٍ تَقُولُ فِيهِ؟ قَالَ أَحْمَدُ إنْ وَلَدَتْ خَيَّرَتْ الِابْنَ أَيَّهُمَا شَاءَ اخْتَارَ وَيَرِثُهُمَا جَمِيعًا، وَيُخَيَّرُ فِي حَيَاتِهِمَا أَيَّهُمَا شَاءَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ اخْتَارَ.
قَالَ الْقَاضِي هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِمَا كَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْهُمَا وَلَمْ يُوقِفْهُ إلَى بُلُوغِهِ وَتَخْيِيرِهِ إنَّمَا هُوَ لِلْحَضَانَةِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالْأَبَوَيْنِ مَعًا وَرِثَهُمَا وَخُيِّرَ فِي الْمَقَامِ عِنْدَ مَنْ يَخْتَارُ مِنْهُمَا. فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَحَدِيثُ عُمَرَ فِيهِ هَذَانِ الْحُكْمَانِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَيُلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْقُرْعَةِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُغْنِي فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِمَّا رَوَى صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْعَةُ أَرَاهَا قَدْ أَقْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ فَذَكَرَ مِنْهَا: وَأَقْرَعَ فِي الْوَلَدِ مِنْ حَدِيثِ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَذْهَبُ إلَى الْقُرْعَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَعَ. قُلْت إنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يُجِيزُونَ الْقُرْعَةَ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَقْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ نِسَائِهِ؟ وَالْقُرْعَةُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُرْعَةِ فِي النَّسَبِ وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ وَكَلَامَ الْحُفَّاظِ عَلَيْهِ وَتَوْجِيهَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْعَزْمِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ وَأَمَّا حُكْمُ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ فَإِنْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ الْوَلَدَ بِأَحَدِ الْوَاطِئِينَ وَكَانَتْ بِنْتًا حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْآخَرِ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْوَاطِئَيْنِ لِكَوْنِهَا رَبِيبَةً لَهُ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ فَإِنْ قُلْنَا يَضِيعُ النَّسَبُ حَرُمَتْ عَلَى الْوَاطِئِينَ وَأَوْلَادِهِمْ كَمَا إذَا اشْتَبَهَتْ ذَاتُ مَحْرَمٍ بِأَجْنَبِيٍّ وَإِنْ قُلْنَا يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُنْسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا بِمَيْلِ الطَّبْعِ فَفِي حِلِّهَا لِوَلَدِ الْآخَرِ بِلَبَنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فِي الرَّضَاعِ.
(وَأَمَّا حُكْمُ الْعِدَّةِ) فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إنْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ الْوَلَدَ بِأَحَدِهِمَا انْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا انْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُمَا. وَفِي الِانْتِصَارِ لِأَبِي الْخَطَّابِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى أَصْلِنَا أَنْ نَقُولَ تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ وَتَعْتَدُّ لِلْآخَرِ فِيمَا إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا رَجُلَانِ بِشُبْهَةٍ وَجُهِلَ السَّابِقُ. وَأَمَّا إنْ ضَاعَ نَسَبُهُ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ وَأُشْكِلَ عَلَيْهِمْ فَفِي الْإِقْنَاعِ لِابْنِ الزاغوني يُضَافُ إلَى أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ وَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُ. قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسْتَأْنَفَ الْعِدَّةُ لَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ الْبَرَاءَةَ مِنْ مَاءِ أَحَدِهِمَا حَيْثُ لَمْ يُنْسَبْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَالْمُغْنِي يَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثِ قُرُوءٍ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَتَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ عِدَّةِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي فَعَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ لِيَسْقُطَ
стр. 358
الْفَرْضُ بِيَقِينٍ. وَأَمَّا حُكْمُ الْمِيرَاثِ إذَا تَعَذَّرَ إلْحَاقُ النَّسَبِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَاتَ الْوَلَدُ فَفِي الْمُجَرَّدِ فِي الْعَدَدِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ حُكِمَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ، كَمَا قُلْنَا إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ وَمَاتَ. ثُمَّ قَالَ فَإِنْ كَانَ لِلطِّفْلِ أُمٌّ وَلِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِيهِ وَلَدٌ أَوْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ وَلِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ أَخَوَانِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ فَيُحْكَمُ لَهُ بِالثُّلُثِ وَلَا تُحْجَبُ بِالشَّكِّ.
قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تُشْرَعُ عِنْدَنَا إذَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا عِنْدَنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ: أَنَّهُ يُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ حَتَّى يَصْلُحَ عَلَيْهِ ثُمَّ الْعَجَبُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْأُمِّ هُنَا الثُّلُثَ حَيْثُ يَشُكُّ، هَلْ لَهَا الثُّلُثُ أَوْ السُّدُسُ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُعْطَى بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ انْتَهَى. وَأَقُولُ الْقُرْعَةُ هُنَا أَرْجَحُ مِنْ الْإِيقَافِ لِأَنَّ فِيهَا فَصْلًا لِلْأَحْكَامِ وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِهِ مِنْهُمَا فَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّعْوِيلُ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ وَأَنَّهُ ابْنٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا نَعَمْ لَوْ عَوَّلْنَا عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَقَسَمْنَا إرْثَهُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا دُخُولُ الْقُرْعَةِ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْأُمُّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ السُّدُسِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ، كَمَا لَا تَدْخُلُ الْقُرْعَةُ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْخُنْثَى مِنْ مِيرَاثِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلِأَنَّهُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَهُ حَاجِبٌ مَفْقُودٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: هَذَا الْكَلَامُ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ ابْتِدَاءً بِالْقُرْعَةِ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِوَلَدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَمَةٍ لَهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَتَبَيَّنَ وَتَعَذَّرَتْ الْقَافَةُ أَقْرَعْنَا لِأَجْلِ الْحُرِّيَّةِ فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَهُوَ حُرٌّ، وَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ هُنَا مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْإِقْرَارِ وَالْقُرْعَةِ فَيُرَجِّحُهُ
(وَمِنْهَا) إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي الْحَضَانَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ اخْتَارَهُمَا جَمِيعًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُعْطَى لِأُمِّهِ. وَأَمَّا قَبْلَ السَّبْعِ فَإِذَا اسْتَوَى فِي اسْتِحْقَاقِ حَضَانَتِهِ رَجُلَانِ كَأَخَوَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ كَأُخْتَيْنِ فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا.
(وَمِنْهَا) إذَا اسْتَحَقَّ الْقَوَدَ جَمَاعَةٌ وَتَشَاحُّوا فِي مُبَاشَرَةِ الِاسْتِيفَاءِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَالثَّانِي: بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ وَاحِدًا فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً وَطَلَبَ وَلِيُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتَصَّ عَلَى الْكَمَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أُقِيدَ بِهِ وَيَجِبُ لِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ.
وَالثَّانِي: يَبْدَأُ بِالسَّابِقِ فِي الْقَتْلِ فَيُقَادُ بِهِ وَتَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ لِلْبَاقِينَ، فَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً قَدَّمَ مَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْمُغْنِي سِوَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ يُقْتَلُ لِلْجَمِيعِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ بَقِيَّةُ دِيَاتِ الْجَمِيعِ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، وَحَكَى أَنَّ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ إذَا طَلَبُوا الْقَتْلَ فَلَيْسَ لَهُمْ غَيْرُهُ وَيَكُونُونَ قَدْ أَخَذُوا بَعْضَ حُقُوقِهِمْ وَسَقَطَ بَعْضُهَا، وَبَعُدَ بِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَالْإِسْقَاطِ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَعْطَيْنَا الْأَمَانَ لِمُشْرِكٍ فِي حِصْنٍ لِيَفْتَحَهُ
стр. 359
لَنَا فَفَعَلَ ثُمَّ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْمُسْتَأْمَنُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ جَمِيعًا.
وَالثَّانِي: يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ فَيَكُونُ حُرًّا وَيَرِقُّ الْبَاقُونَ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَالْخِرَقِيِّ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُمَيِّزُ الْحُرَّ مِنْ الْعَبْدِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَلَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَلَدَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ وَلَدُهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ فَإِنَّا نَقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِلْحُرِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ. وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ إرْقَاقُ الْبَاقِينَ هُنَا يُؤَدِّي إلَى ابْتِدَاءِ الْإِرْقَاقِ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى اسْتِدَامَةِ الْإِرْقَاقِ مَعَ الشَّكِّ فِي زَوَالِهِ فَالِاسْتِدَامَةُ تُبْقِيهِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ زَوَالُهُ وَالِابْتِدَاءُ نُقِلَ عَنْ الْأَصْلِ الْمُتَحَقِّقِ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُعْطِي لِلْأَمَانِ امْرَأَةً وَاشْتَبَهَتْ عَلَيْنَا لِتَوْجِيهِ جَوَازِ إرْقَاقِ النِّسَاءِ سِوَى وَاحِدَةٍ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَصِرْنَ أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ فَقَدْ اشْتَبَهَ هَا هُنَا الرَّقِيقُ بِحُرِّ الْأَصْلِ كَمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ الْمُشَارِ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْ حِصْنٍ قَبْلَ فَتْحِهِ ثُمَّ فَتَحْنَاهُ وَادَّعَى كُلُّهُمْ أَنَّهُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ وَاحِدٌ فَلَا يُسْتَرَقُّ، وَيُسْتَرَقُّ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقَهْرِ وَذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِرْقَاقَهُمْ عَلَى لِيَكْسِبُوا فَقَدْ اشْتَبَهَ هَاهُنَا الْحُرُّ بِمَنْ يَثْبُتُ اسْتِرْقَاقُهُ فَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ.
وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمَ مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْأَمَانِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهَا.
(وَمِنْهَا) إذَا جَعَلْنَا مَالًا لِمَنْ يَفْتَحُ الْحِصْنَ فَادَّعَى اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الَّذِي فَتَحَهُ دُونَ الْآخَرِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالَ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ بِدَعْوَاهُمَا لَهُ.
وَالْآخَرُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ كَانَ الْمَالُ لَهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ بِيَمِينٍ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّ الْأَيْمَانِ هِيَ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِيَمِينٍ لَا يَدْرِي مَا هِيَ طَلَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَعْلَمَ أَوْ يَسْتَيْقِنَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ مُوجِبِ كُلِّ يَمِينٍ بِانْفِرَادِهَا. وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ صَالِحٌ: سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَا يَدْرِي مَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَمْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْمَشْيِ قَالَ لَوْ عَرَفَ اجْتَرَأْتُ أَنْ أُجِيبَ فِيهَا فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَدْرِ؟ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَمَا خَرَجَ بِالْقُرْعَةِ لَزِمَهُ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالشَّكِّ وَلَكِنَّهُ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ أَنَّهُ اُسْتُفْتِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَوَقَّفَ فِيهَا ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَأَيُّ يَمِينٍ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا قَالَ ثُمَّ وَجَدْت عَنْ أَحْمَدَ
стр. 360
مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ الْيَمِينِ وَذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ كُلِّ يَمِينٍ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ وُجُوبَ أَحَدِهِمَا وَشَكَّ فِي عَيْنِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ أَيْضًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا إحْدَى الْأَيْمَانِ الْمُكَفَّرَةِ، وَأَمَّا إنْ شَكَّ هَلْ هِيَ مِمَّا يَدْخُلُهُ التَّكْفِيرُ أَوْ لَا؟ فَلَا يَزُولُ شَكُّهُ بِالتَّكْفِيرِ الْمَذْكُورِ، وَفِي مَسَائِلِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ سَمِعْت رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ يَمِينٍ حَلَفَهَا فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ كَيْفَ حَلَفْت فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَيْسَ أَدْرِي كَيْفَ حَلَفْت؟ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِشَرِيكٍ حَلَفْت وَلَيْسَ أَدْرِي كَيْفَ حَلَفْت؟ فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: لَيْتَنِي إذَا دَرَيْتُ أَنْتَ كَيْفَ حَلَفْتَ دَرَيْتُ أَنَا كَيْفَ أُفْتِيكَ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ بِمَاذَا حَلَفَ فَيَكُونُ كَرِوَايَةِ صَالِحٍ السَّابِقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَثَلًا لَيَفْعَلُ شَيْئًا وَنَسِيَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهُنَا قَدْ شَكَّ فِي شَرْطِ الطَّلَاقِ وَهُوَ عَدَمِيٌّ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يَحْنَثُ فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُودُ [مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَدَمُ وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَهُنَا شَرْطُ الطَّلَاقِ وُجُودِيٌّ] وَهُوَ الْفِعْلُ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِهِ وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلَنَّ شَيْئًا ثُمَّ نَسِيَهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْبِرِّ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى
(وَمِنْهَا) إذَا تَنَاضَلَ حِزْبَانِ وَاقْتَسَمُوا الرِّجَالَ بِالِاخْتِيَارِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَادِي بِالِاخْتِيَارِ مِنْ كُلِّ حِزْبٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الرُّمَاةُ فِي الْمُبْتَدِي بِالرَّامِي وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْآمِدِيّ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ مَنْ أَخْرَجَ السَّبَقَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْمُنَاضَلَةِ حَتَّى يُعَيَّنَ الْمُبْتَدِئ فِيهِ بِالرَّمْيِ.
(وَمِنْهَا) إذَا اسْتَوَى اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي دَرَجَةٍ فَفِي الْمُجَرَّدِ يُقَدَّمُ أَسَنُّهُمَا ثُمَّ أَقْدَمُهُمَا هِجْرَةً وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يُقَدَّمُ بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ بِالدِّينِ ثُمَّ بِالسِّنِّ ثُمَّ بِالشَّجَاعَةِ، ثُمَّ وَلِيُّ الْأَمْرِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ رَتَّبَهُمَا عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَنَازَعَ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى اثْنَانِ وَتَكَافَآ فِي صِفَاتِ التَّرْجِيحِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ قَالَ الْقَاضِي هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ كَالْأَذَانِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ عُقِدَتْ الْإِمَامَةُ لِاثْنَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ وَجُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَقَالَ الْقَاضِي: يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا بُطْلَانُ الْعَقْدِ فِيهِمَا.
وَالثَّانِيَةُ: اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ بِنَاءً عَلَى مَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَذَلِكَ هُنَا انْتَهَى.
وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي حِكَايَةِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحَانِ وَقِيَاسُ هَذَا أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدَانِ لِأَنَّهُمَا يَبْطُلَانِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ.
(وَمِنْهَا) إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ
стр. 361
عَمَلًا وَاحِدًا وَقُلْنَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْخَصْمَانِ فِيمَنْ يَحْتَكِمَانِ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: يُمْنَعَانِ مِنْ التَّخَاصُمِ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى أَحَدِهِمَا قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِقَوْلِنَا.
