Полный текст (1 486 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ولا يرث من الجدات أكثر من ثلاث: أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، ومن كان من أمهاتهن وإن علت درجتهن، فلهن السدس إذا تحاذين في الدرجة، لما روى سعيد بإسناده، عن إبراهيم «أن النبي ﷺ ورث ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم.» قال إبراهيم: كانوا يورثون من الجدات ثلاثاً، وهذا يدل على أنه لا يرث أكثر من ثلاث، وأجمع أهل العلم على أن أم أبي الأم لا ترث، وكذلك كل جدة أدلت بأب بين أمين، لأنها تدلي بغير وارث. قال الشعبي: إنما طرحت أم أبي الأم، لأن أبا الأم لا يرث، ولا ترث جدة تدلي بأب أعلى من الجد، لأنها خارجة عن الثلاث اللاتي ورثهن النبي ﷺ ، ويحتمل كلام الخرقي توريثها، لأنها تدلي بوارث. وإن كان بعض الجدات أقرب من بعض، فالميراث لأقربهن، لأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم، وكذلك سقطن بها. فإذا اقترب بعضهن، أسقطت البعدى، كما لو كانت القربى من جهة الأم.
وعنه: أن القربى من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأب، والقربى من جهة الأب لا تسقط البعدى من جهة الأم، لأنها تدلي بمن لا يسقطها، وهو الأب، فأولى أن لا تكون هي مسقطة لها. وترث الجدة وابنها حي، سواء كان أباً أو جداً، لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن ابن مسعود: أن أول جدة أطعمت السدس أم أب مع ابنها. ورواه الترمذي، ولفظه قال: «أول جدة أطعمها رسول الله ﷺ السدس الجدة مع ابنها، وابنها حي.»
وعنه: لا ترث، لأنها تدلي به، فلا ترث معه، كالجد. والجدات المتحاذيات: أم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أب، السدس بينهن أثلاثاً. فإن أدلت جدة بقرابتين، وأخرى بقرابة واحدة، فلذات القرابتين ثلثا السدس في قياس قول أحمد، وللأخرى ثلثه، لأنها شخص ذو قرابتين تورث كل واحدة منهما منفردة، فإذا اجتمعا، ولم يرجح بهما ورث بهما، كابن العم إذا كان أخاً لأم، أو زوجاً.
فصل:
فأما البنات، فلهن الثلثان وإن كثرن، وللواحدة إذا انفردت النصف، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] . وحكم البنتين حكم ما زاد عليهما، لما روى جابر بن عبد الله قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما
стр. 842
معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعيد الثلثين وأعط أمهما الثمن، فما بقي فهو لك» رواه أبو داود.
فصل:
وبنات الابن كبنات الصلب سواء. إن لم يكن للميت ولد من صلبه، للواحدة النصف، وللثنتين فصاعداً الثلثان، لأنهن بنات، لأن كل موضع سمى الله فيه الولد دخل فيه ولد الابن. وإن كان من ولد الصلب بنت واحدة، فلها النصف، ولبنات الابن - واحدة كانت أو أكثر - السدس تكملة الثلثين، لأن الله تعالى لم يفرض للبنات إلا الثلثين، وهؤلاء بنات، وقد سبقت بنت الصلب فأخذت النصف، لأنها أعلى درجة منهن، فكان الباقي لهن السدس، ولهذا يسميه الفقهاء تكملة الثلثين. وقد روى الهزيل قال: «سئل أبو موسى عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود. فسئل ابن مسعود - وأخبر بقول أبي موسى - فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. أقضي فيها ما قضى رسول الله: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود. فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم» ، رواه أحمد والبخاري.
فصل:
وللأخت للأبوين النصف، وللبنتين فصاعداً الثلثان، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] .
وحكم الأخوات من الأب إذا انفردن حكم الأخوات من الأبوين سواء، لدخولهن في لفظ الآية.
وإن اجتمع الأخوات من الجهتين، فحكم ولد الأب مع ولد الأبوين، حكم بنات الابن مع بنات الصلب سواء، لأنهن في معناهن.
وإن اجتمع الأخوات مع البنات، صار الأخوات عصبة، لهن ما فضل، وليس لهن معهن فريضة مسماة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فشرط في فرضها عدم الولد، فاقتضى ألا يفرض لها مع وجوده، ولما ذكرنا من حديث الهزيل.
стр. 843
فصل:
فأما ولد الأم، فلواحدهم السدس، ذكراً كان أو أنثى، وللاثنين السدسان. فإن كثروا، فهم شركاء في الثلث، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] يعني ولد الأم بإجماع أهل العلم. وفي قراءة عبد الله وسعد: وله أخ أو أخت من أم.
[باب من يسقط من ذوي الفروض]
تسقط بنات الابن، بالابن. ويسقطن باستكمال البنات الثلثين، إلا أن يكون معهن أو أنزل منهن ذكر، فيعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. وابن ابن الابن يعصب من في درجته، ومن أعلى منه من عماته، وبنات عم أبيه إذا لم يكن لهن فرض، ولا يعصب من أنزل منه. وإذا كان أربع بنات ابن، بعضهن أنزل من بعض. سقطت الثالثة والرابعة، لاستكمال من فرقهما الثلثين. فإن كان مع الرابعة أخوها، أو ابن عمها، فللأولى النصف، وللثانية السدس، والباقي للثالثة والرابعة وأختها وأخيها، بينهم على أربعة، وتصح في اثني عشر. وتسقط الجدات من كل جهة بالأم، لأنهن يرثن من جهتها، لكونهن أمهات، فيسقطن بها كما يسقط الجد بالأب.
فصل:
ويسقط ولد الأبوين بثلاثة: بالابن، وابن الابن، والأب، لأن الله تعالى شرط في توريثهم عدم الولد، بقوله سبحانه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فلم يجعل لهما مسمى مع الولد، وإنما أخذت الفاضل عن البنات. والابن لا يفضل عنه شيء فسقطن به، وكذلك ابنه، لأنه ابن. ويسقطون بالأب، لأنهم يدلون به، وكل من أدلى بشخص سقط به، إلا ولد الأم، والجدة من جهة الأب. ويسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاثة، لذلك، وبالأخ مع الأبوين، لما روي «عن علي أن رسول الله ﷺ : قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» ، أخرجه الترمذي.
وتسقط الأخوات من الأب، باستكمال الأخوات للأبوين الثلثين، إلا أن يكون معهن أخ لهن، فيعصبهن في الباقي، للذكر مثل حظ الأنثيين، كبنات الابن مع البنات.
стр. 844
فصل:
ويسقط ولد الأم بأربعة: الولد، ذكراً كان أو أنثى، وولد الابن، والأب، والجد، لأن الله تعالى شرط في توريثهم كون الموروث كلالة، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] والكلالة: من لا ولد له ولا والد في قول بعض أهل العلم، وفي قول بعضهم: هو اسم لمن عدا الولد والوالد من الوارث، فيدل على أنهم لا يرثون مع ولد ولا والد.
فصل:
ومن لم يرث لمعنى فيه، وهو الرقيق، والقاتل، والمخالف في الدين، لم يحجب غيره، لأنه ليس بوارث، فلم يحجب، كالأجنبي.
[باب أصول سهام الفرائض]
الفروض المذكورة في كتاب الله تعالى: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، وهي تخرج من سبعة أصول: أربعة لا تعول، وثلاثة تعول، لأن كل فرض انفرد، فأصله من مخرجه. وإن اجتمع معه فرض من جنسه، فأصلهما من مخرج أقلهما، لأنه مخرج الكبير داخل في مخرج الصغير. وإن اجتمع معه فرض من غير جنسه، ضربت مخرج أحدهما في مخرج الآخر إن لم يتوافقا، فما ارتفع فهو أصل لهما، أو وفق أحدهما في جميع الآخر إن توافقا، فلذلك صارت الأصول سبعة، النصف وحده من اثنين. والثلث أو الثلثان من ثلاثة. والربع وحده، أو مع النصف من أربعة. والثمن وحده، أو مع النصف من ثمانية. وهذه الأربعة التي لا تعول، لأن العول فرع ازدحام الفروض، ولا يوجد ذلك هنا. وإن اجتمع مع الفرض من غير جنسه، كالنصف يجتمع مع أحد الثلاثة، السدس أو الثلث والثلثان، فأصلهما من ستة، لأنك إذا ضربت مخرج النصف في مخرج الثلث، صار ستة، ويدخل العول هذا الأصل، لازدحام الفروض فيه. وإن اجتمع مع الربع أحد الثلاثة، فأصلها من اثني عشر، لأنك إذا ضربت مخرج الربع في مخرج الثلث، أو وفق مخرج السدس، كانت اثنتي عشرة. وإن اجتمع مع الثمن سدس أو ثلثان، فأصلها من أربعة وعشرين، لما ذكرنا. وتعول هذه الأصول الثلاثة. ومعنى العول: نقص الفروض لازدحامها وضيق المال عنها، وقسمته بينهم على قدر فروضهم. وطريق العمل فيها، أن تأخذ لكل ذي فرض فرضه من أصل مسألته، ثم تجمع السهام كلها، فتقسم المال عليها، فيدخل النقص على كل ذي فرض بقدر فرضه،
стр. 845
كما تصنع مع الوصايا الزائدة على الثلث وفي قسمة مال المفلس على ديونه. وهذا قول عامة الصحابة، إلا ابن عباس ﵄.
فصل:
وأصل الستة يتصور عوله إلى عشرة، ولا تعول إلى أكثر منها، ومثال العول: زوج وأخت لأبوين وأخت لأب، أصلها ستة، للزوج النصف، ثلاثة، وللأخت للأبوين ثلاثة، وللأخت للأب، السدس، سهم. عالت إلى سبعة. فإن كان مكان الأخت للأب، أم، فلها الثلث، وعالت إلى ثمانية وتسمى: مسألة المباهلة، لأنها أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر، فجمع الصحابة للمشورة فيها، فقال العباس: أرى أن يقسم المال بينهم على قدر سهامهم، فأخذ به عمر، واتبعه الناس علي ذلك، حتى خالفهم ابن عباس. فقال: من شاء باهلته، إن المسائل لا تعول. إن الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مال نصفاً، ونصفاً، وثلثاً، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات، عالت إلى تسعة، وتسمى: مسألة الغراء. فإن كانت الأخوات ستاً، عالت إلى عشرة، وسميت: أم الفروخ، لكثرة عولها، لأنها عالت بثلثيها، فشبهوا أصلها بالأم، والعول بالفروخ.
فصل:
وأصل اثني عشر، تعول على الأفراد إلى ثلاثة عشر، وخمسة عشر، وسبعة عشر، لا تعول إلى أكثر من ذلك، فتقول في زوج وأم وابنتين: أصلها اثنا عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، فإن كان معهم الأب، عالت إلى خمسة عشر، ثلاث زوجات، وجدتان، وأربع أخوات لأم، وثمان لأب، عالت إلى سبعة عشر، ولكل واحدة سهم. وتسمى: أم الأرامل. وأصل أربعة وعشرين، تعول إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلى أكثر منها، وتسمى النحيلة، لقلة عولها، وسميت: المنبرية، لأن علياً سئل عنها على المنبر فقال: صار ثمنها تسعاً، ومضى في خطبته، يعني: أن كان للزوجة الثمن، ثلاثة من أربعة وعشرين، فصار لها ثلاثة من سبعة وعشرين، وهي تسع.
[باب تصحيح المسائل]
إذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم قسمة صحيحة، ضربت عددهم في أصل المسألة وعولها، إن عالت، فما بلغ، فمنه تصح، إلا أن يوافق عددهم سهامهم، بجزء من الأجزاء، فيجزئك ضرب وفق عددهم في أصل المسألة وعولها، فإذا أردت القسمة، فكل من له شيء من أصل المسألة مضروب في العدد الذي ضربته في المسألة وهو جزء السهم، فما بلغ، فهو له إن كان واحداً، وإن كانوا جماعة، قسمته عليهم،
стр. 846
وإن كان الكسر على فريقين، أو أكثر متماثلة، كثلاثة وثلاثة، أجزأك ضرب أحدهما في المسألة، وإن كانت متناسبة. وهو: أن ينتسب القليل إلى الكثير بجزء من أجزائه، كثلاثة أو أربعة، مثل ثلاثة وتسعة، أجزأك ضرب أكثرها في المسألة، وإن كانت متباينة، كثلاثة وأربعة وخمسة، ضربت بعضها في بعض فما بلغ، ضربته في المسألة. وإن كانت متوافقة بجزء من الأجزاء كنصف وثلث، وافقت بين عددين منها، وضربت وفق أحدهما في الآخر وافقت بينه وبين الثلث، وضربت وفق أحدهما في الآخر، فما بلغ، فهو جزء السهم، يضرب في المسألة. وطريق القسمة على ما ذكرنا متقدماً.
[باب الرد في الميراث]
باب الرد وإذا لم تستغرق الفروض المال، وفضلت منه فضلة، ولم يكن عصبة، فالفاضل من ذوي الفروض مردود عليهم على قدر سهامهم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ولقول النبي ﷺ : «من ترك مالاً فلورثته» رواه أحمد، وأبو داود. إلا على الزوج والزوجة، لأنهما ليسا من أولي الأرحام، فلم يدخلوا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وهذا يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃.
وعن أحمد: أنه لا يرد على ولد الأم مع الأم، ولا على الجدة مع ذي سهم، لأنه قول ابن مسعود، والأول المذهب، لعموم الأدلة، ولأنه قول عمر وعلي وابن عباس.
