← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فصل فأما التمرة فلا فرق في وجوب الشفعة فيها عند من أوجبها، وهو قول مالك في المدونة استحسانا، قال وما علمت أنه قال أحد من أهل العلم قبلي إن فيها الشفعة، بين أن تباع دون الأصل بعد زهوها أو مع الأصل بعد الزهو أو قبله بعد الإبار على مذهب ابن القاسم. وأما إن بيعت قبل الإبار فلا شفعة فيها إذ لم يقع عليها حصة من الثمن، وإنما يأخذها على مذهب ابن القاسم ما لم تجذ أو تيبس إذا كان البيع وقع فيها قبل الإبار من جهة الاستحقاق لا من جهة الاستشفاع. وقد فرعتها في تفسير هذه المسألة وما يتعلق بها من كتاب العيوب فلا وجه لإعادة ذكرها، وبالله التوفيق لا شريك له. فصل وكذلك الزرع أيضا لا فرق عند من رأى الشفعة فيه بين أن يباع دون الأصل إذا حل بيعه أو مع الأصل بعد أن ينبت أو قبل أن ينبت وقد قيل إنه ما لم ينبت فلا شفعة فيه أصلا إذ لم يقع عليه حصة من الثمن كالثمرة التي لم تؤبر. والصواب أنه قد وقع عليه حصة من الثمن وأن الشفعة فيه واجبة بخلاف الثمرة التي لم تؤبر، وبالله التوفيق. فصل والخلاف في وجوب الشفعة فيه قائم من المدونة لأنه على إسقاط الشفعة فيه بأن بيعه لا يجوز حتى ييبس، فيلزم على هذا التعليل أن تجب الشفعة فيه إذا بيع قبل أن ييبس على مذهب من يجيز ذلك من أهل العلم، أو يرى العقد فيه فوتا إذا وقع من أصحابنا وإذا بيع مع الأصل خلاف ما نص عليه في المدونة، ومثل ظاهر ما في سماع أشهب من قول مالك إن الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت الأرض. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1227

فصل وعلى هذا الاختلاف يتركب طرو الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل طلوع البذر فيها أو بعد طلوعه، وبالله التوفيق. فصل فإذا طرأ الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل أن يطلع البذر فيها مثل أن تكون الأرض بين الشريكين فيبيع أحدهما نصيبه منها فيريد الشريك الأخذ بالشفعة وهي مبذورة قبل طلوع البذر فيها فلا يخلو الأمر في ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون المبتاع هو الباذر لها. والثاني: أن يكون البائع هو الذي بذرها أو باعها مبذورة. والثالث: أن يكون البذر لغيرهما مثل مكتر أو ممنوح أو ما أشبه ذلك. فأما إن كان المبتاع هو الذي بذرها فيأخذها الشفيع ويبقى البذر للمبتاع الذي بذره على مذهب من يحمل محمل البيع فلا يصح له الأخذ بالشفعة إلا بعد طلوع البذر. . وقيل إنه يأخذه مع الأصل بقيمة البذر والعمل، وقيل بقيمته على الرجاء والخوف بمنزلة السقي والعلاج في الثمرة. وأما إن كان البائع هو الباذر لها فيأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى في الزرع الشفعة. وعلى القول الذي لا يرى في الزرع الشفعة يأخذها بما ينوبها من الثمن على القول الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل الاستحقاق، وأما على القول الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل البيع فلا يأخذها حتى يبرز الزرع. وأما إن كان غيرهما هو الباذر لها فيأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن، ولا كلام في هذا الوجه.

стр. 1228

فصل وكذلك إن طرأ على الأرض والبذر قد نبت فلا يخلو من الثلاثة الأحوال المذكورة، غير أن الوجهين يستوفي الحكم فيهما. وهو أن يكون البذر للمبتاع أو يكون لأجنبي فيأخذ الشفيع فيهما الأرض دون الزرع بجميع الثمن. وأما إن كان البذر قد بذره البائع فيأخذ الشفيع الأرض والزرع بجميع الثمن على القول الذي يرى الشفعة في الزرع، ويأخذ الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن على القول الذي لا يرى في الزرع شفعة وأما إن طرأ الشفيع بعد يبس الزرع فلا شفعة فيه ويأخذ الأرض بجميع الثمن إن كان البذر للمبتاع أو لأجنبي، وإن كان البذر للبائع أخذ الأرض بما ينوبها من الثمن. فصل وأما طرو المستحق على الأرض فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يستحق الأرض والزرع. والثاني: أن يستحق الأرض دون الزرع. فأما إذا استحق الأرض والزرع مثل أن يزرع الرجل أرضه فيتعدى عليه فيها رجل فيبيعها فهو بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن وبين أن يأخذ أرضه بزرعها ولا كلام في هذا الوجه. وأما إذا استحق الأرض دون الزرع فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال أيضا: أحدها: أن يكون الزرع بذره المستحق منه. والثاني: أن يكون بذره البائع. والثالث: أن يكون لأجنبي. فأما إن كان بذره المستحق منه وهو غاصب فحكمه حكم الغاصب وهو معلوم، وإن لم يكن غاصبا فلا شيء للمستحق في الزرع ولا له قلعه وإنما له الكراء إن لم يكن الإبان قد فات.

стр. 1229

وأما إن كان البذر لأجنبي بوجه صحيح فهو له ويأخذ المستحق أرضه وله على الزارع الكراء إن كان أكرى منه هو، وإن كأن الغاصب هو الذي أكراها منه فله الكراء أيضا إن كان الإبان لم يفت، وإن كان الإبان قد فات جرى ذلك على الاختلاف في غلة الأرض المغصوبة، وقد تقدم القول فيها. وأما إن كان بذر الزرع البائع فباع الأرض مبذورة من المستحق منه فيأخذ المستحق أرضه وينفسخ البيع في الزرع ويرجع المبتاع بجميع الثمن على البائع. وفي كتاب ابن المواز أن الزرع يبقى للمبتاع، وهو بعيد. فهذا وجه القول في طرو كل واحد منهما على انفراد، وهو يغني على القول في طروهما معا وبالله التوفيق. فصل وأما الكراء فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا انفرد عن بيع الأصل، ولا يتصور فيه غير ذلك وبالله التوفيق. فصل وأما رقيق الحائط والرحى فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيهما إذا بيعا مع الأصل، فإن انفرد البيع فيهما على الأصل لم يكن فيهما شفعة باتفاق. فصل وأما الماء فلا اختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع شقص منه مع الأصل أو دونه ولم تقسم الأرض. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا قسمت الأرض، فقال في المدونة إنه لا شفعة فيه. وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أن فيه الشفعة. فذهب سحنون وابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، إلا أنهما اختلفا في تأويل الجمع بينهما، فقال سحنون معنى مسألة المدونة أنها بئر واحدة فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم. .

