← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

والثالث؛ أنه إن ادعى الجهالة استبرئ أمره - وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا أعدل الأقاويل - عندي. فصل وواجد اللقطة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يأخذها ولا يريد التقاطها ولا اغتيالها. والثاني: أن يأخذها ملتقطا لها. والثالث: أن يأخذها مغتالا لها. فأما الأول فهو مثل أن يجد ثوبا فيأخذه وهو يظنه لقوم بين يديه ليسألهم عنه، فهذا إن لم يعرفوه ولا ادعوه، كان له أن يرده حيث وجده - ولا ضمان عليه فيه - قاله ابن القاسم في المدونة، ورواه ابن وهب عن مالك، لأنه لم يصر في يده ولا تعدى عليه، وإنما أعلم به من ظن أنه له - ولم يلزم فيه حكم اللقطة، وهذا إذا ردها بالقرب؛ وأما إن ردها بعد طول، فهو ضامن. والوجه الثاني أن يأخذها ملتقطا لها، فهذا قد لزمه عند ابن القاسم حفظها وتعريفها، فإن ردها بعد أن أخذها ضمنها؛ وقال أشهب لا ضمان عليه إن ردها في موضعها بقرب ذلك أو بعده، ولا إشهاد عليه في ردها، وعليه اليمين: لقد ردها في موضعها؛ فإن ردها في غير موضعها، ضمن كالوديعة - إذا تسلف منها ثم رد ما تسلف منها فإنه لا يبرأ من الضمان، وقول ابن القاسم أبين وأظهر. وأما الوجه الثالث إذ قبضها مغتالا لها، فهو ضامن لها ولا يعرف الوجه الذي التقطها عليه إلا من قبله، فإن تلفت عنده أو ادعى تلفها وادعى أنه أخذها ملتقطا لها ليحرزها على صاحبها، فهو مصدق في ذلك دون يمين يلزمه إلا أن يتهم، وسواء أشهد حين التقطها أو لم يشهد على مذهب مالك، لأن الإشهاد على ما روي

стр. 1087

عن رسول الله ﷺ من قوله «من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغير، فإن جاء ربها، فهو أحق بها، وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء» إنما أمر به تحصينا لربها، فهو مستحب له غير واجب عليه وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه ضامن لها إن لم يشهد، وهذا لا معنى له إذ قد يشهد بخلاف ما أضمر إعذارا لنفسه - ولو فرقت هذه التفرقة في المتهم دون الذي لا يتهم، لكان قولا حسنا - والله أعلم، وبالله التوفيق.

стр. 1088

كتاب الغصب فصل في وجود لفظ الغصب في القرآن قال الله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] إلى قوله غصبا أي كل سفينة صحيحة غصبا، وقد قريء وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. ولذلك خرقها الخضر - صلى الله على نبينا وعليه. وفي حرف بن مسعود وأبي بن كعب: كل سفينة صالحة غصبا. فصل فالتعدي على رقاب الأموال بالأخذ لها ينقسم على سبعة أقسام، لكل قسم منها حكم يختص به، وهي كلها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ قال الله : ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] إلى قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]

стр. 1089

إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال في أموال اليتامى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. وقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] فإذا كان هذا الوعيد الشديد لمن طفف في المكيال والميزان، فكيف بمن اقتطع الجميع وأخذه. وقال رسول الله ﷺ : «من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين». وقال في خطبته المعروفة الغد من يوم النحر بمكة في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت». وقال ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وقال ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار» الحديث. وقال ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله». وأما الإجماع، فمعلوم من دين الأمة ضرورة - أن أخذ أموال الناس واقتطاعها بغير حق حرام، لا يحل ولا يجوز؛ فمن قال إن ذلك حلال جائز، فهو كافر حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

стр. 1090

فصل فأحد الأقسام السبعة: أخذ الأموال على وجه الحرابة. والثاني: أخذها على وجه الغصب من غير حرابة. والثالث: أخذها على وجه الاختلاس. والرابع: أخذها على وجه السرقة. والخامس: أخذها على وجه الخيانة. والسادس: أخذها على وجه الإدلال. والسابع: أخذها على وجه الجهد والاقتطاع. فصل فنتكلم ههنا على الغصب وحكمه، إذ هو الذي بنيت عليه مسائل هذا الكتاب؛ وأما سائر الأقسام فلنتكلم عليها في مواضع، هي أخص بها من هذا. فصل فأما غصب الأموال فهو أخذها بغير الحق على سبيل القهر والغلبة والملك للأصل والرقبة، ويستوي في حكمه الأحرار البالغون من أهل الذمة والمسلمين: القرابة والأجنبيين، إلا الوالد من ولده، والجد للأب من حفيده؛ فقيل إنه لا يحكم له بحكم الغاصب الأجنبي، لقول رسول الله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك».

стр. 1091

فصل فسواء غصب مسلم من مسلم، أو ذمي من ذمي، أو مسلم من ذمي، أو ذمي من مسلم، لقول رسول الله ﷺ : «من ظلم ذميا أو معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة خمسمائة سنة». فصل ويجتمع في الغصب حق لله تعالى، وحق للمغصوب منه، فيجب على الغاصب لحق الله تعالى الأدب والسجن على قدر اجتهاد الحاكم ليتناهى الناس عن حرمات الله، ولا يسقط ذلك عنه عفو المغصوب منه. فصل فإن كان الغاصب صغيرا لم يبلغ الحلم، سقط عنه الأدب الواجب لحق الله تعالى، لقول رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث - فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم»، ومعناه في رفع الإثم والحرج عنه فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا ارتفع عنه الإثم والحرج، سقط عنه التعزير والأدب، وقد قيل، إن الإمام يؤدبه كما يؤدب الصغير في المكتب، وأخذ بحق المغصوب منه، واختلف إن كان صغيرا لا يعقل فقيل إن ما أصابه من الأموال والديات هدر كالبهيمة العجماء التي

стр. 1092

جعل رسول الله ﷺ جرحها جبارا. وقيل إن ما أصابه من الأموال في ماله وما أصابه من الدماء حملته العاقلة - إن كان الثلث فصاعدا كالخطأ - سواء. وقيل إن ما أصابه من الأموال هدر، وما أصابه من الدماء حملته العاقلة - إن بلغ الثلث وحكم هذا حكم المجنون المغلوب على عقله. فصل والذي يجب على الغاصب بحق المغصوب منه: أن يرد إليه ماله بعينه إن كان قائما، أو قيمته يوم الغصب إن كان فائتا، إلا في المكيل والموزون والمعدود الذي لا يختلف أعيان عدده كالبيض والجوز وما أشبه ذلك، فإنه يرد مثله. فصل ولا يفيت الشيء المغصوب حوالة الأسواق ويفيته النقصان والعيوب وإن لم تكن مفسدة كانت بأمر من السماء أو بجناية الغاصب أو جناية غيره، غير أنها إن كانت بأمر من السماء، لم يكن للمغصوب منه إلا أن يأخذه ناقصا، أو يضمنه قيمته يوم الغصب عند ابن القاسم؛ ويتخرج على مذهب سحنون أنه يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب يوم الغصب؛ وإن كانت بجناية الغاصب فالمغصوب منه مخير بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يسقط عنه حكم الغصب فيأخذه وما نقصته جنايته يوم الغصب عند ابن القاسم، وقال سحنون: إنه مخير بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه. وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة

стр. 1093

يوم الغصب أو يأخذه ناقصا ولا شيء له في الجناية؛ ولابن القاسم مثله في المدونة في السارق يهزل ركوبه الدابة، وفي كتاب القذف في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما وفي غير ما موضع من العتبية والمدونة أيضا؛ وإن كانت بجناية غير الغاصب، فالمغصوب منه مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني، وبين أن يسقط عن الغاصب طلبه ويتبع الجاني بحكم الجناية؛ وقد قيل إن للمغصوب منه أن يضمن الغاصب في الوجوه كلها التي تفيت المغصوب القيمة أي يوم شاء، فيكون له عليه أرفع القيم، حكى هذا القول ابن شعبان عن ابن وهب، وأشهب، وغيرهما. فصل واختلف في نقله من بلد إلى بلد إن كان عرضا أو حيوانا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك فوت، فالمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ متاعه أو يضمنه قيمته يوم الغصب، وهو قول أصبغ وظاهر روايته عن أشهب في سماعه من كتاب الغصب. والثاني: أن ذلك ليس بفوت، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه - وهو قول سحنون لأنه رأى نقل ذلك كله من بلد إلى بلد بمنزلة حوالة الأسواق. والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض فتفوت العروض ويكون المغصوب فيها بالخيار بين أن يأخذها وبين أن يضمن الغاصب قيمتها يوم غصبها في البلد الذي غصبها فيه. ولا يفوت الحيوان، فيأخذها المغصوب منه حيث وجدها، ولا يكون له أن يضمن الغاصب قيمتها، وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم كالدواب والوخش من الرقيق؛ وأما الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم من

стр. 1094

بلد إلى بلد، فحكمهم حكم العروض، فهي ثلاثة أقوال: قولان متضادان وتفرقة. وأما الطعام إذا حمله الغاصب من بلد إلى بلد ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه في البلد الذي اغتصبه فيه. والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ طعامه بعينه وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. والثالث: تفرقة أصبغ بين أن يكون البلد الذي حمله إليه قريبا أو بعيدا. فإن كان قريبا كان بالخيار بين أن يأخذ طعامه وبين أن يضمنه مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. وإن كان بعيدا، لم يكن له إلا مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. فصل وأما النماء فينقسم على قسمين: أحدهما: أن يكون من فعل الله تعالى كالصغير يكبر، والمهزول يسمن، أو العيب يذهب. والثاني: أن يكون مما أحدثه الغاصب. فأما الوجه الأول فليس بفوت على حال. وأما النماء بما أحدثه الغاصب في الشيء المغصوب، فإنه ينقسم في مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك على وجهين: أحدهما: أن يكون قد أخرج فيه من ماله ما له عين قائمة كالصبغ والنقض في البنيان، وما أشبه ذلك.

стр. 1095

والثاني: ألا يكون أخرج فيه من ماله سوى العمل كالخياطة والنسج وطحن الحنطة والخشبة يعمل منها ثوابت وأبوابها، وما أشبه ذلك. فأما الوجه الأول وهو أن يخرج فيه من ماله ما له عين قائمة فينقسم على وجهين: أحدهما أن يكون ذلك الشيء يمكنه إعادته، على حاله كالبقعة بينهما وما أشبه ذلك. والثاني أن لا يقدر على إعادته على حاله كالثوب يصبغه أو الجلد يدبغه أو السويق يلته، وما أشبه ذلك. فأما الوجه الأول: فالمغصوب منه مخير بين أن يأمر الغاصب بإعادة البقعة على حالها وإزالة ما له فيها من نقض إن كان له فيها نقض، وبين أن يعطي الغاصب قيمة ما له فيها من النقض مقلوعا مطروحا بالأرض بعد أجر القلع - قال ابن شعبان، وإليه ذهب ابن المواز. وهذا إذا كان الغاصب ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا بعبيده، وإنما يستأجر عليه؛ وقيل له لا يحط من ذلك أجر القلع على مذهب ابن القاسم في المدونة، وإلى هذا ذهب ابن دحون، واعتل في ذلك أن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد الهدم، وإن لم يكن في البنيان الذي بنى الغاصب ما له قيمة إذا قلعه لم يكن للغاصب على المغصوب منه شيء لأن من حقه أن يلزم الغاصب هدم البناء وإعادة البقعة إلى حالها؛ فإذا أسقط حقه قبله في ذلك، فلا حجة له؛ ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق». وأما الوجه الثاني فهو فيه مخير بين أن يدفع قيمة الصبغ وما أشبهه ويأخذ ثوبه، وبين أن يضمنه قيمة الثوب يوم غصبه، إلا في السويق الذي يلته بالسمن،

стр. 1096

وما أشبه ذلك من الطعام؛ فلا يخير فيه عنده لما يدخله من الربا، ويكون ذلك فوتا يلزم الغاصب فيه المثل أو القيمة فيما لا مثل له. وأما الوجه الثاني وهو ألا يكون أخرج الغاصب فيما أحدثه في الشيء المغصوب سوى العمل فإن ذلك ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك يسيرا لا ينتقل به الشيء عن اسمه مثل الخياطة في الثوب أو الرفوله، وما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون العمل كثيرا ينتقل به الشيء المغصوب عن ذلك الاسم كالخشبة يعمل منها تابوتا أو أبوابا، أو القمح يطحنه أو الغزل ينسجه أو الفضة يصوغها حليا، أو يضربها دراهم، وما أشبه ذلك. فأما الوجه الأول فلا حق فيه للغاصب ويأخذ المغصوب منه الشيء المغصوب معمولا. وأما الوجه الثاني: فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشيء المغصوب يوم غصبه، أو مثله فيما له مثل؛ هذا تحصيل مذهب ابن القاسم في هذا الوجه. وأشهب يجعل في ذلك كله أصله مسألة البنيان فيقول إنه لا حق للغاصب فيما لا يقدر على أخذه من الصبغ والرفو والنسج والدباغ والطحن وعمل التابوت والأبواب من الخشبة، وما أشبه ذلك. وقد روي عن ابن القاسم أن الصبغ تفويت يلزم الغاصب به القيمة يوم الغصب، ولا يكون للمغصوب منه أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ الثوب؛ وكذلك ما أشبه الصبغ؛ وقد قيل إنهما يكونان شريكين بقيمة الصبغ وقيمة الثوب إن أبى رب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ، وأبى الغاصب أن يدفع قيمة الثوب؛ وهذا القول أنكره في كتاب اللقطة من المدونة، وقال إن الشركة لا تكون إلا فيما كان بوجه شبهة.

стр. 1097

فصل والغاصب ضامن لما اغتصب بوضع يده عليه وإن تلف بأمر من السماء كان مما يزال به أو مما لا يزال به إذا قصد إلى غصب الرقبة خلافا لأبي حنيفة في قوله إن الغاصب لا يضمن الدار إذا اغتصبها فانهدمت. فصل واختلف في غلات المغصوب على قولين: أحدهما: أن حكمها حكم الشيء المغصوب. والثاني: أن حكمها بخلاف حكم الشيء المغصوب. فمن ذهب إلى أن حكمها حكم الشيء المغصوب، وهو قول أشهب - فيقول إنه يلزمه قيمة الغلة يوم قبضها، أو أكثر ما انتهت إليه قيمتها على الاختلاف في الشيء المغصوب، وإن تلفت بأمر من السماء وتلف الشيء المغصوب، يضمن قيمته يوم الغصب أو أي يوم شاء المغصوب منه على ما حكاه ابن شعبان من الاختلاف في ذلك. فصل وأما الذين ذهبوا إلى أن حكم الغلة خلاف حكم الشيء المغصوب، فاختلفوا في حكمها اختلافا كثيرا بعد إجماعهم على أنها إن تلفت ببينة فلا ضمان على الغاصب فيها وأنه إن ادعى تلفها لم يصدق وإن كان مما لا يغاب عليه. فصل وتحصيل هذا الاختلاف أن الغلل تنقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: غلة متولدة عن الشيء المغصوب على هيئته وخلقته وهو الولد.