وطريق العمل في الرد أن تأخذ سهام أهل الرد من أصل مسألتهم، وكلها تخرج من ستة، إذ ليس في الفروض ما يخرج عن الستة، إلا الربع والثمن، وليسا لغير الزوجين، وليسا من أهل الرد، فيجعل عدد سهامهم أصل مسألتهم، فيقسم المال عليها، وينحصر ذلك في أربعة أصول، فإذا كان معك سدسان، كجدة، وأخ لأم، فأصلهما من اثنين، وإن كان ثلث وسدس، كأم وأخ من أم، فأصلها من ثلاثة، وإن كان نصف وسدس، كابنة وابنة ابن، فأصلها من أربعة، وإن كان نصف وثلث، كأم وأخت، أو ثلثان وسدس، كأختين وأم، أو نصف وسدسان، كثلاث أخوات متفرقات، فهي في خمسة، ولا تزيد أبداً على هذا، لأنها لو زادت سهماً لكمل المال، فإن انكسر سهم فريق عليهم، ضربت عددهم في عدد سهامهم، لأنه أصل مسألتهم، فتقول في ثلاث جدات وأخت: هي من أربعة، للجدات سهم على ثلاثة، تضربها في أربعة، تكن اثني عشر، ومنها تصح.
стр. 847
فصل:
فإن اجتمع مع أهل الرد أحد الزوجين، أعطيته فرضه من أصل مسألته، ثم ضربت مسألته في مسألة أهل الرد، فما بلغ، انتقلت إليه المسألة، ثم تصحح بعد ذلك، فتقول في زوجة وبنت، وبنت ابن، وجدة: للزوجة الثمن من ثمانية، ومسألة أهل الرد في خمسة، تضربها في ثمانية، تكن أربعين، للزوجة الثمن خمسة، يبقى خمسة وثلاثون بين أهل الرد على خمسة، فإن انكسر على بعضهم، ضربته في أربعين، فما بلغ فمنه تصح.
[باب ميراث العصبة من القرابة]
وهم كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، وهم الأب والابن، ومن أدلى بهما من الذكور، فأحقهم بالميراث أقربهم، ويسقط به من بعد، لقول النبي ﷺ : «ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر» وأحقهم الابن وابنه وإن نزل، لأن الله تعالى بدأ بهم بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والعرب تبدأ بالأهم فالأهم. ثم الأب، لأن سائر العصبات يدلون به، ثم الجد أبو الأب، وإن علا، لأنه أب ثم بنو الأب وهم الإخوة، ثم بنوهم، وإن نزلوا، ثم بنو الجد، وهم الأعمام، ثم بنوهم، وإن نزلوا، ثم بنو جد الأب، وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن نزلوا. وعلى هذا لا يرث بنو أب أعلى من بني أب أقرب منه، وإن نزلت درجتهم. وأولى ولد كل أب أقربهم إليه. فإن استوت درجتهم، فأولاهم من كان لأب وأم، لحديث علي. وليس من فريضة يرث فيها العصبة عول ولا رد، لأن العصبة يأخذ المال كله إذا انفرد، ولقوله تعالى في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أضاف الميراث جميعه إليه، وإن كان معه ذو فرض، أخذ الباقي، لقول النبي ﷺ لأخي سعد بن الربيع: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» وقوله ﵇: «فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر» وإن استغرقت الفروض المال، سقط، لأن حقه في الباقي، ولا باقي هنا.
فصل:
وأربعة من الذكور يعصبون أخواتهم، فيمنعونهن الفرض، ويقتسمون ما ورثوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم الابن، وابنه، والأخ من الأبوين، أو من الأب، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ومن عدا هؤلاء من العصبة ينفرد
стр. 848
الذكور بالميراث، دون الإناث، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، لأن أخواتهم من أولي الأرحام.
فصل:
وإن اجتمع في شخص واحد سببان يقتضيان الإرث، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم هو أخ من أم، ورث بهما جميعاً، فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ للأم السدس، والباقي بينهما نصفان، وإن كانوا ثلاثة، كبني عم، أحدهم زوج، والآخر أخ لأم، فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقي بينهم أثلاثاً، لأن قرابة الأم يرث بها منفردة، فلم يرجع بها، كالزوجية.
[باب المناسخات في الميراث]
باب المناسخات إذا لم تنقسم تركة الميت الأول حتى مات بعض وراثه، فصحح مسألة الأول، ثم صحح مسألة الثاني، وأقسم سهام الثاني من المسألة الأولى على مسألته، فإن انقسمت صحت المسألتان مما صحت منه الأولى، وإن لم تنقسم وافقت بين مسألتها وبين مسألته، وأخذت وفق مسألته، فضربته في المسألة الأولى، فإن لم يتوافقا، ضربت مسألته كلها بالمسألة الأولى، فما بلغ، فمنه تصح المسألتان. فإذا أردت القسمة، فكل من له شيء من المسألة الأولى مضروب في الثانية، أو في وفقها، وكل من له شيء من الثانية، مضروب في السهام التي مات عنها الثاني أو في وفقها، فإن مات ثالث، صححت مسألته، وقسمت عليها سهامه من المسألتين. فإن انقسم، صحت، وإلا ضربت مسألته أو وفقها فيما صحت منه الأوليان، وتعمل على ما ذكرنا.
فصل:
فإن خلف الميت تركة معلومة، فانسب سهام كل وارث من المسألة، وأعطه مثل تلك النسبة من التركة، فإن عز عليك ذلك، فاقسم التركة على المسألة، فما خرج بالقسم، فاضربه في سهام كل وارث، فما كان، فهو نصيبه، فإذا خلفت المرأة زوجاً وأماً وأختاً، وأربعين ديناراً، فللأم ربع المسألة، فلها ربع التركة عشرة، وللزوج ربع وثمن، فله خمسة عشر، وللأخت مثل ذلك. وإن قسمت الأربعين على المسألة، فلكل سهم خمسة،، فإذا ضربت سهام كل وارث في خمسة، خرج مثل ما ذكرنا.
[باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم]
وإن مات متوارثان فلم يعلم أيهما مات قبل صاحبه، ورث كل واحد منهما من
стр. 849
صاحبه من تلاد ماله، دون ما ورثه من الميت معه، لأن ذلك يروى عن عمر وعلي وإياس بن عبد المزني، فتقول في أخوين غرقا، وخلف كل واحد منهما زوجته ومولاه: يقدر أن الأكبر مات أولاً، فلزوجته الربع، والباقي لأخيه الأصغر. ثم مات الأصغر عن ثلاثة أسهم، فلزوجته الربع وباقيه لمولاه، فتضرب أربعة في أربعة، تكن ستة عشر، لزوجة الأكبر أربعة، ولزوجة الأصغر ثلاثة، يبقى تسعة لمولى الأصغر. ثم قدر أن الأصغر مات أولاً، فلزوجته الربع، وباقيه لأخيه الأكبر، ثم تعمل فيها عملك في الأولى، فترث زوجة كل واحد منهما ربع مال زوجها، وثمناً ونصف ثمن من مال أخيه، ويرث مولى كل واحد منهما نصف مال أخي عتيقه، ونصف ثمنه، ولا يرث من مال عتيقه شيئاً، وقد روي عن أحمد فيما إذا ماتت امرأة وابنها، وخلفت زوجاً وأخاً، فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها، أن يحلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، ويكون ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، وذكرها الخرقي في مختصره. وهذا يدل على أنه لا يرث أحدهما صاحبه، بل يقسم ميراث كل واحد منهما على الأحياء من ورثته، دون من مات معه، لأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق وزيد ومعاذ وابن عباس والحسن بن علي، - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، ولأنه لا يعلم أن أحدهما حي حين مات صاحبه، فلم يرثه، كالحمل إذا سقط ميتاً. ولو علم خروج روحيهما معاً، لم يرث أحدهما صاحبه، لأنه من شرط توريثه، كونه حياً حين موت الآخر.
[باب ميراث ذوي الأرحام]
وقد ذكرناهم. ويرثون إذا لم يكن عصبة، ولا ذو فرض من أهل الرد، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقد روي عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الخال وارث من لا وارث له» قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو عبيد بإسناده «أن ثابت بن الدحداح مات، ولم يخلف له إلا ابنة أخ له، فقضى النبي ﷺ بميراثه لابنة أخيه» ، وقسنا سائرهم على هذين.
فصل:
وطريق توريثهم بالتنزيل، أن تنزل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من الوارث، فتجعل بنت البنت بمنزلة البنت، وبنت بنت الابن بمنزلتها، وبنات الإخوة بمنزلة آبائهن،
стр. 850
وبنو الأخوات وبناتهن بمنزلة أمهاتهن، والخال والخالة وأبو الأم بمنزلة الأم، والعمات والعم من الأم بمنزلة الأب، وعن أحمد رواية أخرى أنه: تنزل العمة منزلة العم، لأنه روي عن علي ﵁، والأول أولى، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الزهري: أن رسول الله ﷺ قال: «العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم» ولأن الأب أقوى جهاتها، فنزلت منزلته، كما أن بنت الأخ تدلي بأبيها لا بأخيها، وبنت العم تدلي بأبيها لا بأخيها. وإذا انفرد ذو رحم، ورث المال كله. وإن اجتمع منهم جماعة، فأدلوا بشخص واحد وكانوا في درجة واحدة، فالمال بينهم على حسب مواريثهم منه. فإن أسقط بعضهم بعضاً، كأبي الأم والأخوال، أسقطت الأخوال بأبي الأم، لأن الأب يسقط الإخوة، وإن كان بعضهم أقرب من بعض، سقط البعيد منهم، كما يسقط بعيد العصبات بقريبهم، وإن لم يسقط بعضهم بعضاً، قسمت المال بينهم على حسب مواريثهم منه. فتقول في ثلاث عمات متفرقات: المال بينهن على خمسة، لأنهن أخوات الأب، فكان ميراثهن كميراث ثلاث أخوات للميت متفرقات. وإن كان ثلاث خالات متفرقات، فكذلك، لأنهن أخوات لأم. فإن اجتمع ثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمات متفرقات، فكذلك، لأنهن أخوات لأم. فإن اجتمع ثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمات متفرقات، نزلت العمات أباً، والخالات أماً، فجعلت الثلث للخالات على خمسة، والباقي للعمات على خمسة، فتجتزئ بإحدى الخمسين، وتضربها في ثلاثة، تكن خمسة عشر، للخالة التي من قبل الأبوين ثلاثة أسهم، وللخالة من الأب سهم، وللخالة من الأم سهم، وللعمة من الأبوين ستة، وللعمة من الأب سهمان، وللعمة من الأم سهمان. وإن كان ثلاثة أخوال متفرقين، فللخال من الأم السدس، والباقي للخال من الأبوين، كثلاثة إخوة متفرقين. وإن كان أبوهم واحداً وأمهم واحدة، فالذكر والأنثى سواء، لأنهم يرثون بالرحم المجرد، فاستوى ذكرهم وأنثاهم، كولد الأم.
وعنه: أنهم يقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهم فرع على ذوي الفروض والعصابات، فثبت فيهم حكمهم. وقال الخرقي: يفضل الخال على الخالة دون سائر ذوي الأرحام. وإن أدلى جماعة بجماعة، فقسم المال بين المدلى بهم على ما توجبه الفريضة، فما صار لكل وارث فهو لمن أدلى به، فإن سبق بعضهم إلى الوارث، فهو أحق بالمال، ويسقط به البعيد، إن كانا من جهة واحدة. وإن كانا من جهتين نزلت البعيد حتى يلحق بوارثه، سواء سقط به القريب، أو لم يسقط، فتقول في بنت بنت بنت، وبنت أخ، لأم: المال، لبنت بنت البنت، والجهات أربع: الأبوة، والبنوة، والأخوة، والأمومة، وإن اجتمعت بنت أخ وعمة، فالمال للعمة، لأنها بمنزلة أب، وهو يسقط الأخ، ومن نزلها عماً، أسقطها ببنت الأخ، لأن الأخ يسقط العم. وإن اجتمع،
стр. 851
بنت أخت وابن، وبنت أخت أخرى، فللواحدة حق أمها النصف، وللأخرى وأخيها حق أمهما النصف، وإن أدلى ذو رحم بقرابتين، ورث بهما، فتقول في بنت ابن أخ لأم، هي بنت بنت أخت لأب، وبنت بنت أخت الأبوين: للأولى الخمسان بقرابتيها، وللثانية ثلاثة أخماس، لأنهما بمنزلة ثلاث أخوات متفرقات. ولا يعول في مسائل الأرحام إلا واحدة، وشبهها. وهي: خال، وبنات ست أخوات متفرقات.
فصل:
ولا يرث ذو رحم، مع ذي فرض، ولا عصبة، إلا مع الزوج، لأن الرد أولى، والزوج لا يرد عليه، فإن اجتمع معهم زوج، أعطيته فرضه غير محجوب، ولا معاول، وقسمت الباقي بينهم، كما لو انفردوا، فقول في زوج، وبنت بنت، وبنت أخت: للزوج النصف، والباقي بينهما نصفان. امرأة وابنتا بنتين، وابنتا أختين، للزوجة الربع، ولبنتي البنتين ثلثا الباقي، والباقي لبنتي الأختين.
