← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21730

قواعد ابن رجب - ط الخانجي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (422 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الصَّيْدِ كُلِّهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّ رَمْيَ الثَّانِي انْفَرَدَ بِالْعُدْوَانِ فَاسْتَقَلَّ بِالضَّمَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّ رَمْيَهُ كَانَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَالُ الضَّمَانِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَجْهٌ آخَرُ بِأَنْ يَضْمَنَهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ مِمَّا قَبْلَهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِمَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ فَزَادَ عَلَيْهَا أَوْ لِحَمْلِ مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِكَمَالِ الْقِيمَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ وَجْهًا آخَرَ بِضَمَانِ النِّصْفِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَدِّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَا إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُهُ فَتَلِفَتْ تَحْتَهُمَا. (وَمِنْهَا) إذَا اشْتَرَكَ مُحِلٌّ وَمُحْرِمٌ فِي جَرْحِ صَيْدٍ وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ ضَمَانُهُ كَامِلًا هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَمُهَنَّا وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ مُقْتَضَى الْفِقْهِ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَقَاسَهُ عَلَى مُشَارَكَةِ مَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي إتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ الْإِذْنُ هُنَاكَ مُنْتَفٍ وَهَهُنَا مَوْجُودٌ نَعَمْ إنْ قَصَدَ الْمُحِلُّ إعَانَةَ الْمُحْرِمِ وَمُسَاعَدَتَهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ تَوَجَّهَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا بَاعَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بَعْدَ النِّدَاءِ. [ (وَمِنْهَا) لَوْ اشْتَرَكَ فِي جَرْحِ آدَمِيٍّ مُقْتَصٌّ وَغَيْرُهُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الْمُقْتَصِّ كَمَالُ الدِّيَةِ وَنِصْفُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ] . (وَمِنْهَا) لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ دَفَعَهَا هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الْغُرْمِ وَهُوَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إذْهَابَ الْبَكَارَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَسْقُطُ الضَّمَانُ بِهِ وَلَزِمَ الْأَجْنَبِيَّ نِصْفُ الْأَرْشِ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَأَرْشُ الْبَكَارَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْمَضْمُونُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُقَرِّرُهُ وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ كُلُّهُ عَلَى الزَّوْجِ بِهَذَا الْفِعْلِ مَعَ انْفِرَادِهِ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَوْ اسْتَقَلَّ بِهَذَا الْفِعْلِ لَلَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ كُلُّهُ عَلَى رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ نَقَلَهَا مُهَنَّا أَيْضًا فَإِذَا كَانَ مُوجِبًا لِلْمَهْرِ ابْتِدَاءً فَلَأَنْ يُقَرِّرَهُ أَوْلَى وَلَكِنْ فِي صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الضَّمَانِ نَعَمْ يَتَخَرَّجُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ هُنَا عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الزَّوْجَ هُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ أَرْشِ الْبَكَارَةِ مَعَ نِصْفِ الْمَهْرِ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَ الْبَكَارَة تَبَعًا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ الْوَطْءِ فَإِذَا أَتْلَفَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ضَمِنَهُ كَالْمُسْتَعِيرِ إذَا أَتْلَفَ خَمْلَ الْمِنْشَفَةِ مَثَلًا بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَأَيْضًا فَلَوْ وَجَبَ لِرَجُلٍ قِصَاصٌ عَلَى آخَرَ فِي نَفْسِهِ فَقَطَعَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ عُدْوَانًا ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إتْلَافَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ إلَّا تَبَعًا لِإِتْلَافِ

стр. 37

جُمْلَتِهِ لَا اسْتِقْلَالًا. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْأَرْشَ كُلَّهُ أَوْ مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إتْلَافِ هَذَا الْجُزْءِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ الْأَجْنَبِيُّ مُنْفَرِدًا بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَيُسْتَكْمَلُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ [وَلَوْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيقِ فَرَجَعَ الْحَجَرُ عَلَى أَحَدِهِمْ فَقَتَلَهُ فَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْآخَرَيْنِ ثُلُثَا دِيَتِهِ أَوْ كَمَالُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ] [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالْعِشْرُونَ مَنْ سُومِحَ فِي مِقْدَارٍ يَسِيرٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَهَلْ تَنْتَفِي الْمُسَامَحَةُ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) : مَنْ سُومِحَ فِي مِقْدَارٍ يَسِيرٍ فَزَادَ عَلَيْهِ فَهَلْ تَنْتَفِي الْمُسَامَحَةُ فِي الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا أَوْ فِي الْجَمِيعِ فِيهِ وَجْهَانِ وَلِلْمَسْأَلَةِ صُوَرٌ: (مِنْهَا) : الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ مَعَ الْإِطْلَاقِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِدُونِهِ بِمَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً فَإِذَا بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً فَهَلْ يَضْمَنُ بَقِيَّةَ ثَمَنِ الْمِثْلِ كُلِّهِ أَوْ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَمَّا يَتَغَابَنُ بِهِ عَادَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَرَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ ضَمَانَ بَقِيَّةِ ثَمَنِ الْمِثْلِ كُلِّهِ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِالنَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الثَّوْبِ يَجِبُ غَسْلُهَا وَلَا يُفْرَدُ هَهُنَا مَا يُعْفَى عَنْهُ بِانْفِرَادِهِ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ بِانْفِرَادِهِ فَقَدْ يَصِيرُ الْبَاقِي يَسِيرًا فَيَلْزَمُ الْعَفْوُ عَنْ الْكُلِّ وَكَذَلِكَ حُكْمُ ضَرْبِ الصَّبِيِّ مُعَلِّمُهُ أَوْ الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَمَاتَا ضَمِنَ الدِّيَةَ كُلَّهَا وَلَوْ عُفِيَ عَنْ الْقَدْرِ الْمُبَاحِ بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجِبْ كَمَالُ الدِّيَةِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ تُرَدُّ إلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ حَيْثُ كَانَ التَّلَفُ تَوَلَّدَ مِنْ ضَرْبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فَأَوْجَبَ كَمَالَ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ سَوْطًا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهَا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ أُضْحِيَّتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُ ضَمَانُ ثُلُثِهَا أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ أَوَّلًا بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالثُّلُثِ كُلِّهِ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ (وَمِنْهَا) لَوْ تَعَدَّى الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلِ مَوْضِعَ الْعَادَةِ فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ أَوْ الْقَدْرِ الْمُجَاوِزِ الْمُطَيَّمِ الْعَادَةِ وَيُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي مَوْضِعِ الْعَادَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَشْهَرُهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْمُتَعَدَّى خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَاللَّمْشِ نَسَبَهُ إلَى نَصِّ أَحْمَدَ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنْسَبُ فِيهِ إلَى تَفْرِيطٍ وَتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ وَالْمُضَحِّي، وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. (وَمِنْهَا) لَوْ أَدَّى زَكَاتَهُ إلَى وَاحِدٍ وَقُلْنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ إلَى ثَلَاثَةٍ فَهَلْ يَضْمَنُ الثُّلُثَيْنِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

стр. 38

[الْقَاعِدَةُ الثَّلَاثُونَ إذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مَالٌ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ طرأ مَا يَمْنَعُ أجزاءه] ُ وَالْوُجُوبَ فَهَلْ يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ. (فَمِنْ ذَلِكَ) إذَا أَوْجَبَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ تَعَيَّبَتْ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِيه وَهَلْ يَعُودُ الْمَعِيبُ إلَى مِلْكِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (وَمِنْهَا) إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ فَدَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ فَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَمِنْهَا) لَوْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا ثُمَّ نَتَجَتْ عَشَرَةٌ قَبْلَ الْحَوْلِ وَقُلْنَا لَا يُجْزِئُ التَّبِيعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. [الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالثَّلَاثُونَ مِنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ثُمَّ فَسَدَتْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا] (الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ) : مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ثُمَّ فَسَدَتْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى صِفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الذِّمَّةِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ دُونَهَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: (مِنْهَا) إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ وَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا تَامَّةً (وَمِنْهَا) إذَا أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِجِمَاعٍ وَجَبَ قَضَاؤُهُ وَالْإِحْرَامُ مِنْ مَوْضِعِ إحْرَامِهِ أَوَّلًا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُحْصِرَ فِي نُسُكِهِ ذَاكَ ثُمَّ قَضَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُحْصَرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ. (وَمِنْهَا) إذَا عَيَّنَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ مَا هُوَ أَزْيَدُ صِفَةً مِنْ الْوَاجِبِ ثُمَّ تَلِفَ فَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَفْرِيطِهِ فَعَلَيْهِ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَجَبَتْ بِتَعْيِينِهِ وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَسَقَطَتْ كَمَا لَوْ عَيَّنَ هَدْيًا تَطَوُّعًا ثُمَّ تَلِفَ. (وَمِنْهَا) لَوْ نَذْر اعْتِكَافًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لُزُومُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِيهِ وَلِأَنَّ نَذْرَ اعْتِكَافِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى نَذْرِ اعْتِكَافِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَعَيَّنَ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَشَرَعَ فِي اعْتِكَافِهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ مِنْ قَابِلٍ لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ عَنْ نَذْرِهِ فَإِذَا

стр. 39

أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا مِنْ ناقلها مُدَّة مَعْلُومَةً] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالثَّلَاثُونَ) : يَصِحُّ عِنْدَنَا اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الْمُنْتَقِلِ مِلْكُهَا مِنْ نَاقِلِهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ مِنْهَا: الْمَبِيعُ إذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ، وَحُكِيَ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. وَمِنْهَا: الْوَقْفُ، يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَيَسْتَثْنِيَ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ; لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُدَّةِ هُنَا لَا تُؤَثِّرُ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى جَهَالَةِ مُدَّةِ كُلِّ بَطْنٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ. وَمِنْهَا: الْعِتْقُ، وَيَصِحُّ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ سَفِينَةَ، وَكَذَا لَوْ اسْتَثْنَى خِدْمَتَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ أَنْ يُعْتِقَ أَمَتَهُ وَيَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ وَيَمْلِكُهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَجَعَلَ الْعِتْقَ عِوَضًا عَنْهُ فَانْعَقَدَ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِنْهَا: إذَا كَاتَبَ أَمَتَهُ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا نَقَلَ بِالْكِتَابَةِ عَنْ مِلْكِهِ مَنَافِعَهَا دُونَ رَقَبَتِهَا. وَمِنْهَا: الْوَصِيَّةُ فَيَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ بِرَقَبَةِ عَيْنٍ لِشَخْصٍ وَبِنَفْعِهَا لِآخَرَ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ نَفْعِهَا لِلْوَرَثَةِ. وَمِنْهَا: الْهِبَةُ يَصِحُّ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِذَلِكَ أَجَابَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ﵀. وَمِنْهَا: عِوَضُ الصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَالٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ) : الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ أَمْ تُغْتَفَرُ فِيهِ الْجَهَالَةُ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُغْنِي الصِّحَّةُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: لَوْ بَاعَهُ أَمَةً حَامِلًا بِحُرٍّ وَقُلْنَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ لَفْظًا فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَهُ عَقَارًا تَسْتَحِقُّ فِيهِ السُّكْنَى الزَّوْجَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ بِالْحَمْلِ فَهَلْ يَصِحُّ؟ قَالَ فِي الْمُغْنِي لَا، لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ مَجْهُولَةٌ بِخِلَافِ مُدَّةِ الْأَشْهُرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّين فِي مُسَوَّدَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَأَطْلَقَ. وَمِنْهَا: بَيْعُ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ تَصِحُّ وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُبَيِّنَ، فَقَدْ يَكُونُ مَأْخَذُهُ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الْعَقْدِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ الْيَتِيمَةِ الْمَنَافِعَ وَهِيَ الْآنَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ فَيُشْبِهُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ، وَلَكِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ بَيَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَدْلِيسٌ وَتَغْرِيرٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ فَبَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْخِيَارُ، وَعِلْمُهُ بِهَا يُفْضِي إلَى دُخُولِهِ عَلَى جَهَالَةِ مِقْدَارِ الصُّبْرَةِ، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً صَحَّ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَتَقَعُ مَنَافِعُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةً فِي هَذَا الْعَقْدِ حُكْمًا، وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا فِي الْعَقْدِ لَفْظًا لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى شَجَرًا (وَ) عَلَيْهِ ثَمَرٌ، أَوْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ، أَوْ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ كَثِيرٌ صَحَّ، وَوَقَعَ

стр. 40

بَقَاءُ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالطَّعَامِ مُسْتَثْنًى إلَى أَوَانِ تَفْرِيغِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمْ يَصِحَّ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَمَةً وَعَبْدًا مُحْرِمًا صَحَّ وَوَقَعَ مُدَّةَ إحْرَامِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْبَيْعِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، مَعَ أَنَّ مُدَّةَ الْإِحْرَامِ لَا تَنْضَبِطُ لَا سِيَّمَا بِالْعُمْرَةِ قَدْ يَقَعُ الْإِبْطَاءُ فِي السَّيْرِ لِعَائِقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَسَافَةَ مَعْلُومَةٌ وَأَفْعَالَ النُّسُكِ مَعْلُومَةٌ فَصَارَ كَاسْتِثْنَاءِ ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ اسْتِحْقَاقُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَمْنَعُ مِنْ سَرَيَانِ الْعِتْقِ إلَيْهَا] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ) : اسْتِحْقَاقُ مَنَافِعِ الْعَبْدِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ يَمْنَعُ مِنْ سَرَيَانِ الْعِتْقِ إلَيْهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَقْدِ وَأَوْلَى ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْحُكْمِيَّ أَقْوَى، وَلِهَذَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ وَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى اسْتِثْنَاءَ الْمَنَافِعِ فِي الْعَقْدِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي قَوْلِهِ: يَسْرِي الْعِتْقُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ لَمْ تَمْلِكْ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ الَّتِي هِيَ مَوْرِدُ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ تَحْتَ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ فَزَالَتْ كَفَاءَتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ تَعَبُّدًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَمَنْ قَالَ بِسِرَايَةِ الْعِتْقِ قَالَ: قَدْ مَلَكَتْ بُضْعَهَا فَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا مِلْكٌ فَصَارَ الْخِيَارُ لَهَا فِي الْمُقَامِ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ مُفَارِقَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا لِلزَّوْجِ صَحَّ وَلَمْ تَمْلِكْ الْخِيَارَ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمِلْكِهَا بُضْعِهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ انْفِسَاخُ نِكَاحِهَا حَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلزَّوْجِ مِلْكٌ عَلَيْهَا، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عِتْقُ بَعْضِهَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهَا عَلَى الْحُرِّ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْبُضْعِ لَا تُنَافِي اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَتِهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً فَالْحُرِّيَّةُ الطَّارِئَةُ بِهِ أَوْلَى. وَمِنْهَا: لَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَنْفَسِخُ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا فِي الْعِتْقِ، وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ ذَلِكَ وَجْهًا لَنَا لَا بِنَاءَ عَلَى السِّرَايَةِ بَلْ عَلَى زَوَالِ وِلَايَةِ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِعِتْقِهِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ مُدَّةً ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي وَجْهٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْوَلِيَّ تَنْقَطِعُ وِلَايَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الصَّبِيِّ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا، بِخِلَافِ السَّيِّدِ فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ مَنَافِعِهِ بِالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ أَقْوَى كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهَا: لَوْ أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهِ صَحَّ وَلَمْ يَسْرِ إلَى الْمَنَافِعِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ عَيْنٍ بِعَقْدٍ ثُمَّ مَلَكَ الْعَيْنَ بِسَبَبٍ آخِر] َ هَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا؟ هَهُنَا صُورَتَانِ:

