← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الهبة، ويلزم الواهب أخذها، ولا ترجع إلى الواهب إلا برضاهما جميعا، ووجه هذه الرواية أن الواهب لما دفع الهبة وقد كان من حقه ألا يدفعها حتى يثاب منها؛ فقد رضي بأخذ القيمة فيها؛ وأن الموهوب لما قبضها وقد كان له، ألا يقبل ولا يقبض فقد رضي بدفع القيمة فيها؛ ولو قيل إن الموهوب له تلزمه القيمة بالقبول، لكان قولا له وجه، وهو القياس على البيع؛ لأن الهبة على الثواب بيع من البيوع؛ والصحيح على مذهب ابن القاسم ما روي عن عيسى، وأصبغ - أن القيمة تكون عليه يوم الهبة؛ لأن مذهبه أن السلعة المبيعة تدخل بالعقد في ضمان المشتري، وتكون مصيبتها منه إذا عرف هلاكها بالبينة. فصل وللموهوب له أن يثيب على الهبة للثواب بما شاء من العروض ما لم تكن من العروض التي لا يتعاطاها الناس فيما بينهم في الثواب، كالحطب والتبن، وما أشبه ذلك؛ وسواء على مذهب ابن القاسم كان ذلك قبل الفوات أو بعده - إذ لم يفرق بين ذلك في المدونة، ولو كان ذلك عنده يفترق لبينه - والله أعلم، وقال سحنون: له أن يثيبه بما شاء من العروض - إذا كان فيه وفاء بالقيمة؛ وقال أشهب: ليس له أن يعطي في الثواب إلا الدنانير والدراهم، إلا أن يتراضيا على غير ذلك؛ فإن تراضيا عليه، فينبغي ألا يجوز على مذهبه إلا بعد معرفتهما بالقيمة. فصل فإن تمت الهبة فأراد الموهوب له ردها وأبى الواهب، جرى ذلك على اختلاف قول ابن القاسم في النماء: هل هو فوت أم لا؟ فلا يجب ذلك له على القول الذي يرى النماء فيه فوتا وإن كان مذهبه أن له أن يثيب العروض بعد الفوات، فالفرق بين السؤالين أن الواهب إنما دفع ليعطي غيره متى رضي به أو فات لا ليعطى هو، ويجب ذلك له على القول الذي لا يرى النماء فوتا، وهو قول أشهب وإحدى روايتي عيسى عن ابن القاسم.

стр. 1052

فصل وقد اختلف قول محمد بن المواز في أخذها بعد الفوت هل يحتاج إلى معرفة القيمة في ذلك أم لا، والصواب ألا بد من معرفة القيمة في أخذها بعد الفوت على مذهب ابن القاسم، إذ ليس له أن يردها بعينها على مذهبه إلا بتراضيهما على ذلك؛ وأما في أخذ غيرها بعد الفوت، فلا يحتاج فيه إلى معرفة القيمة - إذا قلنا إن له أن يثيب العروض بعد الفوات على ما تأولناه على مذهبه، وإن قلنا إنه ليس له أن يثيب العروض بعد الفوات، إلا بتراضيهما على ذلك، فلا بد من معرفة القيمة، فهذا الذي ينبغي أن يقال في المسألة، ولا معنى لاختلاف قول محمد بن المواز في إيجاب معرفة القيمة في ردها بعينها بعد الفوات والله أعلم، وهذا إذا صدق الموهوب له الواهب في أنه أراد بهبته الثواب، وأما إن أكذبه في ذلك فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يرى أنه إنما أراد بهبته الثواب. والثاني: أن يرى أنه لم يرد بها الثواب. والثالث: ألا يتبين مراده بها أن كانت للثواب أو لغير الثواب. فأما إن رأى في أنه أراد بها الثوب، فحكمها حكم الهبة للثواب، وقد تقدم الكلام عليه. وأما إن رأى أنه لم يرد بها الثواب، فلا ثواب له فيها. وأما إن لم يتبين مراده بها، فالقول قوله أنه أراد بها الثواب قيل بيمين، وقيل بغير يمين - على ما سنبينه - إن شاء الله.

стр. 1053

فصل ومما يتبين به مراده من ذلك مما لا يتبين يحتاج إلى بيان وتقسيم، وتفصيل وذلك أن الهبة لا تخلو من أربعة أوجه: أحدها: أن يقصد بها وجه الله تعالى. والثاني: أن يقصد بها وجوه الناس. والثالث: أن يقصد بها وجه الموهوب له. والرابع: أن يريد بها وجه الله ووجه الموهوب له. فأما إذا قصد بهبته وجه الله تعالى وعلم ذلك بإقراره على نفسمه، أو تبين ذلك من قصده، مثل أن يهب الغني للفقير، أو يهب لصلة رحم محتاجة، وما أشبه ذلك؛ فحكمها حكم الصدقة لا ثواب فيها ولا اعتصار ولا رجوع؛ وكذلك إذا قصد بهبته وجوه الناس إلا أنه لا أجر له في هبته، لقول النبي ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله». الحديث. وأما إذا أراد بهبته وجه الله تعالى ووجه الموهوب له. وذلك مثل أن يهب هبة على غير وجه صدقة ولا صلة رحم، فيقول فيها لله أو لوجه الله، فلا ثواب له فيها ولا اعتصار إلا أن يشترط ذلك؛ وقيل إن له الاعتصار دون شرط إذا كانت الهبة لمن يصح منه الاعتصار. وأما إذا قصد بها وجه الموهوب له - وذلك مثل أن يهب هبة مرسلة على غير وجه صدقة ولا صلة رحم، فإنها تنقسم على خمسة أقسام: أحدها: أن يريد بها وجه الموهوب له لمحبته إياه ومودته له. والثاني: أن يريد بها وجهه ليستجر مودته ومحبته. والثالث: أن يريد بها وجهه ليتأكد ما بينهما من المودة والمحبة.

стр. 1054

والرابع: أن يريد بها التودد والمكافأة. والخامس: أن لا يتبين أن كان قصد بها مجرد التودد إلى الموهوب له دون المكافآت أو قصد بها الوجهين جميعا. فأما إذا أراد بهبته وجه الموهوب له لمحبته إياه ومودته له وعلم ذلك بإقراره به على نفسه، أو تبين ذلك من قصده - مثل أن يهب الوالد لولده، أو يهب الرجل الهبة للعالم، أو للرجل الصالح، وما أشبه ذلك مما يعلم بالعرف الجاري أنه إنما وهبه لمحبته فيه، أو لمكانه من العلم والخير والصلاح، أو أراد بها وجه الموهوب له ليستجر بذلك مودته ومحبته وعلم ذلك بإقراره به على نفسه أو تبين ذلك من قصده مثل أن يقدم الرجل من سفره فيهدي له جاره الشيء يتحفه به مثل الفاكهة وما أشبه ذلك، أو يقدم الرجل من سفره فيهدي لجيرانه وإخوانه مما جلبه من تحف البلاد التي قدم منها، وما أشبه ذلك مما يعلم بالعرف الجاري فيه أن أحدا لا يريد بذلك ثوابا، وإنما يفعله للتودد والتحبب - كالسلطان يهب لبعض رعيته؛ فهذان الوجهان لا ثواب فيهما إلا أن يشترط الثواب، فإن لم يشترطه وادعى أنه أراده لم يصدق، وإن ادعى أنه اشترطه على الموهوب له، كان له أن يحلفه، فإن نكل عن اليمين حلف هو واستحق العوض. فصل وأما إذا أراد بهبته وجه الموهوب له ليتأكد ما بينهما من المودة والمحبة وأقر بذلك على نفسه أيضا أو علم ذلك من قصده مثل أن يهب أحد الزوجين

