Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
فصل
وأما الوجه الثاني - وهو أن يكون العبد قائما لم يفت، فلا يخلو أيضا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون باعه بنقد فانتقد.
والثاني: أن يكون باعه بنقد فلم ينتقد.
والثالث: أن يكون باعه بثمن إلى أجل.
فصل
فأما الوجه الأول وهو أن يبيعه بنقد فينتقد ثم يجد المبتاع به عيبا فلا يخلو أيضا من وجهين:
أحدهما: أن يصالحه البائع بشيء يعطيه على ألا يرده عليه.
والثاني: أن يصالحه المبتاع بشيء يعطيه على أن يرده عليه.
فصل
فأما إذا صالحه المبتاع بشيء يزيده على أن يرده عليه، فإن كانت الزيادة عرضا فلا بأس به نقدا أو إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ورقا وقد باع بذهب، فلا بأس به نقدا إذا كان أقل من صرف دينار، ولا يجوز إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ذهبا، فلا تجوز نقدا ولا إلى أجل، لأنه ذهب وعرض بذهب؛ فلا يجوز إلا على المقاصة.
وأما إن صالحه البائع بشيء يزيده على ألا يرده عليه، فإن كانت الزيادة دنانير نقدا وقد باع بدنانير فذلك جائز؛ لأنه كان استرجع ذلك من الثمن وأمضى العبد بما بقي.
فإن كانت الزيادة دنانير إلى أجل، فلا يجوز لأنه بيع وسلف؛ وإن
стр. 1122
تأخرت الدنانير من غير شرط، فذلك جائز، وإن صالحه على دراهم إلى أجل، فلا يجوز؛ لأنه يدخله الصرف المتأخر كأنه باع منه عبدا ودراهم إلى أجل بدنانير نقدا؛ وإن كانت الدراهم نقدا، فذلك جائز إن كانت أقل من صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ ويجوز على مذهب أشهب - وإن كانت أكثر من صرف دينار. وإن كانت الزيادة عروضا نقدا. فذلك جائز - وإن كانت العروض إلى أجل فاختلف في ذلك قول ابن القاسم فأجازه مرة ومنع منه أخرى.
فصل
وأما الوجه الثاني - وهو أن يبيعه بنقد، فلا ينتقد حتى يجد المبتاع عيبا فلا يخلو أيضا من وجهين:
أحدهما: أن يصالحه البائع بزيادة على ألا يرده عليه.
والثاني: أن يصالحه المبتاع بزيادة على أن يرده عليه.
فأما إذا صالحه البائع على أن لا يرده عليه ويزيده، فإن كانت الزيادة دنانير، لم يجز إلا أن تكون مقاصة؛ لأنه إذا انتقده يصير قد باع عبدا ودنانير بدنانير، وإن زاده دراهم لم يجز إلا أن يكون نقدا، ويكون أقل من صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ وإن زاده عروضا نقدا أو مؤجلة موصوفة، فذلك جائز، وأما إذا صالحه المبتاع على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة دنانير نقدا، فذلك جائز؛ وإن كانت الزيادة إلى أجل، لم يجز؛ لأنه بيع وسلف أعطاه العبد ببعض الثمن الواجب له عليه على أن يؤخره ببقيته، وإن كانت الزيادة دراهم يسيرة أقل من صرف دينار جاز؛ لأنه كأنه قد باع منه العبد ببعض الثمن على أن صرف منه بقيته، وإن كانت الزيادة عرضا نقدا، فذلك جائز؛ وإن كانت الزيادة شيئا إلى أجل، لم يجز لأنه فسخ دين في دين.
стр. 1123
فصل
وأما الوجه الثالث وهو أن يشتري منه العبد بدنانير إلى أجل ثم يجد المبتاع به عيبا، فلا يخلو أيضا من وجهين:
أحدهما: أن يصالحه البائع على ألا يرده عليه.
والثاني: أن يصالحه المبتاع على أن يرده عليه.
فأما إذا صالحه البائع على ألا يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة دنانير - وقد كان باعه إياها بدنانير، فإن كانت الدنانير نقدا أو إلى غير أجل الثمن، فلا يجوز، لأنه كأنه قد باعه عبدا ودنانير بدنانير إلى أجل؛ وإن كانت الدنانير إلى أجل الثمن فذلك جائز، لأنه مقاصة إذا حل الأجل قاصه بها من الثمن وأخذ بقيمته فكأنه حط عنه بعض الثمن من أجل العيب الذي طعن فيه. وإن كانت الزيادة دراهم فلا يجوز نقدا كانت أو مؤجلة؛ وإن كانت الزيادة عروضا فذلك جائز نقدا ولا يجوز إلى أجل، وأما إذا صالحه المبتاع على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة عرضا معجلا، فذلك جائز - ولا يجوز إلى أجل، وإن كانت الزيادة دنانير معجلة أو مؤجلة، لم يجز إلا إلى ذلك الأجل بعينه؛ لأنه يكون مقاصة، وإن كانت الزيادة دراهم، لم يجز نقدا ولا إلى أجل، لأنه إن كانت الزيادة عرضا مؤجلا دخله فسخ الدين في الدين: فسخ ما وجب عليه من الثمن المؤجل في عرض معجل وهو العبد، وعرض مؤجل وهي الزيادة؛ وإن كانت الزيادة دنانير نقدا وقد باعه بدنانير، دخله ما يدخل إحدى مسألتي ربيعة: ضع وتعجل، وعرض وذهب بذهب - إلى أجل، وكذلك إن كانت الدنانير التي زاده مؤجلة، وإن كانت الزيادة دراهم نقدا أو مؤجلة دخله الصرف المتأخر؛ هذا تحصيل هذه المسألة فانحصرت وجوهها إلى تسع مسائل: ثلاث في فوات العبد، وست في قيامه، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1124
كتاب العرايا
فصل
في اشتقاق لفظ العرية
العرية مأخوذة من قولهم عروت الرجل أعروه إذا جئته تلتمس بره ومعروفه، من قوله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وقيل إنها مأخوذة من تخلي الإنسان عن ملكه على الثمرة، من قوله : ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]. وقيل: إنما سميت عرية، لأنها تعرى من المساومة عند البيع إذا جعلها عامة للمحتاج، والفعل الإعراء من أعرى يعري إعراء؛ قال صاحب العين فعلى هذه الوجوه: العرية اسم للثمرة الموهوبة، وقد قيل إن أصل هذه الكلمة مأخوذة من النخل تعرى من ثمرتها بالهبة لثمرتها، فسميت عرية لذلك؛ فعلى هذا تكون العرية اسما للنخلة التي وهبت ثمرتها لا للثمرة الموهوبة، والأول أظهر وأولى لتأييد الآثار له.
فصل
في معنى الإعراء
والإعراء: هبة الثمرة في أصول الشجر والثمرة الموهوبة هي العرية، والعرية تختص بالرخصة الواردة فيها عن النبي ﵇، ويكون سقيها
стр. 1125
وزكاتها على المعري إذا سماها عرية على مذهب ابن القاسم؛ فإن لم يسمها عرية - وإنما قال وهبتك الثمرة، لم تختص بالرخصة، وكان السقي والزكاة على الموهوب له، وذهب ابن حبيب إلى أن هبة الثمر في رؤوس الشجر عرية - سماها عرية أو هبة، تختص بالرخصة وتكون الزكاة والسقي على المعري والواهب؛ وحكى سحنون في المدونة عن كبار أصحاب مالك أنهم لم يفرقوا في السقي والزكاة بين العرية والهبة يريد وإن افترق ذلك عندهم في الرخصة الواردة، فإنه لا يفترق في السقي والزكاة، ويكون ذلك على المعرى والموهوب له، وحكى ابن المواز أنهم لم يختلفوا في سقي العرية أنها على المعرى، وإنما اختلفوا في زكاتها فقال أشهب: إنها على المعرى كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو؛ قال: وما روي عن مالك أنها على رب الحائط رمية رمى بها، والصحيح أن الاختلاف داخل في السقي أيضا على ما ذكرناه، وكثيرا ما يفعل هذا محمد بن المواز ينفي الاختلاف الموجود، وسحنون يقول إن كانت العرية بيد المعري يسقيها ويقوم عليها، فالزكاة عليه، وإن كانت بيد المعرى يسقيها ويقوم عليها فالزكاة عليه.
فصل
والمعنى في الفرق بين الهبة والعرية عند من فرق بينهما: أن العرية هي ما يقصد به المواساة في الثمرة لا - عين المعرى - على ما كان عليه الصحابة ﵃ من المواساة بثمر حوائطهم لمن لا حائط له؛ فكأنها على ملك المعري - ما لم تطب، يجب عليه سقيها وزكاتها، ولا تجب للمعرى إلا بالطياب - وإن قبضها قبل ذلك، إذ لم يقصد بها عينه؛ والهبة ما قصد بها عين الموهوب له، فخرجت عن ملك الواهب، ووجبت للموهوب له بالقبض.
