Полный текст (1 486 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الكتابة لم يجبر، رواية واحدة. وإن دعا السيد عبده إلى الكتابة، لم يجبر عليها، لأنه إعتاق على مال، لم يجبر عليه كغير الكتابة.
فصل
ولا تنعقد إلا بالقول، وتنعقد بقوله: كاتبتك على كذا، لأنه لفظها الموضوع لها، فانعقدت به، كلفظ النكاح فيه. ويحتمل أن يشترط أن يقول: إذا أديت إلي، فأنت حر، لأنه إعتاق معلق على شرط، فاعتبر ذكره، والأول أولى.
فصل
ولا تصح إلا من جائز التصرف، مسلماً كان أو كافراً، لأنها تصرف في المال، فأشبهت البيع. فأما المميز من الصبيان، فيصح أن يكاتب عبده بإذن وليه، ولا يصح بغير إذنه، كما في بيعه، ويحتمل أن لا تصح بحال، لأنه إعتاق. وإن كاتب السيد عبده المميز، صح، لأن إيجاب سيده له إذن منه في قبولها. وإن كاتب عبده المجنون أو الطفل، فهو عقد باطل، وجوده كعدمه، إلا أن القاضي قال: يعتق بالأداء، لأن الكتابة تعليق الحرية بالأداء، فإن بطلت الكتابة كان عتقهما بحكم الصفة المحضة، وقال أبو بكر: لايعتق، لأن الكتابة ليست بصفة، ولا يعتبر ذكر الصفة فيها بحال.
فصل:
ولا تصح إلا على عوض، لأنها عقد معاوضة، فأشبه البيع. ومن شرطه أن يكون مؤجلاً، لأن جعله حالاً يفضي إلى العجز عن أدائه، وفسخ العقد بذلك، فيفوت المقصود. وأن يكون منجماً نجمين فصاعداً في قول أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي، لأن علياً قال: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني. وقال ابن أبي موسى: يجوز جعل المال كله في نجم واحد، لأنه عقد شرط فيه التأجيل، فجاز على نجم واحد، كالسلم، ولأن القصد بالتأجيل إمكان التسليم عنده، ويحصل ذلك في النجم الواحد، والأحوط نجمان فصاعداً. ويجب أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل نجم قدر المؤدى، وأن يكون العوض معلوماً بالصفة، لأنه عوض في الذمة، فوجب فيه العلم بذلك، كالسلم، ولا تصح إلا على عوض يصح السلم فيه، لما ذكرنا. وذكر القاضي: أنه يحتمل أن يصح على عوض مطلق، بناء على قوله في النكاح والخلع، والصحيح ما قدمنا.
فصل:
وتجوز الكتابة على المنافع، لأنها تثبت في الذمة بالعقد، فجازت الكتابة عليها، كالمال، وتجوز على مال أو خدمة، لأن كل واحد منهما، يصح أن يكون عوضاً
стр. 877
منفرداً، فصح في الآخر، كالمالين. فإن كاتبه على خدمة شهر، أو شهرين متواليين، فهو كالنجم الواحد، لأنها مدة واحدة، فإن قال: على أن تخدمني شهراً، ثم تخدمني عقيبه شهراً آخر، صح، لأنهما نجمان. وإن قال: على خدمة شهر ودينار بعده بيوم، صح، لأنهما نجمان. فإن جعل الدينار مع انقضاء الشهر، أو في أثنائه، صح، لأن الخدمة بمنزلة العوض الحال، فصار كالأجلين، ويحتمل أن لا يصح، لأنهما في مدة واحدة فكانا نجماً واحداً. وإن جعل الدينار حالاً، عقيب العقد، لم يصح، لأنه عوض حال معجوز عنه، بخلاف الخدمة، فإنها وإن كانت في منزلة الحال، فهو قادر عليها.
فصل:
والكتابة عقد لازم لا يملك العبد فسخها بحال.
وعنه: أنه يملكه، ولا يملك السيد فسخها قبل عجز المكاتب، لأنه أسقط حقه منه بالعوض، فلم يملك ذلك قبل العجز عنه، كالبيع. وللعبد الامتناع من الأداء، لأنه جعل شرطاً في عتقه، فلم يلزمه، كدخول الدار. ولا تبطل بموت السيد، ولا جنونه، ولا الحجر عليه، ولا جنون العبد لأنه عقد لازم، فأشبه البيع، وينتقل بموت السيد إلى ورثته، لأنه مملوك لمورثهم فانتقل إليهم، كالقن. فإذا أدى إليهم، عتق، وولاؤه لمكاتبه، لأن السبب وجد منه، ولا يجوز شرط الخيار في الكتابة، لأن الخيار شرع لدفع الغبن عن المال، والسيد دخل على بصيرة: أن الحظ لعبده، فلا معنى للخيار. وإن اتفقا على الفسخ، جاز، لأنه عقد يلحقه الفسخ بالعجز عن المال، فجاز فسخه بالتراضي، كالبيع.
فصل:
ويجوز بيع المكاتب، لأن «بريرة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني على كتابتي، فقال النبي ﷺ لعائشة: اشتريها» متفق عليه، ولأنه سبب يجوز فسخه، فلم يمنع البيع كالتدبير.
وعنه: لا يجوز بيعه، لأن سبب العتق ثبت له في كل وجه لا يستقل السيد برفعه، فمنع البيع، كالاستيلاد. والأول أظهر، فإن باعه لم تبطل الكتابة، لأنها عقد لازم، فلم تبطل ببيعه كالنكاح، ويكون في يد مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته، فإذا أدى عتق، وولاؤه له، وإن عجز فله الفسخ، ويعود رقيقاً له، لأن البائع نقل ماله من الحق فيه إلى المشتري فصار بمنزلته، وإن لم يعلم المشتري أنه مكاتب، فله الخيار بين فسخ البيع، وأخذ ما بينه سليماً ومكاتباً، لأنه عيب، فأشبه سائر العيوب، والحكم في هبته والوصية به، كالحكم في بيعه، لأنه نقل للملك فيه. ولا يجوز وقفه، لأنه معرض
стр. 878
لزوال الرق فيه، والوقف يجب أن يكون مستقراً.
فصل:
وإن اشترى المكاتب مكاتباً آخر، صح، سواء اشتراه من سيده، أو من أجنبي، لأن المشتري أهل للشراء، والمبيع محل له، فصح، كما لو اشترى عبداً. فإن عاد المبيع فاشترى سيده، لم يصح، لأنه لا يصح أن يملك مالكه، والله أعلم.
[باب ما يملكه المكاتب وما لا يملكه]
يملك المكاتب اكتساب المال بالبيع، والإيجار والأخذ بالشفعة، وأخذ الصدقة، والهبة، وكسب المباحات، والسفر، لأنه من أسباب الكسب، وهو مع المولى كالأجنبي في ضمان المال، وبذل المنافع، وأرش الجنايات، وجريان الربا بينهما، لأنه صار بما بذله من العوض كالحر، وقال ابن أبي موسى: لا ربا بينهما، لأنه ملك لسيده. قال أصحابنا: ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته، لأن مال الكتابة ليس بمستقر، ولذلك لا يصح ضمانه، فليس بدين صحيح، فكأن السيد أخذ بعضاً، وأسقط بعضاً.
فصل:
ويملك التصرف في المال بما يعود لمصلحته ومصلحة ماله، فيجوز أن ينفق على نفسه، لأن هذا من أهم مصالحه، وعلى رقيقه، وحيواناته، وله أن يفدي نفسه ورقيقه في الجناية،
لأن فيه مصلحته
، وله أن يختن غلامه ويؤدبه، لأنه صلاح للمال، وله أن يقتص من الجناية عليه، وعلى رقيقه، ويأخذ الأرش، لأن فيه مصلحته، وذكره القاضي. وقال أبو بكر وأبو الخطاب: لا قصاص له في جناية بعض رقيقه على بعض، لأن فيه إتلاف المال على سيده.
فصل:
وليس له إقامة الحد على رقيقه، لأن طريقه الولاية، والمكاتب ليس من أهل الولاية، وليس له أن يتصدق ولا يتبرع، ولا يعتق الرقيق، ولا يحج بماله، ولا يهب ولا يحابي، ولا يبرئ من الدين، ولا يكفر بالمال، ولا ينفق على أقاربه، ولا يقرض، ولا يسرف في النفقة على نفسه، لأن حق السيد متعلق بإكسابه، فإنه ربما عجز فصار إلى سيده. وإن كانت أمة مزوجة، لم يملك بذل العوض في خلعها، ولا تعجيل قضاء دين مؤجل، لأنه تبرع يمنع التصرف في المال من غير حاجة إليه. وإن كان مكاتباً بين نفسين، لم يكن له تقديم حق أحدهما، لأن ما يقدمه يتعلق به حق الآخر، ولا يملك
стр. 879
فداء جناية، أو جناية رقيقه بأكثر من قيمته، لأن الفداء كالابتياع. ولا يملك التزويج ولا التسري، لأنه تلزمه النفقة والمهر في التزويج، ولا يأمن حبل الأمة، فتتلف بالولادة. وما فعل من هذا كله بإذن سيده. جاز. لأن المنع لأجله، فجاز بإذنه، كتصرف الراهن بإذن المرتهن، وإن وهب المولى أو أقرضه، أو حاباه أو فدى جنايته عليه بأكثر من أرشها، جاز لاتفاقهما عليه.
فصل:
وليس له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، لأن حق المولى متعلق باكتسابه فلا يبيع نسأً، وإن أخذ به رهناً، أو ضميناً، ويحتمل الجواز لما ذكرنا في المضارب. وإن باع ما يساوي مائة بمائة نقداً وعشرين نسيئة، جاز، لأنه لا ضرر فيه، وليس له أن يضارب بماله، لأنه يخاطر به، ولا يرهنه، لأنه يخرج ماله بغير عوض. وفيه وجه آخر: أنه يجوز له رهنه والمضاربة به، لأنه قد يرى الحظ فيه، بدليل أن لولي اليتيم فعله في مال اليتيم، فجاز، كإجارته.
