← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حتى يفيق»، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الصبي والمجنون الذي لا يعقل غير متعبدين بالصلاة ولا بشيء من الشرائع، وأما دخول الوقت: فالدليل على صحة اشتراطه في وجوب الصلاة إجماع أهل العلم أن من صلى صلاة قبل دخول وقتها فإنها لا تجزئه، فلا خلاف بين أحد من المسلمين أن الصلاة لا تجب على أحد قبل دخول وقتها، إلا أنه يجب عليه قبل دخول وقتها اعتقاد وجوبها عليه إذا دخل وقتها. فصل في تحقيق حدود الأوقات فأول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر وقتها المستحب أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس. وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وآخر وقتها المستحب أن يصير ظل كل شيء مثليه. وآخر وقت الظهر والعصر للضرورة إلى غروب الشمس، وتشارك العصر الظهر في وقتها المستحب من أول زوال الشمس للعذر. وقد قيل: إن الظهر يختص من أول الزوال بمقدار أربع ركعات لا يشاركها فيه العصر، وتشارك الظهر العصر في وقتها المستحب إلى تمام القامتين للعذر أيضا. واختلف هل تشارك العصر الظهر عند اعتدال القامة في الوقت المستحب أم لا على قولين، فذهب ابن حبيب إلى أنها لا تشاركها فيه وأن آخر وقت الظهر عند تمام القامة وأول وقت العصر عند ابتداء القامة الثانية بقدر ما يسلم من الظهر ويبدأ بالعصر دون فاصلة بين الوقتين، وهذا مذهب الشافعي، وقد قيل: إن مذهبه أن بين الوقتين فاصلة وإن قلت لا تصلح للظهر ولا للعصر في الاختيار، وليس ذلك بصحيح عنه.

стр. 142

والمشهور في المذهب أن العصر مشاركة للظهر في وقت الاختيار، وذلك بين في حديث إمامة جبريل للنبي ﵊ أنه صلى به الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا المذهب هل العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى أو الظهر هي المشاركة للعصر في أول ابتداء القامة الثانية، والأظهر أن العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى. وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وقت واحد لا يجوز أن تؤخر عنه إلا بقدر مثل الجمع بين الصلاتين للمسافر والمريض وفي المطر. وقيل إنه لا يجوز تأخير المغرب عن غروب الشمس لشيء من هذه الأعذار ويجمع بين الصلاتين عند الغروب. وقيل: إن لها وقتين في الاختيار وإن آخر وقتها المختار مغيب الشفق فجائز أن تؤخر صلاة المغرب إلى مغيب الشفق من غير عذر، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، إلا أن أول الوقت أفضل، فحصل الإجماع في المغرب على أن المبادرة لها عند الغروب أفضل. وأول وقت العشاء المستحب مغيب الشفق، وهو الحمرة عند مالك، وآخر وقتها المستحب ثلث الليل الأول، وقيل: نصفه. وآخر وقت المغرب والعشاء للضرورة إلى طلوع الفجر. وتشارك العشاء المغرب في وقتها المستحب لها من أول الغروب للعذر. وقد قيل: إن المغرب تختص من أول الغروب بمقدار ثلاث ركعات لا تشاركها فيه العشاء. وأول وقت الصبح انصداع الفجر، وهو الفجر الثاني المعترض في الأفق الشرقي. وأما الفجر الأول الذي يسمونه الكاذب وهو المشبه بذنب السرحان فإنه لا يحل الصلاة ولا يحرم على الصائم الأكل بإجماع. وآخر وقتها طلوع الشمس،

стр. 143

وقيل: الإسفار البين الذي يكون قرب طلوع الشمس، ذهب إلى هذا من رأى أن للصبح وقت ضرورة. فصل فالأوقات تنقسم على خمسة أقسام: وقت اختيار وفضيلة وهو أن يصلي قبل انقضاء الوقت المستحب. ووقت رخصة [وتوسعة، وهو أن يصلي في آخر الوقت المستحب. ووقت رخصة] للعذر وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر المستحب أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب أو بعده مقدار ما يصلي فيه صلاة الظهر على ما ذكرناه في ذلك من الاختلاف. ووقت تضييق من ضرورة وهو أن يؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، والصبح إلى طلوع الشمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر. ووقت سنة أخذ بحظ من الفضيلة للضرورة وهو الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة. فصل وأول الوقت في الصلوات كلها أفضل، قال الله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]، وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ومعلوم أن من بادر إلى طاعة ربه أفضل ممن تأخر عنها وتأنى عنها، وقد سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل، فقال: «الصلاة لأول وقتها». وروي أن الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي وسطه رحمة الله وفي آخره عفو الله، فكان أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يقول رضوان الله أحب إلي من

стр. 144

عفوه. هذا هو المنصوص عن مالك المعلوم من مذهبه في كتاب ابن المواز وغيره. وقد تأول بعض الشيوخ على مذهبه في المدونة أن أول الوقت وأوسطه وآخره في الفضل سواء من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد «إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها ولما فاته من وقتها أعظم وأفضل من ماله وأهله». وهذا بعيد؛ لأنه إنما أنكره لأن ظاهره يوجب أن من فاته بعض الوقت كمن فاته جميعه على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله». فصل وهذا التأويل إنما يصح فيما عدا صلاة الصبح وصلاة المغرب. أما صلاة المغرب فلما وضحنا فيها من الإجماع على أن أول الوقت أفضل. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز أخر المغرب حتى طلع نجم أو نجمان، فأعتق رقبة أو رقبتين؛ خوفا من أن يكون منه بعد أن غربت الشمس غفلة أو فترة. وأما صلاة الصبح فإنه نص في سماع أشهب على أن التغليس بها أفضل من الإسفار؛ لأنه الذي كان يداوم عليه رسول الله ﷺ . قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس». فيبعد أن يتأول قوله على خلاف المنصوص عنه. وقد روى زياد عن مالك أن الصلاة في أول وقت الصبح منفردا أفضل من الصلاة في آخره جماعة. فصل واتفق أصحاب مالك على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن الوقت المختار المستحب إلى ما بعده من وقت الضرورة إلا من ضرورة، وهو القامة في الظهر، والقامتان في العصر [أو ما لم تصفر الشمس]. ومغيب الشفق في المغرب على

стр. 145

مذهب من رأى أن لها وقتين. وانقضاء نصف الليل في العشاء الآخرة. والإسفار في الصبح على مذهب من رأى أن له وقت ضرورة؛ لقول رسول الله ﷺ «تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا». ولأنه لم يعلم أن رسول الله ﷺ أخر صلاة من الصلوات حتى خرج وقتها المختار المستحب. فصل فمن فعل ذلك فهو مضيع لصلاته مفرط فيما أمره الله به من حفظها ورعايتها آثم لتضييعه وتفريطه وإن كان مؤديا لها غير قاض. وأما تركها حتى يخرج وقتها فهو من الكبائر، قال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وإضاعتها على ما قال أكثر أهل التأويل تأخيرها عن مواقيتها. والغي بئر في قعر جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، وقيل: الغي الخسران وقيل: الشمر، والمعنى في ذلك متقارب. فصل فوقت الصلاة يتسع لتكرار فعلها مرارا، وجميعه وقت لجواز فعلها. واختلف في وقت الوجوب منه على أربعة أقوال: أحدها: قول أصحاب مالك: إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا وأن جميع الوقت وقت للوجوب. والثاني: قول أصحاب الشافعي: إن الصلاة تجب بأول الوقت وإنما ضرب آخره تمييزا للأداء عن القضاء. وهذا فيه نظر؛ لأنك إذا أطلقت القول بوجوب الصلاة في أول الوقت لزمك أن لا تجيز له تأخيرها عن وقت الوجوب وهو أول الوقت، وهذا ما لا يقوله أحد.

стр. 146

والقول الثالث: قول أصحاب أبي حنيفة: إن الصلاة لا تجب إلا بآخر الوقت، وهو الحين الذي لم يأثم المكلف بتأخير الصلاة عنه. وهذا فيه نظر أيضا؛ لأن الصلاة إذا لم تجب عنده في أول الوقت فينبغي أن لا تجزئه إن صلاها فيه كما لا تجزئ من صلى قبل دخول الوقت، وهذا ما لا يقوله أحد. ولهذا قال الكرخي: إن الصلاة المفعولة في أول الوقت تطوع وهي تسد مسد الفرض. والرابع: أن وقت الوجوب منه غير معين، وللمكلف تعيينه بفعل الصلاة فيه. وهذا أظهر الأقاويل وأسدها وأجراها على أصول المالكيين؛ لأن معظمهم قالوا: إن الأفعال المخير فيها كالإطعام والعتق والكسوة في الكفارة الواجب منها واحد غير معين، وللمكلف تعيين وجوبه بفعله، ولم يخالف في ذلك إلا ابن خويز منداد فإنه قال: إن جميعها واجب فإذا فعل المكلف أحدها سقط وجوب سائرها. وما قدمناه هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن الأفعال الواجب جميعها لا يسقط بعضها بفعل بعضها. فصل وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس فالدليل على صحة اشتراط ذلك في وجوب الصلاة أن الصلاة لا تصح إلا بطهر؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقول رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، والطهور لا يصح للحائض والنفساء إلا بعد ارتفاع الدم لقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى قوله ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، فوجب أن لا تجب عليها الصلاة إلا بعد