(وَمِنْهَا) إذَا هَجَمَ الْخُصُومُ عَلَى الْقَاضِي دُفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا فِي التَّقَدُّمِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مُسَافِرٌ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ [وَكَذَا إذَا ادَّعَى الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ مَعًا فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ أَحَدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ]
(وَمِنْهَا) الْقُرْعَةُ فِي الْقِسْمَةِ إذَا عَدَّلَ الْقَاسِمُ السِّهَامَ بِالْأَجْزَاءِ إنْ تَسَاوَتْ وَبِالْقِيمَةِ إنْ اخْتَلَفَتْ وَبِالرَّدِّ فِيمَا يَقْتَضِي الرَّدَّ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي رُقْعَةٍ، ثُمَّ تُخْلَطُ الرِّقَاعُ وَيَخْرُجُ عَلَى كُلِّ اسْمٍ رُقْعَةً مِنْهَا، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ اسْمَ كُلِّ سَهْمٍ فِي رُقْعَةٍ ثُمَّ خَلَطَهَا وَأَخْرَج وَاحِدَةً وَاحِدَةً، كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى اسْمِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَإِذَا تَمَّتْ الْقُرْعَةُ لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ لِلشُّرَكَاءِ. وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يَلْزَمُهُ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ حَتَّى يَتَرَاضَيَا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا بَيْعٌ إذَا دَخَلَهَا الرَّدُّ فَيُشْتَرَطُ لَهَا التَّرَاضِي.
(وَمِنْهَا) إذَا تَدَاعَى اثْنَانِ عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ فَأَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ عَيْنَهُ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قَرَعَ فَهِيَ لَهُ، وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا أَحَبَّ الرَّجُلَانِ الْيَمِينَ أَوْ كَرِهَاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهِ» لَكِنَّهُ قَالَ إذَا كَرِهَا الْيَمِينَ وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ رَهْنًا أَوْ بَيْعًا مَرْدُودًا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ غَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَرْدُودِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَإِنْ قَالَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لَيْسَ لِي وَلَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ؟ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: إحْدَاهَا يَقْتَرِعَانِ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا.
وَالثَّانِي: يُجْعَلُ عِنْدَ أَمِينِ الْحَاكِمِ.
وَالثَّالِثُ: تُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي النَّصْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مُعْتَرَفٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَا يُعْرَفُ مَالِكُهُ فَادَّعَاهُ مُعَيَّنٌ فَهَلْ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تُقَرُّ بِيَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَمْ يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
(وَمِنْهَا) إذَا تَدَاعَى اثْنَانِ عَيْنًا لَيْسَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَاَلَّتِي بِأَيْدِيهِمَا.
وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَيُعْطَى لِمَنْ قُرِعَ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ ثَالِثٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي اثْنَيْنِ تَدَاعَيَا كِيسًا لَيْسَتْ أَيْدِيهمَا عَلَيْهِ أَنَّهُمَا يَسْتَهِمَانِ عَلَيْهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا أَوْ لَا يَكُونَ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
(وَمِنْهَا) إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. إحْدَاهُنَّ يَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ وَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا.
وَالثَّانِيَةُ: يُسْتَعْمَلَانِ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَالثَّالِثَةُ: يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ قُرِعَ لَهُ حَلَفَ وَأَخَذَ الْعَيْنَ. هَكَذَا حَكَى الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَتَبِعَهُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَأَنْكَرَهَا فِي كِتَابِ الْمُجَرَّدِ
стр. 362
وَالْخِلَافِ.
وَقَالَ: إنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ يَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ وَتَصِيرُ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ جَمِيعًا أَسْقَطْتَ الْبَيِّنَتَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ أَكَذَبَتْ صَاحِبَتَهَا وَيَسْتَهِمَانِ عَلَى الْيَمِينِ.
وَحَكَى ابْنُ شِهَابٍ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُنَازَعُ فِيهَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَلَا تَعَارُضَ، بَلْ نُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّنَازُعُ فِي سَبَبِ الْيَدِ بِأَنْ يَدَّعِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ أَوْ اتَّهَبَهَا مِنْهُ وَيُقِيمَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَالثَّانِيَةُ: يَتَعَارَضَانِ ; لِأَنَّ السَّبَبَ الْيَدُ هُوَ نَفْسُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَلَا تَبْقَى مُؤَثِّرَةً لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مِلْكَ هَذِهِ الدَّارِ لِزَيْدٍ وَعَنْهُ هُوَ سَمَّيْتُك فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلْيَدِ تَأْثِيرٌ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مُسْتَنَدَهَا وَهُوَ الشِّرَاءُ الَّذِي عُورِضَ بِمِثْلِهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَصَاحِبِ الْمُحَرِّرِ.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ هَاهُنَا وَابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْقُرْعَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ بَاعَ ثَوْبًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَتَيْنِ وَالْبَائِعُ يَقُولُ: بِعْتُهُ بِمِائَتَيْنِ وَالثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدُ. قَالَ لَيْسَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِشَيْءٍ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ لَهُ بِاَلَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا اشْتَرَاهُ أَوَّلًا قَالَ لَا يَنْفَعُهُ مَا فِي يَدِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ فَلَا يَنْفَعُهُ مَا فِي يَدِهِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمُجَرَّدِ حَكَى هَذَا النَّصَّ عَنْ أَحْمَدَ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَجَابَ بِقِسْمَةِ الثَّوْبِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَيْدِيهمَا، وَإِنَّمَا أَجَابَ أَحْمَدُ فِيهِ بِالْقُرْعَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنَّمَا الْمُجِيبُ بِالْقِسْمَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَذْكُرُ لِأَحْمَدَ أَوَّلًا الْمَسْأَلَةَ، وَجَوَابَ سُفْيَانَ فِيهَا فَيُجِيبُهُ أَحْمَدُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمُوَافَقَةِ أَوْ بِالْمُخَالِفَةِ فَرُبَمَا يُشْتَبَهُ جَوَابُ أَحْمَدَ بِجَوَابِ سُفْيَانَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي كَثِيرًا فَلْيُنَبَّهْ لِذَلِكَ وَلْيُرَاجِعْ كَلَامَ أَحْمَدَ مِنْ أَصْلِ مَسَائِلِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَوَقَعَ فِي الْإِرْشَادِ لِابْنِ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا وَقَعَ لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّوْبُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَتَانِ بِالْعَقْدَيْنِ أَوْ الْإِقْرَارَيْنِ أَوْ الْحُكْمَيْنِ أَنْ يُصَدَّقَ الْبَيِّنَتَانِ بِهِ إنْ عُلِمَ السَّابِقُ وَإِلَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْعَقْدَيْنِ وَلَا يُعْلَمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا. فَهُنَا إمَّا أَنْ يُقْرِعَ أَوْ يَبْطُلَ الْعَقْدَانِ، فَلَا يَبْقَى هُنَا عَقْدٌ صَحِيحٌ يُحْكَمُ بِهِ فَيَقَرَّ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ وَتَكُونُ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ لِمَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ قَالَ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَ أَسْبَقُ عَقْدَيْ الْبَيْعِ أَنْ يَفْسَخَهُمَا إلَّا إذَا تَعَذَّرَ مُوجِبُ الْفَسْخِ مِنْ رَدِّ الثَّمَنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ الْمَالِكُ بِغَيْرِ الْمَالِكِ أَوْ الْمِلْكُ بِغَيْرِ الْمِلْكِ
стр. 363
فَإِنَّا نُقْرِعُ، فَإِذَا أَمْكَنَ فَسْخُ الْعَقْدِ وَرَدُّ كُلِّ مَالٍ إلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ خَطَرِ الْقُرْعَةِ
(وَمِنْهَا) الْإِقْرَاعُ فِي الْعِتْقِ وَهُوَ أَشْهَرُ مَا وَرَدَتْ فِيهِ السُّنَّةُ بِالْإِقْرَاعِ فِيهِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ (فَمِنْهَا) إذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبِيدَهُ أَوْ دَبَّرَهُمْ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَيَعْتِقُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ قَالَ الْقَاضِي وَيَكُونُ الْعِتْقُ مُرَاعًى فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْحُرَّ مِنْهُمْ اثْنَانِ مَثَلًا وَأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ وَإِنَّمَا تَمَيَّزَا وَتَعَيَّنَا بِالْقُرْعَةِ كَمَا يَتَمَيَّزُ وَيَتَعَيَّنُ الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ بِالْإِقْرَاعِ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُوَرٌ لَا إقْرَاعَ فِيهَا ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ (أَحَدُهَا) إذَا كَانَ عِتْقُ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ مُرَتَّبًا عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ قَالَ إنْ أَعْتَقْتُ سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ سَالِمٌ وَحْدَهُ إذَا عَتَقَهُ وَلَا يُقْرَعُ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَدْ تُفْضِي إلَى عِتْقِ غَانِمٍ وَحْدَهُ فَيَلْزَمُهُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ.
(وَالثَّانِيَة) إذَا قَالَ فِي مَرَضِهِ: اعْتِقُوا سَالِمًا إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا فَاعْتِقُوا مِنْهُ مَا عَتَقَ، وَقَالَ أَيْضًا اعْتِقُوا غَانِمًا إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا فَاعْتِقُوا مِنْهُ مَا عَتَقَ قَالَ الْأَصْحَابُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ مَعَ تَسَاوِي قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالْوَصِيَّةِ تَكْمِيلَ الْحُرِّيَّةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ فَلَمْ يُقْرَعْ. كَمَا لَوْ قَالَ: اعْتِقُوا نِصْفَ سَالِمٍ وَإِلَّا فَنِصْفُ غَانِمٍ.
(وَالثَّالِثَةُ) إذَا أَعْتَقَ أَمَةً حَامِلًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَمْ يَتَّسِعْ الثُّلُثُ لَهَا وَلِحَمْلِهَا قَالُوا لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ لِأُمِّهِ وَجُزْءٌ مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعِتْقِ دُونَهَا وَالْقُرْعَةُ قَدْ تُفْضِي إلَى ذَلِكَ وَلَا أَنْ تُعْتَقَ هِيَ دُونَ حَمْلِهَا إذَا اسْتَوْعَبَتْ قِيمَتُهَا الثُّلُثَ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لَهَا وَعِتْقُهُ مُلَازِمٌ لِعِتْقِهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يُعْتَقُ مِنْهُ مِثْلُهُ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهَا وَمِنْ حَمْلِهَا بِالْحِصَّةِ.
وَذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي مُوسَى إلَى أَنَّ الْإِقْرَاعَ إنَّمَا يَدْخُلُ حَيْثُ كَانَ الْعِتْقُ لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَتَشَاحَّ الْعَبِيدُ فِيهِ فَأَمَّا إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ فَلَا إقْرَاعَ وَكَذَا إنْ لَمْ يتشاح فِيهِ الْعَبِيدُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافِهِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا إذَا وَصَّى بِعِتْقِ عَبِيدِهِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ أَعْتَقُوا مِنْهُمْ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ. فَإِنْ تَشَاحَّ الْعَبِيدُ فِي الْعِتْقِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَعَتَقَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُمْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَذَكَرَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَرِيضٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ الْعِتْقُ لَهُمَا وَيَتَحَاصُّ فِيهِ الْعَبْدَانِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا يَعْنِي إذَا كَانَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ لَا لِلْجَمِيعِ وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي تَدْبِيرِهِمْ كُلِّهِمْ إلَّا أَنْ نَقُولَ: تَدْبِيرُهُمْ يَقَعُ مَوْقُوفًا مُرَاعًى كَعِتْقِهِمْ الْمُنْجَزِ فِي مَرَضِهِ فَيُعْتَقُ مِنْهُمْ مَنْ عَدِمَ الْإِجَازَةَ قَدْرَ الثُّلُثِ، وَهُوَ مُبْهَمٌ فَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ ; فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَبِيدُ جَمِيعَ مَالِهِ أَوْ نِصْفَهُ مَثَلًا، إذْ لَا بُدَّ مِنْ الرَّدِّ إلَى الثُّلُثِ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ اعْتِقُوا عَنِّي أَحَدَ عَبْدَيَّ هَذَيْنِ أَنَّهُ يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا
стр. 364
فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْعِتْقِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا قَالَ: يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ فَالْوَاجِبُ فِيهَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَا لَوْ وَصَّى بِأَحَدِهِمَا لِزَيْدٍ
(وَمِنْهَا) لَوْ عَتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ فَإِنَّهُ يُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَعْتِقُهُ بِتَعْيِينِهِ مِنْ الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ فِي الطَّلَاقِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ ثُمَّ أُنْسِيه أَوْ جَهِلَهُ ابْتِدَاءً كَمَسْأَلَةِ الطَّائِرِ الْمَشْهُورَةِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُقْرِعُ هَاهُنَا مِنْ الطَّلَاقِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ لَكِنَّ قِيَاسَ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ يُقْرِعُ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ وَيُسْتَدَامُ الْمِلْكُ فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ وَطْءُ شَيْءٍ مِنْهُنَّ إذَا كُنَّ إمَاءً وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ آخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَجُهِلَ أَمْرُهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُ الْمَالِكَيْنِ عَبْدَ الْآخَرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَقُ مَا اشْتَرَاهُ لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ لِاسْتِرْقَاقِ عَبْدِهِ إقْرَارٌ مِنْهُ لِأَنَّ عَبْدَ صَاحِبِهِ هُوَ الَّذِي عَتَقَ فَإِذَا اشْتَرَاهُ نَفَذَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ثُمَّ يُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ تَمَسُّكَهُ بِعَبْدِهِ إنَّمَا كَانَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ هُوَ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَتَصَادَقَا عَلَى أَمْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي إنْ وَقَعَتْ الْحُرِّيَّةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَبْدِهِ فَوَلَاؤُهُ لَهُ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قُرِعَ فَالْوَلَاءُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ الَّذِي يَدَّعِيه أَبَوَانِ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ هَاهُنَا إنَّمَا عَتَقَ عَلَى وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُنَاكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لَهُمَا وَكَذَلِكَ يُقَالُ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ مُوسِرَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَابًا فَنَصِيبِي حُرٌّ وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَنَصِيبِي حُرٌّ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ مَا تَلِدِينَهُ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ وَاشْتَبَهَ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا فَإِنَّهُ يُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَجُهِلَ ابْتِدَاءً وَلَوْ قَالَ أَوَّلُ غُلَامٍ لِي يَطْلُعُ فَهُوَ حُرٌّ فَطَلَعَ عَبِيدُهُ كُلُّهُمْ أَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ أَيَّتُكُنَّ طَلَعَ أَوَّلًا فَهِيَ طَالِقٌ فَطَلَعْنَ كُلُّهُنَّ فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُمَيَّزُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَبِيدِ وَامْرَأَةٌ مِنْ الزَّوْجَاتِ بِالْقُرْعَةِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا النَّصِّ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ اطِّلَاعَهُمْ كَانَ مُرَتَّبًا وَأَشْكَلَ السَّابِقُ فَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ كَمَسْأَلَةِ الْوِلَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُمْ طَلَعُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ: صِفَةُ الْأَوَّلِيَّةِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِانْفِرَادِهِ وَالْمُعْتَقُ إنَّمَا أَرَادَ عِتْقَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمُيِّزَ بِالْقُرْعَةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ يَعْتِقُ وَيُطَلِّقُ الْجَمِيعَ لِأَنَّ تَرِكَةٌ صِفَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَفْظُهُ صَالِحٌ لِلْعُمُومِ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ [مُضَافٌ] أَوْ يُقَالُ الْأَوَّلِيَّةُ صِفَةٌ لِلْمَجْمُوعِ لَا لِلْأَفْرَادِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الطَّلَاقِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَطْلُقُ وَلَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا فَرْدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَالْفَرْدِيَّةُ مُشْتَبِهَةٌ هُنَا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ
стр. 365
فِي الطَّلَاق وَالسَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ الْكَافِي، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ طَلَعَ بَعْدَهُمْ مِنْ عَبِيدِهِ وَزَوْجَاتِهِ طَلُقْنَ وَعَتَقْنَ وَإِلَّا فَلَا ; بِنَاءَ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ السَّابِقُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ أَوَّلًا حَتَّى يَأْتِيَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ فَيَتَحَقَّقُ لَهُ بِذَلِكَ صِيغَةُ الْأَوَّلِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فَقَالَ: وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِعَبِيدِهِ أَيُّكُمْ جَاءَنِي بِخَبَرِ كَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَأَتَى بِذَلِكَ الْخَبَرِ اثْنَانِ مَعًا أَوْ أَكْثَرُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا: قَدْ عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ فَقَدْ عَتَقَ. وَقَالَ فِي الْأُخْرَى فَقَدْ عَتَقَا جَمِيعًا انْتَهَى.