فصل
والعرية هبة من الهبات، فإذا سماها عرية علم أنه قصد بها المواساة لا عين
стр. 1126
المعرى، وإذا لم يسمها عرية وإنما قال وهبتك الثمرة احتمل أن يريد بها عين الموهوب له على سبيل الهبة المحضة له، وأن يكون إنما قصد بها المواساة على معنى العرية، لا عين الموهوب له، فحملها ابن القاسم على الهبة المحضة حتى يبين أنه أراد بها العرية؛ وحملها ابن حبيب على العرية حتى يبين أنه أراد الهبة المحضة؛ وأوجب كبار أصحاب مالك في المدونة السقي والزكاة في العرية على المعرى؛ ووجه ذلك أن العرية قد وجبت للمعرى بالقبض وجوبا لو أراد المعري صرفها إلى غيره، لم يكن ذلك له، فأشبه الهبة المحضة المقصود بها عينه؛ ويلزم على هذا أن تجب له وتورث عنه - إذا قبضها أبرت أو لم تؤبر - كالهبة؛ فيأتي على هذا التعليل فيما تجب به العرية للمعرى أربعة أقوال:
أحدها هذا، والثاني: أنها تجب له بالإبار قياسا على قول أشهب في الحبس.
والثالث أنها لا تجب لها إلا بالطياب، وهي رواية محمد بن خالد عن ابن القاسم.
والرابع: أنها تجب له وتورث عنه إذا قبض الأصول، وإن لم تطلع الثمرة بعد على ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة، القولان منها على القول بالعرية لا يقصد بها عين المعرى، وإنما يقصد بها المواسة، والقولان الآخران على القول بأن العرية يقصد بها عين المعرى، فلا تفترق من الهبة إلا في الرخصة.
وأما قول من فرق بين الزكاة والسقي في العرية، فلا وجه له عندي من جهة النظر، لأن الثمرة إن كانت قد وجبت للمعرى بقبض الأصول أو بقبضها مع الطلوع على القول بأنها تجب له بذلك، وإن مات المعري، فيجب أن يكون عليه سقيها كما تكون عليه زكاتها؛ لأن من حق المعري أن يقول للمعرى: لا أسقي
стр. 1127
الثمرة، إذ لا حق لي فيها - وأنت بالخيار إن شئت فاسق ثمرتك وإن شئت فدع؛ وإن كانت الثمرة لم تجب للمعرى إلا بالطياب على القول بأنها باقية على ملك المعري ما لم تطب؛ وإن قبضها المعرى فيجب أن تكون على المعرى زكاتها كما يكون عليه سقيها؛ ووجه الفرق بينهما من جهة الاستحسان: أن سقي الثمرة لما كان فيه منفعة الحائط سلمت الثمرة أو ذهبت كان السقي على ربه - وهو المعري؛ وإن كانت الثمرة قد وجبت للمعرى وكانت زكاتها عليه ولا يحمل ذلك القياس؛ لأن من حق صاحب الحائط ألا يسقي حائطه وإن تلف.
فصل
وأرخص رسول الله ﷺ في بيع العرية بخرصها، ذكر مالك ﵀ في موطئه عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها». وعن داود بن الحصين، عن سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة، «أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق» شك داود: قال خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. فقوله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها، وأرخص في بيع العرايا بخرصها دليل على أن العرية اسم للثمرة الموهوبة لا للأصول التي أعريت ثمرتها. ومن قال إن العرية اسم للأصول التي أعريت ثمرتها، ذهب إلى أن معنى قوله أرخص في بيع العرايا، أرخص في بيع ثمرة العرايا، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهل القرية، وهذا كثير في كلامهم، إلا أنه من المجاز، وحمل الكلام على الحقيقة، أولى من حمله على المجاز.
стр. 1128
فصل
فبيع العرايا بخرصها إلى الجداد مستثناة من المزابنة وسائر وجوه الربى بالرخصة، لوجهين:
أحدهما نفي الضرر الداخل على المعري ببقاء يد المعرى على عريته، وذلك أن الناس كانوا يتواسون فيما بينهم فيطعم من له نخل لمن لا نخل له - النخلة والنخلات من نخله، فكان يشق على المعري دخول المعرى عليه لجمع عريته والقيام عليها؛ لامتناعه بذلك من الانفراد في حائطه بأهله وولده - على ما جرت به عادتهم؛ فيؤدي ذلك من المشقة عليه إلى ما يمنع من الإعراء في عام آخر.
والوجه الثاني القصد إلى المعروف والرفق دون المكايسة وذلك أن المعرى إذا احتاج إلى حفظ عريته وجمع سواقطها والقيام عليها، لزمه من المشقة في ذلك أكثر من قدر قيمتها، فيؤدي ذلك إلى أن لا ينتفع بعريته فاحتاج المعرى إلى من يكفيه مؤونته عريته، كما احتاج المعري إلى الانفراد في حائطه، فرخص رسول الله ﷺ لهذا المعنى أن يخرص على المعري عريته التي أعراها ويكون عليه خرصها ثمرا عند الجداد إذا تراضيا بذلك واتفقا عليه.
فصل
فبيع العرية بخرصها من معريها، ليس ببيع على الحقيقة؛ وإنما هو معروف اتبعه معروفه الأول ونفى به الضرر على نفسه بأن التزم له عريته بخرصها إلى الجداد، كما تخرص عليه الزكاة التي تجب لأهل الزكاة، لما يلحقه من الضرر بمشاركتهم له في الحائط ويجري قياس جواز أخذ العرية بخرصها على خرص الزكاة بأن نقول إن هذا معنى حد الشرع بخمسة أوسق، فجاز أن تخرص ثمرته على أن يعطي مكيلة خرصه تمرا عند الجداد، أصل ذلك الزكاة؛ وإنما سماه
стр. 1129
رسول الله ﷺ بيعا، لما فيه من معنى البيع - وإن لم يكن بيعا على الحقيقة؛ وهو أن مبتاع العرية بخرصها يملكها ويجوز له التصرف فيها، كما لو اشتراها بالدنانير والدراهم؛ ولا يجوز ذلك له أيضا إلا باجتماع منهما جميعا واتفاق ورضى واختيار كالبيع، بخلاف خرص الزكاة التي النظر فيها إلى الأمام، ولا خيار فيه إلى رب الحائط، فلذلك لم يرد فيه الشرع بلفظ البيع.
فصل
فمالك ﵀ يجيز بيع العرية بخرصها إلى الجداد للعلتين جميعا، وابن الماجشون لا يراعي إلا الضرر ولا يرى العلة في جوازها سواه، والعلة التي هي أملك بجوازها نفي الضرر، ألا ترى أن شراء العرية في مذهب مالك وجميع أصحابه لا يجوز بخرصها إلا لمعريها، أو لمن صار إليه ثمر الحائط بشراء أو هبة أو غير ذلك من وجوه الملك.
فصل
ومن الحجة لمالك في ألا يجوز للمعرى بيع عريته ممن شاء بخرصها إلى الجداد مع ما تقدم من علة نفي الضرر - ما روي «أن رسول الله ﷺ أرخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا» فقوله أهلها - يريد أهل الحائط المعرين للثمرة - والله أعلم؛ ودخل من صارت إليه الثمرة بوجه من وجوه الملك مدخلهم بالقياس، وفي بعض الآثار «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها من معريها بخرصها ثمرا عند الجداد» وهذا نص في موضع الخلاف.
فصل
وقد ذهب جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل إلى أنه يجوز لصاحب العرية بيع عريته بخرصها ممن شاء على ظاهر ما روي أنه ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها مطلقا من غير تقييد، وهو ظاهر قول
стр. 1130
يحيى بن سعيد في المدونة؛ لأنه قال: العرية الرجل يعري الرجل النخلة والنخلتين يسميهما من ماله ليأكلها فيبيعها بثمر - لم يقل من المعري ولا من غيره، والقول ما قاله مالك ﵀. وذهب إليه؛ لأن المطلق يجب حمله على المقيد في هذه المسألة وفاقا بما دل عليه من الدليل.
فصل
وبيع العرايا لا يجوز بخرصها على مذهب مالك ﵀ إلا على ستة شروط:
أحدها: أن تزهي الثمرة.
والثاني: أن تكون خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. فإن زادت على ذلك لم يجز وقد قيل لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق وهي رواية أبي الفرج عن مالك ﵀ وهو الأظهر؛ لأن الأصل المنع لأنه مزابنة، فلا يستباح منه شيء إلا بيقين، لأن الشك لا يقدح في اليقين.
والثالث: أن يعطيه الخرص عند الجداد، فإن أعطاه ذلك نقدا لم يجز.
والرابع: أن يكون من صنفها، ونوعها، فإن كان من خلافها لم يجز.
والخامس: أن تكون العرية مما ييبس ويدخر.
والسادس: أن يبيعها من معريها أو ممن صار له ثمر الحائط، وعلى مذهب ابن القاسم في المدونة يحتاج في ذلك إلى شرط سابع - وهو أن يسميها عرية لا هبة مطلقة، لافتراق أحكام الهبة المطلقة عنده من العرية.