стр. 147

كمال الطهارة، وهذا مما لا اختلاف فيه؛ لأن الحائض والنفساء غير مخاطبتين بالصلاة فثبت صحة اشتراط ذلك في وجوب الصلاة. فصل فأما الشرط المختلف فيه فهو الإسلام؛ لأنه إنما يشترط في وجوب الصلاة على مذهب من يرى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الإسلام؛ لقول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، [فدل ذلك على أنها ليست على غير المؤمنين كتابا موقوتا]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وما أشبه ذلك من الآيات التي خص بالخطاب بها المؤمنون. وأما على مذهب من يرى أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام، وهو الظاهر من مذهب مالك؛ لقول الله : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]، فالإسلام ليس بشرط في وجوب الصلاة، وإنما هو شرط في صحتها كالنية وسائر فرائضها. فصل في ذكر فرائض الصلاة والصلوات الخمس تشتمل على فرائض وسنن ومستحبات وفضائل، فلا تصح إلا بجميع فرائضها، ولا تكمل إلا بسننها وفضائلها. وفرائضها ثمان عشرة فريضة، منها عشر فرائض متفق عليها عند الجميع، وهي النية، والطهارة، ومعرفة

стр. 148

دخول الوقت، والتوجه إلى القبلة، والركوع، والسجود، ورفع الرأس من السجود، والقيام، والجلوس الأخير، وترتيب أفعال الصلاة. فصل فأما النية فالدليل على وجوبها واشتراطها في صحة الصلاة قول الله ﵎: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقول النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات». والصلاة عبادة من العبادات وعمل من الأعمال فوجب أن لا تجزئ إلا بالنية. فصل ومن صفة النية على الكمال أن يستشعر الناوي الإيمان بقلبه فيقرن بذلك اعتقاد القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من تلك الصلاة بعينها، وذلك يحتوي على أربع نيات: وهي اعتقاد القربة، واعتقاد الوجوب، واعتقاد القصد إلى الأداء، وتعيين الصلاة. واستشعار الإيمان شرط في صحة ذلك كله. فإذا أحرم ونيته على هذه الصفة فقد أتى بإحرامه على أكمل أحواله، فإن سها في وقت إحرامه عن استشعار الإيمان لم يفسد عليه إحرامه لتقدم علمه به واعتقاده له؛ لأنه موصوف به في حال الذكر له والغفلة عنه. وكذلك إذا سها عن أن ينوي مع الإحرام بها وجوب الصلاة عليه والقصد إلى أدائها والتقرب بها إلى الله تعالى لم يفسد عليه إحرامه إذا عين الصلاة؛ لأن التعيين لها يقتضي الوجوب والقربة والأداء لتقدم علمه بوجوب تلك الصلاة التي عينها عليه. وأما إن لم يعين الصلاة فليس بمحرم لها، ولهذا قلنا: إن من ذكر صلاة من يوم لا يدري أيتهن هي إنه يصلي خمس صلوات، بخلاف ما حكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه يصلي أربع ركعات يجهر في الأوليين ويجلس في الثانية والثالثة ويتشهد ويصلي على النبي ﷺ ويجزئه. وإنما

стр. 149

اختلف أصحاب مالك فيمن ذكر صلاة لا يدري من السبت أو من الأحد، فقيل: إنه يصليها مرة واحدة ينويها عن اليوم الذي تركها فيه، وقيل: إنه يصليها مرة للسبت ومرة للأحد. وقد اختلف أهل العلم هل من شرط صحتها أن تكون مقارنة للإحرام أم ليس ذلك من شرط صحتها ويجزئ تقدمها قبل الإحرام بيسير، فقال ابن أبي زيد في رسالته: والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب في شرح الرسالة. والأصح أن تقدم النية قبل الإحرام بيسير جائز، كالوضوء والغسل في مذهبنا، والصيام عند الجميع؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل». ولا معنى لتفرقة من فرق في هذا بين الوضوء والغسل وبين الصلاة للاختلاف الحاصل في وجوب اشتراط النية في صحة الغسل والوضوء. فصل وتجزئ النية بالقلب دون النطق باللسان في مذهب مالك وجميع أصحابه. فصل وأما الطهارة فالدليل على وجوبها واشتراطها في صحة الصلاة قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، الآية، وقول رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». وهذا معلوم من دين الأمة وإجماع المسلمين فلا معنى لإيراد النصوص فيه. فصل وأما معرفة الوقت فالدليل على وجوب اشتراطه في صحة الصلاة الإجماع

стр. 150

على أن الصلاة لا تجب عليه ولا تجزئ عنه قبل دخول الوقت؛ لقول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ ولأن جبرائيل ﵇ أقام للنبي ﷺ أوقات الصلوات، ثم قال له: بهذا أمرت. فإذا صلى وهو غير عالم بدخول الوقت وجب أن لا تجزئه صلاته وإن انكشف له [أنه صلاها بعد دخول الوقت؛ لأنه صلاها وهو غير عالم بوجوبها عليه. وقيل: إنها تجزئه إن انكشف له] أنها وقعت بعد دخول الوقت. واستدل من ذهب إلى ذلك بما جاء من أن «علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري قدما على النبي ﷺ في حجة الوداع وهما محرمان، فسألهما رسول الله ﷺ : بما أهللتما، فقال: كل واحد منهما قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، فصوب النبي ﵊ فعلهما وأمرهما بما يفعلان في بقية إحرامهما» ولا دليل في ذلك؛ لأنهما إنما أحرما في وقت يجوز لهما الإحرام بالحج فيه وإن لم يعلما هل كان أحرم رسول الله ﷺ بعد أم لا، ولا بما أحرم إن كان أحرم. وقاس ذلك أيضا بالذي يصوم أول يوم من رمضان متحريا دون أن يرى الهلال. وليس ذلك بقياس صحيح؛ لأن هذا احتياط مخافة أن يأكل يوما من رمضان، وهذا ترك الاحتياط إذ لم يؤخر صلاته حتى يوقن بدخول الوقت. وأما إذا لم ينكشف له أنه صلاها بعد دخول الوقت فبين أنها لا تجزئه؛ لأنها ثابتة عليه ولازمة لذمته فلا تسقط عنه إلا بيقين. ولو صلاها وهو غير عالم بدخول الوقت مخافة أن يفوته الوقت إذ لا يدري لعله قد دخل ومضى حتى لم يبق منه إلا قدر ما يصلي فيه لجرى ذلك على الاختلاف في الذي يصوم أول يوم من رمضان مخافة أن يكون من رمضان، والله أعلم. فصل وأما التوجه إلى القبلة فالدليل على وجوبه واشتراطه في صحة الصلاة قول

стр. 151

الله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فعلى المعاين للقبلة استقبالها، وعلى من غابت عنه الاجتهاد في طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد لم تجزئه صلاته، وإن وقعت إلى القبلة. وإن اجتهد فتبين له أنه أخطأ فصل ى مستدبر القبلة أو مشرقا أو مغربا أعاد في الوقت على طريق الاستحباب. وقال الشافعي: إن استدبر القبلة فالإعادة عليه واجبة في الوقت وبعده، وهو قول المغيرة من أصحابنا. والدليل لنا ما روي عن «عامر بن ربيعة أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء في سفر، فخفيت علينا القبلة، فصلى كل واحد منا إلى وجهه، وعلمنا علما، فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: مضت صلاتكم، ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]»، ولما كان المجتهد في طلب القبلة إذا أخطأ لا ينصرف إلى يقين وإنما يرجع إلى اجتهاد مثله لم تجب عليه الإعادة إلا في الوقت؛ بخلاف من صلى إلى غير القبلة وهو بموضع يعاينها ويرجع إذا أخطأ إلى يقين لا إلى اجتهاد. فصل وأما الركوع والسجود فالدليل على وجوبهما قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقوله : ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].