стр. 1230

والشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم. وقال ابن لبابة معنى مسألة المدونة أنها بئر لا فناء لها ولا أرض ومعنى رواية يحيى أن لها فناء وأرضا مشتركة تكون فيها القلد. وذهب القاضي أبو الوليد إلى أن ذلك اختلاف من القول، وأن الاختلاف في ذلك جار على الاختلاف فيما لا ينقسم كالنخلة والشجرة تكون بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبئر كما لا تنقسم النخلة والشجرة. وكان من أدركت من الشيوخ يقول إن ذلك اختلاف من القول وإن الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث به كالنقض والنخل دون الأرض والكراء وما أشبه ذلك. وبالله التوفيق. فصل وأما النقض فلا خلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل لأنه تبع له. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع ثم طرأ عليه من الاستحقاق ما يوجب للمستحق فيه الشركة أو باع أحد الشريكين حظه من النقض دون الأصل وهو من التساوي على صفة يجوز فيه البيع لوجوب قسمه مع الأصل على قولين قائمين من المدونة. وكذلك إن كان النقض القائم بين الشريكين والعرصة لغيرهما فباع أحدهما حظه من النقض لشريكه فيه الشفعة على الاختلاف المذكور إن أبلى صاحب العرصة أن يأخذه لأنه مبدأ عليه ليس من أجل أنه شفيع، ولكن من أجل قول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار». وقد اختلف هاهنا ممن يأخذ رب العرصة النقض وبما يأخذه. فقيل إنه يأخذه من المبتاع بالقيمة مقلوعا، وقيل بالثمن الذي ابتاعه به، وقيل بالأقل من القيمة أو الثمن. وقيل إنه إنما يأخذه من البائع بقيمته مقلوعا أو بالأقل من القيمة أو الثمن وينفسخ البيع فيه بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بالثمن الذي دفع إليه. وكل ذلك قد تؤول على ما في المدونة. والأظهر منها أنه إنما يأخذه من البائع بالأقل من القيمة أو الثمن، والأظهر

стр. 1231

في القياس أن يأخذ من المبتاع بالقيمة مقلوعا. وهذا كله على القول بجواز بيع الأنقاض قائمة على القلع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف قول أشهب وسحنون، وبالله التوفيق. فصل وفي شراء النقض على الهدم أو النخل على القلع والشفعة في ذلك مسائل لم تستوعبها المدونة، وأنا أذكر منها ست مسائل مشروحة بعللها هي أصلها وعليها مدارها، فمن فهمها ووقف على معانيها استدل بها على سائرها إن شاء الله .. إحداها: أن يشتري النخل على القلع ثم تستحق الأرض أو بعضها. والثانية: أن يشتري النخل على القلع ثم يشتري الأرض بعد ذلك فتستحق الأرض أو بعضها. والثالثة: أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري النخل فيستحق الأرض أو بعضها. والرابعة: أن يشتري النخل على القلع ثم يشتري الأرض فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل. الخامسة: أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري النخل بعد ذلك، فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل. والسادسة: أن يشتري النخل على القلع فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل. فصل فأما المسألة الأولى وهي أن يشتري النخل على القلع ثم يستحق رجل

стр. 1232

الأرض فقال فيها في المدونة إن لمستحق الأرض أن يأخذ من المبتاع النخل بقيمتها مقلوعة وليس من وجه أنه شفيع، إذ لا شركة له معه فيها، ولكن من وجه أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» وإن شاء خلى بينه وبين قلعها، وهذا صحيح على مذهب ابن القاسم في أن شراء الأنقاض على القلع جائز وإن كان من حق صاحب العرصة أن يأخذها بقيمتها مقلوعة. وأما على القول بأن ذلك لا يجوز فيفسخ البيع فيها وترجع إلى بائعها ولا يكون لمستحق الأرض عليها سبيل. وقال سحنون ينظر في ذلك فإنه لا يخلو أن يكون البائع للنقض غاصبا للأرض أو مشتريا لها. فإن كان غاصبا فإن المستحق يدفع إليه أعني البائع وهو الغاصب قيمة النخل مقلوعة ويأخذها إن شاء وينتقض شراء المشتري لها، وإن شاء أسلمها إليها فقلعها. وإن لم يكن غاصبا فالمستحق، وإنما له أن يأخذ منه الثمن الذي دفع إليه في النخل على القلع لأنها قد استحقت منه، كمن باع سلعة بمائة ثم باعها من آخر بتسعين فأخذها المبتاع الأول فليس الثاني أن يأخذ من البائع الثمن الذي أخذه من المبتاع الأول، وإنما له أن يرجع عليه بالثمن الذي دفع إليه لأن السلعة استحقت من يده. فإن قال مستحق الأرض لا أعطيه قيمة البناء، قيل للبائع أعطه قيمة الأرض براحا ويتم البيع للمبتاع في النخل ويقلعها على ما اشتراها عليه، فإن أبى من ذلك أيضا كانا شريكين في الأرض والنخل هذا بقيمة النخل قائمة والمستحق بقيمة الأرض بيضاء، وينتقض شراء المشتري فيما صار لمستحق الأرض من الأنقاض ويمضي شراؤه فيما صار منها للبائع إن كان الذي صار له منها جلها ويرجع عليه من الثمن بقدر ما صار منها للمستحق. وإن كان الذي صار منها للبائع غير الجل مما يكون للمشتري أن يرد فليس له أن يمسك وإن كان الجزء معلوما لأن ما يصير له بالقسمة منه مجهول، إذ لا يقسم إلا مع الأرض على اختلاف في هذا الأصل في غير ما كتاب من المدونة. فصل فإن استحق نصف الأرض فإن المستحق يأخذ نصف الأنقاض وهو ما قابل النصف المستحق بقيمتها مقلوعة على مذهب ابن القاسم. وأما النصف الثاني