فصل
واتفق مالك ﵀ والشافعي وأبو حنيفة على جواز أخذ المعرى في عريته بخرصها ثمرا، إلا أنهم اختلفوا في تعليل ذلك؛ فأما مالك فقد
стр. 1131
تقدم مذهبه؛ وأما الشافعي، فلم يقصد ذلك على العرية وأجاز بيع ما دون خمسة أوسق ممن الرطب في رؤوس النخل بالثمر يدا بيد، كان ذلك من عرية أو شراء أو لمن يريد أن يبيع ذلك المقدار من حائطه لعلة أو لغير علة، والرخصة عنده إنما وردت في المقدار المذكور فخرج ذلك المقدار من المزابنة، وما زاد عليه فهو منها؛ وإنما خصت عنده العرايا بالذكر في ذلك، لأن السؤال وقع عنها، أو لأنها إنما تقع في هذا المقدار في الأغلب من الحال؛ وقالوا أيضا إن العرية ليست اسما لما أعري ووهب وأعطي وإنما هو اسم لما أفرد عن جملة - سواء كان للهبة أو للبيع أو للأكل، كأنه عري عن الأصل وأفرد عنه؛ والصحيح ما قدمنا ذكره عن أهل اللغة أنه اسم للعطية مخالف الشافعي وما جاء في بعض الآثار من «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها من معريها بخرصها تمرا عند الجداد» في ثلاثة مواضع.
أحدها: أن رسول الله ﷺ شرط في جواز بيعها أن يكون من معريها دون غيره - وهو يجيز بيعها من المعري وغيره.
والثاني: أنه ﷺ أرخص في بيعها بخرصها تمرا عند الجداد، والشافعي يمنع ذلك عند الجداد، ويجيزه نقدا ويقول إن تفرقا قبل القبض فسد.
والثالث: أن العرية اسم الفعل المعروف مستثنى من الأصول بدليل قوله ﷺ للخراص خففوا، فإن في المال العرية والوصية. فأجراهما مجرى واحدا وهو يقول إنه المقدار وإن لم يكن عرية.
وأما أبو حنيفة فعلته في جواز أخذ المعري عريته بخرصها أنها هبة مبتدأة على أصله أن للواهب الرجوع فيما وهب ما لم تحز عنه، فكأنه ارتجع عريته من
стр. 1132
المعرى ثم وهبه تمرا عند الجداد؛ وإنما سمي بيعا على المجاز والاتساع، وأما على الحقيقة فلا يجوز ذلك، لأنه بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض وهذا أبعد الأقاويل؛ لأنه رد لأحاديث الرخصة في بيع العرية بخرصها جملة، وإبطال لفائدتها ومعناها، إذ الهبة المبتدأة لا يصح أن يشترط في جوازها أن يكون أصلها عرية، ولا أن يكون خمسة أوسق فدون هذا مما لا يصح لأحد أن يقوله ولا يعتقده؛ لانعقاد الإجماع على جواز ابتداء هبة القليل والكثير من غير حد ولا تقدير؛ ويلزم على قياس قوله ألا يجوز للمعرى بيع العرية بخرصها من المعري إذا قبض عريته - إما بقبض الأصول، وإما بقبضها مع الطلوع، إلا أن يكون من مذهبه أن القبض لا يكون إلا بالجد.
فصل
والعرية تجوز في الثمار كلها كان مما يدخر أو مما لا يدخر لعام واحد وأعوام كثيرة، لأنها هبة من الهبات؛ وأما أخذها بخرصها عند الجداد، فلا يجوز إلا فيما ييبس ويدخر من الثمر كالتمر، والعنب والتين، والجوز، واللوز، والزيتون، وما أشبه ذلك؛ هذا هو المشهور في المذهب الموجود لمالك في المدونة وكتاب ابن المواز والمبسوط، وقد روي عنه أيضا في كتاب ابن المواز أن ذلك لا يجوز إلا في النخل والعنب خاصة، وهو قول الشافعي.
فصل
وقد اختلف في الحيازة التي تصح بها العرية للمعرى إن مات المعري فقال ابن حبيب لا تصح العرية للمعرى إن مات المعري إلا أن يكون قد قبض الأصول وطلع فيها الثمر قبل موته، واختلف الشيوخ في تأويل ما في المدونة في ذلك،
стр. 1133
وهل الهبة والصدقة بمنزلة العرية أم لا على ما أذكره إن شاء الله، أما أبو عمر بن القطان، فكان يقول قول ابن حبيب مفسرا لما في المدونة في العرية والهبة والصدقة، ولا فرق بين العرية والهبة والصدقة في أن المعري أو الواهب أو المتصدق، إذا مات فلا شيء للمعرى أو الموهوب له أو المتصدق عليه إلا أن يكون كل واحد منهم قد قبض الأصول قبل موته وطلعت فيها الثمرة، وكان يحتج لمساواته بين الهبة والعرية والصدقة برواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب الهبات والصدقات من العتبية الواقعة في رسم الصلاة منه؛ ورأيت لأبي مروان بن مالك ﵀ أنه كان يقول ما قال ابن حبيب خلاف لما في المدونة - يريد والله أعلم أن العرية تصح للمعرى بقبض الأصول في حياة المعري وإن لم تطلع فيها الثمرة على ظاهر ما وقع في كتاب الهبة والصدقة في الهبة والصدقة، فتستوي عنده الهبة والعرية في أنها تصح للمعرى والموهوب له بقبض الأصول وإن لم تطلع فيها الثمرة؛ وكان الفقيه أبو جعفر بن رزق ﵀ يقول قول ابن حبيب مفسر لما في المدونة في العرية، وخلاف لما فيها في الهبة والصدقة؛ ومذهبه في المدونة: الفرق بين العرية والهبة، هذا قوله وتأويله وهو أظهر التأويلات على ما في المدونة؛ وأشهب يقول إذا أبرت النخل قبل موت المعري صحت للمعرى، لأنه لا يمنع من الدخول إلى عريته؛ وأما إن قبض الأصول وحازها؛ فهي له وإن لم تؤبر. وأما إن مات المعرى فلا تجب لورثته العرية، وإن كان قد قبضها، إلا أن يكون مات بعد طيب الثمرة، هذه رواية محمد بن خالد عن ابن القاسم في العتبية حملها محمل الحبس لا محمل الهبة، وذلك صحيح على قياس القول بأن السقي والزكاة على المعرى، ويلزم على قول أشهب في الحبس أن الثمرة تجب لورثة المحبس عليه بالإبار: أن تجب أيضا لورثة المعرى بالإبار، وبالله التوفيق.
стр. 1134
كتاب الجوائح
فصل
في بيان معنى الجائحة من القرآن
قال الله : ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]. وقال تعالى:
стр. 1135
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ، يقول ﵎: إنا اختبرنا وامتحنا مشركي قريش، كما امتحنا أصحاب الجنة وأصحاب الجنة هؤلاء على ما ذكر بعض أهل التفسير قوم كانت لهم جنة وهي البستان ويقال إنها أرض باليمن يقال لها ضوران فكان فيها رجل من بني إسرائيل كانت له هذه الجنة فكان يؤدي حق الله فيها إلى المساكين؛ وجاء في التفسير أنه كان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي، وجاء أيضا أنه كان يترك ما أخطأ المنجل، وما كان في أسفل الأكداس، وما أخطأه القطاف من العنب، وما خرج عن البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع من ذلك شيء كثير؛ فلما مات ورثه بنوه فقالوا والله إن كان أبونا لأحمق حين كان يطعم المساكين - ونحن جماعة؛ فإن فعلنا بالمساكين ما كان يفعل أبونا ضعنا، فحلفوا ليصرمنها بسدفة من الليل، قال الله : ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨]، أي لم يقولوا: إن شاء الله فلما كان في أول الوقت الذي اتعدوا فيه في أول الصبح بسدفة، غدوا إلى جنتهم ليصرموها؛ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أي على جد من أمرهم؛ وقيل على قصد أي قادرين في أنفسهم على قصد جنتهم، لا يحول بينهم وبينها آفة؛ وقيل على منع قادرين، من قولهم حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الناقة إذا ارتفع لبنها. وقيل على غضب، فلما رآوها أي رأوا جنتهم أنكروها من سوادها: فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون أي طريق الجنة وما هذه جنتنا؛ فلما تبينوا، قالوا بل نحن محرومون أي حرمنا ما كنا نأمل فيها من القوت والسعة على أهالينا وأيتامنا، قال أوسطهم أي أعدلهم ألم أقل لكم لولا تسبحون أي تستثنون في قسمكم؛ وقال بعضهم أي تصلون؛ فقال وظنوا أنهم أوتوا من قبل ترك الصلاة؛ ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩]
стр. 1136
أي ننزه ربنا عن بخلنا ولومنا، ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]، أي أتاها ليلا، والطائف لا يكون إلا بالليل، فإذا كان بالنهار قالوا طفت به نهارا: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]، أي كالليل الأسود. والصريم أيضا النهار - وهو من الأضداد، وقيل كالصريم أي كالمقطوع من أصله، وقيل كالصريم أي كالمصروم الذي قد أخذ حمله، أي ليس فيها ثمر. وقيل فأصبحت كأرض تدعى الصريم - وهي أرض باليمن معروفة على ستة أميال من صنعاء.
