Полный текст (1 626 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بينك وبين الأرض فهو منها. واختلف قول مالك في التيمم على الثلج إذا عم الأرض فأجازه في رواية علي بن زياد ومنع منه في رواية أشهب وغيره. وذهب الشافعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا على التراب، واحتج بما روي أن رسول الله ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت تربتها لي طهورا»، فحصل الإجماع على إجازة التيمم على التراب، والاختلاف فيما سواه مما هو مشاكل للأرض. فالاختيار أن لا يتيمم على الحصباء وما أشبهها إلا عند عدم التراب. فإن تيمم عليه وهو واجد للتراب فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب يعيد في الوقت. وأما الثلج فإن تيمم عليه وهو يصل إلى الأرض فيعيد أبدا، قاله ابن حبيب وهو معنى ما في المدونة، وإن تيمم عليه وهو لا يصل إلى الأرض فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب يعيد في الوقت. وهذا كله على رواية علي بن زياد عن مالك، وأما على رواية أشهب عنه فيعيد أبدا إن تيمم عليه كان يصل إلى الأرض أو لا يصل إليها.
فصل
وعند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن التيمم بالتراب على غير وجه الأرض جائز مثل أن يرفع إلى المريض في طبق أو إلى الراكب في محمل أو يكون مريضا فيتيمم جدارا إلى جانبه إن كان من طوب نيء. وذهب ابن بكير إلى أن العبادة إنما هي القصد إلى وجه الأرض فلم يجز شيئا من ذلك.
فصل
وأطلق الله ﵎ الأيدي في التيمم ولم يقيدها بالحد إلى المرفقين كما فعل في الوضوء. واختلفت الآثار في ذلك عن النبي ﷺ ، فروي عنه الأمر بالتيمم إلى المرفقين، وإلى الكوعين، بضربة واحدة، وبضربتين. «وروي عن عمار
стр. 107
بن ياسر أنه قال: لما نزلت آية التيمم عمد المسلمون مع رسول الله ﷺ فتيمموا إلى المناكب والآباط.» فيحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك اتباعا لظاهر القرآن بكل ما يقع عليه اسم يد عند العرب قبل أن يأمرهم رسول الله ﷺ في ذلك بشيء، إذ لا يوجد ذلك للنبي ﵊ في غير هذا الحديث. وعلى هذا اختلف أهل العلم في حد التيمم، فمنهم من ذهب إلى إيجاب التيمم إلى المنكبين، وهو قول ابن شهاب ومحمد بن مسلمة من أصحابنا. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى المرفقين على ما روي عن النبي ﵊ وقياسا على الوضوء، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، وإليه ذهب من أصحابنا ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى الكوعين قياسا على القطع في السرقة. قيل في ذلك كله بضربة واحدة، أو بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين، فهذه ستة أقوال. وقال الحسن وابن أبي ليلى يضرب ضربتين فيمسح بكل واحدة منهما وجهه ويديه. وحكى ابن لبابة في المنتخب قولا ثامنا في المسألة، وهو أن الجنب يتيمم إلى الكوعين بالسنة لا بالقرآن، وغير الجنب إلى المنكبين على ظاهر ما في القرآن، واحتج لذلك بما يقف عليه من تأمله في موضعه من كتابه.
فصل
ومذهب مالك ﵀ أن الجنب يتيمم بظاهر القرآن؛ لأن الله ﵎ أمر بالوضوء من الحدث والغسل من الجنابة للصلاة، ثم أمر بالتيمم عند عدم الماء بالنص على ذلك، وعند عدم القدرة على استعماله بالتأويل الظاهر، فوجب أن يحمل ذلك على الوضوء والغسل من الجنابة جميعا، وأن لا يخصص في أحدهما دون الآخر إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. بل قد دلت السنن الواردة عن النبي ﷺ في تيمم الجنب على خلافه؛ وأن التيمم عنده، أعني عند مالك، من الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء سواء، وأن فرض التيمم فيهما ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، إلا أنه يستحب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين
стр. 108
إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه إلى المرفقين لم يعد.
فصل
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الجنب لا رخصة له في التيمم، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وكان عبد الله بن مسعود يقوله ثم رجع عنه. وقد روي «أن رجلا سأل عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أجد الماء، فأمره أن لا يصلي، فقال له عمار أما تذكر أنا كنا في سرية على عهد رسول الله ﷺ فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت بالتراب فصليت، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك هكذا، فضرب بكفيه الأرض فنفخ فيهما فمسح وجهه وكفيه» فلم يقنع عمر بقول عمار وخشي أن يكون قد دخل عليه فيما حدثه به وهم أو نسيان إذ لم يذكر هو شيئا من ذلك.
فصل
وقد ذهب بعض الناس ممن ينتحل الحديث إلى أن الجنب يتيمم إذا عدم الماء ويتوضأ إذا وجده ولم يقدر على مسه على ما روي «عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أمره على جيش ذات السلاسل، وفي الجيش نفر من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب، فاحتلم عمرو بن العاص في ليلة شديدة البرد، فأشفق أن يموت إن اغتسل فتوضأ ثم أم أصحابه، فلما قدم ﷺ تقدم عمر بن الخطاب فشكا عمرو بن العاص حتى قال وأمنا جميعا، فأعرض رسول الله ﷺ عن عمر بن الخطاب. فلما قدم عمرو دخل على رسول الله ﷺ فجعل يخبره بما صنع في غزاته، فقال له رسول الله ﷺ : أصليت جنبا يا عمرو؟ فقال نعم يا رسول الله أصابني احتلام في ليلة باردة لم يمر على وجهي مثلها قط، فخيرت نفسي بين أن أغتسل فأموت أو أقبل رخصة الله فقبلت رخصة الله تعالى وعلمت أن الله
стр. 109
أرحم بي فتوضأت ثم صليت. فقال رسول الله ﷺ : أحسنت ما أحب أنك تركت شيئا صنعته ولو كنت في القوم لصنعت كما صنعت.» وممن كان يذهب إلى هذا أحمد بن صالح وقال إن الوضوء فوق التيمم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الله ﵎ جعل التيمم بدل الغسل من الجنابة ولم يجعل الوضوء بدلا منه، فليس بأرفع منه في ذلك، وإنما هو أرفع منه في الحدث الأصغر حيث جعل بدلا منه. وأما الحديث فيحتمل أن يكون ما كان من عمرو بن العاص قبل نزول آية التيمم، والحكم حينئذ في الجنب إذا عدم الماء أن يصلي بلا غسل، فلما سقط عنه فرض الاغتسال بالخوف على نفسه صار في حكم من لا جنابة عليه، فتوضأ وصلى كما يفعل من استيقظ من نومه ولا جنابة عليه، وكما يصلي عريانا من لم يجد سترة. وقد صلى أصحاب رسول الله ﷺ قبل فرض التيمم وهم محدثون على غير وضوء، فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ عليهم على ما روي. فصح ما تأولناه. والله أعلم.
فصل
والتيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في قولهما إنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد الرحمن في أنه يرفع الحدثين جميعا حدث الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء. ومعنى هذا أنه إذا تيمم للوضوء أو من الجنابة كان على طهارة أبدا ولم يجب عليه الغسل ولا الوضوء وإن وجد ماء ما لم يحدث أو يجنب. وقد وقع في المدونة عن ابن مسعود ما ظاهره أنه كان يقول مثله. ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره، فإن المحفوظ عن ابن مسعود ما حكيناه عنه قبل من أن الجنب لا يتيمم بحال ثم رجع إلى [أنه يتيمم، فإذا وجد الماء اغتسل. فما وقع في المدونة
стр. 110
من قول سحنون: وقد كان يقول غير ذلك ثم رجع إلى] هذا أي أنه يغتسل. معناه: وقد كان يقول إنه لا يتيمم بحال ثم رجع إلى هذا الذي ذكره عنه وعن مالك وسعيد بن المسيب من أنه إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء أنه يغتسل.
