← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والمرض، وحملها ابن القاسم على أنها مضمونة عليهما لا تنفسخ بموتهما وتلزمهما في أموالهما ولا يمكن أن يختلفا لمن يكون العامل متطوعا إذا وقعت الإجارة على بيان في المضمون أو المعين. وإن أشبه أن يختلفا فيما تحمل عليه إن لم تقع على بيان. وإنما يكون العامل متطوعا لصاحبه في المضمون أو لصاحب البير في المعين إذا لم يحتج إلى الاستئجار على ذلك، على قولهم فيمن حصد زرعا لغيره بغير إذنه. وبالله التوفيق. فصل وأما شركة الذمم فلم يجزها مالك لأنها شركة بغير مال ولا صناعة، فكأن كل واحد منهما قال لصاحبه تحصل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحصل عنك بنصف ما اشتريت. وذلك غرر ومخاطرة. وقال أبو حنيفة: شركة الوجوه جائزة، وهي تنعقد على الوكالة لأن ما يشتريه كل واحد منهما فبعض له وبعض لصاحبه على وجه الوكالة. وهذه الوكالة تصحح حال وهذا لا يصح، لأنه لو قال وكلتك لتشتري لي سلعة على أن يكون لك ربح سلعتي التي اشتريتها لم يصلح لأن ذلك مجهول منهما جميعا. وإنما جاز ذلك في شركة العنان لأن هناك أصلا تنعقد الشركة عليه وهو المال. فإن قالوا أليس يجوز أن يشتري الرجلان سلعة بينهما بالدين على أن كل واحد منهما حميل بها على صاحبه فتصح الشركة فيها ويكون كل واحد منهما ضامنا لما على صاحبه. فإذا جازت الشركة بشرط الضمان في هذه المسألة جازت شركة الذمم لأنها شركة تقتضي الضمان، لأن ما جاز اشتراطه جاز القصد إليه. قلنا: لا يلزم ذلك. والفرق بين المسألتين أن اللذين اشتريا السلعة بالدين على أن كل واحد منهما ضامن لما على صاحبه يعلم كل واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه، لأنهما شريكان فيما تحملا بثمنه، كمسألة كتاب السلم الثاني في

стр. 1192

الرجل يسلم إلى الرجلين على أن كل واحد منهما حميل بما على صاحبه فجاز ذلك إذ لا غرر فيه. وأما شركة الذمم فإنما قصد فيها إلى أن يتحمل كل واحد منهما عن صاحبه بنصف ما يبتاعه بغير إذنه ولا معرفته، وذلك من أعظم الغرر وقد منع في كتاب البيوع الفاسدة ما هو أقل غررا من هذا، وهو أن يبيع الرجلان سلعتيهما من رجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر، فلم يجز ذلك إذ لا يدري كل واحد منهما ما يتحمل به عن صاحبه، إذ قد تستحق سلعة أحدهما ولا تستحق سلعة الأخر. وإن استحقت إحداهما فلا يدري بما يرجع عليه إلا بعد التقويم، وليس هما شريكين فيما باعاه. وشركة الذمم لا يدري كل واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه بحال، لأنه إنما تحمل عنه بما يبتاع بغير إذنه ولا علمه. وقد حمل بعض الناس مسألة كتاب البيوع الفاسدة هذه على الخلاف لما في كتاب الشركة من إجازة شراء الرجلين السلعة بالدين على أن كل واحد منهما حميل بما على صاحبه، لتعليله مسألة كتاب البيوع الفاسدة بأن المشتري إنما اشترى من أحدهما على أن يتحمل ما على الآخر، فابتاع من الملي على أن يتحمل له بما على الآخر. ومسألة كتاب السلم الثاني إنما أسلم إلى أحدهما على أن يتحمل له بما على الآخر فأسلم إلى الملي على أن يتحمل له بما على المعدم. والصواب أن ذلك ليس باختلاف من القول. والفرق بينهما أن مسألة كتاب البيوع الفاسدة لم يكن البائعان المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكين فيما باعاه ولا عرف كل واحد منهما مقدار ما تحمل به عن صاحبه. ومسألة كتاب الشركة المتبايعان المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكان فيما ابتاعاه، يعرف كل واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه. وكذلك مسألة كتاب السلم الثاني المسلم إليهما المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكان في الدنانير التي هي رأس مال السلم وعرف كل واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه. فالأصل في هذا أن الحميلين المتحمل كل واحد منهما بما على صاحبه إذا كانا شريكين فيما باعاه أو ابتاعاه جائز، وإن لم يكونا شريكين لم يجز. فعلى هذا إذا باع رجلان سلعة من رجل على أن كل واحد منهما حميل عن صاحبه جاز ذلك لكونهما شريكين فيها ومعرفة كل واحد منهما بما تحمل به عن صاحبه. وسواء كانت شركتهما فيها على السواء أولم تكن على

стр. 1193

السواء. ولو اشترى رجلان سلعتين من رجل على أن يأخذ أحدهما إحدى السلعتين بكذا أو بما ينوبها من الثمن على الاختلاف في ذلك، ويأخذ الثاني السلعة الثانية بكذا أو بما ينوبها من الثمن أيضا على أن كل واحد منهما حميل بما على صاحبه لم يجز لكونهما غير شريكين فيها، لأنهما إذا لم يكونا شريكين فيها فهي بمنزلة الصفقتين ولا إشكال في الصفقتين لو باع رجل سلعة من رجل أو بعض سلعة ثم باع في صفقة ثانية من رجل آخر سلعة أخرى أو بقية السلعة على أن يتحمل له بما على المبتاع الأول لم يجز لأنه بيع على حمالة، وهي الحمالة بالجعل. وقد ذهب ابن لبابة إلى أن حمالة الرجلين كل واحد منهما بما على صاحبه في الصفقة الواحدة يجوز في المبتاعين ولا يجوز في البائعين. والفرق بينهما عنده أن السلعة التي باعها البائع من الرجلين على أن كل واحد منهما حميل عن صاحبه لو دفعها لأحدهما في جميع ما عليهما وعلى صاحبه لجاز، وإن الثمن الذي دفعه المشتري إلى البائعين على أن كل واحد منهما حميل بما على صاحبه لو دفعه إلى أحدهما فيما يجب عليه بالضمان الذي اشترط عليه لم يجز. فبهذا افترقت المسألتان عنده. وما قدمنا ذكره هو الصحيح إن شاء الله أن الشركة رخصة، فيجوز في الاشتراك ما لا يجوز مع الانفراد. فصل واختلف فيما تنعقد به الشركة بين المتشاركين على قولين: أحدهما أن تنعقد باللفظ وإن بقي ما أخرجه كل واحد منهما بيده فإن ضمانه منه، فيكون ما اشترى أحدهما بالمال الذي أخرجه بينهما وإن تلف مال صاحبه بيده قبل أن يخرجه فكان ضمانه منه، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة خلاف قول غيره فيها، وذلك إذا اشترى بما أخرج قبل تلف ما أخرجه صاحبه. وأما إن اشترى به بعد تلف ما أخرجه صاحبه وهو لا يعلم فهو بالخيار بين

стр. 1194

أن يلزمه ما اشتراه أو ينفرد به دونه، لأنه يقول له لو علمت أن المال الذي أخرجته قد تلف لم أشتر إلا لنفسي. وأما ما اشترى بعد أن علم بتلف ما أخرجه صاحبه فهو له خاصة. والثاني أنها لا تنعقد بينهما حتى يكون ضمان ما تلف بينهما، قيل بخلط ما أخرجاه وهو مذهب سحنون، وقيل بأن يجمعا المال عند أحدهما وإن لم يخلطاه وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة. فصل وهي من العقود الجائزة، لكل واحد من المتشاركين أن ينفصل عن شريكه متى ما أراد، ولا يلزمه البقاء معه على الشركة إلا على التكافي والاعتدال، لأنه إن فضل أحدهما صاحبه في قيمة ما يخرجه فإنما يسمح في ذلك رجاء بقائه معه على الشركة، وذلك لا يلزمه فيصير غررا. ألا ترى أن المزارعة تجوز وإن كان قيمة كراء ما يخرجه أحدهما أكثر مما يخرجه صاحبه على مذهب من يرى أن المزارعة تلزم بالعقد، وهو مذهب سحنون وابن الماجشون وقول ابن كنانة وابن القاسم في كتاب ابن سحنون. ولا يجوز ذلك على مذهب من يرى أن المزارعة لا تلزم بالعقد، ولكل واحد منهما أن ينفصل عن صاحبه- ما لم يبذرا، وهو قول ابن القاسم في المدونة ونص رواية أصبغ عنه في العتبية، ولا على مذهب من يرى أنها لا تلزم إلا بالشروع في العمل، وهو قول ابن كنانة في المبسوطة وبه جرت الفتوى عندنا بقرطبة. وهو على قياس رواية علي بن زياد عن مالك في أن الجاعل يلزمه الجعل بشروع المجعول له في العمل. فصل وإنما وقع هذا الاختلاف في المزارعة لأنها شركة وإجارة من كل واحد منهما مقتضية لصاحبتها بكليتها لا فضل فيها عنها. فاختلف أيهما يغلب. فمن غلب الشركة لم يرها بالعقد لازمة ولا أجازها إلا على التكافي، غير أنه جوز أن يتطول أحدهما على صاحبه بما لا قدر لكرائه. وفي التكافي قولان: أحدهما أنه لا يكون