стр. 1098

وغلة متولدة عنه على غير خلقته وهيئته - وهي ثمر النخل ولبن الماشية وجبنها وصوفها وما أشبه ذلك. وغلل غير متولدة عن الشيء المغصوب وهي الأكرية والخراجات، وما أشبه ذلك. فأما ما كان متولدا عنه على هيئته وصورته - وهو الولد فالاختلاف بينهم أن على الغاصب رده مع الأم إن كانت الأم قائمة وإن ماتت الأم كان مخيرا بين المولد وقيمة الأم. وأما ما كان متولدا عنه على غير خلقته وهيئته، فاختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن ذلك للغاصب بالضمان لا يلزمه رده على ظاهر قول النبي ﵇ «الغلة بالضمان». والثاني: أنه يلزمه ردها إن كانت قائمة أو قيمتها إن ادعى تلفها ولم يعرف ذلك إلا بقوله مع عين الشيء المغصوب. وإن تلف الشيء المغصوب كان مخيرا بين أن يضمنه قيمته ولا شيء له في الغلة، وبين أن يأخذ الغلة ولا شيء له من القيمة. وأما ما كان غير متولد عنه، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: أحدها: أنه لا يلزمه رده جملة من غير تفصيل. الثاني: أنه يلزمه رده جملة من غير تفصيل بين أن يكري أو ينتفع أو يعقل، والثالث: أنه يلزمه الرد إن أكرى ولا يلزمه إن انتفع أو عطل. والرابع: أنه يلزمه إن أكرى أو انتفع ولا يلزمه إن عطل. والخامس: الفرق بين الحيوان والأصول. فصل وهذا كله فيما اغتل من العين المغصوبة مع بقائها وقيامها. وأما ما اغتل منها بتصريفها وتفويتها وتحويل عينها كالدنانير يغتصبها

стр. 1099

فيغتلها بالتجارة فيها، أو الطعام يغتصبه فيغتله بزرعه في أرضه، فالغلة له قولا واحدا في المذهب. فصل وأما إذا لم يقصد إلى غصب الرقبة، فهو ضامن للغلة التي قصد إلى غصبها سواء أكرى أو انتفع أو عطل، وسواء كان ذلك مما يزال به أو مما لا يزال به خلافا لأبي حنيفة في قوله إن من تعدى على دابة رجل فركبها أو حمل عليها، فلا كراء عليه في ركوبه إياها ولا في حمله عليها قريبا كان تعديه ذلك عليها أو بعيدا، لأنه ضامن لها إن تلفت في تعديه وهو بعيد. فصل وكذلك من استكره أمة أو حرة فوطئها، فعليه في الحرة صداق مثلها؛ وفي الأمة ما نقصها بكرا كانت أو ثيبا مع الأدب الوجيع خلاف قول أبي حنيفة إنه لا صداق عليه مع الحد، وهذا إذا ثبت عليه الوطء بأربعة شهداء على معاينة الفعل، أو أقر بذلك على نفسه، أو ادعت ذلك عليه مع قيام البينة على غيبته عليها. وأما إن ادعت عليه أنه استكرهها فغاب عليها ووطئها ولا بينة لها على دعواها، فإن ذلك ينقسم على وجهين: أحدهما أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك، والثاني: أن تدعي ذلك على رجل متهم يليق به مثل ذلك؛ وكل واحد من هذين الوجهين ينقسم على وجهين: أحدهما: أن تأتي مستغيثة متعلقة به متشبثة فاضحة لنفسها تدمى إن كانت بكرا. والثاني أن تدعي ذلك عليه من غير أن تكون متشبثة به ولا تدمى وهي بكر فيأتي في جملة المسألة أربعة أقسام.

стр. 1100

فأما الوجه الأول من القسم الأول وهو أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك وهي غير متعلقة به فهذا لا اختلاف أنه لا شيء على الرجل وأنها تحد له حد القذف وحد الزنا إن ظهر بها حمل. وأما إن لم يظهر بها حمل، فيتخرج وجوب حد الزنا عليها على الاختلاف فيمن أقر بوطء أمة رجل وادعى أنه اشتراها منه أو بوطء امرأة وادعى أنه تزوجها فتحد على مذهب ابن القاسم، إلا أن ترجع عن قولها ولا تحد على مذهب أشهب وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة، وكذلك المجهول الحال في هذا الوجه إذا كانت هي مجهولة الحال أو لم تكن من أهل الصون. وأما إن كانت من أهل الصون - وكان هو مجهول الحال، فيتخرج وجوب حد القذف عليها له على قولين، ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له؛ فإن نكل عن اليمين حلفت هي وكان لها صداقها عليه. وأما الوجه الثاني من القسم الأول وهو أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق به ذلك وتأتي متعلقة به متشبثة قد بلغت فضيحة نفسها، فهذا الوجه يسقط عنها فيه حد الزنا - وإن ظهر بها حمل لما بلغت من فضيحة نفسها؛ واختلف هل تحد له حد القذف أم لا: فذهب ابن القاسم إلى أنها تحد له حد القذف وحكى ابن حبيب في الواضحة أنها لا تحد له حد القذف ولا يمين لها عليه على القول بأنها تحد له. وأما على القول بأنها لا تحد له فيحلف على تكذيب دعواها، فإن نكل عن اليمين حلفت واستحق عليه صداقها؛ وهذا إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها.

стр. 1101

وأما إن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها، فتحد له قولا واحدا. وإن كان مجهول الحال لم تحد له قولا واحدا - إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها. وإن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها - وهو مجهول الحال فيتخرج إيجاب حد القذف عليها له على قولين. وأما الوجه الأول من القسم الثاني وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه بالفسق ولا تأتي متعلقة به، فهذا الوجه لا يجب عليها فيه حد القذف للرجل ولا حد الزنى لنفسها إلا أن يظهر بها حمل، ولا صداق لها وينظر الإمام في أمره فيسجنه ويستخبر عن أمره ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف في أمره شيء استحلف، فإن نكل عن اليمين، حلفت المرأة واستحقت عليه صداق مثلها. وأما الوجه الثاني من القسم الثاني وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه بالفسق، وتأتي متعلقة به متشبثة تدمى إن كانت بكرا، فهذا الوجه يسقط عنها فيه حد القذف للرجل وحد الزنى - وإن ظهر بها حمل، واختلف في وجوب الصداق بها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب لها وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الغصب، لأنه إذا أوجب للأمة ما نقصها فأحرى أن يوجب للحرة صداق مثلها. والثاني: أنه لا يجب لها وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في القذف، قال ولو كان أشر من عبد الله الأزرق في زمانه. والثالث: قول ابن الماجشون في الواضحة أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة ولا يجب لها شيء إن كانت أمة.