стр. 1055

لصاحبه، أو الولد لوالده، فيعلم بالعرف الجاري أن القصد بذلك تأكيد التودد لما بينهما مما يقتضي حاجتهما إلى التودد، فهذا الوجه اختلف فيه إن ادعى الواهب أنه أراد بذلك الثواب والمكافأة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصدق إلا أن يظهر من صورة الحال ما يدل على صدقه، وهذا نص قوله في المدونة. والثاني: أنه لا يصدق ولا يكون له الثواب إلا أن يشترطه وهو ظاهر قول ربيعة في المدونة، وقول مالك الذي يتلوه لقول سحنون، وقال مالك والليث مثله. والثالث: أنه يصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقه وهذا القول حكاه عبد الوهاب في المعونة. فصل فإذا صدق في هذا الوجه على مذهب من يصدقه فيه، فإنما يصدق باليمين، فإن نكل عن اليمين، لم يكن له ثواب ولم يحلف الموهوب له؛ ولو ادعى أنه اشترط الثواب على هذا القول - ونكل عن اليمين، لرجعت اليمين على الموهوب له فإن حلف بريء وإن نكل لزمه الثواب وأما على القول الذي لا يصدق فيه ولا يكون له الثواب إلا أن يشترطه، فإن ادعى الشرط ولم تكن له بينة، حلف الموهوب له وسقط عنه الثواب؛ فإن نكل حلف الواهب واستحق الثواب؛ وأما على القول الذي لا يصدق فيه ولا يكون له الثواب إلا أن يظهر من صورة الحال ما يدل على صدقه، فيتخرج إيجاب اليمين عليه إن ظهر من صورة الحال ما يدل على صدقه على قولين. فصل وأما القسم الرابع وهو أن يريد بهبته التودد والمكافأة - ويظهر ذلك من قصده

стр. 1056

وفعله، مثل أن يهب الفقير للغني هبة مبتدأة على غير سبب، فيدل ذلك من فعله على أنه أراد به الثواب من عنده، فهذا له الثواب إن ادعاه دون يمين. فصل وأما القسم الخامس - وهو الأبين إن كان أراد بهبته مجرد التودد دون المكافأة، أو قصد الوجهين جميعا، وذلك مثل هبة النظراء والأكفاء من أهل الوفر والغناء - بعضهم لبعض - كانوا أجنبيين أو أقرباء، فهذا الوجه قال فيه في المدونة: إن القول قول الواهب - ولم يبين إن كان بيمين أو بغير يمين، واختلف الشيوخ في تأويل ذلك، فمنهم من قال معناه بيمين، ومنهم من قال بغير يمين، والذي أقول به إن ذلك ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقول أردت ذلك ولم أشترطه. والثاني: أن يقول اشترطت ذلك على الموهوب له فيقول الموهوب له لم تشترط علي شيئا. والثالث: أن يقول الواهب اشترطت عليك الثواب ويقول الموهوب له بل بينت وذكرت أنه لا ثواب لك علي. فأما إذا قال أردت ذلك، ولم أشترطه فيجري ذلك على الاختلاف في يمين التهمة: هل تتعلق دون تحقيق الدعوى أم لا. وأما إذا قال: اشترطت ذلك على الموهوب له، وقال الموهوب له لم تشترط علي شيئا فلا يلزمه اليمين على القول الذي يوجب عليه اليمين في التهمة إلا بعد أن يحلف الموهوب له أنه ما اشترط عليه الثواب، فإن نكل عن اليمين لم يلزم الواهب يمين، وكان له الثواب دون أن يحلف، وأما على القول الذي لا يوجب عليه يمينا في التهمة، فلا يحلف بوجه. وأما إن قال: اشترطت عليك الثواب، وقال الموهوب له بل بينت ألا ثواب

стр. 1057

لك علي فيها فالقول قول الواهب مع يمينه أنه اشترط عليه الثواب، فإن نكل كان القول قول الموهوب له أنه بين له أن لا ثواب عليه، فإن نكل عن اليمين كان للواهب الثواب دون يمين - على حكم المدعي، والمدعى عليه، وبالله التوفيق لا شريك له. فصل وأما الوجه الثاني من تقاسيم الهبة للثواب وهو أن يشترط الثواب ولا يسميه، فقيل إنه كالهبة التي يرى أنه أراد بها الثواب، وقيل إن ذلك غرر لا يجوز لأنه قد باع منه السلعة بقيمتها - قاله ابن الماجشون، والأول قول أصبغ - وهو مذهب ابن القاسم. وأما الوجه الثالث - وهو أن يشترط الثواب ويسميه، فهو بيع من البيوع يحله ما يحل البيوع ويحرمه ما يحرم البيوع، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1058

كتاب الوديعة الوديعة أمانة، والمودع مؤتمن؛ والأمانة أمانتان: أمانة بين العبد وخالقه، وأمانة بين المخلوقين. فأما الأمانة التي بين العبد وخالقه، فهي الأمانة في الدين عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان - أي آدم ﷺ ، فحملها ولده بعده - وهي الفرائض التي افترضها الله على عباده، عرضها - تعالى - على السماوات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت، وإن ضيعت عوقبت؛ فأبت حملها شفقا منها وخوفا ألا تقوم بالواجب لله فيها، وحملها آدم إنه كان ظلوما لنفسه، جهولا بالذي فيه الحظ له، وجهولا بأمر ربه؛ وذلك أنه لما قبلها بما فيها، ما كان إلا ما بين صلاة العصر - إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة؛ وهي السرائر التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] وسئل مالك ﵀ فقيل له: أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ فقال: نعم، الوضوء من السرائر؛ وقد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدثه

стр. 1059

فلا، والصلاة من السرائر - إن شاء قال: صليت ولم يصل؛ ومن السرائر ما في القلوب يجزي الله بها العباد؛ ومن ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. فصل وأما الأمانة التي بين المخلوقين، فهي الودائع وما أشبهها من الأمانات التي يأتمن الناس بعضهم بعضا فيها؛ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقال رسول الله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، وأداء الأمانات من علامات الإيمان وعمل المؤمنين. والخيانة من علامة النفاق وعمل الفساق؛ وقال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب،

стр. 1060

وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان». وقال ﷺ : «اكفلوا لي ست خصال أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا أؤتمن فلا يخن، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم». فصل ولا تحل خيانة من خان، وقد اختلف فيمن استودع رجلا وديعة تجحده إياها ثم إنه استودعه وديعة أو ائتمنه على شيء هل يحل له أن فجحده فيها ويقتطعها لنفسه فيما جحده من وديعته: فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة لا يجحده، قال ابن القاسم حسبت أنه قاله للحديث الذي جاء: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». وروى أشهب عنه أنه قال: لا آمره بذلك، ولا آمره إلا بطاعة الله؛ وإن أردت أن تفعله، فأنت أعلم. وروى ابن وهب عن مالك أنه يأخذ إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين أخذ قدر ما يجب له في المحاصة؛ وزاد ابن نافع عنه إن أمن أن يحلف كاذبا. - يريد إن قبل منه أن يحلف ماله عندي حق - على ما في سماع أصبغ من كتاب النذور. وقال ابن شعبان تقبل منه يمينه أنه ماله عندي وديعة ولا غيرها بخلاف الحقوق الثابتة في الذمة من المبايعة والقرض، لأن الوديعة لا تلزم ذمته إلا بالتفريط، فما كان لا يلزم ذمته، فإنما يحلف على أقل ما يبرئه من فروعه؛ وذكر عن إياس بن معاوية أنه استحلف جاحد الوديعة ماله عندي وديعة ولا غيرها، قال ابن شعبان: وينبغي أن يزيد في يمين المستودع - مع هذا الذي حكم به إياس بن معاوية: ماله عندي وديعة، ولا وجب له في ذمته حق - بسبب الوديعة التي يذكرها - مخافة أن يكون فرط فيها فوجبت في ذمته، فإن حلف ماله عندي وديعة، حلف على صدق؛ لأنها