стр. 1195

إلا بالتشارك في الرقاب حتى يستويا في مصيبة التلف. والثاني أنه يكون وإن لم يشتركا في الرقاب بأن تكون قيمة كراء ما يخرجه أحدهما مكافئا لقيمة كراء ما يخرجه صاحبه. ومن غلب الإجارة ألزمها بالعهد وأجاز التفاضل بينهما ولم يراع التكافي. قال ابن حبيب: ما لم يتفاحش الأمر مثل أن يكون قيمة كراء ما أخرجه أحدهما أكثر من قيمة ما أخرجه صاحبه بالأمر البائن الذي لا يتغابن في مثله في البيوع. وقال ابن سحنون ذلك جائز وإن تفاحش وتباين التفاضل إذا كان في العوض، وأما إن أخرج أحدهما شيئا له بال لم يخرج صاحبه عنه عوضا فلا يجوز. والقول الأول أقيس وهو إجازة التفاضل بكل حال على القول بتغليب الإجارة وإلزام العقد. فصل واختلف في المزارعة الفاسدة إذا وقعت وفاتت بالعمل على ستة أقوال: أحدهما: أن الزرع لصاحب البذر ويرد لأصحابه كراء ما أخرجوه. والثاني: أن الزرع لصاحب العمل، وهو تأويل ابن أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكى عنه ابن المواز. والثالث: أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول، وهي البذر، والأرض، والعمل. فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد منهم شيئان منها أو انفرد كل واحد منهم بشيء واحد منها كان الزرع بينهم أثلاثا. وإن اجتمع لأحد منهم شيئان منها دون أصحابه كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم واختيار ابن المواز على ما تأول أبو إسحاق التونسي. والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب وهي الأرض، والعمل، والبقر.

стр. 1196

والخامس: أن يكون لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء على هذا الترتيب وهي: البذر، والأرض، والعمل، والبقر. والسادس: قول ابن حبيب إن الفساد أن سلم من كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع بينهم على ما اشترطوه وتعادلوا فيما أخرجوه، وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع لصاحب البذر. فصل ولا يجوز أن ينضاف إلى الشركة بيع ولا إجارة إذا كانا خارجين عنها. واختلف إذا كانا داخلين فيها، فأجاز ذلك سحنون، واختلف فيها قول مالك، واضطرب فيه قول ابن القاسم في المدونة: فأجاز أن يشترك الرجلان بالعرضين من صنفين إذا استوت قيمتهما، وبالعروض من أحدهما والدنانير والدراهم من الآخر. ولم يجز أن يأتي الرجل بالدابة والآخر بالبيت أو الرحى فيشتركان على أن يعملا عليهما وإن استوت قيمة كرائهما، وأجاز أن يستأجر أحدهما من صاحبه نصف الدابة على أن يعملا عليها، وهذا تناقض لأنه بيع وأجرة داخلان في الشركة. وأجاز ذلك كله سحنون على أصله في أن كل بيع أو أجرة أو صرف كان داخلا في الشركة فهو جائز. فصل وعقد الشركة في المال بيع من البيوع، لأن الرجلين إذا تشاركا بالعروض أو الدنانير والدراهم فقد باع كل واحد منهما صاحبه نصف ما أخرج هو، وهو بيع لا تقع فيه مناجزة لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع بسبب الشركة. ألا ترى أنهم لم يجيزوا أن يصرف الرجل نصف ديناره من رجل إذا لم يبن مشتري نصف الدينار به لبقاء يد بائعه عليه بسبب الشركة، لأن أهل العلم أجمعوا على إجازة الشركة بالدنانير من كلا الشريكين أو الدراهم من كليهما جميعا أيضا، ولم يعتبروا عدم المناجزة منهما في ذلك، وهو إجماع على غير قياس. وقد اختلف أهل العلم في الإجماع على غير قياس هل يصح عليه القياس أم لا على قولين، فذهب ابن القاسم في هذه المسألة إلى جواز القياس عليه، فأجاز الشركة بالطعام إذا اتفق في

стр. 1197

الكيل والصفة قياسا على الدنانير والدراهم ومنع من ذلك في الدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، وفي الطعامين المختلفين كانا من صنف واحد كالقمح والشعير والبيضاء والمحمولة أو من صنفين كالقمح والزبيب، لاجتماع علتين في ذلك وهما الصرف والشركة في الدنانير والدراهم، والبيع والشركة في الطعامين المختلفين وعدم التناجز. وأجاز الشركة بالعرضين المختلفين أو العروض من أحدهما والدنانير أو الدراهم من عند الآخر إذا استوت القيمة في ذلك، فهو جائز، بخلاف البيع والصرف إذا كان خارجا عن الشركة فيجوز على مذهبه. وقوله الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر وبالطعامين المختلفين إذا اتفقت قيمتهما، أو المتفقين إذا اتفقا في القيمة والكيل لم يختلف قوله في شيء من ذلك ..

стр. 1198

فصل واختلف في الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر إذا وقعت على مذهب من لا يجيزها فلم يعثر عليها حتى فاتت بالعمل، فقيل إنهما يقتسمان ما بأيديهما على ما كان فيه من ربح أو خسارة على قيمة الدنانير والدراهم يوم اشتركا. وقيل إنهما يقتسمان ذلك على قيمة الدنانير والدراهم يوم الفسخ، وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة إذا اعتبرته بما يخرج الحساب، وهذا أقرب مأخذا في العمل. فصل فما يشترك به من الأشياء ينقسم على قسمين: أحدهما أن يشترك الرجلان بصنف واحد، والثاني أن يشتركا بصنفين. فأما الصنف الواحد فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون مما لا يؤكل ولا يشرب، والثاني أن يكون مما يؤكل ويشرب. فأما إن كان مما لا يؤكل ولا يشرب فسواء كان مما لا يجوز فيه]

стр. 1199

التفاضل كالذهب والفضة أو مما يجوز فيه التفاضل كالعروض. والشركة فيها جائزة باتفاق إذا استويا في الكيل والقيمة فيما لا يجوز فيه التفاضل، أو في القيمة فيما يجوز فيه التفاضل. وأما إن كان مما يؤكل ويشرب فأجاز الشركة فيه ابن القاسم وسحنون إذا اعتدلا في الكيل والقيمة قياسا على الدنانير والدراهم، والانفراد علة واحدة في ذلك أيضا فاستخفها واختلف في ذلك قول مالك. يجوز فيه التفاضل. وأما إن كان مما يؤكل ويشرب فأجاز الشركة فيه ابن القاسم وسحنون إذا اعتدلا في الكيل والقيمة قياسا على الدنانير والدراهم، والانفراد علة واحدة في ذلك أيضا فاستخفها واختلف في ذلك قول مالك. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن يشتركا بصنفين فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما أن يكون مما لا تجوز فيه النسيئة، والثاني أن يكون مما تجوز فيه النسيئة. فأما إن كان مما تجوز فيه النسيئة كالصنفين من العروض أو العروض والدنانير أو الدراهم، فأجاز ذلك ابن القاسم لانفراد العلة الواحدة وهي البيع والشركة، وسحنون أيضا، وهو مذهب مالك أيضا. وروي عنه أنه قال في ذلك: ليست الشركة بالعروض من عمل الناس، فغمز ذلك هذا القول والله أعلم لعلة البيع والشركة. وأما سحنون فلم يراع البيع مع الشركة إذا كان داخلا فيها وغير خارج عنها. فهذا ما حضرني من القول في الشركة، وبالله التوفيق.

стр. 1200

كتاب الوكالات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد. وبالله أستعين وعليه أتوكل. قال الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] وَقَالَ ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] وَقَالَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [النساء: ٨١]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] وهذا كله أصله الحفظ والرعاية، لأن الوكيل حافظ لما وكل عليه ينوب في الحفظ والرعاية مناب من وكله. ومن ذلك قوله ﵇ «إن الله وكل بالرحم ملكا يقول أي رب نطفة، أي رب علقة أي رب مضغة، فينفخ فيه الروح فيقول أي رب ما الرزق؟ وما الأجل؟ وشقي أو سعيد؟ فيكتب في بطن أمه». فصل فالوكالة نيابة عن الموكل، فهي لا تكون إلا فيما تصح فيه النيابة مما يلزم الرجل القيام به لغيره أو يحتاج إليه لمنفعة نفسه.