стр. 41

إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ الَّذِي مَلَكَ بِهِ الْمَنْفَعَةَ عَقْدًا مُؤَبَّدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقَدَ مُعَاوَضَةٍ فَلَا مَعْنَى لِانْفِسَاخِهِ كَالْمُوصَى لَهُ بِمَنَافِعِ الْأَمَةِ إذَا اشْتَرَاهَا فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ مِلْكُهَا بِالْعَقْدَيْنِ وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مِلْكُهُ لِلْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَمِلْكِ الْوَرَثَةِ لِمَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهَا إذَا اشْتَرَوْهَا مِنْ الْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ وَهُوَ النِّكَاحُ انْفَسَخَ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ وَمُخْتَلَفٌ فِي مَوْرِدِهِ هَلْ هُوَ الْمَنْفَعَةُ أَوْ الِانْتِفَاعِ؟ وَيَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَيَمْلِكُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ بِنَفْسِهِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْمِلْكِ الْقَوِيِّ، وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، بَلْ يَنْدَفِعُ بِهِ وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ يَدْخُلُ مِلْكُهُ فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ ; لِأَنَّ مَالِكَ الرَّقَبَةِ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ فَكَيْفَ يَتَضَمَّنُ عَقْدُهُ عَلَى الرَّقَبَةِ بِمِلْكِهِ، بَلْ نَقُولُ قَدْ اجْتَمَعَ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا بِجِهَةٍ وَمَلَكَ الْبُضْعَ ﴿مِلْكًا﴾ بِجِهَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ، فَبَطَلَتْ خُصُوصِيَّاتُ الْجِهَةِ الضَّعِيفَةِ كُلُّهَا لِمَصِيرِهِ مَالِكًا لِلْجَمِيعِ مِلْكًا تَامًّا وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ هَذَا الْمِلْكِ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ، وَلَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ إلْغَاءُ خُصُوصِيَّاتِ عَقْدِ النِّكَاحِ كُلِّهَا. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَة: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ الْمَمْلُوكُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ مُؤَبَّدٍ كَالْإِجَارَةِ، فَإِذَا مَلَكَ ﴿الْعَيْنَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَنْفَسِخُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ مُؤَجِّرِهَا فَفِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْأَصْحَابُ وَرُبَمَا حُكِيَ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ لِأَنَّهُ مَلَكَ الرَّقَبَةَ فَبَطَل مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَنْفَسِخُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُهَا أَوَّلًا بِجِهَةِ الْإِجَارَةِ وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ، وَالْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ وَهُوَ الْعَيْنُ الْمَسْلُوبَةُ النَّفْعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْعَيْنَ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا مِنْ الْوَرَثَةِ وَاسْتَأْجَرَ الْمَنَافِعَ مِنْ مَالِكِهَا فِي عَقْدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَأَيْضًا فَالْمِلْكُ هَاهُنَا أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ وَالْمُعَاوَضَةَ، وَيَمْلِكُ بِهِ عُمُومَ الْمَنَافِعِ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ لَعَادَتْ الْمَنَافِعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا إلَى الْمُؤَجَّرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهَا مُدَّةً مُؤَقَّتَةً بِخِلَافِ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ مِلْكًا مُؤَبَّدًا، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْعَيْنِ وَمَنَافِعَهَا الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي تَلِي الْعَقْدَ وَاَلَّتِي تَتَأَخَّرُ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ عِنْدَنَا فَالْبَيْع أَوْلَى، أَمَّا إنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلْمَنَافِعِ الْمُؤَبَّدَةِ فَالْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ وَتَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَلَوْ مَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ بِهِبَةٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّين فِي مُسَوَّدَتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ، فَأَمَّا إنْ وَهَبَ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ الْعَارِيَّةُ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ. وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَوَرِثَهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا

стр. 42

وَخَرَّجَهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ كَشِرَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ يَنْفَسِخُ، وَتَوَجَّهَ بِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ قَهْرِيٌّ يَقْتَضِي تَمَلُّكَ مَا لَا يُتَمَلَّكُ مِثْلُهُ بِالْعُقُودِ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهِ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ مُسْتَأْجَرِهَا فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَنْبَنِي هَذَا عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ هَلْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَانْتِقَالِهَا إلَيْهِ، هَذَا إذَا كَانَ ثُمَّ وَارِثٌ سِوَاهُ لِأَنَّ فَائِدَةَ بَقَاءِ الْإِجَارَةِ اسْتِحْقَاقُ بَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ وَارِثٌ سِوَاهُ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِحْقَاقِهِ الْعِوَضَ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَبِيهِ دَيْنٌ لِغَيْرِهِ وَقَدْ مَاتَ مُفْلِسًا بَعْدَ أَنْ أَسْلَفَهُ الْأُجْرَةَ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى طَلْعًا لَمْ يُؤَبَّرْ فِي رُءُوسِ نَخْلَةٍ بِشَرْطِ قَطْعِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أَصْلَهُ فِي الْحَالِ، فَهَلْ يَتَخَرَّجُ انْفِسَاخُ الْبَيْعِ فِي الطَّلْعِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْفَعَةِ لِتَبَعِهِ فِي الْبَيْعِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْكَافِي أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ ثُمَّ زَالَتْ وِلَايَتُهُ] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ) : مَنْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ ثُمَّ زَالَتْ وِلَايَتُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ؟ هَذَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ إجَارَتُهُ إجَارَةً بِوِلَايَةٍ مَحْضَةٍ، فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا مَحْضًا فَالْكَلَامُ فِي مُوَكِّلِهِ دُونَهُ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِالتَّصَرُّفِ فَإِنْ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ، لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ الثَّانِي يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ كَمَا يَقُومُ الْمَالِكُ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ زَالَتْ الْوِلَايَةُ عَنْ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَصَبِيٍّ يَبْلُغُ بَعْدَ إيجَارِهِ أَوْ إيجَارِ عَقَارِهِ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، فَفِي الِانْفِسَاخِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا عَدَمُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لَهُ تَصَرُّفًا لَازِمًا فَلَا تَنْفَسِخُ بِبُلُوغِهِ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ بَاعَ عَقَارَهُ. وَالثَّانِي: يَنْفَسِخُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَجْهًا لِأَنَّهُ أَجَّرَهُ مُدَّةً لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ لِلْوَقْفِ إذَا انْقَرَضَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ يَنْبَرِمُ فِي الْحَالِ وَتَنْقَطِعُ عَلَقَتُهُ. نَعَمْ لَوْ كَانَ بُلُوغُهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَا النِّكَاحُ يَنْبَرِمُ مِنْ حِينِهِ، الْمَاتَمْرَغِيُّ الْمَهْرُ فِيهِ بِالدُّخُولِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ; لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَتَقَسَّطُ فِيهَا عَلَى الْمُدَّةِ وَلَا يَسْتَقِرُّ الْمِلْكُ فِيهَا إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ شَيْئًا بَعْدَ الشَّيْءِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهُ إنْ أَجَّرَهُ مُدَّةً يَعْلَمُ بُلُوغَهُ فِيهَا قَطْعًا لَمْ يَصِحَّ فِي الزَّائِدِ، وَيُخَرَّجُ الْبَاقِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ إجَارَتُهُ بِمِلْكٍ ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى مَنْ يَمْلِكُ بِالْقَهْرِ مَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ، فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ لِمِلْكِهِ الْمَنَافِعَ الْبَاقِيَةَ مِنْهَا، وَدَخَلَ تَحْتَ هَذَا إذَا أَجَّرَ مُسْلِمٌ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ، وَإِذَا أَجَّرَ الْحَرْبِيُّ شَيْئًا لِحَرْبِيٍّ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إنْ أَجَّرَ الْحَرْبِيُّ شَيْئًا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَالْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِمَعْصُومٍ فَلَا تُمْلَكُ.

стр. 43

وَثَانِيهَا: أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إلَى مَنْ خَلَفَهُ فِي مَالِهِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَتَلَقَّى الْمِلْكَ عَنْهُ فَلَا اعْتِرَاضَ لَهُ عَلَى عُقُودِهِ بَلْ هُوَ مُنَفِّذٌ لَهَا وَذَلِكَ كَالْوَارِثِ وَالْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْنِ وَالزَّوْجَةِ إذَا أَخَذَتْ الْعَيْنَ صَدَاقًا، أَوْ أَخَذَهُ مِنْهَا عِوَضًا عَنْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُزَاحِمًا لِلْأَوَّلِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَمُتَلَقِّيًا لِلْمِلْكِ عَمَّنْ تَلَقَّاهُ الْأَوَّلُ، لَكِنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْعَيْنِ إلَّا بَعْدَ انْتِهَاءِ اسْتِحْقَاقِهِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ إذَا أَجَّرَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ ثُمَّ انْقَرَضَ وَالْإِجَارَةُ قَائِمَةٌ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَا قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ ; لِأَنَّ الثَّانِي لَا حَقَّ لَهُ فِي الْعَيْنِ إلَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَالْوَارِثِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَابْنِهِ أَبِي الْحُسَيْنِ وَحَكَيَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ ; لِأَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَة تَسْتَحِقُّ الْعَيْنَ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا تَلَقِّيًا عَنْ الْوَاقِفِ بِانْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَلَا حَقَّ لِلْأُولَى فِيهِ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ، بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُمْ لَا مَنْخَرَيْهِ عَنْ مُوَرِّثِهِمْ إلَّا مَا خَلَّفَهُ فِي مِلْكِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَخْلُفْ هَذِهِ الْمَنَافِعَ، وَحَقُّ الْمَالِكِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ مِيرَاثِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ آثَارُهُ بَاقِيَةٌ وَلِذَلِكَ تُقْضَى دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ الشَّرِكَةِ وَهِيَ مِلْكُهُ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَنْ تُقْضَى دُيُونُهُ، فَكَيْفَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ كَانَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ عَلَى التَّأْيِيدِ بِوَقْفِ عَقَارِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَبِمَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهُ أَبَدًا، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَجْهًا آخَرَ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَمَا سَبَقَ، لَكِنَّ الْأُجْرَةَ إنْ كَانَتْ مُقَسَّطَةً عَلَى أَشْهُرِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ أَعْوَامِهَا فَهِيَ صَفَقَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَلَا تَبْطُلُ جَمِيعًا بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَسَّطَةً فَهِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَطَّرِدُ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي ثُبُوتِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ نَظَرًا ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا فَرَضَهُ فِيمَا إذَا أَجَّرَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ النَّظَرِ لَهُ مَشْرُوطًا وَهَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، أَعْنِي: إذَا أَجَّرَ بِمُقْتَضَى النَّظَرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ هَلْ يَلْحَقُ بِالنَّاظِرِ الْعَامِّ فَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ الْإِجَارَاتُ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَلْحَقهُ بِالنَّاظِرِ الْعَامِّ فِي ذَلِكَ، وَهَكَذَا حُكْمُ الْمُقْطِعِ إذَا أَجَّرَ أَقْطَاعَهُ ثُمَّ انْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِإِقْطَاعِ أَحَدٍ. وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مُزَاحِمًا لِلْأَوَّلِ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّلَقِّي عَمَّنْ تَلَقَّى عَنْهُ الْأَوَّلُ بِسَبْقِ حَقِّهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لِلشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ إذَا أَجَّرَ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ بِالْإِجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ انْتَزَعَهُ الشَّفِيعُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُقْنِعِ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمُؤَجِّرِ ثَابِتٌ، وَيَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الْأُجْرَةَ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ هَا هُنَا، كَمَا نَقُولُ فِي الْوَقْفِ إذَا انْتَقَلَ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي وَلَمْ تَنْفَسِخْ إجَارَتُهُ إنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ

стр. 44

الْأُجْرَةَ مِنْ يَوْمِ الِانْتِقَالِ، وَكَذَلِكَ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِي يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَائِعِ فَلَا يَدْخُلُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْبَائِعَ يَمْلِكُ عِوَضَهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ، وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لَرَجَعَتْ الْمَنَافِعُ إلَيْهِ، فَإِذَا بَاعَ الْعَيْنَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ وَلَا عِوَضُهَا مُسْتَحَقًّا لَهُ لِشُمُولِ الْبَيْعِ لِلْعَيْنِ وَمَنَافِعِهَا، فَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ فِيمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهَا وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ عِوَضَ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ الْإِجَارَةِ، وَفِي رُجُوعِهَا إلَيْهِ مَعَ الِانْفِسَاخ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلْأَصْحَابِ، وَهُوَ مِثَالُ نَصِّ أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، وَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ رُجُوعِ الْمَنَافِعِ إلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الِانْفِسَاخِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِأَخْذِهِ، وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، لِمَا قُلْنَا مِنْ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، فَيَمْلِكُ انْتِزَاعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَفَارَقَ إجَارَةَ الْوَقْفِ عَلَى وَجْهٍ، لِأَنَّ الْبَطْن الثَّانِي لَا حَقَّ لَهُمْ قَبْلَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ، وَهُنَا حَقُّ الشَّفِيعِ ثَابِتٌ قَبْلَ إيجَارِ الْمُشْتَرِي فَيَنْفَسِخُ بِأَخْذِهِ لِسَبْقِ حَقِّهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا عَلَى رِوَايَةٍ إنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ مُرَاعَى، فَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ بَطَل، وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ لَوَجَبَ ضَمَانُ الْمَنَافِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا بِالْمُسَمَّى لِأَنَّهُ ضَمَانُ حَيْلُولَةٍ، كَمَا قُلْنَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمُسْتَأْجَرَ لَزِمَهُ ضَمَانُ قِيمَةِ مَنَافِعِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الشَّفِيعَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ أَوْ يَتْرُكَهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعَارَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ، وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ أَوْ بَعْضَهَا كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْأَخْذِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ لِيَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَنْفَسِخَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ وَيَعُودَ إلَى مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْهُ، فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ لَهُ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ. وَصَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ لَوْ أَنْكَحَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ، بِنَاءً أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي خِلَافَيْهِمَا: الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، وَالْفَسْخُ بِالْخِيَارِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ ; لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ اللُّزُومَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَثَمَنِهِ بِخِلَافِ الْعَيْبِ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ فِي توارد الْعُقُودِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَتَدَاخُلِ أَحْكَامِهَا] (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ) : فِي تَوَارُدِ الْعُقُودِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَتَدَاخُلِ أَحْكَامِهَا وَتَنْدَرِجُ تَحْتَهَا صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا رَهَنَهُ شَيْئًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهَلْ يَصِيرُ عَارِيَّةً حَالَةَ الِانْتِفَاعِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ: يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالِانْتِفَاعِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الْعَارِيَّةِ، وَأَوْرَدَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ فِي وَقْتِ ضَمَانِهِ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِدُونِ الِانْتِفَاعِ

стр. 45

وَالثَّانِي: يَصِيرُ مَضْمُونًا بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ إذَا قَبَضَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُمْسِكًا لِلْعَيْنِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ، وَهَلْ يَزُولُ لُزُومُهُ أَمْ لَا؟ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ إعَارَةَ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ هَلْ يُزِيلُ لُزُومَ الرَّهْنِ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ طَرِيقَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُحَرَّرِ. وَالثَّانِيَة: إنْ أَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَزُلْ اللُّزُومُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُغْنِي. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِحَالٍ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافِهِ: شَرْطُ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ بَاطِلٌ وَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ. وَمِنْهَا: إذَا أَوْدَعَهُ شَيْئًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: يَصِيرُ مَضْمُونًا حَالَةَ الِانْتِفَاعِ لِمَصِيرِهِ عَارِيَّةً حِينَئِذٍ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يَضْمَنُ بِالْقَبْضِ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَمْ يُمْسِكْهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بَلْ لِمَنْفَعَتِهِ وَمَنْفَعَةِ مَالِكِهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ. وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا أَيْضًا كَالرَّهْنِ، وَفَرَّقَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا اخْتِلَافَ هَاهُنَا بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ فِي الْجَوَازِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَّةَ الِانْتِفَاعِ مُؤَقَّتَةً فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهٌ بِاللُّزُومِ مِنْ رِوَايَةِ لُزُومِ الْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ. وَمِنْهَا: إذَا أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الرَّاهِنِ ; لِأَنَّهُ مُسْتَعِيرٌ وَأَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ لَازِمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّاهِنِ وَالْمَالِكِ، لَكِنْ لِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ كَالْأَشْنَانِ، فَإِذَا انْفَكَّ زَالَ اللُّزُومُ فَيَرْجِعُ فِيهِ الْمِلْكُ، وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْحَارِثِيُّ وَقَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا فَلَا يَمْلِكُ الْمَالِكُ الْمُطَالَبَةَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَتَكُونُ الْعَارِيَّةُ هُنَا لَازِمَةً لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَحُصُولِ الضَّرَرِ بِالرُّجُوعِ كَمَا فِي الْعَارِيَّةِ كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَوَضْعِ خَشَبٍ وَشَبَهِهِمَا انْتَهَى. وَصَرَّحَ أَبُو الْخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ بِعَدَمِ لُزُومِهِ فَإِنَّ لِلْمَالِكِ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ. وَمِنْهَا: لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا ثُمَّ رَهَنَهُ عِنْدَهُ. فَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي الشَّرْحِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ وَيَسْقُطُ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً، وَعَقْدُ هَذِهِ الْأَمَانَةِ لَازِمٌ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي وُرُودِ عَقْدِ الْإِعَارَةِ عَلَى الرَّاهِنِ كَمَا سَبَقَ، وَيَتَخَرَّجُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِي تِلْكَ. وَمِنْهَا: وُرُودُ عَقْدِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَصْبِ، فَيَصِحُّ عِنْدَنَا، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَيَبْرَأُ بِهِ الْغَاصِبُ، وَكَذَا لَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ نَحْوِهَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَتِهِ وَنَحْوِهَا هَلْ يَبْرَأُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَ هُوَ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ الْمُضَارَبَةَ إذَا جَعَلَ الْمَالِكُ الْمَغْصُوبَ مَعَ الْغَاصِبِ مُضَارَبَةً صَحَّ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهِ إلَى أَنْ يَدْفَعَهُ ثَمَنًا فِيمَا يَشْتَرِي بِهِ فَيَبْرَأُ حِينَئِذٍ مِنْ الضَّمَانِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ يَبْرَأُ فِي الْحَالِ.