فصل
وإن كان التيمم عند مالك وأصحابه لا يرفع الحدث جملة فإنه يستباح به عندهم ما يستباح بالوضوء والغسل من صلاة الفرائض والنوافل وقراءة القرآن نظرا وظاهرا وسجود التلاوة وما أشبه ذلك مما تمنعه الجنابة أو الحدث الذي ينقض الوضوء. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يستباح به نافلة، منهم عبد العزيز بن أبي سلمة. فمن ذهب إلى أن التيمم يرفع الحدثين جميعا فهو عنده بدل من الوضوء والغسل حقيقة. ومن رأى أنه يرفع الحدث الأصغر ولا يرفع الحدث الأكبر فهو عنده بدل من الوضوء حقيقة. ومن رأى أنه لا يرفع الحدثين ولا أحدهما ولا يستباح به إلا الفرائض فليس هو عنده بدلا منهما ولا من أحدهما وإنما هو استباحة للصلاة خاصة خوف فوات الوقت. وأما على مذهب من يرى أنه يستباح به جميع ما يمنع منه الحدث دون أن يرفعه، فقيل إنه استباحة لفعل ما يمنع منه الحدث وليس ببدل من الطهارة بالماء إذ لا يرفع الحدث كما ترفعه الطهارة، وقيل إنه بدل منهما وإن كان لا يرفع الحدث، وهو الأظهر. ودليله أن تقول إن الأصل كان في الطهارة بالماء والتيمم عند عدمه وجوبهما لكل صلاة بظاهر قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية فخصصت السنة من ذلك الطهارة بالماء، وهي صلاة النبي ﵊ يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على أصله إذ لا يقوى البدل قوة المبدل منه.
فصل
فإذا قلنا إنه يستباح به ما لا يجوز فعله إلا بطهارة الماء فإن الذي يستباح به
стр. 111
على ضربين: أحدهما عبادة مؤقتة بوقت، والثاني عبادة غير مؤقتة بوقت. فأما العبادة المؤقتة بوقت فإن التيمم لها لا يصح إلا بعد دخول وقتها، ولصحته بعد دخول وقتها شرائط متفق عليها ومختلف فيها. فأما المتفق عليها فهي عدم الماء أو عدم القدرة على الوصول إليه في السفر والمرض مع طلبه عند عدمه أو طلب القدرة على الوصول إليه عند عدمها. وأما المختلف فيها فهي عدم الماء في الحضر أو عدم القدرة على استعماله لمرض مع طلبه أيضا عند عدمه أو طلب القدرة على استعماله. وطلب الماء عند عدمه إنما يجب مع اتساع الوقت لطلبه، والذي يلزم منه ما جرت العادة به من طلبه في رحله أو سؤال من يليه ممن يرجو وجوده عنده ولا يخشى أن يمنعه إياه، أو العدول إليه عن طريقه إن كان مسافرا على قدر ما يمكنه من غير مشقة تلحقه مع الأمن على نفسه. ولا حد في ذلك يقتصر عليه لاختلاف أحوال الناس، وقالوا في الميلين إنه كثير، وفي الميل ونصف الميل مع الأمن إنه يسير، وذلك للراكب والراجل القوي القادر. وعدم القدرة على استعماله هو مثل أن يخشى من استعماله الموت أو المرض أو زيادة فيه إن كان مريضا. قال أبو الحسن القابسى مثل أن يخشى أن تصيبه نزلة أو حمى، وقال الشافعي لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف تلف نفسه باستعماله.
فصل
فإذا قلنا إن ذلك شرط في صحة التيمم فهل ذلك شرط في صحة التيمم لكل صلاة عند القيام إليها؟ أو في صحته لما اتصل به من الصلوات عند القيام لها؟ أو في صحة التيمم على الإطلاق؟ في ذلك بين أهل العلم اختلاف. أما من ذهب إلى ما حكيناه من أن الأصل كان إيجاب الوضوء لكل صلاة أو التيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله بظاهر قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية وأن السنة خصصت من ذلك الوضوء وبقي التيمم على الأصل، فلا يصح عنده صلاتان بتيمم واحد وإن اتصلتا ونواه لهما، ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها، ولا صلاة بتيمم نواه لها إذا صلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به اشتغالا بما سواها. ويجيء على مذهبه أن طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرط في صحة
стр. 112
التيمم لكل صلاة عند القيام إليها، فإن صلى صلاتين بتيمم واحد أو صلاة بتيمم نواه لغيرها أو لها فصلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به وجبت عليه الإعادة في الوقت وغيره، وهو ظاهر ما في المدونة ونص رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك. ومن لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت أو فرق بين المشتركتين من غير المشتركتين أو بين أن يتيمم لنافلة فيصلي [به فريضة وبين أن يتيمم لفريضة فيصلي قبلها نافلة] فلم يجر في ذلك على أصل، وإنما ذهب في ذلك إلى مراعاة الخلاف. وكان يلزم على قياس هذا القول أن لا يصلي نافلة بتيمم مكتوبة لا قبلها ولا بعدها وإن اتصلت بها، ولا نافلتين بتيمم واحد، إلا أنه أباح ذلك مراعاة لقول من يرى أن التيمم إذا صح على شروطه يرفع الحدث كالوضوء بالماء، ولقول من يرى أن الطلب لا يتعين على عادم الماء إلا مرة ثم لا يتكرر عليه وجوبه، وأن التيمم إذا صح على شروطه كان على طهارة ما لم يحدث أو يجد الماء من غير أن يطلبه، إذ لا يتكرر عليه وجوب طلبه إلى مذهبه، أو يعلم أنه يقدر على مس الماء إن كان تيممه لعدم القدرة على استعماله. فعلى قول هؤلاء جميعا يكون طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرطا في صحة التيمم على الإطلاق، وإن كان ينتقض في قول بعضهم بوجود الماء، ولا ينتقض في قول بعضهم إلا بالحدث على ما بيناه.
ويجري على رواية أبي الفرج في ذاكر الصلوات أنه يصليها بتيمم واحد أن طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرط في صحة التيمم لما اتصل من الصلوات التي نواها عند القيام لها. وإذا قلنا إن رواية أبي الفرج هذه مبنية على هذا الأصل فيلزم عليها إجازة الصلوات المكتوبات والنوافل بتيمم واحد إذا اتصلت وكان تيممه لها كلها، تقدمت النوافل أو تأخرت. ولا يجوز له أن يصلي بتيمم واحد من النوافل إلا ما نواه أيضا بتيممه أو اتصل عمله. ولا يجوز له أن يصلي بتيممه لمكتوبة نافلة لم ينوها وإن اتصلت بالمكتوبة.
стр. 113
فإن قائل قائل: لا اختلاف في المذهب في جواز صلاة النافلة بتيمم المكتوبة إذا اتصلت بها.
قيل له: إن أجاز ذلك على هذه الرواية فليس على أصله فيها، وإنما هو مراعاة للاختلاف في الأصل وقد ذكرناه.
فصل
فيتحصل من هذا أن في وجوب تكرار الطلب قولين: أحدهما أنه لا يتكرر، والثاني أنه يتكرر. وإذا قلنا إنه لا يتكرر فهل يجب الوضوء بوجود الماء أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه يجب، والثاني أنه لا يجب. وإذا قلنا إنه يتكرر، فهل يتكرر لكل صلاة عند القيام إليها؟ أو لا يتكرر إلا عند التراخي عنها بالاشتغال بما سواها؟ في ذلك قولان أيضا.
فصل
وأما دخول الوقت فإنه مراعى في المشهور من المذهب. وقال ابن شعبان من أصحابنا ليس بشرط في صحة التيمم. والدليل على صحة مذهب مالك أن الله تعالى أوجبه عند القيام للصلاة، ولا يكون القيام لها إلا عند دخول وقتها.
فصل
والدليل على صحة اشتراط الطلب قول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ولا يصح أن يكون غير واجد للماء إلا بعد أن يطلبه.
فصل
وأما العبادات التي هي غير مؤقتة فيستباح في كل وقت ما اتصل منها بالتيمم على الشرائط التي ذكرناها فيما له وقت بعد دخول الوقت.