فصل:
وإذا استولد أمته، صارت أم ولد له، لأنها علقت له في ملكه، وليس له بيعها، نص عليه وتكون هي وولدها منه موقوفين. إن عتق بالكتابة عتق الولد، وأمه أم ولد. وإن رق، رقا. وذكر القاضي في موضع آخر: أن الأمة لا تصير أم الولد، لأنها علقت بمملوك، وله بيعها، وليس له مكاتبة رقيقه، لأنه إعتاق. واختار القاضي: أن له ذلك، لأنه معاوضة فملكه كالبيع. وقال أبو بكر: إعتاقه وكتابته موقوفان. وإن أدى وهما في ملكه نفذا، وإلا بطلا، كالقول في ذوي أرحامه. والأول أصح، لأن العتق تبرع، فلم يصح كالهبة، ومن لا يصح إعتاقه لا تصح كتابته، كالمأذون، وليس له تزويج الرقيق. وحكي عن القاضي: أن له تزويج الأمة دون العبد، لأنه معاوضة، وقال أبو الخطاب: له تزويجهما إذا رأى المصلحة فيه، لأنه تصرف في الرقيق بما فيه المصلحة، فجاز، كختان العبد. والأول أصح، لأن في التزويج ضرراً في المال ونقصاً في القيمة، وليس هو من جهات المكاسب، قال القاضي: وله أن يشتري ذوي رحمه، لأنه لا ضرر على السيد فيهم، فإنه إن عجز فهم عبيد، وإن عتق، لم يضر السيد عتقهم وقال أبو الخطاب: ليس له شراؤهم، لأنه يبذل ماله فيما لا يجوز التصرف فيه، ويلزمه نفقته، لكن يصح أن يملكهم بالهبة والوصية، أو بالشراء بإذن السيد، وعلى كلا القولين إذا ملكهم لم يعتقوا بمجرد ملكه لهم، لأنه لا يملك إعتاقهم بالقول، فلا يحصل العتق بالملك القائم مقامه، ولا يملك بيعهم ولا إخراجهم عن ملكه، لأن من يعتق عليه ينزل منزلة جزئه، فلم يجز بيعه، كبعضه. فإن أدى عتق وكمل ملكه فيهم، فعتقوا حينئذ، وولاؤهم له
стр. 880
دون سيده. وإن رق، رقوا ونفقتهم على المكاتب، لأنهم عبيده. وإن أعتقهم السيد لم يصح، لأنهم ليسوا عبيداً له. وإن اشترى المكاتب زوجته أو المكاتبة زوجها، صح، لأنه يملك التصرف فيه، وإذا ملك أحدهما صاحبه، انفسخ النكاح، لأنه لا يجتمع ملك اليمين وملك النكاح. ولو زوج ابنته من مكاتبه، فمات السيد قبل عتقه، انفسخ النكاح، لأنها لما ملكته أو جزأ من أجزائه، انفسخ النكاح، كما لو اشترته.
فصل:
وإن حبس المكاتب أجنبي عن التصرف، فعليه أجرة مثله، لأنه فوت منافعه، فلزمه عوضها، كالعبد وإن حبسه سيده، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تلزمه أجرة مثله، لما ذكرنا.
والثاني: لا يحتسب عليه بمدة الحبس، لأنه يلزمه تمكينه من التصرف مدة الكتابة، فإذا منعه لم يحتسب بها عليه.
والثالث: يلزمه أرفق الأمرين به، لأنه وجد سببهما، فكان للمكاتب أنفعهما، وإن قهره أهل الحرب فحبسوه، لم يلزم السيد إنظاره، لأن الحبس من غير جهته.
فصل:
وليس للسيد وطء مكاتبته من غير شرط، لأنه زال ملكه عن استخدامها، وأرش الجناية عليها، فلا يحل وطؤها كالمعتقة، وإن شرطه في عقد الكتابة صح الشرط، لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكه عليها، فصح، كما لو شرط خدمتها مدة، فإن وطئها مع الشرط، فلا مهر عليه، لأنه يملكه، فأشبه وطء أم ولده، وإن وطئها من غير شرط أدب، لأنه وطئ وطأً محرماً، ولا حد عليه، لأنها مملوكته، ولها عليه مهر مثلها، سواء أكرهها، أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها، فوجب لها، كما لو استخدمها، وإن علقت منه، فالولد حر، لأنه ولده من أمته، ولا يلزمه قيمته لذلك، وتصير أم ولد له، لأنه أحبلها بجزء من ملكه، والكتابة بحالها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت عتقت بموته، لأنها من أمهات الأولاد، وما في يدها لورثة سيدها، وإن مات السيد قبل عجزها، عتقت، لأنه اجتمع بها سببان يقتضيان العتق، فأيهما سبق عتقت به، وما في يدها لها، ذكره القاضي، لأن العتق إذا وقع في الكتابة، لا يبطل حكمها، ولأن الملك كان ثابتاً لها، والعتق لا يقتضي زواله عنها، فأشبه ما لو عتقت بالإبراء من مال الكتابة، وقال الخرقي وأبو الخطاب: ما في يدها لورثة سيدها، لأنها عتقت بحكم الاستيلاد، فأشبه غير المكاتبة، ولو أعتقها سيدها، أو عتقت بالتدبير، احتمل أن يكون كذلك،
стр. 881
واحتمل أن يكون ما في يدها لها بكل حال، لأن إعتاقها برضى من المعتق، رضى منه بإعطائها مالها، بخلاف العتق بالاستيلاد.
فصل:
وولد المكاتبة من غير سيدها بعد كتابتها، بمنزلتها، لأنها استحقت الحرية بسبب قوي، فتبعها ولدها كأم الولد. وسواء حملت به بعد الكتابة، أو كانت حاملاً به عند كتابتها، ونفقته عليها، لأنه تبعها في حكمها، وكسبه لها لذلك، وإن قتل، فقيمته لها، لأنه بمنزلة جزئها، وبذل جزئها لها. فإن أعتقه السيد، نفذ عتقه. نص عليه، لأنه عبد له فصح عتقه، كأمه. فإن كان ولدها جارية، لم يملك السيد وطأها، لأنه لا يملك وطء أمها، وحكمها حكم أمها، وإن وطئها، فلا حد عليه للشبهة، وعليه مهرها، وحكمه حكم كسبها، وإن علقت منه، صارت أم ولد له بشبهة الملك، ولا يلزمه قيمتها، لأن القيمة تجب لمن يملكها، والأم لا تملك رقبتها، إنما هي موقوفة عليها، ويحتمل أن تلزمه قيمتها لأمها، كما لو قتلها، والحكم في وطء جارية المكاتبة، كالحكم في وطء بنتها، إلا أنه يلزمه قيمتها إذا أحبلها لمولاتها، لأنها مملوكتها. ووطء جارية المكاتب، كوطء جارية المكاتبة سواء.
فصل:
إذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها، ثم وطئها أحدهما، أدب ولا حد عليه، لشبهة الملك، وعليه المهر لها، لما قدمناه. فإن أولدها، فولده حر، وتصير أم ولد له، وعليه نصف قيمتها لشريكه، لأنه فوت رقها عليه. فإن كان موسراً أداه، وإن كان معسراً ففي ذمته، هذا ظاهر كلام الخرقي، لأن الإحبال أقوى من الإعتاق، بدليل نفوذه من المجنون، وتصير أم ولد للواطئ ومكاتبة له، كما لو اشترى نصفها من شريكه. وقال القاضي: إن كان الواطئ معسراً، لم يسر إحباله إلى نصيب الشريك، لأنه إعتاق، فلم يسر مع الإعسار، كالقول، ويصير نصفها أم ولد. فإن عجزت، استقر الرق في نصفها، وثبت حكم الاستيلاد لنصفها. وإن كان الواطئ موسراً، فنصفها أم ولد، ونصفها موقوف. إن أدت، عتقت. وإن عجزت، فسخت الكتابة، وقومت حينئذ على الواطئ، وصار جميعها أم ولد له، وأما الولد، فهو حر، ونسبه لاحق بالواطئ، وهل تجب نصف قيمته؟ فيه روايتان:
إحداهما: تجب، لأنه كان من سبيله أن يكون عبداً، فقد أتلف رقه بفعله، فكان عليه نصف قيمته.
والثانية: لا تجب قيمته، لأنه انتقل نصيب شريكه إليه حين علقت به، ولا قيمة
стр. 882
له في تلك الحال، فلم يضمنه. وقال القاضي: والرواية الأولى أصح على المذهب، ويكون الواجب لأمه إن كانت في الكتابة، لأنه بدل ولدها. وقال أبو بكر: إن وضعته بعد التقويم، فلا شيء على الواطئ، لأنها وضعته في ملكه، وإن كان قبله، غرم نصف قيمته.
فصل:
فإن وطئها الثاني بعد وطء الأول، وكانت باقية على الكتابة، فعليه المهر لها. وإن كانت قد عجزت وقومت على الأول، فالمهر له. وإن لم تقوم على الأول، فمهرها بينهما، فإن أولدها الثاني بعد الحكم بأنها أم ولد الأول، لم تصر أم ولد للثاني، وحكم ولدها حكمها، كما لو ولدت من أجنبي، وإن كان قبل الحكم بأنها أم ولد للأول، صار نصفها أم ولد للثاني، ونصفها أم ولد للأول.
فصل:
ويجب على السيدة إيتاء المكاتب من المال قدر ربع الكتابة، لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: «يحط به الربع» أخرجه أبو بكر. وهذا نص. وروي موقوفاً على علي.
ويخير السيد بين وضعه عنه، وبين دفعه إليه، لأن الله تعالى نص على الدفع إليه، فنبه به على الوضع، لكونه أنفع من الدفع، لتحقق النفع به في الكتابة، فإن اختار الدفع، جاز به العقد، للآية. ووقت الوجوب بعد العتق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فإذا آتى ما عليه، عتق. وقال علي: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني، ويجب الإيتاء من جنس مال الكتابة، للآية. فإن اتفقا على غير ذلك، جاز، لأن الحق لهما، فجاز باتفاقهما. وإن مات السيد بعد العتق وقبل الإيتاء، فذلك دين في تركته يحاص به غرماؤه، لأنه حق لآدمي فلم يسقط بالموت، كسائر حقوقه.
[باب الأداء والعجز في الكتابة]
باب الأداء والعجز لا يعتق المكاتب حتى يبرأ من مال الكتابة، بالأداء أو الإبراء، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» رواه أبو داود. وقال أصحابنا: إذا أدى ثلاث أرباع كتابته وعجز عن الربع، عتق،
стр. 883
لأنه حق له، فلا تتوقف حريته على أدائه، كأرش جناية سيده عليه. وإن أبرأه سيده، عتق لأنه لم يبق عليه شيء.
فصل:
وإن عجلت الكتابة قبل محلها وفي قبضها ضرر، لم يلزمه قبضه قبل محله، كالسلم. وإن لم يكن في قبضه ضرر، لزمه قبضه وعتق العبد، لأن الأجل حق لمن عليه الدين. فإذا رضي بإسقاط حقه، يجب أن يسقط كسائر الحقوق.
وعنه: لا يلزمه قبضه، لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له، ولم يرض بزواله، فلم يزل، كما لو علق عتقه بمضي تلك المدة.
وعنه: أنه يعتق إذا ملك ما يؤدي، لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. فعلى هذا إن امتنع من الأداء، أجبره الحاكم عليه.
فصل
وإذا حل نجم فعجز عن أدائه، فللسيد الفسخ، لأنه تعذر العوض في عقد معاوضة، ووجد عين ماله، فكان له الرجوع، كما لو باع سلعة فأفلس المشتري قبل تقديمها.
وعنه: لا يعجز حتى يحل نجمان، لأن ما بينهما محل الأداء الأول، فلا يتحقق عجزه حتى يحل الثاني.
وعنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت، وللسيد الفسخ بغير حاكم، لأنه مجمع عليه، أشبه الرد بالعيب. وإن امتنع العبد من الأداء مع إمكانه، فظاهر كلام الخرقي: أن للسيد الفسخ، وهو قول جماعة من أصحابنا، لأن التعذر حاصل بالامتناع، كحصوله بالعجز. وقال أبو بكر: ليس له الفسخ، لأنه أمكن الاستيفاء بإجباره على ذلك، وتعذر البعض كتعذر الجميع.