стр. 1061

قد ذهبت بتفريط أو بغير تفريط، فما هي عنده، وقال ابن عبد الحكم له أن يأخذ - وإن كان عليه دين، وهو قول الشافعي، وهذا الاختلاف جار على اختلاف قول مالك في المدونة في إجازة رهن المديان وقضائه بعض غرمائه، وقال ابن الماجشون أرى له استعمال الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه؛ ففي المسألة أربعة أقوال: أحدها: المنع من الأخذ. والثاني: الكراهية لذلك. والثالث: الإباحة له. والرابع: استحباب الأخذ - وهو قول ابن الماجشون كان عليه دين أو لم يكن؛ وقيل إنما هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يكن له أن يأخذ إلا قدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة؛ وأظهر الأقاويل إباحة الأخذ، «لأن رسول الله ﷺ أباح ذلك لهند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما شكت إليه أن زوجها أبا سفيان بن حرب لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف؛» فقوله ﷺ بالمعروف معناه: أن تأخذ مقدار ما يجب لها ولا تتعدى فتأخذ أكثر مما يجب لها؛ وكذلك يتأول قوله ﷺ : «ولا تخن من خانك». أي لا تتعدى فتأخذ أكثر من الواجب لك فتكون قد خنته - أخرى، كما خانك هو أولا؛ لأن من أخذ حقه الواجب له، فليس بخائن بل فعل المعروف الذي أباحه رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة، فعلى هذا يخرج الحديثان جميعا ولا يحملان على التعارض، وقد كان الفقيه ابن رزق شيخنا ﵁ يحدثنا أن هذا الحديث خرج على سؤال سئل النبي ﵇ عن وطء امرأة ائتمنه عليها رجل قد كان هو ائتمن ذلك الرجل على امرأته فخانه فيها ووطئها، وكان يضعف الاحتجاج لقول مالك في هذه المسألة بعموم هذا الحديث، لهذا المعنى الذي كان يذكره؛ وهذا الحديث وإن كان واردا على سبب على ما كان يذكر ﵀ فإنه عام مستقل بنفسه، وقد اختلف قول مالك

стр. 1062

- ﵀ في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أكثر أصحابه العراقيين كإسماعيل القاضي، والقاضي أبي بكر وغيرهما أنه يحمل على عمومه، ولا يقصر على سببه - لأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها؛ فالاحتجاج لقول مالك في هذه المسألة بعموم هذا الحديث - وإن كان واردا على السبب المذكور - صحيح على الأصح من قولي مالك - والله أعلم. قال ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إن المستودع إذا جحد ما كان بيده وهو من غير الذهب فوجد له المجحود ما بقي به من الدراهم أو العروض؛ لم يكن له أخذه ولا بيعه بمثل ما كان له، لأنه لم يوكل في ذلك وبه أقول. فصل فالأمانة التي تكون بين المخلوقين أمرهم الله فيها بالتقوى والأداء، ولم يأمرهم بالإشهاد كما فعل في ولي اليتيم، فدل ذلك على أنهم مؤتمنون في الرد إلى من ائتمنهم دون إشهاد، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع يمينه - إن أكذبه المودع، كما تصدق المرأة فيما ائتمنها الله عليه مما خلق في رحمهما من الحيض والحمل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. إلا أن يكون دفعها إليه بإشهاد فيتبين أنه إنما ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها، فيصدق في الضياع الذي ائتمنه عليه، ولا يصدق في الرد الذي استوثق منه فيه ولم يأتمنه عليه، هذا قول مالك ﵀ وجميع أصحابه: ابن القاسم وغيره، حاشا رواية أصبغ عن ابن القاسم في دعوى المستأجر رد ما استأجره من العروض، أنه يصدق - قبض ذلك منه، ببينة أو بغير بينة، ولا فرق في هذا بين ما استؤجر أو استودع، وقد تأول

стр. 1063

عليه أصبغ، أنه فرق بين القراض والوديعة، وبين ما استأجر من العروض في دعوى الرد إذا قبض ذلك ببينة؛ ووقع في النوادر لابن القاسم ما ظاهره مثل ما تأول عليه أصبغ، والصحيح ألا فرق بين ذلك، لأنه إذا صدق في رد ما استأجر وإن قبضه ببينة، فهو أحرى أن يصدق في الوديعة، لأنه قبضها لمنفعة صاحبها خالصا، والشيء المستأجر قبضه لمنفعتهما جميعا؛ وكذلك القراض قبضه لمنفعتهما جميعا، فلا فرق بينه وبين العرض المستأجر، بل هو أحرى ألا يصدق؛ لأن من أهل العلم من يراه ضامنا له إذا ادعى تلفه إلا أن يقيم البينة على التلف - كالرهن والعارية، وإلى هذا ذهب الشافعي أن المودع مصدق في رد الوديعة دفعت إليه ببينة أو بغير بينة، وقد كان يشبه أن يفرق بين الوديعة والشيء المستأجر، فإن الشيء المستأجر إذا شهد على دفعه إليه احتمل أن يكون القصد بالإشهاد التوثق من الإجارة لا التوثق من عين الشيء المستأجر لولا أن هذا ينكسر علينا بالقراض، إذ لا فرق في دعوى الرد بين القراض والشيء المستأجر فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال: أحدها: وهو المشهور أنه لا يصدق في دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة لا في الوديعة ولا في القراض ولا في الشيء المستأجر. والثاني: أنه يصدق في جميع ذلك وإن دفع إليه ببينة وهو الذي يأتي على رواية أصبغ في دعوى رد الشيء المستأجر، لأنه إذا صدق على الرد مع البينة على الدفع في الشيء المستأجر الذي قبضه لمنفعتهما جميعا. فأحرى أن يصدق في الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها - خاصة، وهو مثل القراض الذي قبضه لمنفعتهما جميعا. والثالث: تفرقة أصبغ بين الشيء المستأجر وبين القراض والوديعة فيصدق

стр. 1064

في الشيء المستأجر ولا يصدق في الوديعة، ولا في القراض على ما تؤول على ابن القاسم. والرابع: الفرق بين الوديعة وبين القراض والشيء المستأجر فلا يصدق في الوديعة إذا دفعت إليه ببينة ويصدق في رد الشيء المستأجر والقراض وإن دفع إليه ببينة؛ لاحتمال أن يكون القصد بالإشهاد إلى التوثق من الإجارة ومن الجزء في القراض، لا إلى التوثق من عين الشيء المستأجر ولا من مال القراض، وبالله التوفيق. فصل وهذا فيمن دفع الأمانة إلى اليد التي دفعتها إليه، وأما من دفعها إلى غير اليد التي دفعت إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد، قال الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، فإن لم يشهد، فلا يصدق في الدفع - إذا أنكر القابض، لا أحفظ في هذا الوجه نص خلاف، إلا على قول ابن الماجشون فيمن بعث ببضاعة مع رجل إلى رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها إليه، وهو مصدق - وإن أنكر القابض كانت دينا أو صلة؛ ويمكن أن يقول ابن القاسم مثله بالمعنى في مسألة اللؤلؤة الواقعة في كتاب الوكالات، - لأنها تقتضي تعمير الذمة، أعني ذمة الآمر بقول المأمور: قد فعلت ما أمرتني به من الدفع وإذا وجب أن يعمرها بقوله قد فعلت ما أمرتني به من الشراء، وجب