[باب ميراث الخنثى]
وهو الذي له ذكر وفرج امرأة، فيعتبر بمباله، لأنه قد جاء في الأثر: يورث الخنثى من حيث يبول، ولأنها أعم علاماته، لأنها توجد في الصغير والكبير، وقد أجرى الله العادة، أن الذكر يبول من ذكره، والأنثى من فرجها، فاعتبر ذلك. فإن بال من حيث يبول الرجل، فهو ذكر، وإن بال من حيث تبول المرأة، فله حكم المرأة فإن بال منهما، اعتبر بأسبقهما فإن خرجا في حال واحدة، اعتبر أكثرهما، لأن الأكثر أقوى في الدلالة، فإن استويا، فهو مشكل، فإن مات له من يرثه، أعطي هو ومن معه اليقين، ووقف الباقي حتى يبلغ فينكشف الأمر، بأن يظهر فيه علامات الرجال، من خروج المني من ذكره، ونبات اللحية، أو علامات النساء، من تفلك الثدي، والحيض، والحمل، فإن يئس من ذلك، فله نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، فإن اجتمع ابن وبنت وولد وخنثى، فللذكر أربعة أسهم، وللخنثى ثلاثة، وللبنت سهمان، لأنه يحصل بهذا العمل له نصف ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى. فإن كان مكان الابن أخ، أو غيره من العصبات، فله السدس، والباقي بين الخنثى والبنت على خمسة. وقال أصحابنا: يعمل المسألة على أنه ذكر، ثم على أنه أنثى، ثم يضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو وفق إحداهما في الأخرى إن اتفقتا، أو يجتزئ بإحداهما إن تماثلتا، أو بأكبرهما إن تناسبتا، وتضرب ذلك في اثنين، فما بلغ، فمنه تصح، ثم كل من له شيء من إحداهما، مضروب في الأخرى، أو في وفقها، أو تجمع مال منهما إن تماثلتا، فتعطيه إياه، ففي هذه المسألة إن قدرناه ذكراً، فهي من خمسة، وإن قدرناه أنثى فهي في أربعة، تضرب
стр. 852
أربعة في خمسة، تكن عشرين، ثم في الحالين تكن أربعين، فللابن اثنان في خمسة، واثنان في أربعة، ثمانية عشر، وللبنت تسعة، وللخنثى سهم في خمسة، وسهمان في أربعة، ثلاثة عشر، لأن للابن الخمسين بيقين، وذلك ستة عشر، وللبنت الخمس بيقين، ثمانية، وللخنثى الربع بيقين، عشرة، فذلك أربعة وثلاثون، يبقى ستة أسهم يدعيها الخنثى كلها، ليتم له سهم ذكر، ويدعي الابن ثلثيها، ليتم له النصف، والبنت تدعي ثلثها، ليتم لها الربع، فقسمناها بينهم على حسب دعاويهم، للخنثى نصفها ثلاثة، وللابن سهمان، وللبنت سهم، فإن كانا خنثيين، نزلتهم على عدد أحوالهم، فتجعل لهما أربعة أحوال في أحد الوجهين، وفي الآخرين تنزلهم حالين، مرة ذكوراً، ومرة إناثاً، والأول أصح، لأنه يعطي كلا بحسب ما فيه من الاحتمال، وعلى الطريق الثاني: يفضي إلى حرمان من يحتمل الاستحقاق. ألا ترى أنه لو اجتمع بنت وولد خنثى وولد ابن خنثى وأخ، فنزلتهم حالين، لم تعط ولد الابن شيئاً، ومن المحتمل أن يكون ذكراً وحده، فيكون له الباقي بعد البنتين، فعلى هذا تنزل الثلاثة، ثمانية أحوال، وللأربعة ستة عشر، وللخمسة اثنان وثلاثون حالاً.
[باب ميراث الحمل]
إذا مات عن حمل يرثه، فطالب بقية الورثة بالقسمة، وقف نصيب ابنين ذكرين، إن كان ميراث الذكور أكثر، وابنتين إن كان أكثر، لأن ما زاد على اثنين نادر جداً، فلم يلتفت إليه، كاحتمال الحمل في الآيسة، ويدفع إلى كل وارث اليقين. فإذا وضعت الحمل، دفع إليه نصيبه، ورد الفضل على من يستحقه، وإن وضعته ميتاً، لم يرث، لأننا لا نعلم أنه كان حياً حين موت موروثه. وإن وضعته واستهل، ورث، وورث، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا استهل المولود ورث» رواه أبو داود. وظاهر كلام أحمد: أنه لا يرث حتى يستهل، وهو الصوت ببكاء أوعطاس أو نحوه، لتقييده في الحديث بالمستهل، ويحتمل أن يلحق بذلك كل من علمت حياته بارتضاع أو نحوه، لأنه ولد حياً، فأشبه المستهل، فأما الحركة والاختلاج، فلا تدل على الحياة، فإن اللحم يختلج، سيما إذا خرج من ضيق إلى سعة، وإن خرج بعضه فاستهل، ثم انفصل باقيه ميتاً، لم يرث، لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا وهو حي. وإن ولدت توأمين، فاستهل أحدهما، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حكم بأنه المستهل.
стр. 853
ولا يرث حمل إلا أن يعلم بأنه كان موجوداً حال الموت، بأن تلده لأقل من ستة أشهر إن كانت ذات زوج، أو لأقل من أربع سنين إن كانت بائناً.
[باب ما يمنع الميراث]
ويمنع الميراث ثلاثة أشياء: اختلاف الدين. فلا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً بحال، لما روى أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» . متفق عليه.
والمرتد لا يرث أحداً، لأنه ليس بمسلم، فيرث المسلمين، ولا يثبت له حكم الدين الذي انتقل إليه، فيرث أهله، ولا يرثه أحد لذلك. وماله فيء.
وعنه: يرثه ورثته من المسلمين.
وعنه: يرثه أقاربه من أهل دينه الذي اختاره.
وعنه: في الميراث بالولاء روايتان:
إحداهما: يرث الرجل عتيقه وإن اختلف ديناهما، لأن الولاء شعبة من الرق، واختلاف الدين لا يمنع الرجل أخذ مال رقيقه إذا مات.
والثانية: لا يرثه مع اختلاف الدين لعموم الخبر، ولأنه نوع توارث، فمنعه اختلاف الدين، كغيره، ولأنه مانع من الإرث، فمنع الإرث بالولاء، كالقتل.
فصل:
ومن أسلم على ميراث قبل أن يقسم، قسم له، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أسلم على شيء فهو له» أخرجه سعيد.
وعنه: لا يقسم له، لأن المانع من الإرث وجد حين وجد السبب، وهو الموت، فمنع من الإرث كالرق، ومن كان رقيقاً حين موت موروثه، فعتق بعده، لم يرث، لأن العتق ليس من فعله، ولا هو قربة للمعتق، بخلاف إسلامه. ولو ملك ابن عمه، فدبره، فعتق بموته، لم يرثه، لأنه رقيق حين الموت. وإن قال: أنت حر في آخر حياتي، عتق، وورث، لأنه حر حين الموت، ويحتمل أن لا يرث، لأن عتقه وصية له، فيفضي إلى الوصية للوارث.
فصل:
ويرث الكفار بعضهم بعضاً، وإن اختلفت أديانهم في إحدى الروايتين، لأن مفهوم
стр. 854
قوله ﵇: «لا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً» أن الكفار يتوارثون.
والثانية: لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى، لما روى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين شتى» رواه أبو داود. ولأن الموالاة منقطعة بينهم، فأشبه اختلافهم بالكفر والإسلام. قال القاضي: والكفر ثلاث ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، ودين من عداهم ملة، لاجتماعهم في عدم الكتاب. قال: وقياس المذهب عندي أنه لا يرث حربي ذمياً، ولا ذمي حربياً، لأنه موالاة بينهما، واحتمل أن يتوارثا، لأنهما من أهل ملة واحدة.
فصل:
وإذا أسلم المجوس، أو تحاكموا إلينا، ورثوا لجميع قراباتهم إذا أمكن ذلك، لأنها قرابات ترث بكل واحدة منفردة ولم ترجح بها، فورث بهما إذا اجتمعا، كابن عم هو زوج، وأخ لأم. فلو تزوج مجوسي بنته، فأولدها بنتاً، ثم مات وخلف أخاً، فلابنتيه الثلثان، والباقي لأخيه. فإن ماتت بعده الكبرى، فمالها لابنتها، نصفه بكونها بنتاً، وباقيه بكونها أختاً من أب، وإن ماتت الصغرى قبل الكبرى، فللكبرى الثلث بكونها أماً، والنصف بكونها أختاً، وباقيه لعمها. فإن كان أولدها بنتين، ثم مات، ثم ماتت إحدى الصغيرتين. فلأختها لأبويها النصف، ولأمها السدس بكونها أماً، والسدس بكونها أختاً لأب، وحجبت نفسها بنفسها، والباقي لعمها، ولا يرثون بنكاح ذوات المحارم، ولا ما يقرون عليه إذا أسلموا، لذلك لم يورث بنت المجوسي الذي تزوجها منه شيئاً.
فصل:
والثاني من الموانع الرق، فلا يرث العبد قريبه، ولا يورث، لأنه لا ملك له فيورث. وإن ملك فملكه ضعيف يرجع إلى سيده ببيعه، لقوله ﵇: «من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» فكذلك بموته، ولا يرث، لأنه لو ورث شيئاً، لكان لسيده، فيكون التوريث لسيده دونه.
فصل:
ومن بعضه حر، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، لما روى عبد الله ابن الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس ﵄، «أن النبي ﷺ قال في العبد يعتق بعضه: يرث ويورث على قدر ما عتق منه» ولأن هذا قول علي وابن مسعود ﵄، فينظر ما له مع الحرية الكاملة، فيعطيه منه بقدر ما فيه من الحرية الكاملة، ويحجب به بقدر ذلك، فتقول في بنت نصفها حر، وأم حرة، وعم: للبنت الربع،
стр. 855
لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة، وللأم الربع، لأن حرية البنت تحجبها عن السدس، فنصف حريتها يحجبها عن نصفه، والباقي للعم. فإن كان نصف الأم حراً، فلها الثمن، لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة، والباقي للعم. وإن شئت عملتها بالأحوال، كمسائل الخناثى، فتقول: لو كانتا حرتين، فالمسألة من ستة، ولو كانت الأم وحدها حرة، كانت من ثلاثة، وإن كانت البنت وحدها حرة، كانت من اثنين، وإن كانتا رقيقتين، فهي من سهم، فتجزئ بالستة، لأن سائر المسائل داخلة فيها، وتضربها في أربعة تكن أربعة وعشرين، للبنت النصف في حالين، وذلك ستة، وهو الربع، وللأم الثلث في حال، والسدس في حال، وذلك ثلاثة، وهو الثمن، والباقي للعم.
فصل:
الثالث من الموانع: قتل الموروث بغير حق، يمنع القاتل ميراثه، عمداً كان القتل أو خطأ، لما روي «عن عمر: أنه أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون أبيه، وكان حذفه بسيف فقتله. وقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس لقاتل ميراث» رواه مالك في الموطأ. ولأن توريث القاتل ربما أفضى إلى قتل الموروث استعجالاً لميراثه، وكل قتل يضمن بقتل، أو دية، أو كفارة، يمنع الميراث لذلك، وما لا يضمن كالقصاص والقتل في الحد، لا يمنع، لأنه فعل مباح، فلم يمنع الميراث، كغير القتل، ولأن المنع في العدوان كان حسماً لمادة العدوان، ونفياً للقتل المحرم، فلو منع هنا، لكان مانعاً من استيفاء الواجب، أو الحق المباح استيفاؤه.
وعنه: لا يرث العادل الباغي إذا قتله. وهذا يدل على أن كل قتل يمنع الميراث، لعموم الخبر، والأول أظهر في المذهب.
[باب ذكر الطلاق الذي لا يمنع الميراث]
إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً، لم ينقطع الميراث بينهما ما دامت في العدة، سواء كان صحيحاً، أو مريضاً، لأن الرجعية زوجة، وإن أبانها في صحته انقطع التوارث بينهما، لزوال الزوجية التي هي سبب التوارث، وكذلك إن كان في مرض غير مرض الموت، لأن حكمه حكم الصحة، وإن أبانها في مرض موته باختيارها، بأن سألته الطلاق، أو علق طلاقها على فعل لها منه بد، ففعلته، انقطع التوارث لزوال الزوجية بأمر لا يتهم فيه، وكذلك إن علق طلاقها في صحته على شرط وجد في مرضه، لم ترثه كذلك.
وعن أحمد: أنها ترثه في هذه المسائل الثلاث لأنه طلاق في مرض موته. ولو
стр. 856
طلقها في مرضه وهي أمة، أو كافرة، فأسلمت أو عتقت، لم ترث، لأنه لا يتهم في طلاقها. وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك، لم يرثها، وورثته ما دامت في العدة، لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرض موته فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعاً، ولأنه قصد قصداً فاسداً في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل. وهل ترثه بعد انقضاء العدة؟ فيه روايتان:
إحداهما: ترثه، لأن عثمان ورث امرأة من عبد الرحمن بعد انقضاء العدة، ولأنه فار من ميراثها فورثته، كالمعتدة.
والثانية: لا ترثه، لأن آثار النكاح زالت بالكلية، فلم ترثه، كما لو تزوجت، ولأن ذلك يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة، بأن يتزوج أربعاً بعد انقضاء عدة المطلقة، وذلك غير جائز، وإن تزوجت لم ترثه، لأنها فعلت باختيارها فعلاً ينافي زوجية الأول فلم ترثه، كما لو تسببت في فسخ النكاح، وهكذا لو ارتدت في عدتها، أو فعلت ما ينافي نكاح الأول، لم ترثه، وإن ارتدت ثم أسلمت في عدتها، ففيه وجهان:
أحدهما: ترثه، لأنها مطلقة في المرض، أشبه ما لو لم ترتد.
والثاني: لا ترثه لأنها فعلت ما ينافي النكاح، أشبه ما لو تزوجت.