فصل:
وإن كان معه متاع يريد بيعه فاستنظره لبيعه، لزمه إنظاره، لأنه أمكن الاستيفاء من غير ضرر. ولا يلزمه إنظاره أكثر من ثلاث، لأنها قريبة، وإن كان له مال غائب، يرجو قدومه فيما دون مسافة القصر، فكذلك، وإن كان أبعد، لم يلزمه إنظاره، لأن فيه ضرراً. وإن كان له دين حال على مليء، أو في يد مودع، فهو كالغائب القريب. وإن كان على معسر، أو مؤجلاً، فهو كالبعيد. وإن حل النجم والمكاتب غائب بغير
стр. 884
إذن سيده، فله الفسخ. وإن كان بإذنه، لم يفسخ، ويرفع الأمر إلى الحاكم ليكتب كتاباً إلى حاكم ذلك البلد، ليأمره بالأداء، أو يثبت عجزه عنده، فيفسخ حينئذ، وإن حل والمكاتب مجنون معه مال، فسلمه إلى المولى، عتق، لأنه قبض ما يستحقه، فبرئت به ذمة الغريم، فإن لم يكن معه شيء، فلسيده الفسخ. وإن فسخ ثم ظهر له مال، نقض الحكم بالفسخ، لأننا حكمنا بالعجز في الظاهر، وقد بان خلافه، فنقض، كما لو حكم الحاكم، ثم وجد النص بخلافه، وإن كان قد أنفق عليه بعد الفسخ، رجع بما أنفق، لأنه لم يتبرع به، بل أنفق على أنه عبده. وإن أفاق بعد الفسخ فأقام بينة أنه كان قد أدى، نقض الحكم بالفسخ، ولم يرجع السيد بالنفقة، لأنه تبرع بإنفاقه عليه، مع علمه بحريته.
فصل:
وإن أحضر المكاتب المال، فقال السيد: هذا حرام، وأنكر المكاتب ولا بينة، فالقول قول المكاتب مع يمينه، لأنه في يده، فالظاهر أنه له. فإذا حلف، خير المولى بين أخذه أو إبرائه من مال الكتابة. فإن لم يفعل قبضه الحاكم، لأنه حق تدخله النيابة. فإذا امتنع منه، قام الحاكم مقامه، وكذلك إن عجلت الكاتبة قبل محلها - وقلنا: يلزمه أخذه - فامتنع، قام الحاكم مقامه، وروي أن رجلاً أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إني كاتبت على كذا وكذا، وإني أيسرت بالمال، فأتيته بالمال، فزعم أنه لا يأخذه إلا نجوماً، فقال عمر: يا برفأ خذ هذا المال فاجعله في بيت المال، وأد إليه نجوماً في كل عام، وقد عتق هذا. رواه الأثرم.
فصل:
فإذا أدى المكاتب ظاهراً فبان مستحقاً، تبينا أنه لم يعتق، لأن العتق بالأداء، وما أدى. وإن علم بعد الموت، فتركته لمولاه أو ورثته، لأنه مات على الرق. وإن ظهر به عيب، فللسيد الرد والمطالبة بالأرش. فإن رضي به معيباً، استقر العتق. وإن طلب الأرش فأدى إليه، استقر العتق. وإن لم يؤد إليه بطل العتق، لأن ذمته لم تتم براءتها من المال. وإن رد المعيب بطل العتق، إلا أن يعطيه بدله. وقال أبو الخطاب: لا يرتفع العتق، وله قيمة المعيب أو أرشه إن أمسكه. وإن كاتب على خدمة شهر فمرض فيه، لم يقع العتق، لعدم العوض.
فصل:
وإن باع ما في ذمة المكاتب، لم يصح، لأنه بيع دين، لا سيما وهو غير مستقر، فإن قبضه المشتري، لم يعتق المكاتب، لأنه لم يقبضه السيد، ولا وكيله وإنما قبضه
стр. 885
المشتري لنفسه، وهو لا يستحقه. وفيه وجه آخر: أنه يعتق، لأن السيد أذن للمشتري في قبضه، فكان قبضه كقبض وكيله.
فصل:
إذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته، لأن جنايته تقدم على حق المالك إذا كان قناً، فعلى حقه إذا كان مكاتباً أولى. فإن أداهما، عتق، وإن عجز عن أدائهما، فلكل واحد منهما تعجيزه، فإن عجزه ولي الجناية، بيع فيها إن استغرقته، وإلا بيع منه بقدر جنايته، وباقيه على الكتابة، متى أدى كتابة باقية عتق. وهل يسري عتقه ويقوم على سيده إن كان موسراً؟ على وجهين. وإن عجزه السيد عاد قناً وخير بين فدائه أو تسليمه، كعبده القن، فإن أعتقه السيد، فعليه فداؤه أيضاً، لأنه أتلف محل الحق. وإن كان عليه دين من معاملة، بدئ بقضائه مما في يده، لأنه يتعلق بما في يده، ويختص به. والسيد والمجني عليه يرجعان إلى رقبته. فإن فضل شيء، قدم ولي الجناية. وإن لم يكن له مال، لم يملك الغريم تعجيزه، لأن حقه في الذمة، فلا فائدة في تعجيزه، بل تركه على الكتابة أنفع له، لأنه ربما اكتسب بما يعطيه، فكان أولى.
[باب الكتابة الفاسدة]
إذا كاتبه على عوض محرم، أو مجهول، فالعقد فاسد. وإن شرطا شرطاً فاسداً، مثل أن يشرط أن يوالي من شاء من ميراثه، فالعقد صحيح، لأن «عائشة ﵂ قالت: كان في بريرة ثلاث قضيات، أراد أهلها أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه. فحكم بفساد الشرط مع أمره بالشراء، ويتخرج فساد العقد بناء على فساد البيع به، وإن شرط عليه أن لا يسافر ولا يطلب الصدقة، فالعقد صحيح. وفي الشرط روايتان:
إحداهما: هو صحيح، لأن فيه غرضاً صحيحاً للسيد، وهو صيانته عن أكل الصدقة، وصيانة عبده عن التغرير بالسفر.
والثانية: هو باطل، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو تمكينه من الكسب، وأخذ ما فرض الله له من الصدقات.
فصل:
ومتى فسد العقد، فللسيد الفسخ، لأنه عقد فاسد لا حرمة له، وسواء كان فيه صفة، كقوله: إن أديت إلي، فأنت حر، أو لم تكن، لأن المقصود المعاوضة، فصارت الصفة مثبتة عليها، بخلاف الصفة المجردة. وله فسخ العقد بنفسه، لأنه مجمع عليه،
стр. 886
وتنفسخ بموت السيد، وجنونه، والحجر عليه لسفه، لأنه عقد غير لازم فأشبه الوكالة، وقال أبو بكر: لا تنفسخ بذلك، ولا تبطل بجنون العبد، لأنه لازم من جهته، فأشبه العتق المعلق بالصفة. وإن أدى ما كوتب عليه عتق، لأن الكتابة جمعت معاوضة وصفة، فإذا بطلت المعاوضة، بقيت الصفة، فعتق بها. وإن أدى إلى غير كاتبه، أو أبرأه السيد مما عليه، لم يعتق، لأن الصفة لم توجد. وقال أبو بكر: يعتق بالأداء إلى الوارث، لأنه قام مقام المورث. وإذا عتق فله ما فضل في يده من الكسب. ويتبع الجارية ولدها، لأنها أجريت مجرى الصحيحة في العتق، فتجري مجراها فيما ذكرنا. وفيه وجه آخر: لا يتبعها ولدها ولا فضلة كسبها، لأن عتقها بالصفة دون الكتابة. ولا يرجع السيد على العبد بشيء، لأنها إما عتق بصفة، وإما مجراه مجرى الكتابة الصحيحة، وكلاهما لا يثبت فيه التراجع.
[باب جامع الكتابة]
تصح كتابة بعض العبد، لأنه عقد معاوضة على نصيب المكاتب، فصح كبيعه. وإذا كاتبه وكان باقيه حراً فأدى، كملت له الحرية. وإن كان باقيه قناً، لم تسر الكتابة إليه، لأنه عقد معاوضة، فأشبه البيع، ويصير شريكاً لمالك باقيه في نفسه. فإذا أدى ما كوتب عليه ومثله لمالك باقيه، عتق وسرى العتق إلى سائره إن كان جميعه للمكاتب، وإن كان لغيره والمكاتب موسر، عتق جميعه، وإن كان معسراً، لم يعتق إلا ما كاتبه كالإعتاق المنجز. وإذا أذن له شريك المكاتب في الأداء من جميع كسبه، عتق بأدائه، كما لو أدى إليها. وإن كان باقيه مكاتباً، أو كاتب السيدين معاً، جاز، سواء اتفق العوضان أو اختلفا، لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع. ولا يملك أن يؤدي إلى أحدهما أكثر مما يؤدي إلى صاحبه، لأنهما سواء في كسبه، إلا أن يأذن أحدهما في تعجيل حق الآخر فيجوز. وذكر أبو بكر وجهاً آخر: أنه لا يجوز تخصيص أحدهما بالأداء وإن أذن الآخر فيه، لأن حقه في ذمته لا فيما في يده، فلم ينفع إذنه فيه، والأول أصح، لأن المنع لحقه، فجاز بإذنه. فإن أدى إليهما في حال واحدة، عتق عليهما وولاؤه لهما. وإن أدى أحدهما قبل الآخر بإذنه، أو لكون نصيب المؤدى إليه من العوض أقل، عتق نصيبه وسرى إلى نصيب الآخر إن كان موسراً في قول الخرقي، لأنه أعتق شركاً له في عبد، وهو موسر، فعتق عليه كله، لحديث ابن عمر. وقال أبو بكر: لا يسري في الحال، لأن في سرايته إبطال نصيب صاحبه من الولاء الذي انعقد سببه، وهكذا الخلاف فيما إذا عتق أحدهما نصيبه بالمباشرة، وفيما إذا كان نصفه قناً فأعتقه صاحب القن.
стр. 887
فصل:
ويجوز أن يكاتب جماعة من عبيده صفقة واحدة بعوض واحد، لأن العوض بجملته معلوم، فصح، كما لو باع عبدين بثمن واحد، ويصير كل واحد منهم مكاتباً بحصته من العوض، يقسم بينهم على قدر قيمتهم حين العقد، لأنه عوض، فيسقط على المعوض بالقيمة، كما لو اشترى شقصاً وسيفاً. قال أبو بكر: ويتوجه لأبي عبد الله قول آخر: إن العوض بينهم على عددهم، لأنه أضيف إليهم إضافة واحدة، فكان بينهم على السواء، كما لو أقر لهم بشيء، والأول أصح. وتعتبر قيمتهم حال العقد، لأنه حال زوال سلطانه عنهم. وأيهم أدى عتق، لأنه أدى ما عليه فعتق، كما لو انفرد. وقال ابن أبى موسى: لا يعتق حتى تؤدى جميع الكتابة. وإن مات بعضهم، سقط من مال الكتابة بقدر حصته، والأول أصح.
فصل
وإذا كاتب السيد عبده، فماله لسيده، لقول النبي ﷺ «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» ولأنه عقد يزيل ملك السيد عن إكسابه فأشبه البيع.
[باب اختلاف السيد ومكاتبه]
إذا اختلفا في أصل العقد، فالقول قول السيد مع يمينه، لأن الأصل عدمه. وإن اختلفا في قدر مال الكتابة أو أجله، ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: القول قول السيد، لأنهما اختلفا في الكتابة، فأشبه ما لو اختلفا في عقدها.