стр. 1233

فحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أنه يأخذه بالشفعة بالثمن، وليس ذلك بصحيح، إذ لم تجب الشركة بينهما فيه إلا بعد البيع فلا وجه للشفعة فيه. وإنما الصحيح أن يأخذ بقيمته مقلوعا لقول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» وينظر في النصف المستحق على مذهب سحنون المتقدم إن كان البائع غاصبا أو مشتريا بمثل ما تقدم، وبالله التوفيق. فصل وأما المسألة الثانية وهي أن يشتري النخل على أن يقلعها ثم يشتري الأرض فيستحقها رجل فإن المبتاع يرجع على البائع بثمن الأرض التي استحقت من يده ثم يكون الحكم بين مبتاع النخل وبين المستحق في الأنقاض على ما تقدم في المسألة الأولى من قول ابن القاسم وسحنون، وبالله تعالى التوفيق. فصل وأما المسألة الثالثة وهي أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري الأنقاض فيستحق الأرض رجل فإن المستحق للأرض هاهنا لا يأخذ الأنقاض على مذهب ابن القاسم إلا بقيمتها قائمة، لأنه زاد في ثمن الأنقاض ليبقيها في أرضه، فليس هو بمنزلة من اشتراها للقلع. كذا حكى عبد الحق في كتابه وهو صحيح. وينبغي على هذا إن أبى أن يدفع إليه قيمتها قائمة أن يقال للمشتري أعطه قيمة أرضه براحا، فإن أبى من ذلك أيضا حملا على الشركة على ما تقدم. وينبغي على مذهب سحنون أن ينظر، فإن كان البائع غاصبا كان للمستحق أن يدفع إليه قيمة النقض منقوضا وينقض البيع فيه بينه وبين المشتري فيرجع عليه بالثمن الذي دفع إليه، فإن أبى من ذلك مضى النقض للمشتري بشرائه وبقي فيه على حقه والمستحق على حقه فيها. فإن لم يتفقا في ذلك على شيء يجوز بينهما بيعت الدار وقسم الثمن بينهما على قدر قيمة الأنقاض قائمة وقيمة العرصة براحا. وإن

стр. 1234

كان البائع للأنقاض مشتريا قيل للمستحق ادفع إليه قيمة الأنقاض قائمة، فإن فعل انتقض البيع فيها، وإن أبى من ذلك قيل للبائع ادفع إليه قيمة البقعة براحا. فإن فعل كانت له البقعة وللمبتاع النقض، فإن اتفقا فيهما على شيء يجوز بينهما وإلا بيع الجميع فاقتسما الثمن على القيم، فإن أبى من ذلك أيضا حملا من الشركة على ما تقدم، وانتقض البيع فيما صار من النقض للمستحق ومضى فيما صار منه للبائع على ما تقدم من التفسير أيضا. فصل وأما المسألة الرابعة وهي أن يشتري النخل على القلع أولا ثم يشتري الأرض فيستحق رجل نصف الأرض والنخل؛ والخامسة وهي أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري النقض في صفقة أخرى فيستحق رجل نصف الأرض والنخل، ففيهما ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شفعة في النخل، وهو قول أشهب وأحد قولي ابن القاسم في المدونة. والثاني: أن الشفعة فيها، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة. والثالث: أن الشفعة فيها إن كان اشتراها قبل الأرض، ولا شفعة فيها إن كان اشترى الأرض قبلها، وهو اختيار محمد بن المواز. فأما على القول بوجوب الشفعة في النخل فيأخذ المستحق نصف الأرض ونصف النخل بالشفعة بنصف الثمنين، وإن شاء أخذ نصف الأرض بالشفعة وترك نصف النخل فقلعها المبتاع في المسألة الرابعة، وبقي على حقه فيها في المسألة الخامسة، إذ لم يشترها على القلع. وإن شاء أخذ النخل بالشفعة وترك الأرض. وأما على القول بألا شفعة في النخل، فاختلف هل يكون له أن يأخذها بالقيمة من أجل قول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» على قولين: أحدهما: أن ذلك ليس له.

стр. 1235

والثاني: أن ذلك له. فإذا قلنا إن ذلك له فيأخذ بالقيمة قائما في المسألتين على ما في بعض روايات المدونة. وعلى قياس ما حكى عبد الحق لا يأخذه بالقيمة قائما إلا في المسألة الخامسة وهي إذا تقدم شراء الأرض قبل النخل، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ند. فصل وأما المسألة السادسة وهي أن يشتري النخل خاصة على أن يقلعها فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل، فإن البيع ينتقض فيما بقي في يد المشتري من النخل مما لم يستحق على البائع، ويرجع بجميع الثمن على البائع، إذ لا يقدر على الوصول إلى نصف ما اشترى إلا أن يقاسم البائع للمستحق الأرض مع النخل، وهو إذا قاسمه قد يقل ما يصير له في نصيبه لجودة الأرض أو يكثر لرداءتها، فلا يجوز له أن يتمسك بما بقي في يد البائع منها لأن ذلك مجهول فينتقض البيع، كما قال ابن القاسم فيمن اشترى نصيب رجل في نخل وشريكه غائب على القلع إن ذلك لا يجوز، لأنه لا يستطاع قسمة النخل وحدها دون الأرض فيؤول ذلك إلى الجهل إذا قسم مع غيره. على أن ابن القاسم ﵀ قد قال في المدونة إذا اشترى نقض دار على أن يقلعه ثم أتى رجل فاستحق نصف الدار إنه يكون له أن يرد ما بقي في يديه من النقض مما لم يستحق على البائع. وظاهر قوله له أن يرد التخيير وأن له أن يمسك، وهو كلام فيه نظر، إلا أن يكون معنى ما تكلم عليه ابن القاسم أن الأرض والنقض متساو لا يختلف في القسمة وإنما يصير له فيه النصف حقيقة، وهو معنى قول سحنون في هذه المسألة إنها تجوز في حال ولا تجوز في حال. وجواب ابن القاسم فيها في المدونة على القول بأنه لا شفعة في النقض، ولذلك قال يخير المبتاع. ولو تكلم فيها على القول بوجوب الشفعة في النقض لبدأ بتخيير الشفيع قبل تخيير المبتاع على المعلوم من مذهبه في ذلك، خلاف قول أشهب وسحنون، وبالله التوفيق لا شريك له.

