← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21730

قواعد ابن رجب - ط الخانجي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (422 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[خِطْبَة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْفَرَجِ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَهَّدَ قَوَاعِدَ الدِّين بِكِتَابِهِ الْمُحْكَمِ، وَشَيَّدَ مَعَاقِلَ الْعِلْمِ بِخِطَابِهِ وَأَحْكَمَ، وَفَقَّهَ فِي دِينِهِ مَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا مِنْ عِبَادِهِ وَفَهَّمَ، وَأَوْقَفَ مَنْ شَاءَ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ أَسْرَارِ مُرَادِهِ وَأَلْهَمَ، فَسُبْحَانَ مَنْ حَكَمَ فَأَحْكَمَ، وَحَلَّلَ وَحَرَّمَ، وَعَرَّفَ وَعَلَّمَ، عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تَهْدِي إلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَخْصُوصُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَبَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَوَدَائِعِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْكَرْمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. " أَمَّا بَعْدُ " فَهَذِهِ قَوَاعِدُ مُهِمَّةٌ وَفَوَائِدُ جَمَّةٌ، تَضْبِطُ لِلْفَقِيهِ أُصُولَ الْمَذْهَبِ، وَتُطْلِعُهُ مِنْ مَآخِذِ الْفِقْهِ عَلَى مَا كَانَ عَنْهُ قَدْ تَغَيَّبَ. وَتُنَظِّمُ لَهُ مَنْثُورَ الْمَسَائِلِ فِي سِلْك وَاحِدٍ، وَتُقَيِّدُ لَهُ الشَّوَارِدَ وَتُقَرِّبُ عَلَيْهِ كُلَّ مُتَبَاعِدٍ، فَلْيُمْعِنْ النَّاظِرُ فِيهِ النَّظَرَ، وَلْيُوَسِّعْ الْعُذْرَ إنَّ اللَّبِيبَ مَنْ عَذَرَ. فَلَقَدْ سَنَحَ بِالْبَالِ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْإِعْجَالِ، كَالِارْتِجَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ الِارْتِجَالِ، فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ وَلَيَالٍ. وَيَأْبَى اللَّهُ الْعِصْمَةَ لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ مَنْ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِصَوَابِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا اجْتِنَابَ أَسْبَابِ الزَّيْغِ وَالزَّلَلِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ لِمَنْ سَأَلَ، لَا يُخَيِّبُ مَنْ إيَّاهُ رَجَا وَعَلَيْهِ تَوَكَّلَ. [الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْمَاءُ الْجَارِي هَلْ هُوَ كَالرَّاكِدِ] (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) الْمَاءُ الْجَارِي هَلْ هُوَ كَالرَّاكِدِ أَوْ كُلُّ جرية مِنْهُ لَهَا حُكْمُ الْمَاءِ الْمُنْفَرِدِ. فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ: (أَحَدُهَا) لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَهَلْ يُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَنْجُسْ بِدُونِ تَغَيُّرٍ وَإِلَّا نَجُسَ أَوْ تُعْتَبَرُ كُلُّ جَرْيَةٍ بِانْفِرَادِهَا فَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ وَإِلَّا نَجُسَتْ. فِيهِ رِوَايَتَانِ

стр. 2

حَكَاهُمَا الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ. [غمس الْإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ] (وَالثَّانِيَةُ) : الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَالثَّانِيَةُ: لَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ النَّجِسُ فِي مَاءٍ جَارٍ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ سَبْعُ جَرْيَاتٍ فَهَلْ ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ سَبْعُ غَسَلَاتٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْغَازِي تِلْمِيذُ الْآمِدِيِّ، وَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ لِلْقَاضِي: أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَوْبًا وَنَحْوِهِ وَعَصَرَهُ عَقِيبَ كُلِّ جَرْيَةٍ. [انغمس الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ لِلْوُضُوءِ] (وَالثَّالِثَةُ) : لَوْ انْغَمَسَ الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فِي مَاءٍ جَارٍ لِلْوُضُوءِ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَهَلْ يَرْتَفِعُ بِذَلِكَ حَدَثُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ. قُلْتُ: بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَأَنَّهُ إذَا انْغَمَسَ فِي دِجْلَةَ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ حَتَّى يُخْرِجَ حَدَثَهُ مُرَتَّبًا. [حَلَفَ لَا يَقِفُ فِي هَذَا الْمَاءِ وَكَانَ جَارِيًا] (وَالرَّابِعَةُ) لَوْ حَلَفَ لَا يَقِفُ فِي هَذَا الْمَاءِ وَكَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْجَارِيَ يَتَبَدَّلُ وَيَسْتَخْلِفُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ. وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لَا سِيَّمَا وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لَهُ وَالْأَيْمَانُ مَرْجِعُهَا إلَى الْعُرْفِ، ثُمَّ وَجَدْت الْقَاضِيَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا [وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] . [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ شَعْرُ الْحَيَوَانِ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) : شَعَرُ الْحَيَوَانِ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ لَا فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ، وَكَذَلِكَ الظُّفُرُ. هَذَا هُوَ جَادَّةُ الْمَذْهَبِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا مَسَّ شَعَرَ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَكَذَلِكَ ظُفْرَهَا أَوْ مَسَّهَا بِظُفْرِهِ أَوْ شَعَرِهِ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلشَّهْوَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ شَرْطٌ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ عِنْدَنَا. [الشعر لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالِانْفِصَالِ] (وَمِنْهَا) أَنَّ الشَّعَرَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالِانْفِصَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَذَا مَا طَالَ مِنْ الظُّفْرِ عَلَى احْتِمَالٍ فِيهِ، أَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ انْفَصَلَ مِنْ آدَمِيٍّ لَمْ يَنْجُسْ عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْ غَيْرِهِ يَنْجُسُ، لِأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ ثُمَّ فَارَقَتْهُ حَالَ انْفِصَالِهِ فَمَنَعَهُ الِاتِّصَالُ مِنْ التَّنْجِيسِ فَإِذَا انْفَصَلَ زَالَ الْمَانِعُ فَنَجُسَ. [غَسْلُ الشعر فِي الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ] (وَمِنْهَا) غَسْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. فَأَمَّا الْجَنَابَةُ فَفِي وُجُوبِ غَسْلِهِ وَجْهَانِ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ فَيَقُولُ: وَجَبَ تَعَبُّدًا. نَعَمْ إنْ كَانَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ غَسْلِهِ وَجَبَ لِضَرُورَةِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَأَمَّا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ يَجِبُ غَسْلُ الْمُسْتَرْسِلِ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْمُحَاذِي لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَيُجْزِئُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ إذَا كَانَ كَثِيفًا، لِأَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ

стр. 3

إلَى الْحَوَائِلِ فِي الْوُضُوءِ كَافٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالْبَدَنِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ كَالْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ وَالْجَبِيرَةِ فَالْمُتَّصِلِ خِلْقَةً أَوْلَى. [أَضَافَ طَلَاقًا أَوْ عَتَاقًا أَوْ ظِهَارًا إلَى الشَّعَرِ أَوْ الظُّفْرِ] (وَمِنْهَا) لَوْ أَضَافَ طَلَاقًا أَوْ عَتَاقًا أَوْ ظِهَارًا إلَى الشَّعَرِ أَوْ الظُّفْرِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَا الْعَتَاقُ وَلَا الظِّهَارُ عَلَى الْأَصَحِّ. [كَانَ جيبه وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ لَهُ لَحَيَّةٌ كَبِيرَةٌ تَسْتُرُهُ] (وَمِنْهَا) لَوْ كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ لَهُ لِحْيَةٌ كَبِيرَةٌ تَسْتُرُهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فِي السِّتْرِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَرَّرَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ السِّتْرَ بِالْمُتَّصِلِ كَالْيَدِ وَنَحْوِهَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ. وَخَالَفَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ: هُوَ سِتْرٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَتَرَدَّدَ فِيهِ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ فَجَزَمَ تَارَةً بِأَنَّ السِّتْرَ بِالْمُتَّصِلِ لَيْسَ بِسِتْرٍ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ وَرَجَعَ إلَى أَنَّهُ سِتْرٌ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْإِحْرَامِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي سِتْرِ الصَّلَاةِ تَغْيِيبُ لَوْنِ الْبَشَرَةِ وَفِي الْإِحْرَامِ إنَّمَا يُحَرَّمُ السِّتْرُ بِمَا يُسْتَرُ بِهِ عَادَةً. فَأَمَّا إيجَابُ الْفِدْيَةِ بِهِ وَضَمَانُهُ مِنْ الصَّيْدِ وَتَحْرِيمُ نَظَرِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، فَلَمَّا يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الْبَدَنِ مِنْ إزَالَةِ جَمَالِهِ وَتَأَذِّي الصَّيْدِ بِتَرْوِيعِهِ وَإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَالِافْتِتَانِ بِالْمَرْأَةِ وَلِهَذَا لِوَ انْفَصَلَ شَعَرُ الْمَرْأَةِ جَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَحَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ فَأَتَى بِمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا دُونَهُ لَأَجْزَأَهُ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) : مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ فَأَتَى بِمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا دُونَهُ لَأَجْزَأَهُ هَلْ يُوصَفُ الْكُلُّ بِالْوُجُوبِ أَوْ قَدْرُ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ. إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَمَيِّزَةً مُنْفَصِلَةً فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا نَفْلٌ بِانْفِرَادِهَا كَإِخْرَاجِ صَاعَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَمَيِّزَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ فَوَاتِ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ هَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ. ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ تَخْرِيجُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْرِيَ الزِّيَادَةُ مَجْرَى الْوَاجِبِ فِي بَابِ الِاتِّبَاعِ خَاصَّةً إذْ الِاتِّبَاعُ قَدْ يُسْقِطُ الْوَاجِبَ كَمَا فِي الْمَسْبُوقِ وَمُصَلِّي الْجُمُعَةِ مِنْ امْرَأَةٍ وَعَبْدٍ مُسَافِرٍ. [وَجَبَ عَلَيْهِ شَاة فَذَبَحَ بَدَنَةً] (وَمِنْهَا) إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَذَبَحَ بَدَنَةً فَهَلْ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُبُعُهَا؟ . عَلَى وَجْهَيْنِ (وَمِنْهَا) إذَا أَدَّى عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ بَعِيرًا وَقُلْنَا يَجْزِيهِ فَهَلْ الْوَاجِبُ كُلُّهُ أَوْ خُمُسُهُ الْوَاجِبُ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِيهِ وَجْهَيْنِ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ خُمُسَهُ الْوَاجِبَ يُجْزِئُ عَنْ عِشْرِينَ بَعِيرًا أَيْضًا، وَعَلَى الْآخَرِ لَا يُجْزِئُ عَنْ عِشْرِينَ إلَّا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ. [مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَة وَقُلْنَا الْفَرْضُ مِنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ] (وَمِنْهَا) إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَقُلْنَا الْفَرْضُ مِنْهُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ فَهَلْ الْكُلُّ فَرْضٌ أَوْ قَدْرُ النَّاصِيَةِ مِنْهُ. (وَمِنْهَا) إذَا أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ سِنًّا أَعْلَى مِنْ

стр. 4

الْوَاجِبِ فَهَلْ كُلُّهُ فَرْضٌ أَوْ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ كُلُّهُ فَرْضٌ وَقَالَ الْقَاضِي بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ وَهُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ أَعْطَاهُ جُبْرَانًا عَنْ الزِّيَادَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ الْأَصْلُ فَرْضِيَّتَهُ وَوُجُوبَهُ ثُمَّ سَقَطَ بَعْضُهُ تَخْفِيفًا فَإِذَا فَعَلَ الْأَصْلَ وُصِفَ الْكُلُّ بِالْوُجُوبِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَمِنْ ذَلِكَ إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا فَإِنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ تَنَفُّلٌ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ فِيهِمَا وَهُوَ مُتَمَشٍّ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْقَصْرِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَمِنْهُ إذَا كَفَّرَ الْوَاطِئُ فِي الْحَيْضِ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِصْفِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّا إنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ وَقُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ فَفِي السَّائِلِ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي رَفْعِ حَدَثٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْغَسْلُ وَإِنَّمَا سَقَطَ تَخْفِيفًا. وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ طَهُورٌ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَكْرُوهٌ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَقَدْ يُقَالُ وَالْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ أَيْضًا. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا لَا يَجُوز تَقْدِيمُهَا عَلَى سَبَبِ وُجُوبِهَا] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) : الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بَدَنِيَّةً أَوْ مَالِيَّةً أَوْ مُرَكَّبَةً مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى سَبَبِ وُجُوبِهَا وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ الْوُجُوبِ أَوْ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) الطَّهَارَةُ سَبَبُ وُجُوبِهَا الْحَدَثُ وَشَرْطُ الْوُجُوبِ فِعْلُ الْعِبَادَةِ الْمُشْتَرَطِ لَهَا الطَّهَارَةُ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْعِبَادَةِ وَلَوْ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ بَعْدَ الْحَدَثِ. (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الزَّوَالَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّلَاتَيْنِ عِنْدَ الْعُذْرِ دُونَ عَدَمِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الزَّوَالِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ عُذْرٌ لَزِمَهُ قَضَاءُ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَزِمَهُ الصَّلَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا فَعُلِمَ أَنَّ الْوَقْتَيْنِ قَدْ صَارَا فِي حَالِ الْعُذْرِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ، لَكِنَّهُ وَقْتُ جَوَازٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى إحْدَاهُمَا، وَوُجُوبٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُخْرَى. (وَمِنْهَا) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَإِنْ سَبَبهَا الْيَوْمُ لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ زَوَالِ وَقْتِ النَّهْيِ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ الزَّوَالُ هُوَ وَقْتَ الْوُجُوبِ. (وَمِنْهَا) زَكَاةُ الْمَالِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ. (وَمِنْهَا) كَفَّارَاتُ الْإِحْرَامِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِلْعُذْرِ فَإِنَّ الْعُذْرَ سَبَبُهَا فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ الْعُذْرِ وَقَبْلَ فِعْلِ الْمَحْظُورِ. (وَمِنْهَا) صِيَامُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّ سَبَبَهُ الْعُمْرَةُ السَّابِقَةُ لِلْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، فَبِالشُّرُوعِ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ

стр. 5

قَدْ وُجِدَ السَّبَبُ فَيَجُوزُ الصِّيَامُ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْهَدْيُ فَقَدْ الْتَزَمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَلَنَا رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْعَشْرِ لِمَشَقَّةِ حِفْظِهِ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ النَّحْرِ لِأَنَّ الشَّرْعَ خَصَّهَا بِالذَّبْحِ. (وَمِنْهَا) كَفَّارَةُ الْيَمِينِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ مَالِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَدَنِيَّةً. (وَمِنْهَا) إخْرَاجُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ الصَّيْدِ بَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الزُّهُوقِ. (وَمِنْهَا) النَّذْرُ الْمُطْلَقُ نَحْوُ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ فِي الْحَالِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ. وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى شَرْطِ وُجُوبِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدِّيَةِ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ وَأَمَّا مِنْ الْقِصَاصِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَكَتَوْفِيَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِلضَّامِنِ الدَّيْنَ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالْأَدَاءِ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَكَعَفْوِ الشَّفِيعِ عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الْمِلْكُ وَشَرْطَهَا الْبَيْعُ، وَأَمَّا إسْقَاطُ الْوَرَثَةِ حَقَّهُمْ مِنْ وَصِيَّةِ الْمَوْرُوثِ فِي مَرَضِهِ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَشَبَّهَهُ فِي مَوْضِعٍ بِالْعَفْوِ عَنْ الشُّفْعَةِ، فَخَرَّجَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَكَإِيتَاءِ الْمُكَاتَبِ رُبْعَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِهَا وَقَبْلَ كَمَالِ الْأَدَاءِ وَهُوَ جَائِزٌ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة مَنْ عَجَّلَ عِبَادَةً قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَقَدْ تغير الْحَال] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ) : مَنْ عَجَّلَ عِبَادَةً قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَقَدْ تَغَيَّرَ الْحَالُ بِحَيْثُ لَوْ فَعَلَ الْمُعَجَّلَ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ لَمْ يُجْزِئْهُ فَهَلْ تُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: (أَحَدِهِمَا) أَنْ يَتَبَيَّنَ الْخَلَلَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ بِأَنْ يَظْهَرَ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ الْمُعَجَّلِ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ ثُمَّ حَنِثَ وَهُوَ مُوسِرٌ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مَا أَتَى بِهِ وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضَهُ فِي الظَّاهِرِ فَبَرِئَ بِهِ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مُنْعَقِدَةً بِالتَّكْفِيرِ فَصَادَفَ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ذِمَّةً بَرِيئَةً مِنْ الْوَاجِبِ فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْحِنْثُ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَلَّتْهُ. وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ تَحُلُّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ وَبَعْدَهُ تُكَفِّرُ أَثَرَ الْمُخَالَفَةِ. (وَمِنْهَا) إذَا كَفَّرَ الْمُتَمَتِّعُ بِالصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ وَقْتَ وُجُوبِهِ فَصَرَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ يُخَالِفُهُ، بَلْ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَصْرِيحٌ بِهِ وَرُبَّمَا أَشْعَرَ كَلَامُ أَحْمَدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَوْمَهُ صَحَّ فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِهِ فَصَادَفَ وَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ ذِمَّةً بَرِيئَةً مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ. (وَمِنْهَا) إذَا عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعَ شِيَاهٍ ثُمَّ نُتِجَتْ وَاحِدَةٌ