والثانية: القول قول المكاتب، لأن الأصل عدم الزيادة المختلف فيها.
والثالثة: يتحالفان، لأنهما اختلفا في قدر العوض، فيتحالفان، كما لو اختلفا في ثمن المبيع: فإذا تحالفا قبل العتق، فسخنا العقد، إلا أن يرضى أحدهما بما قال صاحبه. وإن كان التحالف بعد العتق، رجع السيد على العبد بقيمته، ورجع العبد بما أداه على سيده.
فصل:
وإن وضع السيد عن العبد بعض نجومه، أو أبرأه منه، واختلفا في أي النجوم هو، فالقول قول السيد، لأنهما اختلفا في فعله. وإن وضع عنه دراهم والكتابة على دنانير، لم يصح، لأنه وضع عنه غير ما عليه. فإن قال العبد: إنما أردت دنانير بقيمة
стр. 888
الدراهم، فأنكره السيد، فالقول قول السيد، لأن الظاهر معه، وهو أعلم بما عنى. وإن أدى كتابته، فقال السيد: أنت حر، ثم بان مستحقاً، لم يعتق، لأن الظاهر أنه قصد إلى الخبر بناء على ظنه، وقد بان خلافه، فإن قال العبد: أردت عتقي، فأنكر السيد، فالقول قوله، لأنه أعلم بقصده، وإن ادعى العبد وفاء الكتابة فأنكره السيد، فالقول قول السيد، لأن الأصل عدم الوفاء. وإن قال السيد: استوفيت، فادعى المكاتب أنه وفاه الجميع، وقال السيد: إنما وفيتني البعض، فالقول قول السيد، لأن الاستيفاء لا يقتضي الجميع.
فصل:
فإن كان للمكاتبة ولد فقالت: ولدته في الكتابة، فقال السيد: بل قبلها، فالقول قول السيد: لأنه اختلاف في وقت الكتابة، والأصل عدمها قبل الولادة. وإن زوج السيد مكاتبه أمته، فولدت منه: واشترى زوجته، فقال السيد: ولدته قبل الشراء، وقال المكاتب: بل بعده، احتمل أن تكون كالتي قبلها، واحتمل أن يكون القول قول العبد، لأن هذا اختلاف في الملك، والظاهر مع العبد، لأنه في يده. بخلاف التي قبلها، لأنهما لم يختلفا في الملك، إنما اختلفا في وقت العقد.
فصل:
فإذا أدى أحد المكاتبين إلى السيد أو أبرأه فادعى كل واحد من المكاتبين أنه المؤدي، أو المبرأ، فالقول قول السيد في التعيين، لأنه لو أنكرهما، كان القول قوله. فإذا أنكر أحدهما، قبل قوله، وعليه اليمين له، فإن نكل قضي عليه، وعتقا جميعاً، فإن قال: لا أعلم أيكما المؤدي، فعليه اليمين أنه لا يعلم، فيقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وعتق، وبقي الآخر على الكتابة، وكذلك إن مات السيد قبل التعيين، قرع بينهما، لأنهما تساويا في احتمال الحرية، فأشبه ما لو أعتق أحدهما وأنسيه.
فصل:
إذا كاتب عبيداً كتابة واحدة، فأدوا، عتقوا. فقال من كثرت قيمته: أدينا على قدر قيمنا، وقال الآخر: بل أدينا على السواء، فبقيت لنا على الأكثر بقية، فمن جعل العوض بينهم على عدد رؤوسهم قال: القول قول من ادعى التسوية، ومن جعل على كل واحد قدر حصته، فعنده فيه وجهان:
أحدهما: القول قول من يدعي، التسوية، لأن أيديهم على المال فيتساوون فيه.
والثاني: القول قول الآخر، لأن الظاهر أن الإنسان لا يؤدي إلا ما عليه.
стр. 889
فصل:
وإذا كاتب رجلان عبداً بينهما، فادعى أنه أدى إليهما، فصدقه أحدهما، وأنكر الآخر، عتق نصيب المقر، وحلف الآخر، وبقيت حصته على الكتابة، وله مطالبة المقر بنصف ما قبض، لحصول حقه في يده، ومطالبة المكاتب بالباقي، وله مطالبة المكاتب بالجميع، لأنه لم يدفع إليه حقه، ولا إلى وكيله، فإذا قبض، عتق المكاتب، ومن أيهما أخذ، لم يرجع به المقبوض منه على الآخر، لأنه يقر ببراءة صاحبه، ويدعي أن المنكر ظلمه، فلا يرجع بما ظلمه به على غيره. فإن عجز المكاتب، عجزه ورق نصفه، ولم يسر عتق الآخر، لأنه لا يعترف بعتقه ولا العبد أيضاً، ولا يعترف المنكر بعتق شيء منه، وإن شهد المصدق له. فقال الخرقي: تقبل شهادته له في العتق، لأنه لا نفع له فيه، ولا تقبل شهادته فيما يرجع إلى براءته من مشاركة صاحبه. وقياس المذهب أنه لا تقبل شهادته في العتق أيضاً، لأن من شهد بشهادة يجر إلى نفسه نفعاً، بطلت شهادته في الكل. وإن ادعى المكاتب، ودفع جميع المال إلى أحدهما، ليأخذ نصيبه منه، ويدفع باقيه إلى شريكه. وقال المدعى عليه: بل دفعت إلى كل واحد منا حقه، فهي كالتي قبلها، إلا أن المنكر يأخذ حصته بلا يمين، لأنه لا يدعي واحد منهما دفع المال إليه، وإن قال المدعى عليه: قبضت المال، ودفعت إلى شريكي حصته، فأنكر شريكه، فعليه اليمين ها هنا، لأنه يدعي التسليم إليه. فإذا حلف، فله مطالبة من شاء منهما بجميع حقه. فإن أخذ من المكاتب، رجع على المقر، لأنه قبض منه، سواء صدقه المكاتب في الدفع إلى شريكه، أو كذبه، لتفريطه في ترك الإشهاد. فإن حصل للمنكر ماله من أحدهما، عتق. وإن عجز المكاتب، فللمنكر استرقاق نصفه، والرجوع على المقر بنصف ما قبض، لأنه استحق نصف كسبه، ويقوم على المقر، لأنه رقه كان بسبب منه، وهو التفريط.
فصل
وإذا خلف رجل ابنين وعبداً، فادعى العبد أن سيده كاتبه، فأنكراه، فالقول قولهما مع أيمانهما، لأن الأصل عدم الكتابة، ويحلفان على نفي العلم، لأنها يمين على فعل الغير. وإن صدقه أحدهما، أو نكل عن اليمين، وحلف الآخر، ثبتت الكتابة لنصفه. ومتى أدى إلى المقر، عتق نصيبه، ولم يسر إلى نصيب شريكه، لأنه لم يباشر العتق، ولم يتسبب إليه، إنما هو مقر بما فعل أبوه، وولاء نصفه الذي عتق للمقر، لأنه لا يدعيه غيره. وإن شهد المقر على المنكر، فشهادته مقبولة إن كان عدلاً، لأن لا يجر إلى نفسه نفعاً، ولا يدفع ضرراً. والله أعلم.
стр. 890
[باب حكم أمهات الأولاد]
إذا أصاب الرجل أمته، فولدت منه ما يتبين فيه بعض خلق الإنسان، صارت له أم ولد، تعتق بموته من رأس المال، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه» رواه أحمد، وابن ماجة. ولأنه إتلاف حصل بالاستمتاع، فحسب من رأس المال، كإتلاف ما يأكله. فأما إن علقت منه في غير ملكه، لم تعتق عليه، سواء ملكها حاملاً أو بعد الوضع، لأنها علقت بمملوك. فإذا كان الولد مملوكاً، فأمه أولى.
وعنه: إن ملكها حاملاً فولدت عنده، صارت له أم ولد، لعموم الخبر. وقال القاضي: إن لم يطأها بعد ملكه لها، لم تصر أم ولد. وكذلك إن وطئها في ابتداء حملها، أو توسطه بعد ملكه لها، صارت أم ولد، لأن الماء يزيد في سمعه وبصره. وقد قال عمر: أبعدما اختلطت دماؤكم ودماؤهن، ولحومكم ولحومهن، بعتموهن؟ ! فعلل بالاختلاط وقد وجد. وإن ولدت منه في غير ملكه بنكاح، أو زنا، ثم ملكها، لم تصر أم ولد، لأن ولدها مملوك لسيد الأمة. ونقل ابن أبي موسى: أنها تصير أم ولد، لما ذكرناه. والأول المذهب.
فصل
فإن أسقطت ولداً ميتاً، فهو كالحي في ذلك، لأنه ولد. وإن أسقطت جزءاً منه، كيد، ورجل، فهي أم ولد، لأنه من ولد. وإن ألقت نطفة أو علقة، لم تصر أم ولد، لأنه ليس بولد. وإن وضعت ما يتحقق فيه تخطيط، من رأس، أو يد، أو رجل، أو عين، فهو ولد. وإن ألقت مضغة، فشهدت ثقة من القوابل أنه تخطط، أو تصور، ثبت أنه ولد. وإن لم يتخطط ويتصور، فشهدت أنه بدو خلق آدمي، ففيه روايتان:
إحداهما: لا تصير أم ولد، لأنه ليس بولد، أشبه النطفة، والأخرى هي أم ولد، لأنه بدو خلق بشر، أشبه المتخطط.
فصل
ويملك الرجل استخدام أم ولده، وإجارتها ووطأها، وتزويجها، وحكمها حكم الإماء في صلاتها وغيرها، لأنها باقية على ملكه، إنما تعتق بعد الموت بدليل حديث ابن عباس.
стр. 891
فصل
ولا يملك بيعها ولا هبتها، ولا التصرف في رقبتها، لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن عبيدة. قال: خطب علي الناس فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد، فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال عبيدة: فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده، وروي عنه أنه قال: بعث إلي علي وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف. وروى صالح عن أحمد أنه قال: أكره بيعهن، وقد باع علي بن أبي طالب. قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح البيع مع الكراهة، والمذهب الأول.
فصل
وإن ولدت من غير سيدها، فله حكمها، يعتق بموت سيدها، سواء عتقت أو ماتت قبله، لأن الاستيلاد كالعتق المنجز، ولا يبطل الحكم فيه بموتها، لأنه استقر في حياتها فلم يسقط بموتها، كولد المدبرة.
فصل
وإن أسلمت أم ولد الذمي، لم تعتق. ونقل عنه منها: أنها تعتق، لأنه لا يجوز إقرار ملك كافر على مسلمة، ولا سبيل إلى إزالته بغير العتق.
وعنه: أنها تستسعى في قيمتها ثم تعتق، والمذهب الأول. قال أبو بكر: الذي تقتضيه أصول أبي عبد الله أنها لا تعتق، لأنه سبب يقتضي العتق بعد الموت، فلم يتجزأ بالإسلام، كالتدبير، ولكن تزال يده عنها، ويحال بينه وبينها، لأن المسلمة لا تحل لكافر، وتسلم إلى امرأة ثقة، ونفقتها في كسبها، وما فضل منه، فهو لسيدها. وإن لم يف بنفقتها، فعلى سيدها تمامها في إحدى الروايتين، وهو قول الخرقي، لأنها مملوكته.