فصل:
وإن طلق امرأة قبل الدخول فهل ترثه؟ فيه روايتان كالتي انقضت عدتها، ولو قال لزوجته في صحته: إذا مرضت فأنت طالق، فحكم طلاقه حكم طلاق المريض. وإن أقر في مرضه بطلاقها في صحته، فحكمه حكم طلاقها في مرضه، وإن علق طلاقها على فعل لا بد لها منه، كالصلاة، ففعلته، فهو كالطلاق ابتداء. وإن قال لزوجته الذمية، أو الأمة وهو مريض: إذا عتقت، أو أسلمت، فأنت طالق، فعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، فهو كطلاقه لحرة مسلمة، وإن قال السيد لأمته: أنت حرة غداً، فطلق الزوج اليوم أو غداً عالماً بعتق السيد، ورثته، لأنه متهم، وإن لم يعلم، لم ترثه، لعدم التهمة.
فصل:
ولو تسببت الزوجة في فسخ نكاحها في مرضها، برضاع أو غيره، بانت وورثها زوجها، ولم ترثه، لما ذكرنا في طلاق المرض. ولو استكره رجل امرأة أبيه في مرض أبيه على فعل ينفسخ نكاحها به، بانت، ولم يسقط ميراثها لذلك. وإن كان للمريض زوجة أخرى، سقط ميراثها، لأنه غير متهم في قصد توفير نصيبها عليه، لرجوعه إلى الزوجة الأخرى دونه.
стр. 857
فصل:
وإن تزوج نساء بعضهن عقدهن فاسد، لم تعلم بعينها، أو طلق بعض نسائه لا بعينها، أو علمها وأنسيها، أقرع بينهن. فمن خرجت قرعتها بفساد العقد، أو الطلاق، فلا ميراث لها، لأنه اشتبه المستحق بغيره. فوجب المصير إلى القرعة، كما لو أعتق في مرضه عبيداً، لم يخرج من ثلثه إلا أحدهم.
[باب الإقرار بمشارك في الميراث]
إذا أقر جميع الورثة بمشارك لهم في الميراث، ثبت نسبه وورث، لأن الورثة يقومون مقام الميت في ماله وحقوقه، وهذا من حقوقه، وإن أقروا لمن يسقطهم، كإخوة أقروا بابن، ثبت نسبه وأسقطهم، لأن الجميع ورثة لولا الإقرار، فأشبه ما لو أقروا بمشاركهم. وإن أقر بعضهم، لم يثبت النسب، ودفع المقر إلى المقر له فضل ما في يده عن ميراثه، فإذا خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، فله ثلث ما في يده، فإن أقر بأخت، فلها الخمس، وإن شئت ضربت مسألة الإقرار أو وفقها في مسألة الإنكار، ودفعت إلى المنكر سهمه من مسألة الإنكار، مضروباً في مسألة الإقرار أو وفقها، وإلى المقر سهمه من مسألة الإقرار، مضروباً في مسألة الإنكار أو وفقها، فما فضل، فهو للمقر به، وإن لم يكن في يد المقر فضل، فلا شيء للمقر به، لأنه يقر على غيره. فإن خلف ابنين فأقر أحدهما بأخوين، فصدقه أخوه في أحدهما، ثبت نسب من اتفقا عليه، فصاروا كثلاثة أقر أحدهم بأخ رابع. فضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، تكن اثني عشر، للمقر سهم من مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، ثلاثة، وللمنكر سهم في مسألة الإقرار أربعة. ثم إن أقر المتفق عليه بالمختلف فيه، فله مثل سهم المقر، وإن أنكر فله مثل سهم المنكر والفضل للمختلف فيه. وقال أبوالخطاب: إن أقر المتفق عليه بالمختلف فيه، وأنكر المختلف فيه المتفق عليه. فإن المتفق عليه يأخذ من المقرين ربع ما في أيديهما، ويأخذ المختلف فيه من المقر به ثلث ما في يده. وتصح من ثمانية، للمقر بهما سهمان، وللمتفق عليه سهمان، وللمقر بأحدهما ثلاثة، وللمختلف فيه سهم. وإن كان الوارث ابناً فأقر بأخوين بكلام متصل، ثبت نسبهما، سواء تصادقا أو تجاحدا، لأن نسبهم ثبت في حال واحدة بقول الوارث الثابت النسب قبلهم، ويحتمل أن لا يثبت نسبهما إذا تجاحدا، لأنه لم يحصل الإقرار من جميع الورثة، وإن أقر بواحد بعد الآخر، ثبت نسب الأول، وأعطاه نصف ما في يده، ثم إن صدق الثاني بالثالث، ثبت نسبه، ودفعا إليه ثلث ما في أيديهما. وإن أنكره الثاني، لم يثبت نسبه، ودفع إليه المقر ثلث ما في يده.
стр. 858
فصل:
وإن أقر من أعيلت له المسألة بمن يسقط العول، كزوج وأم وأخت، فأقرت الأخت بأخ لها، فاضرب وفق مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، تكن اثنين وسبعين، للأم ربعها ثمانية عشر، وللزوج ربعها وثمنها سبعة وعشرون، وللأخت سهمان في مسألة الإقرار في نصف مسألة الإنكار، وهي ثمانية، يبقى تسع عشر يدعي المقر له منهما ستة عشر. فإن مضى الزوج على الإنكار، أخذ الأخ ستة عشر، وبقيت ثلاثة يقران بها للزوج وهو ينكرها ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: يدفع إلى بيت المال، لأنه مال لا يدعيه أحد، فهو كالمال الضائع.
والثاني: يقر في يد الأخت.
والثالث: يترك حتى يصطلحا عليهما، لأنها لا تعدوهما، وقد جهلنا مستحقها منهما. وإن أقر الزوج بالأخ، فهو يدعي تمام النصف تسعة، والأخ يدعي ستة عشر، فالجميع خمس وعشرون، والمقر به من السهام تسعة عشر، لا تنقسم إلى خمسة وعشرين، فاضرب خمسة وعشرين من أصل المسألة، ثم كل من له شيء من أصل المسألة مضروب في خمسة وعشرين، ومن له شيء من خمسة وعشرين مضروب في تسعة عشر، وعلى هذا تعمل ما ورد عليك من هذا.
[باب ميراث المفقود]
إذا غاب الإنسان وخفي خبره، وغالب سفره السلامة، كالتاجر والسائح، انتظر به تمام تسعين سنة من يوم ولد في أشهر الروايتين، وفي الأخرى: ينتظر به أبداً، أو يرجع إلى اجتهاد الحاكم في تقدير المدة، وإن كان غالب سفره الهلاك، كالذي يفقد بين أهله، أو يفقد في طريق الحج، فإنه ينتظر به تمام أربع سنين، لأنها أكثر مدة الحمل، وتعتد زوجته عدة الوفاة، وتحل للأزواج، قال أحمد: إذا أمرت زوجته أن تتزوج، قسمت ميراثه، وقد روي عنه التوقف، وقال: قد هبت الجواب فيها، وكأني أحب السلامة، والأول المذهب. فإن مات للمفقود من يرثه في مدة غيبته، دفع إلى كل وارث اليقين، ووقف نصيب المفقود، فإن بان حياً، دفع إليه. وإن بان ميتاً حين موت مورثه، رد على من يستحقه، وكذلك إن كانت المدة قد مضت، وإن لم تكن مضت ولم يتبين أمره، فحكم نصيبه في الميراث حكم سائر ماله، يقسم على ورثته إذا مضت المدة، لأنه محكوم بحياته، ويجوز أن يصطلحوا على الفاضل من نصيب المفقود في الموقف، لأنه حقهم، ولا يجوز أن يصطلحوا على نصيب المفقود، والله أعلم.
стр. 859
[باب الولاء]
ومن أعتق مملوكاً، ثبت عليه الولاء، لما روت عائشة: أن النبي ﷺ قال: «إنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه. فإن عتق عليه بتدبير أو كتابة أو استيلاد أو قرابة، أو بيعه عبده نفسه، أو أعتقه عنه غيره بإذنه، فله عليه الولاء، لأنه عتق عليه، فأشبه ما لو باشر عتقه. وسواء أدى المكاتب إلى السيد، أو إلى ورثته، لأن عتقه بكتابته وهي من سيده. فأما إن أعتق عبده عن ميت، أو حي بغير أمره، فالولاء للمعتق، للخبر، ولأنه أعتقه بغير إذن الآخر، فكان ولاؤه للمعتق، كما لو لم ينو، ولو قال: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه، ففعل، فالولاء للمعتق عنه، لأنه نائب عنه في العتق فهو كالوكيل. ولو قال: أعتقه والثمن علي، ففعل، فالولاء للمعتق، لأنه لم يعتقه من غيره، فأشبه ما لو لم يجعل له جعلاً. وإن قال: اعتقه عني، ولم يذكر عوضاً، ففيه روايتان:
إحداهما: ولاؤه للمعتق، للخبر.
والثانية: للمعتق عليه، لأنه أعتقه عنه بأمره، فأشبه ما لو كان بعوض.
فصل:
ومن أعتق عبده سائبة، أو قال: أعتقتك ولا ولاء لي عليك، أو أعتقه من زكاته، أو كفارته، أو نذره، ففيه روايتان:
إحداهما: له عليه الولاء، لعموم الخبر.
والثانية: لا ولاء عليه، لأنه جعل ولاءه من السائبة، فصح، كرقه. وفي سائر الصور، العتق بمال لا يستحقه، فلم يكن له ولاء كالوكيل. فعلى هذه الرواية، ما رجع من ولائهم، يرد في مثلهم، ويكون حكم ولائهم كحكم ولاء الأولين.
فصل:
وإن أعتق مسلم كافراً، أو كافر مسلماً، ثبت له الولاء، للخبر. وهل يرث به؟ فيه روايتان ذكرناهما، فإن قلنا: لا يرث وكان للمعتق عصبة على دين المعتق، ورثه، لأنه يرثه لو كان المعتق ميتاً. وكذلك إذا كان ممنوعاً من ميراثه. وإن أسلم الكافر منهما،
стр. 860
ورث المولى، كما لو أسلم القريب الكافر وورثه قريبه المسلم.
فصل:
ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته» متفق عليه. ولأن الولاء كالنسب، بدليل قول النبي ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب» .
[باب الميراث بالولاء]
إذا مات المعتق ولم يخلف وارثاً من نسبه، ورثه مولاه، وإن خلف ذا فرض، فللمولى ما فضل عنه، لما روى عبد الله بن شداد قال: «أعتقت ابنة حمزة مولى لها، فمات وترك ابنته وابنة حمزة، فأعطى النبي ﷺ ابنته النصف، وابنة حمزة النصف» . رواه النسائي وابن ماجة.
ولا يرث المولى مع عصبة من النسب، لأنه فرع على النسب، فلا يرث مع وجوده. وإن مات العبد بعد موت مولاه، ورثه أقرب عصبة مولاه دون ذوي الفروض، لأن الولاء كالنسب، والنسب إلى العصبات، ولأنه كنسب المولى من أخ أو عم، فيرثه ابن المولى دون ابنته، كما يرث عمه، ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبات، لما روى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ قال: «المولى أخ في الدين، وولي النعمة، يرثه أولى الناس بالمعتق» . ولأن عصبات الميت يرث منهم الأقرب فالأقرب، فكذلك عصبات المولى، ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتق، أو أعتق من اعتقن. وعن أبي عبد الله رواية أخرى في بنت المعتق خاصة: أنها ترث، لما روي عن النبي ﷺ أنه ورث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة، والصحيح أنها لا ترث، وأنها هي المعتقة للمولى، كما روى عبد الله بن شداد فيما تقدم، ولا يرث منه ذو فرض إلا الأب والجد، يرثان السدس مع الابن وابنه، لأنهما عصبة. فيقسم بينهما كما يقسم مال المعتق بينهما. فإن اجتمع الجد والأخ أو الإخوة، قسم بينهما كما يقسم ميراث المعتق، ولا يعتد بالأخوات، لأنهن لا يرثن منفردات. ويقدم الأخ للأبوين على الأخ للأب، ويعاد الأخ للأبوين الجد بالأخ للأب، لأنه يرث منفرداً، ثم الأقرب فالأقرب. فإذا انقرض عصبات المولى من النسب، فلمولاه إن كان ذا مولى، ثم لأقرب عصباته. ولو اشترى رجل وأخته أباهما، أو أخاهما، فعتق عليهما، ثم اشترى عبداً فأعتقه، ثم مات أبوهما أو
стр. 861
أخوهما، ثم مات عتيقه، فميراثه للرجل دون أخته، لأنه يرثه بنسبه من معتقه، ولا ترث النساء من الولاء بالنسبة شيئاً.
فصل:
وإذا مات رجل عن ابنين ومولى، فمات أحد الابنين بعده عن ابن، ثم مات المولى، فالميراث لابن المولى، لأن الولاء للكبر، ومعناه أنه يرث به أقرب الناس إلى سيده يوم موت العبد. وذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يورث، وإنما يورث به مع بقائه للمولى، فوجب أن يكون للكبر، لأنه أقرب. ولو مات المعتق وخلف ابنين ومولى، ومات أحدهما وخلف ابناً، ومات الآخر وخلف تسعة، ثم مات المولى، كان الولاء بينهم على عددهم، لكل واحد منهم عشرة، لما ذكرنا.