стр. 1065

أن يخلي ذمة نفسه بقوله قد فعلت ما أمرتني به من الدفع؛ وإذا وجب أن يخلي ذمته بقوله، فإخلاء أمانته بقوله أوجب؛ ومن رواية عيسى عنه في كتاب الخيار في الذي يشتري الثوب من الثوبين على أن أحدهما قد وجب عليه بخياره، فيضيع أحدهما فيدعي أنه قد كان اختار هذا الباقي ورضيه، أنه يصدق في ذلك. فصل فإن أقر بالقبض وادعى التلف، فلا يخلو من أن يكون قبض إلى ذمة أو إلى أمانة، فإن كان قبض إلى أمانة، فاختلف في ذلك قول ابن القاسم. قال مرة يبرأ الدافع بتصديق القابض - وتكون المصيبة من الآمر، وهو قوله في الكتاب؛ وقال مرة لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع، أو يأتي القابض بالمال، وهو قوله في كتاب ابن المواز؛ وفي مختصر الأسدية لأبي زيد القولان جميعا؛ وأما إن كان قبض إلى ذمة مثل أن يقول: ادفع الوديعة التي لي عندك إلى فلان سلفا أو تسليفا في سلعة، أو إلى صانع يعمل بها عملا، أو ما أشبه ذلك، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن تكون الذمة قائمة. والثاني: أن تكون خربة. فأما إن كانت الذمة قائمة، فإن الدافع يبرأ بتصديق القابض بلا خلاف؛ وأما إن كانت الذمة خربة، فاختلف في ذلك: قيل إن الدافع يبرأ بتصديق القابض، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب البضائع والوكالات في مسألة الصناع، وقيل إنه لا يبرأ بتصديقه إياه لخراب ذمته، والقولان مكشوفان في اختصار الأسدية لأبي زيد بن أبي الغمر؛ فقيل إن هذين القولين في هذا الوجه جاريان على الاختلاف المتقدم إذا دفع إلى أمانة، لاستواء الأمانة والذمة الخربة في كون

стр. 1066

المصيبة من الآمر، وقد فرق بعض المتأولين - أراه الفضل بن سلمة - بين المسألتين، فعلى ما ذهب إليه يأتي في حملة المسألة ثلاثة أقوال. أحدها: أن الدافع يبرأ بتصديق القابض - قبض إلى أمانة أو إلى ذمة. والثاني: أنه لا يبرأ بتصديق القابض - قبض إلى أمانة أو إلى ذمة إذا كانت خربة. والثالث: أنه يبرأ بتصديق القابض إذا قبض إلى ذمة وإن كانت خربة ولا يبرأ بتصديقه إذا قبض إلى أمانة. فصل وهذا التقسيم كله في دفع الأمانة، وأما دفع ما ثبت في الذمة فلا يخلو من أن يدفع ذلك إلى ذمة أو إلى أمانة. فأما إن دفع ذلك إلى أمانة، فإنه لا يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف ولا يبرأ إلا بإقامة البينة على معاينة الدفع، أو يأتي قابض المال بالمال، هذا نص ما في المدونة، ولا أعرف في هذا الوجه خلافا؛ إلا أن يدخل فيه الخلاف بالقياس على الأمانة، وكذلك لا يصدق إذ أنكر، وقد يدخل فيه الاختلاف بالمعنى من مسألة اللؤلؤة المذكورة وإنما اختلف إذا غرم الدافع المال: هل له أن يرجع به على القابض الذي قبضه منه وادعى تلفه: فقال مطرف يرجع به، لأنه فرط في دفع ذلك إلى الذي وكله حتى ضاع ذلك عنده، وقال ابن الماجشون لا يرجع عليه بشيء حتى يتبين منه تفريط وتعريض لتلف ما قبض، وهذا إذا علمت الوكالة ببينة قامت عليها، أو بإقرار الموكل بها؛ وأما إن كان ادعى القابض الوكالة وأنكرها الموكل، فقيل القول قول الموكل ويحلف ما وكله على شيء ويضمن؛ وقيل القول قول

стр. 1067

الوكيل، لأن الدافع قد صدقه فيما ادعى من الوكالة، فإذا قلت إن القول قول الموكل، يضمن الوكيل؛ وهو الذي يأتي على ما في كتاب الوديعة من المدونة، وعلى قول أشهب وابن القاسم في سماع سحنون من كتاب العارية، فإن رجع الموكل عليه لم يكن له رجوع على أحد وبريء الغريم، فإن رجع على الغريم كان للغريم الرجوع عليه؛ وإذا قلت إن القول قول الوكيل لأن الغريم قد صدقه إذا دفع إليه وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه من كتاب العارية، ففي رجوع الغريم عليه إذا غرم من الاختلاف ما قد ذكرته عن مطرف، وابن الماجشون. فصل وأما إن دفع إلى ذمة، فلا يخلو أن تكون الذمة قائمة أو خربة، فإن كانت قائمة، فإنه يبرأ بتصديق القابض إياه باتفاق، وإن كانت خربة، فإنه لا يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف إلا أن يقيم بينة على الدفع، هذا الذي يصح - عندي على مذاهبهم، ولا أعرف فيها نص خلاف، إلا أن يدخل فيها الخلاف بالقياس على الأمانة، فهي أربعة وجوه: دافع من ذمة إلى ذمة، ومن أمانة إلى أمانة، ومن أمانة إلى ذمة، ومن ذمة إلى أمانة؛ وقد تقدم الكلام على جميع ذلك فصلا، فصلا، ووجها، وجها. فصل واختلف إن ادعى الوكيل المفوض إليه أو غير المفوض إليه، أنه دفع إلى موكله ما قبض له من غرمائه فأنكره، فروى ابن القاسم عن مالك في كتاب البضائع والوكالات: أنه يصدق مع يمينه جملة من غير تفصيل، ومثله في الوكالات من المدونة، وروى مطرف عن مالك أنه إن كان الأمر بحضرة قبض المال أو

стр. 1068

بقرب ذلك بالأيام اليسيرة، فالقول قول الموكل أنه ما قبض منه شيئا مع يمينه؛ وعلى الوكيل إقامة البينة وإن تباعد الأمر مثل الشهر ونحوه، فالقول قول الوكيل مع يمينه يحلف ويبرأ، وإن طال الأمر جدا، لم يكن على الوكيل ولا على الزوج يمين - وكان برئا. وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم: إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه - وإن طال الأمر جدا، صدق دون يمين، وقال أصبغ مثله في الوكيل المفوض إليه؛ وأما الوكيل على الشيء بعينه، فهو غارم حتى يقيم البينة على الدفع؛ قال مطرف وابن الماجشون فإن مات الوكيل، والزوج بحدثان ما جرى على أيديهما ذلك، كان ذلك في أموالهما - إذا عرف القبض وجهل الدفع؛ وإن كان موتهما بعد حدثانه وما يكون في مثله المخرج والقضاء والدفع، فلا شيء في أموالهما وإن لم يعرف الدفع ولم يذكر. فصل ولا يلزم من استودع قبض الوديعة وجد المودع من يودعه أو لم يجد قال ذلك ابن شعبان؛ فأما إذا وجد من يودع غيره، فبين أنه لا يلزمه قبولها، لأن الله تعالى إنما أمره بالأداء، ولم يأمره بالقبول؛ وأما إذا لم يجد من يستودع سواه، فينبغي أن يلزمه القبول قياسا على من دعي إلى أن يشهد على شهادة، أنه يلزمه ذلك إن لم يكن في البلد من يشهد غيره؛ ومن أهل العلم من يرى أن ذلك لازم له - وجد في البلد من يشهد أو لم يوجد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا عند مالك إذا دعي لأداء الشهادة؛ وأما إذا دعي ليستحفظه إياها ويشهد عليها فلا؛ وقوله في ذلك بين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا يسمى الرجل شاهدا حتى يكون عالما بالشهادة، فيجب عليه أداؤها.