стр. 152

فصل وأما الرفع من السجود فالدليل على وجوبه أن السجود لا يتم إلا به وهو يفصل بين السجدتين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله. فصل وأما القيام فالدليل على وجوبه قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، وأقل ما يتعين منه في كل ركعة على الإمام والفذ قدر ما يقرأ فيه أم القرآن، وعلى المأموم قدر ما يوقع فيه تكبيرة الإحرام. فصل وأما الجلوس الآخر فهو من فرائض الصلاة بإجماع. وأقل ما يجزئ فيه عند مالك قدر ما يوقع فيه السلام. فصل وأما ترتيب أفعالها والبداية فيها بالقيام قبل الركوع وبالركوع قبل السجود وبالسجود قبل الجلوس، فهو واجب بإجماع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبين النبي ﷺ صفة فعلها قولا وعملا، فلو عكس أحد صلاته فبدأ بالجلوس قبل القيام أو بالسجود قبل الركوع وما أشبه ذلك لم تجزه صلاته بإجماع. فصل ومنها ثلاث متفق عليها في المذهب، وهي تكبيرة الإحرام، والسلام، وقراءة أم القرآن على الإمام والفذ. فأما تكبيرة الإحرام فإنها فرض عند مالك وجميع

стр. 153

أصحابه وأكثر أهل العلم. وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب للمأموم إذا لم يكبر للإحرام ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب. ولا يجزئ فيها إلا الله أكبر؛ لقول رسول الله ﷺ : «تحريم الصلاة التكبير». وذهب ابن شهاب وسعيد بن المسيب إلى أنها سنة، وروي ذلك عن ابن مسعود، ولذلك قال مالك فيمن ترك تكبيرة الإحرام مع الإمام وكبر للركوع: إنه يتمادى مع الإمام استحبابا مراعاة للاختلاف، ثم يعيد استحبابا على مذهبه. كذا حفظنا عن بعض شيوخنا في تأويل ما وقع في المدونة من مراعاة قول مالك لسعيد بن المسيب في التمادي مع الإمام. والصواب أن تكبيرة الإحرام عند سعيد بن المسيب فرض، وسنذكر ذلك فيما يأتي، إن شاء الله تعالى. فصل وكذلك السلام من الصلاة هو واجب عند مالك وأصحابه وأكثر أهل العلم؛ لقول رسول الله ﷺ : «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم» وذهب أبو حنيفة إلى أن السلام في الصلاة غير واجب، وأنه إذا قعد في آخر صلاته مقدار التشهد فقد خرج من الصلاة وإن لم يسلم؛ ولهذا قال ابن القاسم: إن الإمام إذا أحدث بعد التشهد وتمادى حتى سلم بالقوم عامدا إن صلاتهم تجزئهم. فصل وكذلك قراءة أم القرآن في الصلاة هي واجبة على الإمام والفذ على مذهب مالك وجميع أصحابه وجل أهل العلم، قيل: في جملة الصلاة، وقيل: في كل ركعة منها. واختلف قول مالك وأقوال أصحابه فيمن ترك أم القرآن من ركعة أو أكثر من صلاة ثلاثية أو رباعية، أو من ركعة واحدة من صلاة هي ركعتان اختلافا كثيرا، سنذكره فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ومن أهل العلم من لم يوجب قراءة أم القرآن ولا

стр. 154

غيرها في الصلاة على ظاهر قول عمر بن الخطاب حين ترك القراءة في الصلاة، فقيل له: إنك لم تقرأ، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذا. فصل ومنها خمس مختلف فيها في المذهب، وهي: الرفع من الركوع، وطهارة الثوب والبقعة، وستر العورة، وترك الكلام، والاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة. فصل فأما الرفع من الركوع فالاختلاف فيه في المذهب، روى عيسى عن ابن القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة التي لم يرفع منها رأسه، واستحب أن يتمادى ثم يعيد، وروى علي بن زياد عن مالك أنه لا إعادة عليه. وعلى هذا يأتي اختلاف مالك في عقد الركعة هل هو الركوع أو الرفع منه، فمن لم يوجب رفع الرأس منه جعل عقد الركعة الركوع، ومن أوجب الرفع منه جعل عقد الركعة بالرفع من الركوع. فصل وكذلك طهارة الثوب والبقعة الاختلاف فيه في المذهب: ذهب ابن وهب إلى أنه فرض، وقال ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك: إنه سنة، ومن أهل العلم من يعبر عنه أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان. فصل وكذلك ستر العورة الاختلاف فيه أيضا في المذهب. قيل: إنه فرض من

стр. 155

فرائض الصلاة مع القدرة عليه، وقيل: إنه فرض قائم بنفسه في الجملة وسنة في الصلاة. فمن ذهب إلى أنه فرض من فرائض الصلاة أوجب الإعادة أبدا على من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها ناسيا كان أو جاهلا أو متعمدا. ومن ذهب إلى أنه ليس من فرائض الصلاة وإنما هو فرض قائم بنفسه في الجملة وسنة من سنن الصلاة لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت إن كان ناسيا أو جاهلا، وأما إن كان متعمدا فيعيد أبدا، ولا يدخل في ذلك الاختلاف فيمن ترك سنة من سنن الصلاة عامدا إذ قد قيل: إن ذلك فرض وهو الأظهر لقول الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فصل وكذلك ترك الكلام الاختلاف فيه في المذهب. ذكر أبو بكر الأبهري في الشرح أنه سنة، وبناه على أصلين في المذهب، وإنما قال فيه: إنه سنة؛ لقولهم: إن من تكلم في صلاته ساهيا كمن سها عن سنة من سننها تجزئه صلاته ويسجد لسهوه، بخلاف من سها عن فريضة من فرائضها، فرأى على قياس هذا أنه إنما يعيد إذا تكلم عامدا لترك السنة عامدا. والأظهر أنه فرض، والدليل على وجوبه قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: صامتين. وقد كان الناس في أول الإسلام يتكلمون في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فنهوا عن الكلام. وقال رسول الله ﷺ : «إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة»، والفرق بين الكلام ساهيا وترك الفريضة ساهيا أن الكلام شيء قد فرط لا يمكنه استدراكه؛ لاستحالة ترك فعل الشيء بعينه بعد فعله، وقد تجاوز الله عنه بنص قول النبي ﷺ : «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان»

стр. 156

والفريضة يقدر أن يعود إلى فعلها بعد تركها، فإن لم يفعل بعمد أو نسيان حتى فاته ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة. وبهذا المعنى يفترق الحكم فيمن سها فزاد في صلاته ركعة أو سجدة، أو أسقط ذلك منها، فيجزئه سجود السهو في الزيادة، ولا يجزئه ذلك في النقصان. فصل وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب. ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض. فمن لم يعتدل في رفعه من الركوع والسجود استغفر الله ولم يعد، روى ذلك عيسى عن ابن القاسم. وقيل: إن الإعادة عليه واجبة على ظاهر الحديث في قول رسول الله ﷺ للذي صلى ولم يعتدل في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل». فصل في ذكر سنن الصلاة وأما سنن الصلاة فثمان عشرة سنة، وهي: إقامة الصلاة في المساجد، والإقامة، وقيل: الأذان والإقامة، والصواب أن الأذان ليس بسنة على الأعيان، وإنما هو سنة في مساجد الجماعات، وفرض في جملة المصر. وقد قال أهل الظاهر: إنه سنة، وهو قول ضعيف لا وجه له. ورفع اليدين عند الإحرام، وقد قيل في رفع اليدين: إنه استحباب. وأما رفعهما عند الركوع وعند الرفع منه فاختلف قول مالك فيه، فمرة قال: لا يرفع، واستحسن مرة الرفع، ومرة خير فيه. وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه أنكر رفع اليدين عند الإحرام، وهي رواية شاذة ضعيفة خاملة، ونحوها في بعض روايات المدونة. والسورة التي مع أم القرآن، والجهر بالقراءة في موضع الجهر والإسرار بها في موضع الإسرار، والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وقد قيل: إن كل تكبيرة منها سنة، وسمع الله لمن حمده للإمام والفذ، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخر والصلاة

стр. 157

على النبي ﵊ في الصلاة سنة، وفريضة مطلقة في غيرها، ورد السلام على الإمام، وتأمين المأموم إذا قال الإمام ولا الضالين، وقوله ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، والقناع للمرأة، والتسبيح في الركوع والسجود. فصل فمن هذه السنن ثمان مؤكدات يجب سجود السهو للسهو عنها وإعادة الصلاة على اختلاف لتركها عمدا، وهي السورة التي مع أم القرآن، والجهر في موضع الجهر، والإسرار في موضع الإسرار، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وسمع الله لمن حمده، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخر. وسائرها لا حكم لتركها، فلا فرق بينها وبين الاستحبابات إلا في تأكيد فضائلها، حاشا المرأة تصلي بغير قناع، فإن الإعادة في الوقت مستحبة لها. فصل في ذكر مستحبات الصلاة وأما استحباباتها فثمان عشرة أيضا وهي أخذ الرداء، والتيامن في السلام، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة القراءة في الصبح والظهر، وتقصير الجلسة الأولى، والتأمين بعد قراءة أم القرآن للفذ وللإمام فيما يسر فيه، [وقول الفذ ربنا ولك الحمد، وصفة الجلوس، والإشارة بالإصبع فيه]، والقنوت في الصبح، وقيام الإمام من موضعه ساعة يسلم، والسترة، واعتدال الصفوف، والاعتماد، وترك قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وقد كرهه مالك في المدونة، ومعنى كراهيته أن يعد من واجبات الصلاة، والصلاة على الأرض أو على ما أنبتت الأرض، والصلاة