فصل:
وإذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها، فولاء الولد لمولى أمه، لأن الحرية حصلت له بإعتاق الأم والإنعام عليها. فإن أعتق سيد العبد عبده، أنجر ولاء الولد عن مولى الأم إلى مولى العبد، لما روي عن الزبير أنه رأى بخيبر فتية لعساً فأعجبه ظرفهم وجمالهم، فسأل عنهم فقيل له: موالي لرافع بن خديج وأبوهم مملوك لآل الحرقة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، وقال لأولاده: انتسبوا لي، فإن ولاءكم لي. فقال رافع بن خديج: الولاء لي، لأنهم عتقوا بعتقي أمهم، فاحتكموا إلى عثمان، فقضى بالولاء للزبير، فأجمعت الصحابة عليه. ولأن الولاء فرع النسب، والنسب معتبر بالأب. وإنما ثبت لمولى الأم، لعدم الولاء من جهة الأب، فإذا ثبت الولاء على الأب، عاد الولاء إلى موضعه، كولد الملاعنة إذا اعترف به الزوج. وإن أعتق الجد، لم ينجر الولاء.
وعنه: ينجر. والأول المذهب، لأن الأصل بقاء الولاء لمن ثبت له، وإنما خولف هذا الأصل في الأب، لإجماع الصحابة عليه فيبقى فيمن عداه على الأصل.
فصل:
وإن تزوج عبد أمة فأولدها، فأعتقها سيدها وولدها، ثبت له الولاء عليهم. فإن عتق الأب بعد ذلك، لم ينجر الولاء، لأن الولاء ثبت على الولد بالمباشرة، فكان المنعم عليه بالمباشرة أولى من المنعم على أبيه، وإذا تزوج حر الأصل بمولاة، أو تزوج عبد أو مولى بحرة الأصل، فلا ولاء على ولدهم بحال. وإن تزوج مولى بمولاة، فولاء ولدهما لسيد الأب، لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، ثم ابتداء الحرية في الأب يسقط استدامة الولاء لمولى الأم، فلأن يمنع ابتداء الولاء له أولى.
стр. 862
فصل:
إذا تزوج عبد معتقَة قوم، فأولدها ولداً، فاشترى الولد أباه، ثبت له ولاؤه، وولاء أولاده، ويبقى ولاء المعتق لمولى أبيه؛ لأنه لا يمكن أن يجر ولاء نفسه، لاستحالة ثبوت ولاء الإنسان على نفسه، كما يستحيل أن يكون أبا نفسه. وإن لم يشتر أباه، لكن اشترى عبداً فأعتقه، ثم اشترى هذا العبد أبا سيده، فأعتقه، فإنه ينجر إليه ولاء سيده، ويصير كل واحد منهما مولى صاحبه من فوق ومن أسفل، ويصير هذا كحربي أعتق عبداً فأسلم وأسر سيده ثم أعتقه.
فصل:
ولو تزوج عبد معتقة، فأولدها بنتين، فاشتريا أباهما، عتق عليهما، ولهما عليه الولاء، وتجر كل واحدة منهما إلى نفسها نصف ولاء أختها، لإعتاقها نصف الأب، ويبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها. فإن مات الأب، فماله لهما، ثلثاه بالبنوة، وباقيه بالولاء، فإن ماتت إحداهما بعده، فلأختها نصف ما لها بالنسب، ونصف الباقي بكونها مولاة نصفها، ويبقى الربع لمولى أمها. وإن ماتت إحداهما قبل الأب، فمالها لأبيها بالنسب، فإن مات الأب بعدها، فللباقية نصف ميراث أبيها بالنسب، ونصف الباقي بالولاء، يبقى الربع لموالي الميتة، وهم أختها وموالي أمها، لأخيها نصفه، وهو الثمن، صار لها سبعة أثمان المال، ولموالي أم الميتة الثمن، فإذا ماتت هذه بعدهما، فنصف ما لها لموالي أمها بالولاء، ونصفه لموالي أختها الميتة، وهم أختها وموالي أمها، فيكون الربع لموالي أمها، والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة، فهذا الجزء دائر، لأنه خرج من هذه وعاد إليها، فقال القاضي: يجعل في بيت المال، لأنه لا مستحق له، وإن مات الأب بعد موتهما، فلموالي أمهما ثلاثة أرباع ماله، وربع دائر يرجع إلى بيت المال. وذكر أبو عبد الله الرقي: أن قياس قول أحمد: أن هذا السهم يرد إلى موالي الأم، فعلى هذا يكون جميع الميراث لموالي الأم.
стр. 863
[كتاب العتق]
وهو: قربة مندوب إليها، بدليل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله: «من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها، إرباً منه من النار» رواه مسلم، حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج. والأفضل عتق من له قوة وكسب، يستغني به، فأما من لا كسب له، فحكي عن أحمد أنه لا يستحب عتقه، لأنه يتضرر بفوات نفقته الواجبة له، وربما صار كَلاً على الناس.
فصل:
ويحصل العتق بثلاثة، القول، والملك، والاستيلاد، ولا يحصل بالنية المجردة، لأنه إزالة ملك، فلم يحصل بمجرد النية، كالطلاق، وألفاظه تنقسم إلى صريح وكناية، فالصريح: لفظ العتق، والحرية، وما تصرف منهما، لأنه يثبت لهما عرف الشرع والاستعمال، فكانا صريحين، كلفظ الطلاق في الطلاق، فإن أراد بهما غير العتق، كرجل يقول لغلامه: هو حر، يريد أنه عفيف كريم الأخلاق، أو يغالبه فيقول: ما أنت إلا حر، يريد أنك تمتنع من طاعتي امتناع الحر، فقد قال أحمد في رواية حنبل: أرجو أن لا يعتق، وأنا أهاب المسألة، فظاهر هذا أنه لا يعتق، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فانصرف إليه. كما لو نوى العتق بكنايته.
والكناية: نحو قوله: قد خليتك، واذهب حيث شئت، والحق بأهلك، وحبلك على غاربك، ونحوه. فلا يعتق بذلك حتى ينويه، لأنه يحتمل غير العتق، فأشبه كناية الطلاق فيه، وفي قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة، وفككت رقبتك، ولا رق لي عليك، وأنت لله، وأنت مولاي، وملكتك نفسك. فيه روايتان:
إحداهما: هو صريح في العتق، لأنها تتضمن العتق، وقد جاء في كتاب الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] . يعني: العتق، فكانت صريحة، كقوله: أعتقتك.
стр. 864
والثانية: هو كناية، لأنها تحتمل غير العتق. وقال القاضي: قوله: لا رق لي عليك، ولا ملك لي عليك، وأنت لله، صريح. نص عليه أحمد، في: أنت لله، لأن معناه: أنت حر لله. واللفظان الأولان صريحان في نفي الملك، والعتق من ضرورته. وفي قوله لأمته: أنت طالق، أو أنت حرام علي، روايتان:
إحداهما: هو كناية، تعتق به إذا نوى به العتق، لأن الرق أحد الملكين في الآدمي، فيزول بلفظ الطلاق، كملك النكاح، والحرية يحصل بها تحريمها عليه، فجاز أن يكون كناية فيه.
والثانية: ليس بكناية، لأنه ملك لا يستدرك بالرجعة، فلم يزل بالطلاق، كملك المال. والتحريم صريح في الظهار، فلم يكن كناية في العتق، كقوله: أنت علي كظهر أمي.
فصل:
ولا يصح العتق إلا من جائز التصرف، ولا يصح من صبي، ولا مجنون ولا سفيه، لأنه تبرع في الحياة، فأشبه الهبة. ولا يصح عتق الموقوف، لأنه فيه إبطالاً لحق البطن الثاني منه، وليس له ذلك.
فصل:
فإن كان العبد بين شريكين، فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، عتق كله، ووجب عليه قيمة نصيب شريكه، لما روى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركاً له في عبد، فإن كان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق» متفق عليه. وفي لفظ «وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق» . وفي لفظ «فقد عتق كله» .
ويعتق كله حال إعتاق الشريك، للخبر، ولأنه سراية قول، فنفذ في الحال كطلاق بعض الزوجة، فإن أعتقه الشريك عقيب عتق الأول وقبل أخذ القيمة، لم يثبت له فيه عتق، لأنه صار حراً بعتق الأول. ولو لم يؤد القيمة حتى أفلس، كانت ديناً في ذمته، وعتقه ماض، ووقت التقويم وقت العتق، لأنه وقت الإتلاف، فأشبه الجناية، فإن اختلفا في القيمة، فالقول قول المعتق، لأنه غارم. وإن اختلفا في صناعة تزيد بها قيمته، أو عيب تنقص به قيمته، فالقول قول من ينفيه، لأن الأصل عدمه، وسواء كان المعتق مسلماً أو كافراً، لأنه تقويم متلف، فاستوى فيه المسلم والكافر، كتقويم المتلفات. ويحتمل أن لا يسري عتق الكافر في المسلم، لأنه لا يجوز أن يتملكه. وإن كان نصيب الشريك وقفاً، لم يعتق، لأن الوقف لا يعتق بالمباشرة، فبالسراية أولى.
стр. 865
وإن كان المعتق معسراً، عتق نصيبه منه خاصة، وباقيه على الرق، للخبر، ولأن سراية العتق ضرر بالشريك، لتلف ماله بغير رضاه، من غير عوض يجبره.
وعنه: يستسعي العبد في قيمة باقيه، ويعتق كله. لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله: ﷺ «من أعتق شقصاً له في مملوكه، فعليه أن يعتقه كله، إن كان له مال، وإلا استسعي العبد غير مشقوق عليه» رواه أبو داود.
والأول أصح، لأن خبر ابن عمر أصح، ولأن الإحالة على السعاية، إحالة على وهم، وفيه ضرر بالعبد بإجباره على الكسب من غير اختياره، فإن كان معه قيمة البعض، عتق منه بقدره، لأن ما وجب بالاستهلاك إذا عجز عن البعض وجب بقدر ما قدر عليه، كقيمة المتلف.
فصل:
فإن أعتق المعسر بعض عبده، عتق كله، لأنه موسر بما يسري إليه، فأشبه ما لو أعتق بعض عبد وهو موسر بقيمة باقيه، فإن أعتق بعضه في مرض موته، عتق منه ما يحتمله الثلث وإن زاد على قدر ما أعتق، لأن عتق بعضه كعتق جميعه، وإن احتمل الثلث جميعه، عتق كله.
فصل:
إذا ملك بعض عبد، فأعتقه في مرض موته أو دبره، فعتق بموته، وكان ثلث ماله يفي بقيمة حصة شريكه، أعطي وكان كله حراً في إحدى الروايتين، لأن ثلثه له، فكان موسراً به، والأخرى: لا يعتق منه إلا ما ملك، لأن حق الورثة تعلق بماله، إلا ما استثناه من الثلث بتصرفه فيه. ذكرهما الخرقي، وأبو الخطاب. قال الخرقي: وكذلك الحكم إذا دبر بعضه وهو مالك لكله، لأن ملكه يزول عما سوى المعتق. وقال القاضي: إن أعتقه في مرض موته وهو موسر، عتق جميعه، لأنه أعتقه وهو موسر بثمن جميعه، فدخل في الخبر، وإن دبره لم يعتق إلا ما ملك، لأن ملكه زال بالموت، إلا ما استثناه بوصيته. وصحح الرواية الأولى في العتق في المرض. والثانية في التدبير.
فصل:
وإذا كان العبد لثلاثة، لأحدهم نصفه، وللآخر ثلثه، وللثالث سدسه، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معاً، وهما موسران، عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما فيه بالسوية، لأن التقويم المستحق بالسراية، يسقط على عدد الرؤوس، كما لو اشترك اثنان في جراحة رجل، جرحه أحدهما جرحاً، والآخر عشرة، ويكون ولاؤه بينهما أثلاثاً، لصاحب النصف ثلثاه، ولصاحب السدس ثلثه، ويحتمل أن يقوم عليهما
стр. 866
على قدر ملكيهما، لأنه يستحق بالملك، فكان على قدره، كالشفعة، فيكون ولاؤه بينهما أرباعاً.
فصل:
وإذا كان العبد لثلاثة، فأعتقوه معاً، أو وكل نفسان الثالث، فأعتق حقهما مع حقه، أو أعتقه كل واحد منهم وهو معسر، عتق على كل واحد حقه منهم، وولاؤه بينهم أثلاثاً، وإن أعتقه الأول وهو معسر، وأعتقه الثاني وهو موسر، عتق عليه نصيبه ونصيب شريكه، وكان ثلث ولائه للمعتق الأول، وثلثاه للمعتق الثاني. وإن قال اثنان منهم للثالث: إذا أعتقت نصيبك فنصيبنا حر، فأعتق نصيبه وهو معسر عتق كله عليه، وقوم عليه نصيب شريكيه، وولاؤه له دونهما، ويحتمل أن يعتق نصيبهما عليهما، لأن إعتاق نصيبهما يتعقب إعتاق نصيبه، ولا تسبقه السراية، وإن كان معسراً، عتق عليه نصيبه خاصة، وعتق نصيب صاحبيه بالشرط، وولاؤه بينهم أثلاثاً، سواء اتفقا في القول، أو سبق به أحدهما، لأن الوقوع بوجود الشرط، وقد استويا فيه، وإن قالا له: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبنا حر مع نصيبك، فأعتق نصيبه، عتق نصيب كل واحد على مالكه، لأن عتقه وقع في حالة واحدة.
فصل:
فأما العتق بالملك، فإن من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه بمجرد ملكه، لما روى سمرة، أن النبي ﷺ قال: «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر» رواه أبو داود ولأنه ذو رحم محرم فعتق عليه إذا ملكه الولد.