فصل
فالجوائح من الله تعالى ابتلاء منه يبتلي به عباده بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
فصل
فمن أصيب بجائحة فصبر واحتسب ورضي بقدر الله وسلم لأمره، كان من المهتدين المبشرين من الله بالصلاة والرحمة - حيث يقول تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]
فصل
فإذا نزلت بالرجل جائحة في شيء مما اشتراه من الثمار أو ما تخرجه الأرض من غير الثمار، فإن أهل العلم اختلفوا في وضع الجائحة عنه اختلافا كثيرا إذا كان قد اشترى ذلك دون الأصل، أو اشتراه مع الأصل بعد حلول بيعه؛ وأما إن اشتراه مع الأصل قبل حلول بيعه، فلا جائحة فيه بإجماع.
стр. 1137
فصل
وهذا الاختلاف مبني على خمس مسائل هي أصله وعليها مداره:
إحداها: معرفة وجوب وضع الجائحة.
والثانية: معرفة الحال التي توضع فيها.
والثالثة: معرفة مقدار ما يوضع منها مما لا يوضع.
والرابعة: معرفة ما يوضع فيه مما لا يوضع.
والخامسة: معرفة ما هو جائحة يجب وضعها مما ليس بجائحة يجب فيه الوضع.
فصل
فأما وجوب وضع الجائحة في الجملة فالأصل فيه ما روي أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح، وما روي أنه قال «من باع ثمرة فأصابتها جائحة فلا يأخذ من مال المشتري شيئا على ما يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق» وما روي أنه «نهى عن بيع الثمار حتى تزهى وقال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه».
فصل
فأخذ مالك ﵀ وجميع أصحابه بهذه الآثار وتقلدوا الحكم بوضع الجائحة، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه وأصحابهما. فقالوا إذا قبض المشتري لم يوضع عنه للجائحة شيء أصلا، وعللوا هذه الآثار بعلل يطول جلبها، واحتجوا لمذهبهم بظواهر آثار لا حجة لهم فيها، من ذلك ما روى أبو سعيد الخدري «أن رجلا ابتاع ثمارا على عهد رسول الله ﷺ فأصيب فيها، فكثر دينه فأمر النبي ﵇ بالصدقة عليه، فتصدق عليه فلم يكن فيما
стр. 1138
تصدق به عليه وفاء دينه، فقال ﷺ خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك». قالوا ولو كان له حق أن يرجع على البائع، لقال ذلك له، وهذا لا حجة لهم فيه كما قلنا لأنه حكاية عن فعل وقضية في عين، فيحتمل أن يكون أصيبت بعدما استجدت أو أصيب منها ما دون الثلث أو سرقة أو غير ذلك مما لا يوجب له الرجوع على البائع، أو يكون البائع لم يوجد أو لم يكن له ماله، وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات، بطل الاحتجاج به؛ واحتجوا أيضا بما روي «أن رجلا ابتاع ثمر حائط فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه أو يقيله، فحلف ألا يفعل؛ فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال رسول الله ﷺ : تألى ألا يفعل خيرا، فسمع ذلك رب الحائط فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هو له» ... ولم ينقل أنه أجبره على ذلك، بل ظاهر قوله: «تألى أن لا يفعل خيرا»، أنه على وجه الطوع وهذا لا حجة لهم فيه أيضا، لأنه لم يذكر في الخبر أن جائحة أصابته، فلعله إنما كان خسرانا في الثمن، وحوالة في الأسواق: وهو الظاهر من قوله: فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان؛ وهذا لا يوجب على البائع شيئا، واحتجوا لذلك أيضا بالقياس على العروض والحيوان. وهذا لا يلزم، لأن العروض والحيوان لم يبق على البائع فيها بعد القبض حق توفية، وليس كذلك الثمار؛ لأنه قد بقي عليه فيها حق توفية، بدليل أن الجائحة لو أصابتها من قبل العطش لكانت من البائع - وفاقا، فليست التخلية بمجردها قبضا تاما، ولو كانت مقبوضة للمشتري بمجرد التخلية، لكان ضمانها منه كالعبد والثوب.
فصل
وأما معرفة حال وضعها، فإنه يجب وضع الجائحة في الثمرة إذا أجيحت في حال يفتقر فيه إلى بقائها في الأصول، وذلك أن الجائحة في الثمرة إنما وجب
стр. 1139
وضعها عن المبتاع من أجل ما بقي له على البائع من حق التوفية، إذ لم يقبضها بقبض الأصول قبضا تاما ناجزا لبقاء السقي على البائع فيما يحتاج منها إلى السقي، والإجماع على الرجوع عليه بما يكون من جائحة بسببه، ولافتقار الثمرة إلى بقائها في الأصول، تفصيل في بعض وجوهها اختلاف سيأتي بيانه في التكلم على المسألة الرابعة - إن شاء الله.
فصل
وأما معرفة قدر ما يوضع منها مما لا يوضع، فإنما يجب وضعها في مذهب مالك وأصحابه إذا بلغت الثلث فأكثر، ولا توضع فيما دون ذلك، والفرق بين الموضعين من وجهين:
أحدهما الظاهر.
والثاني المعنى.
فأما الظاهر، فهو ما روي «أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح» والجائحة لا تنطلق إلا على ما أتلف جميع المال أو جله؛ وأما من ذهب اليسير من ماله فلا، ويبين ذلك أن من يملك ألف دينار إذا ذهب من ماله الدينار والعشرة والعشرون، لا يقال إن ماله اجتيح؛ وكذلك من سرق له من جملة متاعه الكثير - شيء يسير، لا يقال إن اللصوص اجتاحوا ماله؛ وإذا صح ذلك، ثبت الفرق في هذا بين القليل والكثير، وثبوت ذلك يقتضي فصلا بينهما ولا فصل إلا ما قلناه؛ لأن الثلث آخر من اليسير، وأول حد الكثير، يقوم ذلك بالاعتبار من نص التنزيل قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣]- يريد من النصف ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، يريد أيضا على النصف ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]،
стр. 1140
فأخبر عنه في هذه الآية بامتثال ما أمره به في أول السورة من القيام، فقوله تعالى: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، هو قوله في أول السورة ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، يريد على النصف وقوله ونصفه هو قوله في أول السورة: نصفه وقوله: وثلثه، هو قوله في أول السورة أو انقص منه قليلا - يريد من النصف فدل ذلك على أن الثلث من النصف قليل، وذلك على قراءة من قرأ ونصفه وثلثه بالفتح فيهما جميعا - وهي أبين في المعنى من قراءة من قرأهما بالخفض.
فصل
وعند مالك ﵀ أن كل ما يجب فيه اعتبار القليل من الكثير فإن الثلث عنده في حيز اليسير، إلا في ثلاثة مواضع، أحدها الجائحة، فإن الثلث فيها عنده في حيز الكثير يجب وضعه ومعاقلة المرأة الرجل، فإنها تعاقله فيما دون الثلث؛ فإذا بلغت الثلث، رجعت إلى عقل نفسها، وما تحمل العاقلة من الدية فإنها تحمل الثلث فما فوقه ولا تحمل ما دونه؛ وما عدا هذه المواضع الثلاثة؛ فإنه يحكم فيها للثلث بحكم اليسير؛ والفرق عنده بين هذه المواضع الثلاثة وغيرها: أن هذه الثلاثة المواضع ليس فيها موضع قصد يراعى وما عداها يراعى فيها القصد، فلا يظن بأحد أنه يدخل في المحظور الكثير من أجل القليل.
فصل
وأما المعنى، فلان المشتري دخل لا محالة على ذهاب اليسير من الثمرة، وأنها لا تسلم كلها، هذا معلوم بالعادة لا يكلم من يدفعه، لأن من يقول إن المشتري دخل على أن تسلم الثمرة من ذهاب رطبه وبسره ورطل أو رطلين، أو اجتياز المعتفين أو أكل الطير اليسير، فقد خرج عن العادة؛ وإذا ثبتت ذلك اقتضى أنه لا يرجع في اليسير، وأنه يرجع بالكثير؛ لأنه لم يدخل عليه، وإنما دخل على سلامة الجل، فبان بذلك مذهب مالك ﵀.
стр. 1141
فصل
وهذا في الثمار، وأما البقول فاختلفت الرواية عن مالك ﵀ فيها: فمرة قال يوضع فيها القليل والكثير، ومرة قال: حكمها حكم الثمار لا توضع الجائحة فيها إلا في الثلث فما زاد؛ فوجه قوله إنه توضع الجائحة فيها في القليل والكثير. «أن النبي ﵇ أمر بوضع الجوائح» عموما، فتناول ذلك الثمار والبقول، فخرجت الثمار من ذلك بما دل عليه من الدلائل، وبقيت البقول على الأصل في العموم، ولأن العادة في الثمار ذهاب بعضها للحاجة إلى تبقيتها على رؤوس النخل، فالمشتري على ذلك دخل، وليس كذلك البقول، لأنه لا عادة في تلفها ولا في تلف شيء منها، بل العادة سلامة جميعها؛ وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يوضع قليلها وكثيرها، ووجه قوله إنه إنما يوضع منها الثلث فصاعدا، الاعتبار فيها بسائر الثمار بعلة أنه وضع جائحة في نبات، وقد قيل عن مالك إنه لا توضع فيها جائحة أصلا، وقيل إنه ما جاز فيه المساقاة مع العجز كالفجل والاسفنارية واللفت فلا توضع فيه الجائحة إلا أن يبلغ الثلث، وما لا تجوز فيه المساقاة من البقول وضعت الجائحة في قليله وكثيره؛ وهذه رواية سحنون عن ابن القاسم في العتبية، ومثله في كتاب ابن المواز؛ وهو خلاف لما في المدونة.