стр. 1102

واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها هل يجب بيمين أو بغير يمين، فروى أشهب عن مالك أنها تأخذه بغير يمين وذهب ابن القاسم إلى أنها لا تأخذه إلا بعد اليمين - وهو أصح - والله أعلم. وإن كان مجهول الحال لم يكن لها صداق واستحلف هو، فإن نكل عن اليمين حلفت وأخذت صداقها، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1103

كتاب الاستحقاق فصل في معنى الاستحقاق قال الله : ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧]- أي باطلا يوجب إثما فالاستحقاق هو أن يحق الرجل الشيء لنفسه بما تثبت به الحقوق وتمضي لأهلها، وذلك شاهد عدل، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين على مذهب من يرى القضاء باليمين مع الشاهد فإذا أقام ذلك، وجب الحق ولزم القضاء به في الظاهر بعد الإعذار، وإن كان الأمر في الباطن على خلاف ذلك، فليس حكم الحاكم بالذي يحله له؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]- الآية. وقال رسول الله ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار». وروي «أن رجلا من حضر موت ورجلا من كندة اختصما إلى النبي ﵇ في أرض باليمن، فقال الحضرمي أرضي اغتصبها أبو هذا، فقال الكندي يا رسول الله أرضي ورثتها عن أبي؛ فقال النبي ﵇ للحضرمي:

стр. 1104

هل لك بينة؟ فقال لا، ولكن يحلف بالله ما يعلم أنها أرضي غصبها لي أبوه؛ فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله ﷺ : لا يقتطع رجل مالا بيمين إلا لقي الله وهو عليه غضبان - فتركها الكندي» فصل فإن كان الشيء المستحق له غلة قد اغتلها المستحق منه، فقد قال رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان»، وقوله: الخراج بالضمان لفظ عام مستقل بنفسه إلا أنه ورد في البيع على ما روي، وذلك «أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال له الرجل يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال النبي ﵇: الخراج بالضمان»، أخرجه أبو داود، وقد اختلف أهل العلم في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه - على قولين، الأصح منهما عند أهل النظر: حمله على عمومه، لأن الحجة إنما هي في كلام صاحب الشرع، لا في - السبب؛ إذ لو انفرد السبب، لم يوجب حكما، ولو انفرد لفظ النبي ﵇ دون السبب - لكان له الحكم فلا يعتبر السبب. فصل وكذلك اختلف أهل العلم في قول رسول الله ﷺ «الخراج بالضمان،» هل يحمل على عمومه في الغاصب والمشتري، ومن ضمن بشبهة وبغير شبهة أو يقصر على المعنى الذي خرج عليه، فيحمل على ما ضمن بوجه شبهة - على قولين؛ واختلف في ذلك أيضا قول مالك ﵀: فروى أشهب عنه أن الغاصب لا يرجع عليه بالغلة وتكون له بالضمان في الأصول والحيوان - أكرى ذلك كله وقبض الخراج، أو سكن الدار واستخدم العبد، وما أشبه ذلك؛ فعلى هذه الرواية حمل

стр. 1105

الحديث على عمومه، وروى عنه أنه أوجب على الغاصب رد الغلة في الحيوان والأصول، وهذا أحد قوليه في المدونة، فقصر الحديث - على هذه الرواية على ما خرج عليه - وهو ما ضمن بوجه شبهة، وهذان القولان جاريان على قياس. وأما تفرقته بين الحيوان والأصول، فاستحسان وليس بقياس؛ ووجهه أنه حمل الحديث على عمومه فيما كان بوجه شبهة وبغير وجه شبهة في الحيوان الذي ليس بمأمون، وخصص الأصول من ذلك لكونها مأمونة، لا يخشى عليها التلف، فلا تضمن إلا في النادر، والنادر لا يحكم له؛ وكذلك تفرقة من فرق في الأصول بين أن يكري أو يسكن، وفي رواية أبي الفرج عن مالك وتفرقة من فرق بين ذلك في الحيوان أيضا استحسان وليس بقياس، إلا أنها كلها أقاويل مشهورة معلومة. فصل وهذا في الخراج والاستخدام، وأما ما كان من الغلل المتولدة عن الشيء المستحق كاللبن والصوف في الحيوان والثمرة في الأصول فنصوص الروايات أن الغاصب يرد ذلك كله مع الأصول إن كان قائما، أو مكيلة خرصه - إن كان فائتا، ولا فرق في القياس بين ذلك؛ وقد عده محمد بن المواز اختلافا من القول وهو الصحيح - إن شاء الله؛ ومما يدل على أنه اختلاف من القول: رواية ابن المعذل عن مالك فيما كان من الغلل متولدا عن الشيء المغصوب أنه للغاصب بالضمان، ولا يلزمه رده؛ ولم أر هذه الرواية في أصل كتاب، وإنما أخبرني بها بعض أصحابنا. فصل وتحصيل هذا الباب أن الضمان ينقسم على وجهين: أحدهما: ضمان بشبهة.

стр. 1106

والثاني: ضمان بغير شبهة. فأما الضمان بالشبهة، فلا اختلاف أن الغلة تكون فيه بالضمان، لورود النص في ذلك عن النبي ﵇. وأما الضمان بغير شبهة - كالغاصب والسارق وشبههما، فاختلف فيه على ستة أقوال: أحدها: أن الغاصب لا شيء له من الغلات كلها كانت متولدة عن الأصول أو غير متولدة عنها، استغل ذلك بقبض الغلات المتولدات وقبض الأكرية والخراجات أو انتفع بذلك ولم يغتله أو عطله فلم يكره ولا انتفع به يلزمه في ذلك كله الكراء كراء المثل إن انتفع به أو عطله ولم ينتفع به. وإن أكرى وقبض الخراج، فالأكثر من كراء المثل، أو ما أكراه به، هذا قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة. والقول الثاني: أنه يلزمه رد الغلة والكراء إن أكرى أو انتفع بالاستخدام والسكنى، فإن لم يكر ولا انتفع بشيء من ذلك، فلا شيء عليه. والقول الثالث: أنه إن أكرى كان عليه الكراء؛ وإن لم يكر، فلا شيء عليه؛ وإن سكن واستخدم، وهي رواية أبي الفرج عن مالك. والقول الرابع: التفرقة بين الحيوان والأصول. والقول الخامس: التفرقة بين ما كان من الغلل متولدا عن الشيء المستغل كاللبن والصوف والثمرة، أو غير متولد عنها كخراج العبيد وكراء المساكن. والقول السادس: أن له الغلات كلها وإن كانت متولدة عن الشيء المغصوب.

стр. 1107

فصل وأما ما استحق مما لا ضمان فيه على المستحق منه، فإنه ينقسم أيضا على قسمين: أحدهما: أن يكون قد أدى فيما استحق من يده ثمنا. والثاني: أن يكون لم يؤد في ذلك ثمنا. فأما ما أدى فيه ثمنا، فلا ضمان عليه فيه، لوجوب الرجوع له بالثمن إن تلف عنده، كالرجل يشتري العبد ثم يستحق من يده بحرية أو يشتري الأصل ثم يستحق من يده بحبس؛ فقيل إن الغلة تطيب له بالثمن الذي أدى لأنه ضامن للثمن الذي دفع في عدم البائع إن تلف ذلك الشيء وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من العتبية، وبه جرى العمل عندنا فيما يستحق من الأصول بالحبس؛ وقيل إنه يرد الغلة، لأنه إن تلف رجع بالثمن، فلم يكن ضامنا لشيء وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة لأنه علق الغلة بالضمان فيها - أعني في المدونة؛ وأما ما لم يؤد فيه ثمنا ولا كان عليه فيه ضمان كالوارث يرث ثم يأتي من هو أحق منه بالوراثة، فلا اختلاف أنه يرد ما اغتل أو سكن لانتفاء وجوه الضمان عنه. واختلف قول مالك إذا سكن ولم يكر فأتى من يشاركه في الميراث، لا من هو أحق به منه على قولين، الأصح منهما رواية علي بن زياد عن مالك بوجوب الكراء عليه في حصة الوارث الطارئ عليه، لانتفاء جميع وجوه الضمان عنه. وأما الحبس إذا استغله بعض المحبس عليهم وهم يرون أنهم ينفردون به، أو سكنوه، فقيل إنه لا يرجع عليهم بالغلة ولا بالسكنى وهي رواية ابن القاسم عن مالك في الصدقات والهبات. وقيل يرجع عليهم بالغلة والسكنى جميعا، وهذا يأتي على رواية علي بن زياد عن مالك في المدونة وهو القياس. وقيل إنه يرجع