стр. 46

وَمِنْهَا: رَهْنُ الْمَبِيعِ الْمَضْمُونِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِهِ عَلَى ثَمَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا قِيلَ بِصِحَّتِهِ يَزُولُ بِهِ الضَّمَانُ عَلَى قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ ارْتِهَانٍ. . وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بِحَقِّك إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِالدَّيْنِ وَقَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، ثُمَّ يَصِيرُ مَضْمُونًا ; لِأَنَّ قَبْضَهُ صَارَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، بِاللَّآلِي عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ بِحَالٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ فَيَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَاتَبَ الْمُدَبَّرُ أَوْ دَبَّرَ الْمُكَاتَبُ صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُؤَدِّ الْعَبْدُ مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْئًا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَلْ يَكُونُ كَسْبُهُ لَهُ كَمَا لَوْ عَتَقَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ وَهُوَ مُكَاتَبٌ أَوْ لِلْوَرَثَةِ كَعِتْقِهِ بِالتَّدْبِيرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهَكَذَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ التَّدْبِيرِ بِالْكِتَابَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ فَيَبْطُلُ بِالْكِتَابَةِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ إذَا وَصَلَ بِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ موضوعها] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ) : فِيمَا إذَا وَصَلَ بِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا فَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ أَوْ يُجْعَلُ كِنَايَةً عَمَّا يُمْكِنُ صِحَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، يَلْتَفِتُ إلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ هَلْ هُوَ اللَّفْظُ أَوْ الْمَعْنَى، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا وَشَرَطِ عَلَيْهِ الْعِوَضَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ وَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ الْقَرْضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ إذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ رُءُوسِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَنَا شَرْطُ الْعِوَضِ فِي الْعَارِيَّةِ كَمَا يَصِحُّ شَرْطُ الْعِوَضِ فِي الْهِبَةِ ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَلَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَرَّرَ أَنَّ الْهِبَةَ الْمَشْرُوطُ فِيهَا الْعِوَضُ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَإِنَّمَا الْهِبَةُ تَارَةً تَكُونُ تَبَرُّعًا وَتَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَلَا يَخْرُجَانِ مِنْ مَوْضِعِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ، وَهَذَا مَأْخَذٌ آخَرُ لِلصِّحَّةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ وَجَعَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْمَذْهَبَ ; لِأَنَّ الْعِوَضَ يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، وَفِي التَّلْخِيصِ إذَا أَعَارَهُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُعِيرَهُ الْآخَرُ فَرَسَهُ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فَهَذَا رُجُوعٌ إلَى أَنَّهَا كِنَايَةٌ فِي عَقْدٍ آخَرَ، وَالْفَسَادُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِاشْتِرَاطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ آخَرَ وَإِمَّا لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الْمَنْفَعَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ خَرَّجَهُ الْحَارِثِيُّ وَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعَرْتُك عَبْدِي لِتُمَوِّنَهُ أَوْ دَابَّتِي لِتَعْلِفَهَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مُؤْنَةِ الْعَارِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ بِأَنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَك أَوْ لِي فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: هِيَ مُضَارَبَةٌ فَاسِدَةٌ يَسْتَحِقُّ فِيهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي لَكِنَّهُ قَالَ إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فِي

стр. 47

الصُّورَةِ الثَّانِيَة: لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَرَضِيَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمُسَاقَاةِ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّهُ إبْضَاعٌ صَحِيحٌ فَرَاعَى الْحُكْمَ دُونَ اللَّفْظِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قَرْضًا. وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَكِيلَ أَوْ الْمَوْزُونَ أَوْ النُّقُودَ أَوْ الْفُلُوسَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَسْتَأْجِرُهَا لَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْإِجَارَاتِ: يَصْلُحُ وَيَكُونُ قَرْضًا وَلَنَا وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَمِنْهَا: لَوْ أَجَّرَهُ الْأَرْضَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ الْقَاضِي هِيَ إجَارَةٌ عَلَى حَدِّ الْمُزَارَعَةِ تَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: هِيَ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فَتَصِحُّ عَلَى قَوْلِنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ حَالًا فَهَلْ يَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْعًا أَوْ لَا يَصِحُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِلَفْظِ السَّلَمِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ. وَمِنْهَا: إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ وَقُلْنَا الْحَرَامُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ فَهَلْ يَلْغُو تَفْسِيرُهُ وَيَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ طَلَاقًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لَهُ فِي دَيْن السَّلَمِ: صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى مِثْلِ الثَّمَنِ، قَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَيَكُونُ إقَالَةً، وَقَالَ هُوَ وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ نَفْسُ حَقِّهِ فَيُخَرَّجُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ الْتِفَاتًا إلَى اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ] (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالثَّلَاثُونَ) : فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ وَاخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ الْقَاضِي: فِي مَوَاضِعَ: لَا كِنَايَةَ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ لَا كِنَايَةَ فِيهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَلَا يَحِلُّ الْعُقُودُ بِالْكِنَايَاتِ غَيْرَ النِّكَاحِ وَالرِّقِّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: تَدْخُلُ الْكِنَايَاتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ سِوَى النِّكَاحِ لِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَهِيَ لَا تَقَعُ عَلَى النِّيَّةِ وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَيْضًا، وَكَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهَلْ الْمُعَاطَاةُ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَنَحْوُهُمَا الْكِنَايَاتُ وَكَذَلِكَ كِنَايَاتُ الْوَقْفِ تَنْعَقِدُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ صَرَّحَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَهَا كَثِيرٌ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَجَّرَهُ عَيْنًا بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: إنْ أَضَافَ الْبَيْعَ إلَى الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ وَالْوَجْهَانِ فِي إضَافَتِهَا إلَى الْمَنْفَعَةِ. وَمِنْهَا: الرَّجْعَةُ بِالْكِنَايَاتِ إنْ اشْتَرَطْنَا الْإِشْهَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ

стр. 48

صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُ. وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُك وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك فَجَعَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ كِنَايَةً وَلَمْ يُعْقَدْ بِهِ النِّكَاحُ حَتَّى يَقُولَ: وَتَزَوَّجْتُك. وَقَالَ الْقَاضِي وَهُوَ صَرِيحٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الصَّدَاقِ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ قَدْ يَكُونُ مَجَازًا إذَا اُشْتُهِرَ وَتَبَادَرَ فَهْمُهُ وَلَوْ مَعَ الْقَرِينَةِ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا، وَكَلَامُ أَحْمَدَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: إذَا قَالَ: أَجْعَلُ عِتْقَكِ صَدَاقَكِ، أَوْ قَالَ: صَدَاقُكِ عِتْقُك، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَنِيَّتُهُ تُصَرِّحُ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا، وَكَذَلِكَ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَا إذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ أَزَوَّجْت وَلِيَّتَك؟ قَالَ: نَعَمْ وَقَالَ: لِلْمُتَزَوِّجِ: أَقَبِلْت؟ قَالَ نَعَمْ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِهِ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَنَعَمْ هَهُنَا كِنَايَةٌ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ نَعَمْ زَوَّجْتُ وَنَعَمْ قَبِلْتُ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ إنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْإِعْلَامِ بِحُصُولِ الْإِنْشَاءِ، فَالْإِنْشَاءُ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْهَا وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ أَلْفَاظِ صَرِيحِ الْإِنْشَاءِ شَيْءٌ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ لَفْظِ النِّكَاحِ وَقَبُولِهِ. [الْقَاعِدَةُ الْأَرْبَعُونَ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَعْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَبَدُّلِ الْأَمْلَاكِ وَاخْتِلَافِهَا عَلَيْهَا نَوْعَانِ] [النَّوْع الْأَوَّل مَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِمِلْكٍ وَاحِدٍ فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ سَقَطَ الْحُكْمُ] (الْقَاعِدَةُ الْأَرْبَعُونَ) : الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَعْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَبَدُّلِ الْأَمْلَاكِ وَاخْتِلَافِهَا عَلَيْهَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِمِلْكٍ وَاحِدٍ فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ سَقَطَ الْحُكْمُ وَصُوَرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: الْإِجَارَةُ فَمَنْ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا مُدَّةً فَزَالَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ بِتَمَلُّكٍ قَهْرِيٍّ يَشْمَلُ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ ثُمَّ عَادَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ لَمْ تَعُدْ الْإِجَارَةُ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْتَأْجِرِ زَالَ عَنْ الْمَنَافِعِ وَثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ بِقِسْطِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فَتَعُودُ الْعَيْنُ بِمَنَافِعِهَا مِلْكًا لِلْمُؤَجِّرِ، أَمَّا إنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شَيْئًا فَقَدْ سَبَقَ نَظَائِرُهَا فِي قَاعِدَةِ مَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْأَصْلُ وَاسْتَقَرَّ حَقُّهُ فِي الْبَدَلِ ثُمَّ وَجَدَ الْأَصْلَ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمَنَافِعِ لِأَنَّ حَقَّهُ سَقَطَ مِنْهُ وَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهَا. وَمِنْهَا: الْإِعَارَةُ فَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا ثُمَّ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ لَمْ تَعُدْ الْإِعَارَةُ. وَمِنْهَا: الْوَصِيَّةُ تَبْطُلُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَلَا تَعُودُ بِعَوْدِهِ. [النَّوْعُ الثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِنَفْسِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَعَلُّقًا لَازِمًا] يَخْتَصُّ تَعَلُّقُهُ بِمِلْكٍ دُونَ مِلْكٍ وَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: الرَّهْنُ، فَإِذَا رَهَنَ عَيْنًا رَهْنًا لَازِمًا ثُمَّ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ثُمَّ عَادَ فَالرَّهْنُ بَاقٍ بِحَالِهِ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَازِمَةٌ لِلْعَيْنِ فَلَا تَنْفَكُّ بِتَبَدُّلِ الْأَمْلَاكِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَرْشَ لَازِمٌ لِرَقَبَةِ الْجَانِي بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالرَّهْنُ لَا يَلْزَمُ أَوْ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ صُوَرًا يَعُودُ فِيهَا الرَّهْنُ بِعَوْدِ الْمِلْكِ: مِنْهَا: لَوْ سَبَى الْكُفَّارُ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ ثُمَّ اُسْتُنْقِذَ مِنْهُمْ عَادَ رَهْنًا بِحَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

стр. 49

وَمِنْهَا: لَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ الْمُرْتَهَنُ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَإِنَّهُ يَعُودُ رَهْنًا كَمَا كَانَ. وَكَذَلِكَ يَعُودُ الرَّهْنُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَإِنْ كَانَ مِلْكُ الرَّاهِنِ بَاقِيًا عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ. وَمِنْهَا: لَوْ صَالَحَهُ مِنْ دَيْنِ الرَّهْنِ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الصُّلْحُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَزَالَ الرَّهْنُ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَعَادَ الدَّيْنُ وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ. وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ: إنْ عَادَ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ عَادَ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ نَحْوُهُ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّهُ بَطَلَ لُزُومُهُ لِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَعُدْ بِدُونِ عَقْدٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِمَسْأَلَةِ الصُّلْحِ، وَقَدْ وَافَقَا عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بَعْدَ لُزُومِهِ بِدُونِ رِضَى الْمُرْتَهِنِ. وَمِنْ صُوَرِ هَذَا النَّوْعِ: الْمُكَاتَبُ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ ثَابِتٌ فِي الرَّقَبَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ. وَمِنْهَا: الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ فَإِنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي رَقَبَتِهَا لَا يَزُولُ بِدُونِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ فَإِذَا تَعَيَّبَتْ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا أُضْحِيَّةً، فَإِذَا زَالَ الْعَيْبُ عَادَتْ أُضْحِيَّةً كَمَا كَانَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ. وَمِنْهَا: التَّدْبِيرُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا رُجُوعُ الزَّوْجِ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ زَالَ مِلْكُ الزَّوْجَةِ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ أَوْ لَمْ يَزُلْ ; لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ. وَمِنْهَا: عُرُوضُ التِّجَارَةِ إذَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ثُمَّ عَادَتْ فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِذَلِكَ كَمَا إذَا تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ ثُمَّ تَخَلَّلَ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا صِفَةُ الطَّلَاقِ، تَعُودُ بِعَوْدِ النِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي زَمَنِ الْبَيْنُونَةِ أَوْ لَمْ تُوجَدْ، عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا: صِفَةُ الْعِتْقِ تَعُودُ بِعَوْدِ مِلْكِ الرَّقِيقِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا تَعُودُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، بِأَنَّ مِلْكَ الرَّقِيقِ لَا يُبْنَى فِيهِ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُبْنَى فِيهِ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي عِدَدِ الطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَا أَثَرَ لَهُ ; إذْ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَمْ يُشْتَرَطْ لِعَدَمِ الْحِنْثِ وَوُجُودِ الصِّفَةِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ. وَمِنْهَا: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ لَا يَمْتَنِعُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الرِّضَا، وَهَاهُنَا مُخْتَلَفٌ فِي إلْحَاقِهَا بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ: فَمِنْهَا رُجُوعُ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ إذَا أَخْرَجَهُ الِابْنُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الرُّجُوعِ أَمْ لَا؟

стр. 50

وَمِنْهَا رُجُوعُ غَرِيمِ الْمُفْلِسِ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا وَكَانَ الْمُفْلِسُ قَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ، وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهَا ; لِأَنَّ حَقَّهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ الْمُتَلَقَّى عَنْهُمَا. وَالثَّانِي: غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ عَنْهُمَا فَلَا يَسْتَحِقَّانِ فِيهِ رُجُوعًا. وَالثَّالِثُ: لَهُمَا الرُّجُوعُ نَظَرًا إلَى أَنَّ حَقَّهُمَا ثَابِتٌ فِي الْعَيْنِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ. وَالرَّابِعُ: إنْ عَادَ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ سَقَطَ حَقُّهُمَا، وَإِنْ عَادَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فَلَهُمَا الرُّجُوعُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الْعَائِدَ بِالْفَسْخِ تَابِعٌ لِلْمِلْكِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ الْحَادِثِ فَيَعُودُ الْمِلْكُ كَمَا كَانَ. وَمِنْهَا: الْفِرَاشُ، فَإِذَا وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ بَاعَهَا وَوَطِئَ أُخْتَهَا بِالْمِلْكِ، ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ فَهَلْ يَعُودُ الْفِرَاشُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَعُودُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ; فَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا. وَالثَّانِي: لَهُ اسْتِدَامَةُ اسْتِفْرَاشِ الثَّانِيَة وَيَجْتَنِبُ الرَّاجِعَةَ لِزَوَالِ الْفِرَاشِ فِيهَا بِزَوَالِ الْمِلْكِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ.