стр. 114
فصل
والعادمون للماء على ثلاثة أضرب: أحدها أن يعلم أنه لا يقدر على الماء في الوقت أو يغلب ذلك على ظنه. والثاني أن يشك في الأمر. والثالث أن يعلم أنه يقدر على الماء في آخر الوقت أو يغلب ذلك على ظنه.
فأما الضرب الأول فإنه يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت ليحوز فضيلة أول الوقت إذ قد فاتته فضيلة الماء، وهذا حكم الذي لا يقدر على مس الماء.
وأما الوجه الثاني فيتيمم في وسط الوقت. ومعنى ذلك أن يتيمم من الوقت في آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت؛ لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم يخف فوات فضيلة أول الوقت، فإذا خاف فواتها تيمم وصلى لئلا تفوته فضيلة أول الوقت ثم لا يدرك الماء فتفوته الفضيلتان.
وأما الوجه الثالث، فإنه يؤخر الصلاة إلى أن يدرك الماء في آخره لأن فضيلة الماء أعظم من فضيلة أول الوقت؛ لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها، وفضيلة الماء متفق عليها. ففضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة، ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة، والله أعلم. ويريد في المدونة بقوله آخر الوقت ووسطه آخر الوقت المختار [ووسط الوقت المختار] خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب والله الموفق.
стр. 115
القول في الحيض والاستحاضة وأحكامهما
قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفي سبب سؤالهم الني ﵊ عن محيض النساء وكيفية اعتزالهن فيه بين أهل العلم اختلاف.
فصل
في ذكر الاختلاف في السبب الباعث لهم على ذلك
فأما سبب سؤالهم النبي ﵊ عن المحيض فقيل إنما كان ذلك لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم لا يساكنون حائضا ولا يؤاكلونها ولا يشاربونها، كما كانت اليهود تفعل، فعرفهم الله تعالى بهذه الآية أن الذي بهن في الدم لا يبلغ أن تحرم به مجامعتهن في البيوت ولامؤاكلتهن ومشاربتهن بقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأن الأذى لا يعبر به إلا عن المكروه الذي ليس بشديد. قال الله : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] وأعلمهم أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم تجنب جماعهن لا غير. والدليل على ذلك من الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي فجامعوهن
стр. 116
في موضع جماعهن. فدل ذلك على أنه إنما نهى في حال الحيض عما نص على إباحته بعد الطهر وهو الجماع في موضع الجماع لا غير. وقيل إنما سألوه عن ذلك لأنهم كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فلما سألوه ﷺ عن ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى قوله ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي في الفرج لا تعدوه، وهو أظهر من القول الأول وأبين في المعنى.
فصل
في ذكر الاختلاف في كيفية الاعتزال المأمور به في الآية
وأما كيفية اعتزال النساء في الحيض المأمور به في الآية ففيه لأهل العلم ثلاثة أقوال:
أحدها اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قول الله ؛ لأنه أمر باعتزالهن عموما ولم يخص منهن شيئا دون شيء. وهذا إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن وجهل ما ورد في ذلك عن النبي ﵊ من الآثار.
والثاني إباحة مباشرة ما فوق الإزار على ما وردت به الآثار، وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار. وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين.
والثالث إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج على ظاهر ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها قالت لمن سألها عن ذلك: كل شيء لك منها حلال، ما عدا الفرج. وإلى هذا ذهب أصبغ فقال: إنما أمرت أن تشد عليها إزارها لئلا يصيبه شيء من دمها في مضاجعته إياها، وجعل النهي الوارد عن مباشرتها فيما دون الإزار من باب حماية الذرائع لئلا يجامعها في الفرج.
стр. 117
فصل
في تقسيم ما تراه المرأة من الدم
والدم الذي تراه المرأة ينقسم على ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة، ويسمونه دم علة وفساد، ودم نفاس.
فأما دم الحيض فهو الدم الخارج من الفرج على عادة الحيض من غير علة ولا نفاس، وهو شيء كتبه الله على بنات آدم وجعله حفظا للأنساب وعلما لبراءة الأرحام. وقد قيل إن أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. والأول من جهة المعنى أظهر، والثاني من جهة النقل أصح.
وأما دم النفاس فهو الدم الخارج من الفرج على العادة عند النفاس، ويوجب ما يوجبه الحيض ويمنع ما يمنع منه الحيض.
وأما دم الاستحاضة فهو ما زاد على دم الحيض والنفاس، وهو دم علة وفساد، فلا حكم له على طريق الوجوب. والذي يستحب للمستحاضة على مذهب مالك وأصحابه أن تتوضأ لكل صلاة. وقد استحب بعض العلماء لزوجها أن لا يطأها، واستحب لها بعضهم أن تغتسل من ظهر إلى ظهر وفي البخاري عن أم حبيبة أنها كانت تغتسل لكل صلاة، وليس في الحديث أن النبي ﷺ أمرها بذلك، فلعلها تبرعت بذلك احتياطا. وقال الخطابي ليس كل مستحاضة يجب عليها الغسل لكل صلاة، وإنما يجب ذلك على التي تسمى المتحيرة وهي التي لا تميز الدم ولا كانت لها أيام معلومة أو كان فنسيتها ولا تعرف عددها، فهذه يجب عليها الغسل لكل صلاة لإمكان أن يكون ذلك الوقت قد صادف وقت انقطاع دم الحيض. ومن هذه حالها من النساء فلا يطؤها زوجها وتصوم رمضان مع الناس وتقضيه بعد ذلك لتحيط علما أن قد استوفت عدد الثلاثين يوما في وقت كان لها أن تصوم فيه، وإن كانت حاجة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوما لتكون على يقين
стр. 118
من حصول أحد الطوافين في وقت يصح لها فيه، وهذا ليس على المذهب، وفيه نظر.
فصل
فلا يتبين دم الاستحاضة من دم الحيض والنفاس إلا بمعرفة أكثر دم الحيض والنفاس، وهو يزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] فأخبر بنقصان ذلك وزيادته.
فصل
ودم الحيض إنما هو دم يتحادر من أعماق الجسم إلى الرحم فيجمعه الرحم طول مدة الطهر، ومن ذلك سمي الطهر قرءا من قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه. قال الله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقال الشاعر:
ذراعي حرة أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي لم تجمع في بطنها جنينا، ثم تدفعه في أيام الحيض، فقد تدفعه دفعا متواليا متصلا، وقد تدفعه متقطعا شيئا بعد شيء. فإذا كان بين الدمين من الأيام أيام يسيرة لا تكون طهرا فاصلا بين حيضتين علم أن الدم الثاني [من الدم الأول وأنها حيضة واحدة تقطعت، وإن كان بينهما أيام كثيرة تكون طهرا فاصلا علم أن الدم الثاني] ليس من الدم الأول وأنه حيضة ثانية مما تحادر إلى الرحم وجمعته في هذا الطهر الذي قبله.
فصل
في مقادير أقل الطهر وأكثر الحيض والنفاس وأقلهما
والذي يحتاج إلى تفصيله في هذا الباب معرفة أقل الطهر ليعلم بذلك الفصل بين الحيضتين وأقل الحيض الذي [يكون حيضة] تعتد به المرأة في
стр. 119
الطلاق، وأكثر الحيض والنفاس ليعلم بذلك الفصل بينه وبين دم الاستحاضة. وأما أكثر الطهر فلا حد له لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم ويأتيها زوجها طال زمان ذلك أو قصر. فأما أقل الطهر فاختلف فيه على أربعة أقوال:
أحدها قول ابن الماجشون وروايته عن مالك أن أقله خمسة أيام، فكلما قل الطهر كثر الحيض، وكلما قل الحيض كثر الطهر. وهو قول ضعيف لأنه يقتضي أن المرأة قد تحيض أكثر من نصف دهرها وذلك يرده الأثر.
والثاني قول سحنون وهو دليل المدونة على ما تأوله ابن أبي زيد إن أقله ثمانية أيام.
والثالث رواية التونسي عن مالك ورواية أصبغ عن ابن القاسم أن أقله عشرة أيام.