стр. 6

قَبْلَ الْحَوْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ بِنْتِ مَخَاضٍ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ عَنْ الْعِشْرِينَ وَيُخْرِجُ عَنْ الْبَاقِي خُمْسَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ عَنْ الْخَمْسِ الزَّائِدَةِ الَّتِي لَمْ يُؤَدِّ عَنْهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ خَمْسِ شِيَاهٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. (وَمِنْهَا) إذَا صَلَّى الصَّبِيُّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ الْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَجِبُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ خِلَافَهُ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَصَادَفَهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَقَدْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ فَامْتَنَعَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِهِ لِذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَإِنَّ حَجَّهُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَلَا مُعَاقَبٍ عَلَى تَرْكِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْخَلَلَ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ الْمُعَجَّلَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ (مِنْهَا) إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ فَحَال الْحَوْلُ وَقَدْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ اسْتَغْنَى مِنْ غَيْرِهَا. (وَمِنْهَا) إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا بِتَيَمُّمٍ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الثَّانِيَة وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ. (وَمِنْهَا) إذَا قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا ثُمَّ قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَة. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ فَعَلَ عِبَادَةً فِي وَقْتِ وُجُوبِهَا يَظُنُّ أَنَّهَا الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ غَيْرَهَا] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ) : إذَا فَعَلَ عِبَادَةً فِي وَقْتِ وُجُوبِهَا يَظُنُّ أَنَّهَا الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِآخِرَةٍ أَنَّ الْوَاجِبَ كَانَ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا إذَا أَحَجَّ الْمَعْضُوبُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ بَرِئَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ لَا سِيَّمَا إنْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ. (وَمِنْهَا) إذَا كَفَّرَ الْعَاجِزُ عَنْ الصِّيَامِ بِالْإِطْعَامِ لِلْإِيَاسِ مِنْ بُرْئِهِ ثُمَّ عُوفِيَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ. (وَمِنْهَا) إذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ عِنْدَنَا سَنَةً فَإِذَا اعْتَدَّتْ سَنَةً ثُمَّ رَأَتْ الْحَيْضَ لَمْ يَلْزَمْهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ. (وَمِنْهَا) إذَا صَلَّى الظُّهْرَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِعْلُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَأَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِتَبَيُّنِنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَلَيْسَ هَذَا مَأْخَذَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِمَأْخَذِهِ وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ فِي حَقِّ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَدْخُلُ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ مِنْ الْإِمَامِ كَمَا لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ فِي الْأَضَاحِيِّ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ.

стр. 7

وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا إذَا خَفِيَ الِاطِّلَاعُ عَلَى خَلَلِ الشَّرْطِ ثُمَّ تَبَيَّنَ، فَإِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْأَصَحِّ. (فَمِنْ ذَلِكَ) إذَا أَدَّى الزَّكَاةَ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالِاجْتِهَادِ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَمِنْهَا) إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ فِسْقُهُمَا فَفِي النَّقْضِ رِوَايَتَانِ، رَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ عَدَمَهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الصَّيْدِ مِنْ خِلَافِهِ، وَالْآمِدِيُّ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ وَالْمَشْهُورُ النَّقْضُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا اصْطَادَ بِكَلْبٍ عَلَّمَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا تُحَرَّمُ صُيُودِهِ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنَّ مَأْخَذَهُ أَنَّا لَمْ نَتَبَيَّنَ فَسَادَ تَعْلِيمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهُ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ أَوْ نَسِيَ إرْسَالَهُ، فَأَمَّا الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ صَلَّى أَوْ عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَلَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ الْعُبُورَ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ فَرَّطَ بِتَرْكِ الْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة مَنْ تَلَبَّسَ بِعِبَادَةٍ ثُمَّ وَجَدَ قَبْلَ فراغها مَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ) : مَنْ تَلَبَّسَ بِعِبَادَةٍ ثُمَّ وَجَدَ قَبْلَ فَرَاغِهَا مَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ دُونَ مَا تَلَبَّسَ بِهِ، هَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ أَمْ يَمْضِي وَيُجْزِئُهُ. هَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَبِّسُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ شُرِعَتْ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ إتْيَانِهِ بِالْأَصْلِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالتَّكَلُّفِ، فَهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ مِنْهُ بِوُجُودِ الْأَصْلِ كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا عَدِمَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ رَخَّصَ لَهُ فِي الصِّيَامِ رُخْصَةً عَامَّةً، حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَبِّسُ بِهِ إنَّمَا شُرِعَ ضَرُورَةً لِلْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ وَتَعَذُّرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْأَصْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ كَالْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ بِحَالٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ، وَلِهَذَا تُؤْمَرُ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لِعَارِضٍ مَعْلُومٍ أَنْ تَنْتَظِرَ زَوَالَهُ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ لِمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَشْهُرِ لِأَنَّ حَيْضَهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ عَوْدُهُ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعْتَدَّةُ مُكَلَّفَةً قَبْلَ هَذَا بِالِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ كَمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ فَاعْتَدَّتْ بِالْأَشْهُرِ ثُمَّ حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَلَّفَةً بِهِ كَالصَّغِيرَةِ إذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَاء الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ.

стр. 8

وَهَا هُنَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ: (مِنْهَا) مَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ثُمَّ وَجَدَ الرَّقَبَةَ، فَالْمَذْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ لِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ، فَهُوَ كَصِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ. وَفِيهِ وَجْهٌ يُلْزِمُهُ الِانْتِقَالَ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ مَشْرُوعَةٌ بِإِرْبَاغِ وَالزَّجْرِ وَفِيهَا مِنْ التَّغْلِيظِ مَا يُنَافِي الرُّخْصَةَ الْمُطْلَقَةَ، وَلِهَذَا يَلْزَمُ شِرَاءُ الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَبِيعُهُ رَقَبَةً بِالدَّيْنِ وَمَالُهُ غَائِبٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ انْتِظَارُهُ أَوْ يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الصِّيَامِ لِلْمَشَقَّةِ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَوْجُهٍ مَعْرُوفَةٍ. (وَمِنْهَا) الْمُتَيَمِّمُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَفِي بُطْلَانِهَا رِوَايَتَانِ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ رُخْصَةً عَامَّةً فَهُوَ كَصِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ، وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ضَرُورَةً يُشْبِهُ الْعِدَّةَ بِالْأَشْهُرِ. وَبَيَانُ الضَّرُورَةِ أَنَّهُ تُسْتَبَاحُ مَعَهُ الصَّلَاةُ بِالْحَدَثِ فَإِنَّهُ غَيْرُ رَافِعٍ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ مُحْدِثًا مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الرَّافِعِ لَهُ. (وَمِنْهَا) إذَا نَكَحَ الْمُعْسِرُ الْخَائِفُ لِلْعَنَتِ أَمَةً ثُمَّ زَالَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ، فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ. عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَالنِّكَاحُ فِيهِ شَوْبُ عِبَادَةٍ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَة مِنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْعِبَادَةِ وَعَجَزَ عَنْ باقيها هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ) : مَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْعِبَادَةِ وَعَجَزَ عَنْ بَاقِيهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهَا أَمْ لَا؟ هَذَا أَقْسَامٌ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ مَقْصُودً فِي الْعِبَادَةِ بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ مَحْضَةٌ إلَيْهَا كَتَحْرِيكِ اللِّسَانِ فِي الْقِرَاءَةِ وَإِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى الرَّأْسِ فِي الْحَلْقِ وَالْخِتَانِ، فَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ ضَرُورَةُ الْقِرَاءَةِ وَالْحَلْقِ وَالْقَطْعِ، وَقَدْ سَقَطَ الْأَصْلُ فَسَقَطَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ. وَأَوْجَبَهُ الْقَاضِي فِي تَحْرِيكِ اللِّسَانِ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ وُجُوبُهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ لِيَتَحَقَّقَ حُصُولُهَا كَغَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ فَإِذَا قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ الْمِرْفَقِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ الْمِرْفَقِ الْآخَرِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ خِلَافِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. هَذَا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ كَمَا فِي وُضُوءِ الْأَقْطَعِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ سَقَطَ التَّبَعُ كَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ بِالِاتِّفَاقِ. (وَالثَّانِي) مَا وَجَبَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّكْمِيلِ وَاللَّوَاحِقَ مِثْلُ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ

стр. 9

الْحَجَّ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَلَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا. وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى بِلُزُومِهَا ; لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ فِي نَفْسِهَا مُسْتَقِلَّةٌ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: الْمَرِيضُ إذَا عَجَزَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ وَضْعِ وَجْهِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَقَدَرَ عَلَى وَضْعِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ إنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا لِلسُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ وَتَكْمِيلًا لَهُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ فِي نَفْسِهِ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لِضَرُورَةٍ (فَالْأَوَّلُ) كَصَوْمِ بَعْضِ الْيَوْمِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. (وَالثَّانِي) كَعِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَادِرَ عَلَيْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ التَّكْمِيلِ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَصْدُهُ تَكْمِيلُ الْعِتْقِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَلِهَذَا شَرَعَ السِّرَايَةَ وَالسِّعَايَةَ وَقَالَ «لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» فَلَا يَشْرَع عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْعِبَادَةِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ فِعْلِ الْجَمِيعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، بِرَابِهَا عَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) الْعَاجِزُ عَنْ الْقِرَاءَةِ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْأَعْظَمُ الْقِرَاءَةَ لَكِنَّهُ أَيْضًا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ. (وَمِنْهَا) مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِالْبَاقِي. (وَمِنْهَا) مَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرَ مِنْهُ لِأَنَّ تَخْفِيفَ الْجَنَابَةِ مَشْرُوعٌ وَلَوْ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا يُشْرَعُ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَوْ الْوَطْءَ أَوْ الْأَكْلَ وَيَسْتَبِيحُ بِهِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا وَوَقَعَ التَّرَدُّدَ فِي مَسَائِلَ أُخَرَ. مِنْهَا: الْمُحْدِثُ إذَا وَجَدَ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ فَفِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ وَجْهَانِ، وَمَأْخَذُ مَنْ لَا يَرَاهُ وَاجِبًا إمَّا أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ لَا يَتَبَعَّضُ رَفْعُهُ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ، أَوْ أَنَّهُ يَتَبَعَّضُ لَكِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْإِخْلَالِ بِالْمُوَالَاةِ فَلَا يَبْقَى لَهُ فَائِدَةٌ، أَوْ أَنَّ غَسْلَ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِخِلَافِ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجُنُبِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَمِنْهَا) إذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِ صَاعٍ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَأْخَذُ عَدَمِ الْوُجُوبِ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ بِالْمَالِ فَلَا يَتَبَعَّضُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى التَّكْفِيرِ بِإِطْعَامِ بَعْضِ الْمَسَاكِينِ وَالصَّحِيحُ الْوُجُوبُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ تَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ هُوَ الصَّوْمُ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا بُدَّ مِنْ تَكْمِيلِهَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ تَحْصِيلُ إحْدَى الْمَصَالِحِ الثَّلَاثِ عَلَى

стр. 10

وَجْهِهَا وَهِيَ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ، وَبِالتَّلْفِيقِ يُفَوِّتُ ذَلِكَ فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْ الْوُجُوبِ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِإِحْدَى الْخِصَالِ بِكَمَالِهَا أَوْ بِالصِّيَامِ وَفِي الْفِطْرَةِ لَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْهَا بِدُونِ إخْرَاجِ الْمَوْجُودِ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة الْعِبَادَات الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ إنْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَائِدًا إلَى ذَاتِ الْعِبَادَةِ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ) : فِي الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، إنْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَائِدًا إلَى ذَاتِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ عَائِدًا إلَى شَرْطِهَا فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا فَفِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا عَدَمُهَا، وَإِنْ عَادَ إلَى مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ عَدَمَ الصِّحَّةِ وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ فَلِلْأَوَّلِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فِي مَوَاضِعِ النَّهْيِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ (وَمِنْهَا) صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يَصِحُّ تَطَوُّعًا بِحَالٍ، وَالْخِلَافُ فِي صِحَّةِ صَوْمِهَا فَرْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَشْمَلُ الْفَرْضَ أَمْ يَخْتَصُّ التَّطَوُّعَ وَلِلثَّانِي أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) الصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ وَبِغَيْرِ سُتْرَةٍ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَلِلثَّالِثِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَالْحَرِيرِ وَفِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ فَهَلْ الْمُبْطِلُ ارْتِكَابُ النَّهْيِ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ، أَمْ تَرْكُ الْإِتْيَانِ بِالشَّرْطِ الْمَأْمُورِ بِهِ. لِلْأَصْحَابِ فِيهِ مَأْخَذَانِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا فَصَلَّى فِيهِ فَإِنْ عَلَّلْنَا بِارْتِكَابِ النَّهْيِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ صَحَّتْ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لِسُتْرَةٍ يُؤْمَرُ بِهَا، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلَى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ لِإِبَاحَةِ لُبْسِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ. (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَفِيهَا الْخِلَافُ وَلِلْبُطْلَانِ مَأْخَذَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبُقْعَةَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْأُرْجُوحَةِ وَلَا عَلَى بِسَاطٍ فِي الْهَوَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَرَكَاتِ الْمُصَلِّي وَسَكَنَاتِهِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ هُوَ نَفْسُ الْمُحَرَّمِ فَالتَّحْرِيمُ عَائِدٌ إلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِهَا فَهُوَ كَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَالْهَدْيِ مِنْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَلِلرَّابِعِ أَمْثِلَةٌ: (مِنْهَا) الْوُضُوءُ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُحَرَّمِ. (وَمِنْهَا) صَلَاةُ مَنْ عَلَيْهِ عِمَامَةُ غَصْبٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ فِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا

стр. 11

غَصْبٌ فَقِيلَ هُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ كَمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلسِّتْرِ بَلْ السِّتْرُ حَصَلَ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَأَمَّا الْحَجُّ بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ فَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ فَقِيلَ لِأَنَّ الْمَالَ شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ وَشَرْطُ الْوُجُوبِ كَشَرْطِ الصِّحَّةِ وَرَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ الصِّحَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَمَنَعَ كَوْنَ الْمَالِ شَرْطًا لِوُجُوبِهِ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَرِيبِ بِغَيْرِ مَالٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْبَعِيدِ خَاصَّةً، كَمَا أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ] (الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ) : الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ (مِنْهَا) مَا يُعْتَبَرُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ الْقُرْآنُ لِإِعْجَازِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَلَا تَجُوزُ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى. (وَمِنْهَا) مَا يُعْتَبَرُ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ كَأَلْفَاظِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ. (وَمِنْهَا) مَا يُعْتَبَرُ لَفْظُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَجُوزُ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ هَلْ يَلْحَقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَسْقُطُ أَوْ بِالثَّانِي فَيَأْتِي بِهِ بِلُغَتِهِ،؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. (وَمِنْهَا) خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ مَعَ الْقُدْرَةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَتَصِحُّ مَعَ الْعَجْزِ. (وَمِنْهَا) لَفْظُ النِّكَاحِ يَنْعَقِدُ مَعَ الْعَجْزِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَلُّمِ فِيهِ وَجْهَانِ. (وَمِنْهَا) لَفْظُ اللِّعَانِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ لَفْظِ النِّكَاحِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة عَشْرَة مِنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ أَدَائِهِ بِجِنْسِهِ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) : مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ أَدَائِهِ بِجِنْسِهِ أَمْ لَا. هَذَا نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) : الْعِبَادَاتُ الْمَحْضَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُوَسَّعَةً جَازَ التَّنَفُّلُ قَبْلَ أَدَائِهَا كَالصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ وَقَبْلَ قَضَائِهَا أَيْضًا كَقَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتْ مُضَيَّقَةً لَمْ تَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) إذَا تَضَايَقَ وَقْتُ الْمَكْتُوبَةِ هَلْ يَنْعَقِدُ التَّنَفُّلُ [الْمُطْلَقُ] حِينَئِذٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. (وَمِنْهَا) مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ هَلْ يَصِحُّ التَّنَفُّلُ الْمُطْلَقُ قَبْلِ قَضَائِهَا؟ . عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَنَّ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْفَوْرِ. (وَمِنْهَا) إذَا شَرَعَ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ. (وَمِنْهَا) صَوْمُ رَمَضَانَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصُومَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ عَنْ نَفْلِهِ، وَهَلْ يَنْقَلِبُ عَنْ فَرْضِهِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ. (وَمِنْهَا) إذَا حَجَّ تَطَوُّعًا قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقَعْ عَنْ

стр. 12

التَّطَوُّعِ وَانْقَلَبَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. (وَمِنْهَا) لَوْ حَجَّ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ عَنْ نَفْلٍ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ وَقَعَتْ عَنْ الْقَضَاءِ دُونَ مَا نَوَاهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا، فَأَمَّا إنْ تَنَفَّلَ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ الِاعْتِمَارِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَهَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ النُّسُكَ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا، فَإِنْ قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ يَصِحُّ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَدَائِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ وَكَذَلِكَ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَنَذْرٌ لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَالُهُ يَتَّسِعُ لَهُمَا فَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَسَنَذْكُرُهُ. (النَّوْعُ الثَّانِي) : التَّصَرُّفَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إذَا تَصَرَّفَ بِهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَكُنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ وَإِنْ اُسْتُغْرِقَ مَالُهُ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مُطَالَبَةِ الْغُرَمَاءِ، الْعَيْهَمَ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ تَبَرَّعَ بِمَالِهِ بِوَقْفٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَأَبَوَاهُ مُحْتَاجَانِ أَنَّ لَهُمَا رَدَّهُ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي ذَلِكَ. (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى مَنْ أَوْصَى لِأَجَانِبَ وَلَهُ أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَتَخَرَّجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لِوَارِثٍ أَوْ دَيْنٌ لَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ أَنَّهُ يُرَدُّ وَلِهَذَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ فِي الدَّيْنِ خَاصَّةً عَلَى رِوَايَةٍ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِمَالِهِ كُلِّهِ قَالَ هَذَا مَرْدُودٌ لَوْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ أُجَوِّزْ لَهُ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة عَشَرَة الْعِبَادَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) : الْمَذْهَبُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَجُوزُ فِعْلُهَا عَلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِبَعْضِهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، لَكِنْ هَلْ الْأَفْضَلُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا أَوْ فِعْلُ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى، ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْأَوَّلُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. الثَّانِي: لِأَنَّ فِيهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي تَنَوُّعِهِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إنَّهَا تَنَوَّعَتْ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ فَتُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى صِفَةٍ تَكُونُ مُنَاسِبَةً لَهُ وَهَلْ الْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا أَمْكَنَ جَمْعُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ أَوْ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا. هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ فِي الْمَذْهَبِ

стр. 13

وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً إمَّا مَعَ الرَّأْسِ أَوْ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَلَا يُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ جَلَبَةَ قَاضِي حَرَّانَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ (وَمِنْهَا) الِاسْتِفْتَاحُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَفْضَلَ الِاسْتِفْتَاحُ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَاخْتَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفْتَاحِ الْغَيْهَمِ وَجْهِي أَفْضَلُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي الْجَمْعِ أَحَادِيث مُتَعَدِّدَةٌ وَفِيهَا ضَعْفٌ وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. (وَمِنْهَا) إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ هَلْ يُشْرَعُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ أَمْ لَا وَكَذَا فِي التَّثْوِيبِ فِي الْفَجْرِ فِيهِ وَجْهَانِ. (وَمِنْهَا) سُنَّةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا نَقَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَصَلَّى هُوَ رَكْعَتَيْنِ فَأَيَّهُمَا فَعَلْتَ فَحَسَنٌ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْتَاطَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعًا جَمَعْت فِعْلَهُ وَأَمْرَهُ وَهَذَا مَأْخَذٌ غَرِيبٌ لِاسْتِحْبَابِ السِّتِّ، وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَلَمْ يَسْتَنِدُوا إلَّا إلَى مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ صَلَاتِهِ سِتَّ رَكَعَاتٍ (وَمِنْهَا) أَلْفَاظُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهَا كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَوَرَدَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَهَلْ يُقَالُ الْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ اخْتَارَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَنَدُهُ جَمْعَ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ ﵀ ذَلِكَ وَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ثَابِتٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً فَأَحَدُ اللَّفْظَيْنِ بَدَلٌ عَنْ الْآخَرِ وَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ كَذَا قَالَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث كَعْبٍ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ وَجَدْنَا أَثَرًا مَعْلُولًا لِعِلَّةٍ وَوَجَدْنَا فِي مَحَلِّهِ عِلَّةً صَالِحَةً لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ مَعْلُولًا لِغَيْرِهَا] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) إذَا وَجَدْنَا أَثَرًا مَعْلُولًا لِعِلَّةٍ وَوَجَدْنَا فِي مَحَلِّهِ عِلَّةً صَالِحَةً لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ مَعْلُولًا لِغَيْرِهَا لَكِنْ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ غَيْرِهَا، فَهَلْ يُحَالُ ذَلِكَ الْأَثَرُ عَلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ الْمَعْلُومَةِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَلَهَا صُوَرٌ كَثِيرَةٌ قَدْ يَقْوَى فِي بَعْضِهَا الْإِحَالَةُ وَفِي بَعْضِهَا الْعَدَمُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا عِلَّةَ سِوَى هَذِهِ الْمُتَحَقِّقَةِ وَقَدْ يَظْهَرُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْإِحَالَةُ عَلَيْهَا فَيَتَوَافَقُ الْأَصْلُ الظَّاهِرُ، وَقَدْ تَظْهَرُ الْإِحَالَةُ عَلَى غَيْرِهَا فَيَخْتَلِفَانِ.

стр. 14

فَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ) مَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ إحَالَةً لِلتَّغْيِيرِ عَلَى النَّجَاسَةِ الْمَعْلُومِ طِرْمِسَاءِ فِيهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِ مُغَيِّرٍ غَيْرِهَا وَخَرَّجَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ طَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الصَّيْدِ الْآتِيَةِ وَالْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ فَلَا يُزَالُ عَنْهَا بِالشَّكِّ. (وَمِنْهَا) مَا إذَا وُجِدَ مِنْ النَّائِمِ قَبْلَ نَوْمِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ الْمَذْيِ مِنْهُ مِنْ تَفَكُّرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا ثُمَّ نَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ بَلَلًا لَمْ يَتَيَقَّنْهُ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ حُلْمًا فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إحَالَةً لِلْخَارِجِ عَلَى السَّبَبِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِخُرُوجِ الْمَذْيِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَيَقَّنَ وُجُودَهُ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ رِوَايَةً أُخْرَى بِوُجُوبِ الْغُسْلِ (وَمِنْهَا) لَوْ جَرَحَ صَيْدًا جُرْحًا غَيْرَ مُوَحٍّ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَوَجَدَهُ مَيْتًا وَلَا أَثَرَ فِيهِ غَيْرُ سَهْمِهِ فَهَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ. وَالثَّانِيَة: لَا يَحِلُّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ وَلِذَلِكَ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الْإِصْمَاءِ وَالْإِنْمَاءِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ إنْ غَابَ عَنْهُ لَيْلَةً لَمْ يَحِلَّ وَإِلَّا حَلَّ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَعُلِّلَ بِأَنَّ هَوَامَّ اللَّيْلِ كَثِيرَةٌ فَكَأَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا وَهُوَ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ حَصَلَ مِنْهُ الزُّهُوقُ قَوِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ إصَابَةِ غَيْرِ السَّهْمِ لَهُ (وَمِنْهَا) لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا جُرْحًا غَيْرَ مُوَحٍّ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا فَهَلْ يَضْمَنُهُ كُلَّهُ أَوْ أَرْشَ الْجُرْحِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَجَزَمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِضَمَانِ أَرْشِ الْجُرْحِ فَقَطْ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. (وَمِنْهَا) لَوْ جَرَحَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ ثُمَّ مَاتَ وَادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ غَيْرِ سِرَايَةِ جُرْحِهِ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلَمْ يَحْكِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إحَالَةً لِلزُّهُوقِ عَلَى الْجُرْحِ الْمَعْلُومِ، وَفِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ عَقِيبَ الْجُرْحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْدَمِلُ الْجُرْحُ فِي مِثْلِهَا. فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ ضِمْنًا مِنْ الْجُرْحِ حَتَّى مَاتَ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ. (وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ وَلَهَا وَلَدٌ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي، فَهَلْ يَثْبُتُ بِذَلِكَ اسْتِيلَادُ الْأَمَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : نَعَمْ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ سَبَبًا يَتَحَقَّقُ بِهِ لُحُوقُ النَّسَبِ [هُنَا] غَيْرَ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيُحَالُ اللُّحُوقُ عَلَيْهِ فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الِاسْتِيلَادِ فِي الْأَمَةِ. (وَالثَّانِي) لَا لِاحْتِمَالِ اسْتِيلَادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ. (وَمِنْهَا) لَوْ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولِ النَّسَبَ فَشَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ وَلَمْ تَقُلْ فِي مِلْكِهِ فَهَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ

стр. 15

رَجَّحَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ أَنَّهَا إنْ شَهِدَتْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إضَافَةُ الْوَلَدِ إلَى الْأَمَة الْمُضَافَةِ إلَيْهِ حُكِمَ لَهُ بِالْوَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ شَهِدَتْ أَنَّ هَذَا وَلَدُ هَذِهِ الْأَمَةِ وَأَنَّ أُمَّهُ مِلْكٌ لَهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْوَلَدِ (وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ رَجُلٌ: هَذَا ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي وَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ وَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَهُوَ ابْنُ الرَّجُلِ وَهَلْ تُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تُرَجَّحُ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ. وَالثَّانِي: يَتَسَاوَيَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَتْ لَأُلْحِقَ بِهَا فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَسَاوَتَا [ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي] . (وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ أَمَةً لَهُ مِنْ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ وَلَدُهُ فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَذَكَره أَبُو بَكْرٍ وَذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهَا وَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ. (وَمِنْهَا) لَوْ وَلَدَتْ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ وَلَدًا لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْمُطَلِّقِ إلَّا بِتَقْدِيرِ وَطْءٍ حَاصِلٍ مِنْهُ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ، فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا لُحُوقُهُ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَمْ يَزُلْ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِحَالَةُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ أَوْلَى كَحَالَةِ صُلْبِ النِّكَاحِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُحْكَمُ بِارْتِجَاعِهَا بِلُحُوقِ النَّسَبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا [تَصِيرُ] مُرْتَجَعَةً بِذَلِكَ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْوِلَادَةِ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيهِ وَأَمَّا شَكْلُ تَوْجِيهِهَا عَلَى الْأَصْحَابِ فَقَدْ أَفْرَدْنَا لَهَا جُزْءًا. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ إذَا كَانَ ثُمَّ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُحَالُ الْأَخْذُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ السَّبَبُ خَفِيًّا، هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ وَلِلضَّيْفِ إذَا نَزَلَ بِالْقَوْمِ فَلَمْ يُقْرُوهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ قِرَاهُ بِالْمَعْرُوفِ لِأَنَّ السَّبَبَ إذَا ظَهَرَ لَمْ يُنْسَبْ أَخْذُهُ إلَى خِيَانَةٍ بَلْ يُحَالُ أَخْذُهُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَفِيَ فَإِنَّهُ يُنْسَبُ بِالْأَخْذِ إلَى الْخِيَانَةِ. (وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَسَالِمٌ حُرّ وَإِنْ بَرِئْت مِنْهُ فَغَانِمٌ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ مَاتَ مِنْ الْمَرَضِ أَوْ بَرِئَ مِنْهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) يُعْتَقُ سَالِمٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ الْمَرَضِ وَعَدَمُ الْبُرْءِ وَلِأَنَّنَا قَدْ تَحَقَّقْنَا انْعِقَادَ سَبَبِ الْمَوْتِ بِمَرَضِهِ وَشَكَكْنَا فِي حُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهِ فَيُحَالُ الْمَوْتُ عَلَى سَبَبِهِ الْمَعْلُومِ. (وَالثَّانِي) : يُعْتَقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّ أَحَدَ الشَّرْطَيْنِ وُجِدَ ظَاهِرًا وَجُهِلَ عَيْنُهُ. (وَالثَّالِثُ) لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ حَادِثٍ فِيهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ. (وَمِنْهَا) لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَوُجِدَتْ حَافِظَةً لَهَا وَتَنَازَعَا هَلْ عَلَّمَهَا الزَّوْجُ فَبَرِئَ مِنْ الصَّدَاقِ أَمْ لَا فَأَيُّهُمَا

стр. 16

يُقْبَلُ قَوْلُهُ. فِيهِ وَجْهَانِ وَخَرَّجَ عَلَيْهِمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ مَسْأَلَةَ اخْتِلَافِهِمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَ الزَّوْجِ هَلْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ ادَّعَى صَاحِبُ الزَّرْعِ أَنَّ غَنَمَ فُلَانٍ نَفَشَتْ فِيهِ لَيْلًا وَوُجِدَ فِي الزَّرْعِ أَثَرُ غَنَمِهِ. قَضَى بِالضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَجَعَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ مِنْ الْقِيَافَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَجَعَلَهَا مُعْتَبَرَةً كَالْقِيَافَةِ فِي الْأَنْسَابِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْه آخَرُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ. (وَمِنْهَا) لَوْ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَادَّعَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ فَكَذَّبَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَظَهَرَتْ ثَيِّبًا فَادَّعَتْ أَنَّ ثُيُوبَتَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (وَمِنْهَا) اللَّوَثُ فِي الْقَسَامَةِ وَمَسَائِلُهُ مَعْرُوفَةٌ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة عَشَرَ وُجِدَ سَبَبُ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ مِنْ أَحَدِ رَجُلَيْنِ لَا يُعْلَمُ عَيْنُهُ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ) : إذَا وُجِدَ سَبَبُ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ مِنْ أَحَدِ رَجُلَيْنِ لَا يُعْلَمُ عَيْنُهُ مِنْهُمَا، فَهَلْ يَلْحَقُ الْحُكْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لَا يَلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَلَهَا صُوَرٌ: (إحْدَاهَا) إذَا وَجَدَ اثْنَانِ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامَانِ فِيهِ أَوْ سَمِعَا صَوْتًا خَارِجًا وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ فَفِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَيَقِّنٌ لِلطَّهَارَةِ شَاكّ فِي الْحَدَثِ. (وَالثَّانِيَةُ) : يَلْزَمُهُمَا الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ لِأَنَّ الْأَصْلَ زَالَ يَقِينًا فِي أَحَدِهِمَا فَتَعَذَّرَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ وَتَعَيَّنَ الِاحْتِيَاطُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى النَّظَرِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَثَوْبَيْنِ أَوْ إنَاءَيْنِ نَجِسَ أَحَدُهُمَا. (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ. فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا يَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى يَقِينٍ نِكَاحَهُ. وَالثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشِّيرَازِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ تَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا طَلُقَتْ يَقِينًا فَأُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَتَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ احْتِمَالًا يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِمَا حُكْمًا كَمَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ

стр. 17

صَالِحٍ، وَحَكَى لَهُ قَوْلَ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ إنَّك لَحَسُودٌ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ أَحَسَدَنَا امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ حَنِثْتُمَا وَخَسِرْتُمَا وَبَانَتْ مِنْكُمَا امْرَأَتَاكُمَا جَمِيعًا وَحَكَى لَهُ قَوْلَ الْحَارِثِ أَدَيِّنُهُمَا وَآمُرُهُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَقُولُ أَنْتُمَا أَعْلَمُ بِمَا حَلَفْتُمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ هَذَا شَيْءٌ لَا يُدْرَكُ أَلْقَاهُمَا فِي التَّهْلُكَةِ فَإِنْكَارُهُ لِقَوْلِ الْحَارِثِ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ هُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ أَوْ مَا لَا تُدْرَكُ صِحَّتُهُ فَيَحْنَثُ كَقَوْلِ مَالِكٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ أَحْمَدَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِمَا يُفْضِي إلَى أَنْ يُبَاحَ لِلْأَزْوَاجِ مَنْ هِيَ فِي زَوْجِيَّةِ الْغَيْرِ بَاطِنًا، وَفِي إجْبَارِهِمَا عَلَى تَجْدِيدِ الطَّلَاقِ إجْبَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى قَطْعِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ ضَرَرٌ بِخِلَافِ إيجَابِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَنَا وَجْهٌ آخَرُ بِوُجُوبِ اعْتِزَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا زَوْجَتَهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْأَمْرَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَتَوَقَّفَ فِيهَا وَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ فِيهَا شَيْئًا وَتَوَقَّفَ عَنْهَا (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ وَفِيهَا الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الطَّلَاقِ، وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ هَهُنَا أَنْ يَكُفَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا أَمَةَ الْآخَرِ عَيَّنَ الْمُعْتَقَةَ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلْكِهِ وَإِحْدَاهُمَا عَتِيقَةٌ كَمَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُحْدِثٌ يَقِينًا فَيُنْظَرُ إلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ فِي حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِاجْتِمَاعِهِمَا. وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إذَا وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَضَاعَ نَسَبُهُ لِفَقْدِ الْقَافَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَرْضَعَتْ أُمُّهُ بِلَبَنِهِ وَلَدًا آخَرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُ كُلٍّ مِنْ الصَّغِيرَيْنِ حُكْمَ وَلَدٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. [الْقَاعِدَة الْخَامِسَة عَشَر اسْتَصْحَبْنَا أَصْلًا وأعملنا ظَاهِرًا فِي طَهَارَةِ شَيْء أَوْ حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَكَانَ لَازِمُ ذَلِكَ تَغَيُّرَ أَصْلٍ آخَرَ يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشَر) : إذَا اسْتَصْحَبْنَا أَصْلًا وَأَعْمَلْنَا ظَاهِرًا فِي طَهَارَةِ شَيْءٍ أَوْ حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَكَانَ لَازِمُ ذَلِكَ تَغَيُّرَ أَصْلٍ آخَرَ يَجِبُ اسْتِصْحَابُهُ أَوْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِظَاهِرٍ آخَرَ يَجِب إعْمَالِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:

стр. 18

مِنْهَا) إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ بَلَلًا وَقُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ سَبَبُ الْمَذْي فَلَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا غَسْلُ ثَوْبِهِ بِحَيْثُ نَقُولُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الْغُسْلُ لِحُكْمِنَا بِأَنَّ الْبَلَلَ مَذْيٌ بَلْ نَقُولُ فِي ثَوْبِهِ الْأَصْلُ طَهَارَتُهُ فَلَا يَنْجُسُ بِالشَّكِّ، وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ بَدَنِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ بِالشَّكِّ فَيَبْقَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ عَنْ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ لَا تَجُوزَ لَهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ قَبْلَ غَسْلِهِ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ وُجُودَ الْمُفْسِدِ لِلصَّلَاةِ لَا مَحَالَةَ. (وَمِنْهَا) إذَا لَبِسَ خُفًّا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ صَلَّى وَشَكَّ هَلْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقُلْنَا ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ الْمَسْحِ جَعَلْنَا ابْتِدَاءَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَأَوْجَبْنَا إعَادَةَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي الذِّمَّةِ. (وَمِنْهَا) إذَا رَمَى حَيَوَانًا مَأْكُولًا بِسَهْمٍ وَلَمْ يُوَحِّهِ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَوَجَدَهُ مَيْتًا فِيهِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُبَاحُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ وُجُودَ السَّبَبِ الْمُبِيحِ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ أَيْضًا لِحُكْمِنَا عَلَى الصَّيْدِ بِأَنَّهُ مَيْتَةِ، بَلْ يُسْتَصْحَبُ فِي الْمَاءِ أَصْلُ الطَّهَارَةِ فَلَا يُنَجِّسُهُ بِالشَّكِّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ (وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي غَضَبٍ اعْتَدِّي وَظَهَرَتْ مِنْهُ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ أَوْ فَسَّرَهُ بِالْقَذْفِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ اقْتَرَنَ بِهَا غَضَبٌ وَهَلْ يُحَدُّ مَعَهَا ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ احْتِمَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : وَبِهِ جَزَمَ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ يُحَدُّ ; لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا الطِّبْرِسِ حدا مِنْهُمَا. (وَالثَّانِي) : لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَذْفًا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لِتَنَافِيهِمَا وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأَحْكَامُ الَّتِي يَثْبُتُ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ كَإِرْثِ الَّذِي أَقَرَّ بِنَسَبِهِ مَنْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ وَالْحُكْمُ بِلُحُوقِ النَّسَبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لَا يَثْبُتُ فِيهَا لَوَازِمُهُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا مِنْ بُلُوغِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَاسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ أَوْ ثُبُوتِ الْعِدَّةِ وَالرَّجْعَةِ أَوْ الْحَدِّ أَوْ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ لَهُ أَوْ الْمِيرَاثِ وَهِيَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة عَشْر إذَا كَانَ الْوَاجِبُ بَدَلًا فَتَعَذَّرَ الْوُصُول إلَى الْأَصْلِ حَالَةَ الْوُجُوبِ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَ) : إذَا كَانَ الْوَاجِبُ بَدَلًا فَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى الْأَصْلِ حَالَةَ الْوُجُوبِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِالْبَدَلِ تَعَلُّقًا مُسْتَقِرًّا بِحَيْثُ لَا يَعُودُ إلَى الْأَصْلِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِلْمَسْأَلَةِ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ: (مِنْهَا) هَدْيُ الْمُتْعَةِ إذَا عَدِمَهُ وَوَجَبَ الصِّيَامُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَهَلْ يَجِبُ

стр. 19

عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ أَمْ لَا يَنْبَنِي عَلَى الِاعْتِبَارِ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ أَوْ بِحَالِ الْفِعْلِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ قُلْنَا بِحَالِ الْوُجُوبِ صَارَ الصَّوْمُ أَصْلًا لَا بَدَلًا وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ فِعْلُ الْأَصْلِ وَهُوَ الْهَدْيُ؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا سَقَطَ رُخْصَةً، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. (وَمِنْهَا) كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِمَا وَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا لَهُ مِثْلٌ وَتَعَذَّرَ وُجُودُ الْمِثْلِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ ثُمَّ وَجَدَ الْمِثْلَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَجَبَ أَدَاءُ الْمِثْلِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ فَيَلْزَمُهُ كَمَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُمْ عَلَى مَا إذَا قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ ثُمَّ عَدِمَهُ إمَّا إنْ عَدِمَهُ ابْتِدَاءً فَلَا يَبْعُد أَنْ يَخْرُجَ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْمِثْلِ خِلَافٌ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَلَا يُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ لَبَطَلَ وَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بِنَصِّ الشَّارِعِ وَهَاهُنَا لَوْ أَدَّى الْقِيمَةَ لَبَرِئَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاءُ الْمِثْلِ بَعْدَ وُجُودِهِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِخِلَافٍ فِيهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ لِمَنْ دَلَّهُ عَلَى حِصْنٍ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِهِ فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ الْفَتْحِ أَوْ قَبْلَهُ وَكَانَتْ أَمَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ قِيمَتُهَا إذَا كَانَ كَافِرًا لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ عَيْنِهَا إلَيْهِ فَوَجَبَ لَهُ الْبَدَلُ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ إسْلَامِهَا، فَهَلْ يَعُودُ حَقُّهُ إلَى عَيْنِهَا فِيهِ؟ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَعُودُ لِأَنَّ حَقَّهُ اسْتَقَرَّ فِي الْقِيمَةِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: بَلَى لِأَنَّهُ إنَّمَا اُنْتُقِلَ إلَى الْقِيمَةِ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ فَيَعُودُ حَقُّهُ إلَيْهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَصْدَقَهَا شَجَرًا فَأَثْمَرَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَامْتَنَعَتْ مِنْ دَفْعِ نِصْفِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ تَعَيَّنَتْ لَهُ الْقِيمَةُ فَإِنْ قَالَ أَنَا أَرْجِعُ فِي نِصْفِ الشَّجَرَةِ وَأَتْرُكُ الثَّمَرَةَ عَلَيْهَا أَوْ أَتْرُكُ الرُّجُوعَ حَتَّى تَجُدِّي ثَمَرَتَك ثُمَّ أَرْجِعُ فِيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) : لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ انْتَقَلَ مِنْ الْعَيْنِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا. (وَالثَّانِي) : يُجْبَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً فَرَضِيَ بِهَا فَعَلَى هَذَا الْحَقُّ بَاقٍ فِي الْعَيْنِ وَالطِّمْرِسُ فِي مِلْكِهَا وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْقِيمَةَ حَتَّى قُطِعَ الطَّلْعُ وَعَادَ النَّخْلُ كَمَا كَانَ أَنَّ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ بَاعَتْ الصَّدَاقَ فَلَمْ يَأْخُذْ نِصْفَ قِيمَتِهِ حَتَّى فُسِخَ الْبَيْعُ لِعَيْبٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: لَيْسَ لَهُ أَخْذُ نِصْفِهِ لِأَنَّ حَقَّهُ وَجَبَ فِي الْقِيمَةِ وَلَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ [حِينَئِذٍ] فِي مِلْكِهِمَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ بِالرُّجُوعِ كَالَّتِي قَبْلَهَا وَهَذَا إذَا لَمْ نَقُلْ إنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا كَالْمِيرَاثِ فَإِنْ قُلْنَا يَدْخُلُ قَهْرًا عَادَ حَقُّهُ إلَى الْعَيْنِ بِعَوْدِهَا إلَيْهَا وَلَا يُقَالُ هَذَا عَادَ إلَيْهَا مِلْكًا جَدِيدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِيهِ كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الِابْنِ ثُمَّ عَادَ، لِأَنَّهُمْ

стр. 20

قَالُوا لَوْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ لَرَجَعَ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي الْبَرَكَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنَّا إنْ قُلْنَا يَدْخُلُ نِصْفُ الْمَهْرِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ قَهْرًا فَلَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ إلَى عَيْنِهِ بِحَالٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ فَيَمْلِكُ نِصْفَ الْقِيمَةِ قَهْرًا حِينَئِذٍ، وَلَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ (وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى عَيْنًا وَرَهَنَهَا أَوْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ شُفْعَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ ثُمَّ أَفْلَسَ ثُمَّ أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ الشَّفِيعُ أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي شَرْحِهِ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ خُرَّ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْر تَقَابَلَ عَمَلَانِ ذُو شَرَفٍ فِي نَفْسِهِ وَرِفْعَةٍ وَهُوَ وَاحِدٌ وَالْآخَرُ ذُو تَعَدُّدٍ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةٍ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشَرَ) : إذَا تَقَابَلَ عَمَلَانِ أَحَدُهُمَا ذُو شَرَفٍ فِي نَفْسِهِ وَرِفْعَةٍ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْآخَرُ ذُو تَعَدُّدٍ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةٍ، فَأَيُّهُمَا يُرَجَّحُ. ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ تَرْجِيحُ الْكَثْرَةِ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ. (أَحَدُهَا) إذَا تَعَارَضَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَصَلَاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَثْرَةَ أَفْضَلُ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِالْعَكْسِ وَحُكِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِالتَّسْوِيَةِ. (وَالثَّانِيَة) أَهْدَى بَدَنَةً سَمِينَةً بِعَشَرَةٍ وَبَدَنَتَيْنِ بِعَشَرَةٍ أَوْ بِأَقَلَّ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ قُلْت لِأَحْمَدَ بَدَنَتَانِ سَمِينَتَانِ بِتِسْعَةٍ وَبَدَنَةٌ بِعَشَرَةٍ قَالَ ثِنْتَانِ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَرَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَفْضِيلَ الْبَدَنَةِ السَّمِينَةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ. (وَالثَّالِثَةُ) رَجُلٌ قَرَأَ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ سُورَةً وَآخَرُ قَرَأَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ سُوَرًا عَدِيدَةً سَرْدًا. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قيماز وَسُئِلَ أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْكَ التَّرَسُّلُ أَوْ الْإِسْرَاعُ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ بِكُلِّ حَرْفٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً؟ قَالُوا لَهُ: فِي السُّرْعَةِ؟ قَالَ: إذَا صَوَّرَ الْحَرْفَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُسْقِطْ مِنْ الْهِجَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْكَثْرَةِ عَلَى التَّدَبُّرِ، وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ أَنَّهُ كَرِهَ السُّرْعَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِسَانُهُ كَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَرَسَّلَ، وَحَمَلَ الْقَاضِي الْكَرَاهَةَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ، نَقَلَ عَنْهُ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ فِي رَجُلٍ أَكَلَ فَشَبِعَ وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَرَجُلٍ أَقَلَّ الْأَكْلَ فَقَلَّتْ نَوَافِلُهُ وَكَانَ أَكَثَرَ فِكْرَةً أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَذَكَرَ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ قَالَ فَرَأَيْت هَذَا عِنْدَهُ أَكْثَرَ يَعْنِي الْفِكْرَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ قِرَاءَةِ التَّفَكُّر عَلَى السُّرْعَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ صَرِيحًا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (وَالرَّابِعَةُ) رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا ارْتَاضَتْ نَفْسُهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَانْشَرَحَتْ

стр. 21

بِهَا وَتَنَعَّمَتْ وَبَادَرْت إلَيْهَا طَوَاعِيَةً وَمَحَبَّةً، وَالْآخَرُ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى تِلْكَ الطَّاعَاتِ وَيُكْرِهُهَا عَلَيْهَا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ الْخَلَّالُ كَتَبَ إلَيَّ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُشْرَعُ لَهُ وَجْهُ بِرٍّ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَآخَرَ يُشْرَعُ لَهُ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعْ «النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ» ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْمُكْرِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّ لَهُ عَمَلَيْنِ جِهَادًا وَطَاعَةً أُخْرَى، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَطَاءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالنُّخَامَ، وَعِنْدَ الْجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ أَنَّ الْبَاذِلَ لِذَلِكَ طَوْعًا وَمَحَبَّةً أَفْضَلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ لِأَنَّ مُقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَازِلِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْآخَرُ مِنْ أَرْبَابِ الصِّلْهَامِ وَالْبِدَايَاتِ، فَمَثَلُهُمَا كَمَثَلِ رَجُلٍ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ يَشْتَغِلُ بِالطَّوَافِ وَالْآخَرُ يَقْطَعُ الْمَفَاوِزَ وَالْقِفَارَ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ فَعَمَلُهُ أَشُقُّ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَالْخَامِسَةُ) تَعَارُضُ عِتْقِ رَقَبَةٍ نَفِيسَةٍ بِمَالٍ وَعِتْقِ رِقَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِذَلِكَ الْمَالِ، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الرِّقَابُ أَفْضَلُ وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمِ يَسْتَحِبُّونَ الصَّدَقَةَ بِمَا يَشْتَهُونَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمِسْكِينُ يَنْتَفِعُ بِقِيمَتِهِ أَكْثَرَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ ( ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَهَذَا فِي الْعِتْقِ أَوْلَى مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْر اجتمعت عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا مَفْعُولَةً عَلَى جِهَةِ الْقَضَاءِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأُخْرَى فِي الْوَقْتِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ) : إذَا اجْتَمَعَتْ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا مَفْعُولَةً عَلَى جِهَةِ الْقَضَاءِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأُخْرَى فِي الْوَقْتِ تَدَاخَلَتْ أَفْعَالُهُمَا، وَاكْتَفَى فِيهِمَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ الْعِبَادَتَانِ [جَمِيعًا] يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ حَدَثَانِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَكْفِيه أَفْعَالُ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى إذَا نَوَى الطَّهَارَتَيْنِ [جَمِيعًا] بِهَا وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْأَصْغَرِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْوُضُوءِ وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا إذَا أَتَى بِخَصَائِصِ الْوُضُوءِ مِنْ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ وَإِلَّا فَلَا، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَلَوْ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا يَنْوِي بِهِ الْحَدَثَيْنِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ

стр. 22

وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. (وَمِنْهَا) الْقَارِنُ إذَا نَوَى الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَفَّاهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَعَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ كَالْمُفْرِدِ، وَالْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا حَكَيَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ الْعُمْرَةُ الدَّاخِلَةُ فِي ضِمْنِ الْحَجِّ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ بِإِحْرَامٍ مُفْرَدٍ لَهَا. (وَمِنْهَا) إذَا نَذَرَ الْحَجَّ مَنْ عَلَيْهِ حَجُّ الْفَرْضِ ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (إحْدَاهُمَا) يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ. (وَالثَّانِيَة) : لَا يُجْزِئُهُ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ اللَّهِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ. وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ فِي التَّمَامِ الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَلَى صِحَّةِ وُقُوعِ النَّذْرِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَفَرْضُهُمَا فِيمَا إذَا نَوَى النَّذْرَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْهُ وَتَبْقَى عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ. (وَمِنْهَا) إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، هَلْ يُجْزِئُهُ رَمَضَانُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا وَالثَّانِيَة يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيّ وَصَرَّحَ بِهَا الْخِرَقِيِّ فِي كِتَابِهِ وَحَمَلَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ نَذْرَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لِمُصَادَفَتِهِ رَمَضَانَ وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ النَّذْرِ، قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَحْمَدَ لِأَنَّا نُقَدِّرهُ كَأَنَّهُ نَذَرَ هَذَا الْقَدْرَ مُنْجِزًا عِنْدَ الْقُدُومِ فَجَعَلَهُ كَالنَّاذِرِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ لِجِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُطْلَقٍ فَصَامَ رَمَضَانَ يَنْوِيَهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزاغوني وَغَيْرُهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ مِنْ الْمَالِ وَقْتَ حُلُولِ الْحَوْلِ، فَهَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فَهَلْ تُجْزِيه الصَّدَقَةُ عَنْ النَّذْرِ وَالزَّكَاةِ إذَا نَوَاهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاخْتِيَارُ صَاحِبُ الْمُغْنِي الْإِجْزَاءَ وَخَالَفَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ. (وَمِنْهَا) لَوْ طَافَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ وَالْوَدَاعَ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ [تَكْبِيرَةً يَنْوِي بِهَا] تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَ [الْقَاضِي] عَدَمَ الْإِجْزَاءِ لِلتَّشْرِيكِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَغَيْرِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ ﵀ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَعَطَسَ فَقَالَ [الْحَمْدُ لِلَّهِ] رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَنْوِي بِهِ الْوَاجِبَ وَسُنَّةَ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ شَاقِلَا الْإِجْزَاءَ وَشَبَّهَهُ بِمَنْ أَخْرَجَ فِي الْفُطْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ

стр. 23

وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّشْبِيهُ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ إنْ قُلْنَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ سُنَّةٌ أَجْزَأَتْهُ وَحَصَلَتْ السُّنَّةُ بِالنِّيَّةِ تَبَعًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ قُلْنَا وَاجِبَةٌ لَمْ يَصِحَّ التَّشْرِيكُ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالِ الْقِيَامِ خِلَافَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. (وَالضَّرْبُ الثَّانِي) أَنْ يَحْصُلَ لَهُ أَحَدُ الْعِبَادَتَيْنِ بِنِيَّتِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْأُخْرَى وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: (مِنْهَا) إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَهُمْ، سَقَطَتْ عَنْهُ التَّحِيَّةُ. (وَمِنْهَا) لَوْ سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا، فَهَلْ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ أَمْ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ؟ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ البرزاطي أَنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ، وَقَدْ خَرَّجَ الْأَصْحَابُ بِالِاكْتِفَاءِ بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَجْهًا فَهُنَا أَوْلَى. (وَمِنْهَا) إذَا قَدِمَ الْمُعْتَمِرُ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَقِيَاسُهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ [يَوْمَ] النَّحْرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ عَنْهُ وَالْمَنْصُوصُ هَاهُنَا أَنَّهُ يَطُوفُ قَبْلَهُ لِلْقُدُومِ، وَخَالَفَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ الْأَصَحُّ. (وَمِنْهَا) إذَا صَلَّى عَقِيبَ الطَّوَافِ مَكْتُوبَةً فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَقْيَسُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ يُجْزِئُهُ لَيْسَ هُمَا وَاجِبَتَيْنِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْهُ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ وَهَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ الْفَرْضِ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَيَكُونُ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ. لَكِنْ لَا يُعْتَبَرُ هُنَا نِيَّةُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَيُشْبِهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي حَكَاهَا أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْجُنُبِ إذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الْجَنَابَةَ وَحْدَهَا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ تَبَعًا وَهِيَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَقَدْ يُقَالُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَقَعَ عَقِيبَ الطَّوَافِ صَلَاةٌ كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَقَعَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ صَلَاةٌ فَأَيُّ صَلَاةٍ وُجِدَتْ حَصَّلَتْ الْمَقْصُودَ. (وَمِنْهَا) لَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ فَطَافَ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ [وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى سُقُوطِهِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ] أَيْضًا وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ الْإِجْزَاءُ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ نَقَلَهُمَا عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إحْدَاهُمَا لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَكْفِيه أَنْ يُكَبِّرَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ بِقَلْبِهِ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الِافْتِتَاحَ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ هَهُنَا تَكْبِيرَتَانِ فَوَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فَاحْتَاجَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ إلَى نِيَّةٍ تُمَيِّزُهَا بِخِلَافِ حَالِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ. (وَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ فَأَيُّهُمَا قُدِّمَ أَوَّلًا فِي الْفِعْلِ سَقَطَ بِهِ الثَّانِي وَلَمْ يَجِبْ حُضُورُهُ مَعَ الْإِمَامِ. وَفِي سُقُوطِهِ عَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ. وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ السُّقُوطِ فَيَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ تِلْكَ

стр. 24

الصَّلَاةُ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ فَتَصِيرُ الْجُمُعَةُ هَهُنَا فَرْضَ كِفَايَةٍ تَسْقُطُ بِحُضُورِ أَرْبَعِينَ. (وَمِنْهَا) إذَا اجْتَمَعَ عَقِيقَةٌ وَأُضْحِيَّةٌ فَهَلْ تُجْزِئُ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ الْعَقِيقَةِ أَمْ لَا؟ . عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ. وَفِي مَعْنَاهُ لَوْ اجْتَمَعَ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ لَا تَضْحِيَةَ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ الْهَدْيُ. (وَمِنْهَا) اجْتِمَاعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَاتُ وَتَتَدَاخَلُ فِي الْإِيمَانِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهَا. فَإِذَا أَخْرَجَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا مُعَيَّنٍ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَتْ سَائِرُ الْكَفَّارَاتِ وَإِنْ كَانَ مُبْهَمًا. فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ أَيْضًا وَجْهًا وَاحِدًا عِنْدَ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. وَعِنْدَ صَاحِبِ التَّرْغِيبِ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسَيْنِ فَوَجْهَانِ فِي اعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ وَأَمَّا الْأَحْدَاثُ الْمُوجِبَةُ لِلطَّهَارَةِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ جِنْسَيْنِ مُوجِبُهُمَا وَاحِدٌ فَيَتَدَاخَلُ مُوجِبُهُمَا بِالنِّيَّةِ أَيْضًا بِغَيْرِ إشْكَالٍ وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْجَمِيعُ وَيَتَنَزَّلُ ذَلِكَ عَلَى التَّدَاخُلِ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ يُعَلَّلُ بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَإِذَا نَوَى رَفْعَ حَدَثِ الْبَعْضِ فَقَدْ نَوَى وَاجِبَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَا نَوَاهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ إذَا أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ حَاضَتْ يَكُونُ الْغُسْلُ الْوَاحِدُ لَهُمَا جَمِيعًا إذَا نَوَتْهُمَا بِهِ. وَيَتَنَزَّلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَلَّلُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ بَلْ إذَا اجْتَمَعَتْ أَسْبَابٌ مُوجِبَةٌ تَعَدَّدَتْ الْأَحْكَامُ الْوَاجِبَةُ بِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا وَلَمْ تَتَدَاخَلْ وَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْأَحْكَامِ إذْ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْحَيْضِ يَزِيدُ عَلَى الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْأَجْنَاسِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَهُمَا كَالْجِنْسَيْنِ وَغَيْرُهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ إنْ نَوَتْ رَفْعَ حَدَثِ الْحَيْضِ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ لِدُخُولِ مَوَانِعِهَا فِيهِ وَلَا عَكْسَ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة عَشَرَ إمْكَانُ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي اسْتِقْرَار الْوَاجِبَاتِ بِالشَّرْعِ فِي الذِّمَّةِ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشَرَ) : إمْكَانُ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي اسْتِقْرَارِ الْوَاجِبَاتِ بِالشَّرْعِ فِي الذِّمَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) الطَّهَارَةُ فَإِذَا وَصَلَ عَادِمُ الْمَاءِ إلَى الْمَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيُصَلِّيَ بَعْدَ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَخَالَفَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَقَالَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. (وَمِنْهَا) الصَّلَاةُ فَإِذَا طَرَأَ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا يُسْقِطُ تَكْلِيفَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ وَابْنُ أَبِي مُوسَى لَا قَضَاءَ [عَلَيْهِ] . (وَمِنْهَا) الزَّكَاةُ فَإِذَا

стр. 25

تَلِفَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاء فَعَلَيْهِ أَدَاءُ زَكَاتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا الْمُعَشَّرَاتِ إذَا تَلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لِكَوْنِهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ يَدِهِ فَهِيَ كَالدَّيْنِ التَّاوِي قَبْلَ قَبْضِهِ وَخَرَّجَ الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا بِالسُّقُوطِ مُطْلَقًا. (وَمِنْهَا) الصِّيَامُ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مُفْطِرًا فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ كَافِرٌ أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. (وَمِنْهَا) الْحَجُّ فَلَا يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ عَلَى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِلُزُومِ أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ فَاعْتَبَرَ الْأَصْحَابُ لَهُ إمْكَانَ الْأَدَاءِ فَقَالُوا فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِهِ إنَّهُ لَا يُطْعَم عَنْهُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ زَوَالِهِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْقَضَاءِ أُطْعِمْ عَنْهُ. . وَأَمَّا [قَضَاءُ] الْمَنْذُورَاتِ فَفِي اشْتِرَاطِ الْأَدَاءِ وَجْهَانِ فَلَوْ نَذَرَ صِيَامًا أَوْ حَجًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَهَلْ يُقْضَى [عَنْهُ] ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فَهَلْ يُقْضَى الصِّيَامُ الْفَائِتُ بِالْمَرَضِ خَاصَّةً أَوْ الْفَائِتُ بِالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ أَيْضًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الْعُشْرُونَ النَّمَاء الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْعَيْنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجُزْءِ] (الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ) : النَّمَاءُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْعَيْنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجُزْءِ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْكَسْبِ بِخِلَافِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: (مِنْهَا) لَوْ كَانَ عِنْدَهُ دُونَ نِصَاب فَكَمُلَ نِصَابًا بِنِتَاجِهِ فَهَلْ يَحْسُبُ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ كَمَا لَوْ كَانَ النِّتَاجُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ النِّتَاجَ جُزْءٌ مِنْ الْأُمَّهَاتِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا بِالْقُوَّةِ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ؟ . فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَاتَّجَرَ بِهَا حَتَّى صَارَتْ مِائَتَيْنِ فَحَوْلُهَا مِنْ حِينِ كَمُلَ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَارِجِ وَهُوَ رَغَبَاتُ النَّاسِ لَا مِنْ نَفْسِ الْعَيْنِ (وَمِنْهَا) لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ نَمَاءِ النِّصَابِ قَبْلَ وُجُودِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ نِصَابًا فَلَا يَجُوزُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ فِي الْوُجُوبِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ دُونَ نِصَابٍ فَيَجُوزُ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلنِّصَابِ فِي الْوُجُوبِ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ نِتَاجَ مَاشِيَةٍ أَوْ رِبْحَ تِجَارَةٍ فَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَغَلَّهُ وَنَمَا عِنْدَهُ ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَإِنْ كَانَ نَمَاؤُهُ كَسْبًا لَمْ يَرُدَّهُ مَعَهُ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ عَيْنِهِ كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ الْحَادِثِ وَثَمَرَةِ الشَّجَرِ فَهَلْ يَرُدُّهُ مَعَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ (وَمِنْهَا) لَوْ قَارَضَ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ

стр. 26

وَسَمَّى لِلْعَامِلِ أَكْثَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ مِثْلِهِ صَحَّ وَلَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ سَاقَى وَسَمَّى لِلْعَامِلِ أَكْثَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمِثْلِ فَوَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لِحُدُوثِ الثَّمَرِ مِنْ عَيْنِ مِلْكِهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ الْمُضَارَبَةَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُضَارِبُ شَيْئًا، وَلَوْ فَسَخَ الْمُسَاقَاةَ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ اسْتَحَقَّ الْعَامِلُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَالِ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَمَلِ وَلَمْ يَحْصُلْ بِعَمَلِهِ رِبْحٌ وَالثَّمَرُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ عَيْنِ الشَّجَرِ وَقَدْ عَمِلَ عَلَى الشَّجَرِ عَمَلًا مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَرِ فَكَانَ لِعَمَلِهِ تَأْثِيرٌ فِي حُصُولِ الثَّمَرِ وَظُهُورِهِ بَعْدَ الْفَسْخِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا وَعَمَلِ الْآخَرِ إنْ كَانَ الْمُشَارَكَةُ فِيمَا يَنْمُو مِنْ الْعَمَلِ كَالرِّبْحِ جَازَ كَالْمُضَارَبَةِ، وَكَمَنْ دَفَعَ دَابَّتَهُ أَوْ عَبْدَهُ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتْ الْمُشَارَكَةُ فِيمَا يُحْدِثُ عَيْنُ الْمَالِ كَدَرِّ الْحَيَوَانِ وَنَسْلِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ يَخْتَارُ فِيهِ الْمَنْعَ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي أَصْلِ عَيْنِ الْمَالِ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْعَيْنِ حُكْمُهُ حُكْمُهَا وَلَكِنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى حَصَادِ الزَّرْعِ بِجُزْءٍ مِنْهُ أَوْ عَلَى نَسْجِ الثَّوْبِ بِبَعْضِهِ. وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ ثَمَرَ الشَّجَرِ فَإِذَا عَمِلَ الشَّرِيكَانِ فِي شَجَرٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَشَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي ثَمَرِهِ جَازَ [عِنْدَهُ] وَفَرَّقَ بَيْنَ الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ بِأَنَّ لِلْعَمَلِ تَأْثِيرًا فِي حُصُولِ الثَّمَرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَازَتْ الْمُسَاقَاةُ فَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْمَحْضَةُ فَيَجُوزُ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِاسْتِغْلَالِهِ وَإِجَارَتِهِ مِنْ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ. وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِأَعْيَانِهِ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ كَالظِّئْرِ وَنَحْوِهَا. وَعِنْدَ تَقِيِّ الدِّينِ ﵀ أَنَّ الْأَعْيَانَ الَّتِي تَسْتَخْلِفُ شَيْئًا فَشَيْئًا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَنَافِعِ فَيَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ كَمَا يُسْتَوْفَى بِالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالْعِشْرُونَ يَخْتَصُّ الْوَلَدُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّمَاءِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْعَيْنِ بِأَحْكَامٍ] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) : وَقَدْ يَخْتَصُّ الْوَلَدُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّمَاءِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْعَيْنِ بِأَحْكَامٍ وَيُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَلَدَ هَلْ هُوَ كَالْجُزْءِ أَوْ كَالْكَسْبِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جُزْءٌ فَمِنْ ذَلِكَ لَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمَوْقُوفَةُ وَلَدًا فَهَلْ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَثَمَرِ الشَّجَرَةِ أَوْ يَكُونُ وَقْفًا مَعَهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ وَقْفٌ مَعَهَا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَلِهَذَا يَصِحُّ وَقْفُهُ ابْتِدَاءَ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ. (وَمِنْهَا) لَوْ وَلَدَتْ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا فَإِنْ قُلْنَا الْوَلَدُ كَسْبٌ فَكُلُّهُ لِصَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ جُزْءٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ لَهُمْ دُونَ الْمَنَافِعِ. (وَمِنْهَا) هَلْ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أُمَّهُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ كَالصَّحِيحَةِ؟ فَإِنْ قُلْنَا

стр. 27

هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا تَبِعَهَا. وَإِنْ قُلْنَا هُوَ كَسْبٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى سَلَامَةِ الِاكْتِسَابِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْعِشْرُونَ الْعَيْنُ الْمُنْغَمِرَة فِي غَيْرِهَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) : الْعَيْنُ الْمُنْغَمِرَةُ فِي غَيْرِهَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا فَهَلْ هِيَ كَالْمَعْدُومَةِ حُكْمًا أَوْ لَا؟ . فِيهِ خِلَافٌ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ: (وَمِنْهَا) الْمَاءُ الَّذِي اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا سَقَطَ حُكْمُهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَرِوَايَتَانِ ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ إنَّمَا سَقَطَ حُكْمُهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ الْمَاءُ أَحَالَهَا لِأَنَّ لَهُ قُوَّةَ الْإِحَالَةِ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا وُجُودٌ بَلْ الْمَوْجُودُ غَيْرُهَا فَهُوَ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ. (وَمِنْهَا) اللَّبَنُ الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ الْمُنْغَمِرِ فِيهِ هَلْ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَثْبُتُ. وَالثَّانِي: لَا وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا يُحَرَّمُ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ كُلَّهُ وَلَوْ فِي دَفْعَاتٍ وَيَكُونُ رَضْعَةً وَاحِدَةً ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ خَلَطَ خَمْرًا بِمَاءٍ وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ ثُمَّ شَرِبَهُ لَمْ يُحَدَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ قِيلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ لَا. وَفِي التَّنْبِيهِ لِأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَنْ لَتَّ بِالْخَمْرِ سَوِيقًا أَوْ صَبَّهَا فِي لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ جَارٍ ثُمَّ شَرِبَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُسْتَهْلَكَ أَوْ لَا يُسْتَهْلَكُ. (وَمِنْهَا) لَوْ خَلَطَ زَيْتَهُ بِزَيْتِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فَهَلْ هُوَ اسْتِهْلَاكٌ بِحَيْثُ يَجِبُ لِصَاحِبِهِ عِوَضُهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ أَوْ هُوَ اشْتِرَاكٌ. فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْحَارِثِ أَنَّهُ اشْتِرَاكٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَاخْتَارَ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُخْتَلَطُ غَصْبًا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ هَذَا قَدْ اخْتَلَطَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ كُلَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ يُخْرِجُ مِنْهُ قَدْرَ مَا خَالَطَهُ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ التَّحْرِيمَ لِامْتِزَاجِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ وَاسْتِحَالَةِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَامِ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ فَلَا يَجُوزُ بِدُونِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ، لَكِنْ لِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمُشْتَرَكِ أَنَّ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الِانْفِرَادَ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْآخَرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الدَّرَاهِمِ، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي لَكِنَّهُ قَالَ فِي خِلَافِهِ إنْ كَانَ الْحَقُّ فِي الْقَدْرِ الْمُخْتَلَطِ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ بِدُونِ إذْنِهِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَاَلَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُ مَالِكِهِ وَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِبْدَادُ بِالْقِسْمَةِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ اشْتِرَاكٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ يُخْرِجُ الْعِوَضَ مِنْهُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ [أَنْ] يُخْرِجَ بَدَلَهُ عِوَضًا مِنْهُ وَكَذَا سَاقَهُ

стр. 28

الْمَرُّوذِيّ فِي كِتَابِ الْوَرَعِ لَهُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ يُعْطَى الْعِوَضَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ يُخْرِجُ الْعِوَضَ مِنْ نَفْسِ الْمُخْتَلَطِ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرِكَةٌ وَأَنَّ لَهُ الِاسْتِبْدَادَ بِقِسْمَةِ ذَلِكَ. (وَمِنْهَا) لَوْ وَصَّى لَهُ بِرِطْلٍ مِنْ زَيْتٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ خَلَطَهُ بِزَيْتٍ [آخَرَ] فَإِنْ قُلْنَا هُوَ اشْتِرَاكٌ لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ اسْتِهْلَاكٌ بَطَلَتْ. (وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَاسْتَهْلَكَ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ أَكَلَهُ قَالَ الْأَصْحَابُ لَا يَحْنَثُ وَلَمْ يُخَرِّجُوا فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ وَلَمْ يَقْصِدْ الِامْتِنَاعَ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَقَدْ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ بِالْحِنْثِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَائِعَاتِ وَالْأَدِقَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَخْتَلِطُ بَعْضُ أَجْزَائِهِ بِبَعْضٍ، فَأَمَّا الْحُبُوبُ وَالدَّرَاهِمُ وَنَحْوُهَا فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَائِعَاتِ فِيمَا سَبَقَ وَفَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ: [مِنْهَا] لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَهَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ عَلَى وَجْهَيْنِ اخْتَارَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ الِانْفِسَاخَ وَفِي الْمُجَرَّدِ عَدَمَهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً فَأَكَلَ شَعِيرًا فِيهِ حَبَّاتِ حِنْطَةٍ فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَلَّطَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَقَالَ يَحْنَثُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْحَبَّ مُتَمَيِّزٌ لَمْ يُسْتَهْلَكْ بِخِلَافِ مَا لَوْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ بِمَا فِيهَا فَاسْتُهْلِكَتْ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ. (وَمِنْهَا) لَوْ اخْتَلَطَتْ دَرَاهِمُهُ بِدَرَاهِمَ مَغْصُوبَةٍ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَلِيلَةً كَثَلَاثَةٍ فِيهَا دِرْهَمٌ حَرَامٌ وَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهَا حَتَّى يَعْلَمَ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً كَثَلَاثِينَ فِيهَا دِرْهَمٌ حَرَامٌ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا دِرْهَمًا [وَاحِدًا] وَيَتَصَرَّفُ فِي الْبَاقِي وَلَهُ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْكَثِيرَ يُجْحِفُ بِمَالِهِ إخْرَاجَهُ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ يُخْرِجُ هَذَا قَدْرَ الْحَرَام مِنْ الْقَلِيلِ كَالثَّلَاثَةِ إنْكَارًا [شَدِيدًا] وَأَمَّا الْقَاضِي فَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْحَلَالُ بَعْدَ تَنَاوُلِ الْحَرَام وَشَقَّ التَّوَرُّعُ عَنْ الْجَمِيعِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ. قَالَ وَالْوَاجِبُ فِي الْجَمِيعِ إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَام، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ وَخَالَفَ فِي الْفُنُونِ وَقَالَ يُحَرَّمُ الْجَمِيعَ. (وَمِنْهَا) لَوْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ وَهِيَ دَرَاهِمُ بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَالْمَشْهُورُ الضَّمَانُ لِعُدْوَانِهِ حَيْثُ فَوَّتَ تَحْصِيلَهَا وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النُّقُودَ لَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِأَعْيَانِهَا بَلْ بِمِقْدَارِهَا وَرُبَمَا كَانَ خَلْطُهَا [مَعَ مَالِهِ] أَحْفَظَ لَهَا وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمُخْتَلَطِ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ جَعَلَ التَّالِفَ كُلَّهُ مِنْ مَالِهِ وَجَعَلَ الْبَاقِيَ مِنْ الْوَدِيعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَصْلَ أَمَانَةٌ بَقَاؤُهَا وَوُجُوبُ تَسْلِيمِهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قُلْنَا لَوْ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَجُهِلَ بَقَاؤُهَا إنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا عَلَى التَّرِكَةِ

стр. 29

وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ كَلَامَ أَحْمَدَ ﵀ فِي الضَّمَانِ هُنَا عَلَى أَنَّ الْخَلْطَ كَانَ عُدْوَانًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عِنْدَهُمَا إلَّا مَعَ التَّعَدِّي وَلَوْ اخْتَلَطَتْ الْوَدِيعَةُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ثُمَّ ضَاعَ الْبَعْضُ جُعِلَ مِنْ مَالِ الْمُودَعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ فِي الْخِلَافِ أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ فِيمَنْ مَعَهُ دِينَارٌ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ فَسَقَطَ مِنْهُ مَعَ دِينَارٍ لَهُ فِي رَحَى فَدَارَتْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَقَصَا وَكَانَ نَقْصُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ نَقْصِ الْآخَرِ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا لَهُ أَنَّهُ يُحْتَاطُ فَيَدْفَعُ إلَى صَاحِبِ الْأَمَانَةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الثَّقِيلَ لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعُشْرُونَ مِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ بَدَلِ شَيْء سُئِلَهُ فَامْتَنَعَ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ بَدَلِ شَيْءٍ سُئِلَهُ فَامْتَنَعَ فَهَلْ يَسْقُطُ إذْنُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُعْتَبَرُ وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ هَذَا نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ إذْنًا مُجَرَّدًا وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُوَرٌ: (مِنْهَا) وَضْعُ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ جَاره إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ أَبَاهُ. (وَمِنْهَا) حَجُّ الزَّوْجَةِ الْفَرْضَ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحُجُّ إلَّا بِإِذْنِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فَعَلَى هَذَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِذْنِ لَهَا وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ اسْتِئْذَانَهَا لَهُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. (وَمِنْهَا) إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَبْدِ فَهَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ؟ حَكَى الْأَصْحَابُ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ السَّيِّدُ. وَالثَّانِيَةُ تَجِبُ بِدُونِ إذْنِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْذَانُهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا خَالَفَهُ وَذَهَبَ. (وَمِنْهَا) أَخْذُ فَاضِلِ الْكَلَأِ وَالْمَاءِ مِنْ أَرْضِهِ هَلْ يَقِفُ جَوَازُ الدُّخُولِ إلَى الْأَرْضِ عَلَى إذْنِهِ أَمْ يَجُوزُ بِدُونِ إذْنِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الرَّعْيِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَحُوطِ [فَأَمَّا الْمَحُوطُ] فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ وَمَتَى تَعَذَّرَ الِاسْتِئْذَانُ لِغَيْبَةِ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ اسْتَأْذَنَ فَلَمْ يَأْذَنْ سَقَطَ إذْنُهُ كَمَا فِي الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَنَقَلَ مُثَنَّى الْأَنْبَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ مَا يُشْعِرُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الدُّخُولِ لِلْمَاءِ وَالْكَلَأِ فَيَتَعَيَّنُ الِاسْتِئْذَانُ لِلدُّخُولِ لِلْكَلَأِ دُونَ الْمَاءِ. (وَمِنْهَا) بَذْلُ الضِّيَافَةِ الْوَاجِبَةِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهَا جَازَ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ نَقَلَهَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ وَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِعِلْمِهِمْ وَيُطَالِبُهُمْ

стр. 30

بِقَدْرِ حَقِّهِ. (وَمِنْهَا) نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْوَاجِبَةُ. (وَمِنْهَا) الطَّعَامُ الَّذِي يَضْطَرُّ إلَيْهِ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لَهُ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ أَبَى فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ قَهْرًا وَإِنَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِذْنِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ وَرُبَمَا أَدَّى إلَى فَوَاتِ الْحَقِّ بِالْكُلِّيَّةِ. (النَّوْعُ الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَصَرُّفًا لِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ صُوَرٌ: (مِنْهَا) إذَا طَلَبَ مِنْهُ الْقِسْمَةَ الَّتِي تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَالْأَصْحَابُ يَقُولُونَ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِثْلِيًّا وَهُوَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَامْتَنَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْقِسْمَةِ أَوْ غَابَ فَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ (وَالثَّانِي) : الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا بَيْعًا وَإِذْنُ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ النِّزَاعَ. (وَمِنْهَا) إذَا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ وَيَحْبِسُهُ فَإِنْ أَصَرَّ بَاعَ عَلَيْهِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ الْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَجْبَرَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَإِنْ شَاءَ بَاعَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُغْنِي. (وَمِنْهَا) إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى بَهَائِمِهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ أَوْ الْبَيْعِ كَذَا أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ الزاغوني إنْ أَبَى بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. (وَمِنْهَا) الْمَوْلِيّ إذَا وُقِّفَ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ فَإِنْ طَلَّقَ فَذَاكَ وَإِلَّا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) يُجْبَرُ عَلَى الطَّلَاقِ بِالْحَبْسِ وَالتَّضْيِيقِ (وَالثَّانِيَةُ) : يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ (وَمِنْهَا) الْعِنِّينُ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وَتُحُقِّقَ عَجْزُهُ وَأَبَى أَنْ يُفَارِقَ زَوْجَتَهُ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا. (وَمِنْهَا) إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيِّ يُعْتِقُهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ وَلَكِنْ يُعْتِقُهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ لِأَنَّ عِتْقَهُ صَارَ مُحَتَّمًا لَا مَحَالَةَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِخِلَافِ طَلَاقِ الْمُولِي فَإِنَّهُ لَوْ فَاءَ لَمْ يُطَالَبْ بِالطَّلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ السُّلْطَانَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَفِيهِ بُعْدٌ (وَمِنْهَا) الْمُوصَى بِعِتْقِهِ إذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنْ إعْتَاقِهِ أَعْتَقَهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ (وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَقُلْنَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ فَأَبَى أَنْ يُعْتِقَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ وَقِيلَ رِوَايَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) وَنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْفَسْخَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى عِتْقِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ [تَعَالَى فَعَلَى] هَذَا إذَا امْتَنَعَ وَأَصَرَّ تَوَجَّهَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. (وَمِنْهَا) الْحَوَالَةُ عَلَى الْمَلِيءِ هَلْ يُعْتَبَرُ لِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ رِضَا الْمُحَالِ فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ احْتِيَالَهُ عَلَى الْمَلِيءِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا أَوْ يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمَبْنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ هَلْ هِيَ نَقْلٌ