стр. 1069

فصل فإذا قبلها، وجب عليه حفظها وصيانتها؛ فإن ضيعها أو تعدى أمر صاحبها فيها، فهو ضامن لها وله أن يستدفع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم على ماله وهو تحت غلقه من زوج أو ولد أو أمة أو والدة ومن أشبههم، ويحتاط فيها مع هذا؛ ولا إشهاد عليه في دفعها إلى أحد من هؤلاء، لأن العادة والعرف ألا يشهد عليهم فيما يستدفعون إياه، والعرف كالشرط فكان ذلك كالذي يؤمر بدفع الوديعة إلى رجل فيشترط أنه يدفعها إليه بلا إشهاد. فصل وتدفع الوديعة فيما يدفع فيه مثلها وعلى ما جرت به عادة الناس في حرز أموالهم وحياطتها وحفظها، وقد سئل ابن وهب في سماع أصبغ عنه فيمن استودع وديعة في المسجد فجعلها على نعليه فذهبت، فقال: إنه لا ضمان عليه؛ قال ابن الماجشون ومطرف ولو نسيها في الموضع الذي دفعت إليه فيه وقام فتركها لضمن؛ وكذلك لو كانت في داره فأخذها وأدخلها في كمه يظنها دراهمه فسقطت لضمن، لأنها جناية؛ وقال أبو إسحاق التونسي: إن التضمين بالنسيان ينبغي أن يختلف فيه، لأنهم اختلفوا في الرجل يستودع الرجل الوديعة ثم يأتي هو وآخر فيدعيانها جميعا، وينسى هو من دفعها إليه منهما؛ فقيل إنهما يحلفان جميعا ويقتسمانها بينهما - ولا ضمان عليه، وقيل إنه يضمن لكل واحد منهما لنسيانه؛ وفي كتاب ابن شعبان ومن أودع وديعة فجعلها في جيب قميصه فضاعت ضمن، وقيل لا يضمن، والأول أحوط للحديث: فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي خرجت عن المدينة كما خرج الجيب عن الثوب، وما خرج عن الحرز، فليس بحرز، فأما اختياره فصحيح، لأن الجيب ليس العادة أن تدفع فيه الودائع وجاعلها فيه معرض لتلفها، وأما احتجاجه بالحديث فليس بشيء.

стр. 1070

فصل ولا أجر للمودع على حفظ الوديعة وإن كانت مما يشغل منزله، فطلب أجر الموضع الذي كانت فيه، فذلك له وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها، وبالله التوفيق.

стр. 1071

كتاب العارية ما جاء في العارية إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتوارثوا ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج؛ إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها، لقول رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»، والماعون الذي توعد الله على منعه في قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، إنما هو الزكاة المفروضة، هذا الذي ذهب إليه مالك ﵀ وجمهور أهل العلم، وقد روي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود - أنهما قالا هو عارية متاع البيت الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم من الفأس، والدلو، والحبل، والقدر، وأشباه ذلك؛ والويل واد في جهنم من عصارة أهل النار في النار على ما روي؛ فأخبر الله تعالى أنه للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون - وهذه صفة المنافقين، لأنه لا يرائي بأعماله، ويريد بها غير وجه الله إلا منافق، فالآية نزلت في المنافقين والوعيد تعلق بهم على

стр. 1072

مذهب مالك، ومن رأى الماعون الزكاة على النفاق ومنع الزكاة، ويتعلق في مذهب من جعل الماعون عارية متاع البيت على النفاق ومنع العارية من المسلمين بغضا لهم - وهو الأظهر، لأن المنافقين كفار، في الدرك الأسفل من النار، ومن كان بهذه الصفة، لا تلتمس منه الزكاة، لأن الله إنما جعلها تطهيرا لمن تؤخذ منه بقوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والمنافقون لو أخذت منهم لم تطهرهم ولم تزكهم؛ ثم قال : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فكان ﷺ إذا جاءه المؤمنون بزكواتهم يصلي عليهم، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» - إذ جاء ابنه بصدقة أبيه أبي أوفى، وكان ﵇ لا يصلي على المنافقين - والله أعلم. فصل «واستعار رسول الله ﷺ عند غزوه إلى هوازن بحنين من صفوان بن أمية أداة وسلاحا ذكر له أنها كانت عنده، فأرسل إليه فسأله إياها عارية، فقال صفوان: أمن الأمان أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله ﷺ : إن شئت أن تمسك أداتك فأمسكها، وإن أعرتناها فهي ضامنة علي حتى تؤس إليك. فقال صفوان: ليس بهذا بأس وقد أعرتك - يا محمد، فبعث إليه بمائة درع وأداتها، وكان صفوان كثير السلاح؛ فقال له رسول الله ﷺ : اكفنا حملها، فحملها له صفوان؛ وروي أنه قال له أعارية مضمونة، أم عارية مؤداة؟ فقال رسول الله ﷺ : بل عارية مضمونة مؤداة» وفي بعض الآثار أنه قال: «بل عارية مؤداة»، وروى عنه ﷺ أنه قال: «ليس على المستعير ضمان». وروى عنه ﷺ أنه قال: «على

стр. 1073

اليد ما أخذت حتى تؤديه». فاختلف أهل العلم في ضمان العارية لتعارض ظواهر هذه الآثار، فمنهم من قال: إنه ضامن للعارية قامت البينة على التلف أو لم تقم، كان مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه - على ظاهر قول رسول الله ﷺ : «بل عارية مضمونة مؤداة». وهذا قول أشهب وأحد قولي مالك ومذهب الشافعي. ومنهم من قال إنه لا ضمان عليه بحال على ظاهر قول رسول الله ﷺ : «ليس على المستعير ضمان»، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الضمان، حكى هذا القول ابن شعبان وعابه؛ ومنهم من قال يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يقم على التلف بينة. ولا يضمن فيما لا يغاب عليه ولا فيما قامت البينة على تلفه من غير ضيعة، وهذا هو المشهور من قول مالك وهو مذهب ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، وأصح الأقوال وأولاها بالصواب لاستعمال جميع الآثار وصحته في النظر والاعتبار. فصل فأما وجه استعمال جميع الآثار، فهو أن يتأول ما روي عنه من وجوب الضمان في العارية فيما يغاب عليه، إذا لم يعلم هلاكه، وما روي عنه من سقوط الضمان فيما لا يغاب عليه وفيما يغاب عليه إذا علم هلاكه، على أن قوله ﷺ : «بل عارية مضمونة مؤداة»، من الألفاظ التي لا تستقل بأنفسها، فلا يصح بها الاحتجاج على وجوب الضمان؛ لأن ما لا يستقل بنفسه، فوجهه أن يقصر على سببه، ولا يحمل على عمومه، لا اختلاف بين أهل العلم بالأصول في ذلك، وإنما اختلفوا في اللفظ العام المستقل بنفسه إذا ورد على سبب، هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أهل النظر حمله على عمومه؛

стр. 1074

فإنما كان يصح الاحتجاج بظاهر هذا الحديث في وجوب الضمان لو قال رسول الله ﷺ مجاوبا لصفوان إذ قال له أعارية مضمونة أو مؤداة -: «العارية مضمونة مؤداة»، وأيضا فإن في مقابلة هذا الحديث ما روي عنه أنه قال: «بل عارية مؤداة»، فنفى الضمان وأوجب الأداء؛ إلا أن للقائل أن يقول إن هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة؛ وكذلك قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»، إنما تفيد مع بقاء العين، فأما مع تلفها فلا يصح ولا يجوز حمله على القيمة، لأنه لم يجر لها ذكر، ولأنه إنما أوجب أداء ما أخذت اليد - واليد لم تأخذ القيمة. فصل فأما ما يدل على صحته من جهة النظر والاعتبار، فإن الأسباب التي تقبض بها الأعيان لاستيفاء المنافع على وجهين: أحدهما: عقد فيه بدل وهو الإجارة. والآخر عقد لا بدل فيه - وهو العارية. والإخدام والبدل مؤثر في الضمان، وسبب لتعلق ضمان البدل؛ فإذا كان المقبوض لاستيفاء المنفعة بإذن مالكه ببدل مضمون، وسبب مؤثر في وجوب الضمان، لا يوجب ضمان العين، فما لم يقبض ببدل أولى ألا يكون مضمونا. فصل ووجه قول من أوجب الضمان وإن قامت البينة على التلف: أن أصله مأخوذ على الضمان، فلا ينتقل على أصله حسما للباب؛ والرواية الأولى أصح على ما قدمناه، لأن قيام البينة ينفي التهمة والتفريط، وذلك معنى يسقط الضمان. فصل فإن اشترط المستعير ألا ضمان عليه فيما يغاب عليه فشرطه باطل وعليه