стр. 158

في الجماعة مستحبة للرجل في خاصة نفسه. وأما إقامة الجماعة في الصلوات فإنها فرض في الجمعة وسنة في كل مسجد. فصل وأما الصلاة التي هي فرض على الكفاية فصلاة الجنائز، وقد قيل: إنها سنة، وهو قول أصبغ. والدليل على أنها فرض على الكفاية «أن رسول الله ﷺ صلى بالمدينة على النجاشي إذ لم يكن له من يصلي عليه بموضعه الذي توفي فيه» وأجمع على العمل بذلك جميع المسلمين في جميع بلاد الإسلام، فصار ذلك سبيل المؤمنين الذي توعد الله على ترك اتباعه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فلو أن قوما تركوا الصلاة على جنائزهم للحقهم الوعيد المذكور في الآية، وهذا دليل بين على الوجوب، وقد استدل على ذلك ابن عبد الحكم بقول الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]؛ لأنه سئل عن الصلاة على الجنازة فقال: هي فرض وتلا الآية، وليس ذلك بدليل بين؛ لأن النهي عن الصلاة على المنافقين ليس بأمر بالصلاة على المؤمنين، إذ ليست بضد لها، وإنما يفهم الأمر من ذلك بدليل الخطاب، وقد اختلف في القول به وفي حمل الأمر على الوجوب فضعف الاستدلال بذلك. فصل وأما السنة فهي خمس صلوات سنها النبي ﵊، وهي: الوتر، وصلاة الخسوف، والاستسقاء، والعيدين، وقد قيل في صلاة العيدين: إنهما واجبتان بالسنة على الكفاية، وإلى هذا كان يذهب شيخنا الفقيه ابن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، والأول هو المشهور المعروف أنهما سنة على الأعيان. فصل واختلف في ركعتي الفجر وركعتي الإحرام وركعتي الطواف، فقيل: إنهما سنة

стр. 159

وقيل: إنهما استحباب. فأما الاختلاف في ركعتي الفجر فمنصوص عليه، روى أبو زيد عن ابن القاسم أنهما سنة، وهو مذهبه في المدونة بدليل اشتراطه لهما النية فيهما. ومثله في سماع ابن القاسم من العتبية. وروى أشهب عن مالك أنه يستحب العمل بهما وليستا بسنة. ومثله في سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين لأصبغ. وأما ركعتا الإحرام فالصواب فيهما أنهما نافلة على مذهب مالك؛ لأنه لا يمنع من الزيادة عليهما وإنما يستحب أن لا يحرم إلا بأثر صلاة نافلة أقلها ركعتان. وما لم يكن من النوافل مقدرا حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه فلا يسمى سنة عند جماعة أصحابنا؛ لأن السنة إنما هي ما رسم ليحتذى فلا يزاد عليه ولا ينقص منه. وقد اختلف أصحابنا في الصفة التي لأجلها تسمى النوافل سنة، فمنهم من ذهب إلى أنه لا يسمى سنة إلا ما أظهره النبي ﷺ وجمع عليه أمته وشرع له الجماعة كصلاة العيدين والخسوف والاستسقاء، فمن ذهب إلى هذا لم ير ركعتي الفجر من السنن. ومنهم من ذهب إلى أنه يسمى منها سنة ما كان مقدرا لا يزاد عليه ولا ينقص منه، فمن ذهب إلى هذا قال في ركعتي الفجر: إنهما سنة. ألا ترى أنه لا يقال في صلاة الليل ولا في صلاة الضحى إنهما من السنن لما كانت غير مقدرة. وأما ركعتا الطواف فهما من الطواف، فإن كان واجبا فهما واجبتان، وإن كان نفلا فهما نافلتان. فصل وأما الفضيلة فهي خمس صلوات أيضا: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود القرآن. وسائر الصلوات نوافل كالركوع قبل الظهر وبعده وقبل العصر وبعد المغرب وقبل العشاء وبعدها وصلاة الضحى وما أشبه ذلك. فصل فالصلوات كلها ما عدا الخمس غير واجبة إلا أن منها سنة ومنها فضيلة ومنها

стр. 160

نافلة على ما بيناه. قال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة». «وقال ﷺ لضمام بن ثعلبه إذ جاء يسأله عن الإسلام قال: " خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرهن قال: لا إلا أن تطوع». وذهب أبو حنيفة إلى أن الوتر واجب، ودليله قول النبي ﵊: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم ألا وهي الوتر». ومعنى ذلك عندنا، زادكم ثوابا إلى ثواب صلاتكم، إذ لو كان المعنى ما ذهب إليه أبو حنيفة لقال زاد عليكم صلاة إلى صلاتكم، وقد استدل أصحابنا على أنه غير واجب بخلاف الصلوات الخمس؛ [بأنه لا يقضى بعد خروج وقته كما تقضى الصلوات الخمس] بعد خروج وقتها، وذلك لا يلزم المخالف؛ لأنه يوجب قضاءه بعد خروج وقته. وكذلك استدل أيضا بعض الناس على أنه غير واجب بإجازة صلاته على الراحلة، وذلك لا يلزم المخالف إذ لا يقول بذلك. فمن تركه عامدا أو من غير عذر فإنما يأثم لرغبته عن السنة وقصده إلى تضييعها. فصل والفضل في الصلوات على قدر مراتبها، فأعظم الصلوات أجرا صلاة الفريضة، ثم صلاة الجنائز؛ لأنه قد قيل فيها: إنها سنة وقد قيل: إنها فرض على الكفاية، ثم صلاة الوتر؛ لأنه لم يختلف فيها أنها سنة وقد قيل: إنها واجبة، ثم صلاة العيدين وصلاة الخسوف وصلاة الاستسقاء؛ لأنه لم يختلف فيها أنها سنة، ثم ركعتا الفجر؛ لأنه قد قيل فيهما: إنهما سنة، ثم ما أطلق عليه من النوافل اسم فضيلة، ثم ما

стр. 161

لم يطلق عليه اسم الفضيلة. والأجر في ذلك كله على قدر النية فيه. قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته»، وقال ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله». فصل فالصلاة من أفضل أعمال البر، فرائضها أفضل من سائر الفرائض، ونوافلها أفضل من سائر النوافل. قال رسول الله ﷺ : «استقيموا ولن تحصوا واعملوا وخير أعمالكم الصلاة»، يريد بعد الإيمان بالله تعالى، وقال ﷺ : «إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه»، وقال ﷺ : «ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها»، وقال ﷺ : «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه». «وسئل ﷺ أي الأعمال أفضل قال: " إيمان بالله "، قيل: ثم أي؟ قال: " الصلاة على مواقيتها " قيل: ثم أي قال: " جهاد في سبيل الله». وفي حديث آخر: قال: «إيمان بالله "، قيل: ثم أي قال: " جهاد في سبيل الله». وفي حديث آخر قال: «إيمان بالله " قيل: ثم أي، قال: " جهاد في سبيل الله» فإن لم يكن سقط عن الراوي من هذا الحديث ما زاد في الحديث الأول فليس ذلك بتعارض، ومعناه أن الصلاة أفضل من الجهاد إذا كان الجهاد فرضا على الكفاية فقيم بالفرض؛ لأن الفرض على الكفاية إذا قيم به كان لسائر الناس نفلا، وأن الجهاد أفضل من الصلاة لجميع الناس في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على

стр. 162

الأعيان، ولمن قام بالفرض في الموضع الذي هو فيه فرض على الكفاية، فالمجاهد يحوز الأجرين جميعا، أجر الجهاد وأجر الصلاة؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بصلاة، فإذا جاهد في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان، أو كان ممن قام بفرض الجهاد في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية، كان أجره في جهاده أعظم من أجر الصلاة في الجهاد، وفي غير الجهاد بما الله أعلم بقدره. وإذا جاهد وقد قيم بفرض الجهاد كان أجره في الصلاة أعظم من أجره في الجهاد بما الله أعلم بقدره. وهنا يكون أجر من قعد ولم يجاهد في صلاته أعظم من أجر المجاهد في جهاده إذا تجرد عن أجره في صلاته، فلا يبلغ القاعد درجة المجاهد في حال من الأحوال ولو صام لا يفطر وقام لا يفتر، وقد قال ﵊: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع». وروي عنه ﷺ أنه قال: «لو صمت النهار وقمت الليل ما بلغت نوم المجاهد». فصل في القول في الإحرام في الصلاة الدخول في الصلاة والتحريم بها يفتقر إلى نية ولفظ. فالنية اعتقاد أداء ما افترض عليه من الصلاة التي قام إليها وعمد لها، واللفظ التكبير، وصفته الله أكبر لا يجزئ عند مالك ﵀ وجميع أصحابه في ذلك ما سواه من تسبيح أو تهليل أو تحميد خلافا لأبي حنيفة، ولا التكبير بخلاف هذه الصفة خلافا للشافعي في قوله إنه يجوز فيه الله الأكبر. ودليلنا عليهما جميعا قول النبي ﷺ : «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم». وما روي عنه من رواية أبي هريرة وغيره أنه