والثانية: لا يلزمه ذلك، لأنه منع الانتفاع بها. فإن أسلم حلت له، وإن مات عتقت.
فصل
وإن جنت، لزم سيدها فداؤها، لأنه منع من بيعها بالإحبال، ولم تبلغ حالاً تتعلق بذمتها، فأشبه ما لو امتنع من تسليم عبده القن، ويفديها بأقل الأمرين من قيمتها، أو أرش جنايتها، لأنه لا يمكن بيعها.
وعنه: يفديها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت. حكاها أبو بكر، لأنه ممنوع من
стр. 892
تسليمها. فإن عادت فجنت، فداها كما وصفت، لأن الموجب لفدائها وجد في الثانية كوجوده في الأول، فوجب استواؤهما في الفداء، لاستوائهما في مقتضيه.
فصل
وإن جنت أم ولد على سيدها فيما دون النفس، فهو كجناية القن سواء. وإن قتلته، عتقت، لأنه زال ملكه بموته، ولا يمكن نقل الملك. فإن كانت جنايتها عمداً، فللأولياء القصاص منها. وإن كانت غير موجبة له، فسقط بالعفو، فعليها قيمة نفسها، لأنها جناية أم ولد، فلم يجب أكثر من قيمتها، كالجناية على الأجنبي. وإن ورث ولدها شيئاً من القصاص الواجب عليها، سقط كله، لأنه لا يتبعض، وصار الأمر إلى القيمة.
стр. 893
[كتاب النكاح]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب النكاح النكاح مشروع، أمر الله به ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] . وقال سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] .
стр. 894
وقال النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء»
وقال ﵇: «إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وقال سعد بن أبي وقاص: «لقد رد النبي ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أحله له لاختصينا» . متفق عليهما، والتبتل: ترك النكاح.
وقد روي عن أحمد: أن النكاح واجب. اختاره أبو بكر لظاهر هذه النصوص فظاهر المذهب أنه لا يجب إلا على من يخاف بتركه مواقعة المحظور، فيلزمه النكاح؛ لأنه يجب عليه اجتناب المحظور، وطريقه النكاح. ولا يجب على غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ولو وجب لم يعلقه على الاستطابة. والاشتغال به أفضل من التخلي للعبادة، لظاهر الأخبار. فإن أقل أحوالها الندب إلى النكاح، والكراهة لتركه. إلا أن يكون ممن لا شهوة له، كالعنين والشيخ الكبير، ففيه وجهان:
أحدهما: النكاح له أفضل؛ لدخوله في عموم الأخبار.
والثاني: تركه أفضل؛ لأنه لا يحصل منه مصلحة النكاح، ويمنع زوجته من التحصن بغيره، ويُلزم نفسه واجبات وحقوق لعله يعجز عنها.
فصل:
ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع، ولا يصح نكاح
стр. 895
العبد بغير إذن مولاه، لما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر» رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن؛ ولأنه ينقص قيمته، ويوجب المهر والنفقة، وفيه ضرر على سيده، فلم يجز بغير إذنه كبيعه. وعنه: أنه يصح ويقف على إجازة مولاه، بناء على تصرفات الفضولي، ويجوز نكاحه بإذن مولاه؛ لدلالة الحديث، ولأن المنع لحقه فزال بإذنه.
فصل:
ومن أراد نكاح امرأة فله النظر إليها، لما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» رواه أبو داود.
وينظر إلى الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، وموضع النظر، وليس بعورة وفي النظر إلى ما يظهر عادة من الكفين والقدمين، ونحوهما روايتان:
إحداهما: يباح؛ لأنه يظهر عادة، أشبه الوجه.
والثانية: لا يباح لأنه عورة، أشبه ما لا يظهر، ولا يجوز النظر إلى ما لا يظهر عادة؛ لأنه عورة، ولا حاجة إلى نظره، ويجوز النظر إليها بإذنها، وبغير إذنها؛ لأن النبي ﷺ أطلق النظر، فلا يجوز تقييده. وفي حديث جابر قال: فخطبت امرأة، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها.
وليس له الخلوة بها؛ لأن الخبر إنما ورد بالنظر، فبقيت الخلوة على أصل التحريم. ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها، للحاجة إلى معرفتها، ويجوز للرجل النظر إلى وجه من يعاملها لحاجته إلى معرفتها؛ للمطالبة بحقوق العقد. ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة إلى معرفتها للتحمل والأداء. ويجوز للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى مداواته، من بدنها حتى الفرج؛ لأنه موضع ضرورة، فأشبه الحاجة إلى الختان.
стр. 896
فصل:
وله أن ينظر من ذوات محارمه، إلى ما يظهر غالباً، كالرأس، والرقبة، والكفين والقدمين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وقال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] . وذات المحرم: من تحرم عليه على التأبيد، بنسب أو سبب مباح، كأم الزوجة وابنتها، فأما أم المزني بها والموطوءة بشبهة، وبنتها فلا يباح النظر إليها؛ لأنها حرمت بسبب غير مباح، فلا تلحق بذوات الأنساب. وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها؛ لأنها لا تحرم عليه على التأبيد، لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالباً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وروت أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الترمذي. وقال: حديث صحيح. وفيه دلالة على أنها لا تحتجب منه قبل ذلك؛ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لحاجتها لخدمته، فأشبه ذا المحرم.
فصل:
ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] .
وفي المميز روايتان:
إحداهما: هو كالبالغ لهذه الآية. والثانية: هو كذي المحرم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] ثم قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ففرق بينه وبين البالغ. وحكم الطفلة التي لا تصلح للنكاح مع الرجال حكم الطفل من النساء، والتي صلحت للنكاح، كالمميز من الأطفال، لما روى أبو بكر بإسناده: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ في ثياب رقاق، فأعرض
стр. 897
عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» .
فصل:
والعجوز التي لا تُشتهى مثلها يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] . قال ابن عباس استثناهن الله تعالى من قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ؛ ولأن ما حرم من النظر لأجله معدوم في حقها، فأشبهت ذوات المحارم. وفي معناها: الشوهاء التي لا تُشتهى. ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو مرض، أو تخنيث فحكمه حكم ذي المحرم في النظر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١] أي الذي لا إرب له في النساء، كذلك فسره مجاهد، وقتادة ونحوه عن ابن عباس ﵁. قالت عائشة ﵂: «دخل على أزواج رسول الله ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل علينا النبي ﷺ وهو ينعت امرأة قال: "إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان"، فقال النبي ﷺ : ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟ ! لا يدخلن عليكم هذا» رواه أبو داود؛ فأجاز دخوله عليهن حين عده من غير أولي الإربة، فلما علم ذلك منه حجبه.
فصل:
ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه، وكذلك السيد مع أمته المباحة له؛ لأنه أبيح له الاستمتاع به، فأبيح له النظر إليه، كالوجه. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منا وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» .
ويكره النظر إلى الفرج؛ فإن زَوَّجَ أمتَه حرم النظر منها إلى ما بين السرة والركبة،
стр. 898
لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة» رواه أبو داود.
فصل:
فأما الرجل مع الرجل فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة؛ لأن تخصيص العورة بالنهي دليل على إباحة النظر إلى غيرها.
ويكره النظر إلى الغلام الجميل؛ لأنه لا يأمن الفتنة بالنظر إليه، والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل، والمسلمة مع الكافرة كالمسلمتين، كما أن المسلم مع الكافر كالمسلمين. وعنه: إن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية، ولا تدخل معها الحمام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فتخصيصهن بالذكر يدل على اختصاصهن بذلك.
فصل:
وفي نظر المرأة إلى الرجل روايتان:
إحداهما: يحرم عليها من ذلك ما يحرم عليه، لما روت أم سلمة قالت: «كنت قاعدة عند النبي ﷺ أنا وحفصة، فاستأذن ابن أم مكتوم. فقال النبي ﷺ : احتجبن منه فقلت: يا رسول لله، ضرير لا يبصر. فقال: أفعمياوان أنتما، ألا تبصرانه» أخرجه أبو داود وقال النسائي: حديث صحيح.
والثانية: يجوز لها النظر منه إلى ما ليس بعورة، لما روت فاطمة بنت قيس: أن النبي ﷺ قال لها: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فلا يراك» وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» . متفق عليهما، وهذا أصح. وحديث أم سلمة يحتمل أنه خاص
стр. 899
لأزواج النبي ﷺ . فإن قُدِّر عمومه، فهذه الأحاديث أصح منه، فتقديمها أولى. وكل من أبيح له النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به لم يجز له ذلك لشهوة وتلذذ؛ لأنه داعية إلى الفتنة.
[باب شرائط النكاح]
وهي خمسة. أحدها: الولي، فإن عقدته المرأة لنفسها، أو لغيرها بإذن وليها، أو بغير إذنه لم يصح، لما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي» قال أحمد ويحيى: هذا حديث صحيح. وقد روي عن أحمد أن للمرأة تزويج معتقها، فيخرج من هذا صحة تزويجها لنفسها بإذن وليها، وتزويج غيرها بالوكالة، لما روت عائشة عن النبي ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» رواه أبو داود والترمذي. فمفهومه صحته بإذنه، ولأن المنع لحقه فجاز بإذنه، كنكاح العبد. والأول المذهب، لعموم الخبر الأول؛ ولأن المرأة غير مأمونة على البضع، لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها، كالمبذر في المال، بخلاف العبد، فإن المنع لحق المولى خاصة، وإنما ذكر تزويجها بغير إذن وليها؛ لأنه الغالب، إذ لو رضي لكان هو المباشر له دونها.
فصل:
فإن تزوج بغير إذن ولي، فالنكاح فاسد، لا يحل الوطء فيه، وعليه فراقها؛ وإن وطئ فلا حد عليه في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وطء مختلف في حله، فلم يجب به حد، كوطء التي تزوجها في عدة أختها. وذكر عن ابن حامد:
أنه أوجب به الحد؛ لأنه وطء في نكاح منصوص على بطلانه، أشبه ما لو تزوج ذات زوج. وإن حكم بصحة هذا العقد حاكم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز نقضه؛ لأنه حكم مختلف فيه فأشبه الشفعة للجار.
والثاني: ينقض؛ لأنه خالف النص.
стр. 900
فصل:
فإن كانت أمة فوليها سيدها؛ لأنه عقد على نفعها، فكان إلى سيدها كإجارتها، فإن كان لها سيدان لم يجز تزويجها إلا بإذنهما. وإن كانت سيدتها امرأة فوليها ولي سيدتها يزوجها بإذن سيدتها لأنه تصرف فيها فلم يجز بغير إذنه، كبيعها. وعنه رواية أخرى:
أن مولاتها تأذن لرجل فيزوجها؛ لأن سبب الولاية الملك، وقد تحقق في المرأة، وامتنعت المباشرة لنقص الأنوثة فكان لها التوكيل، كالولي الغائب، ونقل عنه: أنه قيل له: هل تزوج المرأة أمتها؟ قال: قد قيل ذلك، هي مالها. وهذا يحتمل رواية ثالثة. فإن كانت سيدتها غير رشيدة، أو كانت لغلام أو لمجنون فوليها من يلي مالهم؛ لأنه تصرف في بعضها، أشبه إجارتها.