стр. 1236

فصل وقد اختلف عي الشركة التي يوجبها الحكم هل تجب الشفعة بها قبل تقررها أم لا على قولين. أحدهما. أن لا شفعة في ذلك، وهي رواية أشهب عن مالك في أصل سماعه. والثاني. أن الشفعة في ذلك واجبة، وهو قول أشهب من رأيه، ونصب الرواية قال: وسئل مالك فقيل له: إني أعطيته في خيف في وادي خمسين ومائة قفيز بين كل قفيزين عشرة أذرع، ثم إن بعض أهل ذلك الخيف من أهل الأرض باعوا ذلك الخيف، فهل لي شفعة فيما باعوا؟ فقال له لا أظن أن لك شفعة. فقال إنهم لم يحدوه ولم يقسموه ولم يسموا لي في أعلى الحائط ولا في أسفله. فقال ما أرى لك شفعة، أراهم قد سموا لك أذرعا مسماة، فقال لمالك إنهم لم يسموها في موضع من الخيف بعينه، فأين أجد ذلك في أعلى الخيف أم في أسفله؟ فقال له لا أدري اذهب إلى القاضي. قال أشهب: أوهم مالك ﵀ فيما أفتى به الرجل. أرى له في ذلك الشفعة، لأنه أعطاه خمسين ومائة قفيز بأذرع مسماة لم يعطها له في موضع بعينه حتى تكون معروفة بأعيانها فلا تكون له شفعة، ولكنه إنما أعطاه أذرعا ليس ذلك له في موضع محدود بعينه حتى يكون بعرف الذي له من الخيف، وإنما إعطاء من الخيف عدد أذرع يكون له شريكا في الخيف أعلاه وأسفله بقدرها من عدد الأذرع كلها، بمنزلة الذي يكون له في حائط مائة نخلة فيهب منها لرجل محشر بخلاف لا يسميها بأعيانها فيكون شريكا له في الحوائط بالعشر. فإن باع الواهب أو الموهوب له قبل القسم كان في ذلك الشفعة. وفي المجموعة لأشهب وابن نافع مثل قول مالك ﵀ إنه لا شفعة في ذلك، إلا أن أشهب تأول أنه إنما وهب القفز دون الأرض، فلذلك لم ير له شفعة. وقد نزلت هذه المسألة بصاحبنا الفقيه أبي القاسم أصبغ بن محمد ﵀ في قرية نسان، وذلك أن صاحبها توفي فابتاع من بعض ورثته حظوظهم، وكان صاحبها قد باع قبل موته فيها من غيره مبذر زوجين على الإشاعة، فطلبه

стр. 1237

بالشفعة، فأفتينا فيها من غير ذكر رواية على ما يوجبه القياس والنظر ألا شفعة له في ذلك عليه، وكان المبتاع للزوجين قد أعلم القاضي يومئذ بمسألته، فقال له لك الشفعة ووعده أن يقضي له بذلك. فلما اتصل به ما قلنا أنكر الفتوى وظن أنها خطأ، فأخذ معي فيها فحاججته على رد قوله وتصحيح ما ذهبنا إليه. فلما لزمته الحجة ولم يقدر على القضاء مع مخالفة الفتوى رجع عن قوله بوجوب الشفعة وقال إن الذي يبطلها فساد البيع في الزوجين على الوجه المذكور، فطالبه الفقيه ابن القاسم بالحكم له بإبطال الشفعة عنه للقائم بها عليه على مذهبه الذي رآه، فقضى له بذلك وأشهدنا على قضائه به وحكمه، وزعم أن العلة عنده في فساد البيع الجهل بمبلغ أرض القرية لأنه اشترى على الشركة إذ لم يشترط الخيار فكأنه اشترى جزءا مجهولا يعرف مبلغه إن كان ثلثا أو ربعا إلا بعد تكسير أرض القرية. وهذا غير صحيح، لأن ما اشترى لا يزيد بزيادة أرض القرية ولا ينقص بنقصانها، لأنه إنما اشترى زوجين على الشركة في أرض القرية، فإن وجد تكسيرها عشرة أزواج كان له منها الخمس وإن وجد ثمانية كان له منها الربع، وربع الثمانية وخمس العشرة سواء، فلا غرر في ذلك ولا جهل، والبيع صحيح إذا كان قد وقف على أرض القرية وعرف كريمها من لئيمها. ومن أهل العلم من زماننا من ذهب إلى أن البيع لا يجوز في ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة إذا كانت الأرض مختلفة في الطيب، ولا على قول غيره فيها وإن كانت مستوية قياسا على قولهما في كتاب كراء الأرضين في اكتراء الأرض مزارعة، وقال إن العلة في المنع من ذلك عند ابن القاسم إذا كانت الأرض مختلفة، وعند غيره إن كانت مستوية أن الحكم يوجب القسمة، فكأنه اشترى ما يخرج له فيها بالقسمة. وهذا ظاهر البطلان، إذ لو صحت هذه العلة لما أجاز ابن القاسم الكراء إذا استوت الأرض ولا أجاز اشتراء جزء على الإشاعة من دار ولا أرض لأن الحكم يوجب القسمة فيأخذ فيها ما يخرج له السهمة. وقد أجمع أهل العلم على جواز ذلك. وإنما معنى مسألة المدونة أن الكراء إنما وقع على أن يختار المكتري فيأخذ من أي موضع شاء من الأرض، فأجازه ابن القاسم إذا استوت الأرض وإن أمكن أن تختلف الأغراض في نواحيها قياسا على قولهم في إجازة

стр. 1238

شراء ثوب يختاره المشتري من ثياب صنفها واحد وإن اختلفت صفاتها، ولم يجزها إذا اختلفت الأرض كما لم يجز شراء ثوب على أن يختاره من أصناف. ولم يجز ذلك عند غير ابن القاسم وإن استوت الأرض لاختلاف الأغراض في نواحيها على مذهب من لا يجيز البيع في الثياب على الاختيار حتى تكون صنفا واحدا وصفة واحدة. والدليل على صحة تأويلنا هذا في هذه المسألة أنها تنقسم في الاحتمال إلى أربعة أقسام: أحدها: أن يكون الكراء وقع على أن يعطيه المكري من أي موضع شاء. والثاني: أن يكون وقع على أن يضربا على الأرض بالسهام فيأخذ من الموضع الذي وقع السهم عليه. والثالث: أن يكون وقع الأمر مسكوتا عليه. والرابع: أن يكون وقع على أن يختار المكتري فيأخذ من أي موضع شاء فأما على أن يعطيه المكري من أي موضع شاء أو على أن يأخذ من الموضع الذي وقع عليه السهم بالقرعة فلا يصح أن يكونا تكلما على ذلك لأن ذلك لا يجوز عند أحد من العلماء. وكذلك لا يصح أن يكونا تكلما على أن البيع وقع مسكونا عليه على حكم الشركة لأن البيع لو كان وقع على ذلك لوجب أن يكون صحيحا عندهما جميعا، اختلفت الأرض في الطيب والكرم أو استوت في ذلك على ما بيناه فلم يبق إلا ما تأولناه وهو أن البيع إنما انعقد بينهما على أن يأخذ المكتري الأذرع التي اكترى حيث شاء من الأرض على ما بيناه. وإنما يفسد البيع في هذه المسألة إن كان مبذر الزوجين غير معلوم القدر، وقد نص على ذلك ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المدونة. فصل [فتوى ابن رشد بإبطال حكم قاضي قرطبة في قضية شفعة] وقول مالك ﵀ في أنه لا شفعة في ذلك أصح من مذهب أشهب