فَأَمَّا وَجْهُ عِتْقِهِمَا جَمِيعًا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ أَيًّا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَأَمَّا وَجْهُ عِتْقِ أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ فَهُوَ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيقِ الْخُصُوصُ وَأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ عِتْقٌ وَاحِدٌ يَجِيءُ بِالْخَبَرِ فَيَصِيرُ عُمُومُ هَذَا اللَّفْظِ عُمُومًا بِدَلِيلِهِ لَا عُمُومَ شُمُولٍ فَلَا يُعْتَقُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ فَإِذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْخَبَرِ أُعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ أَيَّتُكُنَّ خَرَجَتْ فَهِيَ طَالِقٌ فَإِذَا خَرَجْنَ جَمِيعًا طُلِّقْنَ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْإِخْبَارُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ يَحْصُلُ مِنْ أَحَدِ الْمُخْبِرَيْنِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْآخَرِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ مَنْ أَخْبَرَنِي مِنْكُنَّ بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَخْبَرْنَهُ مُتَفَرِّقَاتٍ أَنَّهُ لَا يُطَلَّقُ مِنْهُنَّ إلَّا الْأُولَى لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْإِخْبَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ حَاصِلٌ بِهَا وَلِهَذَا لَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَدَخَلَ جَمَاعَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ.
وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَجَاءَهُ جَمَاعَةٌ فَلَهُمْ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمْ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ مِنْ الْجَمَاعَةِ وُجُودًا وَاحِدًا بِخِلَافِ دُخُولِ الدَّارِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وُجِدَ مِنْهُ دُخُولٌ كَامِلٌ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مَنْ سَبَقَ فَلَهُ كَذَا فَسَبَقَ اثْنَانِ مَعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: السَّبْقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهَا جَمَاعَةٌ.
وَالثَّانِي: لِكُلٍّ مِنْهُمْ سَبْقٌ كَامِلٌ لِأَنَّهُ سَابِقٌ بِانْفِرَادِهِ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ تَارَةً يَكُونُ شَيْئًا وَاحِدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ كَرَدِّ الْآبِقِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَتَعَدَّدُ الْمَشْرُوطُ بِعَدَدِ الْمُحَصِّلِينَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي تَحْصِيلِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَاشْتَرَكُوا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ وَتَارَةً يَكُونُ قَابِلًا لِلْعَدَدِ وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ التَّعَدُّدُ فِيهِ مَقْصُودًا لِدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَيَتَعَدَّدُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا إذَا قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ أَوْ فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ فَهِيَ طَالِقٌ وَكَذَلِكَ تَجِيءُ عَلَى هَذَا إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأَنَّ تَعَدُّدَ الِاثْنَيْنِ مَطْلُوبٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَمَسْأَلَةُ السَّبْقِ قَدْ يُقَالُ هِيَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَقَدْ يُقَالُ السَّبْقُ إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْمَجْمُوعِ لَا مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ، أَوْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ لَيْسَ بِسَابِقٍ لِلْبَاقِينَ بَلْ هُوَ سَابِقٌ لِمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ وَمُسَاوٍ لِمَنْ جَامَعَهُ فَالْمُتَّصِفُ بِالسَّبْقِ هُوَ الْمَجْمُوعُ لَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ فَلِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا
стр. 366
جُعْلًا وَاحِدًا وَهَذَا أَظْهَرُ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا لَا يَكُونُ التَّعَدُّدُ فِيهِ مَقْصُودًا كَالْإِتْيَانِ بِالْخَبَرِ فَهَلْ يَشْتَرِك الْآتُونَ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَمْ يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَيُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْتَقُ الْجَمِيعُ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ رِوَايَةَ صَالِحٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ وَرِوَايَةَ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدًا غَيْرَ لَبِزَيْغِ مُعَيَّنٍ وَمَا ذَكَرْنَا أَشْبَهُ. وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ مَسْأَلَةٌ أَوْ لَكِنْ يَطَّلِعُ عَلَى مَا إذَا قِيلَ: إنَّ الْأَوَّلِيَّةَ صِفَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَمِعِينَ لِأَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجَمِيعَ وَأَمَّا إنْ قِيلَ: الْأَوَّلِيَّةُ صِفَةٌ لِلْمَجْمُوعِ يُوَجَّهُ وُقُوع الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَبَهَ عَبْدُهُ بِعَبِيدِ غَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَبْدُهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ عَنْ وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَيَخْرُجُ عَبْدُهُ بِالْقُرْعَةِ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ زَوْجَتُهُ بِأَجَانِبَ فَطَلَّقَهَا فَلَهُ إخْرَاجُهَا بِالْقُرْعَةِ وَنِكَاحُ الْبَوَاقِي عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ فَطَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا أَنَّهُ يُخْرِجُ أَرْبَعًا بِالْقُرْعَةِ ثُمَّ يَنْكِحُ الْبَوَاقِيَ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: لَا يَمْتَنِعُ التَّمَيُّزُ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ بِرَجُلٍ وَاشْتَبَهَ فِيهِنَّ فَإِنَّهَا تُمَيَّزُ بِالْقُرْعَةِ عَلَى الْمَنْصُوصُ.
وَفِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ لِابْنِ عَقِيلٍ لَوْ اخْتَلَطَ عَبْدُهُ بِأَحْرَارٍ لَمْ يُقْرِعْ وَلَوْ اخْتَلَطَ مَنْ أَعْتَقَهُ وَلَهُ عِتْقُهُ وَمَنْ لَا يَمْلِكُ عِتْقَهُ إلَّا بِإِجَازَةٍ جَازَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَعْمَلُ فِي آكَدِ التَّحْرِيمَيْنِ وَتَعْمَلُ فِي أَيْسَرِهِمَا.
[فَصْلٌ فَوَائِدُ تُلْحَقُ بِالْقَوَاعِدِ وَهِيَ فَوَائِدُ مَسَائِلَ مُشْتَهِرَةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ]
[الْمَسْأَلَة الْأُولَى مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ آخِر صَلَاتِهِ أَوْ أَوَّلُهَا]
فَصْلٌ وَهَذِهِ فَوَائِدُ تُلْحَقُ بِالْقَوَاعِدِ وَهِيَ فَوَائِدُ مَسَائِلَ مُشْتَهِرَةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا فَوَائِدُ مُتَعَدِّدَةٌ (الْأُولَى) فَمِنْ ذَلِكَ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ أَوْ أَوَّلُهَا وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُدْرِكُهُ آخِرَ صَلَاتِهِ وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِيَةُ عَكْسَهَا
وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ (إحْدَاهَا) مَحِلُّ الِاسْتِفْتَاحِ فَعَلَى الْأُولَى يَسْتَفْتِحُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ يَقْضِيهَا إذْ هِيَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ نَقَلَهَا حَرْبٌ وَفِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ لِلْقَاضِي لَا يُشْرَعُ الِاسْتِفْتَاحُ فِيهَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَسْتَفْتِحُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ يُدْرِكُهَا لِأَنَّهَا أولته. نَقَلَهَا ابْنُ حَزْمٍ.
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَة) : التَّعَوُّذُ فَعَلَى الْأُولَى يَتَعَوَّذُ إذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ خَاصَّةً وَعَلَى الثَّانِيَة يَتَعَوَّذُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ يُدْرِكُهَا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّ التَّعَوُّذَ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَتُلْغَى هَذِهِ الْفَائِدَةُ.
(الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ) : هَيْئَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ فَإِذَا فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ الْأَوَّلَتَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ
стр. 367
الْعِشَاءِ جَهَرَ فِي قَضَائِهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَإِنْ أَمَّ فِيهِمَا وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ سُنَّ لَهُ الْجَهْرُ وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا جَهْرَ هَاهُنَا.
(الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ) : مِقْدَارُ الْقِرَاءَةِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْمَقْضِيَّتَيْنِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ مَعَهَا عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي الْمُغْنِي هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا نَعْلَمُ عَنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي بِنَاؤُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا مَا يَقْضِيه أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ وَذَكَره ابْنُ أَبِي مُوسَى تَخْرِيجًا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى وَقَالَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى قِرَاءَةَ السُّورَتَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ إذَا نَسِيَهُمَا فِي الْأَوِّلَتَيْنِ. قُلْتُ.
وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى مَأْخَذٍ ثَالِثٍ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِمَا، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَيُحْتَاطُ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً وَاحِدَةً فَإِنْ قُلْنَا مَا يَقْضِيه أُولَى صَلَاتِهِ قَرَأَ فِي الْأُولَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ وَفِي الثَّالِثَةِ بِالْحَمْدِ وَحْدَهَا. وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ يَحْتَاطُ وَيَقْرَأُ فِي الثَّلَاثِ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ قَالَ الْخَلَّالُ رَجَعَ عَنْهَا أَحْمَدُ.
(الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ) : قُنُوتُ الْوِتْرِ إذَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ مَنْ يُصَلِّي الْوِتْرَ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي مَحِلِّهِ وَلَا يُعِيدُهُ إنْ قُلْنَا: مَا يُدْرِكُهُ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: أَوَّلُهَا أَعَادَهُ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ يَقْضِيهَا.
(الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ) : تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ الزَّوَائِدُ إذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَة مِنْ الْعِيدِ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ كَبَّرَ خَمْسًا فِي الْمَقْضِيَّةِ وَإِلَّا كَبَّرَ سَبْعًا.
(الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ) : إذَا سُبِقَ بِبَعْضِ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنْ قُلْنَا مَا يُدْرِكُهُ آخِرَ صَلَاتِهِ تَابَعَ الْإِمَامَ فِي الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأَ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ يَقْضِيهَا وَإِنْ قُلْنَا مَا يُدْرِكُهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ قَرَأَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ.
(الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ) مَحِلُّ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً وَفِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: تَوَدّهَا عَقِيبَ قَضَاءِ رَكْعَةٍ.
وَالثَّانِيَةُ: عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ نَقَلَهَا حَرْبٌ. وَالْأَوْلَى اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّ الرَّوِيَّاتِ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفَ فِي بِنَاءِ الرِّوَايَتَيْنِ فَقِيلَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إنْ قُلْنَا مَا يَقْضِيه أَوَّلَ صَلَاتِهِ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ آخِرُهَا تَشَهُّدٌ عَقِيبَ رَكْعَةٍ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ وَأَوْمَأَ إلَيْهَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ.
وَقِيلَ إنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى قَوْلِنَا مَا يُدْرِكُهُ آخِرَ صَلَاتِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ والبراثي مُفَرِّقًا بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَعُلِّلَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَنَّهُ
стр. 368
احْتَاطَ بِالْجَمْعِ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْجُلُوسِ عَقِيبَ رَكْعَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَقِيبَ رَكْعَةٍ مَعَ قَوْلِهِ أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرَ صَلَاتِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ أَحْمَدُ. وَزَعَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ.
وَيَرُدُّهُ مَا نَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَقِيبَ رَكْعَتَيْنِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَجَعَلَهُ كَتَارِكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَمِمَّا يَحْسُنُ تَخْرِيجه عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَلَمْ نَجِدْهُ مَنْقُولًا تَطْوِيلُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَة وَتَرْتِيبُ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا أَقَامَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْفَعَ إذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهَا ثَالِثَتُهُ سَوَاءٌ قَامَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْفَعَ إذَا قَامَ مِنْ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ الْمُعْتَدِّ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَقِيبَ الثَّانِيَة أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا الرَّفْعِ هُوَ الْقِيَامُ مِنْ هَذَا التَّشَهُّدِ فَيَتْبَعُهُ حَيْثُ كَانَ وَهَذَا أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الزَّكَاةُ هَلْ تَجِبُ فِي عَيْنِ النِّصَابِ أَوْ ذِمَّةِ مَالِكِهِ]
(الثَّانِيَة) الزَّكَاةُ هَلْ تَجِبُ فِي عَيْنِ النِّصَابِ أَوْ ذِمَّةِ مَالِكِهِ.
اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ عَلَى طُرُقٍ: (إحْدَاهَا) أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْعَيْنِ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
(وَالثَّانِيَةُ) : أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ مُتَابَعَةً لِلْخِرَقِيِّ (وَالثَّالِثَةُ) أَنَّهَا تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَتَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّاب وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
(وَالرَّابِعَةُ) أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: تَجِبُ فِي الْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِي كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي الشَّافِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلَكِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يُشْعِرُ بِتَنْزِيلِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَهُمَا يَسَارُ الْمَالِكِ وَإِعْسَارُهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَتْ فِي عَيْنِ مَالِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَلِلِاخْتِلَافِ فِي مَحِلِّ التَّعَلُّقِ ; هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الذِّمَّةُ؟ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ:
(الْأُولَى) : إذَا مَلَكَ نِصَابًا وَاحِدًا وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ أَحْوَالًا فَإِنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ وَجَبَتْ زَكَاةُ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِأَنَّ قَدْرَ الزَّكَاةِ زَالَ الْمِلْكُ فِيهِ عَلَى قَوْلٍ وَعَلَى آخَرَ ضَعُفَ الْمِلْكُ فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِ تَمَلُّكِهِ وَالْمُسْتَحَقُّ فِي حُكْمِ الْمُؤَدَّى فَصَارَ كَالْمَنْذُورِ سَوَاءٌ، فَإِنَّ الْمَنْذُورَ يَجُوزُ عِنْدَنَا إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ وَهَذَا كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ وَجَبَتْ لِكُلِّ حَوْلٍ إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ دِينَ اللَّهِ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: يَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ لِكُلِّ حَوْلٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَهَذَا فِيمَا كَانَتْ زَكَاتُهُ مِنْ جِنْسِهِ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالْإِبِلِ الْمُزَكَّاةِ بِالْغَنَمِ تَكَرَّرَتْ لِكُلِّ حَوْلٍ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إخْرَاجَ جُزْءٍ مِنْهُ فَيَبْقَى الْمِلْكُ فِيهِ تَامًّا وَهَذَا مَا ذَكَرَ الْخَلَّالُ وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ وَذَكَرَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُبْهِجِ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ لَا يَجِبُ سِوَى زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَمَتَى اسْتَأْصَلَتْ الزَّكَاةُ الْمَالَ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلَى
стр. 369
وُجُوبِهَا فِي الدَّيْنِ بَعْدَ اسْتِغْرَاقِهِ بِالزَّكَاةِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ وَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِأَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ فَتَتَعَلَّقُ زَكَاتُهُ بِالذِّمَّةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ فِي امْتِنَاعِ الزَّكَاةِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ " تَنْبِيهٌ " تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَهَلْ هُوَ مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ الْحَوْلِ الثَّانِي ابْتِدَاءً؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهُ لِقُصُورِ الْمِلْكِ فَهُوَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ وَأَوْلَى لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الِانْعِقَادِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ وَأَوْرَدَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ فَلَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ الثَّانِي بُنِيَ الْحَوْلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يَسْتَأْنِفُهُ مِنْ حِينِ الْإِخْرَاجِ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي بَابِ الْخُلْطَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) : إذَا تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَبَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ إلَّا زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ إذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ الْقَطْعِ فَيَسْقُطُ زَكَاتُهَا اتِّفَاقًا لِانْتِفَاءِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، بِهَا وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا بِوُجُوبِ زَكَاتِهَا أَيْضًا وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ بِالسُّقُوطِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِالْمَالِ الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِالْمَوَاشِي.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَإِنْ قِيلَ هُوَ الذِّمَّةُ لَمْ يَسْقُطْ وَإِلَّا سَقَطَتْ وَهُوَ طَرِيقُ الْحَلْوَانِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ وَالسَّامِرِيِّ وَقِيلَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ إيمَاءٌ إلَيْهِ أَيْضًا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي عَدَمُ الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ طَرِيقُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ فَوَجْهُ اسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا إنَّمَا إنْ قُلْنَا التَّعَلُّقُ بِالذِّمَّةِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَيْنِ فَلِأَنَّ وُجُوبَهَا كَانَ شُكْرًا لِنِعْمَةٍ ثَمَّ سَبَبُهَا وَهُوَ النِّصَابُ الْبَاقِي النَّامِي وَشَرْطُهَا وَهُوَ الْحَوْلُ فَاسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا بِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ بِهَذَا الْمَالِ حَوْلًا كَالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَأَيْضًا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ وَلَا يَبْقَى تَعَلُّقُهَا بِالذِّمَّةِ فَهِيَ كَدَيْنِ الرَّهْنِ وَوَجْهُ السُّقُوطِ مُطْلَقًا أَنَّا إنْ قُلْنَا: تَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ فَوَاضِحٌ كَالْأَمَانَاتِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَإِنْ قُلْنَا بِالذِّمَّةِ فَالْوُجُوبُ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ كَالصَّلَاةِ عَلَى رِوَايَةٍ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُسَاوَاةً لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْمَالِ فَيَسْقُطُ بِتَلَفِهِ وَفَقْرِ صَاحِبِهِ وَاخْتَارَ السُّقُوطَ مُطْلَقًا صَاحِبُ الْمُغْنِي.
(الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ) : إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ أَوْ دَيْنٌ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْهُمَا
стр. 370
فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ. نَقَلَهُ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَحَرْبٌ وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ.
وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَجْرَى الْمُحَاصَّةَ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا هُوَ الذِّمَّةُ فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي مَحَلِّ التَّعَلُّقِ وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَتَمْتَازُ الزَّكَاةُ بِأَنَّهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَإِنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ فَدَيْنُ الْآدَمِيِّ يَتَعَلَّقُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالتَّرِكَةِ أَيْضًا فَيَتَسَاوَيَانِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ النَّصَّ بِالْمُحَاصَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالذِّمَّةِ لِاسْتِوَائِهَا فِي مَحَلِّ التَّعَلُّقِ فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَلُّقِهَا بِالنِّصَابِ فَتُقَدَّمُ الزَّكَاةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ كَدَيْنِ الرَّهْنِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالسَّامِرِيِّ.
وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ إيمَاءٌ إلَيْهَا وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ وَافَقَ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَوْجُودًا إذْ لَا تَعَلُّقَ بِالْعَيْنِ إلَّا مَعَ وُجُودِهِ فَأَمَّا مَعَ تَلَفِهِ فَالزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ فَيُسَاوِي دَيْنَ الْآدَمِيِّ وَهَذَا تَخْرِيجٌ فِي الْمُحَرَّرِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ النِّصَابَ مَتَى كَانَ مَوْجُودًا قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالذِّمَّةِ لَا تَعَلُّقَ بِسَبَبِ الْمَالِ يَزْدَادُ بِزِيَادَتِهِ وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَالزَّكَاةُ مِنْ قِبَلِ مون الْمَالِ وَحُقُوقِهِ وَنَوَائِبِهِ فَيُقَدَّمُ كَذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ، وَحُمِلَ نَصُّ أَحْمَدَ بِالْمُحَاصَّةِ عَلَى حَالَةِ عَدَمٍ النِّصَابِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَالِكُ حَيًّا وَأَفْلَسَ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الزَّكَاةِ لِأَنَّ تَأَخُّرَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ سَائِغٌ لِلْعُذْرِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ هَاهُنَا إلَى إسْقَاطِ مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ لَهُ وَمُلَازَمَتِهِ وَحَبْسِهِ فَيَكُونُ عُذْرًا لَهُ فِي التَّأَخُّرِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّمَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ لَفَاتَتْ الزَّكَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ حَتَّى فِي حَالَةِ الْحَجْرِ وَهَذَا قَدْ يَتَنَزَّلُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي الْعَيْنِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ شَرْحِ الْهِدَايَةِ صَرَّحَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَعَ بَقَاءِ النِّصَابِ كَقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ) : إذَا كَانَ النِّصَابُ مَرْهُونًا وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَهَلْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ مِنْهَا هَاهُنَا حَالَتَانِ. إحْدَاهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يُؤَدِّي مِنْهُ الزَّكَاةَ فَتُؤَدَّى الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِهِ صَرَّحَ بِهِ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابُ وَلَهُ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّكَاةَ يَنْحَصِرُ تَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ، وَدَيْنَ الرَّهْنِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَالْعَيْنِ فَيُقَدَّمُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، وَمَا اخْتَصَّ تَعَلُّقُهُ بِالْعَيْنِ كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْجَانِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ إذَا لَحِقَ الْمُنْحَصِرَ فِي الْعَيْنِ يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ مَعَ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْ الذِّمَّةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعَيْنِ وَهَذَا مَأْخَذُ الْقَاضِي وَفِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّ الزَّكَاةَ عِنْدَنَا لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ النِّصَابِ مُطْلَقًا بَلْ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ حِينَئِذٍ فَهِيَ إذًا كَدَيْنِ الرَّهْنِ، وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ قَهْرِيٌّ وَتَعَلُّقُ الرَّهْنِ اخْتِيَارِيٌّ، وَالْقَهْرِيُّ أَقْوَى كَالْجِنَايَةِ أَوْ يُقَالَ هُوَ تَعَلُّقٌ بِسَبَبِ الْمَالِ وَتَعَلُّقُ الرَّهْنِ بِسَبَبٍ خَارِجِيٍّ وَالتَّعَلُّقُ بِسَبَبِ الْمَالِ يُقَدَّمُ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ مَتَى قِيلَ يَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِالذِّمَّةِ خَاصَّةً لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ
стр. 371
وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ النِّصَابَ سَبَبُ دَيْنِ الزَّكَاةِ يُقَدَّمُ دَيْنُهَا عِنْدَ مُزَاحَمَةِ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ فِي النِّصَابِ كَمَا يُقَدَّمُ مَنْ وُجِدَ عَيْنُ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَفْلَسَ وَهَذَا مَأْخَذُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُفَرَّقُ الْحَالُ بَيْنَ قَوْلِنَا: تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِالذِّمَّةِ أَوْ بِالْعَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَالِكِ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ الزَّكَاةَ غَيْرُ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ أَيْضًا ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مَانِعٌ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ بِدُونِ إذْنٍ وَالزَّكَاةُ لَا يَتَعَيَّنُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ. وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ مَتَى قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ تَعَلُّقٌ قَهْرِيٌّ وَيَنْحَصِرُ فِي الْعَيْنِ فَهُوَ كَحَقِّ الْجِنَايَةِ.
(الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ) : التَّصَرُّفُ فِي النِّصَابِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ الْأَصْحَابُ وَسَوَاءٌ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي أَنَّا إنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا وَإِنْ قُلْنَا فِي الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِي مِقْدَارِ الزَّكَاةِ وَهَذَا لِمُدَبَّرِ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ أَوْ رَهْنٍ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَتَرَكَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا وَهَبَتْ زَوْجَهَا مَهْرَهَا الَّذِي لَهَا فِي ذِمَّتِهِ فَهَلْ تَجِبُ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا قَالَ فَإِنْ صَحَّحْنَا هِبَةَ الْمَهْرِ جَمِيعِهِ فَعَلَى الْمَرْأَةِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِنْ مَالِهَا وَإِنْ صَحَّحْنَا الْهِبَةَ فِيمَا عَدَا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ كَانَ قَدْرُ الزَّكَاةِ حَقًّا لِلْمَسَاكِينِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِمْ وَيَسْقُطُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مَا عَدَاهُ وَهَذَا بِنَاءٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَلَوْ بَاعَ النِّصَابَ كُلَّهُ تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِذِمَّتِهِ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ كَمَا لَوْ تَلِفَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا قَالَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً لَمْ يُفْسَخْ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنُ الْآدَمِيِّ وَهُوَ مُوسِرٌ فَبَاعَ مَتَاعَهُ ثُمَّ أَعْسَرَ، وَإِنْ قُلْنَا فِي الْعَيْنِ فُسِخَ الْعَقْدُ فِي قَدْرِهَا تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْمَسَاكِينِ لِسَبْقِهِ.
وَالثَّانِي: مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي إنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ بِكُلِّ حَالٍ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِالْفَسْخِ فِي مِقْدَارِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ عَلَى مَحَلِّ التَّعَلُّقِ.
(الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ) لَوْ كَانَ النِّصَابُ غَائِبًا عَنْ مَالِكِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَلَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَالِ الْمُوَاسِي مِنْهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ تَوَّابٍ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالٍ فَأَقْرَضَهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ لِأَنَّ عَوْدَهُ مَرْجُوٌّ بِخِلَافِ التَّالِفِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَهَذَا لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا وَلِهَذَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّةِ غَرِيمِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ
стр. 372
إلَى بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَإِنْ قُلْنَا: الذِّمَّةُ، لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ زَكَاتَهُ لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْعَيْنُ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ عَنْ الْغَائِبِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَحْمَدَ
(الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ) إذَا أَخْرَجَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاةَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِنْهُ فَهَلْ يُحْسَبُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَنَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَمْ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ خَاصَّةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ بَنَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ التَّعَلُّقِ فَإِنْ قُلْنَا الذِّمَّةُ فَهِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الْأَصْلِ وَالرِّبْحُ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَإِنْ قُلْنَا الْعَيْنُ حُسِبَتْ مِنْ الرِّبْحِ كَالْمَئُونَةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي فَيُحْتَسَبُ مِنْ نَمَائِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا الْوَجْهَانِ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ الْمُضَارِبِ زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنْ قُلْنَا الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَلَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إيمَاءٌ إلَى ذَلِكَ وَأَمَّا حَقُّ رَبِّ الْمَالِ فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ تَزْكِيَتُهُ بِدُونِ إذْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَصِيرَ الْمُضَارَبُ شَرِيكًا فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْخُلَطَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُسْتَفَادُ بَعْدَ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ هَلْ يُضَمُّ إلَى النِّصَابِ أَوْ يُفْرَدُ عَنْهُ]
[الثَّالِثَةُ] الْمُسْتَفَادُ بَعْدَ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، هَلْ يُضَمُّ إلَى النِّصَابِ أَوْ يُفْرَدُ عَنْهُ؟ إذَا اسْتَفَادَ مَالًا زَكَوِيًّا مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ حَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُفْرَدُ بِحَوْلٍ عِنْدَنَا وَلَكِنْ هَلْ نَضُمُّهُ إلَى النِّصَابِ فِي الْعَدَدِ وَنَخْلِطُهُ بِهِ وَيُزَكِّيهِ زَكَاةً خَالِطَةً أَوْ يُفْرِدُهُ بِالزَّكَاةِ كَمَا أَفْرَدَهُ بِالْحَوْلِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ يُفْرِدُهُ بِالزَّكَاةِ كَمَا يُفْرِدُهُ بِالْحَوْلِ وَهَذَا الْوَجْهُ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَفَادُ نِصَابًا أَوْ دُونَ نِصَابٍ وَلَا يُعْتَبَرُ فَرْضُ النِّصَابِ أَمَّا إنْ كَانَ دُونَ نِصَابٍ وَتَغَيَّرَ فَرْضُ النِّصَابِ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ هَذَا الْوَجْهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّهُ مَضْمُومٌ إلَى النِّصَابِ فِي الْعَدَدِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ جَعْلُ مَا لَيْسَ بِوَقْصٍ فِي الْمَالِ وَقْصًا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَيَخْتَصُّ هَذَا الْوَجْهُ أَيْضًا بِالْحَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ تَجْتَمِعُ مَعَ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ بِخِلَافِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِاطِّرَادِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ بِحِكَايَةِ ذَلِكَ وَجْهًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُزَكَّى زَكَاةَ خُلْطَةٍ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ نَفْسَانِ فِي أَثْنَاءِ حَوْلٍ وَقَدْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِيهِ دُونَ صَاحِبِهِ وَزَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُغْنِي ضَعَّفَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا ضَعَّفَ الْأَوَّلَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُضَمُّ إلَى النِّصَابِ فَيُزَكَّى زَكَاةَ ضَمٍّ وَعَلَى هَذَا، فَهَلْ الزِّيَادَةُ كَنِصَابٍ مُنْفَرِدٍ أَمْ لِكُلِّ نِصَابٍ وَاحِدٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَنِصَابٍ مُنْفَرِدٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَزَكَّى النِّصَابَ عَقِيبَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ فَرْضِ الْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُزَكَّ زَكَاةَ انْفِرَادٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نِصَابٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي
стр. 373
وَهُوَ الْأَظْهَرُ إنَّمَا زَكَاةُ النِّصَابِ زَكَاةُ انْفِرَادٍ لِانْفِرَادِهِ فِي أَوَّلِ حَوْلِهِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْحَوْلِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ فَعَلَى هَذَا إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ وَجَبَ إخْرَاجُ بَقِيَّةِ الْمَجْمُوعِ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ بِكَمَالِ حَوْلِهِ يَتِمُّ حَوْلُ الْجَمِيعِ. فَيَجِبُ تَتِمَّةُ زَكَاتِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ الْمُسْتَفَادِ بِخُصُوصِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُسْتَفَادِ وَجَبَ فِيهِ مَا بَقِيَ مِنْ فَرْضِ الْجَمِيعِ بَعْدَ إسْقَاطِ مَا أَخْرَجَ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَزِيدَ بَقِيَّةُ الْفَرْضِ عَلَى فَرْضِ الْمُسْتَفَادِ بِانْفِرَادِهِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ فَرْضِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ هَاهُنَا وَجْهُ الضَّمِّ وَيَتَعَيَّنُ وَجْهُ الْخُلْطَةِ وَيَلْغُو وَجْهُ الِانْفِرَادِ أَيْضًا عَلَى مَا سَبَقَ وَبِهَذَا كُلِّهِ صَرَّحَ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ عَنْ الْمُسْتَفَادِ بِخُصُوصِيَّتِهِ.
وَيَظْهَرُ فَائِدَةُ اخْتِلَافِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ.
(النَّوْعُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ تَتِمَّةُ فَرْضِ زَكَاةِ الْجَمِيعِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضِ الْمُسْتَفَادِ لِخُصُوصِيَّةٍ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ خَمْسِينَ مِنْ الْبَقَرِ ثُمَّ ثَلَاثِينَ بَعْدَهَا فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأُولَى فَعَلَيْهِ مُسِنَّةٌ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ مُسِنَّةٌ أُخْرَى عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَمْتَنِعُ الضَّمُّ هُنَا لِئَلَّا يَئُولَ إلَى إيجَابِ مُسِنَّةٍ عَنْ ثَلَاثِينَ وَيَجِبُ إمَّا تَبِيعٌ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ مُسِنَّةٍ عَلَى وَجْهِ الْخُلْطَةِ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) : أَنْ تَكُونَ تَتِمَّةُ الْوَاجِبِ دُونَ فَرْضِ الْمُسْتَفَادِ بِانْفِرَادِهِ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ سِتًّا وَسَبْعِينَ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ بَعْدَهَا فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأُولَى فَعَلَيْهِ ابْنَتَا لَبُونٍ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَلْزَمُ تَمَامُ فَرْضِ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ بِنْتُ لَبُونٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ حِقَّةٌ فَيُزَكِّي مَا عَلَى الْخُلْطَةِ أَوْ الِانْفِرَادِ. وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّ وَجْهَ الضَّمِّ إذَا اُعْتُبِرَ مَعَ كَوْنِ الْمُسْتَفَادِ يَصِيرُ وَقْصًا مَحْضًا يَضُمُّهُ إلَى النِّصَابِ إنْ كَانَ فِيهِ زَكَاةٌ بِانْفِرَادِهِ فَكَيْفَ لَا يُعْتَبَرُ إذَا كَانَ فَرْضُهُ دُونَ فَرْضِهِ بِانْفِرَادِهِ.
(النَّوْعُ الثَّالِث) أَنْ يَكُونَ فَرْضُ النِّصَابِ الْأَوَّلِ الْمُخْرَجِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ فَرْضِ الْمَجْمُوعِ أَوْ نَوْعِهِ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ خَمْسًا بَعْدَهَا فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَمْتَنِعُ الضَّمُّ هَاهُنَا لِتَعَذُّرِ طَرْحِ الْمُخْرَجِ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ وَاجِبِ الْكُلِّ وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ يَجِبُ إخْرَاجُ تَتِمَّةِ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لِضَرُورَةِ اخْتِلَافِ الْحَوْلَيْنِ لَا سِيَّمَا وَنَحْنُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ نُجْبَرُ بِتَشْقِيصِ الْفَرْضِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَإِخْرَاجِ نِصْفَيْ شَاةٍ عَنْ أَرْبَعِينَ أَوْ حِقَّتَيْنِ وَبِنْتِي لَبُونٍ وَنِصْفًا عَنْ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يَتَّفِقُ وَجْهُ الْخُلْطَةِ وَوَجْهُ الضَّمِّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ مُفْضِيَةً إلَى زِيَادَةِ الْفَرْضِ أَوْ نَقْصِهِ، وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ حَيْثُ أَدَّى الِاتِّفَاقُ إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْنِي النِّصَابَ، وَالْمُسْتَفَادُ وَقْصٌ وَلَا حَدَثَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا وَقْصٌ فَيُزَكَّى كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ فَرْضَيْ الْجَمِيعِ فَيُخْرِجَ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْمُسْتَفَادِ حِصَّتَهُ مِنْهُ وَيَتَّفِقُ مِنْهَا وَجْهُ الضَّمِّ وَالْخُلْطَةِ فَيُوجِبَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَفَادُ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ
стр. 374
بَعْدَ عِشْرِينَ خُمُسَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَهُوَ مُقَارِبٌ لِشَاةٍ فَإِنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ أَرْبَعَ شِيَاهٍ فِي عِشْرِينَ وَبِنْتَ مَخَاضٍ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَكُونُ مُقَدَّرَةً فِي خَمْسِ فَاسْتَقَامَ وَكَذَا لَوْ اسْتَفَادَ عَشْرَةً مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِلزِّيَادَةِ رُبْعُ مُسِنَّةٍ لِأَنَّ التَّبِيعَ مُقَابِلٌ لِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ. وَالْمُسِنَّةُ تَعْدِلُ تَبِيعًا وَثُلُثًا أَبَدًا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ وَقْصٌ إمَّا حَالَةَ اجْتِمَاعِهِ أَوْ حَالَةَ انْفِرَادِهِ فَقَطْ فَيَخْتَلِفُ هَا هُنَا وَجْهُ الضَّمّ وَالْخُلْطَةِ فَإِنَّا عَلَى وَجْهِ الضَّمِّ نَجْمَعُ مِنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفَرْضُ مِنْهُ وَيُضَمُّ إلَيْهِ تَتِمَّةُ نِصَابِ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْبَاقِي ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ فَرْضِ الْمَجْمُوعِ حِصَّةَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ وَهِيَ بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَالِ وَيُجْعَلُ الْبَاقِي مِنْ الْمَالِ إنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْمَعْدُومِ، فَمِثَالُ ذَلِكَ وَالْوَقْصُ مَوْجُودٌ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ تِسْعًا مِنْهَا فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ ضَمَمْتَ إلَى الْعِشْرِينَ الْأُولَى خَمْسًا تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَرْضُهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَقَدْ أَخْرَجْنَا عَنْ الْعِشْرِينَ أَرْبَعَ شِيَاهٍ فَيُخْرَجُ عَنْ الْبَاقِي خُمُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَعَلَى وَجْهِ الْخُلْطَةِ يُخْرِجُ عَنْهَا تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ أَصْلِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَمِثَالُ الْوَقْصِ مَوْجُودًا حَالَةَ الِانْفِرَادِ فَقَطْ لَوْ مَلَكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ بَعْدَهَا فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأُولَى فَعَلَيْهِ شَاتَانِ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ ضَمَّهَا إلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْإِبِلِ تَتِمَّةَ النِّصَابِ وَهِيَ عَشَرَةٌ فَأَوْجَبْنَا فِيهَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ بِنْتِ مَخَاضٍ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمِيعًا وَقْصًا لَمْ يُؤَدَّ عَنْهُ، وَالْمَالُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لَا وَقْصَ فِيهِ فَيَجِبُ تَأْدِيَةُ زَكَاتِهِ كُلِّهِ فَإِذَا كَانَ قَدْ أَخْرَجَ عَنْ بَعْضِهِ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ عَنْ جَمِيعِ مَا لَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ مِنْهُ. وَعَلَى وَجْهِ الْخُلْطَةِ يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا خُمُسَانِ مِنْ بِنْتِ مَخَاضِ وَخُمُسُ خُمُسِ بِنْتِ مَخَاضٍ فَإِذَا تَعَذَّرَ هَذَا فَالْمُسْتَفَاد لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ نِصَابًا مُعْتَبَرًا لِلْفَرْضِ مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةٍ ثُمَّ إحْدَى وَثَمَانِينَ بَعْدَهَا فَفِي الْأَرْبَعِينَ شَاةٍ عِنْدَ حَوْلِهَا، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِيهَا شَاةٌ أَيْضًا وَهُوَ مُتَخَرَّجٌ عَلَى وَجْهَيْ الضَّمِّ وَالِانْفِرَادِ.
وَالثَّانِي: فِيهَا شَاةٌ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ أَصْلِ مِائَةٍ وَأَحَدَ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ وَهُوَ وَجْهُ الْخُلْطَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ حِصَّةُ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الشَّاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ فِي الْجَمِيعِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ وَجْهَ الْخُلْطَةِ هُنَا كَوَجْهِ الِانْفِرَادِ يَجِبُ فِيهِ شَاةٌ أَيْضًا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ زِيَادَةٍ عَلَى فَرْضِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا بِالْخُلْطَةِ زِيَادَةً عَلَى فَرْضِ الْجَمِيعِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ نِصَابًا لَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةٍ ثُمَّ أَرْبَعِينَ بَعْدَهَا فَفِي الْأَوَّلِ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا شَاةٌ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا شَيْء فِيهَا وَهُوَ وَجْهُ الضَّمِّ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِالضَّمِّ تَصِيرُ وَقْصًا.
وَالثَّانِي: فِيهَا شَاةٌ وَهُوَ وَجْهُ الِانْفِرَادِ.
وَالثَّالِثُ فِيهَا نِصْفُ شَاةٍ وَهُوَ وَجْهُ الْخُلْطَةِ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا وَلَا تُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا عِشْرِينَ فَفِي الْأَوَّلِ
стр. 375
إذَا تَمَّ حَوْلُهَا شَاة. فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا شَيْء فِيهَا وَهُوَ مُتَوَجَّهٌ عَلَى وَجْهَيْ الضَّمِّ وَالِانْفِرَادِ.
وَالثَّانِي فِيهَا ثُلُثُ الشَّاةِ وَهُوَ وَجْهُ الْخُلْطَةِ.
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ لَا تَبْلُغَ الزِّيَادَةُ نِصَابًا. وَتُغَيِّرُ الْفَرْضَ كَمَنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ثُمَّ عَشْرًا بَعْدَهَا فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأُولَى فَفِيهَا تَبِيعٌ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الزِّيَادَةِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ يَجِبُ فِيهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا خِلَافًا، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ كَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَعُلِّلَ بِأَنَّ وَجْهَ الِانْفِرَادِ مُتَعَذَّرٌ لِمَا سَبَقَ وَكَذَا وَجْهُ وَتَوَى لِأَنَّهُ يُفْضِي عَلَى أَصْلِهِ إلَى اسْتِثْنَاءِ شَيْء وَطَرْحِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ طَرْحُ التَّبِيعِ مِنْ الْمُسِنَّةِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ فَتَعَيَّنَ وَجْهُ الْخُلْطَةِ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْكَافِي فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا مُتَمَشٍّ عَلَى وَجْهِ الضَّمِّ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْكُلَّ نِصَابٌ وَاحِدٌ، وَفَرْضُهُ مُسِنَّةٌ وَقَدْ أَخْرَجَ تَبِيعًا وَهُوَ يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مُسِنَّةٍ فَيَجِبُ إخْرَاجُ بَقِيَّةِ فَرْضِ الْمَالِ وَهُوَ هُنَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ لِأَنَّ التَّبِيعَ يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمُسِنَّةِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فَتَبِيعٌ وَرُبْعُ مُسِنَّةٍ يَعْدِلُ الْمُسِنَّةَ كَامِلَةً
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمِلْكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي أَمْ لَا]
[الرَّابِعَةُ] الْمِلْكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي أَمْ لَا؟ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَشْهَرُهُمَا انْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
(وَالثَّانِيَةُ) : لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى أَنَّ الْمِلْكَ يَخْرُجُ عَنْ الْبَائِعِ وَلَا يَدْخُلُ إلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلِلرِّوَايَتَيْنِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ (مِنْهَا) وُجُوبُ الزَّكَاةِ فَإِذَا بَاعَ نِصَابًا مِنْ الْمَاشِيَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَوْلًا فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ فَسَخَ الْعَقْدَ أَوْ أَمْضَى، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: الزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ إذَا قِيلَ: الْمِلْكُ بَاقٍ لَهُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَأَهَّلَ هِلَالُ الْفِطْرِ وَهُوَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْبَائِعِ عَلَى الثَّانِيَةِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ كَسَبَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ كَسْبًا أَوْ نَمَا نَمَاءً مُنْفَصِلًا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي فَسَخَ الْعَقْدَ أَوْ أَمْضَى وَعَلَى الثَّانِيَة هُوَ لِلْبَائِعٍ.
(وَمِنْهَا) مَئُونَةُ الْحَيَوَانِ وَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَى بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الْبَائِعِ عَلَى الثَّانِيَةِ
(وَمِنْهَا) إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا يُرَدُّ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُشْتَرِي ; لِانْتِفَاءِ الْقَبْضِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَهُ الرَّدُّ بِكُلِّ حَالٍ
(وَمِنْهَا) تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ كَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحَدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالِاسْتِقْلَالِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ بِشَرْطٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ فَرْجٌ فَيُحْتَاطُ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ وَهَذَا خِيَارٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهِ بِمَا لَا يَمْنَعُ الْبَائِعَ
стр. 376
مِنْ الرُّجُوعِ كَالِاسْتِخْدَامِ وَالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ تَعْرِيضِهِ لِلْخُرُوجِ بِالرَّهْنِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوهَا هَذَا كُلُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ وَيَمْلِكُ الْفَسْخَ فَإِنَّ الْخِيَارَ وَقَعَ لِغَرَضِ الْفَسْخِ دُونَ الْإِمْضَاءِ فَأَمَّا حُكْمُ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ وَعَدَمِهِ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بِحَالٍ إلَّا بِالْعِتْقِ وَنَقَلَ مُهَنَّا وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ هَذَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا فَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي الرِّوَايَتَانِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ إنْ أَجَازَهُ الْبَائِعُ صَحَّ وَالثَّمَنُ لَهُ وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ الْبَيْعُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِرْدَادُهُ. فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ سُرِقَ أَوْ هَلَكَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. فَحَمَلَ السَّامِرِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُشْتَرِي، وَآخِرُهَا يُبْطِلُ ذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا رِوَايَةُ بُطْلَانِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَصْلِهَا لَكِنَّهَا مُفَرَّعَةٌ أَنَّ الْفَسْخَ بِالْخِيَارِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لِلْبَائِعِ وَعَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ صَحَّ تَصَرُّفُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِانْقِطَاعِ حَقِّ الْبَائِعِ هَا هُنَا وَظَهَرَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ حَتَّى يَتَقَدَّمَهُ إمْضَاءُ الْعَقْدِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَيْضًا لِقُصُورِ الْمِلْكِ فَلَوْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُمَا صَحَّ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ.
وَفِي الْمُجَرَّدِ لِلْقَاضِي احْتِمَالَانِ هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَلِلْبَائِعِ وَحْدَهُ صَحَّ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَهُوَ بِتَصَرُّفِهِ مُخْتَارٌ لِلْفَسْخِ بِخِلَافِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَخْتَارُ بِهِ الْإِمْضَاءَ، وَحَقُّ الْفَسْخِ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا) الْوَطْءُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ وَإِنْ وَطِئَ الْبَائِعُ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ بِهِ الْحَدُّ كَوَطْءِ الْمُرْتَهِنِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ أَمَّا إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ فَلَا حَدَّ لِأَنَّ تَمَامَ الْوَطْءِ وَقَعَ فِي مِلْكٍ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى رِوَايَةً ثَانِيَةً بِعَدَمِ الْحَدِّ مُطْلَقًا وَمَالَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبَا الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ لَهُ وَفِي انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِوَطْئِهِ بَلْ وَبِمُقَدَّمَاتِ وَطْئِهِ فَيَكُونُ الْوَطْءُ حِينَئِذٍ فِي مِلْكٍ تَامٍّ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا حَدَّ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْخِلَافُ
(وَمِنْهَا) تَرَتُّبُ مُوجِبَاتِ الْمِلْكِ مِنْ الِانْعِتَاقِ بِالرَّحِمِ أَوْ بِالتَّعَلُّقِ وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهَا فَتَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَقِيبَ الْعَقْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ
стр. 377
انْقِضَائِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ ذَلِكَ وَقَالَ بِحِنْثِهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَكْثَر الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ الْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي مُدَّتِهِ وَهُوَ تَعْلِيلُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ لَثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ مُطْلَقًا إذَا قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي.