стр. 1108

عليهم بالغلة ولا يرجع عليهم بالسكنى وهو نص قول ابن القاسم في المبسوطة، ولا فرق في القياس بين الحبس وغيره، ولا بين الاستغلال والسكنى. فصل فإن اعترض على هذا بالموهوب له يستغل ما وهب له ثم يستحق ذلك من يده أو الوارث يرث فيستغل ثم يستحق ذلك من يده أن الغلة تكون له وهو لم يؤد ثمنا ولا هو ضامن؛ فالجواب عنه أن الوارث والموهوب له يحلان محل من صار إليهما ذلك عنه في وجوب الغلة لهما؛ ألا ترى أن الواهب أو الموروث إذا كان غاصبا حل الوارث والموهوب له محلهما فرد الوارث الغلة، وكذلك الموهوب له؛ إلا أنه يختلف فيمن يبدأ على ثلاثة أقوال: أحدها: المشهور عن ابن القاسم أن الغاصب هو المبدأ ولا يرجع على الموهوب له إلا في عدم الغاصب، واختلف على هذا القول إن وجد الغاصب عديما فرجع على الموهوب له، هل للموهوب له أن يرجع على الغاصب أم لا على قولين. قيل يرجع عليه وهو القياس، وقيل إنه لا يرجع عليه وهو قول ابن القاسم في كتاب كراء الدور من المدونة. والثاني: قول غير ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من المدونة وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الشركة منها، وهو قول أشهب في رواية أصبغ عنه من كتاب البضائع والوكالات: أن الموهوب له هو المبدأ - ولا يرجع على الغاصب - إلا في عدم الموهوب له؛ واختلف على هذا القول إن وجد الموهوب له عديما فيرجع على الغاصب، هل للغاصب أن يرجع على الموهوب له أم لا على قولين. والثالث: أنه مخير بين أن يرجع على أيهما شاء - يريد ولا رجوع لمن رجع عليه منهما على الآخر، حكى هذا القول ابن عبدوس عن أشهب واختاره سحنون؛ ومثله بالطعام يبتاعه الرجل من الغاصب فيأكله، أنه مخير في اتباع من شاء منهما؛

стр. 1109

وهو تمثيل غير صحيح، لأن المشتري إذا رجع عليه، رجع هو على الغاصب بالثمن؛ والموهوب له إذا رجع عليه، لم يرجع هو على أحد. وقد روي عن أصبغ أن الغاصب إذا وهب فاغتل الموهوب له أنه لا يرد الغلة وذلك بعيد، إلا أن يتأول قوله على أنه إنما أراد ألا يرجع عليه إذا كان الغاصب مليا، أو يكون قوله على مذهب من يرى أن الغلة للغاصب بالضمان فينزل الموهوب له منزلته. فصل واختلف في الحد الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان المستحق وتكون الغلة له ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يدخل في ضمانه ولا تجب له الغلة حتى يقضى له به وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة إن الغلة للذي في يديه حتى يقضى بها للطالب وعلى هذا القول لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفا يحال بينه وبينه، ولا توقيف غلته، وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول، وإنما توقف وقفا يمنع من الإحداث فيها. والثاني: أنه يدخل في ضمانه وتكون له الغلة ويجب توقيفه وقفا يحال بينه وبينه إذا ثبت له بشهادة شاهدين أو شاهد وامرأتان - وهو ظاهر قول مالك في موطئه إذ قال فيه إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وقول غير ابن القاسم في المدونة إذ قال إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه، وكلف المدعى عليه المدفع.

стр. 1110

والقول الثالث: أنه يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد واحد - وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح - أنه يحلف مع شهادة شاهده وتكون المصيبة منه، وروايته عنه في الكتاب المذكور في مسألة الزيتون إذا ادعاها وأقام شاهدا واحدا أن الثمرة له إذا تؤولت أن معنى المسألة أنه استحق الأصل دون الثمرة؛ وأما على تأويل من تأول أنه إنما ادعى الأصل والثمرة وشهد له بهما جميعا الشاهد الذي أقامه، فتخرج الرواية عن هذا الباب إلى وجه متفق عليه، وما وقع في أحكام ابن زياد أن التوقيف يجب في الدار بالقفل وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد يأتي على هذا القول؛ وكذلك النفقة أيضا تجري على هذا الاختلاف، وقد فرق في رواية عيسى عن ابن القاسم من كتاب الدعوى والصلح بين النفقة والضمان، وساوى بينهما عيسى من رأيه وهو القياس؛ وكذلك ظاهر المدونة أنه فرق بينهما والصواب أنه اختلاف من القول. فصل واختلف أيضا في الحد الذي تكون به الثمرة في استحقاق الأصل غلة فيستوجبها المستحق منه ببلوغها إليه: إما بالحكم والقضاء، وإما بثبوت الحق بشهادة شاهدين، وإما بأن يشهد للمستحق شاهد واحد على الاختلاف المذكور في ذلك؛ فروى أبو زيد عن ابن القاسم أن الثمرة تكون للمستحق ما لم تجد، وفي كتاب ابن المواز ما لم تيبس، ويرجع عليه بالسقي والعلاج، وعلى ما قال في المدونة في الرد بالعيب ما لم تطب. إذ لم يفرق بين المسألتين؛ وهذا إذا كان المستحق منه اشترى الأصول قبل إبار الثمرة، وأما إن كان اشتراها بعد الإبار فالثمرة للمستحق على مذهب ابن القاسم، - وإن جدت، ويرجع عليه بالسقي والعلاج كالرد بالعيب، وعلى مذهب أشهب تكون الثمرة للمستحق - ما لم تجد، فإن جدت، كانت غلة للمشتري، وأما إن كان اشترى الأصل - والثمرة من هبة، فاشترطها، ففي كتاب ابن المواز أن الثمرة تكون للمستحق كيف كانت يبست أو

стр. 1111

جدها أو باعها أو أكللها، ويغرم المكيلة - إن عرفها، وإلا فالقيمة، وفي البيع يغرم الثمن الذي باعها به إن فاتت؛ وإن كانت بيد مبتاعها، فهو مخير في أخذها أو إنفاذ بيعها وأخذ الثمن؛ وإن تلفت عند المبتاع، فليس له إلا الثمن؛ وهذا على القول بأنها لا تصير غلة للمبتاع إلا باليبس أو الجداد. وأما على القول الذي يرى أنها تصير له غلة بالطياب، فلا حق له فيها إذا أزهت عند البائع، لأنها قد صارت له غلة بالطياب، ويأخذ المستحق النخل وحدها، ويرجع المستحق منه على البائع بما ينوبها من الثمن، ويسقط عنه ما ناب الثمرة - لبقائها بيده، إلا أن يكون اشتراؤه إياها من غاصب، أو من مشتر اشتراها بعد الإبار على مذهب ابن القاسم؛ فهي ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون المستحق منه اشتراها قبل الإبار. والثاني: أن يكون اشتراها بثمرتها بعد الإبار. والثالث: أن يكون اشتراها بثمرتها بعد الإزهار والطياب وقد تقدم الكلام عليها. فصل ولو وجد المشتري الثمرة بعد الإبار وقبل الطياب، ثم استحق الأصل مستحق نظرت: فإن كان اشتراها قبل الإبار فهي غلة له ويرجع بجميع الثمن على البائع؛ وإن كان اشتراها بعد الإبار جرى الحكم فيها على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في العيوب، فتكون للمستحق على مذهب ابن القاسم - إن كانت قائمة بيده لم تفت، ويغرم له مكيلة خرصها - إن كانت فائتة، وعلى مذهب أشهب هي غلة للمشتري؛ وأما إن كان جدها المشتري قبل الإبار، فلا شيء للمستحق فيها باتفاق، وينظر: فإن كان ابتاعها وفيها ثمر، حاسبه البائع بما ينوبها من الثمن؛