والرابع قول محمد بن مسلمة أن أقله خمسة عشر يوما. وهذا القول الرابع له حظ من القياس، وهو أن الله ﵎ جعل عدة الحرائر ذوات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعل عدة اليائسة من المحيض ثلاثة أشهر فقال: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرا وحيضا، فلا يخلو ذلك من أربعة أقسام: أحدها أن يكون أكثر الحيض وأكثر الطهر. والثاني أن يكون أقل الطهر وأقل الحيض. والثالث أن يكون أكثر الطهر وأقل الحيض. والرابع أن يكون أقل الطهر وأكثر الحيض. فأكثر الطهر وأكثر الحيض أو أقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن الطهر لا حد لأكثره، وأقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن أقل الطهر أكثر ما قيل فيه خمسة عشر يوما، وأقل الحيض أكثر ما قيل فيه خمسة أيام، فيبقى من الشهر عشرة أيام. فإذا بطلت هذه الثلاثة الأقسام لم يبق إلا القسم الرابع وهو أن يكون بإزاء الشهر أقل الطهر وأكثر
стр. 120
الحيض باتفاق خمسة عشر يوما، فإذا نقصتها من الشهر بقي منه أقل الطهر وذلك خمسة عشر يوما. وأما سائر الأقاويل فلا حظ لها في القياس وإنما أخذت من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع ولم يرد به نص لزم الرجوع فيه إلى العادة، كنفقة الزوجات وشبه ذلك. وقد حكى أحمد بن المعدل عن ابن الماجشون أنه وجد من النساء مت يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من جماعة النساء.
وأما أكثر الحيض فخمسة عشر يوما. والأصل في ذلك ما روي «عن النبي ﷺ أنه خطب النساء فقال: إنكن ناقصات عقل ودين فقالت امرأة منهن ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله فقال إن إحداكن تمكث نصف عمرها أو شطر عمرها لا تصلي فذلك نقصان دينكن». فساوى ﷺ بين ما تصلي فيه وبين ما لا تصلي فيه فجعلا شطرين، وذلك يقتضي أن لا يكون الحيض أكثر من خمسة عشر يوما كل شهر؛ لأن الحديث خرج مخرج الذم لهن، فدل على أنه إنما قصد إلى ذكر أقصى ما يتركن الصلاة فيه بسبب الحيض.
هذا قول مالك وأصل مذهبه. وقد قال إن المرأة إذا تمادى بها الدم استظهرت بثلاثة أيام على أكثر أيامها ثم اغتسلت وصلت وصامت، ولم يبين إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يوما ويكون حكمها حكم المستحاضة أم لا. واختلفت تأويلات أصحابنا عليه في ذلك. فمنهم من قال إن اغتسالها بعد الاستظهار استحسان واحتياط للصلاة، ولا يطؤها زوجها حتى تتم خمسة عشر يوما فتطهر طهرا آخر واجبا، وهو دليل رواية ابن وهب عن مالك قوله فرأيت أن أحتاط لها فتصلي وليس ذلك عليها أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها. فإذا بنى قوله على الاحتياط فمن الاحتياط ترك وطئها قبل الخمسة عشر يوما وإيجاب الغسل عليها إذا أكملت الخمسة عشر يوما وقضاء الصيام. ومنهم من ذهب إلى أنها إذا اغتسلت وصلت وصامت أجزأها صومها ووطئها زوجها وكان حكمها حكم المستحاضة، فلا يجب عليها غسل عند تمام الخمسة عشر يوما إلا
стр. 121
استحسانا، وهو دليل ما في كتاب الحج الثالث من قوله في الحائض في الحج إن الكري يحبس عليها أقصى ما يمسكها الدم والاستظهار، فدل أنها تطوف بعد الاستظهار كالمستحاضة، وإن كان ابن أبي زيد قد تأول أن الكراء يفشى بينها وبين الكري إن تمادى بها الدم بعد الاستظهار وهو بعيد. فعلى هذا التأويل في أكثر الحيض لمالك قولان: أحدهما أكثره خمسة عشر يوما. والثاني أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يوما. وأبو حنيفة يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وهو قول لا يعضده أثر ولا يوجبه نظر.
وأما أقل الحيض فاختلف فيه على ستة أقوال:
أحدها ألا حد له من الأيام، وأن الدفعة واللمعة حيض. فإن كان قبله طهر فاصل وبعده طهر فاصل كان حيضة تعتد به المطلقة في أقرائها، وإن لم يكن قبله طهر فاصل لم يكن حيضة وكان حيضا مضافا إلى الدم الذي قبله. وإن كان قبله طهر فاصل ولم يكن بعده طهر فاصل لم يكن حيضة أيضا وكان مضافا إلى ما بعده من الدم. هذا مذهب مالك.
والثاني أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء، وما دونه يكون حيضا يمنع الوطء ويمنع الصيام من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها، وهو قول ابن مسلمة.
والثالث أن أقل الحيض خمسة أيام، يريد في العدة والاستبراء، فلا اختلاف في المذهب أن ما تراه المرأة من الدم في وقت يصح فيه الحيض منها يكون حيضا يمنع الوطء والصيام والصلاة ويسقط وجوب الصلاة. وإنما الاختلاف فيه إذا كان أقل من ثلاثة أيام وخمسة أيام هل يكون حيضة يعتد بها في الطلاق على ما بيناه. والرابع مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام وما دون الثلاثة الأيام لا يحكم لها بحكم الحيض فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.
والخامس مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي بن
стр. 122
أبي طالب أن أقل الحيض يومان، وهذا كله بعيد؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فلو كان لا يعلم كون الدم حيضا قبل تقضي وقته ثلاثة أيام أو يوم وليلة لكان الأمر باعتزالهن مشروطا بما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد تقضيه، وذلك باطل.
فصل
وأما النفاس فلا حد لأقله عندنا وعند أكثر الفقهاء، وذهب أبو يوسف إلى أن أقل النفاس خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض، وأما أكثره فاختلف قول مالك فيه، فقال مرة ستون يوما، وقال مرة يسأل النساء عن ذلك [ولم يحد له حدا، وقال ابن الماجشون: لا يسأل النساء عن ذلك اليوم]؛ لتقاصر أعمالهن وقلة معرفتهن، وقد سئل النساء عن ذلك قديما فقلن أقصاه من الستين إلى السبعين، والاقتصار على الستين أحسن، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: أكثره أربعون يوما، وقد قيل إنه إجماع من الصحابة، وذكر عن الحسن أن أكثره خمسون يوما.
فصل
وأما الاستحاضة فلا حد لأكثرها ولا لأقلها عند الجميع، وبالله التوفيق.
فصل
فيما تراه المرأة من الدم على اختلاف أحوالها وما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض؛ بأن تراه المرأة في مدة الاستحاضة أو في حال لا يشبه أن يكون حيضا من صغر أو كبر. وبيان هذه الجملة أن النساء الواجدات للدم خمس: طفلة صغيرة لا يشبه أن تحيض، ويفعة مراهقة يشبه أن تحيض، [وبالغة في سن من تحيض، ومسنة يشبه ألا تحيض، وعجوز لا يشبه أن تحيض].
стр. 123
فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض.
وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض وكان ذلك دلالة على البلوغ.
وأما البالغة فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض إلا أن تراه في مدة الاستحاضة، وذلك أن ترى الدم خمسة عشر يوما ثم ينقطع ثم يعود بعد يومين أو ثلاثة قبل مضي أقل مدة الطهر فهذا دم استحاضة، إذ لا يمكن أن يضاف إلى الحيضة المتقدمة ولا أن يجعل حيضة مستأنفة، إذ لا فاصل بينهما من الأيام.
وأما المسنة التي يشبه أن لا تحيض فما رأت من الدم حكم له بحكم الحيض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأخبر أن المحيض هو الأذى الخارج من الفرج، فإذا احتمل سن من وجد بها ذلك الأذى أن تحيض حكم له بأنه دم حيض.
وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضا حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض. ألا ترى أن بنت سبعين وبنت ثمانين لا تحيض.