стр. 1201

فأما الوكالة فمما يلزم الرجل القيام به لغيره فكتوكيل الأوصياء والوكلاء المفوض إليهم من ينوب عنهم فيما يلزمهم لمن وكلهم أو لمن إلى نظرهم. وكاستخلاف الإمام على ما يلزمه القيام به من أمر المسلمين. كان رسول الله ﷺ يستخلف على المدينة إذا خرج لغزو أو حج أو عمرة، ويبعث عماله إلى البلاد، وأمراءه على الأجناد. ومن ذلك «بعثه ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن معلمين، فلما قدما اليمن تفرقا في المنزل ثم التقيا، فقال معاذ لأبي موسى كيف هذا تقرأ القرآن. قال مالك وأحسبهما كانا قد أتيا لتعليم الناس الإسلام والقرآن، فقال أبو موسى أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وقائما وعلى كل حال. وقال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما احتسب قومتي» «واستعماله على مكة عتاب بن أسيد؟» «وبعث ﷺ إلى موتة جيشا وأمر عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم. فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سيرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم. فأغلق ابن أبي سيرة الحصن دون المسلمين ثلاثة أيام ثم خرجوا فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا. فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر بن أبي طالب فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلحوا على خالد بن الوليد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين. وقال رسول الله ﷺ قبل أن يأتي نعيهم المدينة: " مر علي بجعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان ". وقدم يعلى بن منيع على رسول الله ﷺ بخبرهم، فقال ﵇: " إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرك. فقال بل أخبرني يا رسول الله. فأخبره رسول الله ﷺ خبرهم كله ووصفه له. فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت

стр. 1202

فقال رسول الله ﷺ إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم ". وقد كان عبد الله بن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة فبكى أهله لبكائه حين رأوه يبكي، فقال والله ما بكيت جزعا من الموت ولا صيانة لكم ولكني بكيت من قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] فأيقنت أني واردها ولا أدري هل أنجو منها أم لا». فصل وأما الوكالة فيما يحتاج إليه الرجل لمنفعة نفسه فذلك كتوكيله على البيع والشراء والنكاح والحدود والخصام وما أشبه ذلك من كل أمر مباح أو مندوب إليه أو واجب تعبد به الإنسان في غير عينه، لأن ما تعبد به في عينه كالوضوء والصلاة والصيام لا يصح أن ينوب عنه في ذلك غيره. قال الله : ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]. فهذه وكالة على الشراء. «واستعمل النبي ﵇ رجلا على خيبر فجاءه بتمر فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا. فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل بع الجميع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا». فهذه أيضا وكالة على البيع والشراء. «وبعث رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج». فهذه وكالة على النكاح ". وقال: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». فهذه وكالة على الحدود. «واستخلف رسول الله ﷺ أبا بكر على الصلاة، ووكل بلالا أن يرقب الفجر ويوقظهم للصلاة وقال

стр. 1203

اكلأ لنا الصبح». «وأمر علي بن أبي طالب المقداد بن الأسود أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من امرأته فخرج منه المذي ماذا عليه.» والآثار في هذا وشبهه أكثر من أن تحصى. فصل فإذا وكل الرجل الرجل وكالة مطلقة لم يخصه بشيء دون شيء فهو وكيل له على جميع الأشياء، وإن سمى بيعا أو ابتياعا أو خصاما أو شيئا من الأشياء فلا يكون وكيلا له إلا فيما سمى. وإن قال في آخر الكلام وكالة مفوضة تامة أو لم يقل فذلك سواء، لأنه إنما يرجع على ما سمى خاصة. وهذا قولهم في الوكالة إذا طالت قصرت وإذا قصرت طالت. فصل والوكالة لا تورث على الوكيل، ولا له أن يوكل على ما وكل عليه غيره ولا أن يوصي بذلك إلى أحد بعد مماته بخلاف الوصي إلا أن يجعل ذلك إليه الموكل. فإن فعل فتلف المال كان ضامنا له على مذهب ابن القاسم، وإن علم أنه لا يلي مثل ذلك بنفسه إذا لم يعلم بذلك الموكل الأول. هذا نص رواية يحيى عن ابن القاسم، وفي ذلك نظر. وقال أشهب إذا كان مثله في الكفاية فلا ضمان عليه. فصل ويد الوكيل كيد موكله فيما وكله عليه. فمن حلف ألا يفعل فعلا فوكل على فعله فهو حانث إلا أن يكون نوى أن يفعله هو بنفسه. وكذلك من حلف أن يفعل فعلا فوكل غيره على فعله فقد بر إلا أن يكون نوى أن يلي هو الفعل بنفسه. ففعل الوكيل كفعل الموكل فيما يوجبه الحكم سوى معنى قولنا يد الوكيل كيد الموكل. وقد أتى ابن شعبان في هذا بعبارة فاسدة غير مرضية واحتجاج غير صحيح

стр. 1204

فقال: وفعل الوكيل فعل موكله لأن من حلف ألا يفعل فعلا فوكل غيره على فعله حنث، واحتج لذلك بقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] قال فكان فعل ملك الموت هو فعل الله . وهذا كلام بغير تحصيل في غاية من الفساد. أما فعل ملك الموت فهو فعل الله تعالى لأنه خالقه وفاعله حقيقة، وكذلك أفعال سائر العباد، الله هو خالقها وفاعلها. قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] وقال عز من قائل: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وأما فعل الوكيل فلا يجوز أن يكون فعل الموكل وإنما هو كفعله في وجوب الحكم فيه، ولا يقال ضرب السلطان أو قتل أو كتب لما لم يفعله بيده وإنما أمر به غيره إلا مجازا لا حقيقة، فكيف يصح قياس فعل الموكل والوكيل من المخلوقين بأفعال الخالق تعالى. وما يستقيم هذا الاحتجاج إلا على مذهب أهل القدر القائلين إن أفعال العباد مخلوقة لهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولو تدبر ابن شعبان هذا الكلام لما تكلم به، ولكنها غفلة وغلط، وليس أحد بمعصوم من الخطأ والغلط، وبالله التوفيق لا شريك له ولا ند. فصل واختلف إذا مات الموكل هل تنفسخ وكالة الوكيل بموته أم لا. فحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أن وكالته لا تنفسخ وأنه باق عليها

стр. 1205

يبيع ويبتاع ويتقاضى حتى يعزله الورثة. وقال أصبغ تفسخ الوكالة بموت الموكل ولا تجوز خصومته ولا القيام بشيء مما كان إليه حتى يوكله الوارث. ووقع لأصبغ في سماعه من كتاب البضائع والوكالات أن الوكالة تنفسخ بموته إن كان هو البائع ولا يجوز له أن يتقاضى الثمن إلا بتوكيل الورثة، وإن لم يكن هو البائع وكان الوكيل هو الذي ولي البيع فهو على وكالته يقبض ثمن ما باع حتى يعزله الورثة. ولم أعلمهم اختلفوا أن القاضي لا ينفسخ تقديمه بموت الإمام الذي قدمه للقضاء، وأنه على خطته حتى يعزله عنها الإمام الذي يلي الأمر بعده. فانظر ما الفرق بين ذلك. فصل وإذا مات الموكل على القول الذي يرى فيه أن الوكالة تنفسخ بموته ولم يعلم الوكيل بموته، أو عزل ولم يعلم بعزله فاختلف هل يكون معزولا بنفس الموت أو العزل أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون معزولا بنفس الموت أو العزل. وهذا قول ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة في الذي يحجر على وكيله فيقتضي من غرمائه بعد عزله وهم لا يعلمون بذلك إنهم لا يبرءون بالدفع إليه وإن لم يعلم هو بعزله. هذا هو ظاهر قوله وعلى هذا كان الشيوخ يحملونه. وعلى ذلك حمله أبو إسحاق التونسي. فإذا لم يبرأ الغرماء بالدفع إليه فكذلك لا يبرأ هو ويكون للغرماء أن يرجعوا عليه إن تلف المال بيده لأنه أخطأ على مال غيره. فهذا يبين أن الوكالة تنفسخ في حقه هو ومن عامله أو دفع إليه بنفس الموت أو العزل. والثاني: أنه لا يكون معزولا في حق أحد إلا بوصول العلم إليه فيكون معزولا في حقه بوصول العلم إليه وفي حق من دفع إليه أو بايعه بوصول العلم إليه. وهذا قول مالك ﵀ في أول كتاب الوكالات من المدونة إن الورثة يلزمهم ما باع الوكيل أو اشترى بعد موته قبل أن يعلم به كما يلزمهم ما اشترى قبل موته أو باع. وكذلك يبرأ- من دفع إليه إذا لم يعلم بموت الموكل على قياس قولهم.

стр. 1206

وعلى قول مالك هذا لو علم الوكيل بموت موكله فباع ولم يعلم المشتري بذلك فتلفت السلعة المبيعة عنده لكان الوكيل ضامنا لقيمتها لانفساخ الوكالة في حقه لعلمه بموته وتعديه فيما لا تصرف له فيه، ولم يكن على المشتري أن يرد الغلة إذا أخذت منه السلعة. ولو لم يعلم الوكيل بموته وعلم المشتري لكان عليه أن يرد الغلة إذا أخذت منه السلعة. ولو لم يعلم الوكيل بموته وعلم المشترى لكان عليه أن يرد الغلة إذا أخذت منه السلعة لتعديه بابتياع ما قد انفسخت الوكالة فيه في حقه. وقول مالك هذا في كتاب الوكالة مثل قول ابن القاسم في كتاب الشركة في الشريكين يفترقان فيقضي الغريم أحدهما إنه إن علم فهو ضامن لنصيب الذي لم يدفع إليه ويرجع على الذي دفع إليه بما غرم للشريك الذي رجع عليه لانفساخ الوكالة بعلمهما جميعا. وإن لم يعلم فلا ضمان عليه إذ لم تنفسخ الوكالة في حقه على ما قدمناه، ويكون الشريك الذي قبض ضامنا لحصة شريكه مما قبض لانفساخ الوكالة في حقه بعلمه. والثالث: أنه لا يكون الوكيل معزولا إلا بوصول العلم إليه، فإذا وصل العلم إليه كان معزولا في حقه وحق من اقتضى منه وبايعه. وهذا قول أشهب لأنه قال إذا علم الوكيل بعزله ولم يعلم الغريم إنه ضامن بخلاف إذا لم يعلما. فإن قيل إنه قد قال إنه ضامن أيضا إذا علم وإن لم يعلم الوكيل فقيل إنه يكون معزولا في حقهما جميعا بعلم أحدهما. قلنا: لا نقول ذلك ولا يصح، لأنه إنما ضمنه إذا دفع وهو عالم والوكيل لا يعلم لتعديه بالدفع، لا من أجل أن الوكالة قد انفسخت في حق الوكيل. ألا ترى أنه لا يجب له الرجوع على الوكيل إن تلف المال بيده لبقاء الوكالة لم تنفسخ في حقه فهو أمانة عنده، ولو كانت الوكالة منفسخة أيضا لوجب له الرجوع عليه بما غرم لصاحب الدين، وهذا بين، وبالله التوفيق لا شريك له ولا ند.