стр. 1239

على ما أفتينا به، وقد أتيت في جوابي حينئذ من الحجة بعد جواب الفقيه ابن عتاب ﵀ بما يقتضي توجيه الرواية وتصحيحها، ونصه: تصفحت- رحمنا الله وإياك- سؤالك ووقفت عليه وما جاوب به الفقيه أبو محمد - أكرمه الله- من أنه لا شفعة لمبتاع مبذر الزوجين من القرية على إشاعة فيما بيع منها بعد ذلك صحيح وبه أقول، لأن مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه ألا شفعة في الأصول إلا فيما بين الشركاء على ما ثبت من «قضاء رسول الله ﷺ بالشفعة فيما بين الشركاء ما لم تقع الحدود». والشريك بإجماع أهل العلم إنما هو الذي يشارك الرجل في رقبة المال بجزء معلوم على الإشاعة، ولا يختص أحدهما دون صاحبه بضمان ما يطرأ عليه من هلاك أو غصب أو استحقاق. هو مبتاع مبذر الزوجين من القرية على الوجه الذي ذكرت في سؤالك ليس بشريك في القرية للبائع منه ولا لمن انتقلت إليه بالابتياع منه أو من ورثته، لأنه إنما ابتاع منه مساحة معلومة من أرضها. فهي بمنزلة من اشترى ثوبا من ثياب ولم يعينه ولا اشترط الخيار، وإن كان الحكم يوجب في ابتياع مبذر الزوجين عند التشاح أن تكسر جميع أرض القرية فيعرف ما يقع مبذر الزوجين منها فيأخذه حيثما وقع له بالقرعة على حكم الشركة إذا لم يعينا في تبايعهما الموضع الذي يأخذ منه مبذر الزوجين، قالا في تبايعهما على الإشاعة أو سكتا عنه، الحكم في ذلك سواء، لأنه إن طرأ على شيء من أرض القرية استحقاق أو غصب أو هلاك لم يلزم مبتاع الزوجين من ذلك شيء ما لم تكسر أرض القرية فيشهدا على أنفسهما بالرضى بالتشارك فيها على ما يقع تكسير الزوجين من تكسير جميع القرية، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه بين أحد من أهل العلم. فإذا صح هذا على ما بيناه وجب ألا شفعة له على المبتاع لمبذر الزوجين. ومعنى قول أهل العلم في مثل هذا البيع إنه جائز وهما شريكان إنما هو أن الحكم يوجب القسمة بينهما عند التشاح على حكم الشركة لا أنهما شريكان من الآن بعقد البيع، هذا ما لا يصح أن يتأول عليهم بوجه. ولو وقع البيع بينهما في مبذر الزوجين على هذا بشرط أن يكون المبتاع لمبذر الزوجين شريكا للبائع في القرية بما يبلغ تكسيرها من تكسير جميع أرض القرية إذا كسراهما حتى تكون المصيبة منهما جميعا على حسب ذلك فيما يطرأ على القرية بعد البيع من غصب أو

стр. 1240

استحقاق كان بيعا فاسدا لمآل الأمر بالشرط إلى ابتياع جزء مجهول لا يعلم إلا بعد التكسير، وبالله التوفيق. فصل ولو باع منه مبذر الزوجين من القرية على أن فيها عشرة أزواج قبل أن يتحقق تكسيرها لما وجب أن يكونا شريكين فيها بعقد البيع إلا على مذهب من لا يرى على البائع في مثل هذا البيع حق توفية، ويجعل اشتراط المبتاع على البائع عشرة أزواج كصفقة اشترى عليها، فإن وجد تكسير القرية عشرة أزواج فأكثر لزمهما البيع ولم يكن لواحد منهما خيار، وإن وجد تكسير القرية أقل من عشرة أزواج فإن المبتاع مخير بين أن يتمسك ببيعه بجميع الثمن أو يرد ويرى الضمان من المبتاع إن غرقت الأرض أو غصبت لا على من يرى على البائع فيه حق توفية ويجعل الضمان منه إن غصبت أو غرقت قبل التكسير، ويرى أن ما وجد فيها من زيادة على العشرة الأزواج التي اشترط عليه فلا حق للمبتاع فيها وأنه يكون شريكا بالزوجين اللذين ابتاع، فلا يكون له من القرية إلا سدسها إن وجد تكسيرها اثني عشر زوجا. وإن وجد تكسيرها أقل من عشرة أزواج سقط عنه من الثمن بحساب ذلك. فانظر هذا الأصل والاختلاف فيه في سماع أشهب وعيسى وأبي زيد من كتاب جامع البيوع، وفي نوازل سحنون من الكتاب المذكور ومن كتاب العيوب، وفي سماع عيسى أيضا من كتاب النكاح. وإنما يكون المبتاع شريكا للبائع بالزوجين إذا اشتراهما على الإشاعة من القرية بعد تكسير القرية والوقوف على حقيقة ذلك، فهذا تحقيق القول في هذه المسألة وبالله تعالى التوفيق لا شريك له. فصل ويجب إذا اشترى زوجين من القرية على الإشاعة ولم يسميا عدد أزواج القرية فاستحق من القرية شيء أو غصب قبل التكسير فقلنا إن المبتاع يكون له الزوجان مما بقي ويشارك البائع بقدر ذلك ألا يجبرا على ذلك إن أبى أحدهما وأراد رد البيع، لأن من حجة المبتاع أن يقول الذي استحق أو ذهب أفضل وأطيب فلا أرضى أن أخذ من الباقي، ومن حجة البائع أن يقول الذي بقي أفضل وأطيب فلا أرضى أن تأخذ منه،. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد ... وبالله أستعين وعليه أتوكل كتاب القسمة قال الله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]. وقال تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. وقال رسول الله ﷺ : «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام». وقال ﷺ في غزوة حنين لما سأله الناس أن يقسم بينهم مغانمهم وألحوا عليه في ذلك: «أتخافون ألا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم، والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا». فصل فالحكم بقسمة ما ينقسم إذا دعا إلى ذلك بعض الأشراك واجب، ويبيع ما لا ينقسم وقسمة ثمنه بينهم إذا دعا إلى الانفصال في ذلك بعضهم لازم، لا