فصل
فإن تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك ستة أقوال: أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة مباحة ويأتيها زوجها، ما لم تر دما تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة؛ لأنه قال في الحج: إن الكري لا يحبس عليها إلا أيامها المعتادة
стр. 124
والاستظهار. فظاهر قوله أنها تطوف بعد الاستظهار وقبل تمام الخمسة عشر يوما كالمستحاضة، وعلى هذه الرواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوما استحبابا لا إيجابا.
والقول الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابا، وتصلي احتياطا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة، إلى تمام الخمسة عشر يوما. فإذا بلغت الخمسة عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة.
والقول الثالث: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة.
والقول الرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهو قول محمد بن مسلمة.
والقول الخامس: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت ولا ما صلت، يريد وتغتسل عند انقطاعه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه، ولم يضره امتناعه من الوطء هذا في المعتادة.
وأما المبتدأة أيضا ففيها خمسة أقوال كالمعتادة؛ لأن عادة لداتها في الحيض تجعل كعادة لها، إلا أن ابن القاسم يقول في المبتدأة كقول محمد بن مسلمة في المعتادة، فلا يرى أن تستظهر بثلاثة أيام، وروي عن نافع أنها تستظهر بثلاثة أيام وإن زاد على خمسة عشر يوما، وهو شذوذ من القول، وهو القول السادس.
стр. 125
واختلف إن اختلفت أيامها المعتادة فالمشهور أنها تستظهر على أثر أيامها، وقال ابن حبيب: إنها تستظهر على أقل أيامها، وذهب ابن لبابة إلى أنها تغتسل عند أقل أيامها من غير استظهار وتكون مستحاضة، وهو خطأ صراح يرده القرآن ويبطله الاعتبار.
فصل
والحيض قد تتصل أيامه وقد تتقطع على ما بيناه من أن الرحم يثج الدم المجتمع فيه في مدة القرء ثجا متصلا، وقد يثجه شيئا بعد شيء، وقد مضى القول في اتصاله، وأما انقطاعه فحكمه أن تلفق فيه أيام الدم وتلغي أيام الطهر، فإذا اجتمع في أيام الدم أيامها المعتادة والاستظهار أو خمسة عشر يوما على الاختلاف الذي قدمنا ذكره كانت مستحاضة، ولم تلتفت إلى الدم الذي تراه بعد ذلك ما بينها وبين مضي أقل مدة الطهر من اليوم الذي حكم فيه باستحاضتها، وتغتسل متى ما انقطع عنها وتصلي وتصوم، وتعد اليوم الذي ترى الدم في بعضه من أيام الدم لا من أيام الطهر، وإن لم تر الدم فيه إلا ساعة أو لمعة، ولا تلفق أيام الطهر في مذهب مالك وأصحابه، حاشى محمد بن مسلمة فإنه ذهب إلى أنها تلفق أيام الدم وأيام الطهر، فتكون في أيام الدم حائضا وفي أيام الطهر طاهرا أبدا إن ساوت أيام الدم أيام الطهر أو كانت أقل منها، مثل أن تحيض يوما وتطهر يوما، أو تحيض يومين وتطهر يومين، وأما إن كانت تحيض يومين وتطهر يوما، فتلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر وتكون مستحاضة إذا اجتمع من أيام الدم أيامها المعتادة؛ لأنه لا يقول بالاستظهار على ما قدمناه عنه، وكذلك الحكم في النفاس إذا تقطع دمه ولم يتصل، أعني أنها تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر حتى تبلغ أقصى مدة النفاس على الاختلاف في حد ذلك، ثم تكون مستحاضة إن زاد الدم على ذلك الأكثر، إذ لا استظهار فيه كالحيض الذي هو جار على عادة وله أيام معتادة ولا يساويه في المدة. وانظر هل يصح أن تلفق فيه أيام الطهر على مذهب ابن مسلمة، ولا يبعد ذلك عندي.
стр. 126
فصل
ودم الحيض دم أسود غليظ، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق، يدل على ذلك قول رسول الله ﷺ : «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي».
فصل
والصفرة والكدرة محكوم لهما بحكم الدم، فإن وجدتا في أيام الحيض كانتا حيضا، وإن وجدتا في أيام النفاس كانتا نفاسا، وإن وجدتا في أيام الاستحاضة كانتا استحاضة. هذا قولنا وقول الشافعي وأبي حنيفة، وحكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه لا يكون حيضا إلا أن يتقدمه الدم يوما وليلة، وهو دليل قول ابن شهاب في المدونة، ولا تصلي المرأة ما دامت ترى من الترية شيئا إذا كانت الترية عند الحيضة أو الحمل، وحكي عن بعض الفقهاء أنه لا يكون حيضا إلا أن يوجد في الأيام المعتادة، فإن وجدته المبتدأة أو المعتادة بعد انقضاء أيام عدتها أو في غير أيام العادة بعد مضي أقل أيام الطهر لم يكن حيضا، بخلاف الدم لو وجد في هذه المواضع، والدليل على صحة قولنا وفساد هذا القول: ما روي أن النساء كن يبعثن إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
فصل
وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء. وقد اختلف أيهما أبرأ. فعند
стр. 127
ابن القاسم أن القصة البيضاء أبرأ، فإن كانت ممن تراها فلا تغتسل بالجفوف حتى تراها إلا أن يطول ذلك بها، وقال ابن عبد الحكم: إن الجفوف أبرأ فلا تغتسل إذا رأت القصة البيضاء حتى ترى الجفوف إلا أن يطول ذلك بها، وحكي ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف في المبتدأة أن لا تغتسل حتى ترى الجفوف، ثم تعمل بعد على ما يظهر من أمرها، ونقل عبد الوهاب في الشرح عنهما أنها إن رأت الجفوف تطهرت به، ثم تراعى بعد ما يظهر من أمرها من جفوف أو قصة، وقال: إن هذا هو القياس؛ لأنهما جميعا علامتان، فأيهما وجدت قامت مقام الأخرى، ولا فرق بين المبتدأة وغيرها في ذلك، ونقله أصح في المعنى وأبين في النظر مما حكى ابن حبيب عنهما؛ لأنه كلام متناقض في ظاهره.
فصل
والحامل تحيض عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ولنا على ذلك أدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. فإن تمادى بها الدم ففي ذلك ثمانية أقوال:
أحدها: أنها تبقى أيامها المعتادة من غير استظهار ثم تغتسل وتصلي.
والثاني: أنها تستظهر على أيامها المعتادة.
والثالث: أنها تبقى إلى خمسة عشر يوما.
والرابع: التفرقة بين أول الحمل وآخره، فتمسك عن الصلاة في أول الحمل الخمسة عشر يوما ونحو ذلك، وفي آخره العشرين يوما ونحو ذلك. وقيل: [إنها تمسك عن الصلاة في أول الحمل ما بين الخمسة عشر يوما إلى العشرين]، وفي آخره ما بين العشرين إلى الثلاثين، هو القول الخامس.
стр. 128
والسادس: أن تمسك عن الصلاة ضعف أيامها المعتادة.
والسابع: أنها إن أصابها ذلك في أول شهر من شهور الحمل أمسكت عن الصلاة قدر أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثاني تركت الصلاة ضعف أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثالث تركت الصلاة ثلاثة أمثال أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الرابع تركت الصلاة أربعة أمثال أيامها المعتادة، هكذا أبدا ما لم تجاوز أكثر مدة دم النفاس.
والثامن: تفرقة أشهب في الاستظهار بين أن تستريب من أول ما حملت أو لا تستريب. وفي المسألة قول تاسع حكاه ابن لبابة، وهو أن تترك الصلاة عدد الأيام التي كانت تحيضهن من أول الحمل ما بلغت، من رواية أصبغ عن مالك من الثمانية.
فصل
ودم الحيض والنفاس يمنع من خمسة عشر شيئا، العشرة الأشياء منها متفق عليها، والخمسة مختلف فيها.