стр. 51

[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالْأَرْبَعُونَ إذَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ حَقٍّ تَعَلُّقًا لَازِمًا فَأَتْلَفَهَا مَنْ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ] ُ فَهَلْ يَعُودُ الْحَقُّ إلَى الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ آخَرَ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: لَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ مُتْلِفٌ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تَكُونُ رَهْنًا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ وَفَرَّعَ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي بَيْعِ الْمُتْلَفِ يَمْلِكُ بَيْعَ الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ بِغَيْرِ إذْنٍ جَدِيدٍ وَخَالَفَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ فِي مَسْأَلَةِ إبْدَالِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ رَهْنًا إلَّا بِجُعْلِ الرَّاهِنِ. وَمِنْهَا: الْوَقْفُ إذَا أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَاشْتُرِيَ بِهَا بَدَلُهُ فَهَلْ يَصِيرُ وَقْفًا بِدُونِ إنْشَاءِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ مِنْ النَّاظِرِ حَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ مُتْلِفٌ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ أَوْ بَاعَهَا مَنْ أَوْجَبَهَا ثُمَّ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ مِثْلَهَا فَهَلْ تَصِيرُ مُتَعَيَّنَةً بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمِنْهَا: الْمُوصَى لَهُ بِعَيْنٍ إذَا أَتْلَفَهَا مُتْلِفٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ فَحَقُّهُ بَاقٍ فِي بَدَلِهَا. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ) : فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى دَيْنٍ وَعَيْنٍ فَأَمَّا الدَّيْنُ فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ بِدُونِ مُطَالَبَةِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا كَانَ آدَمِيًّا حَتَّى ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي جَوَازِ السَّفَرِ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ وَجْهَيْنِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ قَرَاخَانِيٍّ لَهُ وَقْتًا لِلْوَفَاءِ فَأَمَّا إنْ عَيَّنَ وَقْتًا كَيَوْمِ كَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَوَّزَ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلتَّوْقِيتِ إلَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِيهِ بِدُونِ مُطَالَبَةٍ، فَإِنَّ تَعَيُّنَ الْوَفَاءِ فِيهِ أَوَّلًا كَالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِلَّهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ لِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِأَدَائِهِ مِنْ اللَّهِ ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْبَارِ الْمُظَاهِرِ عَلَى الْكَفَّارَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ وَأَمَّا الْعَيْنُ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا: الْأَمَانَاتُ الَّتِي حَصَلَتْ فِي يَدِ الْمُؤْتَمَنِ بِرِضَى صَاحِبِهَا فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوِكَالَةِ مَعَ بَقَاءِ عُقُودِهَا. وَمِنْهَا: الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِهِ بِدُونِ رِضَى أَصْحَابِهَا فَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى رَدِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِمُسْتَحَقِّهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ اللُّقَطَةُ إذَا عُلِمَ صَاحِبُهَا الْوَدِيعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالرَّهْنُ

стр. 52

وَنَحْوُهَا إذَا مَاتَ الْمُؤْتَمَنُ وَانْتَقَلَتْ إلَى وَارِثِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِمْسَاكُ بِدُونِ إذْنٍ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَكَذَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ الْعِلْمِ بِصَاحِبِهِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا هَهُنَا: الْوَاجِبُ الرَّدُّ وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إمَّا الرَّدُّ أَوْ الْإِعْلَامُ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخِذِ، ثُمَّ إنَّ الثَّوْبَ هَلْ يَحْصُلُ فِي يَدِهِ بِسُقُوطِهِ فِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ إمْسَاكٍ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْصُلُ فِي يَدِهِ بِذَلِكَ وَخَالَفَ ابْنَ عَقِيلٍ وَالْخِلَافُ هُنَا مُنَزَّلٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا حَصَلَ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ هَلْ يَمْلِكُهَا بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ إذَا فَسْخَهَا الْمَالِكُ كَالْوَدِيعَةِ وَالْوِكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَسْخُ فِي حَضْرَةِ الْأَمِينِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ فَإِنَّ الْعِلْمَ هُنَا حَاصِلٌ لِلْمَالِكِ وَكَذَلِكَ جَعْلُ ضَمَانِ الزَّكَاةِ مَبْنِيًّا عَلَى حُصُولِهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْتَحِقِّ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْبَدَاءَةَ بِالدَّفْعِ وَقَاسَهَا عَلَى اللَّفْظَةِ وَنَحْوِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الدَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ عِنْدَهُ وَاجِبٌ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الرَّهْنُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِعْلُ الرَّدِّ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ كَذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِالْعُقُودِ قَبْلَ وَمُزْدَلِفَةَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِإِبْقَائِهَا فِي يَدِ الْآخَرَ فَيَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ وَقَاسَهُ عَلَى مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا، وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الثَّوْبَ لَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ لَكِنَّ مُرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ يَكْفِي فَمَتَى كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا وَلَمْ يَطْلُبْ فَلَا ضَمَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ هُوَ عِنْدَهُ وَهَذَا أَحْسَنُ. وَمِنْهَا: الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّدِّ بِكُلِّ حَالٍ وَسَوَاءٌ كَانَ حُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَالْأَوَّلُ كَالْعَوَارِيِّ يَجِبُ رَدُّهَا إذَا اسْتَوْفَى مِنْهَا الْغَرَضَ الْمُسْتَعَارَ لَهُ ; قَالَ الْأَصْحَابُ: وَهَذَا إذَا انْتَهَى قَدْرُ الِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مُتَوَجَّهٌ وَسَوَاءٌ طَالَبَ الْمَالِكُ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَضْمُونَاتِ فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمَغْصُوبِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَقْبُوضِ مَخَافَتَهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَبِيعُ الْمَضْمُونُ عَلَى بَائِعِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى تَمْيِيزِهِ وَتَمْكِينِ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ لِأَنَّ نَقْلَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، وَالثَّانِي كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَنَحْوِهِمَا، وَالثَّالِثُ كَالزَّكَاةِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الدَّفْعِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَضْمُونَاتِ عِنْدَنَا وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ إذَا حُرِّمَ وَهُوَ فِي

стр. 53

يَدِهِ أَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ فِيمَا يَضْمَنُ مِنْ الْأَعْيَانِ بِالْعَقْدِ أوباليد] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ) : فِيمَا يَضْمَنُ مِنْ الْأَعْيَانِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْيَدِ الْقَابِضُ لِمَالِ غَيْرِهِ، لَا يَخْلُو إمَّا يَقْبِضُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى إذْنٍ شَرْعِيٍّ كَاللُّقَطَةِ لَمْ يَضْمَنْ وَكَذَا إنْ اسْتَنَدَ إلَى إذْنٍ عُرْفِيٍّ كَالْمُنْقِذِ لِمَالِ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ وَحَكَى فِي التَّلْخِيصِ وَجْهًا بِضَمَانِ هَذَا وَفِيهِ بُعْدٌ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ عَبْدًا آبِقًا لِيَرُدَّهُ فَأَبِقَ مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ هُنَا إذْنٌ شَرْعِيٌّ فِي أَخْذِ الْآبِقِ لِرَدِّهِ وَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الْجُمْلَةِ هَذَا إذَا كَانَ أَصْلُ الْقَبْضِ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلَى إذْنٍ، أَمَّا إنْ وَجَدَ اسْتِدَامَةَ قَبْضٍ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فِي الِاسْتِدَامَةِ فَهَهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ عَقَدَ عَلَى مِلْكِهِ عَقْدًا لَازِمًا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِيهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمَالِكُ بَعْدُ فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ تَسْلِيمِهِ فَهُوَ غَاصِبٌ إلَّا حَيْثُ يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّسْلِيمِ كَتَسْلِيمِ الْعِوَضِ عَلَى وَجْهٍ أَوْ لِكَوْنِهِ رَهْنًا عِنْدَهُ أَوْ لِاسْتِثْنَائِهِ مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا مِنْ التَّسْلِيمِ بَلْ بَاذِلًا لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُبْهَمًا لَمْ يَتَعَيَّنْ بَعْدُ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَبِمَاذَا يَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِهِ قَالَ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابُ لَا يَزُولُ ضَمَانُهُ بِدُونِ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَهَلْ يَحْصُلَ الْقَبْضُ بِمُجَرَّدِ التَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النَّقْلِ فِيمَا يُنْقَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا النَّقْلَ امْتَدَّ الضَّمَانُ إلَيْهِ وَهَلْ يَسْقُطُ بِتَفْرِيطِ الْمُشْتَرِي فِي النَّقْلِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ وَالثَّانِي لَا يَسْقُطُ حَتَّى يُوجَدَ النَّقْلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَوَائِحِ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَفِيهِ بُعْدٌ ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَنْصُوصًا صَرِيحًا عَنْ أَحْمَدَ فِي الثَّمَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْلَ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ إذَا أَخَّرَهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ صَلَاحِهَا أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ وَفِي حُكْمِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا التَّخْلِيَةَ مَعَ التَّمْيِيزِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْقَبْضِ وَلِهَذَا يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِحُصُولِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ، وَلَعَلَّ اشْتِرَاطَ النَّقْلِ إنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ ضَمَانُ جَمِيعِ [الْأَعْيَانِ] قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ [هُنَا] إلَّا بِحَقِيقَةِ الْقَبْضِ دُونَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ التَّمْيِيزُ وَالتَّخْلِيَةُ وَهُوَ التَّسْلِيمُ فَأَمَّا النَّقْلُ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِي

стр. 54

لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيعًا لِمِلْكِ الْبَائِعِ مِنْ مَالِهِ فَيَكُونُ بِتَرْكِهِ مُفَرِّطًا فَيَنْتَقِلُ الضَّمَانُ إلَيْهِ وَيَشْهَدُ لَهُ شِرَاءُ الثَّمَرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ الثَّمَرِ إلَى أَوَانِ أَخْذِهِ وَصَلَاحِيَتِهِ لَهُ سَوَاءٌ قَطَعَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْطَعْهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَكِنْ هَلْ يُعْتَبَرُ لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْقَطْعِ أَمْ لَا؟ خَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ وَرَجَّحَ عَدَمَ اعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ اعْتِبَارُ التَّمَكُّنِ مِنْ النَّقْلِ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ فَلَا يَزَالُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَحْصُلَ تَمَكُّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ النَّقْلِ وَصَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَضْمَنُ الْأَعْيَانَ الْمُتَمَيِّزَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْ الْقَبْضِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ كَمَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَوَائِحِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَمْلُوكِ بِصُلْحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صَدَاقٍ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ عَقْدًا وَيَنْقُلُهُ إلَى يَدِ الْمَعْقُودِ لَهُ ثُمَّ يَنْتَهِي الْعَقْدُ أَوْ يَنْفَسِخُ وَهُوَ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ إذَا انْفَسَخَ بَعْدَ قَبْضِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ وَالْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ أَوْ الْعَيْنُ الَّتِي أَصْدَقَهَا الْمَرْأَةَ وَأَقْبَضَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. (وَالثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَاوَضَةٍ كَعَقْدِ الرَّهْنِ إذَا وَفَّى الدَّيْنَ وَكَعَقْدِ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْوَكَالَةِ إذَا فُسِخَ الْعَقْدُ وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهمْ فَأَمَّا عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ فَيَتَوَجَّهُ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ وُجُوهٌ: (أَحَدُهَا) أَنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَقْدِ حُكْمُ ضَمَانِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَقْدِ مَضْمُونًا لَهُ وَإِلَّا فَلَا وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْكَافِي فِي آخَرَيْنِ اعْتِبَارًا لِأَحَدِ الضَّمَانَيْنِ بِالْآخِرِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ عِوَضًا فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ وَكَانَ مُتَمَيِّزًا لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ فِي إجَارَةٍ ضَمِنَ بِكُلِّ حَالٍ. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) إنْ كَانَ انْتِهَاءُ الْعَقْدِ بِسَبَبٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ كَفَسْخِ الْمُشْتَرِي أَوْ يُشَارِكُ فِيهِ الْآخَرُ كَالْفَسْخِ مِنْهُمَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِأَنَّهُ يُسَبِّبَ إلَى جَعْلِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي يَدِهِ وَإِنْ اسْتَقَلَّ بِهِ الْآخَرُ كَفَسْخِ الْبَائِعِ وَطَلَاقِ الزَّوْجِ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِ هَذَا بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَلْقَى ثَوْبَهُ فِي دَارِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ ضَمَانُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ مَعَ الْمُؤَجِّرِ، وَوُجِّهَ أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْقَبْضِ إنَّمَا كَانَ لَازِمًا لِوُجُوبِ الدَّفْعِ لِلْمِلْكِ وَلِهَذَا يَتَمَلَّكُ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرُ أَخَذَهُ بِدُونِ إذْنِهِ فَبَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ لَا يُوجَدُ إذْنٌ سَابِقٌ وَلَا لَاحِقٌ وَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ فَإِنَّمَا أُذِنَ فِي قَبْضِ مَا مَلَكَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ إذْنًا فِي قَبْضِ مِلْكِهِ هُوَ. (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) : حُكْمُ الضَّمَانِ بَعْدَ الْفَسْخِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ فَإِنْ

стр. 55

كَانَ مَضْمُونًا فَهُوَ مَضْمُونٌ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ الْبَيْعُ بَعْدَ فَسْخِهِ مَضْمُونًا لِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِحُكْمِ [الْعَقْدِ وَلَا] يَزُولُ الضَّمَانُ بِالْفَسْخِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَمُقْتَضَى هَذَا ضَمَانُ الصَّدَاقِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي الْإِجَارَةِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً مِنْ قَبْلُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ وَالصَّدَاقَ إنَّمَا أُقْبِضَهُ لِانْتِقَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَإِنَّهُ أُقْبِضَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ فَكَانَ إذْنًا فِي قَبْضِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ لَوْ عَجَّلَ أُجْرَتَهَا ثُمَّ انْفَسَخَتْ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ فَلَهُ حَبْسُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا. (وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي الْجَمِيعِ وَيَكُونُ الْمَبِيعُ بَعْدَ فَسْخِهِ أَمَانَةً مَحْضَةً صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ لِأَنَّهُ حَصَلَ تَحْتَ يَدِهِ مِلْكُ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَيْهِ ثَوْبًا وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ. (وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) : التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَقْدُ أَوْ يُطَلِّقَ الزَّوْجُ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ فَفِي الْأَوَّلِ يَكُونُ أَمَانَةً مَحْضَةً لِأَنَّ حُكْمَ الْمَالِكِ ارْتَفَعَ وَعَادَ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ، وَفِي الْفَسْخِ يَكُونُ مَضْمُونًا لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَصِيرُ مَضْمُونًا بِغَيْرِ عَقْدٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَسَائِلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ نَقْصَهُ فِيمَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَبَعْدَهُ بِالْقِيمَةِ لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ وَيَصِيرُ مَقْبُوضًا عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ دَفَعَ [إلَى] آخَرَ دِينَارًا مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فِيهِ نَقْصٌ فَقَالَ لِلدَّافِعِ خُذْهُ وَأَعْطِنِي غَيْرَهُ فَقَالَ أَمْسِكْهُ مَعَكَ حَتَّى أُبَدِّلَهُ لَكَ فَضَاعَ الدِّينَارُ فَقَالَ مَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ شَيْئًا إنَّمَا هُوَ السَّاعَةَ مُؤْتَمَنٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْمَفْسُوخَ بِعَيْبٍ بَعْدَ فَسْخِهِ أَمَانَةٌ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا جَعَلَهُ أَمَانَةً لِأَمْرِ الْمُعْطِي بِإِمْسَاكِهِ لَهُ فَهُوَ كَإِيدَاعِهِ مِنْهُ. (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) عُقُودُ الشَّرِكَات كَالْوِكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالرَّهْنِ إذَا انْتَهَتْ أَوْ انْفَسَخَتْ وَالْهِبَةِ إذَا رَجَعَ فِيهَا الْأَبُ، أَوْ قِيلَ بِجَوَازِ فَسْخِهَا مُطْلَقًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الرَّهْنِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْإِذْنِ السَّابِقِ وَالِائْتِمَانِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْإِجَارَةِ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي

стр. 56

وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا فِي بَقِيَّةِ الْعُقُودِ الْمُسَمَّاةِ وَأَنَّهَا تَبْقَى أَمَانَةً كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا، هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعَ عِلْمِ الْمَالِكِ بِالْحَالِ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّمَكُّنُ مِنْهُ لَا حَمْلُهُ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُقُودِ الْأَمَانَاتِ الْمَحْضَةِ وَالْمُعَاوَضَاتِ أَنَّ الْمُعَاوَضَاتِ تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَبِالْقَبْضِ فَإِذَا كَانَ عَقْدُهَا مُضَمَّنًا كَانَ فَسْخُهَا كَذَلِكَ وَعُقُودُ الْأَمَانَاتِ لَا تُضْمَنْ بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ بِالْفَسْخِ. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَصِيرُ مَضْمُونًا إنْ لَمْ يُبَادِرْ إلَى الدَّفْعِ إلَى الْمَالِكِ كَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ خِلَافِهِ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْوِكَالَةِ وَكَلَامُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ يُشْعِرُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ فَإِنَّهُمَا عَلَّلَا كَوْنَ الرَّهْنِ أَمَانَةً بِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَوَثِيقَةٌ فَإِذَا زَالَتْ الْوَثِيقَةُ بَقِيَتْ الْأَمَانَةُ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا ثُمَّ نَهَاهُ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُقْتَضَاهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَبَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوِكَالَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ كُلَّهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى ائْتِمَانٍ وَتَصَرُّفٍ فَإِذَا زَالَ التَّصَرُّفُ بَقِيَ الِائْتِمَانُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ ائْتِمَانٍ مُجَرَّدٍ فَإِذَا زَالَ صَارَ ضَامِنًا وَحُكْمُ الْمَغْصُوبِ إذَا أَبْرَأ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ مِنْ ضَمَانِهَا كَمَا ذَكَرْنَا. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ تُحَصِّلُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَمَنْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ شَرِكَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ فَانْتَقَلَتْ إلَى يَدِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِمْسَاكُ بِدُونِ إعْلَامِ الْمَالِكِ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَأْتَمِنْهُ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ فِي الرَّهْنِ أَنَّهُ لَا يَقَرُّ فِي يَد الْوَصِيِّ حَتَّى يُقِرَّهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِهِ فَإِنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، وَكَمَا لَوْ تَلِفَتْ اللُّقَطَةُ قَبْلَ ظُهُورِ الْمَالِكِ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بِالضَّمَانِ كَمَا خَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَهُ فَالْمَشْهُورُ الضَّمَانُ لِتَعَدِّيهِ بِتَرْكِ الرَّدِّ مَعَ إمْكَانِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُؤْتَمَنٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُقْنِعِ وَجْهًا آخَرَ وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ وَيَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَهُ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ ثُمَّ تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ بِخِلَافِ هَذَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى بَيْتِهِ ثَوْبًا كَمَا سَبَقَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَعَ عِلْمِ الْمَالِكِ وَإِمْسَاكِهِ عَنْ الْمُطَالَبَةِ فَيَكُونُ تَقْرِيرًا، وَلَوْ دَخَلَ حَيَوَانٌ لِغَيْرِهِ أَوْ عَبْدٌ لَهُ إلَى دَارِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيَذْهَبَ كَمَا جَاءَ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

стр. 57

[فَصْلٌ مَا قُبِضَ مِنْ مَالِكِهِ بِعَقْدٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ] فَصْلٌ وَأَمَّا مَا قُبِضَ مِنْ مَالِكِهِ بِعَقْدٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) مَا قَبَضَهُ آخِذُهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ كَالْعَارِيَّةِ فَهُوَ مَضْمُونٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. قَالُوا لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالِانْتِفَاعِ وَقَبْضُ الْعَيْنِ وَقَعَ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ فَهُوَ كَقَبْضِ الْمُضْطَرِّ مَالَ غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ لِأَنَّ إذْنَ الشَّرْعِ تَعَلَّقَ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَجَاءَ الْإِذْنُ فِي الْإِتْلَافِ مِنْ بَابِ اللُّزُومِ وَلَوْ وَهَبَهُ شِقْصًا مِنْ عَيْنٍ ثُمَّ أَقْبَضَهُ الْعَيْنَ كُلَّهَا فَفِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ يَكُونُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عِنْدَهُ وَاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَقَالَ بَلْ هُوَ عَارِيَّةٌ حَيْثُ قَبَضَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بِلَا عِوَضٍ وَهَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ مَجَّانًا، أَمَّا إنْ طَلَبَ مِنْهُ أُجْرَةً فَهِيَ إجَارَةٌ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بَلْ فِي الْحِفْظِ فَوَدِيعَةٌ وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى آخِرِنَا مَوْتًا لَمْ يَعْتِقْ لِمَوْتِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَيَكُونُ فِي يَدِ الثَّانِي عَارِيَّةً فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا أَخَذَهُ لِمَصْلَحَةِ مَالِكِهِ خَاصَّةً كَالْمُودَعِ فَهُوَ أَمِينٌ مَحْضٌ لَكِنْ إذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ فَفِي ضَمَانِهِ خِلَافٌ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَبْنِيه عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَلْ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تَلَفُهَا مِنْ بَيْنِ مَالِهِ أَمَارَةٌ عَلَى تَفْرِيطِهِ فِيهَا وَقَدْ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ بِأَنَّ الْيَدَ فِي الْعَارِيَّةِ آخِذَةٌ وَفِي الْوَدِيعَةِ مُعَاطَاةٌ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ جِهَةِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَالْوَكِيلُ بِغَيْرِ جُعْلٍ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ وَعَلَيْهِ [دَيْنٌ] فَوَكَّلَهُ فِي قَبْضِ مَالٍ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ فَتَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى الْأَنْبَارِيِّ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِمَا وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا مَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ فَتَبَيَّنَ فَسَادُهُ أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمَقْبُوضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَهُوَ مَضْمُونٌ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ وَلَا بُدَّ وَنَقَلَ ابْنُ مشيش وَحَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ ابْنُ الزاغوني فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْهِبَةِ لِلثَّوَابِ إنْ أَرَادَ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا. وَقَدْ نَقَصَتْ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ النَّقْصَ وَشَبَّهَهُ بِالرَّهْنِ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا وَقَدْ رَدَّهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ ثُمَّ اخْتَارَ هُوَ

стр. 58

تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَاتِ وَمِنْ حُكْمِ الْهِبَةِ أَنْ لَا يَضْمَنَ نَقْصَهَا قَالَ وَلَازِمُ هَذَا أَنْ نَقُولَ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي أَحْسَنُ الْوُجُوهِ قَالَ وَمَعَ هَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ تَنْقُصَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَلَمَا صَحَّ تَشَبُّهُهُ بِالرَّهْنِ. وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي تَخْرِيجُهُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ بِالثَّوَابِ الْمَجْهُولِ فَاسِدَةٌ فَيَكُونُ [ذَلِكَ] مُوَافِقًا لِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَإِمَّا عَلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ إمْسَاكَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ [إلَّا] مَعَ الصِّحَّةِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا لَمْ يُضَمِّنْهُ النَّقْصَ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ لَا تُمْلَكُ بِدُونِ دَفْعِ الْعِوَضِ وَكَذَلِكَ شَبَّهَهَا بِالرَّهْنِ وَسَنَزِيدُهُ إيضَاحًا فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْمَقْبُوضُ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَحْكِي فِي ضَمَانِهِ رِوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ أَخَذَ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ أَوْ بِدُونِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ وَصُحِّحَ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَالْعِوَضِ فَهُوَ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ثُمَّ إنْ كَانَ لَمْ يُقَدِّرْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ وَإِلَّا فَهَلْ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالثَّمَنِ [الْمُقَدَّرِ] ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ أَخَذَهُ مَعَ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ فَإِنْ رَضُوهُ ابْتَاعَهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ إنْ سَاوَمَ صَاحِبَهُ بِهِ وَلَمْ يَقْطَعْ ثَمَنَهُ وَأَخَذَهُ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ سَوْمٍ وَلَا قَطْعِ ثَمَنٍ لِيُرِيَهُ أَهْلَهُ فَإِنْ رَضُوهُ وَزْنَ ثَمَنِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَجَعَلَ السَّامِرِيُّ الضَّمَانَ فِيمَا قُطِعَ ثَمَنُهُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ بِالْمُعَاطَاةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ إذَا قُلْنَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ بِذَلِكَ وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ إيمَاءٌ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَّلَ الضَّمَانَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَعَلَّلَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يُقْطَعْ ثَمَنُهُ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ بَعْدُ حَتَّى يُقْطَعُ ثَمَنُهُ فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَعَ الْقَطْعِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى الْمُشْتَرِي وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ لَا يُضْمَنُ أَيْضًا لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِيهِ لِمَالِكِهِ، وَكَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ سِلْعَتَيْنِ لِيَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ فَلَا يَضْمَنُهَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ سِلْعَةً وَاحِدَةً وَهَذَا يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ (أَحَدُهَا) مَا قَالَ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ بَيْعٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَيَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الرِّضَا فَسْخُهُ لَا عَقْدُهُ. (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ فَقَدْ فَعَلَهُ أَحْمَدُ بِنَفْسِهِ لَمَّا رَهَنَ نَعْلَهُ بِالثَّمَنِ وَيُبْعِدُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَتْلَفَ قَبْلَ الرِّضَى بِهِ أَوْ بَعْدَهُ. (وَالثَّالِثُ) : أَنْ يَكُونَ بَيْعًا بِمُعَاطَاةٍ تَرَاخَى الْقَبُولُ فِيهِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ غَلَطًا فَإِنَّهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَصْحَابُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ عَلَى

стр. 59

مَعْنَى تَعْلِيلِ أَحْمَدَ فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ كِيسًا وَقَالَ لَهُ اسْتَوْفِ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّك فَفَعَلَ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى قَبْضِ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَالْمَنْصُوصُ الصِّحَّةُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَيَكُونُ الْبَاقِي فِي يَدِهِ وَدِيعَةً وَعَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ قَدَّرَ حَقَّهُ كَالْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ وَالْبَاقِي أَمَانَةٌ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَوْ دَفَعَ إلَى غَرِيمٍ لَهُ نَقْدًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا عَلَيْهِ لِيُصَارِفَهُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ فَهِيَ أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا قُبِضَتْ مِنْ الْمَضْمُونِ لِلْمُعَاوَضَةِ وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ كَمَا قَالُوا فِي الضَّامِنِ إذَا قَبَضَ مِنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلِ الْأَدَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ عِنْدَ الْوَفَاءِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ لِقَبْضِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ وَأَوْلَى لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَا وُجِدَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَبَضَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مَالًا عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ. (النَّوْعُ الثَّانِي) مَا أُخِذَ لِمَصْلَحَتِهِمَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِعَيْنِهِ كَالرَّهْنِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ بِجُعْلٍ وَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ أَمَانَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي الرَّهْنِ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى ضَمَانِهِ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي وَأَثْبَتَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَعْيَانُ الْمُسْتَأْجَرَةُ وَالْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَمَانَةٌ كَالرَّهْنِ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْقَاقِ. [تَنْبِيهٌ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ مَا لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مِنْ الخلق وَمَا لَهُ مَالِكٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ] ٍ فَالْأَوَّلُ كَالصَّيْدِ إذَا قَبَضَهُ الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَخْلِيَتُهُ وَإِرْسَالُهُ وَسَوَاءٌ ابْتَدَأَ قَبْضَهُ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ إرْسَالِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَجَبَ ضَمَانُهُ لِلتَّفْرِيطِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ فِيمَا ابْتَدَأَ قَبْضَهُ فِي الْإِحْرَامِ دُونَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَهُ لِتَفْرِيطِهِ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَة، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي، وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ الضَّمَانَ فِيهِمَا لِأَنَّهَا عَيْنٌ مَضْمُونَةٌ فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهَا عَلَى [عَدَمِ] التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ كَالْعَوَارِيِّ وَالْغُصُوبِ. وَالثَّانِي الزَّكَاةُ إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الضَّمَانِ بِتَلَفِهَا بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ النَّامِي الْمَوْجُودِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمُعَاوَضَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْيَدِ كَالدُّيُونِ وَالثَّمَرِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ لِانْتِفَاءِ قَبْضِهِ وَكَمَالِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَ وَجْهًا بِسُقُوطِ الضَّمَانِ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ مُطْلَقًا. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ قَبُولِ قَوْلِ الْأُمَنَاءِ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة وَالْأَرْبَعُونَ) : فِي قَبُولِ قَوْلِ الْأُمَنَاءِ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ أَمَّا التَّلَفُ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ كُلِّ أَمِينٍ إذْ لَا مَعْنَى لِلْأَمَانَةِ

стр. 60

إلَّا انْتِفَاءُ الضَّمَانِ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي التَّلَفِ وَإِلَّا لَلَزِمَ الضَّمَانُ بِاحْتِمَالِ التَّلَفِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ مَعَ تَحَقُّقِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ إذَا هَلَكَتْ مَالُ الْمُودَعِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِيهَا فِي قَبُولِ [قَوْلِ] الْمُودَعِ فِي التَّلَفِ لَا فِي أَصْلِ ضَمَانِهِ وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ وَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَى عَمَلٍ [فِيهَا] حُكِيَ فِيهَا رِوَايَةٌ بِالضَّمَانِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَهَا رِوَايَةً بِثُبُوتِ الضَّمَانِ فِيهَا فَلَا تَكُونُ أَمَانَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي قَبُولِ دَعْوَى التَّلَفِ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى فَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الْأَمَانَةِ وَأَمَّا الرَّدُّ فَالْأُمَنَاءُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهِ وَحْدَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ إذَا ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الرَّدِّ بِدُونِ بَيِّنَةٍ وَخَرَّجَهَا ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى دَفْعِ الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِالْبَيِّنَةِ وَاجِبٌ فَيَكُونُ تَرْكُهُ تَفْرِيطًا فَيَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ خَرَّجَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي وَصِيِّ الْيَتِيمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِدُونِ بَيِّنَةٍ، وَعَزَاهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ إلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ ; لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِالدَّفْعِ إلَى الْيَتِيمِ مَأْمُورٌ بِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ بِاشْتِرَاطِهِ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ كَالْمُرْتَهِنِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِشِبْهِهِ بِالْمُسْتَعِيرِ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَجْهًا آخَرَ بِقَبُولِ قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَأْجَرِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِمَنْفَعَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ كَالْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ وَالْوَكِيلِ بِجُعْلٍ وَالْوَصِيُّ كَذَلِكَ فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِمْ فِي الرَّدِّ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ لِوُجُودِ الشَّائِبَتَيْنِ فِي حَقِّهِمْ. (أَحَدُهُمَا) عَدَمُ الْقَبُولِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارِبِ فِي رِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِدَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ. (وَالثَّانِي) : قَبُولُ قَوْلِهِمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِهِ أَبِي الْحُسَيْنِ وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ وَوَجَدْت ذَلِكَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي الْمُضَارِبِ أَيْضًا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى آخَرَ [أَلْفَ دِرْهَمٍ] مُضَارَبَةً فَجَاءَ بِأَلْفٍ فَقَالَ هَذَا رِبْحٌ وَقَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ أَلْفًا رَأْسَ مَالِكِ قَالَ وَهُوَ مُصَدِّقٌ فِيمَا قَالَ، وَوَجَدْت فِي مَسَائِلِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَ هَذَا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا فِي مُضَارِبٍ دَفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَحُكْمُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ حُكْمُ هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَعْمَلُ فِي عَيْنٍ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهَا لِأَنَّهُ إمَّا أَجِيرٌ أَوْ