стр. 1242

اختلاف بين أهل العلم في هذه الجملة. وإنما اختلفوا عند تفصيلها في تعيين ما ينقسم وفي صفة القسم فيما ينقسم على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. فصل فالقسمة تكون في شيئين: أحدهما: رقاب الأموال. والثاني: منافعها. فأما قسمة الرقاب فإنها تكون على ثلاثة أوجه: قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل. وقسمة مراضاة بعد تعديل وتقويم. وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل. ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة أحكام اختصت بها دون ما سواها. فأما قسمة القرعة بعد التعديل والتقويم فهي القسمة التي يوجبها الحكم ويجبر عليها من أباها فيما ينقسم، ولا يصح إلا فيما تماثل أو تجانس من الأصول والحيوان والعروض، لا فيما اختلف وتباين من ذلك، ولا في شيء من المكيل والموزون، ولا يجمع فيها حظ اثنين في القسم. ويجب القيام فيها بالغبن إذا ثبت لأن كل واحد منهما دخل على قيمة مقدرة وذرع معلوم، فإذا وجد نقصا من ذلك وجب له الرجوع به. وأما قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل فتصح في الجنس الواحد وفي الأجناس المختلفة المتباينة وفي المكيل والموزون إلا فيما كان منه صنفا واحدا مدخرا لا يجوز فيه التفاضل. وهذه القسمة أيضا متى ظهر فيها غبن في ذرع أو قيمة كان للمغبون الرجوع بذلك للعلة التي قدمناها. وكذلك قسمة المراضاة والمهايأة

стр. 1243

بغير تعديل ولا تقويم تجوز في الجنس الواحد وفي المختلف من الأجناس أيضا، وفي المكيل والموزون إلا فيما لا يجوز فيه التفاضل من الطعام إلا أنه لا قيام فيها لواحد منهم على صاحبه بالغبن، لأنه لم يأخذها أحد على قيمة مقدرة ولا على ذرع معلوم ولا على أنه مماثل لما خرج عنه، وإنما أخذه بعينه على أن يخرج فيما سواه من جميع حقه سواء كان أقل منه أو أكثر كبيع المكايسة سواء. فصل وهذه القسمة لا يختلف فيها أنها بيع من البيوع، وإنما يحكم فيها بحكم البيع فيما يطرأ من الاستحقاق والرد بالعيوب وسائر الأحكام المتعلقة بالبيوع. وأما القسمة على الوجهين الأولين فاختلف هل هي تمييز حق أو بيع من البيوع، فنص مالك ﵀ في المدونة على أنها بيع من البيوع. وذهب سحنون إلى أنها تمييز حق. ويوجد من قوله ما يدل على خلاف مذهبه. واضطرب قول ابن القاسم في ذلك على ما تقتضيه مسائله في المدونة وغيرها. ووجه قول من قال إنها بيع من البيوع هو أن كل واحد من المتقاسمين عاوض صاحبه في حصته بحصته فملك حصة صاحبه من الجزء الذي صار إليه بحصته من الجزء الذي خرج عنه، وهذه معاوضة محضة، والمعاوضة مبايعة. ووجه قول من قال إنها تمييز حق أنها غير موقوفة على اختيار المتقاسمين بل قد تجوز فيها المخاطرة بالقرعة، وذلك ينافي البيع، فثبت أنها لتمييز الحق. والأظهر في قسمة القرعة أنها تمييز حق، وفي قسمة المراضاة بعد التعديل والتقويم أنها بيع من البيوع. وأما قسمة المراضاة بعد تعديل ولا تقويم فلا اختلاف أنها بيع من البيوع في جميع الأحكام كما ذكرنا. فصل والقرعة إنما جعلت في القسمة تطييبا لأنفس المتقاسمين، وأصلها قائم من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فأما الكتاب فقوله تعالى في قصة يونس عليه

стр. 1244

السلام: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. وفي قصة مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وأما السنة فهي ما روي «أن رجلا أعتق أعبدا له ستة عند موته فأسهم رسول الله ﷺ بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق». وقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». وإنما أسهم رسول الله ﷺ بين العبيد في العتق ليقاسم الميت للورثة فيأخذ له الثلث ويعطي الورثة الثلثين، فهذا أصل صحيح في القضاء بالسهمة في القسمة فيما كان مماثلا من العروض والأصول أو متجانسا، وما يوجبه الحكم فجائز أن يتراضى عليه من غير حكم، وبالله التوفيق. فصل ورقاب الأموال تنقسم في القسمة على ثلاثة أقسام: مكيل وموزون، وحيوان وعروض، ورباع وأصول. فصل فأما المكيل والموزون فلا يخلو من أن يكون صنفا واحدا أو صنفين فزائدا. فإن كان صنفا واحدا فلا يخلو أيضا من أن يكون صبرة واحدة أو صبرتين فزائدا. فأما إن كان صبرة واحدة فلا خلاف في وجوب قسمه على الاعتدال في الكيل والوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشركاء، ولا في جواز قسمته على الاعتدال في الكيل والوزن وعلى التفضيل البين، كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل أو من الطعام المدخر الذي لا يجوز فيه التفاضل. ويجوز ذلك كله بالمكيال المعلوم والمجهول، وبالصنجة المعلومة والمجهولة. ولا خلاف أيضا في أن قسمته جزافا

стр. 1245

بغير كيل ولا وزن ولا تحر لا تجوز، لأن ذلك غرر ومخاطرة وإن كان من الطعام المدخر دخله أيضا عدم المماثلة. وأما قسمته تحريا فلا تجوز في المكيل، وتجوز في الموزون. ويدخل في جواز ذلك من الاختلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا. فصل وأما إن لم يكن من صبرة واحدة فلا يخلو من أن يكون مما يجوز فيه التفاضل مثل: محمولة وسمراء وقمح وشعير ونقي ومغلوت فلا تجوز قسمته إلا على الاعتدال في الوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن، لأنهما إذا اقتسما القمح والشعير بالمكيال المجهول فأخذ أحدهما القمح والثاني الشعير وإن اعتدلا في الكيل واقتسما الزائد من القمح على الشعير أو الشعير على القمح بينهما بنصفين إن وجدا في أحدهما زيادة على الآخر، لأن ما كان من القمح مساويا للشعير وبالشعير في الكيل فقد بادل كل واحد منهما صاحبه في نصفه بالمكيال المجهول، ولا تجوز مبادلة القمح بالشعير بالمكيال المجهول، كما لا يجوز بيع أحدهما بالمكيال المجهول، لأن ذلك غرر، إذ لا يدري ما يقع المكيال المجهول من المعلوم، لأن الذي يأخذ الشعير يقول لو علمت أنه يبلغ هذا العدد لم أرض أن آخذ الشعير فأعطيه القمح. ولو اقتسما القمح على حدة والشعير على حدة لجاز بالمكيال المجهول على ما تقدم في الصبرة الواحدة. وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل مثل ما لا يدخر من الأطعمة ومثل الحناء والعصفر وشبه ذلك فيجوز قسمه على الاعتدال والتفاضل البين بالمكيال المعلوم والصنجة المعروفة. ولا يجوز بالمكيال المجهول