стр. 1112

وإن كان ابتياعه إياها قبل أن تكون لها ثمرة، فهي غلة لا يحاسبه البائع بشيء من ثمنها. فصل وحيثما وجبت الثمرة للمستحق، يجب للمشتري المستحق منه الرجوع عليه بالسقي والعلاج - إن كان عالج وسقى - حتى انتلفت الثمرة بسقيه وعلاجه من حال إلى حال على مذهب ابن القاسم وأشهب، وذلك مثل أن يشتري النخل ولا ثمرة فيها فيسقي ويعالج حتى تصير فيها ثمرة، ثم يستحقها مستحق؛ أو يشتريها وفيها طلع لم يؤبر فيسقى ويعالج حتى يؤبر ثم يستحقها منه مستحق بعد الإبار. ولو لم تنتقل بسقيه وعلاجه من حال إلى حال، لرجع أيضا به على مذهب ابن القاسم في الاستحقاق والبيع الفاسد والرد بالعيب على القول بأنه نقض بيع، والشفعة على القول بأن محملها محمل الاستحقاق لا محمل ابتداء بيع، والتفليس أيضا يتخرج الأمر فيه على قولين، وعلى مذهب ابن الماجشون وسحنون لا يجب للمشتري المستحق منه رجوع على المستحق بشيء مما عالج وسقى؛ فهذا تلخيص هذه المسألة، وهي إحدى المسائل الخمس التي تتشابه أحكامها وتفترق في بعض وجوهها. والثانية: الرد بالعيب. والثالثة: الأخذ بالشفعة. والرابعة: التفليس. والخامسة: الرد بالبيع الفاسد، وقد كتبتها في كتاب العيوب ملخصة فأغنى ذلك عن إعادتها هاهنا - وبالله التوفيق. فصل وإن كان الشيء المستحق من يد المشتري عبدا أو دابة فزعم المستحق منه

стр. 1113

أن بائعه الذي باع ذلك منه غائب ببلد آخر، وأراد الذهاب به إلى ذلك البلد ليسترجع الثمن من بائعه، فذلك له بعد أن يضع للمستحق قيمته؛ فإن وضع له قيمته وذهب به إلى ذلك البلد بكتاب القاضي فوجد به بائعه فرجع عليه بحقه، وزعم البائع المرجوع عليه أن بائعه الذي باعه منه غائب ببلد آخر، وأراد الذهاب به إلى ذلك البلد، ليسترجع الثمن من بائعه؛ فذلك له أيضا بعد أن يضع للمستحق منه الذي رجع عليه قيمته بذلك البلد، إلا أن تكون قيمته بذلك البلد أقل من القيمة التي وضعها هو للمستحق، فليس له أن يأخذه ويذهب به حتى يضع له مثل القيمة التي وضع - وإن كانت قيمته بذلك البلد أكثر من القيمة التي وضعها هو، مثل أن تكون القيمة التي وضعها ثلاثين، - وقيمته بذلك البلد أربعون، لم يكن له أن يذهب به حتى يضع قيمته أربعين، لأن ذلك من حق المستحق صاحب الدابة أو العبد، فإن وضع الأربعين قيمة ذلك فذهب به وتلف قبل أن يرده، كانت الأربعون للمستحق صاحب الدابة أو العبد وأخذ المستحق منه الثلثين التي وضعها، وإن لم يتلف ورده، أخذ الأربعين التي وضع ورد المستحق منه الدابة أو العبد إلى صاحبه الذي استحقه، وأخذ الثلاثين التي وضعها له؛ وإن تلف في رجوعه به كان لصاحبه المستحق له الثلاثون التي وضع له، وكذلك إن أراد البائع الأول الذي رجع عليه واضع الأربعين أن يذهب به إلى بلد بائعه، لم يكن ذلك له حتى يضع للذي باع منه الأربعين التي وضع، أو قيمته - إن كانت أكثر من الأربعين، مثل أن تكون قيمتها خمسين، لأن ذلك من حق المستحق صاحب الدابة أو العبد وكذلك الحكم في البائع من البائع الأول إن أراد أن يذهب به إلى موضع بائعه لاستخراج حقه منه، وفي المرجوع إليه - أبدا من البائعين - ما تكرر وتناهى، وهذه مسألة لي فيها جواب وقد كتب عني ملخص مبين محتو على جميع فصولها يقف عليه من أراد أن يشفي نفسه بمعرفتها وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1114

كتاب الصلح ما جاء في الصلح قال الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين؛ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. وقال رسول الله ﷺ في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان كما قال ﷺ . وذهب ﷺ إلى بني عمرو بن عوف

стр. 1115

ليصلح بينهم. «وروي أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: " اذهبوا بنا نصلح بينهم» «وعرض جابر بن عبد الله ﵁ على غرماء أبيه أن يأخذوا الثمر بما لهم عليه فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال له: " إذا جذذته ووضعته في المربد فآذني "، فلما كان ذلك، آذنه فأتى هو وأبو بكر وعمر ﵃ فجلس عليه ودعا بالبركة فيه، ثم قال: " ادع غرماءك فأوفهم "، فكال منه لأهل دينه وبقي منه مثل الذي كان فيه بعد قضاء الدين». فصل فالإصلاح بين الناس فيما يقع بينهم من الخلاف والتداعي في الأموال وغيرها من نوافل الخير المرغب فيها المندوب إليها. ولا بأس على الإمام أن يشير على الخصوم بذلك، روي «أن رسول الله ﷺ سمع صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء - وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج رسول الله ﷺ فقال: أين المتألي على الله؟ ألا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله. فله أي ذلك أحب». وروي «أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد النبي ﵇ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك فقال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال كعب قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : قم فاقضه» وهذا الحديث أصل لما تلهج العامة به من قولها خير الصلح الشطر، ولا صلح إلا بوزن.

стр. 1116

فصل وإذا أشار الإمام على المتخاصمين بالصلح وندبهما إليه وحضهما عليه فأبيا أو أبى أحدهما، فلا يجبرهما عليه، ولا يلح عليهما فيه إلحاحا يشبه الإلزام؛ ولكنه يفصل بينهما بواجب الحق وصريح الحكم، كما فعل رسول الله ﷺ . روي في الصحيح «أن الزبير بن العوام خاصم رجلا من الأنصار في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق واحبس حتى يبلغ الجذر». فاستوفى رسول الله ﷺ للزبير حقه - وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوفى للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة قال الزبير والله ما أحسب هذه الآية نزلت: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] إلا في ذلك. فصل وإنما ينبغي للإمام أن يندب المتخاصمين - إلى الصلح ويديرهما - عليه ما لم يتبين له أن الحق لأحدهما، فإذا تبين له ذلك، لم يتأن في الحكم له - رجاء أن يصالحا، فقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته إلى أبي موسى الأشعري، فاحرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء. فصل ولا يجوز الصلح بالحرام قال رسول الله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين،

стр. 1117

إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا». فكل ما يتراضى عليه المتصالحان فهو جائز ما لم يجر ذلك إلى تحليل حرام أو تحريم حلال، واختلف فيه إذا وقع: فقيل إنه يفسخ ويرد ولا يمضي وهو قول جمهور أهل العلم، وذهب أصبغ إلى أنه يجوز في وجه الحكم ولا يحل له فيما بينه وبين الله أن يأخذ إلا ما يجوز في التبايع؛ واحتج لذلك بما روي أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه فقال: هذا حرام، ولولا أنه صلح لفسخته - والأول أصح، لثبوته عن النبي ﵇ قولا وعملا؛ فأما قوله فهو ما روي عنه في الصحيح أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وأما عمله وقضاؤه فهو ما حكاه مالك في موطئه من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر الحديث بطوله إلى قوله: " أما غنمك وجاريتك فرد عليك» ". وأبطل ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. فصل والصلح إنما هو قبض شيء عن عوض، فهو يشبه المبايعة ويجري مجراها في أكثر الوجوه؛ فلا ينبغي أن يمضي فيه؛ الحرام كما لا يمضي في البيوع، ولا اختلاف إذا انعقد الصلح بين المتصالحين على حرام لا يحل لواحد منهما في أنه يفسخ، مثل أن يدعي رجل على رجل أن له عليه عشرة دنانير فيقر له منها بخمسة وينكر الخمسة، فيصالحه عن جميع دعواه بدراهم إلى أجل، وما أشبه ذلك؛ وإنما يختلف إذا انعقد الصلح على حرام في حق أحد المتصالحين دون صاحبه، مثل أن يدعي عليه عشرة دنانير فينكره فيها فيصالحه عنها بدراهم إلى أجل، لأن المدعي لا يحل له أن يأخذ في عشرة دنانير له دراهم إلى أجل، والمدعى عليه جائز له أن