стр. 31

لِلْحَقِّ أَوْ تَقْبِيضٌ فَإِنْ قُلْنَا نَقْلًا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا قَبُولٌ. وَإِنْ كَانَتْ تَقْبِيضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلُهَا فَيُجْبَرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ. (وَمِنْهَا) الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّزْوِيجِ فَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ وَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ أَوْ لَا فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَبَى أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَعَزَّرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَخْتَارَ. وَلَمْ يَخْتَرْ لَهُ إذْ الِاخْتِيَارُ مَوْكُولٌ إلَى شَهْوَتِهِ وَغَرَضِهِ لَا غَيْرَ [. (وَمِنْهَا) الْكِتَابَةُ إذَا أَوْجَبْنَاهَا بِسُؤَالِ الْعَبْدِ فَأَبَى السَّيِّدُ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا] . (وَمِنْهَا) إذَا أَتَاهُ الْغَرِيمُ بِدَيْنِهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْضُهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبِضَهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي يَقْبِضُهُ الْحَاكِمُ وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِوِلَايَتِهِ. وَلَوْ أَتَاهُ الْكَفِيلُ بِالْغَرِيمِ فَأَبَى أَنْ يَتَسَلَّمَهُ فَقَالَ فِي الْمُغْنِي يُشْهِدُ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَيَبْرَأُ لِوُجُودِ الْإِحْضَارِ. وَذُكِرَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ أَوَّلًا لِيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالْعُشْرُونَ مِنْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ حَقٌّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَبَادَرَ إلَى نَقْلِ الْمِلْكِ عَنْهُ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ حَقٌّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَبَادَرَ إلَى نَقْلِ الْمِلْكِ عَنْهُ صَحَّ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِكِهِ لِمَعْنًى زَالَ بِانْتِقَالِهِ عَنْهُ سَقَطَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَزُولُ بِانْتِقَالِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: (مِنْهَا) لَوْ بَادَرَ الْغَالُّ قَبْلَ إحْرَاقِ رَحْلِهِ وَبَاعَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُغْنِي (أَحَدُهُمَا) يَصِحُّ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ لَمْ يَزُلْ وَيَسْقُطُ التَّحْرِيقُ لِانْتِقَالِهِ عَنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ وَانْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ (وَالثَّانِي) : يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيُحَرَّقُ لِأَنَّ حَقَّ التَّحْرِيقِ أَسْبَقُ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمَالِ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ عَلَى جَرِيمَتِهِ السَّابِقَةِ. (وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالشُّفْعَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. (وَالثَّانِي) : أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مُمْكِنٌ فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ فَعَلَ وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ الثَّانِي وَأُخِذَ مِنْ الْأَوَّلِ لِسَبْقِ حَقِّهِ عَلَيْهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ أُمِرَ الذِّمِّيُّ بِهَدْمِ بِنَائِهِ الْعَالِي فَبَادَرَ وَبَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ صَحَّ وَسَقَطَ الْهَدْمُ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ الْهَدْمُ إلَّا لِإِزَالَةِ ضَرَرِ اسْتِدَامَةِ تَعْلِيَةِ الذِّمِّيِّ لَا عُقُوبَةَ لِلتَّعْلِيَةِ الْمَاضِيَةِ وَقَدْ زَالَ الضَّرَرُ بِانْتِقَالِهِ إلَى الْمُسْلِمِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَادَرَ الْمَالِكُ وَأَسْلَمَ فَإِنَّ الْهَدْمَ يَسْقُطُ بِلَا تَرَدُّدٍ. (وَمِنْهَا) لَوْ مَالَ جِدَارُهُ إلَى مِلْكِ جَارِهِ فَطُولِبَ بِهَدْمِهِ فَبَاعَ دَارِهِ صَحَّ وَهَلْ يَسْقُطُ

стр. 32

الضَّمَانُ عَنْهُ بِالسُّقُوطِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ التَّضْمِينِ أَمْ لَا. قَالَ الْقَاضِي يَسْقُطُ لِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنْ قَصَدَ بِبَيْعِهِ الْفِرَارَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهَدْمِهِ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ لِانْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي مِلْكِهِ كَمَا لَوْ بَاعَ سَهْمًا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ كَبِدِ الْقَوْسِ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا يُتْلِفُهُ قَالَ وَكَذَا لَوْ بَاعَ فَخًّا أَوْ شَبَكَةً مَنْصُوبَتَيْنِ فَوَقَعَ فِيهِمَا صَيْدٌ فِي الْحَرَمِ أَوْ مَمْلُوكٌ لِلْغَيْرِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ضَمَانُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا إذَا أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ بَاعَ مِلْكَهُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِإِزَالَتِهِ ثُمَّ سَقَطَ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. لِأَنَّ خُرُوجَهُ إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ حَصَلَ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَيْلِ الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ عَلَى وَجْهٍ مُمْكِنٍ وَلَا يُمْكِنُهُ نَقْضُهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ثُمَّ بَاعَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ . عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ وَصَحَّحَ عَدَمَ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ يَتَسَلْسَلُ وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْعِتْقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مُتَرَتِّبٍ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَلْ هُوَ لِلَّهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ أَبَاهُ أَوْ لِلْبَائِعِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ كَالْمَنْذُورِ عِتْقُهُ وَعَلَى الثَّانِي يَسْقُطُ الْفَسْخُ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَنْقُصُ بِهِ الثَّمَنُ عَادَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ لِسَبْقِ حَقِّهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ لَزِمَهُ افْتِدَاؤُهُ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فُسِخَ الْبَيْعُ تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِسَبْقِهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ الْوَارِثُ التَّرِكَةَ مَعَ اسْتِغْرَاقِهَا بِالدَّيْنِ مُلْتَزِمًا لِضَمَانِهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ وَفَائِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ (وَمِنْهَا) لَوْ بَاعَ نِصَابَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَعْسَرَ فَهَلْ يُفْسَخُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ هَلْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ بِذِمَّةِ رَبِّهِ؟ فَإِنْ قِيلَ بِعَيْنِ الْمَالِ فُسِخَ الْبَيْعِ لِاسْتِيفَائِهَا مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالْعُشْرُونَ مِنْ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ عَيْنٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَهَلْ يَتْبَعُهَا مَا يَتَّصِلُ بِهَا] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ عَيْنٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَهَلْ يَتْبَعُهَا مَا يَتَّصِلُ بِهَا أَوْ تَوَلَّدَ مِنْهَا أَمْ لَا؟ . فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَلَهَا صُوَرٌ: (مِنْهَا) أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ أَمَةٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَمَعَهَا وَلَدٌ فَهَلْ يَتْبَعُهَا فِي الْمِلْكِ إذَا ادَّعَاهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : لَا وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا فِي بَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا. (وَالثَّانِي) : وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا وَقَدْ ثَبَتَ سَبْقُ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ لِلْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ فَتَكُونُ مُرَجَّحَةً عَلَيْهَا، وَيُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَا إذَا ادَّعَى أَمَةً فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَأَنَّ

стр. 33

وَلَدَهَا مِنْهُ [حُرٌّ] وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ ثَبَتَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا وَثَبَتَ اسْتِيلَادُهَا بِإِقْرَارِهِ وَفِي الْوَلَدِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ (إحْدَاهُمَا) يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَائِهَا فَيَتْبَعُهَا وَيَكُونُ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ لَا بِالْبَيِّنَةِ. (وَالثَّانِيَة) لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ لِأَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ يُثْبِتُ النَّسَبَ دُونَ الْحُرِّيَّةِ وَتَبْقَى [صِحَّةُ] الْوَلَدِ عَلَى مِلْكِ مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ اسْتِلْحَاقِ نَسَبِ الْعَبْدِ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَمِنْهَا) لَوْ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ أَرْضٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَفِيهَا شَجَرٌ قَائِمٌ فَهَلْ يَتْبَعُهَا أَمْ لَا؟ . يَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ هَلْ يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ أَمْ لَا وَأَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ أَنَّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَرْضِ مِنْ الشَّجَرِ فَيَدُ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَ الْيَدِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْغَارِسُ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ غَرَسَهُ بِمَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَرَاهِنَانِ فِي رَهِينَةِ الشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَالِكِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا فِي عَقْدٍ وَالْيَدُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي مِلْكٍ وَصَرَّحَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ بِأَنَّ مَا فِي دَارِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ فِي يَدِهِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا مَنْقُولًا وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْمُبَاحَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي أَرْضِهِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهَا فِي الْأَرْضِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَرْضَ هَلْ هِيَ كَالْيَدِ أَمْ لَا فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ لَهُ وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُحْكَمُ لَهُ بِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّمَرُ بِيَدِ رَجُلٍ وَتَبَيَّنَ سَبْقُ مِلْكِ الشَّجَرَةِ لِغَيْرِهِ حُكِمَ لَهُ بِالثَّمَرَةِ لِثُبُوتِ سَبْقِ مِلْكِهِ عَلَى أَخْذِ غَيْرِهِ لِلثَّمَرَةِ وَ [يَتَخَرَّجُ] فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ كَالْوَلَدِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ. (وَمِنْهَا) لَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِلْكٌ لَهُ وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَعَلَى الْعَبْدِ ثِيَابٌ فَادَّعَاهَا مِنْ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ. فَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ هِيَ لَهُ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْعَبْدِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ مَا يَتْبَعُ الْعَبْدَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْبَيْعِ يَتْبَعُهُ هَاهُنَا وَمَا لَا فَلَا. (وَالثَّانِي) : إنْ تَطَاوَلَتْ مُدَّةُ هَذِهِ الْيَدِ بِحَيْثُ تُبْلَى فِيهَا ثِيَابُ الْعَبْدِ عَادَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَإِلَّا فَلَا إلْحَاقًا لَهَا بِالْعَيْبِ الْمُتَنَازَعِ فِي حُدُوثِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ الْحَالُ إلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ (وَمِنْهَا) لَوْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ لِلْمُؤَجِّرِ وَمَا لَا يَتْبَعُ إنْ كَانَتْ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمَنَازِلِ فَفِيهِ خِلَافٌ. وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُؤَجِّرِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ لَوْ تَنَازَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي كَنْزٍ مَدْفُونٍ فِي الْأَرْضِ وَهَلْ الْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ بَقَاءِ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ أَمْ لَا. صَرَّحَ فِي التَّلْخِيصِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَنْزِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي صُورَةِ بَقَاءِ الْإِجَارَةِ وَانْقِضَائِهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَسْأَلَةُ الْمَالِ الْمَدْفُونِ إذَا ادَّعَاهُ مَنْ

стр. 34

كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ وَوَصَفَهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ حُكْمُ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ جَازَ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ وَزَوَالِهَا فِي أَحَدِ الطَّرِيقِينَ لِلْأَصْحَابِ. (وَمِنْهَا) لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَظْرُوفٍ فِي ظَرْفٍ كَتَمْرٍ فِي جِرَابٍ أَوْ كَسَيْفٍ فِي قِرَابٍ أَوْ فَصٍّ فِي خَاتَمٍ أَوْ رَأْسٍ وَأَكَارِعَ فِي شَاةٍ أَوْ نَوًى فِي تَمْرٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمَظْرُوفِ دُونَ ظَرْفِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّ الظَّرْفَ غَيْرُ مُقِرٍّ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ دَابَّةٌ فِي إصْطَبْلٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي [هُوَ] مُقَرٌّ بِهِمَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فَائِدَةٌ لِذَلِكَ الظَّرْفِ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَا يَتَّصِلُ بِظَرْفِهِ عَادَةً أَوْ خِلْقَةً فَيَكُونُ إقْرَارًا بِهِ دُونَ مَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ عَادَةً وَيَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي تَابِعًا لِلْأَوَّلِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِهِ كَتَمْرٍ فِي جِرَابٍ أَوْ سَيْفٍ فِي قِرَابٍ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِهِ كَنَوًى فِي تَمْرٍ وَرَأْسٍ فِي شَاةٍ وَأَمَّا إنْ قَالَ خَاتَمٌ فِيهِ فَصٍّ وَجِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ وَقِرَابٌ فِيهِ سَيْفٌ فَقِيلَ هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُطْلَقًا وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ خَاتَمٌ فِيهِ فَصٌّ إنَّهُ إقْرَارٌ بِهِمَا جَمِيعًا بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْخَاتَمِ يَدْخُلُ فِيهِ الْفَصُّ فَإِذَا وَصَفَهُ بِالْفَصِّ تُيُقِّنَ دُخُولُهُ فِيهِ وَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ نَعْلٌ لَهَا شِرَاكٌ أَوْ شَاةٌ عَلَيْهَا صُوفٌ أَوْ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي التَّلْخِيصِ لَوْ أَقَرَّ بِخَاتَمٍ ثُمَّ جَاءَ بِخَاتَمٍ فِيهِ فَصٌّ وَقَالَ مَا أَرَدْتُ الْفَصَّ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا دُخُولُهُ لِشُمُولِ الِاسْمِ وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي جَارِيَةٌ فَهَلْ يَدْخُلُ الْجَنِينُ فِي الْإِقْرَارِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالْعُشْرُونَ مِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ أَذَاهُ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لِدَفْعِ أَذَاهُ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَإِنْ أَتْلَفَهُ لِدَفْعِ أَذَاهُ بِهِ ضَمِنَهُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) لَوْ صَالَ عَلَيْهِ حَيَوَانٌ آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ قَتَلَ حَيَوَانًا لِغَيْرِهِ فِي مَخْمَصَةٍ لِيُحْيِيَ بِهِ نَفْسَهُ ضَمِنَهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فِي إحْرَامِهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ اُضْطُرَّ فَقَتَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيُحْيِيَ بِهِ نَفْسَهُ ضَمِنَهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ لِتَأَذِّيهِ بِالْقَمْلِ وَالْوَسَخِ فَدَاهُ لِأَنَّ الْأَذَى مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ وَلَوْ خَرَجَتْ فِي عَيْنِهِ شَعْرَةٌ فَقَلَعَهَا أَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَلَى عَيْنَيْهِ الْقَلَهْذَمِ لَمْ يَفْدِهِ. (وَمِنْهَا) لَوْ أَشْرَفَتْ السَّفِينَةُ عَلَى الْغَرَقِ فَأَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ لِيُخَفِّفَهَا ضَمِنَهُ وَلَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ مَتَاعُ غَيْرِهِ فَخَشِيَ أَنْ يُهْلِكَهُ فَدَفَعَهُ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَضْمَنْهُ. (وَمِنْهَا) لَوْ وَقَعَتْ بَيْضَةُ نَعَامَةٍ مِنْ شَجَرَةٍ فِي الْحَرَمِ عَلَى [عَيْنِ] إنْسَانٍ فَدَفَعَهَا فَانْكَسَرَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ احْتَاجَ إلَى أَكْلِهَا لِمَخْمَصَةٍ. (وَمِنْهَا) لَوْ قَلَعَ شَوْكَ الْحَرَمِ لِأَذَاهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ احْتَاجَ إلَى إيقَادِ غُصْنِ