فصل
وأما معرفة ما توضع فيه الجوائح مما لا توضع فالأصل في ذلك أن كل ما لم يمكن المشتري أن يبين به إلا بفساد، كالثمرة التي يبتاعها عند بدء صلاحها، فلا يقدر على قطعها قبل أن يصل طيبها ويتناهى إلا بفساد لها، فإن الجائحة فيها ما لم يكمل طيبها ويتناهى باتفاق عند من أوجب الجائحة، لأن له حقا على البائع في إبقاء الثمرة في أصولها لصلاحها وكمال طيبها، فقد بقي له فيها عليه حق توفية، ألا
стр. 1142
ترى أن السقي عليه إن كانت مما تسقى ولو أراد البائع أن يجبره على الجداد قبل انتهاء طيبها أو يبسها إن كانت مما لا يجد حتى ييبس، لم يكن ذلك له، وما كان مما يمكن المبتاع أن يأخذه ويبين به بغير فساد له، إلا أن على المشتري في تعجيل أخذ ذلك والبينونة به ضررا، إذ لم يشتر إلا على أن يجده ويأخذه على وجه ما يعرف من التراخي في ذلك، كالثمرة التي تقطع خضراء إذا اشتراها بعد انتهاء طيبها، أو اشتراها قبل انتهاء طيبها فاجتيحت بعد انتهاء طيبها وإمكان جدادها، بمضي مدة يمكنه ذلك فيها قبل بلوغ الحد الذي يعرف من التراخي في جدها، فيجري الأمر في هذا - عندي على اختلاف قول مالك في جائحة البقول مرة، قال فيها الجائحة، ومرة قال لا جائحة فيها؛ لأن العلة في وجوب الجائحة فيها هي أنها تلفت قبل بلوغ الحد الذي اشتراها عليه من التراخي في قطعها وفي سقوطها، هي أنه قد قبضها بتخلي البائع له عنها، فلو شاء أن يقطعها قطعا، ولم يكن في قطعه إياها فساد لها؛ فإنما قد تركها على ملك نفسه لمنفعة يرجوها، وهاتان العلتان موجودتان في الثمرة بعد انتهاء طيبها؛ وعلى هذا يأتي الاختلاف في جائحة القصب، ويدخل في الفول الأخضر؛ وأما إن اجتيحت الثمرة أو البقل بعد بلوغ الحد الذي يعلم من التراخي في جدها، فلا خلاف أنه لا جائحة في ذلك، لأن البائع لم يدخل معه على ذلك ولو اجتيحت الثمرة بعد انتهاء طيبها قبل أن يمضي من المدة ما يمكنه فيه جدها، أو أجيح البقل بعد انعقاد البيع وتخلي البائع له عنه قبل أن يمضي من المدة ما يمكنه فيها جده، لدخل الاختلاف في ذلك أيضا - عندي، وجرى على الاختلاف في ضمان المكيال إذا تلف بعد أن يمتلئ في يد المشتري قبل أن يفرغه في وعائه، فيأتي في المسألة على هذا التعليل ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الثمرة تدخل في ضمان المشتري ويسقط عن البائع فيها حكم الجائحة بتناهي طيبها - وإن لم يمض من المدة بعد تناهي طيبها ما يمكنه فيه قطعها.
стр. 1143
والثاني: أنها لا تدخل في ضمانه ويرتفع عن البائع حكم الجائحة إلا بعد تناهي طيبها، وإن لم يمض من المدة بعد تناهي ما لو شاء المبتاع أن يجدها فيه جدها.
والثالث: أنها لا تدخل في ضمانه ويرتفع عن البائع حكم الجائحة حتى يمضي من المدة بعد انتهاء طيبها ما جرى عليه العرف من التراخي في ذلك واشترى عليه المشتري ودخل عليه البائع، لأن العرف البين عندهم كالشرط، وهذه مسألة جيدة مستقصاة محصلة غاية التحصيل لم أرها مجموعة ولا محصلة ملخصة لمتقدم، ولا سمعتها من متأخر - والله الموفق للصواب الهادي بعزته.
فصل
وأما معرفة ما هو جائحة مما ليس بجائحة، فتحصيله أن الجوائح تنقسم على قسمين:
أحدهما: ما لم يكن أمرا غالبا وأمكن دفعه والاحتراس منه.
والثاني: ما كان أمرا غالبا ولم يمكن دفعه والاحتراس منه.
فأما ما لم يكن أمرا غالبا وأمكن الاحتراس منه وقدر على دفعه فليس بجائحة أصلا.
وأما ما كان أمرا غالبا ولم يمكن دفعه ولا قدر على الاحتراس منه، فإن ذلك ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك من فعل الله تعالى ولا اكتساب لمخلوق فيه.
والثاني: أن يكون من اكتساب المخلوقين المكلفين.
فأما ما كان من فعل الله تعالى ولا اكتساب لمخلوق مكلف فيه، فلا اختلاف أنه جائحة يجب القضاء بها، كالريح تسقط الثمرة أو تفسدها. قال الله ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]
стр. 1144
وقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، أو المطر قال الله : ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، أو البرد: قال الله : ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ﴾ [النور: ٤٣]، وكذلك ما أشبهه من الجراد والجليد والطير الغالب. وأما انقطاع الماء، فإنه جائحة في القليل والكثير بإجماع واتفاق، قال الله : ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١].
فصل
وأما ما كان من اكتساب المخلوقين المكلفين ولا يمكن الاحتراس منه كالجيش والسارق، فاختلف فيه هل هو جائحة أم لا فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك جائحة، لأنه عنده مما لا يمكن الاحتراس منه، ولا يقدر على دفعه، وذهب ابن الماجشون ومطرف إلى أن ذلك ليس بحائحه، لأن ذلك مما يمكن عنده دفعه؛ لأن السلطان يكف الجيش ويمنعه؛ وكذلك السارق يتحصن منه؛ وقال ابن نافع الجيش جائحة وليس السارق بجائحة، فكأنه رأى أن الجيش مما لا يمكن دفعه، وأن السارق يقدر على التحفظ منه والتحصن عنه. ومن أهل العلم من يرى أن الجائحة توضع في القليل والكثير - وهو قول أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث، وأحد قولي الشافعي؛ ففي المسألة ثلاثة أقوال القولان: طرفان في الإغراق، ومذهب مالك ﵀ وأصحابه عدل بينهما، وكذلك تجد مذهبه أبدا أعدل المذاهب وأوسطها، فإنه كان موقفا مؤيدا، فهذه جملة تبنى عليها مسائل الكتاب - إن شاء الله، وبه التوفيق.
стр. 1145
كتاب المساقاة
المساقاة عمل الحائط على جزء من ثمرته، وهي مأخوذة من السقي لأن السقي جل عمل الحوائط، وهو يصلح ثمرتها وينميها؛ قال الله : ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
فصل
«ونهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وعن بيع الغرر، وعن الاستئجار بأجر مجهول» فقال «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم»، والمساقاة من بيع الغرر، ومن الاستئجار بأجر مجهول، ومن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، إلا «أن رسول الله ﷺ ساقى يهود خيبر يوم افتتحها في النخل على أن لهم نصف الثمرة بعملهم، والنصف يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال لهم: " أقركم ما أقركم لله على أن الثمرة بيننا وبينكم "، فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول لهم: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.» فكان هذا من
стр. 1146
فعله ﷺ مخصصا لما نهى عنه من بيع الغرر ومن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، ومن الاستئجار بأجر مجهول، لأن ذلك عموم ومساقاته ليهود خيبر في النخل خصوص، والخاص يحمل على التفسير العام، والتخصيص له والبيان للمراد به.
فصل
فالمساقاة جائزة عند مالك ﵀ وجميع أصحابه، وعند الشافعي؛ وخالف في جوازها أبو حنيفة؛ والدليل على صحة قول من قال بجوازها، «أن رسول الله ساقى يهود خيبر على أن لهم نصف الثمرة بعملهم، وكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرصها عليهم» ثم أقرهم أبو بكر على ذلك ثم عمر بن الخطاب إلى أن بعث ابنه عبد الله ليخرص عليهم، فسحروه فتكوعت يده؛ ثم إنه أجلاهم عنها إلى الشام. ثم عمل عثمان بعده على المساقاة والخلفاء بعده؛ وفي إقرار أبي بكر وعمر ﵄ يهود خيبر على مساقاتهم التي ساقاهم عليها النبي ﵇ وعمل الخلفاء بعدهما بها، بيان واضح على أن المساقاة حكم من رسول الله ﷺ ، محكم غير مفسوخ؛ هذا من طريق الأثر، ومن طريق النظر أيضا: أن الأصول مال لا ينمو بنفسه ولا تجوز إجارته وإنما ينمى بالعمل عليه، فجاز العمل عليه ببعض ما يخرج منه كالقراض، بل المساقاة أولى بالجواز من القراض، لأن الغرر والخطار في القراض أكثر، لأنه قد يكون في المال ربح، وقد لا يكون فيه ربح، وجواز أحد الأمرين كجواز الآخر، ليس أحدهما أغلب من صاحبه، والنخل قد أجرى الله العادة بأن تحمل كل سنة، فلا بد أن يكون للنخل ثمرة في الغالب من الأحوال؛ وهذا بين وإنما قلنا في قياسنا هذا ولا تجوز إجارته تحرزا من أن يلزمنا عليه كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها.