стр. 1075

الضمان - قاله ابن القاسم في بعض روايات المدونة، وهو أيضا في العتبية لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية، وعلى ما حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط ألا ضمان عليه أن شرطه جائز ولا ضمان عليه، ينفعه الشرط في العارية؛ لأنه إذا ألزم في الصناع فأحرى أن يلزم في المستعير لأن المعير إذا أعاره على ألا ضمان عليه فقد فعل المعروف معه من جهتين، فالأظهر إعمال الشرط وما لإسقاطه وجه، إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين. فصل وأما إن اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه، أو مع قيام البينة فيما يغاب عليه، فقول مالك ﵀ وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل حاشا مطرف فإنه قال إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة، أو نهر أو لصوص، أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطب في الأمر الذي خافه واشترط الضمان من أجله؛ وقال أصبغ لا شيء عليه في الوجهين مثل قول مالك وأصحابه، وينبغي إن شرط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم عن المستعير - أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية، لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية وسنتها إلى باب الإجارة الفاسدة، لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا بشرط أن يحوزها في ضمانه فهو عوض مجهول يرد إلى المعلوم. فصل وإذا وجب على المستعير ضمان العارية، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء

стр. 1076

أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها، لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضى صاحبها؛ فإن استعملها في غير ما أذن له فيه، فنقصها الاستعمال الذي استعملها أكثر من الاستعمال الذي أذن له فيه ضمن ما أنقصها الاستعمال بعد القدر الذي نقصها الاستعمال المأذون له فيه، فإن أنهكها ذلك وأعطبها، ضمن قيمتها يوم انقضاء أجل العارية - على ما ينقصها الاستعمال الذي أعاره إياها عليه؛ فإن أراد رب العارية أن يأخذ منه قيمة إجارة ما استعملها فيه بعد أن يطرح من ذلك قيمة إجارة ما كان أذن له فيه، لم يكن له في قول - إن كانت أكثر من قيمتها، وفي قول يكون له ذلك، وأما إذا كان ذلك أقل من قيمتها، لم يمنع من ذلك. فصل وأجرة حمل العارية على المستعير، دليل قول رسول الله ﷺ لصفوان في السلاح التي أعاره إياها اكفنا حملها. واختلف في أجرة ردها فقيل على المستعير - وهو الأظهر، وقيل على المعير لأن العارية معروف، فلا يكلفه أجرا بعد معروف صنعه - وهو عرضه لحمله حيث أحب، وكذلك المكتري. فصل ومن حق المستعير أن يشهد على المعير في رد العارية عليه وإن كان دفعها إليه بلا إشهاد، بخلاف الوديعة؛ لأن العارية تضمن والوديعة لا تضمن. فصل والعارية تكون في الدور والأرضين والحيوان وجميع ما يعرف بعينه - وإن غيب عليه، إلا في الفروج خاصة؛ وأما ما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه من المكيل والموزون كله فعاريته قرض على حكم القرض، وبالله التوفيق.

стр. 1077

كتاب اللقطة فصل في بيان معنى اللقطة لقط الشيء: أخذ واجده له، قال الله : ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩] ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] فمعنى شروه باعوه، وذلك أن إخوته كانوا يرعون على مقربة من الجب، فلما أخرجته السيارة جاءوا فقالوا عبد لنا آبق، وقالوا ليوسف بالعبرانية إن لم تقر لنا بالعبودية أخذناك منهم فقتلناك، فأقر لهم بالعبودية فباعوه منهم بثمن بخس. أي ظلم، لأنهم علموا أن بيعه لا يحل لهم وكانوا فيه من الزاهدين، لأنهم أحبوا بعده على أبيه، وقيل إن الضمير راجع على الثمن، وأنهم زهدوا في الثمن. ولكن باعوه لمن يمضي به إلى مصر؛ وقيل إن معنى شروه أي اشتراه التجار بثمن بخس أي محطوط، وكانوا فيه من الزاهدين إذ لم يعلموا منزلته عند الله . فصل وقد اختلف في اللقيط: فقيل إنه عبد لمن التقطه، وقيل إنه حر وولاؤه

стр. 1078

للمسلمين، وقيل ولاؤه لمن التقطه؛ ولا وجه لقول من قال إنه مملوك لمن التقطه، لأنه لا يخلو من أن يكون ابن أمة، فهو لسيدها لا ينتقل ملكه عنه إلا بما تنتقل به الأملاك؛ أو يكون ابن حرة، فهو حرة والصواب الذي عليه أهل العلم: أنه حر، لأن الناس كلهم من آدم وحواء - عليهم أفضل السلام؛ فالأصل الحرية؛ وذلك مروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: المنبوذ حر. وقال علي بن أبي طالب: " اللقيط حر ". وتلا قول الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. وموضع الحجة من الآية أن اللقيط لو كان مملوكا لمن التقطه، لما احتاجوا إلى شرائه - وهذا بين. فصل فإذا لم ينتقل اللقيط عن أصله بالالتقاط ولا صار مملوكا لمن التقطه؛ فكذلك اللقطة لا ينتقل ملك صاحبها عنها ولا يحل لملتقطها أكلها بعد التعريف إلا على وجه السلف لا على وجه الملك في قول بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعي أن له أن يستنفق اللقطة بعد التعريف - وإن كان غنيا عنها؛ وحجته ما روي «عن علي بن أبي طالب أنه وجد دينارا فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله وجدت هذا، فقال عرفه، فذهب ما شاء الله ثم قال قد عرفته فلم أجد أحدا يعرفه؛ قال: " فشأنك به ". فذهب فرهنه في ثلاثة دراهم وطعام وودك، فبينما هو كذلك؛ إذ جاء صاحبه ينشده فجاء علي إلى النبي ﵇ فقال هذا صاحب الدينار، فقال: " أده إليه "، فأداه علي إليه بعدما أكلوا منه»

стр. 1079

فقال فهذا الحديث يدل على أن اللقطة حلال للملتقط بعد الحول - وإن كان غنيا عنها؛ لأنها لو كانت ترجع إلى الصدقة، لما حلت لعلي ﵁؛ لأنه من صليبة بني هاشم، ولأن الصدقة عليه حرام؛ وأما مالك فلا يجيز له أكلها. ومعنى قول رسول الله ﷺ عنده. «فشأنك بها» - أنه مخير بين أن يمسكها لصاحبها ويزيد في تعريفها، وبين أن يتصدق بها ويضمنها لصاحبها - إن جاء، إلا إن شاء أن يجيز الصدقة ويكون له الأجرة، وقيل إنه ليس له أن يستنفقها إلا أن يكون محتاجا إليها، وهو قول أبي حنيفة وسائر أصحابه؛ وقيل إن ذلك لا يجوز له إلا أن يكون له وفاء بها - وهو الصحيح؛ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» فيتحصل في هذا أربعة أقوال: أحدها: أن استنفاقها لا يجوز له بحال. والثاني: أن استنفاقها جائز له بكل حال. والثالث: أن استنفاقها لا يجوز له إلا أن يكون محتاجا إليها. والرابع: أن استنفاقها لا يجوز له، إلا أن يكون له بها وفاء - والله أعلم. فصل وهذا الاختلاف إنما هو فيما عدا لقطة مكة، فأما مكة فقد ورد النص فيها أنه لا تحل لقطتها إلا لمنشد، فلا يحل له استنفاقها بإجماع، وعليه أن يعرفها أبدا وإن طال زمانها. ويروى لا يرفع لقطتها إلا منشد، ولا ترفع لقطتها إلا لمنشد؛ فقيل:

стр. 1080

إن معنى الأول أن سبيل من رأى لقطتها أن يرفعها بيده فيقول لمن هذه منكم أيها الناس. ومعنى الثاني أنه لا يأخذها إلا أن يسمع من ينشدها فيرفعها بيده فيقول أهي هذه؟ فيرجع تأويل الحديثين إلى اجتناب أخذها كلقطة الحاج - والله أعلم. فصل ويلزم أن يؤخذ اللقيط ولا يترك، لأنه إن ترك ضاع وهلك؛ وإنما قال عمر بن الخطاب ﵁ لسنين أبي جميلة ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ لأنه اتهمه أن يكون غير منبوذ، وأنه إنما أخذه لأمر، فلما قال له عريفه إنه رجل صالح أمره بما يصنع في أمره، فقال له اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته؛ ولا اختلاف بين أهل العلم في هذا، وإنما اختلفوا في لقطة المال على ثلاثة أقوال: فقيل إن الأفضل تركها من غير تفصيل، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر أنه كان يمر باللقطة فلا يأخذها. وقيل إن الأفضل أخذها وتعريفها، لأنها مال يجمع على ربه ويمسك عليه، وهو أحد قولي مالك ﵀، وممن ذهب إلى هذا سعيد بن المسيب، وخالفه فيه أهل المدينة وأهل مكة، وأحسبه قال: إن حرمة المال كحرمة النفس. وتقلد قوله - الحسن بن صالح بن حي. والقول الثالث: أنه إن كان الشيء الذي له بال، فأخذه أفضل، وإن كان الشيء اليسير فتركه أولى وأحسن، وهذا القول أحد روايتي ابن القاسم عن مالك، وهذا الاختلاف إنما هو إذا كانت اللقطة بين قوم مأمونين - والإمام عادل لا يخشى أن يأخذها إذا علم بها بتعريفه إياها؛ وأما إن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين والإمام عدل فأخذها عليه واجب قولا واحدا والله أعلم؛ ولو كانت اللقطة بين قوم مأمونين والإمام غير عادل، لكان الاختيار ألا يأخذها قولا واحد - والله أعلم؛ ولو كانت بين

стр. 1081

قوم غير مأمونين والإمام غير عادل لكان مخيرا بين أخذها وتركها، وذلك بحسبما يغلب على ظنه من أكثر الخوفين، وهو أيضا - أعني هذا الاختلاف فيما عدا لقطة الحاج، لنهي رسول الله ﷺ عنها ومعنى نهيه عنها مخافة ألا يجدر بها بتفرق الحاج إلى بلدانهم المختلفة، فتبقى في ضمانه؛ فلا ينبغي لأحد أن يلتقط لقطة الحاج للنهي الوارد في ذلك عن النبي ﵇، فإن التقطها وجب عليه من تعريفها ما يجب في سواها. فصل قال ابن عبدوس: وما وجد على المنبوذ من ثياب أو وجد عليه من فراش، أو دابة أو ثياب، أو مال قد قوم عليه أو شد معه فهو كله له؛ وأما ما وجد قريبا منه، فهو لقطة لا شيء له فيه؛ والحكم في اللقطة على ما وردت به السنة عن النبي ﵇: ذكر مالك في موطئه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها. قال فضالة الغنم يا رسول الله؛ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: فضالة الإبل؟ قال مالك: ولها؛ معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» فصل فاللقطة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالدنانير والدراهم والعروض.

стр. 1082

وقسم لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالشاة في الفيفاء والطعام الذي يسرع إليه الفساد. وقسم يبقى في يد ملتقطه ولا يخشى عليه الضياع والتلف إن ترك كالإبل. فصل فأما القسم الأول - وهو ما يخشى عليه التلف إن ترك - ويبقى في يد ملتقطه إن التقطه - فإنه ينقسم أيضا إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون يسيرا جدا لا بال له ولا قدر لقيمته، ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته، فإن هذا لا يعرف وهو لمن وجده - إن شاء أكله وإن شاء تصدق به؛ والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: لولا أن تكون من الصدقة، لأكلتها» - ولم يذكر فيها تعريفا، وقد قال أشهب في الذي يجد العصا والسوط أنه يعرفه، فإن لم يفعل، فأرجو أن يكون خفيفا. والثاني: أن يكون يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة وقد يشح به صاحبه ويطلبه، فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه؛ إلا أنه يختلف في حده: فقيل سنة كالذي له بال - وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة، وروى عيسى عن ابن وهب في العتبية أنه يعرفه إياها - وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة. والثالث: أن يكون كثيرا له بال، فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه حولا كاملا. فصل وأما القسم الثاني - وهو ما لا يبقى بيد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن تركه - كالشاة في الفيفاء، والطعام الذي لا يبقى؛ فإن هذا يأكله غنيا كان أو فقيرا - لقول

стр. 1083

رسول الله ﷺ ، في الشاة هي لك أو لأخيك أو للذئب. فأوجبها له ملكا، واختلف إن وجد هذا الطعام الذي يسرع إليه الفساد ولا يبقى في الحاضرة وحيث الناس: فقال ابن حبيب في الواضحة: إن تصدق به فلا غرم عليه لصاحبه، وإن أكله غرمه له - لانتفاعه به، وقيل إنه يغرمه لصاحبه - تصدق به أو أكله - وهو ظاهر قول أشهب. وقيل إنه لا ضمان عليه فيه أكله أو تصدق به - وهو ظاهر ما في المدونة. فصل وأما القسم الثالث - وهو ما يبقى بيد ملتقطه ولا يخشى عليه التلف إن تركه كالإبل - فالاختيار فيها ألا تؤخذ لقول النبي ﷺ «مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها». فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت - على ما جاء عن عمر بن الخطاب؛ فقيل إن ذلك في جميع الأزمان - وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وفي سماع أشهب من العتبية وقيل بل هو خاص في زمان العدل وصلاح الناس، وأما في الزمن الذي قد فسد فيه الناس، فالحكم فيها أن تؤخذ فتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها؛ فإن لم يأت وأيس منه، لصدق به عنه على ما فعله عثمان بن عفان - لما دخل الناس في زمانه من الفساد، وقد روي ذلك عن مالك؛ واختلف إن كانت الإبل بعيدة من العمران حيث يخاف عليها السباع: فقيل إنها في حكم الغنم لواجدها أكلها، وقيل إنها تؤخذ فتعرف، إذ لا مشقة في جلبها، وأما البقر فالمنصوص عليه في المدونة: أنها في ذلك بمنزلة الغنم، وذلك لما في جلبها من المشقة، فلا يدخل فيها الاختلاف الذي دخل في الإبل، وبالله التوفيق. فصل وفي قول النبي ﷺ في الحديث: «اعرف عفاصها ووكاءها "، فإن جاء