стр. 35

شَجَرَةٍ ضَمِنَهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ وَخَالَفَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي جَوَازِ قَطْعِ الشَّوْكِ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالْعُشْرُونَ مِنْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ أَفْسَدَ عِبَادَةً لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَى نَفْسِهِ] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ أَفْسَدَ عِبَادَةً لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَى نَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ النَّفْعُ يَعُودُ إلَى غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. فَمِنْ ذَلِكَ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ (وَمِنْهَا) لَوْ نَجَّى غَرِيقًا فِي رَمَضَانَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ وَقُلْنَا يُفْطِرُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ إنْقَاذِهِ ضَعْفٌ فِي نَفْسِهِ فَأَفْطَرَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ كَالْمَرِيضِ فِي قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفِدْيَةَ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ لِلْخَوْفِ عَلَى جَنِينَيْهِمَا، وَهَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَنْ رِزْمِ إلَى الْإِفْطَارِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. (وَمِنْهَا) لَوْ دَفَعَ صَائِلًا عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ دَفَعَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ ضَمِنَهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَفِي الْفَتَاوَى الرَّجَبِيَّاتِ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزاغوني لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا. (وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْحَلِفِ بِيَمِينٍ لِحَقِّ نَفْسِهِ فَحَلَفَ دَفْعًا لِلظُّلْمِ عَنْهُ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْحَلِفِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ غَيْرِهِ فَحَلَفَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَفِي الْفَتَاوَى الرَّجَبِيَّاتِ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَيْضًا لَا تَنْعَقِدُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعُشْرُونَ إذَا حصل التَّلَفُ مِنْ فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ والآخر غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ) : إذَا حَصَلَ التَّلَفُ مِنْ فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا مَأْذُونٌ فِيهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَجَبَ الضَّمَانُ كَامِلًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلَيْنِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِمَا فَالضَّمَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْآخَرِ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا زَادَ الْإِمَامُ سَوْطًا فِي الْحَدِّ فَمَاتَ الْمَحْدُودُ فَحَكَى أَبُو بَكْرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ. (وَالثَّانِي) : يَجِبُ نِصْفُهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الضَّمَانِ وَإِنَّمَا الْجِنَايَةُ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَأُسْنِدَ بِالضَّمَانِ إلَيْهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ اقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي ثُمَّ جَرَحَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عُدْوَانًا وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجِبُ نِصْفُهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ وَلَمْ يُوحِهِ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ رَمْيَةً غَيْرَ مُوحِيَةٍ وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ وَجَبَ ضَمَانُ

стр. 36

الصَّيْدِ كُلِّهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّ رَمْيَ الثَّانِي انْفَرَدَ بِالْعُدْوَانِ فَاسْتَقَلَّ بِالضَّمَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّ رَمْيَهُ كَانَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَالُ الضَّمَانِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَجْهٌ آخَرُ بِأَنْ يَضْمَنَهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ مِمَّا قَبْلَهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِمَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ فَزَادَ عَلَيْهَا أَوْ لِحَمْلِ مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِكَمَالِ الْقِيمَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ وَجْهًا آخَرَ بِضَمَانِ النِّصْفِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَدِّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُهُ فَتَلِفَتْ تَحْتَهُمَا. (وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَكَ مُحِلٌّ وَمُحْرِمٌ فِي جَرْحِ صَيْدٍ وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ ضَمَانُهُ كَامِلًا هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَمُهَنَّا وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ مُقْتَضَى الْفِقْهِ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَقَاسَهُ عَلَى مُشَارَكَةِ مَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي إتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ الْإِذْنُ هُنَاكَ مُنْتَفٍ وَهَهُنَا مَوْجُودٌ نَعَمْ إنْ قَصَدَ الْمُحِلُّ إعَانَةَ الْمُحْرِمِ وَمُسَاعَدَتَهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ تَوَجَّهَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بَعْدَ النِّدَاءِ. [ (وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَكَ فِي جَرْحِ آدَمِيٍّ مُقْتَصٌّ وَغَيْرُهُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الْمُقْتَصِّ كَمَالُ الدِّيَةِ وَنِصْفُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ] . (وَمِنْهَا) لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ دَفَعَهَا هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الْغُرْمِ وَهُوَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إذْهَابَ الْبَكَارَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ بِهِ وَلَزِمَ الْأَجْنَبِيَّ نِصْفُ الْأَرْشِ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَأَرْشُ الْبَكَارَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَضْمُونُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُقَرِّرُهُ وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كُلُّهُ عَلَى الزَّوْجِ بِهَذَا الْفِعْلِ مَعَ انْفِرَادِهِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَوْ اسْتَقَلَّ بِهَذَا الْفِعْلِ لَلَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ نَقَلَهَا مُهَنَّا أَيْضًا فَإِذَا كَانَ مُوجِبًا لِلْمَهْرِ ابْتِدَاءً فَلَأَنْ يُقَرِّرَهُ أَوْلَى وَلَكِنْ فِي صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الضَّمَانِ نَعَمْ يَتَخَرَّجُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ هُنَا عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الزَّوْجَ هُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ أَرْشِ الْبَكَارَةِ مَعَ نِصْفِ الْمَهْرِ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَ الْبَكَارَة تَبَعًا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ الْوَطْءِ فَإِذَا أَتْلَفَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ضَمِنَهُ كَالْمُسْتَعِيرِ إذَا أَتْلَفَ خَمْلَ الْمِنْشَفَةِ مَثَلًا بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَأَيْضًا فَلَوْ وَجَبَ لِرَجُلٍ قِصَاصٌ عَلَى آخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَطَعَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ عُدْوَانًا ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إتْلَافَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ إلَّا تَبَعًا لِإِتْلَافِ

стр. 37

جُمْلَتِهِ لَا اسْتِقْلَالًا. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْأَرْشَ كُلَّهُ أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إتْلَافِ هَذَا الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ الْأَجْنَبِيُّ مُنْفَرِدًا بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَيُسْتَكْمَلُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ [وَلَوْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيقِ فَرَجَعَ الْحَجَرُ عَلَى أَحَدِهِمْ فَقَتَلَهُ فَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْآخَرَيْنِ ثُلُثَا دِيَتِهِ أَوْ كَمَالُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ] [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالْعِشْرُونَ مَنْ سُومِحَ فِي مِقْدَارٍ يَسِيرٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَهَلْ تَنْتَفِي الْمُسَامَحَةُ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ سُومِحَ فِي مِقْدَارٍ يَسِيرٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَهَلْ تَنْتَفِي الْمُسَامَحَةُ فِي الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا أَوْ فِي الْجَمِيعِ فِيهِ وَجْهَانِ وَلِلْمَسْأَلَةِ صُوَرٌ: (مِنْهَا) : الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ مَعَ الْإِطْلَاقِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِدُونِهِ بِمَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً فَإِذَا بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً فَهَلْ يَضْمَنُ بَقِيَّةَ ثَمَنِ الْمِثْلِ كُلِّهِ أَوْ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَمَّا يَتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَرَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ ضَمَانَ بَقِيَّةِ ثَمَنِ الْمِثْلِ كُلِّهِ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِالنَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الثَّوْبِ يَجِبُ غَسْلُهَا وَلَا يُفْرَدُ هَهُنَا مَا يُعْفَى عَنْهُ بِانْفِرَادِهِ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ بِانْفِرَادِهِ فَقَدْ يَصِيرُ الْبَاقِي يَسِيرًا فَيَلْزَمُ الْعَفْوُ عَنْ الْكُلِّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ ضَرْبِ الصَّبِيِّ مُعَلِّمُهُ أَوْ الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَمَاتَا ضَمِنَ الدِّيَةَ كُلَّهَا وَلَوْ عُفِيَ عَنْ الْقَدْرِ الْمُبَاحِ بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجِبْ كَمَالُ الدِّيَةِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ تُرَدُّ إلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ حَيْثُ كَانَ التَّلَفُ تَوَلَّدَ مِنْ ضَرْبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فَأَوْجَبَ كَمَالَ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ سَوْطًا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ أُضْحِيَّتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ ضَمَانُ ثُلُثِهَا أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ أَوَّلًا بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالثُّلُثِ كُلِّهِ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ (وَمِنْهَا) لَوْ تَعَدَّى الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلِ مَوْضِعَ الْعَادَةِ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ أَوْ الْقَدْرِ الْمُجَاوِزِ الْمُطَيَّمِ الْعَادَةِ وَيُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي مَوْضِعِ الْعَادَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَشْهَرُهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْمُتَعَدَّى خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَاللَّمْشِ نَسَبَهُ إلَى نَصِّ أَحْمَدَ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْسَبُ فِيهِ إلَى تَفْرِيطٍ وَتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَالْمُضَحِّي، وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَدَّى زَكَاتَهُ إلَى وَاحِدٍ وَقُلْنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ إلَى ثَلَاثَةٍ فَهَلْ يَضْمَنُ الثُّلُثَيْنِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

стр. 38

[الْقَاعِدَةُ الثَّلَاثُونَ إذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مَالٌ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ طرأ مَا يَمْنَعُ أجزاءه] ُ وَالْوُجُوبَ فَهَلْ يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ. (فَمِنْ ذَلِكَ) إذَا أَوْجَبَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ تَعَيَّبَتْ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِيه وَهَلْ يَعُودُ الْمَعِيبُ إلَى مِلْكِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ فَدَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَمِنْهَا) لَوْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا ثُمَّ نَتَجَتْ عَشَرَةٌ قَبْلَ الْحَوْلِ وَقُلْنَا لَا يُجْزِئُ التَّبِيعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ مِنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ثُمَّ فَسَدَتْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ) : مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ثُمَّ فَسَدَتْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى صِفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الذِّمَّةِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ دُونَهَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ وَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا تَامَّةً (وَمِنْهَا) إذَا أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِجِمَاعٍ وَجَبَ قَضَاؤُهُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ مَوْضِعِ إحْرَامِهِ أَوَّلًا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُحْصِرَ فِي نُسُكِهِ ذَاكَ ثُمَّ قَضَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُحْصَرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ. (وَمِنْهَا) إذَا عَيَّنَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ مَا هُوَ أَزْيَدُ صِفَةً مِنْ الْوَاجِبِ ثُمَّ تَلِفَ فَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَفْرِيطِهِ فَعَلَيْهِ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَجَبَتْ بِتَعْيِينِهِ وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَسَقَطَتْ كَمَا لَوْ عَيَّنَ هَدْيًا تَطَوُّعًا ثُمَّ تَلِفَ. (وَمِنْهَا) لَوْ نَذْر اعْتِكَافًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لُزُومُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِيهِ وَلِأَنَّ نَذْرَ اعْتِكَافِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى نَذْرِ اعْتِكَافِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَعَيَّنَ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَشَرَعَ فِي اعْتِكَافِهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ مِنْ قَابِلٍ لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ عَنْ نَذْرِهِ فَإِذَا

стр. 39

أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا مِنْ ناقلها مُدَّة مَعْلُومَةً] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ) : يَصِحُّ عِنْدَنَا اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا مِنْ نَاقِلِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ مِنْهَا: الْمَبِيعُ إذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ، وَحُكِيَ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. وَمِنْهَا: الْوَقْفُ، يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَيَسْتَثْنِيَ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ; لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُدَّةِ هُنَا لَا تُؤَثِّرُ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى جَهَالَةِ مُدَّةِ كُلِّ بَطْنٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَمِنْهَا: الْعِتْقُ، وَيَصِحُّ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ سَفِينَةَ، وَكَذَا لَوْ اسْتَثْنَى خِدْمَتَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ أَنْ يُعْتِقَ أَمَتَهُ وَيَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ وَيَمْلِكُهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَجَعَلَ الْعِتْقَ عِوَضًا عَنْهُ فَانْعَقَدَ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِنْهَا: إذَا كَاتَبَ أَمَتَهُ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا نَقَلَ بِالْكِتَابَةِ عَنْ مِلْكِهِ مَنَافِعَهَا دُونَ رَقَبَتِهَا. وَمِنْهَا: الْوَصِيَّةُ فَيَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ بِرَقَبَةِ عَيْنٍ لِشَخْصٍ وَبِنَفْعِهَا لِآخَرَ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ نَفْعِهَا لِلْوَرَثَةِ. وَمِنْهَا: الْهِبَةُ يَصِحُّ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِذَلِكَ أَجَابَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ﵀. وَمِنْهَا: عِوَضُ الصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَالٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ) : الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ أَمْ تُغْتَفَرُ فِيهِ الْجَهَالَةُ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي الصِّحَّةُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: لَوْ بَاعَهُ أَمَةً حَامِلًا بِحُرٍّ وَقُلْنَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ لَفْظًا فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَهُ عَقَارًا تَسْتَحِقُّ فِيهِ السُّكْنَى الزَّوْجَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ بِالْحَمْلِ فَهَلْ يَصِحُّ؟ قَالَ فِي الْمُغْنِي لَا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ مَجْهُولَةٌ بِخِلَافِ مُدَّةِ الْأَشْهُرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّين فِي مُسَوَّدَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَأَطْلَقَ. وَمِنْهَا: بَيْعُ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ تَصِحُّ وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُبَيِّنَ، فَقَدْ يَكُونُ مَأْخَذُهُ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الْعَقْدِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ الْيَتِيمَةِ الْمَنَافِعَ وَهِيَ الْآنَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ فَيُشْبِهُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ، وَلَكِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ بَيَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَدْلِيسٌ وَتَغْرِيرٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ فَبَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْخِيَارُ، وَعِلْمُهُ بِهَا يُفْضِي إلَى دُخُولِهِ عَلَى جَهَالَةِ مِقْدَارِ الصُّبْرَةِ، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً صَحَّ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَتَقَعُ مَنَافِعُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةً فِي هَذَا الْعَقْدِ حُكْمًا، وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا فِي الْعَقْدِ لَفْظًا لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى شَجَرًا (وَ) عَلَيْهِ ثَمَرٌ، أَوْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ، أَوْ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ كَثِيرٌ صَحَّ، وَوَقَعَ

стр. 40

بَقَاءُ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالطَّعَامِ مُسْتَثْنًى إلَى أَوَانِ تَفْرِيغِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَمَةً وَعَبْدًا مُحْرِمًا صَحَّ وَوَقَعَ مُدَّةَ إحْرَامِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْبَيْعِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، مَعَ أَنَّ مُدَّةَ الْإِحْرَامِ لَا تَنْضَبِطُ لَا سِيَّمَا بِالْعُمْرَةِ قَدْ يَقَعُ الْإِبْطَاءُ فِي السَّيْرِ لِعَائِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَسَافَةَ مَعْلُومَةٌ وَأَفْعَالَ النُّسُكِ مَعْلُومَةٌ فَصَارَ كَاسْتِثْنَاءِ ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ اسْتِحْقَاقُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَمْنَعُ مِنْ سَرَيَانِ الْعِتْقِ إلَيْهَا] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ) : اسْتِحْقَاقُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَمْنَعُ مِنْ سَرَيَانِ الْعِتْقِ إلَيْهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَقْدِ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْحُكْمِيَّ أَقْوَى، وَلِهَذَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ وَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى اسْتِثْنَاءَ الْمَنَافِعِ فِي الْعَقْدِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي قَوْلِهِ: يَسْرِي الْعِتْقُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ لَمْ تَمْلِكْ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ الَّتِي هِيَ مَوْرِدُ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ تَحْتَ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ فَزَالَتْ كَفَاءَتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ تَعَبُّدًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَمَنْ قَالَ بِسِرَايَةِ الْعِتْقِ قَالَ: قَدْ مَلَكَتْ بُضْعَهَا فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا مِلْكٌ فَصَارَ الْخِيَارُ لَهَا فِي الْمُقَامِ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ مُفَارِقَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا لِلزَّوْجِ صَحَّ وَلَمْ تَمْلِكْ الْخِيَارَ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا بُضْعِهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ انْفِسَاخُ نِكَاحِهَا حَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجِ مِلْكٌ عَلَيْهَا، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عِتْقُ بَعْضِهَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهَا عَلَى الْحُرِّ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْبُضْعِ لَا تُنَافِي اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَتِهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً فَالْحُرِّيَّةُ الطَّارِئَةُ بِهِ أَوْلَى. وَمِنْهَا: لَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَنْفَسِخُ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا فِي الْعِتْقِ، وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ ذَلِكَ وَجْهًا لَنَا لَا بِنَاءَ عَلَى السِّرَايَةِ بَلْ عَلَى زَوَالِ وِلَايَةِ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِعِتْقِهِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ مُدَّةً ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي وَجْهٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْوَلِيَّ تَنْقَطِعُ وِلَايَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الصَّبِيِّ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا، بِخِلَافِ السَّيِّدِ فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ مَنَافِعِهِ بِالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ أَقْوَى كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: لَوْ أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهِ صَحَّ وَلَمْ يَسْرِ إلَى الْمَنَافِعِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ عَيْنٍ بِعَقْدٍ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِسَبَبٍ آخِر] َ هَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا؟ هَهُنَا صُورَتَانِ:
следующие страницы →