стр. 1207

فصل فهذا تحصيل هذه المسألة عندي وتخريجها، وقد تؤول فيها تأويلات كثيرة، فمن الناس من يجعل قول ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة في التحجير على الوكيل مثل قول أشهب، إذ لم ينص فيها أن الوكيل لم يعلم بفسخ وكالته، فكان يتأول قوله على أنه علم ويجعل مثله أيضا مسألة موت الموكل فيقول إنه إذا لم يعلم الوكيل بموت موكله فلا ضمان على من دفع إليه إلا أن يعلم فيكون متعديا في الدفع. ومن الناس من يفرق بين مسألة الحجر على الوكيل ومسألة موت الموكل فيقول إنما لم يضمن من دفع إلى الوكيل في مسألة الموت إذا لم يعلم مراعاة لقول من يقول إن الوكالة لا تنفسخ بموت الموكل وإن علم الوكيل وأن له التصرف ما لم يعزله الورثة. فيضمن الغريم على هذا التأويل في الحجر وإن لم يعلم واحد منهما ولا يضمن في الموت إلا من علم. ومنهم من يقول هو اختلاف من القول ولا فرق بين المسألتين، فيدخل الاختلاف من كل واحدة منهما في صاحبتها فيأتي في موت الوكيل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يبرأ من دفع إلى الوكيل بعد موت الموكل وإن لم يعلم، علم الوكيل بموت الموكل أو لم يعلم. والثاني: أنه يبرأ بدفعه إليه إذا لم يعلم، علم الوكيل أو لم يعلم. والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم إذا لم يعلم الوكيل بموت الموكل، ولا يبرأ إذا علم. وفي عزل الوكيل أيضا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يبرأ من دفع إليه وإن لم يعلم، علم الوكيل بعزله أو لم يعلم. والثاني: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم، علم الوكيل بعزله أو لم يعلم. والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم إذا لم يعلم الوكيل بعزله، ولا يبرأ إذا

стр. 1208

علم. وهذا هو الأظهر من التأويلات، وهو الذي بدأنا بذكره. ويتحصل منها خمس تأويلات: أحدها: أنه لا فرق بين موت الموكل وعزله لوكيله، وأن في كل واحد منهما ثلاثة أقوال: أحدها: أن الوكالة تنفسخ بنفس الموت والعزل في حق الوكيل وحق من عامله وإن لم يعلم واحد منهما بذلك على ظاهر ما في كتاب الشركة في عزل الوكيل. والثاني: أنها تنفسخ في حقهما جميعا بعلم الوكيل، وهو قول أشهب. والثالث: أنها لا تنفسخ في حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وهو قول ابن القاسم في الشريكين وظاهر ما في أول كتاب الوكالات لمالك. والتأويل الثاني: أنه لا فرق أيضا بين موت الموكل وعزله لوكيله وأن في كل واحد منهما قولين لا أكثر: أحدهما: أن الوكالة تنفسخ في حقهما جميعا بمعرفة الوكيل. والثاني: أنها لا تنفسخ في حق كل واحد منهما إلا بوصول العلم إليه. والتأويل الثالث: الفرق بين الموت والعزل فلا تنفسخ الوكالة في الموت في حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وفي العزل قولان: أحدهما: أن الوكالة تنفسخ بنفس العزل في حقهما جميعا. والثاني: أنها تنفسخ في حقهما جميعا بمعرفة الوكيل خاصة. والتأويل الرابع: الفرق أيضا بين الموت والعزل، فلا تنفسخ الوكالة في الموت في حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وتنفسخ في العزل بوصول العلم إلى الوكيل قولا واحدا. والتأويل الخامس: أيضا: الفرق بين الموت والعزل، فتنفسخ الوكالة في

стр. 1209

الموت بمعرفة الوكيل في حقه وحق من عامله، وفي العزل بنفس العزل وإن لم يصل العلم بذلك إلى واحد منهما. وبالله التوفيق. فصل وهذا كله لا يسلم من الاعتراض. والصحيح أن المسألة تتخرج فيها ثلاثة أقوال كما قدمت. والأصل في هذا الاختلاف اختلاف الأصوليين فيمن علم بالحكم ثم نسخ ولم يبلغه النسخ هل يكون الحكم منسوخا عنه بورود النسخ فيه وإن لم يبلغه، أو لا يكون منسوخا عنه إلا ببلوغه إليه فقالوا: إن الذي يدل عليه مذهب مالك أن الحكم منسوخ عنه بورود النسخ فيه وإن لم يبلغه. واستدلوا على مذهبه في ذلك بقوله في المرأة يموت عنها زوجها أو يطلقها: إن عدتها من يوم وقع الفراق أو الموت لا من يوم يأتيها الخبر وبقوله في الوكيل يموت موكله أو يعمل أنه معزول وإن لم يعلم. وقال أصحاب أبي حنيفة لا يكون الحكم منسوخا عنه حتى يعلم به. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال بعضهم بقول مالك وقال بعضهم بقول العراقيين واستدل أصحابنا على صحة ما دلهم عليه مذهب مالك بأن حكم الله تعالى قد استقر، وخفاؤه على من خفي عليه لا يخرجه من أن يكون متعبدا به، وأكثر ما في بابه أن يكون معذورا بجهله به. فصل فعلى هذا التأويل لا يكون الاختلاف الحاصل في أفعال الوكيل ومبايعته واقتضائه بعد عزله أو موت موكله، وما أنفقت المرأة بعد موت زوجها أو طلاقه قبل أن تعلم بذلك إلا من جهة الاختلاف في العذر بالجهل ومراعاة التفريط بالإعلام. فصل والوكالة جائزة بعوض وعلى غير عوض. فإن كانت بعوض فهي إجارة تلزمهما جميعا، ولا تجوز إلا بأجرة مسماة وأجل مضروب وعمل معروف. وإن

стр. 1210

كانت بغير عوض فهي معروف من الوكيل يلزمه إذا قبل الوكالة ما التزمه، وللموكل أن يعزله من الوكالة متى شاء، إلا أن تكون الوكالة في الخصام فليس له أن يعزله عن الوكالة ويوكل غيره ولا يخاصم عن نفسه إذا كان قد قاعد خصمه المرتين والثلاث إلا من عذر. هذا هو المشهور في المذهب. ووقع لأصبغ في الواضحة ما يدل على أن له أن يعزله عن الخصام ما لم يشرف على تمام الحكم. وفي المكان الذي لا يكون للموكل أن يعزله عن الخصام لا يكون له هو أن يتخلى عنه إذا قبل الوكالة. فصل واختلف في الجعل على الخصومة على أنه إن يفلح فله كذا وكذا وإن لم يفلح فلا شيء له هل يجوز أم لا على قولين، وهما في المدونة في كتاب الجعل والإجارة منها. وكذلك اختلف أيضا في الرجل يقول: دلني على امرأة أتزوجها ولك كذا وكذا، أو دلني على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا فدل عليه، فقيل إن ذلك يلزمه في النكاح والبيع، وهو قول سحنون وأصبغ. وقيل إنه يلزمه في البيع ولا يلزمه في النكاح، وهو قول مالك في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة. وكذلك فرق ابن القاسم بين قوله ولني بيع دارك ولك كذا وكذا، أو ولني إنكاح ابنتك ولك كذا وكذا، فأجاز ذلك في البيع في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ولم يجز ذلك في النكاح في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح. ولا فرق في شيء من ذلك بين البيع والنكاح، وقول سحنون وأصبغ أظهر. وفي سماع عيسى من الكتاب المذكور أنه قال اسع لي في نكاح بنت فلان أو أشخص لي في ذلك جائز إذا كان ذلك في البلد ولم يشخص فيه إلى بلد آخر، وبالله التوفيق.

стр. 1211

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتاب الشفعة القول في الشفعة الأصل في تسمية أخذ الشريك الشقص الذي باع شريكه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به شفعة هو أن الرجل في الجاهلية كان إذا اشترى حائطا أو منزلا أو شقصا من حائط أو منزل أتاه المجاور أو الشريك فيشفع إليه في أن يوليه إياه ليتصل له الملك أو يندفع عنه الضرر حتى يشفعه فيه فسمي ذلك شفعة، وسمي الآخر شفيعا، والمأخوذ منه مشفوعا عليه. فصل وثبت «أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة» وأنه قال: «الشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء فإذا صنعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وهذا الحديث يقتضي ثلاثة أوجه من الفقه. أحدها: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء. وأن لا شفعة للجار وإن كان جديدا له في المال إذا لم يشاركه فيه على الإشاعة.