فأما العشرة المتفق عليها، فأحدها: رفع حكم الحدث من جهتهما، لا خلاف أن التطهر منهما لا يرفع حكم الحدث ماداما متصلين وإنما يرفعه بعد انقطاعهما. والثاني: وجوب الصلاة، لا خلاف أن الصلاة ساقطة عن الحائض والنفساء. والثالث: صحة فعلهما، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا يصح معهما فعل الصلاة. والرابع: صحة فعل الصيام من غير إسقاط وجوبه، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا يصح معهما الصيام. والخامس: مس المصحف، وفي ذلك اختلاف شاذ في غير المذهب. والسادس: الوطء في الفرج، لا خلاف بين الأمة أن ذلك محظور في حال الحيض والنفاس. والسابع: دخول المسجد، قال رسول الله ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». والثامن: الطواف
стр. 129
بالبيت. والتاسع: الاعتكاف. والعاشر: منع صلاة ما عدا الصلوات الخمس من السنن والفضائل والنوافل.
والخمسة المختلف فيها: أحدها: الوطء فيما دون الفرج أباحه أصبغ من أصحابنا وجعل ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها» من باب حماية الذرائع. والثاني: قراءة القرآن ظاهرا اختلف فيه قول مالك. والثالث: رفع الحدث من غيرهما، قيل إنهما يمنعانه فلا يكون للمرأة إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حكم الجنابة عنها بالاغتسال لتقرأ القرآن ظاهرا. وقيل إن حكم الجنابة مرتفع مع الحيض، فيكون لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة وهو الصواب. وقيل إنهما لا يمنعانه فيكون لها إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حدث الجنابة بالغسل فتقرأ القرآن ظاهرا لبقاء حدث الحيضة عليها خاصة. فيأتي في المرأة تجنب ثم تحيض ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة. والثاني: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن اغتسلت للجنابة. والثالث: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا إلا أن تغتسل للجنابة. والرابع: منع وطئها إذا رأت النقاء قبل أن تغتسل بالماء. والخامس: منع استعمال فضل مائها، اختلف في ذلك قول عبد الله بن عمر، فقال في أحد قوليه: لا بأس بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا وبالله تعالى التوفيق.
стр. 130
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه
كتاب الصلاة
فصل
في معرفة اشتقاق اسم الصلاة
أصل الصلاة في اللغة: الدعاء. قال الله : ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] أي: دعاءه، وقال الله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: إن دعواتك سكن لهم، فكان رسول الله ﷺ إذا جاء الناس بصدقاتهم يدعو لهم. «قال عبد الله ابن أبي أوفى: فجئت مع أبي بصدقته إلى النبي ﷺ فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى». وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فسميت الصلاة بذلك لما فيها من الدعاء، إذ هي طاعة لله ووسيلة إليه، وموضع للرغبة في مغفرته ورحمته ودخول جنته. ألا ترى أن
стр. 131
الصلاة على الميت لما كانت دعاء له سميت صلاة وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود. قال الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. وقد قيل: إن الصلاة مأخوذة من الصلوين وهما عرقان في الردف ينحنيان في الركوع والسجود، ولذلك كتبت الصلاة في المصحف بالواو. وقيل: إنها مأخوذة من قولهم صليت العود إذا قومته؛ لأن الصلاة تحمل الإنسان على الاستقامة وتنهى عن المعصية. قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقيل: إنها مأخوذة من الصلة؛ لأنها تصل بين العبد وبين خالقه، بمعنى أنها تدنيه من رحمته وتوصله إلى كرامته وجنته، والأول هو المشهور المعروف أن الصلاة مأخوذة من الدعاء.
فصل
فالصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء، وهي في الشرع واقعة على دعاء مخصوص في أوقات محدودة تقترن به أفعال مشروعة.
فصل
وقد اختلف في قول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وما أشبه ذلك من ألفاظ الصلاة الواردة في القرآن. فقيل: إنها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها، فلا يصح الاستدلال بها على صفة ما أوجبته، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الحج، قوله: الحج كله في كتاب الله، والصلاة والزكاة ليس لها في كتاب الله بيان، ورسول الله ﷺ بين ذلك وسن ذلك في أخرى. وقد قيل: إنها عامة يصح الاستدلال بها على ذلك، ويجب حملها على عمومها في كل ما تناوله الاسم من أنواع
стр. 132
الدعاء إلا أن الشرع قد خصها في نوع من الدعاء على وجه مخصوص تقترن به أفعال مشروعة من قيام وجلوس وركوع وسجود وقراءة وما أشبه ذلك.
فصل
فالصلاة من معالم الإسلام، وهي تنقسم على خمسة أقسام: منها فرض واجب من فروض الأعيان، ومنها فرض على الكفاية، ومنها سنة، ومنها فضيلة، ومنها نافلة. فأما الفرض المتعين على الأعيان فهي الصلوات الخمس أوجبها الله تعالى على عباده وذكر فرضها في آيات متعددة من كتابه، وتوعد على إضاعتها، وأمر بالمحافظة عليها، فقال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ١٠]، وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال : ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 133
فصل
وقد اختلف في الصلاة الوسطى: فقيل: إنها الصبح، وهذا مذهب مالك. ودليله على ذلك أن قبلها صلاتين من الليل وبعدها صلاتين من النهار وهي وسطهن منفردة بوقت لا يشاركها فيه غيرها من الصلوات. وأيضا فإنها صلاة يضيعها الناس كثيرا لنومهم عنها وعجزهم عن القيام لها فخصت بالتأكيد لهذه العلة. وقيل: إنها صلاة العصر، وهو قول أكثر الرواة، منهم الشافعي وأبو حنيفة. وروي عن النبي ﵊ أنه قال يوم الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم نارا» أو كما قال رسول الله ﷺ . وهي الصلاة التي فتن عنها نبي الله سليمان ﵇ حتى توارت الشمس بالحجاب. قال الله ﵎: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] الآية إلى قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] وقال من ذهب إلى هذا في قراءة عائشة وحفصة وصلاة العصر بالواو: إن المعنى في ذلك وهي صلاة العصر؛ لقول الله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقد روى عنهما صلاة العصر بغير واو على البدل. وقد قيل: إنها الظهر، وهو قول لا دليل لقائله، إلا أن يوجد في ذلك أثر عن النبي ﵊ فيرجع إليه. وما قيل من أنه إنما قيل لها وسطى؛ لأنها تصلى في وسط النهار بعيد؛ لأن لفظ وسطى إنما يحتمل أحد معنيين: إما متوسطة بين أخواتها من الصلوات، وإما فاضلة من قولهم فلان أوسط القوم يعني أفضلهم. قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارا عدولا. وقال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم وأفضلهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]
стр. 134
وقيل: إنها المغرب. ودليل من ذهب إلى ذلك أنها ثلاث ركعات فلا نظير لها من الصلوات، وأن أول الصلوات الظهر؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ حين فرضت الصلاة، وبذلك سميت الأولى. وقيل: إنها الجمعة. وهذا الاختلاف كله يدل والله أعلم على أن الله خصها بالذكر وأبهمها ليكون ذلك سببا للمحافظة عليها كلها كليلة القدر. وأحسب أني قد رأيت لبعض العلماء أنها العشاء الآخرة ولا أحقق ذلك في وقتي هذا.
فصل
والصلوات الخمس أحد دعائم الإسلام الخمس، قال النبي ﵊: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا».
فصل
فمن جحد فرض الصلاة فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله للمسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته بإجماع من أهل العلم لا اختلاف بينهم فيه. وأما من أقر بفرضها وتركها عمدا من غير عذر، فاختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كافر ينتظر به آخر وقت الصلاة، فإن صلى وإلا قتل، وكان ماله لجميع المسلمين كالمرتد، روي هذا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب: " ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة "، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر حلال الدم إن لم يتب، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله لجميع المسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته.