فصل:
وإن كانت حرة فأولى الناس بها أبوها؛ لأنه أشفق عصباتها، ويلي مالها عند عدم رشدها. ثم الجد أبو الأب وإن علا؛ لأنه أب. وعنه: الابن يقدم على الجد؛ لأنه أقوى تعصيباً منه، وعنه: أن الأخ يقدم على الجد؛ لأنه يدلي ببنوة الأب، والبنوة أقوى. وعنه: أن الجد والأخ سواء، لاستوائهما في الإرث بالتعصيب. والمذهب الأول؛ لأن للجد إيلاداً وتعصيباً، فقدم عليهما كالأب، ولأنه لا يقاد بها، ولا يقطع بسرقة مالها بخلافهما. ثم ابنها، ثم ابنه وإن نزل؛ لأنه عدل من عصباتها فيلي نكاحها، كابنها. وقدم على سائر العصبات؛ لأنه أقربهم نسباً، وأقواهم تعصيباً فقدم كالأب. ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم، ثم ابنه، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث؛ لأن الولاية لدفع العار عن النسب، والنسب في العصبات. وقدم الأقرب فالأقرب؛ لأنه أقوى فقدم كتقديمه في الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب. فإذا انقرض العصبة من النسب، فوليها المولى المعتق، ثم عصابته الأقرب فالأقرب، ثم مولى المولى، ثم عصباته؛ لأن الولاء كالنسب في التعصيب، فكان مثله في التزويج ويقدم ابن المولى على ابنه؛ لأنه أقوى تعصيباً، وإنما قدم الأب المناسب لزيادة شفقته، وتحكم الأصل على فرعه. وهذا معدوم في أبي المولى، فرجع فيه إلى الأصل. وإذا كان المعتق امرأة، فولي مولاتها أقرب عصباتها؛ لأنه لما لم يمكنها مباشرة نكاحها كانت كالمعدومة. وعنه: أنها تولي رجلاً في تزويجها، لما ذكرنا في أمتها. ثم السلطان، لقول النبي ﷺ : «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» .
стр. 901
فصل:
فإن استوى اثنان في الدرجة، وأحدهما من أبوين، والآخر من أب، كالأخوين، والعمين ففيه روايتان:
إحداهما: يقدم ذو الأبوين. اختاره أبو بكر؛ لأنه حق يستفاد بالتعصيب فأشبه الميراث بالولاء.
والثانية: هما سواء. اختارها الخرقي؛ لأن الولاية بقرابة الأب وهما سواء فيها، فإن كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فذكر القاضي: أنهما كذلك. والصحيح أن الإخوة لا تؤثر في التقديم، لاستوائهما في التعصيب والإرث به، بخلاف التي قبلها من كل وجه، فإن استويا من كل وجه، فالولاية ثابتة لكل واحد منهما، أيهما زوج صح تزويجه؛ لأن السبب متحقق في كل واحدة، لكن يستحب تقديم أسنهما وأعلمهما وأتقاهما؛ لأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ. فإن استويا وتشاحا، أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في الحق، وتعذر الجمع، فيقرع بينهما، كالمرأتين في السفر. فإن قرع أحدهما فزوج الآخر صح؛ لأن القرعة لم تبطل ولايته، فلم يبطل نكاحه. وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً آخر: أنه لا يصح.
فصل:
فإن زوجها الوليان لرجلين دفعة واحدة، فهما باطلان؛ لأن الجمع يتعذر فبطلا، كالعقد على أختين، ولا حاجة إلى فسخهما لبطلانهما. وإن سبق أحدهما فالصحيح السابق، لما روى سمرة وعقبة عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما» رواه أبو داود؛ ولأن الأول: خلا عن مبطل والثاني: تزوج زوجة غيره، فكان باطلاً، كما لو علم. فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فعليه مهرها؛ لأنه وطء بشبهة، وترد إلى الأول؛ لأنها زوجته، ولا يحل له وطؤها حتى تقضي عدتها من وطء الثاني، فإن جهل الأول منهما ففيه روايتان:
إحداهما: يفسخ النكاحان؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو الصحيح، ولا سبيل إلى الجمع، ولا إلى معرفة الزوج فيفسخ لإزالة الزوجية، ثم لها أن تتزوج من شاءت منهما، أو من غيرهما.
والثانية: يقرع بينهما. فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد القارع
стр. 902
نكاحه، فإن كانت زوجته لم يضره ذلك، وإن لم تكن صارت زوجته بالتجديد، وكلا الطريقين لا بأس به. وسواء علم السابق ثم نسي، أو جهل الحال؛ لأن المعنى في الجميع واحد. وإن أقرت المرأة لأحدهما بالسبق لم يقبل إقرارها؛ لأن الخصم غيرها، فلم يقبل قولها عليه، كما لو أقرت ذات زوج لآخر أنه زوجها. وإن ادعى عليها العلم بالسابق، لم يلزمها يمين؛ لأنه من لا يقبل إقراره لا يستحلف في إنكاره.
فصل:
ويشترط للولي ثمانية شروط.
أحدها: العقل، فلا يصح تزويج طفل، ولا مجنون.
والثاني: الحرية. فلا ولاية لعبد.
الثالث: الذكورية، فلا ولاية لامرأة؛ لأن هؤلاء لا يملكون تزويج أنفسهم، فلا يملكون تزويج غيرهم بطريق الأولى.
الرابع: البلوغ: فلا يلي الصبي بحال. وعنه: أن الصبي المميز إذا بلغ عشراً صح تزويجه؛ لأنه يصح بيعه. والأول أولى؛ لأنه مولى عليه فلا يلي، كالمرأة.
الخامس: اتفاق الدين. فلا يلي كافر مسلمة بحال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] إلا أم الولد الذمي المسلمة ففيها وجهان:
أحدهما: يملك تزويجها؛ لأنه لا يملكها، فأشبه المسلم إذا كان سيده كافر.
والثاني: لا يليه للآية، ويليه الحاكم ولا يلي مسلم كافرة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] إلا السلطان فإنه يلي نكاح الذمية التي لا ولي لها، لقول النبي ﷺ : «السلطان ولي من لا ولي له» ؛ ولأن ولايته عامة عليهم. وسيد الأمة الكافرة يزوجها وإن كان مسلماً؛ لأنه عقد عليها، فوليه كبيعها، وولي سيد الكافرة أو سيدتها يزوجها؛ لأنه يقوم مقامهما. ويلي الكفار أهل دينهم، للآية التي تلوناها. وهل تعتبر عدالتهم في دينهم؟ على وجهين بناء على الروايتين في المسلمين.
السادس: العدالة. فلا يلي الفاسق نكاح قريبته وإن كان أباً في إحدى الروايتين؛ لأنها ولاية نظرية، فنافاها الفسق، كولاية المال. والثانية: يلي لأنه قريب ناظر، فكان
стр. 903
ولياً كالعدل، ولأن حقيقة العدالة لا تعتبر، بل يكفي كونه مستور الحال. ولو اشترطت العدالة اعتبرت حقيقتها كما في الشهادة.
السابع: التعصيب، أو ما يقوم مقامه، فلا تثبت الولاية لغيرهم، كالأخ من الأم والخال، وسائر من عدا العصبات؛ لأن الولاية تثبت لحفظ النسب، فيعتبر فيها المناسب، ولا تثبت الولاية للرجل على المرأة التي تسلم على يديه. وعنه: أنها تثبت. ووجه الروايتين ما ذكرنا في كتاب الولاء.
الثامن: عدم من هو أولى منه. فلا تثبت الولاية للأبعد مع حضور الأقرب الذي اجتمعت الشروط فيه، لما ذكرنا في تقديم ولاية الأب. فإن مات الأقرب، أو جن، أو فسق انتقلت إلى من بعده؛ لأن ولايته بطلت، فانتقلت إلى الأبعد، كما لو مات. فإن عقل المجنون، وعدل الفاسق عادت ولايته، لزوال مزيلها مع وجود مقتضيها، فإن زوجها الأبعد من غير علم بعود ولاية الأقرب لم تصح ولاية زوجها بعد زوال ولايته، ويحتمل أن تصح، بناء على الوكيل إذا تصرف بعد العزل قبل علمه به. وإن دعت المرأة وليها إلى تزويجها من كفء فعضلها، فللأبعد تزويجها. نص عليه. وعنه: لا يزوجها إلا السلطان وهو اختيار أبي بكر، لقول النبي ﷺ : «فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» ؛ ولأن التزويج حق عليه امتنع منه، فقام الحاكم مقامه في إيفائه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه، واختار الخرقي الرواية الأولى؛ لأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فوليها الأبعد، كما لو فسق. والحديث دليل على أن السلطان لا يزوج هاهنا، لقوله: «فالسلطان ولي من لا ولي له» وإن غاب الأقرب غيبة منقطعة ولم يوكل في تزويجها، فللأبعد تزويجها، لما ذكرنا. والغيبة المنقطعة: ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في منصوص أحمد، واختيار أبي بكر. وذكر الخرقي: أنها ما لا يصل الكتاب فيها إليه، أو يصل فلا يجيب عنه؛ لأن غير هذا يمكن مراجعته. وقال القاضي: حدها: ما لا تقطعها القافلة في السنة إلا مرة؛ لأن الكفء ينتظر عاماً ولا ينتظر أكثر منه. وقال أبو الخطاب: يحتمل أن يحدها بما تقصر فيه الصلاة؛ لأن أحمد قال: إذا كان الأب بعيد السفر، يزوج الأخ. والسفر البعيد في الشرع: ما علق عليه رخص السفر، والأولى المنصوص. والرد في هذا إلى العرف، وما جرت العادة بالانتظار فيه، والمراجعة لصاحبه، لعدم التحديد فيه من الشارع. فأما القريب فيجب انتظاره ومراجعته؛ لأنه في حكم الحاضر، إلا أن تتعذر مراجعته، لأسر أو حبس لا يوصل إليه ونحوهما، فيكون كالبعيد، لكونه في معناه. ولا يشترط في الولاية البصر؛ لأن شعيباً ﵇ زوج
стр. 904
ابنته وهو أعمى لموسى ﵇، ولأن الأعمى من أهل الرواية والشهادة، فكان من أهل الولاية كالبصير. فأما الأخرس، فإن منع فهم الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم يزل الولاية؛ لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح تزويجه كالناطق.
فصل:
وإذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب وسلامته من الموانع، أو زوج أجنبي، أو زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها، أو تزوج العبد بغير إذن سيده، فالنكاح باطل في أصح الروايتين، لقول النبي ﷺ : «إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر» وفي لفظ: «فنكاحه باطل» ولأنه نكاح لم تثبت أحكامه من الطلاق، والخلع، والتوارث فلم ينعقد كنكاح المعتدة. والثانية: هو موقوف على إجازة من له الإذن. فإن أجازه جاز، وإلا بطل لما ذكرناه في تصرف الفضولي في البيع، ولما روى ابن ماجه: «أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ » . رواه أبو داود. وقال: هذا حديث مرسل، رواه الناس عن عكرمة عن النبي ﷺ ولم يذكروا ابن عباس. فإن قلنا بهذه الرواية فإن الشهادة تعتبر حالة العقد؛ لأنها شرط له فتعتبر معه كالقبول. ويكفي في إذن المرأة النطق، أو ما يدل على الرضى تقوم مقام النطق به، بدليل «قول النبي ﷺ لبريرة: إن وطئك زوجك فلا خيار لك» فأما إن زوجت المرأة نفسها، أو زوجها طفل، أو مجنون، أو فاسق، فهو باطل لا يقف على الإجازة؛ لأنه تصرف صادر من غير أهله. وذكر أصحابنا: تزويجها لنفسها من جملة الصور المختلفة في وقوفها. والأولى أنها ليست منها، لقول النبي ﷺ : «أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل» ولأنه تصرف لو قارنه الإذن لم يصح، فلم يصح بالإذن اللاحق، كتصرف المجنون.