стр. 1212

والثاني: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء فيما ينقسم من الأصول دون ما لا ينقسم. والثالث: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء في الرباع والأصول دون سائر العروض وبالله التوفيق. فأما الوجه الأول، وهو أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء وأن لا شفعة للجار وإن كان جديدا له في المال إذا لم يشاركه فيه على الإشاعة فيستدل عليه بثلاثة أوجه من الحديث: أحدها: نص الكلام. والثاني: دليل الخطاب. والثالث: الظاهر والعموم. فأما النص فهو قوله «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». وأما دليل الخطاب فهو أنه لما علق الشفعة بعدم القسمة فقال الشفعة فيما لم ينقسم بين الشركاء دل على انتفائها مع وجودها وهذا بين. وأما الظاهر والعموم فإنه لما قال الشفعة فيما لم يقسم، والشفعة من ألفاظ العموم المستغرقة للشفعة كان قد جعل جنس الشفعة فيما لم يقسم فلم يبق فيما قد قسم شفعة. وهذا قول مالك ﵀ والشافعي وأصحابهما أنه لا شفعة للجار. وأثبت أبو حنيفة للجار المصاقب الشفعة ما لم يكن بينها طريق نافذة، ولغير المصاقب إذا اشتركا في طريق غير نافذة. فأولى الناس بالشفعة عندهم الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت له في الطريق شركة، ثم الجار الذي ليس بمصاقب إذا كان شريكا في طريق غير نافذة. وحجتهم ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الجار

стр. 1213

أحق بصقبه»، وأنه قال: «الجار أحق بشفعة جاره»، وأنه قال: «الخليط أحق من الشريك». قالوا ومن طريق القياس أن ملك الجار متصل بالملك المبيع، لأن موضع الحائط الحاجز بين الدارين مبيع. وقد اتصل ذلك بملك الشفيع فأشبه الشريكين لما كان ملك كل واحد منهما متصلا بملك الآخر كانت الشفعة واجبة لكل واحد منهما. وهذا كله ليس بصحيح، لأن قول النبي ﷺ «الجار أحق بصقبة» و «الجار أحق بشفعة جاره»، ليس فيه بيان ما هو أحق به، فيحتمل أن يريد معاونته على ما يعرف له، والعرض عليه إذا أراد البيع. ويحتمل أن يريد بالجار الشريك للمقاربة التي بينهما، لأن العرب تسمي الجار شريكا، وتسمي الزوجة شريكة وجارة لاشتراكهما في البيت. وإذا احتمل الحديث هذين الاحتمالين لم يصح أن يحمل على أنه أحق بالشفعة، إذ قد نص على أنه لا شفعة له بقوله «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة». ولا يصح أن تحمل الأحاديث على التعارض ما أمكن الجمع بينهما بتأويل محتمل وقد قال بعض من احتج عليهم: ولا يصح أن يحمل قوله «الجار أحق بصقبه» و «الجار أحق بشفعة جاره» على الوجوب في الأخذ بالشفعة إن حملت الجار على حقيقة اللفظ ولم تحمله على الشريك، إذ لا يخلو أن يريد أنه أحق بذلك من الشريك أو أحق بذلك من الأجنبي الذي ليس بجار ولا شريك، ولا يصح أن يريد أنه أحق بذلك من الشريك، إذ لا يقول أحد إن الشفعة للجار دون الشريك؛ ولا أنه أحق بذلك من غير الجار، إذ لا يقول أحد إن الشفعة واجبة للأجنبي الذي ليس بجار ولا شريك. وليست بحجة صحيحة لاحتمال أن يريد أنه أحق بذلك من المشتري، فالحجة عليهم إنما هي ما ذكرناه من أن الأحاديث لا يصح أن تحمل على التعارض ما أمكن الجمع

стр. 1214

بينها بتأويل محتمل. وما رووه عن النبي ﷺ أنه قال: «الخليط أحق من الشريك»، ظاهره يوجب أن الشريك ليس بشفيع، وهذا ما لا يقوله أحد، وهو عندنا محمول على أنه أحق بالعرض عليه، لأنه إن لم يعرض عليه وباع فوت عليه المبيع، والشريك إن لم يعرض عليه وباع لم يفوت عليه البيع لأنه يأخذ من المشتري بالشفعة. فالحديث حجة لنا في أن الخليط وهو الجار الجديد في المال لا شفعة له. وقياسهم ينتقض بالجار المقابل، وقد قال ابن شعبان لو كانت الشفعة واجبة للجار لوجبت لجميع من بالبلد الذي بيعت به الدار لقول الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] الآية. فجعل كل من بالمدينة له ﷺ جارا. وبالله التوفيق. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن الشفعة إنما تكون في الرباع والأصول دون سائر العروض، فالدليل عليه من الحديث قوله فيه: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» إذ القسمة بإيقاع الحدود وصرف الطرق إنما تكون في الرباع والأصول دون ما سواها من العروض التي إنما تقسم بالكيل والوزن. وهذا مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه، وهو قول جمهور أهل العلم. ومنهم من أوجبها في كل شيء مشاع من الأصول والعروض والحيوان وغير ذلك وهو قول شاذ. قاله بعض أهل مكة، وروي في ذلك حديث منقطع عن النبي ﷺ في حديث سعيد بن المسيب وغيره. وقد قال مالك ﵀: وعلى ذلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، يعني بالمدينة. ومن طريق القياس أن الحيوان والعروض مال يصح الانتقال به فلم تجب فيه شفعة. أصله الدنانير والدراهم والمكيل والموزون وبالله تعالى التوفيق. فصل وأما الوجه الثالث وهو أن الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من أموال دون ما لا ينقسم فيستدل عليه من الحديث بقوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم،» لأن قوله فيما

стр. 1215

لم يقسم يدل على أنه إنما أوجب الشفعة فيما ينقسم، لأن ما لا ينقسم لا يقال فيه يثبت فيه حكم كذا وكذا ما لم يقسم. ألا ترى أنه لا يصح أن يقال يثبت في الإنسان حكم كذا وكذا ما لم يقسم. وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك ﵀. فمنهم من قال إن الشفعة لا تجب فيما لا ينقسم من الأصول كالشجرة والنخلة تكون بين الرجلين بأصلها على ما يدل عليه الحديث، وهو قول مطرف. ومنهم من قال إن الشفعة في ذلك واجبة لأنها من الأصول فحمل الباب فيها محملا واحدا وإن كانت لا تنقسم، لأنها من جنس ما ينقسم. وهو قول أشهب وابن الماجشون وأصبغ وأحد قولي ابن القاسم، لأن له في المدونة أن الرحى إذا بيعت بأصلها فإن في الأرض والبيت الذي وضعت فيه الرحى الشفعة بما ينوبها من الثمن، وروى عنه سحنون في العتبية أنه لا شفعة في مناصب الرحى لأنها لا تنقسم. فصل وعلى هذا يأتي اختلاف المتأخرين من أصحابنا في الضرر الذي من أجله جعلت الشفعة. فمن رأى أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم من الأصول لم يعلل بضرر الشركة لإمكان انفصالهما عنه بالقسمة، وقال إن العلة في ذلك ضرر القسمة، وهي تكون بوجوه منها أنه قد تنقص قيمتها إذا قسمت وإذ قد يحتاج كل واحد من المتقاسمين إلى استحداث مرافق في نصيبه فيلزمه في ذلك مؤونة. ومنها ما يلزم فيها من المؤن والأجر التي تختص بقسمة الأصول، إذ ليس كل واحد يحسن قسمتها، فلا بد في الأغلب من الحال أن يستأجر على قسمتها من يختص بمعرفة ذلك، وهي علة صحيحة يشهد لصحتها اطرادها وانعكاسها. ألا ترى أن العروض التي تنقسم بالكيل والوزن لا شفعة فيها إذ لا مؤنة في قسمتها. ومن رأى أن الشفعة تكون فيما ينقسم وفيما لا ينقسم قال إن العلة فيما لا ينقسم ضرر الشركة، إذ لا يقدر أحد من الشركاء أن يتصرف في المال المشترك بشيء من وجوه التصرف دون إذن شريكه. ولا يلزم على هذا إيجاب الشفعة فيما لا ينقسم من

стр. 1216

العروض لأن الضرر يرتفع فيها ببيعها وقسم الثمن، إذ لا يتشاح الناس فيها ولا يرغبون في إمساكها كرغبتهم في الأصول وتشاحهم في إمساكها. فصل واتفق أهل العلم على إيجاب الشفعة في الأصول اتفاقا مجملا، ولم يختلف قول مالك ﵀ أن في الشقص المبيع الشفعة إذا بيع بعين أو بقرض. فأما إن باع الرجل شقصه من شريكه أو من أجنبي بأصل أو بشقص من أصل له فيه شرك أو لا شرك به فيه فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن في ذلك كله الشفعة. ووقع في أول سماع ابن القاسم ما ظاهره أن قول مالك اختلف في ذلك كله، وأنه كان يقول إذا علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد وجه البيع إنه لا شفعة في ذلك، وأن بعض المدنيين كان يذكر ذلك، وهو قول ربيعة. فعلى هذا تكون المناقلة المختلف في وجوب الشفعة فيها في هذه الوجوه كلها. وحكى العتبي وابن الماجشون أنهما قالا إن المناقلة التي قال مالك لا شفعة فيها إنما هي أن يبيع الرجل شقصه من شريكه بشقص من أصل له فيه شرك فيكون كل واحد منهما إنما أراد التوسع في حظه بما صار إليه من حظ شريكه عوضا عما عاوضه به. فعلى هذه المناقلة إنما تكون في هذا الوجه الواحد من سائر الوجوه. وروى أبو زيد عن مطرف في الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما شقصه من شريكه بشقص من أصله مع شريك آخر أنه لا شفعة لهذا الشريك الآخر في هذا الشقص لأنه لم يقصد به البيع وإنما أراد التوسع في حظه. وكذلك على قول مطرف هذا لو كانت دار بين ثلاثة نفر فباع أحدهم حظه من أحد شريكيه بأصل فلا شفعة للشريك الثالث الذي لم يبع فيه لأنه لم يرد البيع وإنما أراد التوسع في حظه. فعلى قول مطرف هذا تكون المناقلة المختلف في إيجاب الشفعة فيها. وأصله أنك متى وجدت أحد المتعاملين في الأصول قد أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص فهي المناقلة التي لا شفعة فيها. وعلى تأويل