стр. 1246

ولا بالصنجة المجهولة لأن ذلك غرر على ما بيناه في الصبرتين من جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل مثل قمح وشعير. وأما في واجب الحكم فلا تقسم كل صبرة إلا على حدة. وإذا قسمت كل صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال المجهول كما تجوز بالمكيال المعلوم، لأن قسمة الصبرة الواحدة على الكيل تمييز حق وليس ببيع. وكذلك إن كان صنفين تجوز قسمته على الاعتدال في الكيل والوزن، وعلى غير الاعتدال. ولا يجوز ذلك إلا بالمكيال المعلوم والصنجة المعلومة. وأما في واجب الحكم فلا يقسم كل صنف إلا على حدة. وإذا قسم كل صنف على حدة جاز ذلك بالمكيال المعلوم والمجهول حسب ما مضى بيانه وبالله تعالى التوفيق. فصل ولا تجوز القرعة في قسم شيء مما يكال أو يوزن. فصل أما الحيوان والعروض فقسمتهما على التراضي من غير سهمة جائزة باتفاق، ولا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. وأما قسمتهما بالتعديل والسهمة فمنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون في سماع يحيى من كتاب القسمة، وقال إنها تباع ويقسم الثمن، وأجازه مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنعوا منه في الصنفين. فصل وفي تمييز الصنف الواحد من الصنفين في ذلك اختلاف بين أصحاب مالك ﵀. أما أشهب فأجرى القسمة في ذلك مجرى البيع وحملها عليه فقال: إن ما جاز سلم بعضه في بعض فلا يجوز جمعه في القسمة بالسهمة وأما ابن القاسم فلم

стр. 1247

يجر قوله على قياس، لأنه جعل القسمة في بعض المواضع أخف من البيع فأجاز القسمة بالسهمة فيما يجوز سلم بعضه في بعض،، وجعلها في بعض المواضع أشد من البيع فمنع من القسمة بالسهمة فيما هو عنده في البيع صنف واحد لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض، وذلك قوله في المدونة إنه تقسم الخيل على حدة والبراذين على حدة والبغال على حدة والحمير على حدة، إلا أن يتأول عليه أنه أراد أن يقسم الخيل على حدة والبراذين على حدة والبغال على حدة والحمير على حدة إذا كان في كل صنف منها ما يحمل القسمة، فيكون ذلك مثل ظاهر قوله في البز في أحد الموضعين من المدونة، ومثل قول عيسى بن دينار من رأيه في سماعه من كتاب القسمة في قسمة الأرض الدنية والكريمة. وهذا أولى ما حمل عليه قوله والله أعلم. فيتحصل من مذهبه على هذا التأويل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجمع الخيل والبراذين والبغال والحمير في القسمة إن كان كل صنف منها يحتمل أن يقسم على حدة. والثاني: أنه لا يجمع في القسمة إلا أن يكون كل صنف منها لا يحتمل أن يقسم على حدة. والثالث: أنه لا يجمع في القسم بحال وإن لم يحتمل أن يقسم كل صنف على حدة. وكذلك البز والثياب على هذا القياس يكون فيه ثلاثة أقوال: وذهب ابن حبيب إلى أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين، فجعل الخز والبز والحرير صنفا واحدا، والقطن والكتان صنفا، والصوف والمرعزى صنفا، والفراء وإن اختلفت أجناسها صنفا. فصل وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة إذا رضي الشريكان بذلك، ومثله موجود لابن القاسم في المدونة في مسألة الشجرة والزيتونة، وذلك معترض لأنه إن كان غررا فلا يصح الرضا به، وإن لم يكن غررا فيلزم الحكم به.

стр. 1248

فصل وأما الثوب الواحد والبعير الواحد وما أشبه ذلك فلا يقسم بين الشريكين إلا أن يتراضيا بذلك لأن في قسمه فسادا له. وكذلك الحكم في كل ما هو زوج لصاحبه لا يستغني أحدهما عن صاحبه مثل النعلين والخفين والبابين وما أشبه ذلك. فصل وأما الرباع والأصول فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا عدلت بالقيمة، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا، ولم يقل ابن أبي سلمة في ذلك ما قال في الحيوان والعروض إنها لا تقسم بالسهمة. فصل ولا يجمع في القسمة الدور مع الحوائط ولا مع الأرضين، ولا الحوائط مع الأرضين، وإنما يقسم كل شيء من ذلك على حدته. واختلف إذا اختلفت الدور في النفاق أو تباعدت مواضعها هل تجمع في القسمة أم لا على ثلاثة أقوال. وكذلك اختلف إذا اختلفت الأرضون في الكرم والنفاق أو في السقي على ما سيأتي كل في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل واختلف في قسمة الدار الواحدة أو الأرض بين النفر فقال مالك: إنها تقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم وإن لم يصر في نصيب كل واحد منهم إلا قدر قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك من أصحابه إلا ابن كنانة. وقال ابن الماجشون لا تقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة

стр. 1249

فيه في وجه من الوجوه فلا تقسم. وقال ابن القاسم لا تقسم إلا أن تنقسم من غير ضرر ويصير لكل واحد منهم في حظه موضع ينفرد به وينتفع بسكناه، ولا يراعي في ذلك نقصان الثمن على مذهبه، وإنما يراعي ذلك في العروض. وقال مطرف إن لم يصر في حظ واحد منهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ما ينتفع به قسم دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له في نصيبه ما ينتفع به أو صاحب النصيب الكبير الذي يصير له في حظه ما ينتفع به. هذا ظاهر قوله. وقد قيل إنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب القليل، وقيل إنما تقسم إذا دعا إلى ذلك صاحب النصيب الكبير. فصل وإذا احتملت ساحة الدار وبيوتها القسمة قسمت كلها قسما واحدا، فجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله من الساحة وعدل ذلك بالقسمة ثم استهم عليها. وإن لم تحتمل الساحة القسمة واحتملتها البيوت قسمت البيوت وأقرت الساحة بينهم يشتركون في الارتفاق فيها كالفناء إلا أن يتفقوا على قسمتها. وأما إن لم تحمل البيوت القسمة واحتملتها الساحة فالذي يأتي على مذهب ابن القاسم أنها لا تقسم إلا بالتراضي، لأنها إن جمعت في القسمة السهام خرج سهام بعضهم في البيوت وبعضهم في الساحة فلم يجز الاستهام على ذلك كالصنفين اللذين لا يجمعان في القسمة. وذهب ابن حبيب إلى أنه يضم البنيان في القسمة إلى الساحة حتى كأنه منها ثم يقسم كله قسما واحدا وإن لم تقع السهام كلها في البنيان، وذلك بعيد، لأن فيه إجازة جمع صنفين في القسمة بالسهام، وذلك ما لا يجوز، إلا أن يريد مع تراضيهم على ذلك، فيخرج قوله على مذهب أشهب وعلى قول ابن القاسم في مسألة الشجرة والزيتونة. فصل والذي جرى به العمل عندنا أن الدار لا تقسم حتى يصير لكل واحد من الشركاء من الساحة والبيوت ما ينتفع به ويستتر فيه عن صاحبه.