стр. 163

قال للرجل الذي علمه الصلاة: «إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا» الحديث. ولفظ التكبير بإطلاقه لا يقع إلا على الله أكبر. ودليلنا على أبي حنيفة من جهة القياس أن هذا ذكر عري من لفظ التكبير فلم يجز في الإحرام أصله إذا قال: اللهم اغفر لي. ودليلنا من جهة القياس على الشافعي أن هذه زيادة في لفظ التكبير ... عن بنية الله أكبر فلم يجز في الإحرام أصله إذا قال: الله الكبير. فصل واختلف أهل العلم هل من شرط صحة الإحرام أن تكون النية مقارنة للفظ الذي هو التكبير عندنا أو ليس ذلك من شرطه ويجزئ أن تتقدمه بيسير بعد إجماعهم أنه لا يجوز أن تتقدمه بكثير ولا أن يتقدمها اللفظ بيسير ولا كثير، إلى أنه يجوز أن تتقدمه بيسير، وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن تتقدمه بيسير ولا كثير، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب من أصحابنا، وهو ظاهر قول ابن أبي زيد في رسالته. والدخول في الصلاة بنيه الفرض فريضة، وليس عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في ذلك نص ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين، ولو كان ذلك عندهم من فروض الصلاة لتكلموا عليه ولما أغفلوا ذكره ولا وسع أحدا عندهم جهله ولا أجازوا إمامة من يجهله، كما لا تجوز عندهم إمامه من يجهل أن القبلة والمباشرة تنقضان الوضوء وما أشبه ذلك مما أجمعوا عليه ولم يختلفوا فيه وإن كان الخلاف فيه موجودا. والصحيح عندي على مذهبه ومذهبهم أنه ليس من شرط صحة الإحرام مقارنة النية للتكبير، وأنه يجزئ أن تتقدمه بيسير. فإذا قام الرجل إلى الصلاة ولم يجدد النية لها مع الإحرام معا نسيانا فصلاته تامة جائزة لتقدم نيته قبل تشبثه بالصلاة، إذ لا يتصور من القائم للصلاة عدم النية لها، قياسا على قولهم في الغسل والوضوء، وعلى ما أجمع عليه أهل العلم في الصيام للنص الوارد في ذلك عن النبي ﵊. وقد فرق بين الموضعين من خالف في ذلك

стр. 164

بتفاريق لا تسلم من الاعتراض ليس هذا موضع ذكرها والانفصال عنها. وأغرق بعضهم في القياس فقالوا: إن جدد النية للإحرام بعد أن أخذ في التكبير قبل تمامه لم يجزئه حتى ينويه من أوله. ومنهم من قال: إن تجديد النية عند الإحرام لا يجزئه حتى يسمي الصلاة التي يريد بلفظه فيقول صلاة كذا، وهذا لا يوجبه نفر، ولا يعضده أثر. فصل فتكبيرة الإحرام هي التكبيرة التي تقترن بها نية أداء فرض الصلاة أو تتقدمها بيسير على ما قدمناه، وهي فرض عند مالك وجميع أهل العلم إلا من شذ منهم على الفذ والإمام والمأموم. وقد روي عن ابن شهاب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «تكبيرة الإحرام على الفذ والإمام والمأموم». وقول سعيد بن المسيب وابن شهاب فيمن نسي تكبيرة الإحرام مع الإمام وكبر للركوع: إنها تجزئه من تكبيرة الإحرام وإن لم ينو بها تكبيرة الإحرام، لا يدل أن تكبيرة الإحرام عندهما ليست بفرض، خلاف ما ذهب إليه بعض المتأولين من المتأخرين، وإنما معنى ما ذهبا إليه والله أعلم وأحكم أنها تجزئه من تكبيرة الإحرام؛ لأن النية قد تقدمت منه عند القيام إلى الصلاة، إذ لا يتصور عدم النية من القائم للصلاة فانتظمت النية المتقدمة بالتكبير للركوع لقرب ما بينهما فصح الإحرام وأجزأت الركعة؛ لأن الإمام يحمل عنه القراءة، ولم ير ذلك مالك ﵀ فقال: وذلك إذا نوى بها تكبيرة الإحرام، وإن كان من مذهبه جواز تقدم النية على الإحرام على ما ذكرناه؛ لأنه لما نوى بها تكبيرة الركوع وهي سنة كان قد نقض بذلك نيته المتقدمة. وإنما كانت تجزئه من تكبيرة الإحرام وتنتظم عنده بالنية المتقدمة لو لم تكن له فيها نية. فأصل الاختلاف بينه وبينهما إنما هو هل ترتفض بذلك نيته المتقدمة بتحويلها إلى نية تكبيرة الركوع الذي هو سنة أم لا. فرأى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنها ترتفض بذلك، ورأى سعيد بن المسيب وابن شهاب أنها لا ترتفض به، وذلك نحو قول

стр. 165

مالك فيمن طاف تطوعا إنه يجزئه من طواف الإفاضة إذا تباعد، ومثل قول أشهب فيمن قرأ سجدة في صلاته فركع بها ساهيا: إن الركعة تجزئه، ومثل قولهم فيمن حالت نيته وهو في الصلاة إلى نافلة: إن صلاته تامة. والفرق عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بين من حالت نيته في الصلاة إلى نافلة وبين القائم إلى الصلاة تحول نيته فيكبر بنية الركوع الذي هو سنة مراعاة الاختلاف، وذلك أن كثيرا من العلماء يوجبون عليه تجديد النية عند الإحرام. ولا خلاف عند أحد من العلماء في أنه لا يلزمه تجديد النية عند كل ركن من أركان الصلاة، ومن مذهبه مراعاة الاختلاف. وأما سعيد بن المسيب وابن شهاب فطردا قولهما على أصل مذهبهما ولم يراعيا خلاف غيرهما. ولو كبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمدا لما أجزأته صلاته بإجماع، كما لو رجع في صلاته إلى نية النافلة متعمدا لبطلت صلاته. ومن تأول على ابن المسيب وابن شهاب أن تكبيرة الإحرام عندهما سنة وأن سجود السهو يجزئ فيها عن الفذ وأن الإمام يحملها عن المأموم فقد أخطأ عليهما خطأ ظاهرا، إذ لو كانت عندهما سنة لحملها الإمام عن المأموم كبر للركوع أو لم يكبر، كما يحمل عنه القراءة وجميع سنن الصلاة وإن كثرت، ولأجزأ الفذ والإمام من تركها سجود السهو وأن لم يكبر للركوع وإن كان القوم سهوا عنها بسهوه أجزأهم سجود سجدتي السهو بهم. وإن كانوا كبروا هم دونه قبل ابتدائه بالقراءة بطلت صلاتهم لدخولهم فيها قبله إن كان مذهبه أن صلاة القوم مرتبطة بصلاة إمامهم، وهذا لا يصح؛ لأنه خلاف ما نصا عليه في قولهما أجزأته تكبيرة الركوع من تكبيرة الإحرام؛ لأنهما لما قيدا الإجزاء بتكبيرة الركوع دل ذلك من مذهبهما على أن تكبيرة الإحرام عندهما فرض إلا أنه يجزئ منها عندهما للفذ والإمام والمأموم تكبيرة الركوع، فلا يكون واحد منهم داخلا في الصلاة على مذهبهما إذا لم يكبروا للإحرام إلا تكبيرة الركوع النائبة منابها عندهما على التأويل الذي وصفناه من أن النية المتقدمة انتظمت بها فصح الإحرام، فإن تركها المأموم وكبر للركوع صحت صلاته على مذهبهما وكان داخلا فيها بتكبيرة الركوع التي أجزأته من تكبيرة الإحرام؛ لانتظامها بالنية المتقدمة وحمل الإمام عنه القراءة. وهذا إن كبر للركوع في حالة القيام. وإن تركها الفذ وكبر للركوع أجزأته تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام فصح إحرامه

стр. 166

وسجد قبل السلام لتركه القراءة في تلك الركعة على الاختلاف في ذلك إن كان أوقع تكبيرة الركوع في حال القيام. وأما إن كان كبر للركوع وهو راكع بطلت الركعة لإسقاطه منها القيام وأتى بها بعد سلام الإمام. وكذلك إن تركها الإمام ومن معه وكبروا للركوع. وأما إن أحرموا هم ونسي الإمام تكبيرة الإحرام وكبر للركوع فلا تجزئهم صلاتهم؛ لأنهم أحرموا قبله ويصلح هو صلاته بالسجود أو إلغاء الركعة على ما تقدم. وقد قيل: إن من أحرم قبل إمامه فهو بمنزلة من لم يحرم في جميع الأحوال. فيتخرج على هذا القول إن كبروا للركوع بعده أن يكونوا بمنزلته في إصلاح الصلاة بالسجود أو إلغاء الركعة. فصل فإذا نسي المأموم تكبيرة الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته صلاته وحمل عنه الإمام القراءة. وأما إن ترك الإمام والفذ تكبيرة الإحرام فلا بد لهما على مذهب مالك من استئناف الصلاة وإن نويا بتكبيرة الركوع تكبيرة الإحرام؛ لأنهما إن لم ينويا بها تكبيرة الإحرام فليسا في صلاة، وإن نويا بها تكبيرة الإحرام فقد بدآ من صلاتهما بالركوع قبل القراءة متعمدين لذلك فأفسدا. فصل وكذلك إن فاتته الأولى ودخل مع الإمام في الثانية فنسي الإحرام وكبر للركوع، الحكم في ذلك سواء، إن لم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد بعد قضاء الركعة التي فاتته، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته الصلاة وقضى الركعة بعد سلام الإمام. كذا روى علي بن زياد عن مالك. وذهب ابن حبيب إلى أنه إذا فاتته الأولى ونسي الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها تكبيرة الإحرام أنه يقطع على كل حال ولا وجه لقوله. وأما من دخل مع الإمام في الأولى ونسي الإحرام والتكبير للركوع وكبر في الركعة الثانية ولم ينو بها الإحرام فقال مالك في الموطأ: إنه يقطع، والفرق عنده بين هذه وبين الأولى تباعد ما بين النية والتكبير والله أعلم.