стр. 1217

مطرف وابن الماجشون على علة أن المعاملة في الأصول لا تكون مناقلة تسقط فيها الشفعة حتى يكون كل واحد منهما قد أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص. وعلى ظاهر ما وقع في سماع ابن القاسم على مالك أن المعاملة في الأصول كيف ما وقعت فهي مناقلة لا تجب فيها الشفعة على أحد القولين، ففي تعين المناقلة المختلف في إيجاب الشفعة فيها ثلاثة أقوال على ما بيناه. فصل وهي واجبة فيما تجب فيه على قدر الأنصباء على ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ خلافا لأبي حنيفة في قوله إنها على عدد الرؤوس. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه أنها على قدر الأنصباء، لأنها لما كانت تجب بالملك وجب أن تكون على قدر الأملاك كالغلل، ولما كانت لدفع المضرة عن الأشراك وكانت المضرة عليهم على قدر حصصهم وجب أن تكون الشفعة التي ترفع الضرر عنهم على قدر حصصهم وبالله التوفيق. فصل وعهدة الشفيع على المشتري لا على البائع، سواء أخذها من يد البائع قبل القبض أو من يد المشتري بعد القبض. هذا مذهب مالك وأصحابه ومذهب الشافعي. وقد وقع في المدونة ما يدل على أن الشفيع مخير في كتب عهدته على من شاء منهما، وليس ذلك بصحيح، والأولى أن يتأول ذلك على الموجود المنصوص عليه في المذهب. وقال أبو حنيفة إن أخذ الشفيع الشقص من يد المشتري فعهدته عليه، وإن أخذه من يد البائع قبل أن يقبضه المشتري فالعهدة عليه. وقال ابن أبي ليلى إن العهدة على البائع بكل حال. والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن البيع لم يفسخ بين البائع والمشتري بعد وجوب البيع له وتقرر ملكه على الشقص فوجب أن تكون العهدة عليه. فصل وإنما تكون العهدة في مذهبنا للشفيع على البائع في المقارض يبتاع بمال

стр. 1218

القراض شقصا وهو شفيعه أو رب المال شفيعه، لأن رب المال إن كانت له الشفعة فالمال له فلا يصح له أن يكتب العهدة على نفسه، وإن كانت الشفعة للمقارض فلا يجوز له أن يجعل العهدة على رب المال فيما ابتاع بماله. فصل وإذا باع المبتاع الشقص أخذه الشفيع ممن شاء منهما وكتب عهدته عليه. وكذلك قال أشهب إذا غاب الشفعاء إلا واحدا فأخذ جميع الشفعة ثم جاء أحد الغيب كان مخيرا في كتاب عهدته إن شاء على المشتري وإن شاء على الشفيع، لأنه كان مخيرا في الأخذ فهو كمشتر من المشتري. وإن جاء ثالث كان مخيرا إن شاء كتب عهدته على المشتري وإن شاء على الشفيع الأول وإن شاء عليه وعلى الثاني. فقيل إن قول أشهب هو خلاف لمذهب ابن القاسم وإنه لا يكتب عهدته على مذهب ابن القاسم إلا على المشتري، وليس ذلك عندي بصحيح. والصواب أن قول أشهب مفسر لمذهب ابن القاسم إن شاء الله وبه التوفيق. فصل واختلف في الأخذ بالشفعة فقيل إنها تنزل منزلة البيع، وقيل منزلة الاستحقاق فيما يختص بذلك من الأحكام. فصل وتورث الشفعة فينزل الوارث منزلة الموروث في الحق الذي كان له من الأخذ أو الترك، سواء مات الموروث والشقص الذي يستشفع به في يده فورثه عنه، أو مات بعد بيع الشقص على القول بأن البيع لا يسقط شفعته. ولا تباع ولا توهب. وقد وقع لأصبغ في الواضحة أن الشقص إذا بيع وله شفعاء فيسلم جميعهم الشفعة إلا واحدا فأراد الذي لم يسلم أن يأخذ الجميع أن تسليمهم إن كان على

стр. 1219

الهبة للمشتري والعطية فليس له إلا سهمه منها وللمشتري سهام المسلمين. وإن لم يكن على هذا الوجه إلا على ترك الشفعة وكراهية الأخذ بها فللمتمسك جميعها. فصل فإذا صح على قول أصبغ هذا للمشتري بالهبة حظ المسلم ولم يكن لمن سواه من الشفعاء أخذه، فكذلك البيع على هذا القياس ينزل المشتري به منزلة الشفيع البائع للشفعة، فلا يكون لمن سواه من الشفعاء عليه شفعة، إلا أن يكونوا بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حظوظهم. وعلى هذا تأول ابن لبابة رواية ابن القاسم عن مالك في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل شفعة قد وجبت له ولا يهبها، فقال معناه من غير المبتاع، واستدل على صحة تأويله برواية جلبها من كتاب الدعوى والصلح قال: يجوز أن يبيع شفعته من المبتاع بعد وجوب الصفقة قبل أن يستشفع ولا يجوز له بيع ذلك من غيره. ومثل هذا حكي أيضا عن مالك من رواية أشهب عنه أنه قال: ولا يجوز له أن يبيعها من غير المبتاع قبل أن يأخذ بشفعته، واختار هو من رأيه ألا يبيع الشفعة ولا يهبها لا من المبتاع ولا من غيره، وهو الصواب. والروايات التي جلب ليست بجلية لاحتمال أن يتأول على أنه إنما أراد بها أن أخذ العرض من المبتاع على تسليم الشفعة له يجوز بعد وجوب الصفقة، وسمي ذلك بيعا لما فيه من معنى البيع. وقول أصبغ شاذ بعيد عن النظر. وحكى ابن لبابة أيضا أنه رأى ابن الحباب يعقد لنفسه وثيقة شراء نصيب رجل من مال وما وجب له من الاستشفاع في نصيب كان بيع من ذلك المال قبل ذلك. قال فلما تمت الوثيقة قال لي هذه من غرائب المنتجات التي لا يعرفها والله غيرنا، يريدني ونفسه. فالذي يتحصل في هذا أنه لا يجوز للشفيع أن يهب ما وجب له من الاستشفاع لغير المبتاع ولا يبيعه منه. واختلف هل له أن يهب ذلك للمبتاع ويبيعه منه أم لا على قولين: أحدهما: أن ذلك جائز ويخلص المشتري بما اشترى، ولا يكون لغير البائع

стр. 1220

والواهب من الشفعاء عليه شفعة إلا أن يكونوا بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حقوقهم. والثاني: أن ذلك لا يجوز، وينفسخ البيع فيكون الشفيع على شفعته، ويفسخ حكم الهبة فيمضي على حكم التسليم. وأما بيع الشفيع نصيبه للذي يستشفع قبل أن يأخذ بالشفعة أو هبته فلا يجوز باتفاق. وأما تسليم الشفعة بمال بعد وجوبها له فجائز باتفاق، وبالله التوفيق. فصل وليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة لغيره، ولا له أن يأخذ للبيع. . وقد استحسن أشهب ألا يكون ذلك له. وأما المريض فإنه يأخذ بالشفعة ولا اعتراض في ذلك، وإن كان أخذه في هذه الحال لورثته لأنه إن لم يأخذ في مرضه كان لهم أن يأخذوا لأنفسهم بعد وفاته. فصل وقد اختلف في الحد الذي تنقطع فيه شفعة الحاضر العالم إذا سكت ولم يقم بطلب شفعته، فقال أشهب ورواه عن مالك إن حد ذلك السنة، وقال ابن القاسم في المدونة ورواه عن مالك إن السنة قليل ولا تنقطع إلا فيما فوق السنة. وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أنه على شفعته ما لم يوقفه السلطان على الأخذ أو الترك فيترك أو يتركها طوعا منه ويشهد بذلك على نفسه أو يمضي من طول المدة ما يدل على أنه كان تاركا لها. والخمس سنين قليل إلا أن يحدث المشتري فيها بيتا أو غرسا فتنقطع شفعته في أقل من ذلك، فكأنه يرى على هذه الرواية أن حد ما تنقطع فيه الشفعة هو ما يكون فيه الحيازة. وهو نص قول ابن الماجشون في المبسوطة أنه لا تنقطع شفعة الحاضر إلا بعد مضي