فصل:
ولكل واحد من الأولياء أن يوكل في تزويج موليته، فيقوم وكيله مقامه حاضراً كان الموكل أو غائباً، ولا يعتبر إذن المرأة في التوكيل. وخرج القاضي ذلك على الروايتين
стр. 905
في توكيل الوكيل من غير إذن الموكل، وليس كذلك، فإن الولي ليس بوكيل للمرأة، ولا تثبت ولايته من جهتها، فلم يقف جواز توكيله على إذنها، كالسلطان، ولأنه ولي في النكاح فملك الإذن فيه من غير إذنها، كالسلطان. ويجوز التوكيل في التزويج مطلقاً من غير تعيين الزوج؛ لأنه إذن في التزويج فجاز مطلقاً، كإذن المرأة. ويجوز التوكيل في تزويج معين، واختلفت الرواية هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟ على روايتين. ذكرناهما في الوصايا. ولا يصير وصياً في النكاح بالوصية إليه في المال؛ لأنها إحدى الوصيتين فلم تملك بالأخرى، كالأخرى.
فصل:
وإذا لم يكن للمرأة ولي، ولا للبلد قاض ولا سلطان. فعن أحمد: ما يدل على أنه يجوز لها أن تأذن لرجل عدل يحتاط لها في الكفء والمهر، ويزوجها فإنه قال في دهقان قرية: يزوج المرأة إذا لم يكن في الرستاق قاض إذا احتاط لها في الكفء والمهر. ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية، فوجب أن لا يشترط. وعنه: لا يصح إلا بولي لعموم الخبر.
فصل:
وإذا أراد ولي المرأة تزوجها، كابن عمها، أو مولاها جعل أمرها إلى من يزوجها منه بإذنها، لما روي أن المغيرة بن شعبة أمر رجلاً أن يزوجه امرأة المغيرة أولى بها منه، ولأنه وليها فجاز أن يتزوجها من وكيله، كالإمام. فإن زوج نفسه بإذنها ففيه روايتان
إحداهما: لا يجوز لحديث المغيرة، ولأنه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن يتولى طرفيه، كالوكيل في البيع. والثانية: يجوز، لما روي عن عبد الرحمن بن عوف: أنه قال لأم حكيم بنت قارظ أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك، ولأنه صدر الإيجاب من الولي، والقبول من الأهل فصح، كما لو زوج الرجل عبده الصغير لأمته. وإن قال السيد: قد أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها. أو قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها، ففيه روايتان:
إحداهما: يصح العتق والنكاح، ويصير عتقها صداقها، لما روى أنس: «أن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها» متفق عليه. وفي رواية «أصدقها نفسها» .
стр. 906
والثانية: لا يصح حتى يبتدئ العقد عليها بإذنها؛ لأنه لم يوجد إيجاب ولا قبول، فلم يصح العقد، كما لو كانت حرة. فعلى هذا ينفذ العتق وعليها قيمة نفسها؛ لأنه إنما أعتقها بعوض لم يسلم له، ولم يمكن إبطال العتق، فرجعنا إلى القيمة. ولا يجوز لأحد أن يتولى طرفي العقد غير من ذكرنا، إلا السيد يزوج عبده من أمته. فإن كان وكيلاً للزوج والولي أو وكيلاً للزوج، ولياً للمرأة، أو وكيلاً للولي، ولياً للزوج ففيه وجهان: بناء على ما ذكرنا في الوكيل في البيع.
فصل:
الشرط الثاني من شرائط النكاح: أن يحضره شاهدان، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» رواه الخلال. وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان» . رواه الدارقطني، وعن أحمد: أن الشهادة ليست شرطاً فيه؛ لأن النبي ﷺ أعتق صفية وتزوجها بغير شهود، ولأنه عقد معاوضة، فلم تشترط الشهادة فيه، كالبيع.
فصل:
ويشترط في الشهود سبع صفات:
أحدها: العقل؛ لأن المجنون والطفل ليسا من أهل الشهادة.
والثاني: السمع؛ لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به.
والثالث: النطق؛ لأن الخرس لا يتمكن من أداء الشهادة.
الرابع: البلوغ؛ لأن الصبي لا شهادة له. وعنه: أنه ينعقد بحضور مراهقين، بناء على أنهما من أهل الشهادة، والأول أصح.
الخامس: الإسلام. ويتخرج أن ينعقد نكاح المسلم للذمية بشهادة ذميين، بناء على قبول شهادة بعضهم على بعض. والأول المذهب، لقوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .
стр. 907
السادس: العدالة للخبر، وعنه: ينعقد بحضور فاسقين؛ لأنه تحمل فلم تعتبر فيه العدالة كسائر التحملات. والأول أولى للخبر، ولأن من لا يثبت النكاح بقوله لا ينعقد بشهادته، كالصبي إلا أننا لا نعتبر العدالة باطناً. ويكفي أن يكون مستور الحال. وكذلك العدالة المشروطة في الولي؛ لأن النكاح يقع بين عامة الناس في مواضع لا تعرف فيها حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق.
السابع: الذكورية. وعنه: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع. والأول: المذهب، لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق. وهل يشترط عدم العداوة والولادة؟ وهو أن لا يكون الشاهدان عدوين للزوجين، أو لأحدهما، ولا ابنين لهما، أو لأحدهما على وجهين. ولا تشترط الحرية، ولا البصر؛ لأنها شهادة لا توجب حداً، فقبلت شهادتهما فيه، كالشهادة عليه بالاستفاضة. ويعتبر أن يعرف الضرير المتعاقدين، ليشهد عليهما بقولهما. وهل يشترط كون الشاهد من غير أهل الصنائع الرزية، كالحجام ونحوه؟ على وجهين بناء على قبول شهادتهم.
فصل:
الشرط الثالث من شروط النكاح: تعيين الزوجين؛ لأن المقصود بالنكاح أعيانهما، فوجب تعيينهما. فإن كانت حاضرة فقال: زوجتك هذه صح؛ لأن الإشارة تكفي في التعيين. فإن زاد على ذلك فقال: ابنتي أو فاطمة كان تأكيداً. وإن سماها بغير اسمها صح؛ لأن الاسم لا حكم له مع الإشارة، فأشبه ما لو قال: زوجتك هذه الطويلة وهي قصيرة. وإن كانت غائبة، فقال: زوجتك ابنتي وليس له غيرها صح لحصول التعيين بتفردها بهذه الصفة المذكورة. وإن سماها باسمها، أو وصفها بصفتها كان تأكيداً. وإن سماها بغير اسمها صح أيضاً؛ لأن الاسم لا حكم له مع التعيين، فلا يؤثر الغلط فيه. وإن كان له ابنتان فقال: زوجتك ابنتي لم يصح حتى يسميها، أو يصفها بما تتميز به؛ لأن التعيين لا يحصل بدونه. فإن قال: ابنتي فاطمة، أو ابنتي الكبرى صح؛ لأنها تعينت به. وإن نويا ذلك من غير لفظ لم يصح؛ لأن الشهادة في النكاح شرط، ولا يقع إلا على اللفظ ولا تعيين فيه. وإن خطب الرجل امرأة فزوج غيرها لم ينعقد النكاح؛ لأنه ينوي القبول لغير ما وقع فيه الإيجاب فلم يصح، كما لو قال: قد زوجتك ابنتي فاطمة. فقال: قبلت تزويج عائشة، فإن كان له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة، فقال: قبلت تزويج عائشة، فقبله الزوج ينويان الصغرى لم يصح؛ لأنهما لم يتلفظا بما تقع الشهادة عليه، ولم يذكر المنوية بما تتميز به. وإن نوى أحدهما الكبرى، والآخر الصغرى لم يصح؛ لأنه قبل النكاح في غير من وقع عليه
стр. 908
الإيجاب. وإن قال: زوجتك حمل امرأتي لم يصح؛ لأنه لم يثبت لها حكم البنات قبل الولادة، ولا يتحقق كونها بنتاً. وإن قال: إن ولدت زوجتي بنتاً زوجتكها كان وعداً لا عقداً؛ لأن النكاح لا يتعلق على الشروط.
فصل:
الشرط الرابع من شروط النكاح: التراضي من الزوجين، أو من يقوم مقامهما؛ لأن العقد لهما، فاعتبر تراضيهما به كالبيع. فإن كان الزوج بالغاً عاقلاً لم يجز بغير رضاه. وإن كان عبداً لم يملك السيد إجباره عليه؛ لأنه خالص حقه، وهو من أهل مباشرته، فلم يجبر عليه كالطلاق. وإن كان العبد صغيراً فلسيده تزويجه؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده أولى. قال أبو الخطاب: ويحتمل أن لا يملكه أيضاً قياساً على الكبير، ويملك الأب تزويج ابنه الصغير الذي لم يبلغ، لما روي عن ابن عمر: أنه زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد، فأجازاه جميعاً. رواه الأثرم؛ ولأنه يتصرف في ماله بغير تولية فملك تزويجه، كابنته الصغيرة. وسواء كان عاقلا، أو معتوهاً؛ لأنه إذا ملك تزويج العاقل فالمعتوه أولى. ويملك الأب أيضاً تزويج ابنه البالغ المعتوه في ظاهر كلام أحمد والخرقي لأنه غير مكلف فأشبه الصغير. وقال القاضي: لا يجوز تزويجه، إلا إذا ظهر منه أمارات الشهوة، باتباع النساء ونحوه. فقال أبو بكر: لا يجوز تزويجه بحال؛ لأنه رجل فلم يجز تزويجه بغير إذنه، كالعاقل، والأول أولى؛ لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته، وحفظه عن الزنى، فالبالغ أولى. ولا يجوز تزويجه، إلا إذا رأى وليه المصلحة في تزويجه، لاحتياجه إلى الحفظ والإيواء، أو قضاء الشهوة ونحو ذلك، فأما من له إفاقة في بعض أحيانه، فلا يجوز إجباره على النكاح لأنه يمكن استئذانه. ووصي الأب كالأب في تزويج الصغير والمعتوه؛ لأنه نائب عنه فأشبه الوكيل، ولا يملك غير الأب ووصيه تزويج صغير ولا معتوه؛ لأنه إذا لم يملك تزويج الأنثى مع قصورها، فالذكر أولى. وقال ابن حامد: للحاكم تزويج المعتوه الذي يشتهي النساء؛ لأنه يلي ماله، فملك تزويجه، كالوصي. وقال القاضي: له تزويج الصغير الذي يشتهي كذلك. ولا يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك؛ لأنه ناظر له في مصالحه، وهذا منها، فأشبه عقده على ماله.