стр. 167

فصل واختلف إذا ذكر المأموم تكبيرة الإحرام وهو راكع قد كبر للركوع وهو يطمع أن يرفع ويحرم ويدرك الركعة، فقيل: إنه يتمادى ويعيد، وقيل: إنه يرفع ويحرم ويدرك الركعة، وقيل: يقطع بسلام ويدرك الركعة. فإن لم يكبر للركوع وكبر للسجود قطع ما لم يركع الركعة الثانية كبر لها أو لم يكبر، قاله في كتاب ابن المواز. فإن ركع تمادى وأعاد بعد قضاء ركعة، وإن نوى بتكبير السجود الإحرام أجزأه وقضى ركعة بعد سلام الإمام. فهذا حكم المأموم ينسى تكبيرة الإحرام. وأما إن شك فيها فذكر قبل أن يركع أو بعد أن ركع ولم يكبر للركوع، فقيل: إنه يقطع ويحرم، يريد بسلام. وفي الواضحة دليل على أنه يقطع بغير سلام، والله أعلم. وقيل: إنه يتمادى ويعيد. وأما إن لم يذكر حتى كبر للركوع، فإنه يتمادى ويعيد. وأما من كبر قبل إمامه فقيل: إنه بمنزلة من لم يكبر في جميع شأنه، وقيل: إنه إن ذكر قبل أن يركع أو بعد أن ركع ولم يكبر إنه يقطع بسلام ويدخل مع الإمام، وقيل: إنه إن ذكر قبل أن يركع قطع بغير سلام، وإن ذكر بعد أن ركع ولم يكبر قطع بسلام، وهو قول ابن القاسم. وأما إن لم يذكر حتى كبر للركوع، فإنه يتمادى ويعيد قولا واحدا. فصل وأما من نسي تكبيرة الإحرام وهو وحده أو إمام فإنه يقطع متى ما ذكر ويحرم، فإن كان قبل ركعة قطع بغير سلام، وإن كان بعد ركعة فقيل: إنه يقطع بسلام، وقيل: بغير سلام ويعيد الإقامة. فصل فإن شك فيها وهو وحده أو إمام فقيل: إنه يتمادى حتى يتم ويعيد، فإن كان إماما سأل القوم فإن أيقنوا بإحرامه صحت صلاتهم، وإن لم يوقنوا أعادوا الصلاة. وفي هذا القول دليل على ما ذهبنا إليه من إجازة تقدم النية الإحرام على مذهب مالك. وقيل: إنه بمنزلة من أيقن يقطع متى علم، وقيل: إنه إن كان قبل أن يركع قطع وإن كان قد ركع تمادى وأعاد إلا أن يكون إماما فيوقن القوم أنه قد أحرم. وفي

стр. 168

رجوعه إلى يقين القوم بإحرامه واجتزائه بذلك دليل على إجازة تقدم النية الإحرام وقد ذكرنا ذلك. فصل في السلام من الصلاة والسلام من الصلاة بمنزلة الإحرام لها في جميع حالاته؛ لأن النبي ﷺ جمع بينهما فقال: «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم». فكما لا يدخل في الصلاة إلا بتكبيرة ينوي بها الدخول في الصلاة والتحرم بها، فكذلك لا يخرج منها إلا بتسليمة ينوي بها الخروج من الصلاة والتحلل منها، فإن سلم في آخر صلاته ولا نية له أجزأ ذلك عنه لما تقدم من نيته، إذ ليس عليه أن يجدد الإحرام لكل ركن من أركان الصلاة. وإن نسي السلام الأول وسلم السلام الثاني لم يجزئه ذلك على مذهب مالك، وأجزأه على ما تأولناه على مذهب ابن المسيب وابن شهاب. وإن سلم ساهيا قبل تمام صلاته لم يخرج بذلك عن صلاته بإجماع، فليتم صلاته ويسجد لسهوه إن كان وحده أو إماما، فإن سلم شاكا في تمام صلاته لم يصح له الرجوع إلى تمامها. واختلف إن أيقن بعد سلامه أنه قد كان أتم صلاته، فقال ابن حبيب: صلاته جائزة كمن تزوج امرأة وهو لا يدري إن كان زوجها حيا أو ميتا ثم انكشف أنه قد مات وانقضت العدة أن نكاحه جائز، وقد قيل: إن صلاته فاسدة وهو أظهر. وإن سلم قاصدا إلى التحلل من الصلاة وهو يرى أنه قد أتمها ثم شك في شيء منها أو أيقن به لم يمنعه ذلك من الرجوع إلى إصلاحها. واختلف هل يرجع إليها بإحرام أم لا على قولين: أحدهما أن السلام على طريق السهو لا يخرجه عن الصلاة فيرجع إليها بغير إحرام، وهو قول أشهب وابن الماجشون واختيار ابن المواز في كتابه، والثاني أنه يخرجه عن الصلاة فلا يرجع إليها إلا بإحرام، وهو قول ابن القاسم في المجموعة وروايته عن مالك. وإلى هذا ذهب أحمد بن خالد وقال: إنه

стр. 169

قد روي عن النبي ﵊. قال أحمد بن خالد: فإن لم يرجع بإحرام أعاد الصلاة. ومثله في مختصر ابن عبيد الطليطلي، إلا أنه قال: يكبر ثم يجلس ويبني، وحكاه عن ابن القاسم. وإنما الصواب أن يجلس ثم يكبر فيبني؛ لأنه إذا كبر قائما فقد زاد في الصلاة الانحطاط من حال القيام إلى حال الجلوس. فصل فمن رأى السلام يخرجه من الصلاة وقال: إنه يرجع بإحرام، فلا بد له من الرجوع إلى الموضع الذي فارق فيه الصلاة، فإن كان سلم من ركعتين رجع إلى الجلوس، وإن كان سلم من ركعة أو ثلاث ركعات فذكر وهو قائم رجع إلى حال رفع رأسه من السجود ولم يجلس إذ لم يكن ذلك موضعا لجلوسه، وإنما كان الواجب عليه أن يقوم من السجدة الأخيرة دون أن يرجع إلى الجلوس، وهذا بين. ومن رأى أن السلام لا يخرجه من الصلاة فيأتي على مذهبه أنه إن ذكر وهو قائم كبر وابتدأ القراءة ولم يرجع إلى الجلوس؛ لأن قيامه للانصراف محسوب له من صلاته إذا لم يخرجه عنها السلام، وإن ذكر وهو جالس في موضعه قام وكبر وابتدأ القراءة. وهذا على مذهب ابن القاسم إن كان سلم من ركعتين. وأما إن كان سلم من ركعة أو ثلاث فيرجع إلى صلاته ويبتدئ القراءة دون تكبير قائما كان أو قاعدا. وليس في المدونة في هذا بيان إن كان يرجع إلى الجلوس أم لا إلا ما يظهر من مذهب سحنون في قوله إن رسول الله ﷺ رجع يوم ذي اليدين بتكبير. ويحتمل أن تكون تلك التكبيرة - إن ثبتت - تكبيرة إحرام، وأن تكون تكبيرة القيام من اثنتين. ولقد نازعني بعض أصحابنا في مسألة المدونة وهي قوله فيمن فاته بعض صلاة الإمام فظن أن الإمام قد سلم فقام لقضاء ما فاته فسلم الإمام وهو قائم أنه

стр. 170

يلغي ما قرأ ويستأنف قراءته من أولها ولا يرجع إلى الجلوس ويسجد قبل السلام يريد لنقصان النهضة، فقال فيها: إن هذا من قوله في المدونة مثل قول ابن نافع فيمن سلم من ركعتين ساهيا ثم ذكر بالقرب وهو قائم إنه [يلغي ما قرأ ويستأنف قراءته من أولها ولا يرجع إلى الجلوس ويسجد قبل السلام، يريد لنقصان النهضة، فقال فيها: إن هذا من قوله في المدونة مثل قول ابن نافع فيمن سلم من ركعتين ساهيا ثم ذكر بالقرب وهو قائم إنه لا يرجع إلى الجلوس خلاف قول ابن القاسم إنه يحرم]، ويرجع إلى الجلوس. فقلت له: مسألة المدونة هذه صحيحة لا يصح دخول ذلك الاختلاف فيها؛ لأنها مسألة أخرى، والفرق بينهما: أن الذي سلم من ركعتين ساهيا اختلف هل يخرج من الصلاة بالسلام على طريق السهو أم لا، على قولين. فمن ذهب إلى أنه يخرج به عن الصلاة يقول: يرجع بإحرام ويعود إلى الجلوس؛ لأن نهضته لم يفعلها للصلاة، وهو مذهب ابن القاسم. ومن يقول إن السلام على طريق السهو لا يخرج به المصلي عن الصلاة يقول إنه لا يحتاج في رجوعه إلى إحرام ولا يرجع إلى الجلوس؛ لأن قيامه يعتد به من صلاته وهو مذهب ابن الماجشون وابن نافع وأشهب واختيار محمد بن المواز. والذي قام قبل سلام الإمام فعلم بسلامه وهو قائم لم يخرج بفعله ذلك عن صلاته وصارت النهضة التي فعل في حكم الإمام وقبل سلامه ملغاة لا يعتد بها فكأنه أسقطها فوجب أن لا يرجع إليها ويسجد قبل السلام قياسا على من أسقط الجلسة الوسطى ساهيا فلم يذكر حتى اعتدل قائما إنه لا يرجع إليها ويسجد قبل السلام. فقال لي: لا فرق بين القراءة والنهضة التي فعل قبل سلام الإمام في أنه لا يعتد بشيء من ذلك، فكما يستأنف قراءته من أولها فكذلك يلزم أن يرجع إلى الجلوس ليأتي بالنهضة التي فعل في حكم الإمام، فلم يعتد بها على مذهب ابن القاسم فيمن سلم من ركعتين. فقلت له: لا يلزم ذلك. والفرق بين القراءة والنهضة أن النهضة قد فات