стр. 1147
فصل
وذهب من خالفنا في جواز المساقاة إلى أن فعل رسول الله ﷺ مع يهود خيبر منسوخ بنهيه ﷺ عن المخابرة، وقالوا هو مشتق من خيبر - ومعناه النهي عن العمل الذي فعل بخيبر، وذلك ليس بصحيح، لأن عقود المعاوضات لا يشتق لها الأسماء من أماكنها بخلاف قولهم أتهم وأنجد لأنا قد عرفنا من لغة العرب اسم الفاعل من نزوله بالمكان، وعقود المعاوضات بخلاف ذلك؛ ولأن العرب كانت تعرف المخابرة قبل الإسلام، وهو عندهم اسم لكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ولأن الصحابة قد عملوا بالمساقاة بعده، فبطل ما ادعوه بكل وجه.
فصل
وعللوا أيضا حديث المساقاة بأن قالوا إن أهل خيبر كانوا عبيدا للنبي ﵇ والمسلمين، لأن الله تعالى أفاء عليهم خيبر وأهلها، فلذلك جازت المساقاة بينه وبينهم على جزء من الثمرة، وصح أن تخرص الثمرة عليهم فيخيرهم الخارص بين أن يلتزموا نصيب المسلمين بما خرصه به، أو يلتزم هو نصيبهم على ما ورد في الحديث، وهذا ما لا يصح؛ ولنا عنه أجوبة، منها أن عبد الله بن رواحة كان يخرص عليهم، فقالوا له أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم؛ وعلى قولهم: إن السيد لا يصح ضمانه من عبده، لأن العبد لا يملك عندهم، فماله لسيده، وبيع الثمر في رؤوس النخل بخرصها إلى الجداد، من المزابنة التي لا تجوز إلا فيما خصصته السنة من بيع العرايا في خمسة أوسق، أو فيما دون خمسة أوسق. وقوله في هذا الحديث إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم، هو والله أعلم مما نسخ بنسخ الربا، لأنه متأخر - وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ كان من آخر ما أنزل الله على رسوله ﷺ آية الربا، فتوفي رسول الله ﷺ ولم يفسرها، فدعوا الربا والريبة. وقد قيل إن ابن رواحة إنما كان يخرص ليعرف قدر الزكاة التي كانت تلزم المسلمين، كما يخرص
стр. 1148
على المسلم حائطه لإحصاء الزكاة فيه، وهو مذهب مالك وجماعة من أهل العلم سواه، والآثار لا تدل على ذلك، بل تدل على خلافه وعلى أن الخرص إنما كان فيما بينهم وبين المسلمين، ليضمنوا نصيب المسلمين بما خرص عليهم. روي «عن جابر بن عبد الله قال أفاء الله خيبر على رسول الله ﷺ ، فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال: يا معشر اليهود، أنتم أبغض خلق الله إلي قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله؛ وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن شئتم فلي» - يريد والله أعلم - بعد إخراج الزكاة من الجميع، لأن المساقاة إنما تزكى على ملك صاحب الحائط، لا على ملك العامل ولا على ملكهما؛ وروي «عن عبد الله بن عمر قال فخرصها عليهم عبد الله بن رواحة، فصاحوا إلى رسول الله ﷺ من خرصه، فقال لهم عبد الله بن رواحة أنتم بالخيار، إن شئتم فهي لكم، وإن شئتم فهي لنا بخرصها، ونؤدي إليكم نصفها؛ فقال بهذا قامت السماوات والأرض؛» وذكر مالك ﵀ في موطئه عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار «أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حلي نسائهم، فقالوا هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أخفف عليكم؛ فأما ما عرضتم من الرشوة، فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض». فقوله في هذا الحديث خفف عنا وتجاوز في
стр. 1149
القسم، يدل على أن الخرص إنما كان في القسمة بين المسلمين واليهود، فهو حجة لمالك فيما قاله، وتابعه عليه جميع أصحابه من جواز قسمة ثمر النخل بالقسمة بين الشركاء بالخرص، لأن اليهود كانوا. أشراكا للمسلمين في الثمر بعملهم؛ ويحتمل أن يكون هذا في طائفة من اليهود في بعض حصونهم ومواضعهم. وجاء في سائر الآثار من تضمين اليهود نصيب المسلمين بما خرص عليهم ومن تخييرهم في أخذه دون ذكر ضمان مع طوائف غيرها في مواضع سواها، لأن خيبر كانت حصونا كثيرة؛ فأما تخييرهم في أخذهم الثمر في رؤوس النخل بما خرص عليهم من الثمر، ليؤدوه عند الجداد من غير تضمين فليس بضيق، وقد أجازه جماعة من أهل العلم، وهو على قياس ما قاله مالك في الخرص بسبب الزكاة؛ وأما تخييرهم في التزامهم الثمرة في رؤوس النخل بما خرصت به عليهم من الثمر يؤدونه عند الجداد مضمونا عليهم فهو من المزابنة، ولا يكون ذلك إلا منسوخا كما ذكرنا - والله أعلم. وقد ذكر عن بعض أهل العلم إجازته وهو بعيد. وأما المساقاة فمحكمة غير منسوخة، بدليل ما ذكرناه من إقرار أبي بكر وعمر ﵄ اليهود على المساقاة التي ساقاهم عليها النبي ﵇؛ ومن أجوبتنا على أن يهود خيبر لم يكونوا عبيدا للمسلمين. أن أبا بكر وعمر أقراهم على المساقاة، ثم أجلاهم عمر إلى الشام، ولو كانوا عبيدا للمسلمين، لم يكن ليتلف عليهم أموالهم، فليس أهل العنوة بعبيد إذا أقروا في مواضعهم، وضربت عليهم الجزية؛ وإنما هم أهل ذمة أحرار وقد سئل ابن القاسم عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر، هل يحل أن ينظر الرجل إلى شعورهن؛ قال: لا يحل أن ينظر الرجل إلى شعورهن ولا إلى شيء من عوراتهن؛ قيل له ليس هن بمنزلة الإماء؛ قال: لا بل هن أحرار، كان دية من قتل منهن خمسمائة، ومن أسلم منهن كان حرا، فهن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار؛
стр. 1150
هذه رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، واتقى في سماع سحنون منه تزويج بناتهم ولم يره حراما.
فصل
والمساقاة مستثناة من الأصول الممنوعة لضرورة الناس إلى ذلك وحاجتهم إليه، إذ لا يمكن للناس عمل حوائطهم بأيديهم، ولا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها للاستئجار من ثمنها على ذلك - إن لم يكن لهم مال، فلهذه العلة رخص في المساقاة.
فصل
والمساقاة أصل في نفسها وعقد على حياله، فلا تنعقد إلا بلفظ المساقاة على مذهب ابن القاسم لو قال رجل لرجل أستأجرك على عمل حائطي هذا بنصف ثمرته، لم يجز على مذهبه؛ كما لا تجوز الإجارة بلفظ المساقاة، وذلك بين من قوله في الكتاب إذا ساقاه في ثمرة قد طاب بعضها أن ذلك لا يجوز وتكون إجارة؛ بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها ويجعلها إجارة؛ ولمالك في كتاب ابن المواز مثله، وكلام ابن القاسم أصح، لأن المساقاة والإجارة أصلان، وأحكامهما مفترقة، فلا ينعقد أحدهما بلفظ الآخر.
فصل
وهي من العقود اللازمة تنعقد باللفظ وتلزم به؛ بخلاف القراض الذي إنما ينعقد ويلزم بالعمل لا باللفظ؛ واختلف في المزارعة: فقيل إنها تنعقد وتلزم باللفظ، وقيل إنها لا تنعقد وتلزم إلا بالعمل، وقيل إنها تنعقد وتلزم بالشروع في العمل، وأما الشركة فإنها لا تلزم باللفظ ولا بالعمل واختلف بماذا تنعقد به فقيل إنها تنعقد باللفظ، وقيل إنها لا تنعقد إلا بالعمل والقولان قائمان من المدونة.
стр. 1151
فصل
ولا تجوز المساقاة إلى أجل مجهول، وإنما تجوز إلى سنين معلومة وأعوام معدودة، إلا أنها تكره فيما طال من السنين وانقضاء السنين فيها بالأجرة لا بالأهلة فلا تجوز المساقاة إلى أشهر معلومة.