فصل:
فأما المرأة، فإن السيد يملك تزويج أمته بكراً كانت أو ثيباً، بغير رضاها؛ لأنه عقد على منافعها فملكه، كإجارتها. وأما الحرة فإن الأب يملك تزويج ابنته الصغيرة البكر بغير خلاف؛ «لأن أبا بكر الصديق زوج عائشة للنبي ﷺ وهي ابنة ست» . متفق عليه
стр. 909
ولم يستأذنها وروى الأثرم: أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست. ولا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة إلا بإذنها، لقول النبي ﷺ : «الأيم أحق بنفسها من وليها» وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس للولي من الثيب أمر» رواهما أبو داود. وفي البكر البالغة روايتان:
إحداهما: له إجبارها، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» وإثباته الحق للأيم على الخصوص يدل على نفيه عن البكر.
والثانية: لا يجوز تزويجها إلا بإذنها، لقول رسول الله ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تأذن، قالوا: يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» متفق عليه. وأما الثيب الصغيرة، ففيها وجهان:
أحدهما: لا يجوز تزويجها، لعموم الأحاديث فيها.
والأخرى: يجوز تزويجها؛ لأنها ولد صغير فملك الأب تزويجها، كالغلام. والثيب: هي الموطوءة في فرجها حلالاً كان أو حراماً؛ لأنه لو أوصى للثيب بوصية دخل فيها من ذكرناه، ولا تدخل في وصيته الأبكار. ووصي الأب إذا نص له على التزويج، كالأب؛ لأنه قائم مقامه.
فصل:
فأما غيرهما، فلا يملك تزويج كبيرة إلا بإذنها، جداً كان أو غيره، لعموم الأحاديث، ولأنه قاصر عن الأب فلم يملك الإجبار، كالعم. وفي الصغيرة ثلاث روايات:
стр. 910
إحداهن: ليس لهم تزويجها، لما روي «أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها» والصغيرة لا إذن لها. والثانية: لهم تزويجها ولها الخيار إذا بلغت، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] . دلت بمفهومها على أنه له تزوجها إذا أقسط لها، وقد فسرته عائشة بذلك. والثالثة: لهم تزويجها إذا بلغت تسعاً بإذنها، ولا يجوز قبل ذلك، لقول النبي ﷺ : «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» رواه أبو داود. وجمعنا بين الأدلة والأخبار، وقيدنا ذلك بابنة تسع؛ لأن عائشة قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة» . وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ ؛ لأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، فأشبهت البالغة. وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات، أو الكلام في حق الأب وغيره، لما تقدم من الحديث، وهو صريح في الحكم. وروى عدي الكندي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها» رواه الأثرم وابن ماجة. ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم، لشمول اللفظ لهما جميعاً.
فصل:
الشرط الخامس من شروط النكاح: الإيجاب والقبول. ولا يصح الإيجاب إلا بلفظ النكاح، أو التزويج، فيقول: زوجتك ابنتي، أو أنكحتكها؛ لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح، فلا ينعقد به، كلفظ الإحلال، ولأن الشهادة شرط في النكاح، وهي واقعة على اللفظ. وغير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح، وإنما يصرف إليه بالنية، ولا شهادة عليها، فيخلوا النكاح عن الشهادة.
وأما القبول فيقول: قبلت هذا النكاح. وإن اقتصر على قبلت صح؛ لأن القبول يرجع إلى ما أوجبه الولي، كما في البيع. وإن قيل للولي: أزوجت؟ قال: نعم. قيل للمتزوج: أقبلت؟ قال: نعم انعقد النكاح؛ لأن نعم جواب للسؤال، والسؤال مضمر معاد فيه، ولهذا لو قيل له: أسرقت؟ قال: نعم. كان مقراً بالسرقة، حتى يلزمه القطع
стр. 911
الذي يندرئ بالشبهات، فهاهنا أولى. ولا يصح الإيجاب والقبول بغير العربية لمن يحسنها؛ لأنه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج مع إمكانهما فلم يصح، لما ذكرنا. ويصح بمعناهما الخاص بكل لسان لمن يحسنهما؛ لأنه يشتمل على معنى اللفظ العربي، فأشبه ما لو أتى به، وليس عليه تعلمهما بالعربية؛ لأن النكاح غير واجب، فلا يلزم تعلم أركانه، كالبيع، ولأن المقصود المعنى دون اللفظ المعجوز وهو حاصل، بخلاف القراءة. وقال أبو الخطاب: يلزمه التعلم؛ لأن ما كانت العربية شرطاً فيه عند الإمكان لزمه تعلمه، كالتكبير. وإذا فهمت إشارة الأخرس صح النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، كبيعه. وإن تقدم القبول على الإيجاب لم يصح؛ لأن القبول إنما هو بالإيجاب، فيشترط تأخره عنه. وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، فإن تفرقا قبله، أو تشاغلا بغيره قبل القبول بطل الإيجاب؛ لأنهما أعرضا عنه بتفرقهما، أو تشاغلهما فبطل، كما لو طال التراخي. ونقل أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا: زوج فلاناً على ألف، فقال: قد زوجته على ألف، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقبل، هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم. فجعل أبو بكر هذا رواية ثانية. وقال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس. وإن خرج أحدهما عن أهلية العقد بجنون، أو إغماء أو موت قبل القبول بطل؛ لأنه لن ينعقد فبطل بهذه المعاني، كإيجاب البيع. ومتى عقد النكاح هازلاً أو تلجئة صح؛ لأن النبي ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
فصل:
وفي الكفاءة روايتان:
إحداهما: هي شرط لصحة النكاح، فإذا فاتت لم يصح. وإن رضوا به، لما روى الدارقطني بإسناده عن جابر قال: قال النبي ﷺ : «لا ينكح النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء» وقال عمر: لأمنعن فروج ذوي الأحساب إلا من الأكفاء؛ ولأنه تصرف يتضرر به من لم يرض به فلم يصح، كما لو زوجها وليها بغير رضاها.
والثانية: ليست شرطاً؛ «لأن النبي ﷺ زوج زيداً مولاه ابنة عمته زينب بنت
стр. 912
جحش، وزوج أسامة فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية» . رواه مسلم وقالت عائشة: إن أبا حذيفة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. أخرجه البخاري. لكن إن لم ترض المرأة، ولم يرض بعض الأولياء ففيه روايتان:
إحداهما: العقد باطل؛ لأن الكفاءة حقهم، تصرف فيه بغير رضاهم، فلم يصح كتصرف الفضولي.
والثانية: يصح ولمن لم يرض الفسخ. فلو زوج الأب بغير الكفء فرضيت البنت كان للأخوة الفسخ؛ لأنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة، فملك الفسخ كالمتساويين.
فصل:
والكفء ذو الدين والمنصب. فلا يكون الفاسق كفئا لعفيفة؛ لأنه مردود الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال. ولا يكون المولى والعجمي كفئاً لعربية، لما ذكرنا من قول عمر. وقال سلمان لجرير: إنكم معشر العرب لا نتقدم في صلاتكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله فضلكم علينا بمحمد ﷺ وجعله فيكم. والعرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم بعضهم لبعض أكفاء؛ لأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة ابنة الزبير ابن عمة رسول الله. وزوج أبو بكر أخته للأشعث بن قيس الكندي، وزوج علي ابنته أم كلثوم عمر بن الخطاب.
وعنه أن غير قريش لا يكافئهم وغير بني هاشم لا يكافئهم، لقول النبي ﷺ «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . واختلفت الرواية في ثلاثة أمور: أحدها: الحرية، فروي أنها ليست شرطاً في الكفاءة، «لأن النبي ﷺ قال لبريرة حين عتقت تحت عبد، فاختارت فرقته: لو راجعتيه، قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا إنما أنا شفيع» ومراجعتها له ابتداء نكاح عبد لحرة. روي أنها شرط، وهي أصح؛ لأن «النبي ﷺ خير بريرة حين عتقت تحت عبد» . فإذا ثبت لها الخيار بالحرية الطارئة فبالسابقة أولى؛ ولأن فيه نقصاً في المنصب والاستمتاع والإنفاق، ويلحق به العار فأشبه عدم المنصب.
стр. 913
والثاني: اليسار ففيه روايتان:
إحداهما: هو من شروط الكفاءة، لقول النبي ﷺ «الحسب المال» وقال «إن أحساب الناس بينهم هذا المال» رواه النسائي بمعناه؛ ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها، لإخلاله بنفقتها ونفقة ولدها.
والثانية: ليس منها؛ لأن الفقر شرف في الدين. وقد قال النبي ﷺ : «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً» رواه الترمذي. وليس هو أمراً لازماً، فأشبه العافية من المرض. واليسار المعتبر: ما يقدر به على الإنفاق عليها حسب ما يجب لها.
والثالث: الصناعة وفيها روايتان:
إحداهما: أن أصحاب الصنائع الدنيئة لا يكافؤون من هو أعلى منهم. فالحائك والحجام والكساح والزبال وقيم الحمام لا يكون كفئاً لمن هو أعلى منه؛ لأنه نقص في عرف الناس، وتتعير المرأة به، فأشبه نقص النسب.
والثانية: ليس هذا شرطاً؛ لأنه ليس بنقص في الدين، ولا هو بلازم، فأشبه المرض. وقد أنشدوا:
وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم
فصل:
ويستحب إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، لما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» رواه النسائي. فإن أسروه وتواصوا بكتمانه كره ذلك، وصح النكاح. وقال أبو بكر: لا يصح للحديث. ولنا قول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» مفهومه صحته بهما، والحديث محمول على الندب جمعاً بين الخبرين، ولأن إعلان النكاح والضرب عليه بالدف إنما يكون بعد العقد وصحته، ولو كان شرطاً، لاعتبر حال
стр. 914
العقد كسائر شروطه. وقال أحمد: لا بأس بالغزل في العرس، لقول النبي ﷺ للأنصار:
«
أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحم ... ر ما حلت نواديكم
ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سمنت عذاراكم
»
فصل:
ويستحب عقده يوم الجمعة؛ لأن جماعة من السلف كانوا يحبون ذلك. والمساية أولي، لما روى أبو حفص بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «مسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة» .
ويستحب تقديم الخطبة بين يدي النكاح، لقول النبي ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ (الحمد لله) فهو أقطع» ويستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود التي قال: «علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ويقرأ ثلاث آيات: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] . ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] » . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا ليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ قال لخاطب الواهبة: «زوجتكها
стр. 915
بما معك من القرآن» ولم يذكر خطبة.
فصل:
ويستحب أن يقال للمتزوج ما روى أبو هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال: بارك الله لك، وبارك عليك وجمع بينكما في خير» رواه أبو داود. وإذا زفت إليه قال ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادماً فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» رواه أبو داود.
وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج، فحضره عبد الله بن مسعود وأبو ذر، وحذيفة، وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في، وارزقني منهم، ثم شأنك وشأن أهلك.
فصل:
ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين، لقول النبي ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» متفق عليه. ويختار الجميلة؛ لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأدوم لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح. وروى سعيد بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: «خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة، تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها» ويتخير الحسيبة، لنجب ولدها. وقد روي عن عائشة أن النبي ﷺ قال:
следующие страницы →