стр. 171

موضعها ولا يقدر أن يرجع إليها إلا بزيادة الانحطاط من حال القيام إلى الجلوس، وليس ذلك من الصلاة. والقراءة لم يفت موضعها فهو يستأنفها من غير أن يزيد في صلاته شيئا. فقال لي: قول ابن القاسم في الذي سلم من ركعتين ساهيا إنه يحرم ثم يجلس، فقد قال ابن القاسم: إنه يرجع إلى الجلوس فلا يصح لك الفرق بين القراءة والنهضة بذلك. قلت له: لا يصح عن ابن القاسم ولا عن غيره في مسألتك أن يحرم ثم يرجع إلى الجلوس، وقد أخطأ على ابن القاسم من حمل قوله على ذلك، وإنما معنى قوله أن يرجع إلى الجلوس قبل ثم يحرم، بدليل إجماعهم على أن مسقط الجلسة الوسطى لا يرجع إليها بعد اعتداله قائما من أجل زيادة الانحطاط، وبذلك تعلل السنة الثابتة في ذلك عن النبي ﷺ ، فسكت وسلم. فإن قال قائل: فإن الذي يسقط سجدة فيذكرها وهو قائم في الثانية يؤمر أن يرجع إليها وهو في رجوعه إليها يزيد في صلاته ما ليس منها، وهو الانحطاط من حال القيام إلى الجلوس. فما الفرق بين ذلك وبين رجوعه إلى النهضة التي يجب إلغاؤها؟. قيل له: السجدة ركن من أركان الصلاة لا يجزئ عنها سجود السهو، فوجب الرجوع إليها ما لم تفت بعقد ركعة، والنهضة تجزئ عنها سجدتا السهو كالجلسة الوسطى، فلم يرجع إليها بزيادة ما ليس من الصلاة، وبالله التوفيق.

стр. 172

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كتاب الصلاة الثاني فصل في القراءة في الصلاة القراءة في الصلاة واجبة عند جمهور العلماء بدليل قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؛ لأن المعنى في ذلك: إذا قرئ القرآن في الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا، إذ لا يجب الإنصات للقارئ واستماع قراءته إلا على المأموم للإمام، بدليل قول الله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ لأن المعنى في ذلك عند بعض أهل التفسير: ولا تجهر بقراءة صلاتك حتى يسمعها المشركون لئلا يسبوا قراءتك، ولا تخافت بها حتى لا يسمعها أصحابك الذين معك في صلاتك، وبدليل قول الله أيضا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ لأن معناه في الصلاة. بدليل قول رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، اقرؤوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين» الحديث. لأنه لما سمى القراءة في الصلاة صلاة دل على أن الصلاة

стр. 173

لا تجزئ إلا بها. ألا ترى أنه سمى الصلاة إيمانا لما كانت الصلاة لا تصح إلا بالإيمان، فقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، على ما قاله أهل التأويل. فصل والذي يتعين من القراءة في الصلاة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم، قراءة أم القرآن على الإمام والفذ. قيل: في جملة الصلاة، بدليل قول النبي ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام»، وبدليل قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرا بأم القرآن». وقيل: في كل ركعة، بدليل ما روي عنه ﷺ أنه قال: «لا تتم ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن»، وبدليل قول جابر بن عبد الله: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء إمام. فعلى القول بأنها واجبة في جملة الصلاة إن ترك قراءتها جملة أعاد الصلاة، وإن تركها في ركعة واحدة من أي الصلوات كانت أجزأه سجود السهو. وعلى القول بأنها واجبة في كل ركعة، إن ترك قراءتها في ركعة أو ركعتين أو ثلاث ألغاها، وبنى صلاته على الركعة التي قرأها فيها، على حكم من ترك سجدة أو ركعة من ركعتين أو من ثلاث أنه يصلح صلاته بإلغاء ما بطل عليه من الركعات، والسجود للسهو بعد السلام أو قبله إن كان قد اجتمع له في سهوه زيادة ونقصان على ما يأتي لهم في مسائلهم. وفرق مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بين أن يترك أم القرآن من ركعة واحدة وبين أن يتركها من ركعتين أو أكثر، فقال: إنه إن تركها من ركعتين أو أكثر أعاد الصلاة ولم يختلف في ذلك قوله. واختلف قوله إن تركها من ركعة واحدة على ثلاثة أقوال: أحدها أن يسجد قبل السلام وتصح صلاته. والثاني أنه يلغي الركعة. والثالث أنه يسجد قبل السلام ويعيد الصلاة. قيل: كانت

стр. 174

الصلاة من أي الصلوات كانت، وهو ظاهر ما في المدونة على معنى ما قاله ابن الماجشون، من أنه إنما ينظر إلى قلة السهو من كثرته لا إلى مقدار ما يقع في الصلاة. وقيل: إنما ذلك إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وهو قوله في رواية مطرف عنه، وحكاه ابن حبيب أيضا عنه من رواية ابن القاسم. واختلف اختيار ابن القاسم في ذلك، فمرة أخذ بالإلغاء، وهو قوله في الصلاة من المدونة، ومرة أخذ بالإعادة، وهو قوله في الوضوء منها وفي كتاب ابن المواز. وهذا كله استحسان على غير قياس مراعاة لقول من لا يرى القراءة واجبة في الصلاة جملة، وهو [مذهب ربيعة بن أبي]، عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي سلمة على ما جاء عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - من أنه لا إعادة على من ترك القراءة في صلاته إذا كان الركوع والسجود حسنا، وعن عمر بن الخطاب من أنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت، قال فكيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذا. وقد أنكر مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذلك عن عمر بن الخطاب، فقال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله، وإنما هو حديث سمعناه لا أدري ما حقيقته. وقد روي أن عبد الرحمن بن عوف دخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين صليت بنا ولم تقرأ، فقال: أجل، إني جهزت عيرا إلى الشام فأنزلتها منازلها فخرج عمر إلى الناس فأعاد بهم الصلاة. فصل فعلى القول بالإعادة إن ذكر قبل أن يركع أنه لم يقرأ استأنف القراءة وسجد بعد السلام على الاختلاف في السجود بزيادة القرآن سهوا، وإن ذكر ذلك بعد أن ركع وقبل أن يرفع، فقيل: إنه يقطع، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وقيل: إنه ينصرف إلى القيام فيقرأ ويركع ويسجد بعد السلام، وهو قوله في سماع سحنون. وهذا على الاختلاف في عقد الركعة هل هو بالركوع أو بالرفع منه. وقال:

стр. 175

أصبغ يمضي على صلاته ويسجد لسهوه ويجتزئ بها إلا أن يشاء أن يعيدها. وإن ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد أو بعد أن سجد إحدى السجدتين قطع، وإن ذكر بعد أن سجد السجدتين ما لم يركع في الثانية، فمرة قال: يقطع، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، ومرة قال: يتم ركعتين، وهو قوله في كتاب ابن المواز. وكذلك إن ذكر بعد أن ركع في الثانية على القول بأن عقد الركعة [لا يكون إلا برفع الرأس من الركوع. وأما على القول بأن عقد الركعة] يكون بالركوع فيتم ركعتين كما لو ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع. وإن ذكر وهو واقف في الثالثة رجع إلى الجلوس وسلم، وإن ذكر بعد أن صلى الثالثة أتم الرابعة وسجد قبل السلام وأعاد الصلاة في الوقت وبعده. قال ابن القاسم في موضع: احتياطا، وقال في موضع: يعيد أحب إلي، وقال في موضع: يتم الرابعة وتكون نافلة ويعيد. فصل وأما على القول بالإلغاء، فإن ذكر أنه لم يقرأ قبل أن يتم الركعة بسجدتيها ألغى ما مضى منها واستأنف القراءة من أولها وسجد بعد السلام، وإن ذكر ذلك وهو واقف في الركعة الثانية جعلها أولى وألغى الأولى التي لم يقرأ فيها، وسجد بعد السلام. وكذلك إن ذكر وهو قائم في الثالثة جعلها ثانية وقرأ فيها بالحمد لله وسورة وجلس وتشهد وسجد بعد السلام. وإن ذكر ذلك بعد أن ركع في الثالثة وإن لم يرفع رأسه من الركوع تمادى وجعلها ثانية وجلس وتشهد وسجد قبل السلام، وكذلك إن ذكر ذلك بعد أن قام من الثالثة وهو واقف في الرابعة جعلها ثالثة وسجد قبل السلام. وأخذ أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ بالإعادة في الركعة الواحدة، وبالإلغاء في الركعتين والثلاث. قال ابن عبد الحكم: ما لم يسلم فإن سلم أعاد، وقال أصبغ: وإن سلم جاهلا فإنه يرجع إلى صلاته ويلغي ما كان بالقرب، إذ لم يختلف قول مالك في أن من ترك القراءة في ركعتين فما زاد إنه يعيد، فراعى هؤلاء اختلاف قول مالك كما راعى مالك اختلاف قول غيره ممن تقدمه. فتحصيل الاختلاف في هذه المسألة أن في تارك القراءة في ركعة واحدة من صلاة ثلاثية أو