стр. 1221

عشرة أعوام للحديث الذي جاء عن النبي ﷺ «من حاز شيئا عشر سنين فهو له». قال ابن المعدل وكان ابن الماجشون يقول بإيجاب الشفعة للحاضر إلى أربعين سنة، ثم رجع إلى عشر سنين. وقد روي عن مالك أنه على شفعته وإن طال ما لم يصرح بتركها، وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة بضد ذلك إن الشفعة إنما هي على الدروب فإن لم يقم بشفعته ساعة علم بالبيع فلا شفعة له. وأما الغائب فهو على شفعته وإن طالت غيبته وكذلك إن كان الشفيع حاضرا والمشتري غائبا فاشتراها له وكيل. فصل فإن سكت الشفيع ولم يقم حتى أحدث المشتري فيما اشتراه غرسا أو بناء أو حتى طالت المدة وخرجت عن الحد الموقت في الشفعة بطل حقه وسقط قيامه ولم يعذر في ذلك بجهل. وهذه إحدى المسائل التي لا يعذر فيها الجاهل بجهله، وهي سبع مسائل على ما روي عن أبي عمر الإشبيلي ﵀. حكى ابن عتاب عن ابن بشر القاضي أنه قال كان أبو عمر الإشبيلي ﵀ يقول: سبع مسائل لا يعذر فيها الجاهل بجهله ولا يشرحها، وإذا سألناه عن تفسيرها لنا. قال فتتبعتها إلى يومي هذا فلم أجد منها إلا بعضها. فذكر خمس مسائل مختلفة المعاني يقتضي بعضها الجهل بما يوجبه الحكم من أن السكوت يبطل حق الساكت، وبعضها الجهل بمقدار الشيء المتعدى فيه. قال: وأخرج إلينا كتابه فكتبناها وهي هذه المسألة، ومسألة الأمة تعتق تحت العبد فيطأها وهي عالمة بالعتق ثم تريد الخيار وتدعي الجهل؛ ومسألة المملكة تقضي بالثلث بالمجلس فلا يناكرها الزوج ثم يريد أن يناكرها بعد ذلك

стр. 1222

ويدعي الجهل؛ ومسألة السارق يسرق الثوب الذي يسترفع فيه الدراهم وهو لا يساوي ثلاثة دراهم وفيه دراهم مربوطة لم يعلم بها ومسألة المرتهن يطأ الجارية المرهونة عنده ويدعي الجهل، قال ابن عتاب توجد منها مسائل كثيرة فذكر أيضا مسائل مختلفة المعاني وقعت في المدونة والمستخرجة غيرها من الدواوين نص فيها على أن الجاهل لا يعذر بجهله بعضها متفق عليها وبعضها مختلف فيها. منها حديث مرعوس في المقرة جهلا بالزنا؛ ومسألة سماع ابن القاسم في الذي يخير امرأته فتقضي بواحدة فيقال لها ليس ذلك لك فتريد أن تقضي مرة أخرى بالثلث وتدعي الجهل فيما قضت به؛ ومنها رواية أصبغ عن ابن القاسم في من استحلف أباه في حق له أن شهادته ساقطة وإن جهل أنه عقوق. وكذلك قاطع الدنانير جاهلا بكراهيته. ومن الدمياطية في الرجل يرد الرهن إلى الراهن أن ذلك خروج من الرهن ولا يعذر بالجهل. ومن الواضحة فيمن باع جارية وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها وقالت ذلك الجارية لم يجز للمشتري أن يطأها ولا يزوج حتى تشهد البينة على الصدق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى أنه ظن أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك، وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك. ومنها قول أشهب في ديوانه فيمن أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة وادعى الجهالة إنه يحد ولا يعذر كما لو زنى رجل وادعى أنه لم يعلم بتحريم الزنى. وفرق أشهب بين المعتق والمطلق ثلاثا فيطأ في العدة أو واحدة قبل الدخول فيطأ، فقال في هاتين إن الولد يلحقه ولا يحد لأنها شبهة لأهل الجهل. وما حكى ابن حبيب عن أصبغ في المتظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يؤدب ولا يعذر بالجهل، وفي الوصي يشتري النصرانية فيعتقها أنه يضمن وإن أخطأ ولا يعذر بالجهل والخطأ، وذكر حديث ابن أبي حبيبة الجرو والفناء من الموطأ. ومن قذف عبدا فظهر أنه حر قد كان أعتق قبل ذلك ولم يعلم القاذف بعتقه، وكذلك إن شرب هو أو قذف أو زنى ولم يعلم بعتقه أن الحد يجب على قاذفه في قذفه إياه، وعليه فيما واقع من الحدود. ومن اشترى من يعتق عليه ولم يعلم أنه يعتق عليه. وذكر أيضا

стр. 1223

مسائل عنده كثيرة غير هذه، قال: والبيوع الفاسدة حكم الجاهل فيها والعامد سواء إلا في الإثم. قال: وكذلك الوضوء والصلاة يستوي فيهما الجاهل والعامد، وكذلك الحج يستوي الجاهل والعامد في كثير من أحكامه. فأحسن الفقيه ابن عتاب ﵀ فيما جمع من هذه المسائل إلا أنه إنما ذهب إلى ذكر كل مسألة وجد فيها النص من قول قائل إن الجاهل لا يعذر بجهله وإن خالفه في ذلك غيره ولم يستوعبها وإن كان جمع كثيرا منها وترك مسائل كثيرة لا يعذر فيها الجاهل بجهله باتفاق وعلى اختلاف لم يذكرها إذ لم يجد النص فيها بأن الجاهل غير معذور فيها بجهله، منها مسألة من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك، ومنها الشاهد يرى الفرج يستحل أو العبد يستخدم فلا يقوم بشهادته ولا ينكر ذلك، وغيرها من المسائل، كأكل مال اليتيم والغاصب والمحارب والمتصدر لفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب، والشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود، ولم يذكر من هذا كله شيئا. فهذه المسائل على افتراق معانيها أكثر من أن تحصى أو تحصر بعدد. فأما القاضي ابن بشر ﵀ فلم يأت في هذه المسألة بشيء، وأما الفقيه ابن عتاب ﵀. فجمع المسائل التي ذكر ليبين بذلك أن الفقيه أبا عمر الإشبيلي ﵀ أخطأ في حصرها إلى سبع مسائل فقصر في النظر وأخطأ في التأويل. ولم يكن الفقيه أبو عمر الإشبيلي ﵀ على كثرة حفظه وجلالة قدره ممن يجهل هذه المسائل ولا تخفى عليه مواضعها ولا ممن يغلط هذا الغلط البين. فلما علمت هذا أعملت نظري في معرفة الوجه الذي ذهب إليه فرأيت أنه يحتمل أن يكون أراد نوعا ما تنحصر مسائله إلى سبع مسائل، واحتمل عندي أن يكون ذلك النوع هو ما يكون مجرد السكوت فيه على فعل الغير يسقط حق الساكت ويبطل قيامه باتفاق، لأني وجدت في هذا النوع سبع مسائل لا ثامنة لها: إحداها: مسألة الشفعة هذه وما كان في معناها كالغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ثم يريدون القيام عليه، وكالرجل يبيع العبد على أنه بالخيار فيتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار ثم يريد استرجاعه بما

стр. 1224

اشترط من الخيار ويدعي الجهل في سكوته على بقائه بيد المبتاع بعد انقضاء أيام الخيار وما أشبه ذلك. والثانية: مسألة الحيازة، من حال مال رجل في وجهه مدة تكون الحيازة فيه عامله فادعى أنه ابتاعه منه صدق مع يمينه ولم يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل فإن سكوته يبطل قيامه. الثالثة: مسألة المملكة تقضي بالثلاث فيسكت الزوج ولا ينكر ثم يريد المناكرة بعد ذلك ويدعي الجهل في سكوته، أو لا تقضي بشيء وتسكت حتى توطأ أو ينقضي المجلس على اختلاف في ذلك ثم تريد أن تقضي وتدعي الجهل، وما أشبه ذلك كالأمة تعتق تحت العبد فلا تختار حتى يطأها الزوج ثم تريد أن تختار نفسها وتدعي الجهل في سكوتها حتى وطئها. والرابعة: مسألة الشاهد يرى الفرج يستحل أو الحر يستخدم أو ما أشبه ذلك من الحقوق الواجبة لله فيسكت ولا يقوم بشهادته ثم يقوم بها بعد حين ويدعي الجهل في سكوته. والخامسة: مسألة المرأة المطلقة يراجعها زوجها فتسكت حتى يطأها ثم تدعي أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها. والسادسة: مسألة المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل في سكوتها حتى دخل بها. والسابعة: مسألة الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير فيه ويدعي أنه لم يرض البيع ويدعي الجهل. ويحتمل أن يكون أراد سبع مسائل في نوع واحد من معنى الطلاق: إحداها: مسألة رجل يوصي لمكاتبه - من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك - في الذي يملك امرأته أمرها فتقول قد قبلت ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن يسأل ما قبلت ثم تقول كنت أردت ثلاثا لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع على

стр. 1225

الزوج بشيء لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثا ولا تعذر في ذلك إن ادعت الجهالة. والثانية: الذي يسمع امرأته تقضي بالثلاث فيسكت ثم يريد أن يناكرها بعد ذلك ويدعي الجهل. والثالثة: المرأة تختار في التخيير واحدة ثم تريد أن تختار بعد ذلك ثلاثا وتقول جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة. والرابعة: المملكة أو المخيرة يملكها زوجها أو يخيرها فلا تقضي حتى ينقضي المجلس على قول مالك الأول، ثم تريد أن تقضي بعد ذلك وتقول جهلت وظننت أن ذلك بيدي متى شئت. والخامسة: التي يقول لها زوجها إن غبت عنك أكثر من سنة فأمرك بيدك فيغيب عنها ويقيم بعد السنة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول: جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت. والسادسة: الأمة تعتق تحت العبد فتتركه يطؤها ثم تريد أن تختار وتزعم أنها جهلت أن الخيار كان لها. والسابعة: الرجل يجعل أمر امرأته بيد غيرها فلا يقضي المملك حتى يطأها زوجها ثم يريد أن يقضي ويقول جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي من القضاء فيما ملكت، وبالله تعالى التوفيق. فصل واختلف قول مالك ﵀ فيما كان متشبثا بالأصول ومتصلا به كالثمرة والزرع والكراء ورقيق الحائط إذا بيعوا مع الحائط، والرحى إذا بيعت مع الأصل، والماء والنقض إذا بيعا دون الأصل، فمرة قال في ذلك كله الشفعة لتعلقه بأصل ما فيه الشفعة، ومرة قال إن ذلك كالعروض المنفصلة من الأرض فلا شفعة فيها. وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ند.