стр. 1118

يصالحه عن يمينه الواجب له عليه بدعواه على دراهم إلى أجل؛ فهذا أمضاه أصبغ، ولم يفسخه بحكم على ما جاء عن علي بن أبي طالب، والمشهور أنه يفسخ، وأما الصلح المكروه فقيل إنه يجوز إذا وقع، وقال ابن الماجشون يفسخ إذا عثر عليه بحدثانه ما لم يطل، وهو أن يقع بين المتصالحين على وجه ظاهره الفساد ولا يتحقق في جهة واحدة منهما مثل أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه دنانير أو دراهم وينكره فيها ولا يقر له بشيء منها، فيصالحان على أن يؤخر كل واحد منهما صاحبه بما يدعيه قبله إلى أجل، لأن كل واحد منهما يقول: لا حرام فيما فعلت، لأني واهب لما أعطيت؛ والظاهر أن كل واحد منهما أخر صاحبه بما له عليه على أن يؤخره بما له عليه، فيدخله أسلفني وأسلفك، ويخشى أن يكون لكل واحد منهما على صاحبه بعض ما يدعيه عليه، فيكون كل واحد منهما قد أخر صاحبه بما له عليه على أن يزيده فيه، وذلك الربا المحرم بالقرآن؛ فقف على أنها ثلاثة وجوه: وجه يفسخ فيه الصلح باتفاق. ووجه يفسخ فيه على اختلاف. ووجه لا يفسخ فيه باتفاق إلا أن يعثر عليه بحدثانه فيفسخ على اختلاف. فصل ومن مسائل الصلح التي تجري مجرى البيوع فيما يحل فيها ويحرم منها - مسألة الصلح في العيب يوجد بالعبد وهي مسألة وقعت في المدونة ناقصة الوجوه غير كاملة المعاني، فرأيت أن أوردها هنا باستيعاب وجوهها وكمال معانيها - إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله؛ فإذا باع الرجل عبدا فادعى المبتاع أن به عيبا وأراد مصالحة البائع، فإن الأمر لا يخلو في ذلك من وجهين:

стр. 1119

أحدهما: أن يكون العبد فائتا. والثاني: أن يكون قائما. فصل فأما إن كان فائتا فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون باعه بنقد فانتقد. والثاني: أن يكون باعه بنقد فلم ينتقد. والثالث: أن يكون باعه إلى أجل. فأما إذا باعه بنقد وانتقد ثم وجد المبتاع به عيبا بعد فواته، فجائز للبائع أن يصالحه على دنانير أو دراهم أو عروض نقدا بعد معرفتهما بقيمة العيب؛ لأن قيمة العيب من الثمن الذي نقد، قد وجبت للمبتاع قبل البائع فجائز له أن يبيعها بما شاء إذا تعجل، ولا يجوز له أن يصالحه على دراهم إلى أجل - إن كان البيع بدنانير، ولا على عروض إلى أجل لأنه يدخله في العروض فسخ الدين في الدين، وفي الدراهم الصرف المتأخر؛ وإن صالحه على دنانير إلى أجل لم يجز إلا أن يكون مثل قيمة العيب فأقل، فإن كانت أكثر من قيمته فلا يجوز. فصل وأما إن لم ينقد الثمن حتى اطلع على العيب فجائز للبائع أن يصالحه على عرض معين يدفعه، أو موصوف إلى أجل يجوز إليه السلم، ولا يجوز بدراهم نقدا ولا إلى أجل، إلا أن يكون يدا بيد مثل الصرف وأما بالذهب فلا أعرف في ذلك نص رواية والنظر يوجب - عندي ألا يجوز على مذهب مالك إلا مراطلة كفة بكفة بعد معرفتهما بقيمة العيب وتقاربهما عليه.

стр. 1120

وأما إن ادعاه المبتاع وأنكره البائع فلا يجوز وإن أحضر المبتاع قيمة العيب، من الذهب وراطله بها، لأنه لم يرض بهذه المراطلة إلا بما طرح عنه البائع من مئونة إثبات العيب والعناء في ذلك أو اليمين؛ لأن البائع لو نكل عن اليمين وجبت على المبتاع فصار إنما رضي بالمراطلة بما أسقط عنه من اليمين، فيدخله التفاضل بين الذهبين؛ وأما على مذهب ابن القاسم، فينبغي أن يكون الصلح بالذهب جائزا إذا أحضر قيمة العيب وراطله بها. وإن كان البائع منكرا للعيب، لأن المبتاع إن نكل يدعي باطلا فلا يجوز له أن يأخذ منه قليلا وكثيرا. وإن كان يدعي حقا، فجائز له أن يراطله بما يعلم أنه قد سقط من قيمة العيب، وإنما الذي يجوز بلا كلام أن يحط عنه من الثمن الذي عليه ما يتفقان عليه من قليل أو كثير. فصل وأما إن كان الثمن مؤجلا، فجائز له أن يصالحه على عروض أو طعام نقدا، ولا يجوز على عروض مؤجلة؛ لأنه يدخله الدين بالدين؛ ولا على دراهم نقدا ولا إلى أجل، وأما الدنانير فقال في المدونة: إنه لا يجوز، فقيل إن معنى ذلك إن كانت الدنانير التي صالحه عليها أقل من قيمة العيب. وأما إن كانت مثلها أو أكثر منها، فذلك جائز؛ لأنه لا يتهم أن يعطي ذهبا ويأخذ مثلها أو أقل منها - إذا حل الأجل؛ هذا تأويل ابن أبي زيد وأحمد بن خالد؛ وقيل إن ذلك لا يجوز بحال وإن كانت الدنانير مثل قيمة العيب أو أكثر منها إذا كان البائع منكرا للعيب، لأن البائع إنما رضي بدفع دنانيره في مثلها أو في أقل منها إلى أجل، لما طرح عنه المبتاع من الخصومة في قيمة العيب، فصار ذلك سلفا جر نفعا، ودنانير في دنانير إلى أجل.