стр. 61

شَرِيكٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَبَضَ مَالَ الْمُؤَجِّرِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حَقَّ نَفْسِهِ فَصَارَ حِفْظُهُ لِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ أَمَانَةً لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِيمَا يُنَمَّى مِنْهُ أَوْ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ فَأَمَّا مَنْ يَعْمَلُ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ عَيْنِهِ فَهُوَ كَالْوَصِيِّ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ أَيْضًا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَقْبِضْهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ بَلْ لِلْحِفْظِ عَلَى الْمَالِكِ وَحَقُّهُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِهِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ - ثُمَّ هَاهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَدَّعِيَ الْأَمِينُ أَنَّهُ رَدَّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ (وَالثَّانِي) : أَنْ يَدَّعِيَ الرَّدَّ إلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ بِإِذْنِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ (وَالثَّانِي) : لَا يُقْبَلُ فَقِيلَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ فَلَوْ صَدَّقَهُ الْأَمِينُ عَلَى الدَّفْعِ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمِينًا لِلْمَأْمُورِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَكُلٌّ مِنْ [هَذِهِ] الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَدْ نُسِبَ إلَى الْخِرَقِيِّ بَلْ وَنُسِبَ إلَيْهِ أَنَّ دَعْوَى الْوَصِيِّ الرَّدَّ إلَى الْيَتِيمِ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَمَا سَبَقَ فَرُبَمَا اطَّرَدَ هَذَا فِي دَعْوَى الرَّدِّ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَنَاءِ إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُمْ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا وَرُبَمَا اُخْتُصَّ بِالْوَصِيِّ لِأَنَّ ائْتِمَانَهُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الصَّبِيِّ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَهُ. هَذَا إذَا ادَّعَى الرَّدَّ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَإِنْ ادَّعَاهُ مَعَ عَدَمِ إذْنِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى وَلَا الْأَدَاءُ إلَى الْوَارِثِ وَالْحَاكِمِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَأْتَمِنَاهُ نَقَلَهُ فِي التَّلْخِيصِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الرَّدَّ إلَى مَنْ يَدُهُ كَيَدِ الْمَالِكِ كَوَكِيلِهِ أَوْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَى عَبْدِهِ وَخَازِنِهِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَحْفَظُ مَالَهُ لِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَيَدِهِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إلَى الْحَاكِمِ وَالْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ الْقَبُولُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَ الْمُؤْتَمَنِ وَهُوَ رَدٌّ مُبَرِّئٌ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَ غَيْرُ الْأَمِينِ - كَوَارِثِهِ - أَنَّ الْأَمِينَ رَدَّ إلَى الْمَالِكِ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْتَمَنٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ خَرَّجَ وَجْهًا بِالْقَبُولِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ حُصُولِهَا فِي يَدِهِ وَجَعَلَ أَصْلَ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا مَاتَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ بَقَاؤُهَا عِنْدَهُ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّخْرِيجِ إذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُنْتَفٍ سَوَاءٌ ادَّعَى الْوَارِثُ الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ مَنْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأُمَنَاءِ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْهُ بِالتَّلَفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّدِّ كَوَارِثِ الْمُودَعِ وَنَحْوِهِ وَالْمُلْتَقِطِ بَعْدَ ظُهُورِ الْمَالِكِ وَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا إذَا

стр. 62

ادَّعُوا الرَّدَّ إلَى الْمَالِكِ، فَفِي التَّلْخِيصِ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَأْتَمِنْهُ وَيَتَوَجَّهُ قَبُولُ دَعْوَاهُ فِي حَالَةٍ لَا يَضْمَنُ فِيهَا بِالتَّلَفِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ شَرْعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. [تَنْبِيهٌ عَامِلُ الصَّدَقَةِ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِي دَفْعِهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ] َ وَلَوْ كَذَّبُوهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِجُعْلٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عِبَادَةٌ فَلَا اسْتِحْلَافَ فِيهَا وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحْلَفُ أَرْبَابُهَا إذَا ادَّعُوا الدَّفْعَ إلَى الْعَامِلِ وَأَنْكَرَ فَكَذَلِكَ الْعَامِلُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لِأَرْبَابِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ فِي الرَّدِّ وَأَمَّا عَامِلُ الْخَرَاجِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ تَصْدِيقٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْخَرَاجَ دَيْنٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُسْتَوْفِيهِ فِي دَفْعِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُنْتَقَضٌ بِالْوَكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُ حُكْمِ عَامِلِ الْخَرَاجِ عَلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي عَامِلِ الْوَقْفِ وَنَاظِرِهِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ عُقُودُ الْأَمَانَاتِ هَلْ تَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ التَّعَدِّي فِيهَا أَمْ لَا] (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَة وَالْأَرْبَعُونَ) : عُقُودُ الْأَمَانَاتِ هَلْ تَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ التَّعَدِّي فِيهَا أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَمَانَةَ الْمَحْضَةَ تَبْطُلُ بِالتَّعَدِّي وَالْأَمَانَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا تَبْطُلُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ بَطَلَتْ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِمْسَاكُ وَوَجَبَ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مَحْضَةٌ وَقَدْ زَالَتْ بِالتَّعَدِّي فَلَا تَعُودُ بِدُونِ عَقْدٍ مُتَجَدِّدٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَوْ كَانَتْ عَيْنَيْنِ فَتَعَدَّى فِي إحْدَاهُمَا فَهَلْ يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُمَا أَوْ لِمَا وُجِدَ فِيهِ التَّعَدِّي خَاصَّةً فِيهِ تَرَدُّدٌ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَذَكَره ابْنُ الزاغوني أَنَّهُ إذَا زَالَ التَّعَدِّي وَعَادَ إلَى الْحِفْظِ لَمْ تَبْطُلْ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَالِكَ أَسْنَدَ إلَيْهِ الْحِفْظَ لِرِضَاهُ بِأَمَانَتِهِ فَمَتَى وُجِدَتْ الْأَمَانَةُ فَالْإِسْنَادُ مَوْجُودٌ لِوُجُودِ عِلَّتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيقِ فَقَالَ كُلَّمَا خُنْتَ ثُمَّ عُدْتَ فَأَنْتَ أَمِينٌ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِيدَاعِ عَلَى الشَّرْطِ كَالْوِكَالَةِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي. وَمِنْهَا: الْوَكِيلُ إذَا تَعَدَّى فَالْمَشْهُورُ أَنَّ وِكَالَتَهُ لَا تَنْفَسِخُ بَلْ تَزُولُ أَمَانَتُهُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ صَحَّ وَضَمِنَ النَّقْصَ لِأَنَّ الْوِكَالَةَ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُلْ الْآخَرُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى هَذَا فَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا [وَقَعَ] فِيهِ التَّعَدِّي خَاصَّةً حَتَّى لَوْ بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي عَيْنِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْ عَيْنِ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّعَدِّي بِحَالٍ إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الزاغوني فِي الْوَدِيعَةِ

стр. 63

وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنْ الْوَكِيلِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْوِكَالَةِ لَا بُطْلَانَهَا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَجْهًا آخَرَ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّ الْوِكَالَةَ تَبْطُلُ كَالْوَدِيعَةِ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ وَالْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ كَانَ مَنُوطًا بِهِ. وَمِنْهَا: الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ إذَا تَعَدَّى فِيهِمَا كَالنَّهَالِيِّ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ فِيهِ وَيَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ تَصَرُّفِهِ مِنْ الْوِكَالَةِ وَمِنْهَا: الرَّهْنُ إذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فِيهِ زَالَ ائْتِمَانُهُ وَبَقِيَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْثِقَته وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ احْتِمَالًا بِبُطْلَانِ الرَّهْنِ وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ وَحَقٌّ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدٍ وَقُلْنَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَإِنَّ الرَّاهِنَ يُجْبَرُ عَلَى تَقْبِيضِهِ فَكَيْفَ يَزُولُ بِالتَّعَدِّي. وَمِنْهَا: إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِحِفْظِ شَيْءٍ مُدَّةً فَحَفِظَهُ فِي بَعْضِهَا ثُمَّ تَرَكَ فَهَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: أَصَحُّهُمَا لَا تَبْطُلُ ; بَلْ يَزُولُ الِاسْتِئْمَانُ وَيَصِيرُ ضَامِنًا. وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا مَعْلُومًا فَجَاءَ إلَيْهِ فِي نِصْفِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارَ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِيمَنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ. وَمِنْهَا: الْوَصِيُّ إذَا تَعَدَّى فِي التَّصَرُّفِ فَهَلْ يَبْطُلُ كَوْنُهُ وَصِيًّا أَمْ لَا؟ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ [فِيهِ] احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَبْطُلُ بَلْ تَزُولُ أَمَانَتُهُ سَبْتِيَّةٌ ضَامِنًا كَالْوَكِيلِ وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حَيِّزِ الْأَمَانَةِ بِالتَّفْرِيطِ فَزَالَتْ وِلَايَتُهُ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا كَالْحَاكِمِ إذَا فَسَقَ. وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا أَقْدَمَ عَلَى الْبَيْعِ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ بَيْعُ الْعَدْلِ الَّذِي بِيَدِهِ الرَّهْنُ لَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا لِأَنَّ الْأَمَانَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ، وَاخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُغْنِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ لَكِنَّهُ عَلَّلَ بِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِالْوَكِيلِ. وَلِهَذَا أَلْحَقَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ بِبَيْعِ الْوَكِيل فَصَحَّحَاهُ وَضَمَّنَاهُ النَّقْصَ وَمِثْلُهُ إجَارَةُ النَّاظِرِ لِلْوَقْفِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ هَلْ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ أَوْ لَا] (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَة وَالْأَرْبَعُونَ) : فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ هَلْ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ أَوْ لَا؟ وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوِكَالَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّ إفْسَادَهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْإِذْنِ لَكِنَّ أَحَدِيَّةٌ تَزُولُ بِفَسَادِهَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ إلَّا مُقَيَّدَةً بِالْفَسَادِ. وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَصْلِهَا أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَنِثَ قَالَ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْمَنْعُ مِنْ

стр. 64

التَّصَرُّفِ مَعَ الْقَوْلِ بِنُفُوذِهِ وَبَقَاءِ الْإِذْنِ مُشْكِلٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَالْإِحْرَامِ فَهُوَ مُنْعَقِدٌ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ إلَّا بِإِتْمَامِهِ أَوْ الْإِحْصَارِ عَنْهُ، وَمَا كَانَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ وَالنُّفُوذِ فَهُوَ مُنْعَقِدٌ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالْكِتَابَةُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فَلِقُوَّتِهِمَا وَنُفُوذِهِمَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ الْمُخْتَصُّ بِهِمَا وَنَفَذَ فِيهِ وَتَبَعَهُمَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ فَفِي النِّكَاحِ يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى وَجْهٍ وَيَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ وَتَعْتَدُّ فِيهِ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ لَا مِنْ حِينِ الْوَطْءِ وَتَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ فِيهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَفِي الْكِتَابَةِ تَسْتَتْبِعُ الْأَوْلَادُ وَالْأَكْسَابُ. وَالثَّانِي: مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْغَصْبِ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ النِّكَاحِ وَاعْتَرَضَهُ أَحْمَدُ الْحَرْبِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ مُنْعَقِدٌ فَلِهَذَا صَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَلَكِنْ أَبُو الْخَطَّابِ قَدْ لَا يُسَلِّمُ انْعِقَادَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَا غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُجَامِعَ يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إنَّمَا يَقَعُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ فَمِنْ هُنَا حَسُنَ عِنْدَهُ هَذَا التَّخْرِيجُ إذْ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ فِي هَذَا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ وَأَبْدَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ احْتِمَالًا بِنُفُوذِ الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قَالَ وَيُفِيدُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ لَا يُؤَثِّرُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ نَفْسِهِ فَنَفَذَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْبَائِعُ وَهَذَا كُلُّهُ يُشْعِرُ بِانْعِقَادِ الْبَيْعِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ احْتِمَالَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ هَلْ يَنْفُذُ عِتْقُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْآمِرِ لَهُ وَلَكِنَّ هَذَا عَقْدٌ مَوْضُوعٌ لِلْعِتْقِ وَالْمِلْكُ تَابِعٌ [لَهُ] فَهُوَ كَالْكِتَابَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ إنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِذْنِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إذَا فَسَدَتْ، قِيلَ: ذَلِكَ لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِنَقْلِ الْمِلْكِ لَا لِلْإِذْنِ وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ تُسْتَفَادُ مِنْ الْمِلْكِ لَا مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْوِكَالَةِ فَإِنَّهَا كَصَادْ لِلْإِذْنِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ وَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ وَالْبَائِعُ إنَّمَا أَذِنَ لِلْمُشْتَرِي فِي التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ بِالْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ هَهُنَا. (وَالثَّانِي) : أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ عِوَضِهِ فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ الْعِوَضُ انْتَفَى الْإِذْنُ وَالْوِكَالَةُ إذْنٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ.

стр. 65

[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي ضَمَانِ الْمَقْبُوضِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ] ِ، كُلُّ عَقْدٍ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي فَاسِدِهِ وَكُلُّ عَقْدٍ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِي فَاسِدِهِ. وَنَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ إذَا كَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فَالْفَاسِدُ كَذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحِيحُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ فَالْفَاسِدُ كَذَلِكَ، فَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالنِّكَاحُ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ مَعَ الصِّحَّةِ فَكَذَلِكَ مَعَ الْفَسَادِ. وَالْأَمَانَاتُ كَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ الْوَدِيعَةِ وَعُقُودُ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فِيهَا مَعَ الصِّحَّةِ. فَكَذَلِكَ مَعَ الْفَسَادِ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ، فَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ وَقُلْنَا لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ ضَمِنَهُ الْقَابِضُ فَلَيْسَ مِنْ الْقَبْضِ الْفَاسِدِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ مُرَاعًى فَإِنْ بَقِيَ النِّصَابُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَبَضَ زَكَاةً، وَإِنْ تَلِفَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَكَاةً فَيَرْجِعُ بِهَا. نَعَمْ إذَا ظَهَرَ قَابِضُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِكَوْنِ الْقَبْضِ لَمْ يُمْلَكْ بِهِ وَهُوَ مُفَرِّطٌ بِقَبْضِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْضُهُ فَهَذَا مِنْ الْقَبْضِ الْبَاطِلِ لَا الْفَاسِدِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ حَالٍ ضَمِنَ فِيهَا فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَضَمِنَ فِي مِثْلِهَا مِنْ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ لَا يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ بِالثَّمَنِ. الْمَقْبُوضُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ ضَمَانُ الْأُجْرَةِ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالْإِجَارَةُ الصَّحِيحَةُ تَجِبُ [فِيهَا] الْأُجْرَةُ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ انْتَفَعَ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ، وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَة: لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ إلَّا بِالِانْتِفَاعِ، وَلَعَلَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَنَحْوِهِ إلَّا بِالِانْتِفَاعِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي ضَمَانِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ هَهُنَا، وَلَكِنْ نَقَلَ [جَمَاعَةٌ] عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ الصَّحِيحَةَ لَا تَجِبُ فِيهَا الْأُجْرَةُ إلَّا بِقَدْرِ الِانْتِفَاعِ إذَا تَرَكَ الْمُسْتَأْجِرُ بَقِيَّةَ الِانْتِفَاعِ بِعُذْرٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَقَرَّهَا صَاحِبُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ بِدُونِ الْوَطْءِ. وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْبُضْعَ هَلْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ أَمْ لَا. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ نِكَاحًا فَاسِدًا أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ فَتَكُونُ زَانِيَةً. وَنَقَلَ ابْنُ مشيش وَحَرْبٌ عَنْهُ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَقْبُوضَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ ثَمَنٍ لَا يُضْمَنُ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِهِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَهَلْ يَضْمَنُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ بِمَا سَمَّى فِيهِ أَوْ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا: الْمَبِيعُ وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ ضَمَانُهُ بِالْقِيمَةِ لَا بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى [فِيهِ] نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ

стр. 66

ابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي طَالِبٍ لِأَنَّ الْمُسَمَّى إنَّمَا وَقَعَ الرِّضَى بِهِ فِي ضَمَانِ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ. وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ الضَّمَانُ بِأَمْرٍ آخَرَ طَارِئٍ عَلَى الْعَقْدِ وَهُوَ التَّلَفُ تَحْتَ يَدِهِ فَيَجِبُ ضَمَانُهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ عِنْدَ إقْبَاضِهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يُلْغَى الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ كَذَلِكَ هَهُنَا، وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ فِي الْكِتَابَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُضْمَنُ بِالْمُسَمَّى وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ إنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ آخِذًا لَهُ مِنْ النِّكَاحِ قَالَ لِأَنَّ إقْبَاضَهُ إيَّاهُ إذْنٌ لَهُ فِي إتْلَافِهِ بِالْعِوَضِ الْمُسَمَّى فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ أَتْلِفْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ [عَلَيْهِ] غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُسَمَّى إنَّمَا جُعِلَ عِوَضًا عَنْ الْمِلْكِ لَا عَنْ الْإِتْلَافِ وَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْعَقْدُ إذْنًا فِي الْإِتْلَافِ إنَّمَا تَضَمَّنَ نَقْلَ مِلْكٍ بِعِوَضٍ وَلَمْ يُوجَدْ نَقْلُ الْمِلْكِ فَلَا يَثْبُتُ الْعِوَضُ وَإِنَّمَا وَجَبَ الضَّمَانُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ. وَمِنْهَا: الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ ضَمَانُهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَيْضًا وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ تُضْمَنُ بِالْمُسَمَّى فَإِذَا أَدَّى مَا سَمَّى فِيهَا حَصَلَ الْعِتْقُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ قِيمَتِهِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ الْمُتَأَخِّرُونَ زَعَمُوا أَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فَسَادُهَا وَلَا تَحْرِيمُهَا كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ أَعْطَيْتَنِي خَمْرًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ عَتَقَ لِوُجُودِ الصِّفَةِ وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَعِنْدَهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَبَدًا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ عِنْدَهُ بِأَدَاءِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ بِعِوَضٍ مُحَرَّمٍ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ. وَمِنْهَا: النِّكَاحُ الْفَاسِدُ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ فِيهِ وُجُوبُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَحْمَدَ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ بِأَنَّ النِّكَاحَ مَعَ فَسَادِهِ مُنْعَقِدٌ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالِاعْتِدَادِ مِنْهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ فِيهِ بِالْعَقْدِ وَتَقَرُّرِهِ بِالْخَلْوَةِ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِيهِ كَالصَّحِيحِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ضَمَانُ عَقْدٍ كَضَمَانِهِ فِي الصَّحِيحِ وَضَمَانُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ضَمَانُ تَلَفٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ عَقْدٍ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَخْذًا مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ عَنْهُ فِي عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَدَخَلَ بِهَا فَقَدْ جَعَلَ لَهَا عُثْمَانُ الْخَمْسِينَ، وَأَنَا أَذْهَب إلَى أَنْ يُعْطِي شَيْئًا فَلَمْ يُوجِبْ الْمُسَمَّى وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﵊ فِيمَنْ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا [إنَّ] لَهَا الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ بِالِاسْتِحْلَالِ وَهُوَ الْإِصَابَةُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا

стр. 67

وَجَبَ بِالْوَطْءِ وَالْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الِاسْتِحْلَالَ يَحْصُلَ بِمُحَاوِلَةِ الْحِلِّ وَتَحْصِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْوَطْءُ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى اسْتِحْلَالِ مَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ مِثْلُهُ وَهُوَ الْخَلْوَةُ أَوْ الْمُبَاشَرَةُ وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ عِنْدَنَا لِلْمَهْرِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُلَاعِنِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَحْمُولًا عِنْدَنَا إلَّا عَلَى [مِثْلِ] مَا ذَكَرْنَا لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، فَأَمَّا عُقُودُ الْمُشَارَكَاتِ إذَا فَسَدَتْ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَهَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى فِيهَا أَوْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي ضَمَانِ الْقَابِضِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَهَذِهِ الْعُقُودُ لَا ضَمَانَ فِيهَا عَلَى الْقَابِضِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ فِيهَا الْعِوَضُ بِعَمَلِهِ أَمَّا الْمُسَمَّى وَأَمَّا أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ كُلّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِعِوَضٍ مَلَكَ عَلَيْهِ عِوَضَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ] (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ) : كُلُّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِعِوَضٍ مَلَكَ عَلَيْهِ عِوَضَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَالْإِجَارَةِ فَيَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ وَالْمُؤَجِّرُ الْأُجْرَةَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَيَمْلِكُ الزَّوْجُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ بِالْعَقْدِ وَتَمْلِكُ الْمَرْأَةُ بِهِ الصَّدَاقَ كُلَّهُ وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ تُمَلِّكُ الْعَبْدَ مَنَافِعَهُ وَاكْتِسَابَهُ وَتُمَلِّكُ عَلَيْهِ النُّجُومَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ، وَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ الْقَهْرِيَّةُ كَأَخْذِ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ وَأَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا تَسْلِيمُ الْعِوَضَيْنِ فَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا مُؤَجَّلًا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْمُطَالَبَةَ بِتَسْلِيمِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَا حَالَّيْنِ فَفِي الْبَيْعِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إقْبَاضِ الْبَائِعِ أَوَّلًا لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ فَقُدِّمَ عَلَى الْحَقِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ عَلَى الثَّمَنِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي يَدِهِ أَمَانَةً فَوَجَبَ رَدُّهُ بِالْمُطَالَبَةِ كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، اخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ إقْبَاضِهِ حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ بِدُونِ الثَّمَنِ ضَرَرًا بِفَوَاتِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ تَسْلِيمُهُ حَتَّى يُحْضِرَهُ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّاب فِي انْتِصَارِهِ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ حَتَّى يَتَسَلَّمَ الثَّمَنَ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَهُمَا سَوَاءٌ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْبَدَاءَةَ بِالتَّسْلِيمِ بَلْ يَنْصَبُّ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُمَا ثُمَّ يُقَبِّضُهُمَا فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ خِيَارٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الْمُطَالَبَةَ بِالنَّقْدِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْإِجَارَاتِ مِنْ خِلَافِهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِدُونِ إذْنٍ صَرِيحٍ مِنْ الْبَائِعِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الشَّالَنْجِيِّ وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَجِبُ دَفْعُ الثَّمَنِ إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَمَتَى تُسَلَّمُ الْعَيْنُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ

стр. 68

الِانْتِفَاعِ بِقَبْضِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: إنَّ الْأَجِيرَ يَجِبُ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إلَيْهِ إذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فَهُوَ كَتَسْلِيمِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَلَعَلَّهُ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالْأَجِيرِ الْخَاصِّ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ تَتْلَفُ تَحْتَ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِتَسْلِيمِ الْعَقَارِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ عِنْدَ إيفَاءِ الْعَمَلِ وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَلَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ تَمَامِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ لِلْعَمَلِ مُدَّةً يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ كُلِّ يَوْمٍ فِي آخِرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعُرْفِ، وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَاسْتِئْجَارِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي آخَرِ كُلِّ يَوْمٍ فَيَجِبُ لَهُ الْأُجْرَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَلْزُومٍ بِالْعَمَلِ فِيمَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَنْتَهِي فَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ إعْطَائِهِ إلَى تَمَامِهَا أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ إذَا عَيَّنَّا لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا قِسْطًا مِنْ الْأُجْرَةِ فَهِيَ إجَارَاتٌ مُتَعَدِّدَةُ وَأَمَّا النِّكَاحُ فَتَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ فِيهِ الْمَهْرَ بِالْعَقْدِ وَلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى تَقْبِضَهُ فِي الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقًا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنْ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا تَتْلَفُ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَهْرِ عَلَيْهَا لَمْ يُمْكِنْهُمَا اسْتِرْجَاعُ عِوَضِهَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَلِذَلِكَ مَلَكَتْ الِامْتِنَاعَ مِنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى تَقْبِضَهُ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيمَا لَا يَتَبَاقَى مِنْ الْمَبِيعِ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْفَوَاكِهِ وَالرَّيَاحِينِ ; بَلْ فِي سِلَعِ التِّجَارَةِ أَيْضًا وَهَذَا مِمَّا يُرَجِّحُ مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَأَيْضًا فَطَرْدُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ يَجُوزَ الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ حَتَّى تُسْتَوْفَى الْأُجْرَةُ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَتْلَفُ أَيْضًا وَيُسْتَهْلَكُ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِرْدَادُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُصُول إلَى الْأُجْرَةِ لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا تَسَلَّمَ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي فِي الْحَالِ مَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَخَذَ الْمَهْرِ مِنْهُ فَاتَ عَلَى الزَّوْجَةِ الْمَهْرُ وَمَا قَالَهُ، وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ فَإِذَا تَسَلَّمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ فَلِلْمُؤَجِّرِ الْمُطَالَبَةُ حِينَئِذٍ بِالْأُجْرَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ حُصُولُهَا مَلَكَ الْفَسْخَ فَيَرْجِعُ إلَى الْمُؤَجِّرِ مَا خَرَجَ عَنْهُ أَوْ غَالِبُهُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَيْضًا وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي خِلَافَهُ وَخَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ مِمَّا حَكَى الْآمِدِيُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْبَدَاءَةَ بِتَسْلِيمِ الْمَهْرِ بَلْ يَعْدِلُ كَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْمَهْرِ إلَّا عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَسَلُّمِ الْعِوَضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ الصَّغِيرَةَ تَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ لَهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ النِّصْفَ يُسْتَحَقُّ بِإِزَاءِ الْحَبْسِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْعَقْدِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بِإِزَاءِ الدُّخُولِ فَلَا تَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِالتَّمَكُّنِ أَمَّا لَوْ اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ بِالدُّخُولِ ثُمَّ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا أَوْ سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً الْمُطَالَبَةُ بِالْمَهْرِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ اسْتَقَرَّ بِالتَّمَكُّنِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ

стр. 69

[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة وَالْأَرْبَعُونَ الْقَبْضُ فِي الْعُقُودِ] ِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ كَالْبَيْعِ اللَّازِمِ وَالرَّهْنِ اللَّازِمِ وَالْهِبَةِ اللَّازِمَةِ وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ فَهَذِهِ الْعُقُودُ تَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَإِنَّمَا الْقَبْضُ فِيهَا مِنْ مُوجَبَاتِ عُقُودِهَا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ فِي السَّلَمِ وَالرِّبَوِيَّاتِ وَفِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ عَلَى رِوَايَةٍ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ وَفِي بَيْعِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، فَأَمَّا السَّلَمُ فَمَتَى تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ بَطَلَ وَكَذَلِكَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، وَأَمَّا الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ أَوْ فِي الْمُبْهَمِ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَفِي لُزُومِهِ بِدُونِ إخْرَاجِ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَهَلْ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ فِي الْمُبْهَمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ فِيهِ بِدُونِ قَبْضٍ، وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِدُونِ الْقَبْضِ مُطْلَقًا كَالْهِبَةِ، وَكَذَلِكَ حَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ فِي رَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ لِلْوَقْفِ هَلْ يَبْطُلُ بِرَدِّهِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لَا يَلْزَمُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَأَمَّا الْمَبِيعُ الْمُبْهَمُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ بِدُونِ الْقَبْضِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [أَنَّهُ] لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ [وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُشْتَرِي وَلَعَلَّهُ جَعَلَهُ غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ جِهَةِ الْبَائِع] لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ بَعْدُ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّهُ لَازِمٌ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا وَقَالَ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَصْحَابِ يَجْعَلُ الْقَبْضَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ مُعْتَبَرًا لِلُزُومِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا لَا لِانْعِقَادِهَا وَإِنْشَائِهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ الْقَبْضَ فِيهَا شَرْطًا لِلصِّحَّةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيهِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالْهِبَةِ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَفُرِّعَ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَالْعَبْدُ مَوْهُوبٌ لَمْ يَقْبِضْ ثُمَّ قَبَضَ وَقُلْنَا يُعْتَبَرُ فِي هِبَتِهِ الْقَبْضُ فَفُطْرَتُهُ عَلَى الْوَاهِبِ. وَكَذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ لَمْ يَذْكُرْ فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِلُزُومِهِ، وَصَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَأَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِزَوَالِهِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا الْقَرْضُ وَالصَّدَقَةُ وَالزَّكَاةُ وَغَيْرُهَا فَفِيهَا طَرِيقَانِ إحْدَاهُمَا لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُجَرَّدِ

стр. 70

وَالْمُبْهِجِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ. وَالثَّانِيَة: أَنَّهُ فِي الْمُبْهَمِ لَا يُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ فِيهِ بِالْعَقْدِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَالْحَلْوَانِيِّ وَابْنِهِ إلَّا أَنَّهُمَا حَكَيَا فِي الْمُعَيَّنِ رِوَايَتَيْنِ كَالْهِبَةِ، وَأَمَّا السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ إذَا عَيَّنَّهُ الْإِمَامُ بِغَيْرِ خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ إنْ قِيلَ إنَّهَا هِبَةُ مَنْفَعَةٍ وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهَا تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ وَتَلْزَمُ إذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً وَإِنْ قِيلَ هِيَ إبَاحَةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِيهَا بِحَالٍ بَلْ يُسْتَوْفَى عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ كَطَعَامِ الضَّيْفِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ: إذَا لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فَلَا عَقْدَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بَطَلَ الْعَقْدُ فَكَمَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُخَاطَبُ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَهَذَا بُطْلَانُ مَا لَمْ يَتِمَّ لَا بُطْلَانُ مَا تَمَّ انْتَهَى. وَلَا يُسْتَبْعَدُ تَوَقُّفُ انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَمَا يَتَوَقَّفُ انْعِقَادُ النِّكَاحِ مَعَهُمَا عَلَى الشَّهَادَةِ. وَفِي الْهِبَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ حُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَقَعُ مُرَاعًى فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَبُولِهِ وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ، وَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ الْفِطْرَةِ وَقَدْ يَطَّرِدُ قَوْلُهُ بِالْوَقْفِ وَالْمُرَاعَاةِ إلَى بَقِيَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ. وَأَمَّا الْبَيْعُ الَّذِي يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَبْضُ فَفِي كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ الْقَبْضِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا اشْتَرَاهُ كَيْلًا فَلَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا كَيْلًا وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَ: لِأَنَّ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مشيش أَلَيْسَ قَدْ مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ هُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ يَعْنِي إذَا تَلِفَ، قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ أَمَّا مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ فَلَا بُدَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يُوَفِّيَهُ الْمُبْتَاعَ لِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ فِيهِ قَائِمٌ حَتَّى يُوفِيَهُ الْمُشْتَرِي وَمَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَهُوَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي فَمَا لَزِمَهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا فِي طَعَامٍ اُشْتُرِيَ بِالصِّفَةِ وَلَا يُحَوِّلُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَالْبَائِعُ مَالِكٌ بَعْدُ مَا لَمْ يَكِلْهُ الْمُشْتَرِي وَهَذَا صَرِيحٌ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ، فَيَكُونُ إذَا عَنْ أَحْمَدَ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِدُونِ الْقَبْضِ رِوَايَتَانِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ هَلْ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِي الْعُقُودِ القهرية عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ] (الْقَاعِدَةُ الْخَمْسُونَ) : هَلْ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِي الْعُقُودِ الْقَهْرِيَّةِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ أَوْ يَقَعُ بِدُونِهِ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ هَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّمَلُّكُ الِاضْطِرَارِيُّ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ وَمَنَعَهُ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَضْمُونًا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ ثَمَنٌ يَدْفَعُهُ فِي الْحَالِ أَوْ لَا لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ

стр. 71

وَالثَّانِي: مَا عَدَّدَهُ مِنْ التَّمْلِيكَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لِإِزَالَةِ ضَرَرٍ مَا كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَأَخْذِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالزَّرْعِ وَمِنْ الْغَاصِبِ وَتَقْوِيمِ الشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا قِيلَ إنَّهُ تَمَلُّكٌ يَقِفُ عَلَى التَّقْوِيمِ، وَكَالْفُسُوخِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْبَائِعُ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِنَّ لِأَصْحَابِنَا فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ بِدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْضِرْ الْمَالَ مُدَّةً طَوِيلَةً بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ. وَالثَّانِي: تَمْلِكُ بِدُونِهِ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي فَسْخِ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَا يُنَفَّذُ بِدُونِ رَدِّ الثَّمَنِ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ يَقُولُونَ إذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فَمَتَى قَالَ اخْتَرْتُ دَارِي أَوْ أَرْضِي فَالْخِيَارُ لَهُ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ. قَالَ: [كَيْفَ] لَهُ الْخِيَارُ وَلَمْ يُعْطِهِ مَالَهُ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ إنْ أَعْطَاهُ فَلَهُ الْخِيَارُ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُتَخَرَّجُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ عَلَى انْتِزَاعِ الْأَمْوَالِ قَهْرًا إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَفَعَ الْعِوَضَ وَإِلَّا حَصَلَ بِهِ ضَرُورَةُ فَسَادٍ وَأَصْلُ الِانْتِزَاعِ الْقَهْرِيِّ إنَّمَا شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ أَبِي طَالِبٍ وَبَقِيَّةِ الْمَسَائِل بِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ فَسَخَ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهَا التَّمَلُّكُ وَيُعَوَّضُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ جَائِزٌ كَالْقَرْضِ وَغَيْرِهِ. [تَنْبِيه الْأَمْلَاكُ القهرية تُخَالِفُ الِاخْتِيَارِيَّةَ] َ مِنْ جِهَةِ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا وَتَمَلُّكِ مَا لَا يُتَمَلَّكُ بِهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَحْصُلُ التَّمَلُّكُ الْقَهْرِيُّ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ الْأَجْنَبِيِّ، بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيِّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَالتَّمَلُّكُ الْقَهْرِيُّ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَنْفَعَتُهُ كَالْبَيْعِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْمِيرَاثِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فِيهِ تَرَدُّدٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ دَفْعِ الثَّمَنِ لِلتَّمَلُّكِ الْقَهْرِيِّ، وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الشَّخْصِ الْمَشْفُوعِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِدُونِهِ وَيُنَفَّذُ تَصَرُّفُ الشَّفِيعِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُخَرَّجُ التَّرَدُّدُ فِي الْجَمِيعِ نَظَرًا إلَى الْجِهَتَيْنِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَيَمْلِكُ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِالْإِرْثِ وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَبِاسْتِيلَادِ الْمُسْلِمِ أَمَتَهُ وَبِالْقَهْرِ، وَكَذَلِكَ تُمْلَكُ الْمَصَاحِفُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَهَلْ يَمْلِكُ أُمَّ وَلَدِ الْمُسْلِمِ بِالْقَهْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَتُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ الْخَمْرُ وَالْكَلْبُ وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَتَمَلَّكُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالِاخْتِيَارِ.

стр. 72

[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَة وَالْخَمْسُونَ فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ لِدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ مَالِكِهِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ] ُ لَهُ الْمِلْكُ يَقَعُ تَارَةً بِعَقْدٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ وَالْعُقُودُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ فَيَنْتَقِلُ الضَّمَانُ فِيهَا إلَى مَنْ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ التَّامِّ وَالْحِيَازَةِ إذَا تَمَيَّزَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ وَتَعَيَّنَ فَأَمَّا الْمَبِيعُ الْمُبْهَمُ غَيْرُ الْمُتَعَيَّنِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهَا بِدُونِ الْقَبْضِ، وَهَلْ يَكْفِي كَيْلُهُ وَتَمْيِيزُهُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ؟ حَكَى الْأَصْحَابُ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ثُمَّ لَهُمْ طَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَلْ التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمَبِيعَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ؟ حَكَى الْأَصْحَابُ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْمَبِيعِ الْمُتَعَيَّنِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِيمَا لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ إذَا عُيِّنَ وَخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رِوَايَتَيْنِ وَكِلَا الطَّرِيقَيْنِ مَسْلَكُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَلَهُ فِي طَرِيقَةٍ ثَالِثَةٍ سَلَكَهَا فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ الْكَيْلَ قَبْضٌ لِلْمُبْهَمِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ قَبْضُهُ كَيْلَهُ وَالتَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْمُعَيَّنَاتِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَذِهِ أَصَحُّ مِمَّا قَبْلَهَا وَقَدْ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الْمُبْهَمِ فَجَعَلَ قَبْضَهُ كَيْلَهُ وَبَيَّنَ الصُّبْرَةَ فَجَعَلَ قَبْضَهَا نَقْلَهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ إذَا كِيلَ فَقَدْ حَصَلَ فِيهِ التَّمْيِيزُ وَزِيَادَةٌ وَهِيَ اعْتِبَارُ قَدْرِهِ وَكِلَاهُمَا مِنْ فِعْلِ الْبَائِعِ وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَقِيَّةِ الْمُعَيَّنَاتِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سِوَى تَمْيِيزِهَا بِنَفْسِهَا، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَيَكُونُ بَعْدَ كَيْلِهِ وَتَمْيِيزِهِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ قَبْضِهِ التَّامِّ بِالْحِيَازَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ عِلْقُ الْبَائِعِ مِنْهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَهُ وَالتَّمْكِينَ مِنْ قَبْضِهِ وَقَدْ حَصَلَ، إلَّا الثَّمَرَ الْمُشْتَرَى فِي رُءُوسِ شَجَرِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَمَامِ قَبْضِهِ فِي الْحَالِ بِحِيَازَتِهِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يَتَأَتَّى نَقْلُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَثْرَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانَةِ الْمُشْتَرِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ نَقْلُهُ عَادَةً صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَالنَّاقِلُ لِلضَّمَانِ هُوَ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْحِيَازَةِ وَحُكْمُ الْمُبْهَمِ الْمُشْتَرَى بِعَدَدٍ أَوْ ذَرْعٍ كَذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ دُخُولَ الْمَعْدُودِ فِيهِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا اشْتَرَى صُبْرَةً، وَأَمَّا الْمُشَاعُ فَكَالْمُتَعَيَّنِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يَقِفُ عَلَى

стр. 73

إفْرَازِهِ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالصُّبْرَةُ الْمُبْتَاعَةُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا كَالْقَفِيزِ الْمُبْهَمِ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَالْأَكْثَرِينَ لِأَنَّ عِلْقَ الْبَائِعِ لَمْ تَنْقَطِعْ مِنْهَا وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَإِنَّ زِيَادَتَهَا لَهُ وَنَقْصَهَا عَلَيْهِ وَفِي التَّلْخِيصِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ خَرَّجَ فِيهَا وَجْهًا بِإِلْحَاقِهَا بِالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ. قَالَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْهَا حَمِدَهْ فِي الصَّرْفِ لِقَوْلِهِ [﵊] السَّلَامُ: إلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَمُرَادُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ لَهُ الْقَبْضَ فَالْتَحَقَ بِالْمُبْهَمَاتِ وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ هُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ تَسَلَّمْهُ فَلَا يَتَسَلَّمُهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسَلُّمِهِ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ إذَا عَرَضَهُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقُدْهُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، وَإِنْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْمَضْمُونَاتِ مِنْ الْمَبِيعِ مَا اُشْتُرِيَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى الْعَقْدِ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ مَانِعَةٌ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ، فَأَمَّا الْمَبِيعُ فِي مَكَان أَوْ زَمَانٍ يَغْلِبُ فِيهِ هَلَاكُ السِّلْعَةِ فَهَلْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ مُطْلَقًا أَمْ لَا؟ هَذِهِ مَسْأَلَةُ تَبَايُعِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي ضَمَانِهَا رِوَايَتَانِ، كَذَا حَكَى الْأَصْحَابُ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَكْثَرُهُمْ بَيْنَ مَا قَبْلِ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ. [وَظَاهِرُ] كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ التَّفْرِيقُ وَأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ قَوْلًا وَاحِدًا كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ لِتَعَرُّضِهِ لِلْآفَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ تَامًّا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَصَّ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ بِمَالِ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ تَطَلُّبَ الْكُفَّارِ لَهَا شَدِيدٌ وَحِرْصَهُمْ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا مَعْلُومٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَبَايُعِ الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ قَبْلَ قَبْضِهِ وَجْهَيْنِ كَمَالِ الْغَنِيمَةِ فَأَمَّا مَا بِيعَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ نَهْبٍ وَنَحْوِهِ فَمَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ كَشِرَاءِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ كَمَرِيضٍ مَيْئُوسٍ مِنْهُ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ قَاتِلٍ فِي مُحَارَبَةٍ أَوْ فِي زَمَنِ طَاعُونٍ غَالِبٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي هَذَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ التَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِعَقْدٍ غَيْرِ الْبَيْعِ كَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فِيمَا ذَكَرْنَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ رِوَايَةً بِأَنَّ الصَّدَاقَ مَضْمُونٌ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ نَصَّ فِيمَا إذَا أَصْدَقَهَا غُلَامًا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَقَأَ عَيْنَهُ

стр. 74

أَوْ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ التَّسْلِيمِ حَتَّى فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا بِلَا رَيْبٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ مِنْ هَذَا رِوَايَةٌ بِأَنَّ ضَمَانَ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَخَرَّجَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ مِنْ نَصِّهِ عَلَى ضَمَانِ صُبَرِ الطَّعَامِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّهَا بِيعَتْ كَيْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّهَا رِوَايَةً فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَإِنْ بِيعَ جُزَافًا، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ مِنْهَا رِوَايَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَمَأْخَذُ ذَلِكَ أَنَّ عُلَقَ الْمِلْكِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ بِدُونِ الْقَبْضِ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِحَقِّ الْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تَتِمَّ أَحْكَامُ الْعَقْدِ فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُمَلَّكِ وَهَذِهِ شُبَهُ ابْنِ عَقِيلٍ الَّتِي اعْتَمَدَهَا فِي أَنَّ ضَمَانَ جَمِيعِ الْأَعْيَانِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ فَإِنَّ الْبَائِعَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ الْقَبْضِ وَهُوَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِتَفْرِيغِ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْ مِلْكِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَعَدِّيهِ بِشَغْلِ أَرْضِ الْمَالِكِ بِمِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَعَ مُطَالَبَتِهِ بِتَفْرِيغِهِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ بِأَنَّ الْمَهْرَ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ بِعِوَضٍ أَصْلِيٍّ بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْهِبَةِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ نِحْلَةً فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَى الْمَرْأَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَعْيَانِ. فَأَمَّا الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَةِ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ بِدُونِ الْقَبْضِ أَوْ التَّمْكِينِ مِنْهُ أَوْ تَفُوتُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا بِقَبْضِ الْعَيْنِ أَوْ تَسْلِيمِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ نَفْسَهُ تَلِفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ أَيْضًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: عُقُودٌ لَا مُعَاوَضَةَ فِيهَا كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِيهِمَا خِلَافٌ سَبَقَ فَإِذَا قِيلَ لَا يُمْلَكَانِ بِدُونِ الْقَبْضِ فَلَا كَلَامَ لَكِنْ هَلْ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِمَا بِالتَّخْلِيَةِ عَلَى رِوَايَةٍ كَالْبَيْعِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ؟ بَارَكَتْ الْأَصْحَابِ عَلَى تَسْوِيَةِ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ بِالْبَيْعِ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّمْكِينُ هَهُنَا فِي اللُّزُومِ فَفِي أَصْلِ الْمِلْكِ أَوْلَى قَالَ لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَا سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَبْضِ فَيَكْفِي فِيهِ التَّمَكُّنُ. وَإِنْ قِيلَ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى الْمِلْكِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ لِأَنَّهَا عُقُودُ بِرٍّ وَتَبَرُّعٍ فَلَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إمَّا بِالْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ أَوْ بِالْمَوْتِ مُرَاعًى بِالْقَبُولِ أَوْ بِالْقَبُولِ مِنْ حِينِهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ

стр. 75

عَلَى الْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهِ وَأَمَّا [مَا] قَبْلَ الْقَبُولِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُوصَى لَهُ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا. وَهَذَا لِأَنَّا إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ إمَّا مَعَ الْقَبُولِ أَوْ بِدُونِهِ فَهُوَ مِلْكُهُ فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا مِنْ حِينِ الْقَبُولِ فَلِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْغَيْرِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ الْوَرَثَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إذَا أَخَّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ حَتَّى نَقَصَ أَوْ تَلِفَ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي التَّمَلُّكِ ثَابِتٌ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ فَكَانَ ضَمَانُ النَّقْصِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمِلْكُ كَمَا فِي رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ إذَا قُلْنَا لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَنِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا قُلْنَا لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّمَلُّكِ وَالْمَغَانِمِ إذَا قُلْنَا لَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْعُقُودِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبُولِ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ لَا يُمْلَكُ إلَّا مِنْ حَيْنِهِ فَوَاضِحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يُحْسَبُ نَقْصُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ يَمْلِكُهُ بِالْمَوْتِ فَالْعَيْنُ مَضْمُونَةٌ عَلَى التَّرِكَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَوْلِ فَإِنَّهَا تَتْلَفُ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مِنْ مَالِ الْمُوصَى لَهُ فَكَذَلِكَ أَجْزَاؤُهَا ; لِأَنَّ الْقَبُولَ وَإِنْ كَانَ مُثْبِتًا لِلْمِلْكِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَهُ السَّابِقَ تَابِعٌ لِثُبُوتِهِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ وَالْمَعْدُومُ حَالَ الْقَبُولِ لَا يُتَصَوَّرُ الْمِلْكُ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ مِلْكٌ، نَعَمْ إنْ قِيلَ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ بِكُلِّ حَالٍ كَالْمُوَرِّثِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَمْلُوكِ بِالْعَقْدِ فَأَمَّا مَا مُلِكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمِلْكُ الْقَهْرِيُّ كَالْمِيرَاثِ وَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْمَوْتِ إذَا كَانَ الْمَالُ عَيْنًا حَاضِرَةً يُتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ تَرَكَ مِائَتَيْ دِينَارٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِالْعَبْدِ فَسُرِقَتْ الدَّنَانِيرُ بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ وَجَبَ الْعَبْدُ لِلْمُوصَى لَهُ وَذَهَبَتْ دَنَانِيرُ الْوَرَثَةِ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ إذْ هُوَ لَا يَخْشَى انْفِسَاخَهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بِالْبَدَلِ عَلَى أَحَدٍ فَأَشْبَهَ مَا فِي يَدِ الْمُودَعِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْمَمْلُوكِ بِالْعُقُودِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَخْشَى انْفِسَاخَ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ أَوْ يَرْجِعَ بِبَدَلِهِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ لَهُ الْقَبْضُ وَأَيْضًا فَالْمَمْلُوكُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يَنْتَقِلُ الضَّمَانُ فِيهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ فَالْمِيرَاثُ أَوْلَى. وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِمْ بِدُونِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ وَالْغَائِبَ وَنَحْوَهُمَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قَبْضِهِ، فَعَلَى هَذَا إنْ زَادَتْ التَّرِكَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ
следующие страницы →