стр. 1226

فصل فأما التمرة فلا فرق في وجوب الشفعة فيها عند من أوجبها، وهو قول مالك في المدونة استحسانا، قال وما علمت أنه قال أحد من أهل العلم قبلي إن فيها الشفعة، بين أن تباع دون الأصل بعد زهوها أو مع الأصل بعد الزهو أو قبله بعد الإبار على مذهب ابن القاسم. وأما إن بيعت قبل الإبار فلا شفعة فيها إذ لم يقع عليها حصة من الثمن، وإنما يأخذها على مذهب ابن القاسم ما لم تجذ أو تيبس إذا كان البيع وقع فيها قبل الإبار من جهة الاستحقاق لا من جهة الاستشفاع. وقد فرعتها في تفسير هذه المسألة وما يتعلق بها من كتاب العيوب فلا وجه لإعادة ذكرها، وبالله التوفيق لا شريك له. فصل وكذلك الزرع أيضا لا فرق عند من رأى الشفعة فيه بين أن يباع دون الأصل إذا حل بيعه أو مع الأصل بعد أن ينبت أو قبل أن ينبت وقد قيل إنه ما لم ينبت فلا شفعة فيه أصلا إذ لم يقع عليه حصة من الثمن كالثمرة التي لم تؤبر. والصواب أنه قد وقع عليه حصة من الثمن وأن الشفعة فيه واجبة بخلاف الثمرة التي لم تؤبر، وبالله التوفيق. فصل والخلاف في وجوب الشفعة فيه قائم من المدونة لأنه على إسقاط الشفعة فيه بأن بيعه لا يجوز حتى ييبس، فيلزم على هذا التعليل أن تجب الشفعة فيه إذا بيع قبل أن ييبس على مذهب من يجيز ذلك من أهل العلم، أو يرى العقد فيه فوتا إذا وقع من أصحابنا وإذا بيع مع الأصل خلاف ما نص عليه في المدونة، ومثل ظاهر ما في سماع أشهب من قول مالك إن الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1227

فصل وعلى هذا الاختلاف يتركب طرو الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل طلوع البذر فيها أو بعد طلوعه، وبالله التوفيق. فصل فإذا طرأ الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل أن يطلع البذر فيها مثل أن تكون الأرض بين الشريكين فيبيع أحدهما نصيبه منها فيريد الشريك الأخذ بالشفعة وهي مبذورة قبل طلوع البذر فيها فلا يخلو الأمر في ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون المبتاع هو الباذر لها. والثاني: أن يكون البائع هو الذي بذرها أو باعها مبذورة. والثالث: أن يكون البذر لغيرهما مثل مكتر أو ممنوح أو ما أشبه ذلك. فأما إن كان المبتاع هو الذي بذرها فيأخذها الشفيع ويبقى البذر للمبتاع الذي بذره على مذهب من يحمل محمل البيع فلا يصح له الأخذ بالشفعة إلا بعد طلوع البذر. . وقيل إنه يأخذه مع الأصل بقيمة البذر والعمل، وقيل بقيمته على الرجاء والخوف بمنزلة السقي والعلاج في الثمرة. وأما إن كان البائع هو الباذر لها فيأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى في الزرع الشفعة. وعلى القول الذي لا يرى في الزرع الشفعة يأخذها بما ينوبها من الثمن على القول الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل الاستحقاق، وأما على القول الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل البيع فلا يأخذها حتى يبرز الزرع. وأما إن كان غيرهما هو الباذر لها فيأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن، ولا كلام في هذا الوجه.

стр. 1228

فصل وكذلك إن طرأ على الأرض والبذر قد نبت فلا يخلو من الثلاثة الأحوال المذكورة، غير أن الوجهين يستوفي الحكم فيهما. وهو أن يكون البذر للمبتاع أو يكون لأجنبي فيأخذ الشفيع فيهما الأرض دون الزرع بجميع الثمن. وأما إن كان البذر قد بذره البائع فيأخذ الشفيع الأرض والزرع بجميع الثمن على القول الذي يرى الشفعة في الزرع، ويأخذ الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن على القول الذي لا يرى في الزرع شفعة وأما إن طرأ الشفيع بعد يبس الزرع فلا شفعة فيه ويأخذ الأرض بجميع الثمن إن كان البذر للمبتاع أو لأجنبي، وإن كان البذر للبائع أخذ الأرض بما ينوبها من الثمن. فصل وأما طرو المستحق على الأرض فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يستحق الأرض والزرع. والثاني: أن يستحق الأرض دون الزرع. فأما إذا استحق الأرض والزرع مثل أن يزرع الرجل أرضه فيتعدى عليه فيها رجل فيبيعها فهو بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن وبين أن يأخذ أرضه بزرعها ولا كلام في هذا الوجه. وأما إذا استحق الأرض دون الزرع فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال أيضا: أحدها: أن يكون الزرع بذره المستحق منه. والثاني: أن يكون بذره البائع. والثالث: أن يكون لأجنبي. فأما إن كان بذره المستحق منه وهو غاصب فحكمه حكم الغاصب وهو معلوم، وإن لم يكن غاصبا فلا شيء للمستحق في الزرع ولا له قلعه وإنما له الكراء إن لم يكن الإبان قد فات.

стр. 1229

وأما إن كان البذر لأجنبي بوجه صحيح فهو له ويأخذ المستحق أرضه وله على الزارع الكراء إن كان أكرى منه هو، وإن كأن الغاصب هو الذي أكراها منه فله الكراء أيضا إن كان الإبان لم يفت، وإن كان الإبان قد فات جرى ذلك على الاختلاف في غلة الأرض المغصوبة، وقد تقدم القول فيها. وأما إن كان بذر الزرع البائع فباع الأرض مبذورة من المستحق منه فيأخذ المستحق أرضه وينفسخ البيع في الزرع ويرجع المبتاع بجميع الثمن على البائع. وفي كتاب ابن المواز أن الزرع يبقى للمبتاع، وهو بعيد. فهذا وجه القول في طرو كل واحد منهما على انفراد، وهو يغني على القول في طروهما معا وبالله التوفيق. فصل وأما الكراء فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا انفرد عن بيع الأصل، ولا يتصور فيه غير ذلك وبالله التوفيق. فصل وأما رقيق الحائط والرحى فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيهما إذا بيعا مع الأصل، فإن انفرد البيع فيهما على الأصل لم يكن فيهما شفعة باتفاق. فصل وأما الماء فلا اختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع شقص منه مع الأصل أو دونه ولم تقسم الأرض. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا قسمت الأرض، فقال في المدونة إنه لا شفعة فيه. وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أن فيه الشفعة. فذهب سحنون وابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، إلا أنهما اختلفا في تأويل الجمع بينهما، فقال سحنون معنى مسألة المدونة أنها بئر واحدة فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم. .

стр. 1230

والشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم. وقال ابن لبابة معنى مسألة المدونة أنها بئر لا فناء لها ولا أرض ومعنى رواية يحيى أن لها فناء وأرضا مشتركة تكون فيها القلد. وذهب القاضي أبو الوليد إلى أن ذلك اختلاف من القول، وأن الاختلاف في ذلك جار على الاختلاف فيما لا ينقسم كالنخلة والشجرة تكون بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبئر كما لا تنقسم النخلة والشجرة. وكان من أدركت من الشيوخ يقول إن ذلك اختلاف من القول وإن الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث به كالنقض والنخل دون الأرض والكراء وما أشبه ذلك. وبالله التوفيق. فصل وأما النقض فلا خلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل لأنه تبع له. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع ثم طرأ عليه من الاستحقاق ما يوجب للمستحق فيه الشركة أو باع أحد الشريكين حظه من النقض دون الأصل وهو من التساوي على صفة يجوز فيه البيع لوجوب قسمه مع الأصل على قولين قائمين من المدونة. وكذلك إن كان النقض القائم بين الشريكين والعرصة لغيرهما فباع أحدهما حظه من النقض لشريكه فيه الشفعة على الاختلاف المذكور إن أبلى صاحب العرصة أن يأخذه لأنه مبدأ عليه ليس من أجل أنه شفيع، ولكن من أجل قول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار». وقد اختلف هاهنا ممن يأخذ رب العرصة النقض وبما يأخذه. فقيل إنه يأخذه من المبتاع بالقيمة مقلوعا، وقيل بالثمن الذي ابتاعه به، وقيل بالأقل من القيمة أو الثمن. وقيل إنه إنما يأخذه من البائع بقيمته مقلوعا أو بالأقل من القيمة أو الثمن وينفسخ البيع فيه بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بالثمن الذي دفع إليه. وكل ذلك قد تؤول على ما في المدونة. والأظهر منها أنه إنما يأخذه من البائع بالأقل من القيمة أو الثمن، والأظهر
следующие страницы →