стр. 1121

فصل وأما الوجه الثاني - وهو أن يكون العبد قائما لم يفت، فلا يخلو أيضا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون باعه بنقد فانتقد. والثاني: أن يكون باعه بنقد فلم ينتقد. والثالث: أن يكون باعه بثمن إلى أجل. فصل فأما الوجه الأول وهو أن يبيعه بنقد فينتقد ثم يجد المبتاع به عيبا فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما: أن يصالحه البائع بشيء يعطيه على ألا يرده عليه. والثاني: أن يصالحه المبتاع بشيء يعطيه على أن يرده عليه. فصل فأما إذا صالحه المبتاع بشيء يزيده على أن يرده عليه، فإن كانت الزيادة عرضا فلا بأس به نقدا أو إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ورقا وقد باع بذهب، فلا بأس به نقدا إذا كان أقل من صرف دينار، ولا يجوز إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ذهبا، فلا تجوز نقدا ولا إلى أجل، لأنه ذهب وعرض بذهب؛ فلا يجوز إلا على المقاصة. وأما إن صالحه البائع بشيء يزيده على ألا يرده عليه، فإن كانت الزيادة دنانير نقدا وقد باع بدنانير فذلك جائز؛ لأنه كان استرجع ذلك من الثمن وأمضى العبد بما بقي. فإن كانت الزيادة دنانير إلى أجل، فلا يجوز لأنه بيع وسلف؛ وإن

стр. 1122

تأخرت الدنانير من غير شرط، فذلك جائز، وإن صالحه على دراهم إلى أجل، فلا يجوز؛ لأنه يدخله الصرف المتأخر كأنه باع منه عبدا ودراهم إلى أجل بدنانير نقدا؛ وإن كانت الدراهم نقدا، فذلك جائز إن كانت أقل من صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ ويجوز على مذهب أشهب - وإن كانت أكثر من صرف دينار. وإن كانت الزيادة عروضا نقدا. فذلك جائز - وإن كانت العروض إلى أجل فاختلف في ذلك قول ابن القاسم فأجازه مرة ومنع منه أخرى. فصل وأما الوجه الثاني - وهو أن يبيعه بنقد، فلا ينتقد حتى يجد المبتاع عيبا فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما: أن يصالحه البائع بزيادة على ألا يرده عليه. والثاني: أن يصالحه المبتاع بزيادة على أن يرده عليه. فأما إذا صالحه البائع على أن لا يرده عليه ويزيده، فإن كانت الزيادة دنانير، لم يجز إلا أن تكون مقاصة؛ لأنه إذا انتقده يصير قد باع عبدا ودنانير بدنانير، وإن زاده دراهم لم يجز إلا أن يكون نقدا، ويكون أقل من صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ وإن زاده عروضا نقدا أو مؤجلة موصوفة، فذلك جائز، وأما إذا صالحه المبتاع على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة دنانير نقدا، فذلك جائز؛ وإن كانت الزيادة إلى أجل، لم يجز؛ لأنه بيع وسلف أعطاه العبد ببعض الثمن الواجب له عليه على أن يؤخره ببقيته، وإن كانت الزيادة دراهم يسيرة أقل من صرف دينار جاز؛ لأنه كأنه قد باع منه العبد ببعض الثمن على أن صرف منه بقيته، وإن كانت الزيادة عرضا نقدا، فذلك جائز؛ وإن كانت الزيادة شيئا إلى أجل، لم يجز لأنه فسخ دين في دين.

стр. 1123

فصل وأما الوجه الثالث وهو أن يشتري منه العبد بدنانير إلى أجل ثم يجد المبتاع به عيبا، فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما: أن يصالحه البائع على ألا يرده عليه. والثاني: أن يصالحه المبتاع على أن يرده عليه. فأما إذا صالحه البائع على ألا يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة دنانير - وقد كان باعه إياها بدنانير، فإن كانت الدنانير نقدا أو إلى غير أجل الثمن، فلا يجوز، لأنه كأنه قد باعه عبدا ودنانير بدنانير إلى أجل؛ وإن كانت الدنانير إلى أجل الثمن فذلك جائز، لأنه مقاصة إذا حل الأجل قاصه بها من الثمن وأخذ بقيمته فكأنه حط عنه بعض الثمن من أجل العيب الذي طعن فيه. وإن كانت الزيادة دراهم فلا يجوز نقدا كانت أو مؤجلة؛ وإن كانت الزيادة عروضا فذلك جائز نقدا ولا يجوز إلى أجل، وأما إذا صالحه المبتاع على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة عرضا معجلا، فذلك جائز - ولا يجوز إلى أجل، وإن كانت الزيادة دنانير معجلة أو مؤجلة، لم يجز إلا إلى ذلك الأجل بعينه؛ لأنه يكون مقاصة، وإن كانت الزيادة دراهم، لم يجز نقدا ولا إلى أجل، لأنه إن كانت الزيادة عرضا مؤجلا دخله فسخ الدين في الدين: فسخ ما وجب عليه من الثمن المؤجل في عرض معجل وهو العبد، وعرض مؤجل وهي الزيادة؛ وإن كانت الزيادة دنانير نقدا وقد باعه بدنانير، دخله ما يدخل إحدى مسألتي ربيعة: ضع وتعجل، وعرض وذهب بذهب - إلى أجل، وكذلك إن كانت الدنانير التي زاده مؤجلة، وإن كانت الزيادة دراهم نقدا أو مؤجلة دخله الصرف المتأخر؛ هذا تحصيل هذه المسألة فانحصرت وجوهها إلى تسع مسائل: ثلاث في فوات العبد، وست في قيامه، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1124

كتاب العرايا فصل في اشتقاق لفظ العرية العرية مأخوذة من قولهم عروت الرجل أعروه إذا جئته تلتمس بره ومعروفه، من قوله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وقيل إنها مأخوذة من تخلي الإنسان عن ملكه على الثمرة، من قوله : ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]. وقيل: إنما سميت عرية، لأنها تعرى من المساومة عند البيع إذا جعلها عامة للمحتاج، والفعل الإعراء من أعرى يعري إعراء؛ قال صاحب العين فعلى هذه الوجوه: العرية اسم للثمرة الموهوبة، وقد قيل إن أصل هذه الكلمة مأخوذة من النخل تعرى من ثمرتها بالهبة لثمرتها، فسميت عرية لذلك؛ فعلى هذا تكون العرية اسما للنخلة التي وهبت ثمرتها لا للثمرة الموهوبة، والأول أظهر وأولى لتأييد الآثار له. فصل في معنى الإعراء والإعراء: هبة الثمرة في أصول الشجر والثمرة الموهوبة هي العرية، والعرية تختص بالرخصة الواردة فيها عن النبي ﵇، ويكون سقيها

стр. 1125

وزكاتها على المعري إذا سماها عرية على مذهب ابن القاسم؛ فإن لم يسمها عرية - وإنما قال وهبتك الثمرة، لم تختص بالرخصة، وكان السقي والزكاة على الموهوب له، وذهب ابن حبيب إلى أن هبة الثمر في رؤوس الشجر عرية - سماها عرية أو هبة، تختص بالرخصة وتكون الزكاة والسقي على المعري والواهب؛ وحكى سحنون في المدونة عن كبار أصحاب مالك أنهم لم يفرقوا في السقي والزكاة بين العرية والهبة يريد وإن افترق ذلك عندهم في الرخصة الواردة، فإنه لا يفترق في السقي والزكاة، ويكون ذلك على المعرى والموهوب له، وحكى ابن المواز أنهم لم يختلفوا في سقي العرية أنها على المعرى، وإنما اختلفوا في زكاتها فقال أشهب: إنها على المعرى كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو؛ قال: وما روي عن مالك أنها على رب الحائط رمية رمى بها، والصحيح أن الاختلاف داخل في السقي أيضا على ما ذكرناه، وكثيرا ما يفعل هذا محمد بن المواز ينفي الاختلاف الموجود، وسحنون يقول إن كانت العرية بيد المعري يسقيها ويقوم عليها، فالزكاة عليه، وإن كانت بيد المعرى يسقيها ويقوم عليها فالزكاة عليه. فصل والمعنى في الفرق بين الهبة والعرية عند من فرق بينهما: أن العرية هي ما يقصد به المواساة في الثمرة لا - عين المعرى - على ما كان عليه الصحابة ﵃ من المواساة بثمر حوائطهم لمن لا حائط له؛ فكأنها على ملك المعري - ما لم تطب، يجب عليه سقيها وزكاتها، ولا تجب للمعرى إلا بالطياب - وإن قبضها قبل ذلك، إذ لم يقصد بها عينه؛ والهبة ما قصد بها عين الموهوب له، فخرجت عن ملك الواهب، ووجبت للموهوب له بالقبض. فصل والعرية هبة من الهبات، فإذا سماها عرية علم أنه قصد بها المواساة لا عين
следующие страницы →