وعنه: لا يعتق عليه، إلا عمودا النسب، بناء على أن نفقة غيرهم لا تجب. وإن ملك بعض من يعتق عليه بسبب غير الميراث، فهو كإعتاقه له في تقويم باقيه عليه مع اليسار، وبقائه على الرق مع الإعسار، لأنه عتق بسبب من جهته، فأشبه إعتاقه بالقول. وإن ملكه بالإرث، لم يعتق منه إلا ما ملك، موسراً كان أو معسراً، لأنه لا اختيار له في إعتاقه، ولا سبب من جهته. ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يعتق نصيب الشريك إذا كان موسراً، لأنه ملك بعضه، أشبه البيع. وإذا ملك ولده من الزنا، لم يعتق عليه على ظاهر كلام أحمد ﵁، لأنه لا تجب عليه نفقته، ويحتمل أن يعتق عليه، لأنه ولد يحرم نكاحه، فعتق، كولد الرشيدة.
فصل:
وإن وهب لصبي من يعتق عليه، أو وصي له به، وكان بحيث لا يجب على الصبي نفقته لكون الصبي معسراً، أو الموهوب صحيحاً كبيراً. إذا كسب وجب على
стр. 867
الولي قبول الهبة والوصية، لأن فيه نفعاً للصبي، وجمالاً بحرية قريبه من غير ضرر. وإن كان بحيث تلزمه نفقته، لم يكن له قبوله، لأن فيه ضرراً بإلزامه نفقته. وإن وهب له جزء ممن يعتق عليه، وكان ممن لا تجب نفقته، ففيه وجهان مبنيان على أنه: هل يقوم على الصبي باقيه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقوم عليه باقيه، لأنه يدخل في ملكه بغير سبب من جهته، أشبه الإرث، فعلى هذا يلزم وليه قبوله، لما فيه من النفع الخالي على الضرر.
والثاني: يقوم عليه، لأن قبول وليه يقوم مقام قبوله، كما لو قبل وكيل البالغ، فعلى هذا لا يملك قبوله. فإن قبل في موضع لا يملك القبول، لم يصح، ولا يملك الولي شراء من يعتق على الصبي، لأنه إذا لم يملك قبول الهبة التي لا عوض فيها، فالبيع أولى.
فصل:
وإذا أعتق في مرضه عبيداً لا مال له غيرهم، أو دبرهم، أو أوصى بعتقهم، أو دبر أحدهم وأوصى بعتق الباقين، لم يعتق منهم إلا الثلث، إلا أن يجيز الورثة، فيقرع بينهم بسهم حرية، وسهمي رق، فمن خرج له سهم حرية، عتق ورق الباقون، لما روى عمران بن حصين: «أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم، فجزأهم رسول الله ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» . أخرجه مسلم.
وإن كان عليه دين يستغرقهم، لم يعتق منهم شيء، لأن عتقهم وصية، وقد «قضى رسول الله ﷺ : أن الدين قبل الوصية» . وإن كان يستغرق بعضهم، عتق من باقيهم ثلثه، فيقرع بينهم لإخراج الدين، ثم يقرع بينهم لإخراج الحرية، فإن كان الدين يستغرق نصفهم، جزأناهم جزأين، وأقرعنا بينهم بسهم دين، وسهم تركة، فمن خرج له سهم الدين، بيع فيه، ثم يقرع بين الباقين بسهم حرية، وسهمي رق كما ذكرنا.
فصل:
ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم، فأعتقناهم، ثم ظهر عليه دين يستغرقهم، بعناهم فيه، لما ذكرنا. فإن قال الورثة: نحن نقضي الدين ونجيز العتق، احتمل أن لهم ذلك، لأن المانع إنما هو الدين، فإذا قضي زال المانع، فثبت العتق، واحتمل أنه ليس لهم ذلك، لأن الغرماء تتعلق حقوقهم بالتركة، فلم يملك الورثة إبطالها بالقول، لكن إذا قضوا الدين فلهم استئناف العتق. وإن أعتقنا بعضهم بالقرعة، ثم ظهر عليه دين يستغرق بعضهم، احتمل أن يبطل العتق في الجميع، كما لو اقتسم الشركاء، ثم ظهر لهم شريك ثالث، واحتمل أن يبطل بقدر الدين، لأن بطلانه لأجل الدين، فيقدر بقدره، ولو
стр. 868
أعتقهم فأعتقنا منهم واحداً يعجز ثلثه عن أكثر منه، ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه، تبينا أن الباقين كانوا أحراراً من حين أعتقهم، فيكون كسبهم لهم، لأنهم يخرجون من الثلث.
فصل:
فإن مات بعضهم، أقرعنا بينهم، فإن خرجت لميت حسبناه من التركة، وقومناه حين العتق، لأنه خرج بذلك من التركة. وإن خرجت لحي، نظرنا في الميت، فإن مات في حياة المعتق أو بعدها قبل قبض الوارث، لم يحسب من التركة، لأنه لم يصل إلى الوارث، فيكون لتركة الحيين، فيكمل ثلثهما ممن وقعت عليه القرعة، وتعتبر قيمته حين إعتاقه، لا حين إتلافه. وحكى أبو الخطاب عن أبي بكر أن الميت يحسب من التركة، ويعتق من تقع عليه القرعة إن خرج من الثلث، لأننا حسبناه من التركة إذا وقعت القرعة له، فكذلك إذا وقعت لغيره. فإن مات بعد قبض الوارث، حسب من التركة، لأنه وصل إليه.
فصل
قال أحمد: بأي شيء خرجت القرعة، وقع الحكم به، سواء كانت رقاعاً أو خواتيم، وذلك لأن الشرع ورد بالقرعة، ولم يرد بكيفيتها، فوجب ردها إلى ما يقع عليه الاسم مما تعارفه الناس، والأحوط أن تقطع رقاع متساوية يكتب في كل رقعة اسم ذي السهم، ثم يجعل في بنادق طين، أو شمع، متساوية، ثم يغطى بثوب، ويقال لرجل: أدخل يدك، فأخرج بندقة، فيفضها، ويعلم ما فيها، فإن كان القصد عتق الثلث، جزأ العبيد ثلاثة أجزاء، فإن أمكن تجزئتهم بالعدد والقيمة، كستة أعبد قيمتهم متساوية، جعلنا كل اثنين جزءاً كما فعل النبي ﷺ فيهم. وإن كانت قيمتهم مختلفة، إلا أننا إذا ضممنا قليل القيمة إلى كثيرها، صار أثلاثاً، فعلنا ذلك. وإن أمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد، كستة قيمة أحدهم الثلث، وقيمة اثنين الثلث، وقيمة ثلاثة الثلث، جزأناهم بالقيمة. وإن لم يمكن تعديلهم بقيمة ولا عدد، كثمانية أعبد قيمتهم مختلفة، أو متساوية، احتمل أن لا نجزئهم، بل نخرج قرعة الحرية لواحد واحد، حتى يستوفى الثلث، واحتمل أن نقارب بينهم، ونجزئهم ثلاثة أجزاء، فنجعل ثلاثة جزءاً، وثلاثة جزءاً، واثنين جزءاً، فإن خرجت القرعة على زائد على الثلث، أقرعنا بين ما وقعت لهم القرعة، فكملنا الحرية في بعضهم، وتممنا الثلث من الباقين. وإن وقعت على ما دون الثلث، عتقوا، وأعدنا القرعة لتكميل الثلث من الباقين. وإن أعتق عبدين، قيمة أحدهما مثلا قيمة الآخر، أقرعنا بينها بسهم حرية، وسهم رق، فإن وقع سهم الحرية للأدنى عتق، وإن وقع للأكثر عتق نصفه. فإن كانت قيمة أحدهما مائتين، والآخر
стр. 869
ثلاثمائة، جمعنا قيمتهما، ثم أقرعنا بينهما، فمن خرج له سهم الحرية، ضربنا قيمته في ثلاثة، ونسبنا قيمتها إلى المرتفع بالضرب، فما خرج من النسبة، عتق من العبد قدره، فإذا وقعت على الذي قيمته مائتان، ضربناه في ثلاثة، صار ستمائة، ونسبنا قيمتهما إلى ذلك، نجدها خمسة أسداسه، فيعتق منه خمسة أسداسه، وإن وقعت على الآخر، عتق منه خمسة أتساعه لذلك، وهكذا نصنع في أمثال ذلك.
فصل
إذا أعتق الأمة وهي حامل، عتق جنينها، لأنه يتبعها في البيع والهبة، ففي العتق أولى، فإن استثنى جنينها، لم يعتق، لما روي عن ابن عمر: أنه أعتق أمة واستثنى ما في بطنها، ولأنها ذات حمل، فصح استثناء حملها، كما لو باع نخلة لم تؤبر، واشترط ثمرتها. وقال القاضي: يخرج على الروايتين فيما إذا استثنى ذلك في البيع، والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه. وإن أعتق جنينها وحده، لم تعتق هي، لأنها ليست تابعة له، فلا تعتق بعتقه، كما لو أعتقه بعد الولادة.
فصل
وإذا كان العبد بين شريكين، فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه، لم يخل من أحوال ثلاثة:
أحدهما: أن يكونا موسرين فيصير العبد حراً، لاعتراف كل واحد منهما بحريته بإعتاق شريكه، ويبقى كل واحد منهما يدعي على شريكه قيمة حقه منه، فإن لم يكن بينة، حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئ. وإن نكل أحدهما، قضي عليه. وإن نكلا جميعاً، تساقطا حقاهما، ولا ولاء على العبد، لأنه لا يدعيه أحد. فإن اعترف به أحدهما بعد ذلك، ثبت له، سواء كانا عدلين أو فاسقين.
الحال الثاني: أن يكونا معسرين، فلا يقبل قول كل واحد منهما على صاحبه، لأنه لا اعتراف فيه بالحرية، لعدم السراية في إعتاق المعسر، فإن كانا فاسقين، فلا عبرة بقولهما. وإن كانا عدلين، فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما، ويصير حراً، أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حراً. فإن كان أحدهما عدلاً، والآخر فاسقاً، فله أن يحلف مع العدل. هذا إذا قلنا: إن الحرية تثبت بشاهد ويمين، ولا ولاء لواحد منهما أيضاً، لأنه لا يدعيه.
الحال الثالث: أن يكون أحدهما موسراً، والآخر معسراً، فيعتق نصيب المعسر وحده، لاعترافه بحريته، لأنه يعترف بعتق الموسر الذي يسري إلى نصيبه، ويبقى نصيب الموسر رقيقاً، لأنه إنما اعترف بإعتاق شريكه الذي لا يسري، فلا يؤثر. فإن كان المعسر عدلاً، فللعبد أن يحلف مع شهادته، ويصير حراً إذا قلنا: إن الحرية تثبت بشهادة ويمين.
стр. 870
فصل
وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران، أو المدعى عليه موسر وحده، عتق نصيب المدعي وحده، لاعترافه بحريته، وبقي نصيب المدعى عليه رقيقاً. وإن كانا معسرين، أو المدعى عليه معسراً، لم يعتق منه شيء. فإن اشترى المدعي نصيب صاحبه، عتق ولم يسر إلى نصيبه، لأن عتقه باعترافه بحريته، لا بإعتاقه.
فصل
إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهداً، حلف مع شاهده، وصار حراً في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يثبت ذلك بشاهد ويمين، لأنه ليس بمال، ولا المقصود منه المال، فأشبه الطلاق.
فصل
إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة، فاعترف كل واحد منهما بعتق أحد العبدين، عتق من كل واحد ثلثه، ولكل واحد من الابنين سدس العبد الذي اعترف بعتقه، ونصف الآخر، لأنه يزعم أن ثلثي العبد الذي اعترف بعتقه حر، ويبقى ثلثه لكل واحد منهما سدسه. وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا. وقال الآخر: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما، أقرعنا بينهما، فإن وقعت القرعة على الآخر، عتق من كل واحد ثلثه، كالتي قبلها، لأن القرعة قائمة مقام تعيينه. وإن وقعت على الذي اعترف أخوه بعتقه، عتق ثلثاه، إلا أن يجيزا عتقه كاملاً، وصار كالمتفق على عتقه.
[باب تعليق العتق بالصفة]
ويجوز تعليق العتق بصفة، نحو قوله: إن دخلت الدار فأنت حر، أو: إن أعطيتني ألفاً، فأنت حر، لأنه عتق بصفة، فجاز، كالتدبير، ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، لأنه حق علق على شرط، فلا يثبت قبله، كالجعل في الجعالة. وإن قال ذلك في مرض موته، اعتبر من الثلث، لأنه لو أعتقه، اعتبر من الثلث، فإذا عقده، كان أولى، فإن قال في الصحة فهو من رأس المال، سواء وجدت الصفة في الصحة أو المرض، لأنه غير متهم بالإضرار بالورثة في تلك الحال. وقال أبو بكر: إن وجدت الصفة في المرض، فهو من الثلث، لأن حق الورثة قد تعلق بالثلثين، فلم ينفذ إعتاقه فيهما، كما لو نجز العتق. وإن مات السيد قبل وجود الصفة، بطلت، لأن ملكه يزول بموته، فيبطل تصرفه بزواله. وإن قال: إن دخلت الدار بعد موتي، فأنت حر، ففيه روايتان:
إحداهما: لا تنعقد هذه الصفة، لأنه علق عتقه على صفة توجد بعد زوال ملكه،
стр. 871
فلم تصح، كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك، فأنت حر.
والثانية: تنعقد، لأنه إعتاق بعد الموت فصح، كما لو قال: أنت حر بعد موتي.