فصل
وليس في قول النبي ﵇ ليهود خيبر: «أقركم ما أقركم الله»، دليل على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، لأن قوله ذلك إنما كان عدة منه لهم في أن يقرهم في المساقاة على شروطها - ما أقرهم الله أي لم يأمره الله تعالى بإجلائهم عنها، وترك معاملتهم فيها، وكان يرجو ذلك من الله، فلم يأذن له فيه إلا في مرضه الذي مات منه، فأوصى بذلك وأجلاهم عمر بعده لأنه ساقاهم مدة مجهولة أو مدى أعمارهم، وإنما قال ذلك لهم بعد عقد المساقاة معهم كما يقول الرجل للرجل إذا شاركه أو قارضه: أنت شريكي ما أحيانا الله، لا يريد بذلك ضرب مدة مجهولة، وإنما يريد إني أبقى معك على القراض. والشركة على شروطها؛ هذا تأويل الحديث عندنا - والله أعلم. وقد قيل إنه إنما قال ذلك لهم وكان يخرص عليهم، لأنهم عبيده أفاءهم الله بأرضهم عليه؛ ويجوز بين العبد وسيده من الغرر ما لا يجوز بين الأجنبيين، وقد تقدم تضعيف هذا التأويل فلا معنى لإعادة القول فيه.
فصل
وتجوز المساقاة في كل أصل له ثمرة ما لم يحل بيع الثمرة - كان الأصل ثابتا أو غير ثابت، إلا أنه ما كان ثابت الأصل كالنخل والشجر والزيتون فتجوز فيه المساقاة - عجز عنها صاحبها أو لم يعجز، وما كان غير ثابت الأصل كالمقاثي والباذنجان والكمون والزرع وقصب السكر، فلا تجوز فيه المساقاة حتى يعجز عنه صاحبه؛ هذا على مذهب مالك؛ وابن نافع يجيز المساقاة في ذلك كله - عجز عنه صاحبه، أو لم يعجز؛ والشافعي لا يجيز المساقاة إلا في النخل والكرم الذي جاء
стр. 1152
فيه الخرص، وكان أبو عمر بن القطان يقول: المساقاة جائزة على ما في المدونة في الياسمين والورد والقطن - عجز عنه صاحبه، أو لم يعجز، خلاف المقاثي والزرع؛ وهو بعيد من التأويل، إذ لا يعضده دليل؛ وإذ لا فرق في حقيقة القياس بين القطن والزرع والمقاثي وقصب السكر في جواز المساقاة فيها من غير عجز، لأن أصولها غير ثابتة، بخلاف الياسمين والورد التي أصولها ثابتة، فلا ينبغي أن يختلف في أن المساقاة في الياسمين والورد جائزة على مذهب مالك - وإن لم يعجز صاحبها عن عملها؛ ولو قال قائل إن المساقاة في المقاثي والقطن وما كان في معناهما، جائزة. وإن لم يعجز صاحبها عن عملها، بخلاف الزرع وقصب السكر وما كان في معناهما، لكان له وجه، لأن هذه ثمار تجنى من أصولها، فأشبهت ثمار الأصول الثابتة والزرع وقصب السكر وما أشبههما لا تجنى من أصولها إلا بقطع الأصول، ففارقت ثمر الأصول؛ إلا أن هذا لم يقولوه ولا يوجد لهم، وليس في قوله في المدونة: لا بأس بمساقاة الياسمين والورد والقطن - ما يوجب استواءها في أنه لا بأس بالمساقاة فيها كلها وإن لم يعجز عنها، لاحتمال قوله: لا بأس بالمساقاة فيها كلها، إذا عجز عن عمل القطن منها.
فصل
ولا تجوز المساقاة في شيء مما ليس له أصل ثابت لأعوام ولا لعام واحد، إلا بعد أن ينبت ويستقل كالزرع سواء وقبل أن يحل بيعه.
فصل
ولا تجوز في شيء من البقول، لأن بيعها يحل إذا نبتت واستقلت، وأجاز ابن دينار فيها المساقاة، ومعناه إذا نبتت قبل أن يستقل على القول بجواز المساقاة - في الزرع إذا نبت قبل أن يستقل؛ لأن البقول إذا نبتت واستقلت، جاز البيع فيها، ولا تجوز مساقاة ما يجوز بيعه؛ واختلف في الفجل والاسفنارية فجعلهما في المدونة من البقول في حكم وضع الجائحة، فعلى قوله فيهما لا تجوز المساقاة
стр. 1153
فيهما، لأن من أصل ابن القاسم أن كل ما وضعت الجائحة في قليله وكثيره، لم تجز المساقاة فيه، وما لم توضع الجائحة فيه إلا في الثلث، جازت فيه المساقاة؛ وروى سحنون عن ابن القاسم أن المساقاة جائزة فيهما أي في الفجل والاسفنارية، وعلته في جواز المساقاة فيهما: أن لهما حدا يجوز إليه بيعهما فيما لم يبلغا حد جواز البيع فيهما، أشبها الزرع وقصب السكر ونحو ذلك في جواز المساقاة فيها بعد نباتها واستقلالها.
فصل
وتجوز المساقاة على ما اتفقا عليه من الأجزاء، وعلى أن تكون الثمرة كلها له بعمله؛ وقد قيل إن إعطاء الرجل الرجل ثمر حائطه كلها بعمله فيه منحة وعطية كإخدام العبد، لأن المخدم ينفق عليه فيفتقر إلى الحيازة، ويبطل بالموت، وهو بعيد؛ ولا يجوز أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دنانير ولا دراهم ولا شيئا من الأشياء إلا ما استخف من اشتراط الشيء اليسير على العامل من العمل الذي لا يلزمه، مثل سد الحظيرة، وإصلاح الغفيرة وهي مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها، لأن المساقاة عقد مستثنى من الأصول جوز للضرورة، فلا يجوز منه إلا قدر ما جوزه الشرع، والذي جوزه الشرع منه ما كان متعلقا بإصلاح الثمرة، وما زاد على ذلك كان ممنوعا بالأصل، لأنه إجارة مجهولة وبيع الثمر قبل بدو صلاحها.
فصل
وعمل الحائط على وجهين:
فمنه ما يتعلق بإصلاح الثمرة.
ومنه ما لا يتعلق بإصلاحها.
فأما ما لا يتعلق بإصلاح الثمرة، فلا تجب على المساقي، ولا يصح أن يشترط عليه من ذلك إلا الشيء اليسير - كما تقدم.
стр. 1154
وأما ما يتعلق بإصلاح الثمرة، فإنه ينقسم على ضربين:
ضرب منه ينقطع بانقطاعها ويبقى بعدها الشيء اليسير.
وضرب منه يتأبد ويبقى أثره.
فأما ما ينقطع بانقطاع الثمرة ويبقى بعده الشيء اليسير، فهذا الذي يلزم المساقي ويجب له به العوض، وذلك مثل الحفر والسقي وزبر الكرم، وتقليم الشجر، والتسريب، وإصلاح مواضع السقي، والتذكير والجداد، وما أشبه ذلك.
وأما ما يتأبد ويبقى بعد الثمرة مثل إنشاء حفر بئر أو إنشاء ظفيرة للماء، أو إنشاء غراس، أو بناء بيت تجنى فيه الثمرة كالجرين، وما أشبه ذلك فلا يلزم العامل، ولا يجوز اشتراطه عليه عند المساقاة؛ لأنه إذا اشترط ذلك عليه، فقد وقع له حصة من الثمن، وهو لو استأجره عليه على انفراده بجزء من الثمرة لم يجز، لأنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فكذلك إذا اشترطه عليه في المساقاة، لأن العوض قد حصل عليه في الموضعين.
فصل
فإذا وقعت المساقاة على غير الوجه الذي جوزه الشرع، فإنها تفسخ ما لم تفت بالعمل ويرد الحائط إلى ربه، واختلف إذا فاتت بالعمل ماذا يجب للعامل فيها بحق عمله على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يرد إلى إجارة مثله جملة من غير تفصيل، وهذا يأتي على قول عبد العزيز بن أبي سلمة في القراض الفاسد.
والثاني أنه يرد إلى مساقاة مثله جملة أيضا من غير تفصيل، وعليه يأتي قول أصبغ في العتبية في الذي يساقي الرجل في الحائط على أن يحمل أحدهما
стр. 1155
نصيبه من الثمرة لصاحبه إلى منزله - وهو بعيد، وهو على أصل ابن الماجشون وروايته عن مالك وقول أشهب في القراض الفاسد.