стр. 135
فصل
واستتابته إذا أبى من الصلاة أن ينتظر به حتى يخرج وقتها. والوقت في ذلك للظهر والعصر إلى غروب الشمس، وللصبح إلى طلوع الشمس، وللمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر. وقال إسحاق بن راهويه: وقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع، وهو أن من عرف بالكفر ثم رئي يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها ولم يعلم أنه أقر بالتوحيد بلسانه فإنه يحكم له بالإيمان، بخلاف الصوم والزكاة والحج يريد، والله أعلم، أنه كما يحكم له بفعل الصلاة بحكم الإيمان والإسلام، فكذلك يحكم له إذا تركها بحكم الكفر والارتداد. وهو قول أحمد بن حنبل: إنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة إلا بترك الصلاة عمدا. وحجة من ذهب إلى هذا: ظواهر الآثار الواردة عن النبي ﵊ بتكفير تارك الصلاة. من ذلك قوله ﷺ : «من ترك الصلاة فقد حبط عمله»، وقوله ﷺ : «ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك إلا ترك الصلاة»، وقوله ﷺ : «من ترك الصلاة حشر مع هامان وفرعون»، وقوله ﷺ : «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله. ومن أبى فهو كافر وعليه الجزية». وقال ابن حبيب: من ترك الصلاة مفرطا فيها أو مكذبا بها أو مضيعا لها فهو كافر في تركه إياها، وكذلك أخوات الصلاة من الصيام والزكاة والحج. وحجته في ذلك: ظواهر الآثار المذكورة في الصلاة، وقول أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ -: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وانفرد ابن حبيب بهذا من بين سائر أهل العلم.
والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، أن من ترك الصلاة وأبى من فعلها وهو مقر بفرضها، فليس بكافر، ولكنه يقتل على ذنب من
стр. 136
الذنوب لا على كفر، ويرثه ورثته من المسلمين. والحجة لهم: قول أبي بكر الصديق في جماعة من الصحابة في الذين منعوا زكاة أموالهم: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فقاتلهم ولم يسبهم؛ لأنهم لم يكفروا بعد الإيمان ولا أشركوا بالله، وقالوا لأبي بكر: ما كفرنا بعد إيماننا ولكننا شححنا على أموالنا. وقول النبي ﵊: «نهيت عن قتل المصلين»، فدل ذلك على أنه قد أمر بقتل من لم يصل. وما روي أنه ﷺ قال: «سيكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع " قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم قال: " لا ما صلوا الخمس»، فدل ذلك على أن من لم يصل الخمس قوتل. وقوله «في مالك بن الدخشن: " أليس يصلي " قالوا: بلى ولا صلاة له، قال: " أولئك الذين نهانا الله عنهم» فدل على أنه لو لم يصل لم يكن من الذين نهاه الله عن قتلهم، بل كان يكون ممن أمر الله بقتلهم. فدلت هذه الآثار كلها على القتل ولم تدل على الكفر. وتأولوا الآثار الواردة بتكفير من ترك الصلاة في ظاهرها على ما تأولوا عليه قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»، وعلى ما تأولوا عليه «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وعلى ما تأولوا عليه قوله ﷺ : «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقد روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: ليس [سباب المسلم] بالكفر الذي
стр. 137
يذهبون إليه أنه كفر ينقل عن الملة ولكنه كفر ليس ينقل عن الملة ثم تلا قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
والقول الثالث: أن من ترك الصلاة فسقا وتهاونا من غير أن يبتدع دينا غير الإسلام، فإنه يضرب ضربا مبرحا، ويسجن حتى يتوب ويرجع ولا يقتل، قاله ابن شهاب وجماعة من سلف الأمة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وبه قال داود ومن اتبعه. وحجة هؤلاء ومن قال بقولهم: قول رسول الله ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع» الحديث، وقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». قالوا: وقد بين رسول الله ﷺ حقها ما هو فقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس».
فصل
وفرض الله تعالى على نبيه ﵊ الصلوات الخمس في السماء حين الإسراء بخلاف سائر الشرائع، وذلك يدل على حرمتها وتأكد وجوبها. واختلف كيف فرضت فروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وقيل: إنها فرضت أربع ركعات ثم قصر منها ركعتان في السفر، ويؤيد هذا ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة». ووضع لا يكون إلا من تمام.
стр. 138
وكان بدء الصلاة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتين غدوا وركعتين عشيا. وروي عن الحسن في قول الله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]، أنها صلاته بمكة حين كانت الصلاة ركعتين غدوا وركعتين عشيا، فلم يزل فرض الصلاة على ذلك ما كان رسول الله ﷺ والمسلمون بمكة تسع سنين، فلما كان قبل الهجرة بسنة أسرى الله بعبده ورسوله - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به جبريل من بيت المقدس إلى سماء الدنيا، ثم مضى به من سماء إلى سماء حتى انتهى به إلى السماء السابعة ثم إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه عند ذلك وعلى أمته أن يصلوا كل يوم وليلة خمسين صلاة قال رسول الله ﷺ : «فلما انصرفت بهن لقيت موسى بن عمران في السماء السادسة، فقال: بماذا أمرت فقلت: أمرت بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال لي: إن أمتك لا تطيق ذلك وقد بلوت الناس قبلك وقاسيت بني إسرائيل أشد المقاساة لقد فرضت عليهم صلاتان في كل يوم وليلة فما أطاقوهما، فارجع إلى ربك وسله التخفيف عن أمتك، ففعلت، فجعلها ربي أربعين صلاة، فمررت بموسى، فقال لي: ما فعلت، فقلت: جعلها ربي أربعين صلاة، فقال: سله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فما زلت أنطلق بين ربي وموسى وينقصها حتى جعلها خمس صلوات، ثم قال لي: قد أمضيت فريضتي وخففت عن أمتك وجعلت لهم الحسنة بعشر أمثالها فخمس بخمسين، فعلمت أنها عزمة من ربي». فمعنى قوله خمس بخمسين أنها خمس في العدد وخمسون في تضعيف الحسنات، جعل الصلاة بعشرة وجعل سائر الحسنات، بسبب ما كان من فرض الصلوات كل حسنة بعشرة أمثالها، تفضلا منه لمحمد ﷺ وأمته ولم يعط ذلك نبي قبله.
فصل
وذكر الله ﵎ الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأوقاتها
стр. 139
وأسمائها فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، ففي الطرف الأول صلاة الصبح، وفي الطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، وزلفا من الليل المغرب والعشاء، وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فدلوك الشمس ميلها وذلك وقت صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل اجتماعه وظلمته، وذلك وقت صلاة المغرب والعشاء، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني أن صلاة الصبح يشهدها مع الناس ملائكة الليل وملائكة النهار. قال رسول الله ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» وقال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، فقوله حين تمسون يريد المغرب والعشاء، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشيا العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر، وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] فقبل طلوعها صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر، وقال تعالى في الركوع والسجود: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى في القيام: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى في القراءة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ لأن معناه في الصلاة، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] يعني لا تجهر بقراءتك في الصلاة حتى يسمعك المشركون لئلا
стр. 140
يسبوا قراءتك، ولا تخافت بها حتى لا يسمعك أصحابك، وقيل: معناه في الدعاء والله أعلم.
فصل
إلا أن هذا كله مجمل أجمله الله في كتابه فلم يحد فيها الأوقات، ولا بين فيه عدد السجدات والركعات، ولا شيئا من رتبة عملها في القيام والجلوس. فلو تركنا وظاهر ما في القرآن لم يصح لنا منه امتثال ما أمرنا به من إقامة الصلاة، لكن النبي ﷺ قد بين ما أجمل الله تعالى في كتابه من ذلك قولا وعملا كما أمره الله حيث يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبين ﷺ مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفة جميع الصلوات، وما لا تصح إلا به من الفرائض، وما يستحب فيها من السنن والفضائل، ونقلت ذلك عنه الكافة عن الكافة، ولم يمت ﷺ حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إلى بيانه، فكمل الدين. قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] نزلت هذه الآية على النبي ﷺ في حجة الوداع يوم الجمعة في يوم عرفة.
فصل
فالصلاة تجب بأربع شرائط متفق عليها، وشرط خامس مختلف فيه هل هو مشروط في وجوب الصلاة أو في صحة فعلها.