(وَمِنْهَا) إذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شِقْصًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَبَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ انْتِزَاعَ شِقْصِ الشَّفِيعِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الشَّفِيعِ حَالَةَ بَيْعِهِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ لَهُ
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ فَالرَّدُّ وَاجِبٌ وَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِهِ فَوَجْهَانِ. الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْكَافِي الْوُجُوبُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ مُحِلٌّ صَيْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ أَحْرَمَ فِي مُدَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ عَنْهُ فَلَهُ ذَلِكَ ثُمَّ إنْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْمُشَاهَدَةِ أَرْسَلَهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَتْ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ الصَّدَاقَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ انْتَقَلَ عَنْهَا فَفِي لُزُومِ اسْتِرْدَادِهَا وَجْهَانِ وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَزُلْ فِيهَا اسْتَرَدَّهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ أَمَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا يَلْزَمُهُ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَاسْتَبْرَأَهَا فِي مُدَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِهِ فَفِي الْهِدَايَةِ وَالْمُغْنِي يَكْفِي وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْمُحَرَّرِ وَجْهَانِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْإِقَالَةُ هَلْ هِيَ فَسْخٌ أَوْ بَيْعٌ]
[الْخَامِسَةُ] الْإِقَالَةُ هَلْ هِيَ فَسْخٌ أَوْ بَيْعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا فَسْخٌ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَفِي التَّنْبِيهِ لِأَبِي بَكْرٍ التَّصْرِيحُ بِاخْتِيَارِهِ أَنَّهَا بَيْعٌ.
وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ (الْأُولَى) إذَا تَقَايَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِنَا: هِيَ فَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الثَّانِيَةِ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ بَائِعِهِ خَاصَّةً قَبْلَ الْقَبْضِ.
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) : هَلْ يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ إنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ جَازَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ فَلَا هَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَيْلٍ ثَانٍ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا أَنَّ الْفَسْخَ فِي النِّكَاحِ يَقُومُ مَقَامَ الطَّلَاقِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ.
(الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا تَقَايَلَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِ
стр. 378
الثَّمَنِ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ فَتَبَيَّنَ إذَا أَنَّ الْعِوَضَيْنِ عَلَى وَجْهِهِمَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ:
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَصَحَّحَهُ السَّامِرِيُّ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقَالَةِ رَدُّ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَرُجُوعُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى مَالِهِ فَلَمْ يَجُزْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَتْ بَيْعًا فَبَيْعُ التَّوْلِيَةِ وَهَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى سِلْعَةً فَنَدِمَ فَقَالَ: أَقِلْنِي وَلَكَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ تَرْجِعُ إلَيْهِ سِلْعَتُهُ وَمَعَهَا فَضْلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَعَّرَتْ السُّوقُ أَوْ تَارِكًا الْبَيْعَ فَبَاعَهُ بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنْ إنْ جَاءَ إلَى نَفْسِ الْبَيْعِ فَقَالَ: أَقِلْنِي فِيهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا مَكْرُوهٌ فَقَدْ كَرِهَ الْإِقَالَةَ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِزِيَادَةٍ بِكُلِّ حَالٍ وَلَمْ يُجَوِّزْ الزِّيَادَةَ إلَّا إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِحَالِهِ وَتَبَايَعَاهُ بَيْعًا مُسْتَأْنَفًا. إذَا تَسَعَّرَتْ السُّوقُ جَازَتْ الْإِقَالَةُ بِنَقْصٍ فِي مُقَابَلَةِ نَقْصِ السِّعْرِ، وَكَذَا لَوْ تَغَيَّرَتْ صِفَةُ السِّلْعَةِ، وَأَوْلَى.
وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ وَحَنْبَلٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ بِكُلِّ حَالٍ نَقْدًا كَانَ الْبَيْعُ أَوْ نَسِيئَةً بَعْدَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ قَبْلَهُ مُعَلَّلًا كَشُبْهَةِ مَسَائِلِ الْعِينَةِ لِأَنَّهُ تَرْجِعُ السِّلْعَةُ إلَى صَاحِبِهَا وَيَبْقَى لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَضْلُ دِرْهَمٍ وَلَكِنَّ مَحْذُورَ الرِّبَا هُنَا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ أَحَدًا أَنْ يَدْفَعَ عَشَرَةً ثُمَّ يَأْخُذ نَقْدًا خَمْسَةً مَثَلًا لَا سِيَّمَا وَالدَّافِعُ هُنَا هُوَ الطَّالِبُ لِذَلِكَ، الرَّاغِبُ.
وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَسَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبُونِ فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: تَذْهَبُ إلَيْهِ؟ قَالَ: أَيْ شَيْء أَقُولُ وَهَذَا عَنْ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: أَلَيْسَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ إلَى صَاحِبِهَا إلَّا إذَا كَرِهَا وَمَعَهَا شَيْء. ثُمَّ قَالَ هَذَا مِثْلُهُ فَقَدْ جَعَلَ بَيْعَ الْعُرْبُونِ مِنْ جِنْسِ الْإِقَالَةِ بِرِبْحٍ وَهُوَ يَرَى جَوَازَ بَيْعِ الْعُرْبُونِ وَهَذَا الْخِلَافُ هُنَا شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْخُلْعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَهْرِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ الْمُبْتَدَأُ فَيَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ حَرْبٌ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِعِشْرِينَ وَقَبَضَهَا ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ فَاشْتَرَاهُ وَصِيَّتَهُمَا وَعِشْرِينَ نَقْدًا قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً وَلَمْ يَرَ بَأْسَا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِنَقْدٍ ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ يَشْتَرِيهِ بِنَسِيئَةٍ قَالَ إذَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحِيلَةَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسَا.
وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ وَإِنْ كَانَ يَنْفُذُ لَا يَجُوزُ لِبَائِعِهِ شِرَاؤُهُ بِدُونِ ثَمَنِهِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ بَعْدَ الْقَبْضِ يَبِيعُهُ كَيْفَ شَاءَ
(الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ) تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ وَالْمُصَالَحَةِ إنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَنْعَقِدْ بِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ قَالَ مَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ وَمَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ لَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ وَلَا الْإِقَالَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ انْعِقَادُهَا
стр. 379
بِذَلِكَ تَكُونُ مُعْطَاةً.
(الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ) إذَا قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا شُرُوطُ الْبَيْعِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُقَالِ فِيهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي التَّفْلِيسِ، وَلَوْ تَقَايَلَا الْعَبْدَ وَهُوَ غَائِبٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ لَأَنْ يَتَغَيَّرَ فِي مِثْلِهَا أَوْ بَعْدَ إبَاقِهِ وَاشْتِبَاهِهِ بِغَيْرِهِ صَحَّ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَوْ تَقَايَلَا مَعَ غَيْبَةِ أَحَدِهِمَا بِأَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ الْإِقَالَةُ فَدَخَلَ الدَّارَ وَقَالَ عَلَى الْفَوْرِ أَقَلْتُك فَإِنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ صَحَّ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَصِحَّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي تَعْلِيقِهِمَا لِأَنَّ الْبَيْعَ يُشْتَرَطُ لَهُ حُضُور الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَنَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ صِحَّةَ قَبُولِ الزَّوْجِ لِلنِّكَاحِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَأْوِيلِهَا وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي أَيْضًا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَصِحُّ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعُقُودِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى رِضَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ وَهَلْ يَصِحُّ مَعَ تَلَفِ السِّلَعِ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي.
وَالثَّانِي: إنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ صَحَّتْ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَفِي التَّلْخِيصِ وَجْهَانِ فَإِنْ أَصْلَهُمَا الرِّوَايَتَانِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ
(الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ) هَلْ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بَعْدَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ إنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ تَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
(الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ) نُمِيَ الْمَبِيعُ نَمَاءً مُنْفَصِلًا ثُمَّ تَقَايَلَا فَإِنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ بَيْعٌ لَمْ يَتْبَعْ النَّمَاءَ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ فَقَالَ الْقَاضِي النَّمَاءُ لِلْمُشْتَرِي وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ لِلْمُفْلِسِ.
(الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ) بَاعَهُ نَخْلًا حَائِلًا ثُمَّ تَقَايَلَا وَقَدْ اطَّلَعَ فَإِنْ قُلْنَا الْمُقَايَلَةُ بَيْعٌ فَالثَّمَرَةُ إنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ تَبِعَتْ الْأَصْلَ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً أَوْ لَا لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي قَاعِدَةِ النَّمَاءِ.
(الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ) هَلْ يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ إنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ فَفِي التَّلْخِيصِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَثْبُتَ أَيْضًا لِأَنَّ الْخِيَارَ وُضِعَ لِلنَّظَرِ فِي الْحَظِّ وَالْمُقَيَّدِ وَعَلَى دَخَلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَبَرِّعٌ وَالْمُسْتَقْبِلُ لَمْ يَطْلُبْ الْإِقَالَةَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ وَنَظَرٍ وَعِلْمٍ بِأَنَّ الْحَظَّ لَهُ فِي ذَلِكَ وَنَدِمَ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مُهْلَةٍ لِإِعَادَةِ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ) هَلْ يُرَدُّ بِالْمَعِيبِ إنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ رُدَّتْ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُرَدَّ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا الْفَسْخُ لَا يُفْسَخُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ كَمَا جَوَّزُوا فَسْخَ الْإِقَالَةِ وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ لِأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِفَسْخِ الْخُلْعِ بِالْعَيْبِ فِي عِوَضِهِ وَبِفَوْتِ حَقِّهِ فِيهِ وَبِإِفْلَاسِ الزَّوْجَةِ بِهِ.
(الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ)
стр. 380
الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَفِيهَا طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْخِلَافِ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ جَازَتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي رِوَايَتِهِمَا وَصَاحِبِ الرَّوْضَةِ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: جَوَازُ الْإِقَالَةِ فِيهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ) بَاعَهُ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ أَرْضِهِ ثُمَّ تَقَايَلَا فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُشْتَرِي وَلَا مَنْ حَدَثَ لَهُ شَرِكَةً فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الْمُقَايَلَةِ شَيْئًا مِنْ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ تَثْبُتُ لَهُمْ الشُّفْعَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ ثُمَّ عَفَا الْآخَرُ عَنْ شُفْعَتِهِ ثُمَّ تَقَايَلَا وَأَرَادَ الْعَافِي أَنْ يَعُودَ إلَى الطَّلَبِ فَإِنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَهُ الشُّفْعَةُ.
(الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ عَشَرَ) اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا ثُمَّ تَقَايُلَاه قَبْلَ الطَّلَبِ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ فَقِيلَ لَا تَسْقُطُ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ اُسْتُحِقَّتْ بِنَفْسِ الْبَيْعِ فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَهُ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي حَفْصٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.
(الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ عَشَرَ) هَلْ يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ الْإِقَالَةَ فِيمَا اشْتَرَاهُ؟ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ بَيْعٌ مَلَكَ، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ فُصُولِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنْ يَمْلِكَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ كَمَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْخِيَارِ.
(وَالْخَامِسَةُ عَشَرَ) هَلْ يَمْلِكُ الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ الْمُقَايَلَةَ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ إنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ كَمَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَحَظِّ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مُسْتَأْنَفٍ بَلْ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَلَوَاحِقِهِ.
(الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ عَشَرَ) لَوْ وَهَبَ الْوَالِدُ لِابْنِهِ شَيْئًا فَبَاعَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ بِإِقَالَةٍ. فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ امْتَنَعَ رُجُوعُ الْأَبِ فِيهِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ فَوَجْهَانِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُفْلِسِ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِقَالَةٍ وَوَجَدَهَا بَائِعُهَا عِنْدَهُ.
(الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ عَشَرَ) : بَاعَ أَمَةً ثُمَّ أَقَالَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ بَيْعٌ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ لَمْ يَجِبْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ كُلِّ هَذَا الْأَصْلِ ثُمَّ قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْتِقَالِ الضَّمَانِ عَنْ الْبَائِعِ وَعَدَمِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَقِيلَ بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ تَجَدُّدَ الْمِلْكِ مَعَ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ هَلْ يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ وَهَذَا أَظْهَرُ.
(الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ) : لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَيَبِيعَنَّ أَوْ عَلَّقَ عَلَى الْبَيْعِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا ثُمَّ أَقَالَ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ مِنْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ يُقَالُ الْأَيْمَانُ تُبْنَى عَلَى الْعُرْفِ وَلَيْسَ فِي الْعُرْفِ أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ.
(الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ عَشَرَ) : تَقَايَلَا فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ثُمَّ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَنُفُوذِهِ فَهَلْ يُؤَثِّرُ حُكْمُهُ؟ إنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ فَحُكْمُهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ
стр. 381
لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ وَقَدْ تَأَكَّدَ تَرَتُّبُ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ لَمْ يَنْفُذْ لِأَنَّ الْعَقْدَ ارْتَفَعَ بِالْإِقَالَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْفُذَ وَتُلْغَى الْإِقَالَةُ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ فَلَمْ يَنْفُذْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْئًا هَذَا ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمُدِ الْأَدِلَّةِ.
(الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ) : لَوْ بَاعَ ذِمِّيًّا آخَرُ خَمْرًا وَقُبِضَتْ دُونَ ثَمَنِهَا ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَائِعُ وَقُلْنَا يَجِبُ لَهُ الثَّمَنُ فَأَقَالَ الْمُشْتَرِي فِيهَا فَإِنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ بَيْعٌ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ شِرَاءَ الْمُسْلِمِ لِلْخَمْرِ لَا يَصِحُّ. وَإِنْ قُلْنَا هِيَ فَسْخٌ اُحْتُمِلَ أَنْ يَصِحَّ فَيَرْتَفِعُ بِهَا الْعَقْدُ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى إسْقَاطِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّهُ اسْتِرْدَادٌ لِمِلْكِ الْخَمْرِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُحْرِمِ أَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ الصَّيْدَ بِخِيَارٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ صَحَّ الرَّدُّ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ.
وَفِي التَّلْخِيصِ لَوْ رَدَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ عَلَى بَائِعِهِ الْكَافِرِ بِعَيْبٍ صَحَّ وَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْإِرْثِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي رَدِّ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِعَيْبٍ وَرَدِّ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْعَيْبِ كَذَلِكَ، إذَا قُلْنَا: يُمْلَكَانِ بِالْقَهْرِ.
(الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) : الْإِقَالَةُ هَلْ تَصِحُّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؟ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ أَنَّ خِيَارَ الْإِقَالَةِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَهُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ صَحَّتْ مِنْ الْوَرَثَةِ وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ فَوَجْهَانِ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ النُّقُودُ هَلْ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ أَمْ لَا]
[السَّادِسَةُ] النُّقُودُ هَلْ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ حَتَّى إنْ الْقَاضِيَ فِي تَعْلِيقِهِ أَنْكَرَ ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، وَالْأَكْثَرُونَ أَثْبَتُوهُ.
وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) أَنَّهُ يُحْكَمُ بِمِلْكِهَا لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا وَإِنْ تَلِفَتْ تَلِفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَمْلِكُهَا بِدُونِ الْقَبْضِ فَهِيَ قَبْلَهُ مِلْكُ الْبَائِعِ وَتَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَانَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا فَعَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَبَانَتْ مُسْتَحَقَّةً، وَعَلَى الثَّانِيَة لَا تَبْطُلُ وَلَهُ الْبَدَلُ، وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَهِيَ إذَا غَصَبَ نُقُودًا وَاتَّجَرَ فِيهَا وَرَبِحَ فَإِنَّ نُصُوصَ أَحْمَدَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوَقْفِ تَصَرُّفِ الْغَاصِبِ عَلَى الْإِجَارَةِ كَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنْ تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ صَحِيحَةٌ بِدُونِ إجَازَةٍ لِأَنَّهُ مُدَّةٌ تَطُولُ فَيَشُقُّ اسْتِدْرَاكُهَا وَفِي الْقَضَاءِ بِبُطْلَانِهَا ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَالِكِ بِتَفْوِيتِهِ الرِّبْحَ، وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، وَالصِّحَّةُ عِنْدَهُ مُخْتَصُّهُ بِالتَّصَرُّفِ الْكَثِيرِ وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَأَنَّ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَالِكُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِدُونِ إنْكَارِهِ لَهُذَّا الْمَعْنَى.
وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ نَزَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةَ
стр. 382
بَيْنَ الشِّرَاءِ بِعَيْنِ الْغَصْبِ وَالشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ فَتَنْزِلُ نُصُوصُهُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ وَإِنَّمَا كَانَ الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ مَعَ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لِلْغَاصِبِ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَفَائِدَتُهُ فَهُوَ كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ عَيْنِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ تَعْيِينِ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فَيَبْقَى كَالشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ سَوَاءٌ.
(وَمِنْهَا) إذَا بَانَ النَّقْدُ الْمُعَيَّنُ مَعِيبًا فَلَهُ حَالَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَيْبُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ بِذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى شَاةٍ فَبَانَتْ حِمَارًا وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ فَقَالَ إنْ كَانَ ذَهَبًا حُمِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَخَلَ فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ النُّحَاسِ أَوْ خَالَطَهُ غَيْرُهُ فَقَدْ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الذَّهَبِ ; لِمَا دَخَلَ فِيهِ وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ إذَا كَانَ كُلُّهُ أَوْ غَالِبُهُ كَذَلِكَ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ يَسِيرٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا يُزَالُ عَنْهُ الِاسْمُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَنْبَغِي بُطْلَانُ الْعَقْدِ هَا هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ فِي خِصَالِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ هَاهُنَا لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يُمْكِنُ إجْبَارُهُ عَلَى قَبُولِ هَذَا وَإِنَّمَا بَاعَ بِدِينَارٍ كَامِلٍ وَالْمُشْتَرِي لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ بَقِيَّةِ الدِّينَارِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى بِهَذَا الدِّينَارِ الْمُتَعَيِّنِ فَبَطَلَ الْعَقْدُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِمَا فِي الدِّينَارِ مِنْ الذَّهَبِ بِقِسْطِهِ مِنْ الْمَبِيعِ وَيَبْطُلُ الْبَاقِي، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِتَبَعُّضِ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ وَأَصْلُ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ أَرْضًا مُعَيَّنَةً عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَذْرُعٍ فَبَانَتْ تِسْعَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ كُلُّهُ بِدِينَارٍ وَيُلْزِمُ الْمُشْتَرِيَ بِثَمَنِ الدِّينَارِ مِنْ غَيْرِهِ ذَهَبًا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى دِينَارٍ كَامِلٍ فَإِذَا بَانَ دُونَهُ وَجَبَ إتْمَامُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَقْصِدَيْنِ: التَّعْيِينِ وَالتَّسْمِيَةِ.
وَأَصْلُ هَذَا الْوَجْهِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ اشْتَرَى سَمْنًا فِي ظَرْفٍ فَوَجَدَ فِيهِ رُبًّا إنْ كَانَ سَمَّانًا عِنْدَهُ سَمْنٌ أَعْطَاهُ بِوَزْنِهِ سَمْنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سَمْنٌ أَعْطَاهُ بِقَدْرِ الرُّبِّ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ السَّمَّانِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ السَّمَّانَ شَأْنه بَيْعُ السَّمْنِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ بِمِقْدَارِ الظَّرْفِ سَمْنًا وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا بَاعَهُ هَذَا الظَّرْفَ الْمُعَيَّنَ. وَالنُّقُودُ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَكُونَ عَيْبُهَا مِنْ جِنْسِهَا وَلَمْ يَنْقُصْ وَزْنُهَا كَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ لِتَعْيِينِ النَّقْدِ فِي الْعَقْدِ وَمَنْ أَمْسَكَ فَلَهُ الْأَرْشُ إلَّا فِي صَرْفِهَا بِحَبْسِهَا صَرَّحَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْخِرَقِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ خِلَافُهُ فَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ تَعْيِينِ النُّقُودِ فَأَمَّا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِحَالٍ إلَّا أَنْ يَتَفَرَّقَا وَالْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لِفَوَاتِ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا فَسْخَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ الْبَدَلُ دُونَ الْأَرْشِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ دُونَ الْمُعَيَّنِ
(وَمِنْهَا) إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْبُدَاءَة بِالتَّسْلِيمِ بَلْ يُنْصَبُ عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا ثُمَّ يَقْضِيهِمَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ فَهُمَا سَوَاءٌ وَعَلَى
стр. 383
الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ فِي الذِّمَّةِ فَيُجْبَرُ الْبَائِعُ أَوَّلًا عَلَى التَّسْلِيمِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْنِ دُونَهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى ثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ فَقَالَ هَذَا الثَّمَنُ وَقَدْ خَرَجَ مَعِيبًا وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا إنْ قُلْنَا النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَتَعَيَّنُ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا لِأَنَّهُ أَقْبَضَ فِي الظَّاهِرِ مَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ الْقَابِضِ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ وَالْأَصْلُ اشْتِغَالُهَا بِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّامِرِيِّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: إنْ قُلْنَا النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَلَمْ يَثْبُتْ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ، وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ فَوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الْعَيْبَ حَدَثَ عِنْدَهُ فِي السِّلْعَةِ أَحَدُهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ ثُبُوتَ الْفَسْخِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ الْقَابِضِ لِأَنَّهُ مُنْكِرُ التَّسْلِيمِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ هُوَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يحكيا خِلَافًا. وَلَا فَصْلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الصَّرْفِ وَفَرَّقَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِعَيْبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعَيْبَ أَنَّ مَالَهُ كَانَ مَعِيبًا أَمَّا إنْ اعْتَرَفَ بِالْعَيْبِ فَقَدْ فَسَخَ صَاحِبُهُ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُعَيَّنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الْمُغْنِي مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْآخَرُ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي مُدَّة الْخِيَارِ إذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ، وَبِذَلِكَ وَجَّهَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَقَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْفَسْخِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ هَلْ هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَإِنَّ الْأَمَانَاتِ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي عَيْنِهَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الرَّهْنِ، وَلِذَلِكَ نَصَّ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ وَقَدْ يَكُونُ مَأْخَذُهُ أَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْبَائِعِ مِمَّا يَدَّعِي عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَحْضَرَهَا فَأَنْكَرَ الْمَقَرُّ لَهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقَرَّ بِهَا فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ
(وَمِنْهَا) لَوْ كَانَ عَبْدَيْنِ شَرِيكَيْنِ، قِيمَةُ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرَةُ دَنَانِيرَ فَقَالَ رَجُلٌ يَمْلِكُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا
стр. 384
لِأَحَدِهِمَا اعْتِقْ نَصِيبَكَ عَنِّي عَلَى هَذِهِ الدَّنَانِيرِ الْعَشَرَةِ فَفَعَلَ عَتَقَ نَصِيبُ الْمَسْئُولِ عَنْ السَّائِلِ وَهَلْ يَسْرِي عَلَيْهِ إلَى حِصَّةِ الْآخَرِ أَمْ لَا؟ . إنْ قُلْنَا: إنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لَمْ يَسْرِ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ مَلَكَهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ فَلَمْ يَبْقَ فِي مِلْكِ السَّائِلِ شَيْءٌ فَصَارَ مُعْسِرًا وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَعَيَّنُ سَرَى إلَى حِصَّةِ الشَّرِيكِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ النَّصِيبَ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِقِيمَةِ حِصَّةِ الْآخَرِ وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَيُفِيدُ هَذَا أَنَّ الدَّيْنَ الْمُسْتَغْرِقَ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَمْ لَا]
(السَّابِعَةُ) الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِيَةُ: يَمْلِكُ اخْتَارَهَا ابْنُ شَاقِلَا وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي
وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا (فَمِنْهَا) لَوْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالًا زَكَوِيًّا فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ فَزَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ لَهُ وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُزَلْزَلٌ وَلِهَذَا لَمْ يَلْزَمْهُ فَفِيهِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ رَحِمُهُ بِالشِّرَاءِ هَذَا مَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ إيمَاء إلَيْهِ وَحَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةَ وُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ مَعَ ذَلِكَ إذْنَ السَّيِّدِ ; لِقَوْلِ أَحْمَدَ فَيُزَكِّيه بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ وَزَكَاتَهُ عَلَيْهِ.
وَالْعَبْدُ كَالْوَكِيلِ وَالْمُودَعِ فَلَا يُزَكِّي بِدُونِ إذْنِهِ وَعَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ ذَكَرَ احْتِمَالًا بِوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا مِلْكٌ لَهُ أَوْ فِي حُكْمِ مِلْكِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا مَلَّكَهُ السَّيِّدُ وَأَهَلَّ عَلَيْهِ هِلَالُ الْفِطْرِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ فَفِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا فِطْرَةَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ اعْتِبَارًا بِزَكَاةِ الْمَالِ كَمَا سَبَقَ
وَالثَّانِي: فِطْرَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى السَّيِّدِ وَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ.
(وَمِنْهَا) تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ وَالْأَيْمَانِ وَالظِّهَارِ وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ أَحَدُهَا الْبِنَاءُ عَلَى مِلْكِهِ وَعَدَمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَلَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ يَسْتَدْعِي مِلْكَ الْمَالِ فَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ قَابِلٍ لِلْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ خَاصَّةً وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ وَهَلْ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ وَلَيْسَ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهَا.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ أَوْ يَجُوزُ لَهُ مَعَ إجْزَاءِ الصِّيَامِ الْمُتَوَجِّهِ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مَالٌ فَأَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ بِالتَّكْفِيرِ مِنْهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ بَلْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يَمْلِكَهُ لِيُكَفِّرَ لَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا بُذِلَ لَهُ مَالٌ. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ لُزُومِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فِي الْحَجِّ وَنَفْيِ اللُّزُومِ فِي الظِّهَارِ
стр. 385
(الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنَّ فِي تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ فَوَجْهُ عَدَمِ تَكْفِيرِهِ بِالْمَالِ مَعَ الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ أَنْ يَمْلِكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاة وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ وَالْوَجْهُ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ مَعَ الْقَوْلِ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ. مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَكْفِيرَهُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ لَهُ مِنْ السَّيِّدِ وَإِبَاحَةٌ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ وَالتَّكْفِيرُ عَنْ الْغَيْرِ لَا يُشْتَرَطُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ، كَمَا يَقُولُ فِي رِوَايَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا وَقُلْنَا لَا يَسْقُطُ تَكْفِيرُ غَيْرِهِ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَهَا هُوَ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ إخْرَاجًا لِلْكَفَّارَةِ
(وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي) : أَنَّ الْعَبْدَ ثَبَتَ لَهُ فِي مِلْكٍ قَاصِرٍ بِحَسَبِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ التَّامُّ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ فِي الْمَالِ الْمُكَفَّرِ بِهِ مِلْكٌ يُنْتِجُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ دُونَ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ كَمَا أَثْبَتْنَا لَهُ فِي الْأَمَةِ مِلْكًا قَاصِرًا أُبِيحَ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا دُونَ بَيْعِهَا وَلَا هِبَتِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْعِتْقِ مُحْتَاجٌ إلَى مِلْكٍ بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ رَجُلًا أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ فَفَعَلَ أَجْزَأَتْهُ وَلَوْ أَمَرَ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ فَفِي جَزَائِهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ وَلَوْ تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ عَنْ مَوْرُوثِهِ صَحَّ وَلَوْ تَبَرَّعَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَجْنَبِيُّ عَنْ الْمَوْرُوثِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ فَوَجْهَانِ
(الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ بِحَالٍ عَلَى كِلَا الطَّرِيقَيْنِ وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ وَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَإِنْ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كَمَا سَبَقَ فَلَا يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ فَرْضُهُ غَيْرَ الصِّيَامِ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ الْحُرِّ الْعَاجِزِ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمَلُّكِ وَمِنْ هَاهُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْخِرَقِيِّ الْعَبْدُ أَيْضًا إذَا حَنِثَ ثُمَّ عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ إذَا حَنِثَ ثُمَّ أَيْسَرَ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْعَبْدِ: إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا وَقَالَ فِي الْحُرِّ الْمُعْسِرِ: إنَّهُ يَصُومُ فِي الْإِحْصَارِ صِيَامَ التَّمَتُّعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ الْقَابِلِ لِتَعَلُّقِ الْوَاجِبَاتِ بِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الصِّيَامِ بِالْأَصَالَةِ وَفِدْيَةُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ بِغَيْرِ الْهَدْيِ فَأَوْجَبْنَا عَلَى الْعَبْدِ صِيَامًا يَقُومُ مَقَامَ الْهَدْي وَيَعْدِلُ قِيمَةَ الشَّاة كَمَا وَجَبَ فِي جَزَاء الصَّيْدِ لِأَنَّ هَذَا الصِّيَامَ وَاجِبٌ بِالْأَصَالَةِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ وَيَعْدِلُ الْهَدْيَ، وَشَبِيهٌ بِهِ فَيَكُونُ فَرْضُ الْعَبْدِ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ بِالْأَصَالَةِ هُوَ الْهَدْيُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ الَّذِي شُرِعَ لِلْهَدْيِ وَهُوَ صِيَامُ الْمُتْعَةِ.
(وَمِنْهَا) إذَا بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ وَفِيهِ
стр. 386
لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ (إحْدَاهَا) الْبِنَاءُ عَلَى الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ لَمْ يُشْتَرَطْ مَعْرِفَةُ الْمَالِ وَلَا سَائِرِ شَرَائِطِ الْبَيْعِ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ لِيَكُونَ عَبْدًا ذَا مَالٍ وَذَلِكَ صِفَةٌ فِي الْعَبْدِ لَا تُفْرَدُ بِالْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ كَبَيْعِ الْمُكَاتَبِ الَّذِي لَهُ مَالٌ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ اُشْتُرِطَ لِمَالِكِهِ مَعْرِفَتُهُ وَأَنَّ بَيْعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ أَوْ بِجِنْسِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ عَلَى رِوَايَةٍ وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ لِأَنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ دَاخِلٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَغَيْرِهِمْ.
(وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) : اعْتِبَارُ قَصْدِ الْمَالِ أَوْ عَدَمِهِ لَا غَيْرَ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَقْصُودًا لِلْمُشْتَرِي اُشْتُرِطَ عِلْمُهُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بَلْ قَصَدَ الْمُشْتَرِي تَرْكَهُ لِلْعَبْدِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ وَحْدَهُ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُود وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ كَالْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي الصِّحَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ وَتَرْجِعُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَى بَيْعِ رِبَوِيٍّ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي الْقَوَاعِدِ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي هَذِهِ الطَّرِيقَةَ.
(وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ) : الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّر وَمَضْمُونُهَا أَنَّا إنْ قُلْنَا: الْعَبْدُ يَمْلِكُ لَمْ يُشْتَرَطْ لِمَالِهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ بِحَالٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَقْصُودًا لِلْمُشْتَرِي اُشْتُرِطَ لَهُ شَرَائِطُ الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ ذَلِكَ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَذِنَ الْمُسْلِمُ لِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَالِهِ عَبْدًا مُسْلِمًا فَاشْتَرَاهُ فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ صَحَّ وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلسَّيِّدِ.
قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي قُلْتُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ بِالْوَكَالَةِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَأْذَنَ الْكَافِرُ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ رَقِيقًا مُسْلِمًا. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ صَحَّ وَكَانَ الْعَبْدُ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ لَمْ يَصِحَّ.
(وَمِنْهَا) تَسَرِّي الْعَبْدِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ جَازَ تَسَرِّيهِ وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّ الْوَطْءَ بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابِ بَعْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ تَسَرِّيهِ عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَرَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهِيَ أَصَحُّ فَإِنَّ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ لَا تَخْتَلِفُ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي لَهُ، فَتَارَةً عَلَّلَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ وَتَارَةً اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ جَازَ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَجَازَ التَّسَرِّي وَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُ اتِّبَاعًا لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَمْلِكُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكَاحِ وَهُوَ مِلْكٌ لِمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ التَّسَرِّي وَيَثْبُتُ لَهُ هَذَا الْمِلْكُ الْخَاصُّ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ تَسَرِّيهِ
стр. 387
بِدُونِ إذْنٍ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ كَنِكَاحِهِ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِمَا يُتْلِفُ مَالِيَّتَهُ وَيَضُرُّ بِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِهِ، وَالتَّسَرِّي فِيهِ إضْرَارٌ بِالْجَارِيَةِ، وَتَنْقِيصٌ لِمَالِيَّتِهَا بِالْوَطْءِ وَالْحَمْلِ وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى تَلَفِهَا. وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ فِي مَالِهِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَسَرَّى عَبِيدُهُ فِي مَالِهِ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى حَوَاشِي الْجَامِعِ لِلْخَلَّالِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَسَرِّيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لَهُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ. انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ نَصُّ اشْتِرَاطِهِ عَلَى التَّسَرِّي مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَنَصُّهُ يُقَدَّمُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَسَرِّيهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَقَدْ أَوْمَأَ إلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِعَبْدِهِ جَارِيَةً لَا يَطَؤُهَا وَلَكِنَّهُ يَتَسَرَّى فِي مَالِهِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَفَسَّرَ مَالَهُ بِمَالِ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ وَهَذَا فِي اعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي التَّسَرِّي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْأَمَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ فِيهِ إشْكَالٌ وَلَعَلَّهُ مَنَعَ الْوَطْءَ بِدُونِ إذْنِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ اشْتِرَاطًا لِإِذْنِ السَّيِّدِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ مُتَرَدِّدٌ فِي تَسَرِّي الْعَبْدِ بِأَمَةِ سَيِّدِهِ وَنِكَاحِهِ هَلْ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَمْ لَا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يَبِيعُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ بِعَبْدِهِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا الْعَبْدُ فَجَعَلَهُ تَمْلِيكًا لَازِمًا وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَكْثَرُونَ جَوَازَهُ وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي بَيْعِ سُرِّيَّةِ عَبْدِهِ فَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ الْجَوَازَ وَنَقَلَ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْعَ مُعَلَّلًا بِأَنَّ التَّسَرِّي بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ هَانِئٍ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي جَوَازِ تَسَرِّي الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَمَتَيْنِ فَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ الْجَوَازَ وَأَبُو الْحَارِثِ الْمَنْعَ كَالنِّكَاحِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ وَسُرِّيَّتَهُ يُوجِبُ تَحْرِيمَهُمَا عَلَيْهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ وَزَوْجَتِهِ هَلْ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ جِهَةِ التَّمْلِيكِ فِيهِ أَوْ جِهَةِ النِّكَاحِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ أَكْثَرَ هَذِهِ النُّصُوصِ الْقَاضِي وَرُبَّمَا أَوَّلَهَا وَنَزَّلَهَا عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ مَنْصُوصَةٌ عَنْ السَّلَفِ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا كَمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ التَّسَرِّي لِلْعَبْدِ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ فَيَكُونُ نِكَاحًا عِنْدَهُ وَحُمِلَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُ الْإِشْهَادُ وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ لَا غَيْرَ وَفِي ثُبُوتِ الْمَهْرِ بِهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ
(وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَ نَفْسِهِ بِمَالٍ فِي يَدِهِ فَهَلْ يُعْتَقُ أَمْ لَا؟ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِذَلِكَ وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَنَزَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ فَيَكُونُ دُخُولُ السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ فِي بَيْعِهِ نَفْسَهُ بِمَالِهِ إقْرَارًا لَهُ عَلَى مِلْكِهِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَيُعْتَقُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بَيْعُهُ نَفْسَهُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ عِتْقِهِ فَيُعْتَقُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: أَنَّ بَيْعَ السَّيِّدِ عَبْدَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ تَعْلِيقٌ لِعِتْقِهِ عَلَى الْتِزَامِهِ فَيُعْتَقُ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ هَاهُنَا تَعْلِيقًا عَلَى إيفَاءِ
стр. 388
هَذَا الْمَالِ، يُعْتَقُ بِهِ أَمَّا إنْ دَفَعَ مَالًا إلَى رَجُلٍ لِيَشْتَرِيَهُ بِهِ مِنْ سَيِّدِهِ فَفَعَلَ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيُعْتَقُ إنْ اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ فِي الذِّمَّةِ؟ ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ صَحَّ وَعَتَقَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ الْمَالِ انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَعْيِينِ النُّقُودِ بِالتَّعْيِينِ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ وَأَبِي دَاوُد الْبُطْلَانُ مُعَلَّلًا بِمَا ذَكَرْنَا وَذَكَرهُ الْخِرَقِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَعْلَمْ هَهُنَا أَنَّهَا مَالُهُ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لَهَا عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَحَنْبَلٍ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ وَيَغْرَمُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَهَذَا قَدْ يَتَنَزَّلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ.
وَقَدْ يَتَنَزَّلُ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّعْيِينِ عَلَى أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ الْعِتْقُ كَمَا يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلْأَصْحَابِ وَكَذَلِكَ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْهُ فِي عَبْدٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِ رَجُلٍ آخَرَ فَاشْتَرَاهُ بِهَا مِنْ سَيِّدِهِ وَأَعْتَقَهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ بِمَالِهِ فَإِنْ اسْتَهْلَكَ كَانَ دَيْنًا عَلَى الْعَبْدِ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَقِيلٍ [فِي] الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَكَّلَ الرَّجُلَ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي وَكِيلًا لِلْعَبْدِ وَتَكُونُ وَكَالَةً صَحِيحَةً قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ عَتَقَ فِي الْبَاطِنِ فِي الْحَالِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الثَّمَنُ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ سَيِّدِهِ شَيْئًا بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ لَا رِبًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَيَلْتَزِمُ عَلَيْهِ جَرَيَانُ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَلَطًا فِي كِتَابَيْهِمَا يَعْنِي الْقَاضِيَ وَابْنَ عَقِيلٍ وَأَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ الْعَبْدَ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ.
(وَمِنْهَا) إذَا عَتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَلَهُ مَالٌ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ لِلْعَبْدِ أَمْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ وَعَدَمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَإِلَّا فَلَا وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ بِمَالِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ لَمْ يَنْفَسِخْ.
(وَمِنْهَا) لَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ فَالْوَلَدُ مِلْكُ السَّيِّدِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْعَبْدِ لَكِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُعْتَقَ فَإِذَا عَتَقَ وَلَمْ يَنْزِعْهُ مِنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ لِتَمَامِ مِلْكِهِ حِينَئِذٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ.
(وَمِنْهَا) هَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ دُونَ اسْتِرْجَاعِهِ؟ إنْ قُلْنَا الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ صَحَّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُ السَّيِّدِ لِرَقِيقِ عَبْدِهِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجَعَ فِيهِ قَبْلَ عِتْقِهِ قَالَ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلِأَنَّ عِتْقَهُ يَتَضَمَّن الرُّجُوعَ فِي التَّمْلِيكِ.
(وَمِنْهَا) الْوَقْفُ عَلَى الْعَبْدِ فَنَصُّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ
стр. 389
بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فَأَمَّا: إنْ قِيلَ إنَّهُ يَمْلِكُ صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَالْمُكَاتَبِ فِي أَظْهَرْ الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
(وَمِنْهَا) وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ كَانَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ صَحَّ وَعَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمَالِ وَكَمُلَ عِتْقُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْوَصِيَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا صَحَّتْ لِعَقْدِهِ فَتَقْدِيمُ الْعِتْقِ أَهَمُّ وَأَنْفَعُ لَهُ. وَقِيلَ بَلْ الْجُزْءُ الشَّائِعُ الْمُوصَى بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فَتَعَيَّنَ فِي الْعَبْدِ تَصْحِيحًا لِلْوَصِيَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: مَلَكَ بِالْوَصِيَّةِ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْ نَفْسِهِ فَتُعْتَقُ عَلَيْهِ وَمَلَكَ بِهِ بَقِيَّةَ الْوَصِيَّةِ فَصَارَ مُعْسِرًا فَسَرَى الْعِتْقُ إلَى الْبَاقِي مَضْمُونًا بِالسِّرَايَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الْوَصِيَّةِ إذْ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهَا كَمَنْ مَلَكَ بَعْضَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بِفِعْلِهِ وَأَوْلَى. وَهَذَا الْمَأْخَذُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَهُوَ حَسَنٌ وَفِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ مَا يُشْعِرُ بِهِ أَيْضًا.
وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِنِسْبَةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ فَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ إذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالسِّرَايَةِ بِالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُكْمِلُ لَهُ بَقِيَّةَ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ إنْ احْتَمَلَ الثُّلُثُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُقَدَّرٍ فَفِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ أَمْ لَا وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيِّ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الصِّحَّةَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَقَدْرِ الْمُعَيَّنِ أَوْ الْمُقَدَّرِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا بِعَيْنِهِ فَيَعُودُ إلَى الْجُزْءِ الْمُشَاعِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا
(وَمِنْهَا) لَوْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ مَلَّكَهُ إيَّاهَا سَيِّدُهُ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهَا لَمْ يُسْهَمْ لَهَا وَلِأَنَّ الْفَرَسَ تَبَعٌ لِمَالِكِهَا فَإِذَا كَانَ مَالِكُهَا مِنْ أَهْلِ الرَّضْخ فَكَذَلِكَ فَرَسُهُ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا أَسْهَمَ لَهَا لِأَنَّهَا لِسَيِّدِهِ كَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِفَرَسِ الْعَبْدِ وَتَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَالَ لَا يُسْهَمُ لَهَا مُتَّحِدًا وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ إذَا غَزَا الْعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ وَمَعَهُ فَرَسَانِ وَمَعَ سَيِّدِهِ فَرَسَانِ يُسْهَمُ لِفَرَسَيْ السَّيِّدِ وَلَا يُسْهَمُ لِفَرَسَيْ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْكُلَّ لِلسَّيِّدِ وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ.
" تَنْبِيهٌ " الْخِلَافُ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَمْ لَا قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ وَكَلَامُ الْأَكْثَرِينَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) مِلْكُهُ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَنْبَنِي عَلَى رِوَايَتَيْ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ جَعْلًا لِتَمْلِيكِ الشَّارِعِ كَتَمْلِيكِ السَّيِّدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَمْلِيك شَرْعِيٌّ يَثْبُتُ قَهْرًا فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمًا وَفَارَقَ الْمِيرَاثَ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ وَهُنَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ وَعِنْدَ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ لَا يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَكَذَلِكَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُغْنِي أَنَّهَا مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ
(وَمِنْهَا) حِيَازَتُهُ الْمُبَاحَاتِ مِنْ احْتِطَابٍ أَوْ احْتِشَاشٍ أَوْ اصْطِيَادٍ أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً كَالْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّ جَوَارِحَ الْعَبْدِ وَمَنَافِعَهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ
стр. 390
فَهِيَ كَيَدِ نَفْسِهِ فَالْحَاصِلُ فِي يَدِ عَبْدِهِ كَالْحَاصِلِ فِي يَدِهِ حُكْمًا نَعَمْ لَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَتَمْلِيكِهِ إيَّاهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَخَرَّجَ طَائِفَةٌ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَعَدَمِهِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَقَاسَهُ عَلَى اللُّقَطَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
(وَمِنْهَا) إذَا وَصَّى لِلْعَبْدِ أَوْ وَهَبَ لَهُ وَقَبِلَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِدُونِهِ إذَا أَجَزْنَا لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَبَنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ.
(وَمِنْهَا) لَوْ خَلَعَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ بِعِوَضٍ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ الْعَبْدَ هُنَا يَمْلِكُ الْبُضْعَ فَمَلَكَ عِوَضَهُ بِالْخُلْعِ ; لِأَنَّ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئًا مَلَكَ عِوَضَهُ فَأَمَّا مَهْرُ الْأَمَةِ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَيَكُونُ تَمَلُّكُهُ لَهُ كَأُجْرَةِ الْعَبْدِ لَهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الْمُضَارِبُ هَلْ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَمْ لَا]
[الثَّامِنَةُ] الْمُضَارِبُ هَلْ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ أَمْ لَا؟ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ رِوَايَةً وَاحِدَة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ وَهِيَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَمْلِكُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَيَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ فِيهَا بِالْمُقَاسَمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَلَا يَسْتَقِرُّ بِدُونِهَا وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ يَسْتَقِرُّ بِالْمُحَاسِبَةِ التَّامَّةِ كَابْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ صَرِيحًا عَنْ أَحْمَدَ.
وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ: (مِنْهَا) انْعِقَادُ الْحَوْلِ عَلَى حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُ بِدُونِهَا فَلَا انْعِقَادَ قَبْلَهَا وَإِنْ قِيلَ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهَا أَمْ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ الِاسْتِقْرَارِ؟ فَفِيهِ لِلْأَصْحَابِ طُرُقٌ:
(أَحَدُهُمَا) : لَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهَا بِدُونِ اسْتِقْرَارٍ بِحَالٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْخِلَافِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ وَكَذَلِكَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ عِنْدَهُ الِاسْتِقْرَارُ بِالْقِسْمَةِ وَعِنْدَهُمَا بِالْمُحَاسَبَةِ التَّامَّةِ فَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عِنْدَهُمَا بِالْمُحَاسَبَةِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ.
(وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) : إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ انْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَبِي الْخَطَّابِ.
(وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ) : إنْ قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ وَإِنْ قُلْنَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ قَبْلَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبَيْ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ لَكِنَّهُمَا رَجَّحَا عَدَمَ الِانْعِقَادِ وَابْنُ عَقِيلٍ صَحَّحَ الِانْعِقَادَ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ رَأْسِ مَالِهِ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ وَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهَا بِالظُّهُورِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الرِّبْحِ فَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ الْعَامِلُ بِالظُّهُورِ أَوْ لَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ إنْ سَلِمَ فَهُوَ لِلْعَامِلِ وَإِنْ تَلِفَ تَلِفَ عَلَيْهِمَا وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إذَا قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَامِلُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى الْعَامِلُ بَعْدَ ظُهُورِ
следующие страницы →