والثالث: أنه يرد في بعض الوجوه إلى إجارة المثل، وفي بعضها إلى مساقاة المثل - وهو مذهب ابن القاسم - وذلك استحسان ليس بقياس على نحو قوله أيضا في القراض، والأصل في ذلك عنده أن المساقاة إذا خرجا فيها عن حكمها إلى حكم الإجارة الفاسدة، أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بما اشترطه أحدهما على صاحبه من زيادة يزيده إياها خارجة عنها؛ فإنه يرد فيها إلى إجارة المثل إذا لم يعثر عليها حتى فاتت بالعمل، وذلك مثل أن يساقيها في حائطه على أن يزيد أحدهما صاحبه دنانير، أو دراهم، أو عرضا من العروض، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا ساقاه على أن يزيده صاحب الحائط دنانير أو دراهم أو عرضا من العروض، فقد استأجره على عمل حائطه بما أعطاه من الدنانير أو الدراهم أو العروض، وبجزء من ثمره، فوجب أن يرد إلى إجارة مثله، ولأنه إذا ساقاه على أن يزيده العامل دنانير أو دراهم أو عرضا من العروض فقد اشترى منه الثمرة بما أعطاه من الدنانير أو الدراهم أو العروض، وبعمله في الحائط، فوجب أن يرد إلى إجارة مثله، أيضا، وأما إذا لم يخرجا عن حكمها وإنما عقداها على غرر، مثل أن يساقيه حائطا على الثلث، وحائطا على النصف وما أشبه ذلك، أو اشترط أحدهما فيها على صاحبه من عمل الحائط ما لا يلزمه مما لا يبقى لرب الحائط منفعة مؤبدة، فإنه يرد في ذلك إلى مساقاة مثله؛ وهذه جملة تأتي عليها مسائل كثيرة، هي مبسوطة مسطورة لابن حبيب وغيره، والذي يوجد لابن القاسم أنه رده فيه إلى مساقاة المثل في أربع مسائل: اثنتان في المدونة وهي إذا ساقاه في حائط وفيه ثمر قد أطعم.
والثانية إذا شرط المساقى على المساقي أن يعمل معه، والاثنتان في
стр. 1156
العتبية الواحدة منهما في سماع عيسى من كتاب النكاح وهي المساقاة مع البيع في صفقة واحدة.
والثانية منها في سماع عيسى من كتاب الجوائح والمساقاة وهي إذا ساقاه في حائطه سنة على الثلث أو سنة على النصف؛ فقال إنه يرد فيهما جميعا إلى مساقاة مثله؛ وكذلك يلزم على هذا إذا ساقاه في حائطين أحدهما على الثلث، والثاني على النصف؛ وكذلك ما أشبه هذا المعنى؛ ومثله إذا ساقاه في حائط على أن يكفيه مؤونة حائط آخر. فقال إنه يكون إجارة مثله في الذي شرط عليه كفايته، ويرد في الآخر إلى مساقاة مثله.
والقول الرابع أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم تكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان الشرط للمساقي أو أقل - إن كان الشرط للمساقى وكان يمضي لنا عند من أدركناه من الشيوخ أن الذي ترد فيه إلى مذهب ابن القاسم من المساقاة الفاسدة إلى مساقاة مثله. هذه الأربع مسائل المنصوص عليها وسائرها كلها يرد فيها - إلى مذهبه - إلى إجارة المثل فعلى قولهم في تأويلهم على ابن القاسم، يكون هذا قولا خامسا في المسألة، والصواب أن ما ذهب إليه ابن حبيب على الأصل الذي ذكرناه، مفسر لمذهب ابن القاسم لا خلاف له.
فصل
فما يرد العامل فيه إلى أجرة مثله يفسخ ما عثر عليه قبل العمل وبعده، ويكون له فيما عمل إلى وقت العثور عليه أجرة مثله؛ وأما ما يرد فيه إلى مساقاة مثله، فإنما يفسخ ما لم يفت بالعمل، فإذا فات بالعمل لم تفسخ المساقاة إلى انقضاء أمدها وكان فيما بقي من الأعوام على مساقاة مثله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1157
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب القراض
فصل في معرفة اشتقاق اسم القراض
القراض مأخوذ من القرض. وأصل القرض ما يفعله الرجل ليجازى عليه من خير أو شر، بدليل قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] لأن فيه دليلا على أن القرض قد يكون حسنا وغير حسن. ومن ذلك سمي السلف قرضا لأنه إنما يفعله الرجل بصاحبه ليجازيه الله به.
وسمى الله تعالى إنفاق المال في سبيله ابتغاء ما عنده قرضا حسنا لإمضائه إياه وتبتيله له لوجهه خالصا رجاء ثوابه عليه فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] وقال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] فلما كان صاحب المال والعامل فيه على جزء منه منتفعين جميعا يقصد كل واحد منهما إلى منفعة صاحبه لينفعه هو اشتق له من معناه اسم وهو القراض والمقارضة، من قارض يقارض لأنها مفاعلة من اثنين كالمقاتلة والمشاتمة. هذا اسمه عند أهل الحجاز. وأما أهل العراق فلا يقولون قراضا البتة ولا عندهم كتاب القراض، وإنما يقولون مضاربة وكتاب المضاربة، أخذوا ذلك من قول الله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] وقوله:
стр. 1158
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يدفع إلى الرجل ماله على أن يخرج به إلى الشام وغيرها فيبتاع المتاع على هذا الشرط. وفي قول الصحابة لعمر بن الخطاب ﵁ في قصة ابنيه عبد الله وعبيد الله: لو جعلته قراضا، دليل على صحة هذه التسمية في اللغة، لأن الصحابة- ﵃ هم أهل اللسان وأرباب البيان، وإذا كان يحتج في اللغة بقول امرئ القيس والنابغة فالحجة بقول هؤلاء أولى وأقوى.
فصل
ومما يحتج به في جواز القراض قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] الآية لأن القراض تجارة من التجارات. والقراض هو مما كان في الجاهلية فأقر في الإسلام لأن الضرورة دعت إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها بالتجارة فيها، وليس كل امرئ يقدر على ذلك بنفسه، فاضطر فيه إلى استنابة غيره، ولعله لا يجد من يعمل له فيه بإجارة لما جرت عادة الناس في ذلك على القراض، فرخص فيه لهذه الضرورة، واستخرج بسبب هذه العلة من الإجارة المجهولة على نحو ما رخص في المساقاة وبيع العرية والشركة في الطعام والتولية فيه، وصار لهذا الوجه سنة، فلا خلاف في جوازه بين الأمة في الجملة وإن اختلفوا في كثير من شروطه وأحكامه، سعمل به الصحابة والسلف، واتبعهم عليه الخلف.
فصل
وأول قراض كان في الإسلام قراض يعقوب مولى الحدقة مع عثمان بن عفان
стр. 1159
- ﵁. وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث من يقيم من السوق من ليس بفقيه، فأقيم يعقوب فيمن أقيم، فجاء إلى عثمان بن عفان ﵁ فأخبره فأعطاه مزود تبر قراضا على النصف، وقال له إن جاءك من يعرض لك فقل المال لعثمان، فقال ذلك فلم يقم، فجاء بمزود رأس المال ومزود ربح. ويقال إن أول قراض كان في الإسلام قراض عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عن جميعهم-. وذلك أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵃ خرجا في جيش إلى العراق، فلما مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت. ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، فقالا وددنا. ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل الذي أسلفكما؟ فقالا لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، وقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا. فقال عمر قد جعلته قراضا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال.
فصل
والقراض أصل في نفسه، وهو رخصة وتوسعة بين المسلمين للضرورة التي دعت إليه، فلا يعمل به إلا على ما جرى من سنته. وسنة القراض المعروف الجائز
стр. 1160
أن يدفع الرجل إلى الرجل المال على أن يعمل به على جزء من الربح يتفقان عليه، ولا ضمان على العامل فيه لأنه أمانة بيده إلا أن يتعدى فيه أو يخالف إلى شيء مما نهي عنه. ولا نفقة له في المال ولا كسوة إلا أن يسافر به سفرا بعيدا والمال كثير فله فيه النفقة والكسوة. وإن كان السفر بعيدا والمال قليلا فلا نفقة له ولا كسوة. وإن كان السفر قريبا والمال كثيرا فله فيه النفقة دون الكسوة. وإن كان السفر قريبا والمال قليلا فله النفقة دون الكسوة على ما في سماع عيسى عن ابن القاسم، وظاهر ما في الواضحة أنه لا نفقة له ولا كسوة.
فصل
ولا ربح للعامل في المال حتى ينض إلى رب المال رأس ماله. وحكم الزكاة على مذهب ابن القاسم أن يخرج من جملة المال عند المفاصلة إذا كان في رأس مال رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة وعمل بالمال حولا كاملا. وفي هذا الكتاب دليل على وجوب الزكاة في جملة المال وإن لم يعمل به حولا كاملا إذا كان في رأس مال رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة. وذهب سحنون إلى أن الزكاة تخرج من جملة المال إذا كان فيه ما تجب فيه الزكاة وإن لم يعمل العامل به حولا ورأى الربح مزكى على أصل المال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه في العتبية. - ولا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل، ويجوز أن يشترطها العامل على رب المال لأنها واجبة عليه. واختلف إن اشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز لكل واحد منهما على صاحبه، وهو قول ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك، لأنه يرجع إلى جزء مسمى. فإن اشترطت الزكاة على العامل صار عمله على أربعة أعشار الربح وثلاثة أرباع عشره. وإن اشترطت الزكاة على رب المال صار عمله على نصف الربح كاملا.
والثاني: أن ذلك لا يجوز لواحد منهما على صاحبه وهو قول مالك في أصل الأسدية.
следующие страницы →