стр. 176

في رباعية ثلاثة أقوال لمالك، وفي تارك القراءة من ركعتين أو ثلاث من صلاة رباعية أو من ركعتين من صلاة ثلاثية قولان: أحدهما: الإعادة، وهو قول مالك، والثاني: الإلغاء، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. واختلف في تارك القراءة من ركعة من صلاة هي ركعتان كالصبح والجمعة وصلاة السفر، فقيل: إن ذلك كتارك القراءة في ركعة من صلاة ثلاثية أو رباعية يدخل في ذلك الثلاثة الأقوال لمالك، وقيل: إن ذلك كتارك القراءة في ركعتين من صلاة رباعية لا يكون في ذلك إلا قولان: الإعادة، والإلغاء، وبالله التوفيق. فصل فيما يجب على المرأة من الستر في الصلاة قال الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فلما أمرت المرأة الحرة بالستر من الأجنبيين، وأن لا تبدي عند غير ذي المحرم منها من زينتها إلا ما ظهر منها، وهو الوجه والكفان على ما قاله أهل العلم بالتأويل، وجب عليها مثل ذلك في الصلاة سنة واجبة لا ينبغي لها تركها. فأقل ما يجزئها من اللباس في الصلاة الخمار والدرع السابغ الذي يستر ظهور قدميها على ما قالته أم سلمة ﵂ للتي سألتها عما تصلي فيه المرأة من الثياب. ولا يجوز لها أن تصلي في ثوب خفيف يصف جسدها، ولا في ثوب صفيق رقيق يلتطئ بها فيصف خلقها؛ لأنها إذا

стр. 177

فعلت ذلك كانت كاسية في حكم العارية. قال رسول الله ﷺ : «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام»، فإن فعلت ذلك أو صلت بادية الشعر أو الصدر أو الذراعين أو القدمين، أعادت في الوقت. وأما الأمة فحكمها فيما يجوز لها أن تصلي فيه من الثياب حكم الرجل، إلا في وجوب ستر فخذها، إذ لا اختلاف في أن الفخذ من المرأة عورة. وإنما اختلف في الفخذ من الرجل، فروى ابن عباس وجرهم عن النبي ﷺ أنه قال: «الفخذ عورة». وقال «أنس بن مالك: أجرى النبي ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذه ﷺ ، فحسر رسول الله ﷺ الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ رسول الله ﷺ » وقال البخاري: حديث أنس أسند وحديث جرهم أحوط حتى يخرج من اختلافهم. «وروي عنه ﷺ أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض فخذه مكشوف، فدخل عليه أبو بكر وعمر ﵄ وهو على حاله لم ينتقل عنها حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: " ألا أستحي ممن استحيت منه ملائكة الرحمن». فإن صلت الأمة مكشوفة الفخذ - أو السرة - لأنها منها أيضا عورة أعادت في الوقت. واختلف إن صلت مكشوفة البطن، فقال أصبغ: لا إعادة عليها، وقال أشهب: تعيد في الوقت، وكذلك الرجل عنده، وهو بعيد. وإن صلى الرجل مكشوف البطن والظهر فلا إعادة عليه في المشهور في المذهب، وإن صلى مكشوف الفخذ تخرج وجوب الإعادة عليه في الوقت على الاختلاف فيه هل هو عورة أم لا. والذي أقول به أن ما روي عن النبي ﵊ في الفخذ ليس باختلاف تعارض، ومعناه أنه ليس عورة يجب سترها فرضا كالقبل والدبر، وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات، ولا عند ذوي الأقدار والهيئات. فعلى هذا تستعمل الآثار كلها، واستعمالها كلها أولى من بعضها.

стр. 178

فصل وقد اختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فرائض الصلاة، وقيل: إنها ليست من فروض الصلاة وإنما هي فرض في الجملة وسنة في الصلاة. فمن رآها من فروض الصلاة أوجب الإعادة أبدا على من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها، ومن لم يرها من فروض الصلاة لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت. وحكم المرأة في النظر إلى فخذ المرأة وإلى سرتها كحكم الرجل في نظره إلى ذلك من الرجل. وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل الأجنبي كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من ذوات محارمه على القول بأن الرجل لا يغسل ذوات محارمه كما لا يغسل النساء الرجل الأجنبي، وهو الصحيح من الأقوال. وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من ذوي محارمها كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من الرجل. وقد قيل: إن حكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من المرأة، وبالله تعالى التوفيق. فصل في الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت الجمع بين الصلاتين المشتركتي الوقت وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السفر والمرض والمطر رخصة وتوسعة. والأصل في جواز ذلك ما ثبت من «أن رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في سفره إلى تبوك» «وأنه أخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل وخرج وصلى المغرب والعشاء جميعا» «وأنه كان إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر، وإذا أراد أن يسير ليله جمع بين المغرب والعشاء». وما روي

стр. 179

عن ابن عمر أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا جد به السير يجمع بين الظهر والعصر». وما روي عن ابن عباس من أنه قال: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر.» قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وروي في غير خوف ولا مطر. قال ابن عباس: فعل ذلك لئلا يحرج أمته، وما أشبه ذلك من الآثار. فصل فاتفق مالك وجميع أصحابه على إباحة الجمع بين الصلاتين المشتركتي الوقت لعذر السفر والمرض والمطر في الجملة، على الاختلاف بينهم في ذلك على التفصيل. واختلفوا في إباحة الجمع بينهما لغير عذر، فالمشهور أن ذلك لا يجوز، وقال أشهب: ذلك جائز على ظاهر حديث ابن عباس وغيره. واختلفوا أيضا في صفة الجمع وكثير من أحكامه بحسب اختلاف الأعذار المبيحة له. وتحصيل القول في ذلك يفتقر إلى معرفة حقيقة وقتهما وكيفية اشتراكهما فيه. فأول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر وقتها المختار المستحب أن يكون ظل كل شيء مثله بعد الظل الذي زالت عنه الشمس أيضا على اختلافه في الصيف والشتاء، وهو بعينه أول وقت العصر المختار المستحب، وآخر وقته المختار المستحب أن يكون ظل كل شيء مثليه بعد الظل الذي زالت عنه الشمس أيضا على اختلافه في الصيف والشتاء؛ لأن الظل الذي تزول الشمس عليه لا يعتبر في حال من الأحوال ولا في بلد من البلدان. وتدخل العصر على الظهر في وقتها المختار المستحب فتشاركها فيه للعذر، قيل: من أول الزوال، وقيل: بعد مقدار ما تصلى فيه صلاة الظهر. وتدخل أيضا الظهر على العصر في وقتها المختار المستحب فتشاركها فيه للعذر إلى آخره وهو تمام القامتين. واختلفوا هل تشارك الظهر العصر في وقت الاختيار عند اعتدال القامة، فقيل: إنهما لا يشتركان في ذلك

стр. 180

وإن تمام وقت الظهر المستحب بتمام القامة، وابتداء وقت العصر المستحب بابتداء القامة الثانية. وقيل: إنهما يشتركان. واختلفوا على القول بأنهما يشتركان في وقت اشتراكهما، فقيل: في آخر القامة الأولى، وقيل: في أول القامة الثانية، وقد قيل: إن بين الظهر والعصر فاصلة لا تصلح في الاختيار للظهر ولا للعصر. فصل وكذلك القول في المغرب والعشاء. فأول وقت المغرب غروب الشمس، وآخر وقته المختار المستحب مغيب الشفق على مذهب من رأى أن له وقتين، وهو بعينه أول وقت العشاء المختار المستحب، وآخر وقته ثلث الليل أو نصفه. وتدخل العشاء على المغرب في وقته المختار المستحب فتشاركه فيه للعذر، قيل: من أول المغرب، وقيل: بل من بعد مقدار ما تصلى فيه صلاة المغرب. ويدخل أيضا المغرب على العشاء في وقته المختار المستحب فيشاركه فيه للعذر إلى آخره وهو ثلث الليل أو نصفه. واختلف هل يشارك المغرب العشاء في وقت الاختيار عند مغيب الشفق، فقيل: إنهما لا يشتركان في ذلك، وإن أول وقت المغرب المختار ينقضي بانقضاء مغيب الشفق ثم يدخل وقت العشاء دون فاصلة بين الوقتين، وقيل: إنهما يشتركان فيه. واختلف على القول بأنهما يشتركان فيه في وقت اشتراكهما، فقيل: في آخر مغيب الشفق، وقيل: عند انقضاء مغيبه. وقد قيل: إن بين المغرب والعشاء فاصلة لا تصلح في الاختيار للمغرب ولا للعشاء، وذلك مبني على القول بأنه ليس للمغرب إلا وقت واحد. فصل ويشترك الظهر والعصر إلى الغروب، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر لأهل الضرورات، وهم خمسة: الصبي يحتلم، والكافر يسلم، والمغمى عليه يفيق، والحائض تطهر أو الطاهر تحيض، والحاضر يسافر أو المسافر يقدم. فصل فيجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر المسافر يرتحل من المنهل
следующие страницы →