فصل
وإن علق عتق أمته على صفة وهي حامل، تبعها ولدها في ذلك، لأنه كعضو من أعضائها. فإن وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت، عتق الولد، لأنه تابع في الصفة، فأشبه ما لو كان في البطن. وإن علق عتقها وهي حائل، ثم وجدت الصفة وهي حامل، عتقت هي وحملها، لأن العتق وجد فيها وهي حامل، فتبعها ولدها، كالعتق المطلق. وإن حملت ثم ولدت، ووجدت الصفة، لم يعتق الولد، لأن الصفة لم تتعلق به. وفيه وجه آخر: يتبعها قياساً على ولد المدبرة. وإن بطلت الصفة ببيع أو موت. لم يعتق الولد، لأنه إنما يتبعها في العتق، لا في الصفة. فإذا لم توجد فيها، لم توجد فيه، بخلاف ولد المدبرة، فإنه يتبعها في التدبير. فإذا بطل فيها، بقي فيه.
فصل
وإذا علق العتق بصفة، لم يملك إبطالها بالقول، لأنه كالنذر، ويملك ما يزيل الملك فيه من البيع وغيره. فإذا باعه ثم اشتراه، فالصفة بحالها، لأن التعليق والصفة وجدا في ملكه، فعتق، كما لو لم يزل الملك، فإن وجدت الصفة بعد زوال الملك، ثم اشتراه، فهل تعود الصفة؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا تعود، لأنها انحلت بوجودها في ملك المشتري، فلم تعد، كما لو انحلت بوجودها في ملكه.
والثانية: تعود، لأنه لم توجد الصفة التي يعتق بها، فأشبه ما لو عاد إلى ملكه قبل وجود الصفة، ولأن الملك مقدر بالصفة، فكأنه قال: إذا دخلت الدار وأنت في ملكي، فأنت حر، ولم يوجد ذلك.
فصل
وإن علق العتق على صفة قبل الملك فقال لعبد أجنبي: إذا دخلت الدار فأنت حر، ثم ملكه ودخل الدار، لم يعتق، لأنه لا يملك تنجيز العتق، فلا يملك تعليقه، ولأن النبي ﷺ قال: «لا عتق قبل ملك» رواه أبو داود الطيالسي. وإن قال: إن
стр. 872
ملكتك فأنت حر. أو ملكت فلاناً، فهو حر، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يعتق لذلك.
والثانية: يعتق إذا ملكه، لأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه، فأشبه ما لو كان التعليق في ملكه. وإن قال الحر: كل مملوك أملكه، فهو حر، ففيه روايتان، لما ذكرنا. وإن قال ذلك العبد، ثم عتق وملك، فهل يعتق عليه؟ على وجهين:
أحدهما: يعتق عليه، كالحر.
والثاني: لا يعتق عليه، لأن العبد لا يملك، فلا يصح منه التعليق. ولو قال الحر: آخر مملوك أشتريه، فهو حر، وقلنا بصحة التعليق، فمتى مات، تبينا حصول الحرية لآخر مملوك اشتراه من حين الشراء فيكون اكتسابه له. فإن أشكل الآخر منهم، أقرع بينهم، لإخراج الحر، وكذلك لو قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت ابنين، أقرع بينهما إذا أشكل أولهما خروجاً.
[باب التدبير]
ومعناه: تعليق الحرية بالموت: وصريحه: أنت حر أو عتيق، بعد موتي، أو أنت مدبر، أو قد دبرتك، لأن هذا اللفظ موضوع له، فكان صريحاً فيه، كلفظ العتق في الإعتاق، وهو مستحب، لأنه يقصد به العتق، ويعتبر من الثلث، لأنه تبرع بالمال بعد الموت، فهو كالوصية، ونقل عنه حنبل أنه من رأس المال، وليس عليه عمل، وذكر أبو بكر أنه كان قولاً قديماً، وربما رجع عنه.
فصل
ويجوز مطلقاً ومقيداً، فالمطلق كما ذكرنا، والمقيد نحو أن يقول: إن مت من مرضي هذا، أو في هذا البلد، فأنت حر، لأنه تعليق على صفة، فجاز مطلقاً ومقيداً. والمقيد: كتعليقه على دخول الدار. وإن قال: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي، جاز، لأنه تعليق على صفة، فجاز تعليقه على صفة أخرى، كما ذكرنا. فإن دخل الدار
стр. 873
في حياة السيد، فهو مدبر، وإن لم يدخل حتى مات، بطلت الصفة بالموت، لأنه يزول به الملك، ولم يوجد التدبير، لعدم شرطه.
فصل
ويجوز تدبير المعلق عتقه على صفة وتعليق عتق المدبر على صفة، لأن التدبير تعليق على صفة، فلا يمنع التعليق على صفة أخرى، كغيره من الصفات، فإن وجدت إحداهما، عتق وبطلت الأخرى، لزوال الرق قبل وجودها. ويجوز تدبير المكاتب، كما يجوز تعليق عتقه على صفة، وتجوز كتابة المدبر، كما يجوز أن يبيعه نفسه. فإذا كاتبه ودبره، فأدى كتابته قبل موت سيده، عتق وبطل التدبير. فإن مات السيد قبل الأداء، عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي من كتابته، وبطلت الكتابة. وإن لم يحمله الثلث، عتق منه قدر الثلث، وسقط من مال الكتابة بقدر ما عتق، وهو على الكتابة فيما بقي، وما في يده من الكسب له في الحالين، لأنه كان مملوكاً له ولم يوجد ما يخرجه عن يده، فبقي له، كما لو أبرأه من مال الكتابة، ويحتمل أن تكون كتابة المدبر رجوعاً في تدبيره، إن قلنا: إنه يملك إبطاله بالرجوع فيه، ولا يصح تدبير أم الولد، لأنها تستحق العتق بموت سيدها، بسسب مؤكد، فلا يفيد التدبير. ولو استولد المدبرة، بطل تدبيرها لذلك.
فصل
ويجوز بيع المدبرة، لما روى جابر بن عبد الله «أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر منه، ولم يكن له مال غيره، فاحتاج. فقال رسول الله ﷺ : من يشتريه مني؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه وقال: أنت أحوج منه» رواه البخاري ومسلم والنسائي. ولأنه إما وصية، وإما تعليق على صفة، وأيهما كان، لم يمنع البيع. وعن أحمد أنه لا يباع إلا في الدين، أو حاجة صاحبه، لأن النبي ﷺ إنما باعه لحاجة صاحبه.
وعنه: لا يجوز بيع المدبرة خاصة، لأن بيعها إباحة فرجها، والحكم في هبته ووقفه، كالحكم في بيعه واكتسابه ومنافعه. وأرش الجناية عليه لسيده، لأنه كالقن. وإن جنى فسيده بالخيار بين فدائه أو تسليمه للبيع، كالقن. فإن مات السيد قبل ذلك، عتق، وأرش جنايته في تركته، لأنه عتق من جهته، فتعلق الأرش بماله كالمنجر. وإن كانت الجناية لا تستغرق قيمته، فبيع بعضه فيها، فباقيه باق على التدبير، لأن المانع اختص ببعضه، فوجب أن يختص المنع به.
فصل
فإذا زال ملكه عن المدبر، ببيع أو غيره، ثم عاد إليه، رجع التدبير بحاله، لأنه
стр. 874
علق العتق بصفة، فلم تبطل بالبيع، كالتعليق بدخول الدار. وفيه وجه آخر: أنه يبطل بالبيع، لأنه وصية، فبطل بالبيع، كالوصية له بمال.
فصل
ولو دبره، ثم قال: قد رجعت في تدبيري، أو أبطلته، لم يبطل، لأنه تعليق بصفة، فأشبه تعليقه بدخول الدار.
وعنه: يبطل، لأنه تصرف معلق بالموت يعتبر من الثلث، فأشبه الوصية. وإن قال للمدبر: إن أديت إلى ورثتي ألفاً، فأنت حر، فهو رجوع، لأنه وقفه على أداء ألف، وذلك مناف للتدبير، فأشبه قوله: رجعت في تدبيري. والصبي كالبائع في هذا، لأنه مثله في التدبير، فكان مثله في الرجوع فيه.
فصل
وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه، لم يسر إلى نصيب شريكه، لأنه تعليق للعتق بصفة، أو وصية، وكلاهما لا يسري، ويحتمل أن يضمن ويصير كله مدبراً له، لأنه سبب يوجب العتق بالموت فسرى، كالاستيلاد. فإن أعتق الآخر نصيبه، سرى العتق إلى جميعه، وقوم عليه نصيب شريكه، لحديث ابن عمر. ويحتمل أن لا يسري العتق فيه، إذا قلنا: إنه يجوز بيعه.
فصل
وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها، فولدها بمنزلتها، لأنها تستحق الحرية بالموت، فيتبعها ولدها، كأم الولد. ولا يتبعها ولدها الموجود قبل التدبير، لأنه لا يتبع في حقيقة العتق، ففي تعليقه أولى. وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى: أنه يتبعها في التدبير. وإن دبر عبده، ثم أذن له في التسري، فولد له ولد، لم يكن مدبراً، لأن أمه غير مدبرة.
وعنه: أنه يصير مدبراً، لأنه ولده من أمته فيتبعه، كولد الحر. وإذا صار الولد مدبراً لتدبير أمه، فبطل تدبيرها لبيعها، والرجوع في تدبيرها، لم يبطل في ولدها، لأنه استحق الحرية، فلم يبطل حقه، لمعنى وجد في غيره، كما لو باشره بالتدبير.
فصل
ويصح تدبير الصبي المميز والسفيه، لما ذكرنا في صحة وصيتهما. ويصح تدبير الكافر، لأنه يصح إعتاقه. فإن أسلم مدبره، أمر بإزالة ملكه عنه، لأن الكافر لا يمكن من استدامة الملك على مسلم، مع إمكان بيعه. وفيه وجه آخر: أنه لا يباع، لأنه استحق الحرية بالموت، فأشبه أم الولد إذا أسلمت، ولكن تزال يده عنه، وينفق عليه من كسبه.
стр. 875
فإن لم يكن ذا كسب، فنفقته على سيده، كأم الولد إذا أسلمت. وإن دبر المرتد عبده، كان تدبيره موقوفاً، كسائر تصرفاته، فإن أسلم، تبينا صحة تدبيره. وإن مات على الردة، تبينا بطلانه.
وعنه: أن ملكه يزول بنفس الردة، فيكون تدبيره باطلاً، وهذا قول أبي بكر. وإن ارتد بعد التدبير وقتل بردته، أو مات، بطل التدبير، لأن ملكه زال في حياته. وإن رجع صح تدبيره، لأنا تبينا بقاء ملكه، أو رجوعه إليه بإسلامه بعد زواله.
فصل
فإذا ادعى العبد أن سيده دبره، فأنكر، فالقول قول السيد مع يمينه، لقول النبي ﷺ : «ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم، والبخاري بمعناه. فإن أقام العبد بينة، ثبت تدبيره. وهل يكفي شاهد ويمين، أو رجل وامرأتان، أم لا يكفي إلا رجلان؟ على روايتين، كما ذكرنا في العتق، ويتخرج أن لا تسمع دعوى العبد بناء على أن السيد له الرجوع في التدبير. وهل يكون إنكار التدبير رجوعاً عنه؟ على وجهين، بناء على الوصية.
فصل
وإن قتل المدبر سيده، بطل تدبيره، لأنه استحقاق علق بالموت من غير فعل، فأبطله القتل، كالإرث والوصية.
[باب الكتابة]
وهو مندوب إليها في حق من يعلم فيه خيراً، لقول الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] يعني: كسباً وأمانة، في قول أهل التفسير.
وعنه: رواية أخرى أنها واجبة، إذا دعا العبد الذي فيه خير سيده إليها، لظاهر الآية، ولأن عمر أجبر أنساً على كتابة سيرين، والأول ظاهر المذهب، لأنه إعتاق بعوض، فلم يجب كالاستسعاء، والآية محمولة على الندب، وقول عمر يخالفه فعل أنس، فأما من لا كسب له، ففيه روايتان:
إحداهما: تكره كتابته، لأنه يصير كلاً على الناس.
والثانية: لا تكره، لعموم الأخبار في فضل الإعتاق. وإذا دعا هذا سيده إلى
стр. 876
الكتابة لم يجبر، رواية واحدة. وإن دعا السيد عبده إلى الكتابة، لم يجبر عليها، لأنه إعتاق على مال، لم يجبر عليه كغير الكتابة.
فصل
ولا تنعقد إلا بالقول، وتنعقد بقوله: كاتبتك على كذا، لأنه لفظها الموضوع لها، فانعقدت به، كلفظ النكاح فيه. ويحتمل أن يشترط أن يقول: إذا أديت إلي، فأنت حر، لأنه إعتاق معلق على شرط، فاعتبر ذكره، والأول أولى.
فصل
ولا تصح إلا من جائز التصرف، مسلماً كان أو كافراً، لأنها تصرف في المال، فأشبهت البيع. فأما المميز من الصبيان، فيصح أن يكاتب عبده بإذن وليه، ولا يصح بغير إذنه، كما في بيعه، ويحتمل أن لا تصح بحال، لأنه إعتاق. وإن كاتب السيد عبده المميز، صح، لأن إيجاب سيده له إذن منه في قبولها. وإن كاتب عبده المجنون أو الطفل، فهو عقد باطل، وجوده كعدمه، إلا أن القاضي قال: يعتق بالأداء، لأن الكتابة تعليق الحرية بالأداء، فإن بطلت الكتابة كان عتقهما بحكم الصفة المحضة، وقال أبو بكر: لايعتق، لأن الكتابة ليست بصفة، ولا يعتبر ذكر الصفة فيها بحال.