стр. 1084

صاحبها وإلا فشأنك بها». دليل على أنها تدفع لواصفها وإن لم تكن له بينة عليها، وهذا قول مالك ﵀ وجميع أصحابنا - في هذا لا اختلاف بينهم فيه، خلافا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما: إنها لا تدفع للواصف حتى يقيم البينة عليها - وهو بعيد، وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة والثوري ومالك أيضا، فزادوا فيها: فإن جاء صاحبها فعرف العفاص والوكاء، فادفعها إليه، وإلا فشأنك بها. وهذا نص في موضع الخلاف، وإنما اختلف أصحاب مالك هل تدفع إليه بيمين أو بغير يمين، فظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة أنها تدفع إليه بغير يمين، وأن الصفة في اللقطة التي لا دافع فيها كالبينة القاطعة فيما له من يدفع عنه، وقال أشهب لا تدفع إليه إلا بيمين، واضطرب في ذلك قول ابن حبيب: فقال إنه لا تدفع إليه إلا بيمين، وقال إن وصفها رجلان أحلفا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فهي لمن حلف منهما، وإن نكلا جميعا أو حلفا جميعا، قسمت بينهما، فقوله إنها تقسم بينهما مع نكولهما رد لقوله أولا، لأن نكولهما عن الأيمان كرضاهما، إلا أن يحلف أحدهما صاحبه؛ وإذا رضيا بذلك، فالقياس على قوله ألا تقسم بينهما حتى يحلف كل واحد منهما أنها له ليوجب يمينه أنها له دون غيره ممن لم يحضر ولا ادعاها من الناس، ولو لم يتفقا على أن يسقط كل واحد منهما اليمين عن صاحبه، لوجب أن يحلف كل واحد منهما أنها له، ليوجب بيمينه أنها له دون صاحبه هذا، ودون غيره من الناس؛ فافهم هذا واعلم أن يمين كل واحد منهما على أنها له توجب معنيين، فإن سقطت اليمين عنهما في المعنى الواحد لنكولهما جميعا، واتفاقهما على إسقاطها، لم تسقط من أجل المعنى الآخر؛ وعلى مذهب من لا يوجب اليمين على الواصف الواحد إذا انفرد يحلف كل واحد منهما إذا اجتمعا على الصفة أنها له ليوجب بيمينه أنها له دون صاحبه،

стр. 1085

وإن شاء زاد ذلك في يمينه، فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنها له، وما لصاحبه فيها حق، ولا يحتاج أن يقول ولا لغيره. فصل ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧]. فصل ويصف مدعي اللقطة العفاص والوكاء وما اشتملا عليها وأحاطا به من صفة الدنانير وعددها، وذلك موجود في الحديث، رواه يحيى بن سعيد بإسناده وزاد فيه فإن جاء باغيها ووصف عفاصها ووكاءها وعددها فادفعها إليه والزيادة من الحافظ مقبولة. فصل فإن وصف مدعي اللقطة بعضا وجهل بعضا، أو غلط فيه، ففي ذلك اختلاف وتفصيل؛ فأما جهله بالعدد، فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء وكذلك غلطه فيه بالزيادة لا يضره، لجواز أن يكون قد اغتيل في شيء منها واختلف في غلطه فيه بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء على قولين وكذلك اختلف أيضا إذا جهل صفة الدنانير، وعرف العفاص والوكاء. وأما إذا غلط في صفة الدنانير، فلا أعلم خلافا أنه لا شيء له؛ وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر، أو غلط فيه، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعا. والثاني: أنه يستبرأ أمره، فإن لم يأت أحد فأثبت مما أتى به دفعت إليه.

стр. 1086

والثالث؛ أنه إن ادعى الجهالة استبرئ أمره - وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا أعدل الأقاويل - عندي. فصل وواجد اللقطة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يأخذها ولا يريد التقاطها ولا اغتيالها. والثاني: أن يأخذها ملتقطا لها. والثالث: أن يأخذها مغتالا لها. فأما الأول فهو مثل أن يجد ثوبا فيأخذه وهو يظنه لقوم بين يديه ليسألهم عنه، فهذا إن لم يعرفوه ولا ادعوه، كان له أن يرده حيث وجده - ولا ضمان عليه فيه - قاله ابن القاسم في المدونة، ورواه ابن وهب عن مالك، لأنه لم يصر في يده ولا تعدى عليه، وإنما أعلم به من ظن أنه له - ولم يلزم فيه حكم اللقطة، وهذا إذا ردها بالقرب؛ وأما إن ردها بعد طول، فهو ضامن. والوجه الثاني أن يأخذها ملتقطا لها، فهذا قد لزمه عند ابن القاسم حفظها وتعريفها، فإن ردها بعد أن أخذها ضمنها؛ وقال أشهب لا ضمان عليه إن ردها في موضعها بقرب ذلك أو بعده، ولا إشهاد عليه في ردها، وعليه اليمين: لقد ردها في موضعها؛ فإن ردها في غير موضعها، ضمن كالوديعة - إذا تسلف منها ثم رد ما تسلف منها فإنه لا يبرأ من الضمان، وقول ابن القاسم أبين وأظهر. وأما الوجه الثالث إذ قبضها مغتالا لها، فهو ضامن لها ولا يعرف الوجه الذي التقطها عليه إلا من قبله، فإن تلفت عنده أو ادعى تلفها وادعى أنه أخذها ملتقطا لها ليحرزها على صاحبها، فهو مصدق في ذلك دون يمين يلزمه إلا أن يتهم، وسواء أشهد حين التقطها أو لم يشهد على مذهب مالك، لأن الإشهاد على ما روي

стр. 1087

عن رسول الله ﷺ من قوله «من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغير، فإن جاء ربها، فهو أحق بها، وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء» إنما أمر به تحصينا لربها، فهو مستحب له غير واجب عليه وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه ضامن لها إن لم يشهد، وهذا لا معنى له إذ قد يشهد بخلاف ما أضمر إعذارا لنفسه - ولو فرقت هذه التفرقة في المتهم دون الذي لا يتهم، لكان قولا حسنا - والله أعلم، وبالله التوفيق.

стр. 1088

كتاب الغصب فصل في وجود لفظ الغصب في القرآن قال الله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] إلى قوله غصبا أي كل سفينة صحيحة غصبا، وقد قريء وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. ولذلك خرقها الخضر - صلى الله على نبينا وعليه. وفي حرف بن مسعود وأبي بن كعب: كل سفينة صالحة غصبا. فصل فالتعدي على رقاب الأموال بالأخذ لها ينقسم على سبعة أقسام، لكل قسم منها حكم يختص به، وهي كلها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ قال الله : ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] إلى قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]

стр. 1089

إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال في أموال اليتامى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. وقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] فإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن طفف في المكيال والميزان، فكيف بمن اقتطع الجميع وأخذه. وقال رسول الله ﷺ : «من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين». وقال في خطبته المعروفة الغد من يوم النحر بمكة في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت». وقال ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وقال ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار» الحديث. وقال ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله». وأما الإجماع، فمعلوم من دين الأمة ضرورة - أن أخذ أموال الناس واقتطاعها بغير حق حرام، لا يحل ولا يجوز؛ فمن قال إن ذلك حلال جائز، فهو كافر حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

стр. 1090

فصل فأحد الأقسام السبعة: أخذ الأموال على وجه الحرابة. والثاني: أخذها على وجه الغصب من غير حرابة. والثالث: أخذها على وجه الاختلاس. والرابع: أخذها على وجه السرقة. والخامس: أخذها على وجه الخيانة. والسادس: أخذها على وجه الإدلال. والسابع: أخذها على وجه الجهد والاقتطاع. فصل فنتكلم ههنا على الغصب وحكمه، إذ هو الذي بنيت عليه مسائل هذا الكتاب؛ وأما سائر الأقسام فلنتكلم عليها في مواضع، هي أخص بها من هذا. فصل فأما غصب الأموال فهو أخذها بغير الحق على سبيل القهر والغلبة والملك للأصل والرقبة، ويستوي في حكمه الأحرار البالغون من أهل الذمة والمسلمين: القرابة والأجنبيين، إلا الوالد من ولده، والجد للأب من حفيده؛ فقيل إنه لا يحكم له بحكم الغاصب الأجنبي، لقول رسول الله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك».
следующие страницы →