فأما الأربعة المتفق عليها فهي: البلوغ، والعقل، ودخول الوقت، وارتفاع الحيض والنفاس. فأما البلوغ والعقل: فالدليل على صحة اشتراطهما في وجوب الصلاة قول رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون
стр. 141
حتى يفيق»، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الصبي والمجنون الذي لا يعقل غير متعبدين بالصلاة ولا بشيء من الشرائع، وأما دخول الوقت: فالدليل على صحة اشتراطه في وجوب الصلاة إجماع أهل العلم أن من صلى صلاة قبل دخول وقتها فإنها لا تجزئه، فلا خلاف بين أحد من المسلمين أن الصلاة لا تجب على أحد قبل دخول وقتها، إلا أنه يجب عليه قبل دخول وقتها اعتقاد وجوبها عليه إذا دخل وقتها.
فصل
في تحقيق حدود الأوقات
فأول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر وقتها المستحب أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس. وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وآخر وقتها المستحب أن يصير ظل كل شيء مثليه. وآخر وقت الظهر والعصر للضرورة إلى غروب الشمس، وتشارك العصر الظهر في وقتها المستحب من أول زوال الشمس للعذر. وقد قيل: إن الظهر يختص من أول الزوال بمقدار أربع ركعات لا يشاركها فيه العصر، وتشارك الظهر العصر في وقتها المستحب إلى تمام القامتين للعذر أيضا. واختلف هل تشارك العصر الظهر عند اعتدال القامة في الوقت المستحب أم لا على قولين، فذهب ابن حبيب إلى أنها لا تشاركها فيه وأن آخر وقت الظهر عند تمام القامة وأول وقت العصر عند ابتداء القامة الثانية بقدر ما يسلم من الظهر ويبدأ بالعصر دون فاصلة بين الوقتين، وهذا مذهب الشافعي، وقد قيل: إن مذهبه أن بين الوقتين فاصلة وإن قلت لا تصلح للظهر ولا للعصر في الاختيار، وليس ذلك بصحيح عنه.
стр. 142
والمشهور في المذهب أن العصر مشاركة للظهر في وقت الاختيار، وذلك بين في حديث إمامة جبريل للنبي ﵊ أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا المذهب هل العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى أو الظهر هي المشاركة للعصر في أول ابتداء القامة الثانية، والأظهر أن العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى.
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وقت واحد لا يجوز أن تؤخر عنه إلا بقدر مثل الجمع بين الصلاتين للمسافر والمريض وفي المطر. وقيل إنه لا يجوز تأخير المغرب عن غروب الشمس لشيء من هذه الأعذار ويجمع بين الصلاتين عند الغروب. وقيل: إن لها وقتين في الاختيار وإن آخر وقتها المختار مغيب الشفق فجائز أن تؤخر صلاة المغرب إلى مغيب الشفق من غير عذر، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، إلا أن أول الوقت أفضل، فحصل الإجماع في المغرب على أن المبادرة لها عند الغروب أفضل.
وأول وقت العشاء المستحب مغيب الشفق، وهو الحمرة عند مالك، وآخر وقتها المستحب ثلث الليل الأول، وقيل: نصفه. وآخر وقت المغرب والعشاء للضرورة إلى طلوع الفجر. وتشارك العشاء المغرب في وقتها المستحب لها من أول الغروب للعذر. وقد قيل: إن المغرب تختص من أول الغروب بمقدار ثلاث ركعات لا تشاركها فيه العشاء.
وأول وقت الصبح انصداع الفجر، وهو الفجر الثاني المعترض في الأفق الشرقي. وأما الفجر الأول الذي يسمونه الكاذب وهو المشبه بذنب السرحان فإنه لا يحل الصلاة ولا يحرم على الصائم الأكل بإجماع. وآخر وقتها طلوع الشمس،
стр. 143
وقيل: الإسفار البين الذي يكون قرب طلوع الشمس، ذهب إلى هذا من رأى أن للصبح وقت ضرورة.
فصل
فالأوقات تنقسم على خمسة أقسام: وقت اختيار وفضيلة وهو أن يصلي قبل انقضاء الوقت المستحب. ووقت رخصة [وتوسعة، وهو أن يصلي في آخر الوقت المستحب. ووقت رخصة] للعذر وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر المستحب أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب أو بعده مقدار ما يصلي فيه صلاة الظهر على ما ذكرناه في ذلك من الاختلاف. ووقت تضييق من ضرورة وهو أن يؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، والصبح إلى طلوع الشمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر. ووقت سنة أخذ بحظ من الفضيلة للضرورة وهو الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة.
فصل
وأول الوقت في الصلوات كلها أفضل، قال الله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]، وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ومعلوم أن من بادر إلى طاعة ربه أفضل ممن تأخر عنها وتأنى عنها، وقد سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل، فقال: «الصلاة لأول وقتها». وروي أن الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي وسطه رحمة الله وفي آخره عفو الله، فكان أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يقول رضوان الله أحب إلي من
стр. 144
عفوه. هذا هو المنصوص عن مالك المعلوم من مذهبه في كتاب ابن المواز وغيره. وقد تأول بعض الشيوخ على مذهبه في المدونة أن أول الوقت وأوسطه وآخره في الفضل سواء من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد «إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها ولما فاته من وقتها أعظم وأفضل من ماله وأهله». وهذا بعيد؛ لأنه إنما أنكره لأن ظاهره يوجب أن من فاته بعض الوقت كمن فاته جميعه على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله».
فصل
وهذا التأويل إنما يصح فيما عدا صلاة الصبح وصلاة المغرب. أما صلاة المغرب فلما وضحنا فيها من الإجماع على أن أول الوقت أفضل. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز أخر المغرب حتى طلع نجم أو نجمان، فأعتق رقبة أو رقبتين؛ خوفا من أن يكون منه بعد أن غربت الشمس غفلة أو فترة. وأما صلاة الصبح فإنه نص في سماع أشهب على أن التغليس بها أفضل من الإسفار؛ لأنه الذي كان يداوم عليه رسول الله ﷺ . قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس». فيبعد أن يتأول قوله على خلاف المنصوص عنه. وقد روى زياد عن مالك أن الصلاة في أول وقت الصبح منفردا أفضل من الصلاة في آخره جماعة.
فصل
واتفق أصحاب مالك على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن الوقت المختار المستحب إلى ما بعده من وقت الضرورة إلا من ضرورة، وهو القامة في الظهر، والقامتان في العصر [أو ما لم تصفر الشمس]. ومغيب الشفق في المغرب على
стр. 145
مذهب من رأى أن لها وقتين. وانقضاء نصف الليل في العشاء الآخرة. والإسفار في الصبح على مذهب من رأى أن له وقت ضرورة؛ لقول رسول الله ﷺ «تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا». ولأنه لم يعلم أن رسول الله ﷺ أخر صلاة من الصلوات حتى خرج وقتها المختار المستحب.
فصل
فمن فعل ذلك فهو مضيع لصلاته مفرط فيما أمره الله به من حفظها ورعايتها آثم لتضييعه وتفريطه وإن كان مؤديا لها غير قاض. وأما تركها حتى يخرج وقتها فهو من الكبائر، قال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وإضاعتها على ما قال أكثر أهل التأويل تأخيرها عن مواقيتها. والغي بئر في قعر جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، وقيل: الغي الخسران وقيل: الشمر، والمعنى في ذلك متقارب.
فصل
فوقت الصلاة يتسع لتكرار فعلها مرارا، وجميعه وقت لجواز فعلها. واختلف في وقت الوجوب منه على أربعة أقوال:
أحدها: قول أصحاب مالك: إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا وأن جميع الوقت وقت للوجوب.
والثاني: قول أصحاب الشافعي: إن الصلاة تجب بأول الوقت وإنما ضرب آخره تمييزا للأداء عن القضاء. وهذا فيه نظر؛ لأنك إذا أطلقت القول بوجوب الصلاة في أول الوقت لزمك أن لا تجيز له تأخيرها عن وقت الوجوب وهو أول الوقت، وهذا ما لا يقوله أحد.
следующие страницы →