فصل:
ولا تصح إلا على عوض، لأنها عقد معاوضة، فأشبه البيع. ومن شرطه أن يكون مؤجلاً، لأن جعله حالاً يفضي إلى العجز عن أدائه، وفسخ العقد بذلك، فيفوت المقصود. وأن يكون منجماً نجمين فصاعداً في قول أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي، لأن علياً قال: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني. وقال ابن أبي موسى: يجوز جعل المال كله في نجم واحد، لأنه عقد شرط فيه التأجيل، فجاز على نجم واحد، كالسلم، ولأن القصد بالتأجيل إمكان التسليم عنده، ويحصل ذلك في النجم الواحد، والأحوط نجمان فصاعداً. ويجب أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل نجم قدر المؤدى، وأن يكون العوض معلوماً بالصفة، لأنه عوض في الذمة، فوجب فيه العلم بذلك، كالسلم، ولا تصح إلا على عوض يصح السلم فيه، لما ذكرنا. وذكر القاضي: أنه يحتمل أن يصح على عوض مطلق، بناء على قوله في النكاح والخلع، والصحيح ما قدمنا.
فصل:
وتجوز الكتابة على المنافع، لأنها تثبت في الذمة بالعقد، فجازت الكتابة عليها، كالمال، وتجوز على مال أو خدمة، لأن كل واحد منهما، يصح أن يكون عوضاً
стр. 877
منفرداً، فصح في الآخر، كالمالين. فإن كاتبه على خدمة شهر، أو شهرين متواليين، فهو كالنجم الواحد، لأنها مدة واحدة، فإن قال: على أن تخدمني شهراً، ثم تخدمني عقيبه شهراً آخر، صح، لأنهما نجمان. وإن قال: على خدمة شهر ودينار بعده بيوم، صح، لأنهما نجمان. فإن جعل الدينار مع انقضاء الشهر، أو في أثنائه، صح، لأن الخدمة بمنزلة العوض الحال، فصار كالأجلين، ويحتمل أن لا يصح، لأنهما في مدة واحدة فكانا نجماً واحداً. وإن جعل الدينار حالاً، عقيب العقد، لم يصح، لأنه عوض حال معجوز عنه، بخلاف الخدمة، فإنها وإن كانت في منزلة الحال، فهو قادر عليها.
فصل:
والكتابة عقد لازم لا يملك العبد فسخها بحال.
وعنه: أنه يملكه، ولا يملك السيد فسخها قبل عجز المكاتب، لأنه أسقط حقه منه بالعوض، فلم يملك ذلك قبل العجز عنه، كالبيع. وللعبد الامتناع من الأداء، لأنه جعل شرطاً في عتقه، فلم يلزمه، كدخول الدار. ولا تبطل بموت السيد، ولا جنونه، ولا الحجر عليه، ولا جنون العبد لأنه عقد لازم، فأشبه البيع، وينتقل بموت السيد إلى ورثته، لأنه مملوك لمورثهم فانتقل إليهم، كالقن. فإذا أدى إليهم، عتق، وولاؤه لمكاتبه، لأن السبب وجد منه، ولا يجوز شرط الخيار في الكتابة، لأن الخيار شرع لدفع الغبن عن المال، والسيد دخل على بصيرة: أن الحظ لعبده، فلا معنى للخيار. وإن اتفقا على الفسخ، جاز، لأنه عقد يلحقه الفسخ بالعجز عن المال، فجاز فسخه بالتراضي، كالبيع.
فصل:
ويجوز بيع المكاتب، لأن «بريرة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني على كتابتي، فقال النبي ﷺ لعائشة: اشتريها» متفق عليه، ولأنه سبب يجوز فسخه، فلم يمنع البيع كالتدبير.
وعنه: لا يجوز بيعه، لأن سبب العتق ثبت له في كل وجه لا يستقل السيد برفعه، فمنع البيع، كالاستيلاد. والأول أظهر، فإن باعه لم تبطل الكتابة، لأنها عقد لازم، فلم تبطل ببيعه كالنكاح، ويكون في يد مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته، فإذا أدى عتق، وولاؤه له، وإن عجز فله الفسخ، ويعود رقيقاً له، لأن البائع نقل ماله من الحق فيه إلى المشتري فصار بمنزلته، وإن لم يعلم المشتري أنه مكاتب، فله الخيار بين فسخ البيع، وأخذ ما بينه سليماً ومكاتباً، لأنه عيب، فأشبه سائر العيوب، والحكم في هبته والوصية به، كالحكم في بيعه، لأنه نقل للملك فيه. ولا يجوز وقفه، لأنه معرض
стр. 878
لزوال الرق فيه، والوقف يجب أن يكون مستقراً.
فصل:
وإن اشترى المكاتب مكاتباً آخر، صح، سواء اشتراه من سيده، أو من أجنبي، لأن المشتري أهل للشراء، والمبيع محل له، فصح، كما لو اشترى عبداً. فإن عاد المبيع فاشترى سيده، لم يصح، لأنه لا يصح أن يملك مالكه، والله أعلم.
[باب ما يملكه المكاتب وما لا يملكه]
يملك المكاتب اكتساب المال بالبيع، والإيجار والأخذ بالشفعة، وأخذ الصدقة، والهبة، وكسب المباحات، والسفر، لأنه من أسباب الكسب، وهو مع المولى كالأجنبي في ضمان المال، وبذل المنافع، وأرش الجنايات، وجريان الربا بينهما، لأنه صار بما بذله من العوض كالحر، وقال ابن أبي موسى: لا ربا بينهما، لأنه ملك لسيده. قال أصحابنا: ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته، لأن مال الكتابة ليس بمستقر، ولذلك لا يصح ضمانه، فليس بدين صحيح، فكأن السيد أخذ بعضاً، وأسقط بعضاً.
فصل:
ويملك التصرف في المال بما يعود لمصلحته ومصلحة ماله، فيجوز أن ينفق على نفسه، لأن هذا من أهم مصالحه، وعلى رقيقه، وحيواناته، وله أن يفدي نفسه ورقيقه في الجناية،
لأن فيه مصلحته
، وله أن يختن غلامه ويؤدبه، لأنه صلاح للمال، وله أن يقتص من الجناية عليه، وعلى رقيقه، ويأخذ الأرش، لأن فيه مصلحته، وذكره القاضي. وقال أبو بكر وأبو الخطاب: لا قصاص له في جناية بعض رقيقه على بعض، لأن فيه إتلاف المال على سيده.
فصل:
وليس له إقامة الحد على رقيقه، لأن طريقه الولاية، والمكاتب ليس من أهل الولاية، وليس له أن يتصدق ولا يتبرع، ولا يعتق الرقيق، ولا يحج بماله، ولا يهب ولا يحابي، ولا يبرئ من الدين، ولا يكفر بالمال، ولا ينفق على أقاربه، ولا يقرض، ولا يسرف في النفقة على نفسه، لأن حق السيد متعلق بإكسابه، فإنه ربما عجز فصار إلى سيده. وإن كانت أمة مزوجة، لم يملك بذل العوض في خلعها، ولا تعجيل قضاء دين مؤجل، لأنه تبرع يمنع التصرف في المال من غير حاجة إليه. وإن كان مكاتباً بين نفسين، لم يكن له تقديم حق أحدهما، لأن ما يقدمه يتعلق به حق الآخر، ولا يملك
стр. 879
فداء جناية، أو جناية رقيقه بأكثر من قيمته، لأن الفداء كالابتياع. ولا يملك التزويج ولا التسري، لأنه تلزمه النفقة والمهر في التزويج، ولا يأمن حبل الأمة، فتتلف بالولادة. وما فعل من هذا كله بإذن سيده. جاز. لأن المنع لأجله، فجاز بإذنه، كتصرف الراهن بإذن المرتهن، وإن وهب المولى أو أقرضه، أو حاباه أو فدى جنايته عليه بأكثر من أرشها، جاز لاتفاقهما عليه.
فصل:
وليس له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، لأن حق المولى متعلق باكتسابه فلا يبيع نسأً، وإن أخذ به رهناً، أو ضميناً، ويحتمل الجواز لما ذكرنا في المضارب. وإن باع ما يساوي مائة بمائة نقداً وعشرين نسيئة، جاز، لأنه لا ضرر فيه، وليس له أن يضارب بماله، لأنه يخاطر به، ولا يرهنه، لأنه يخرج ماله بغير عوض. وفيه وجه آخر: أنه يجوز له رهنه والمضاربة به، لأنه قد يرى الحظ فيه، بدليل أن لولي اليتيم فعله في مال اليتيم، فجاز، كإجارته.
فصل:
وإذا استولد أمته، صارت أم ولد له، لأنها علقت له في ملكه، وليس له بيعها، نص عليه وتكون هي وولدها منه موقوفين. إن عتق بالكتابة عتق الولد، وأمه أم ولد. وإن رق، رقا. وذكر القاضي في موضع آخر: أن الأمة لا تصير أم الولد، لأنها علقت بمملوك، وله بيعها، وليس له مكاتبة رقيقه، لأنه إعتاق. واختار القاضي: أن له ذلك، لأنه معاوضة فملكه كالبيع. وقال أبو بكر: إعتاقه وكتابته موقوفان. وإن أدى وهما في ملكه نفذا، وإلا بطلا، كالقول في ذوي أرحامه. والأول أصح، لأن العتق تبرع، فلم يصح كالهبة، ومن لا يصح إعتاقه لا تصح كتابته، كالمأذون، وليس له تزويج الرقيق. وحكي عن القاضي: أن له تزويج الأمة دون العبد، لأنه معاوضة، وقال أبو الخطاب: له تزويجهما إذا رأى المصلحة فيه، لأنه تصرف في الرقيق بما فيه المصلحة، فجاز، كختان العبد. والأول أصح، لأن في التزويج ضرراً في المال ونقصاً في القيمة، وليس هو من جهات المكاسب، قال القاضي: وله أن يشتري ذوي رحمه، لأنه لا ضرر على السيد فيهم، فإنه إن عجز فهم عبيد، وإن عتق، لم يضر السيد عتقهم وقال أبو الخطاب: ليس له شراؤهم، لأنه يبذل ماله فيما لا يجوز التصرف فيه، ويلزمه نفقته، لكن يصح أن يملكهم بالهبة والوصية، أو بالشراء بإذن السيد، وعلى كلا القولين إذا ملكهم لم يعتقوا بمجرد ملكه لهم، لأنه لا يملك إعتاقهم بالقول، فلا يحصل العتق بالملك القائم مقامه، ولا يملك بيعهم ولا إخراجهم عن ملكه، لأن من يعتق عليه ينزل منزلة جزئه، فلم يجز بيعه، كبعضه. فإن أدى عتق وكمل ملكه فيهم، فعتقوا حينئذ، وولاؤهم له
стр. 880
دون سيده. وإن رق، رقوا ونفقتهم على المكاتب، لأنهم عبيده. وإن أعتقهم السيد لم يصح، لأنهم ليسوا عبيداً له. وإن اشترى المكاتب زوجته أو المكاتبة زوجها، صح، لأنه يملك التصرف فيه، وإذا ملك أحدهما صاحبه، انفسخ النكاح، لأنه لا يجتمع ملك اليمين وملك النكاح. ولو زوج ابنته من مكاتبه، فمات السيد قبل عتقه، انفسخ النكاح، لأنها لما ملكته أو جزأ من أجزائه، انفسخ النكاح، كما لو اشترته.
فصل:
وإن حبس المكاتب أجنبي عن التصرف، فعليه أجرة مثله، لأنه فوت منافعه، فلزمه عوضها، كالعبد وإن حبسه سيده، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تلزمه أجرة مثله، لما ذكرنا.
والثاني: لا يحتسب عليه بمدة الحبس، لأنه يلزمه تمكينه من التصرف مدة الكتابة، فإذا منعه لم يحتسب بها عليه.
والثالث: يلزمه أرفق الأمرين به، لأنه وجد سببهما، فكان للمكاتب أنفعهما، وإن قهره أهل الحرب فحبسوه، لم يلزم السيد إنظاره، لأن الحبس من غير جهته.
فصل:
وليس للسيد وطء مكاتبته من غير شرط، لأنه زال ملكه عن استخدامها، وأرش الجناية عليها، فلا يحل وطؤها كالمعتقة، وإن شرطه في عقد الكتابة صح الشرط، لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكه عليها، فصح، كما لو شرط خدمتها مدة، فإن وطئها مع الشرط، فلا مهر عليه، لأنه يملكه، فأشبه وطء أم ولده، وإن وطئها من غير شرط أدب، لأنه وطئ وطأً محرماً، ولا حد عليه، لأنها مملوكته، ولها عليه مهر مثلها، سواء أكرهها، أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها، فوجب لها، كما لو استخدمها، وإن علقت منه، فالولد حر، لأنه ولده من أمته، ولا يلزمه قيمته لذلك، وتصير أم ولد له، لأنه أحبلها بجزء من ملكه، والكتابة بحالها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت عتقت بموته، لأنها من أمهات الأولاد، وما في يدها لورثة سيدها، وإن مات السيد قبل عجزها، عتقت، لأنه اجتمع بها سببان يقتضيان العتق، فأيهما سبق عتقت به، وما في يدها لها، ذكره القاضي، لأن العتق إذا وقع في الكتابة، لا يبطل حكمها، ولأن الملك كان ثابتاً لها، والعتق لا يقتضي زواله عنها، فأشبه ما لو عتقت بالإبراء من مال الكتابة، وقال الخرقي وأبو الخطاب: ما في يدها لورثة سيدها، لأنها عتقت بحكم الاستيلاد، فأشبه غير المكاتبة، ولو أعتقها سيدها، أو عتقت بالتدبير، احتمل أن يكون كذلك،
следующие страницы →