стр. 1250

فصل وقد قيل إن الساحة لا تقسم بين الورثة وإن صار في نصيب كل واحد منهم ما ينتفع به. وإنما تقسم البيوت خاصة. وهو قول مطرف وتأويله عن مالك في قوله: لا تقسم الساحة بين الورثة وإن حملت القسم. والأول أصح. ويتأول قول مالك على ساحة الفناء أو على ساحة الدار إذا أبقوها وقسموها البيوت، وهي تحتمل أن تقسم معها قسما واحدا أو على أنهم ورثوا الساحة وقد قسمت البيوت. وذهب سحنون إلى أنه إن كان على البيوت حجر لم تقسم الساحة، وإن لم يكن لها حجر قسمت. جعل الساحة إذا كان للبيوت حجر كالفناء لا تقسم إلا بالتراضي. وبالله تعالى التوفيق. فصل والأفنية تنقسم على قسمين: فناء يكون أمام محور القوم إلى جانب الطريق، فهذا لا يقسم وإن اجتمعوا على قسمه، لأن لعامة الناس فيه حقا ومرفقا عند تضايق الناس في الزحام. فإن اقتسموا ردت القسمة وصرف الفناء على حاله. وذهب أصبغ إلى أن ذلك لا يجوز ابتداء، وإذا وقعت القسمة لم تنقض لما للناس في ذلك من المرفق في بعض الأحيان. والأول أصح وأولى. وفناء يكون بين دور القوم ليس إلى جانب الطريق ولا لأحد من المارة فيه مرفق. فهذا الفناء إن اجتمع أهله على اقتسامه اقتسموه. قال ابن القاسم على ما تراضوا عليه. وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك أنهم يقتسمونه على حال منازلهم، فإن أبى بعضهم القسمة لم يحكم بها بينهم. فصل وقد اختلف في الأنادر والمسارح هل تقسم أم لا على قولين. ولا فرق

стр. 1251

بين هذا وبين الفناء الذي يكون وسط دور القوم على غير الطريق، فهذا الاختلاف داخل فيه بالمعنى، وبالله التوفيق. فصل وإذا اقتسم الشريكان الدار ولم يشترطا أن يقيما بينهما حاجزا فلا يحكم بذلك عليهم، ويقال لمن دعا إلى ذلك استر على نفسك في حظك إن شئت. وإن اشترطوا ذلك ولم يحدوه أخذ من نصيب كل واحد منهما نصف فناء الجدار وإن كان أحدهما أقل نصيبا من صاحبه. وكذلك تكون النفقة بينهما بالسواء إلى أن يبلغ مبلغ الستر إذا لم يحدوا في ذلك حدا. ولا اختلاف في هذا أعلمه، وإنما اختلفوا في أجرة القسام فقيل إنها على عدد الرؤوس. وقيل إنها على قدر الأنصباء. والقولان موجودان لابن القاسم. فصل ولا يقضي القاضي بقسمة الأصل بين الورثة حتى يثبتوا عنده الموت وعدة الورثة وأنه كان ملكه وماله لم يفوته إلى أن توفي في علم الشهود بذلك. وكذلك لا يقضي بالقسمة بين الشركاء حتى يثبتوا عنده ملكهم، وبالله التوفيق. فصل وأما قسمة المنافع فإنها لا تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم، ولا يجبر عليها من أباها ولا تكون إلا على المراضاة والمهايأة. وهي على وجهين: أحدهما: أن يتهايأ بالأزمان. والثاني: أن يتهايأ بالأعيان. فصل فأما التهايؤ بالأزمان، وهو أن يتفقا على أن يستغل أحدهما العبد أو الدابة أو يستخدم العبد أو يركب الدابة أو يسكن الدار أو يحرث الأرض مدة من الزمان،

стр. 1252

والآخر مثلهما أو أقل أو أكثر. فهذا يفترق فيه الاستغلال والاستخدام في العبد والركوب في الدابة والسكنى في الدار والازدراع في الأرض. فصل فأما التهايؤ على الاغتلال فلا يجوز في المدة الكثيرة باتفاق. واختلف في المدة اليسيرة كاليوم ونحوه، ففي كتاب محمد لا يجوز ذلك في الدابة والعبد وإن كان ذلك يوما واحدا. قال محمد: وقد سهل مالك في اليوم الواحد. فصل وأما التهايؤ في الاستخدام فاتفقوا على أن ذلك لا يجوز في المدة الكثيرة، واتفقوا على تجويزها في الأيام اليسيرة إلا أنهم اختلفوا في حدها قال ابن المواز: يجوز في مثل خمسة أيام فأقل ولا يجوز في أكثر. وفي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك يجوز في الشهر. قال ابن القاسم: وأكثر من الشهر قليلا. فصل وأما التهايؤ في الدور والأرضين فتجوز فيها السنين المعلومة والأجل البعيد ككرائها، قاله ابن القاسم في المجموعة. ووجه ذلك أنها مأمونة إلا أن التهايؤ إذا كان في أرض المزارعة فلا يجوز إلا أن تكون مأمونة مما يجوز فيها النقد، وبالله التوفيق. فصل وأما التهايؤ في الأعيان بأن يستخدم هذا عبدا وهذا عبدا، أو يغتل هذا عبدا وهذا عبدا، أو يسكن هذا دارا وهذا دارا، أو يزرع هذا أرضا وهذا أرضا، ففي المجموعة عن ابن القاسم أن هذا يجوز في سكنى الدار وزراعة الأرض، ولا يجوز في الغلة والكراء، وذلك على قياس التهايؤ بالأزمان، فيسهل في اليوم الواحد على أحد قولي مالك فيه، ولا يجوز في أكثر من ذلك باتفاق لأنه غرر ومخاطرة. وكذلك استخدام العبيد والدواب يجري على الاختلاف المتقدم في التهايؤ بالأزمان والله

стр. 1253

أعلم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة المنافع في سكنى الدار ولباس الثوب واستخدام العبد من أباه من الشركاء إذا دعا إلى ذلك أحدهم، كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم. فإن كان مما لا ينقسم قسم بينهم على التهايؤ بالأزمان، وإن كان مما ينقسم قسم بينهم على قدر حظوظهم فانتفع كل واحد بما صار له في حظه لتلك المدة. واحتج له الطحاوي بما روي في حديث «المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال له رجل زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة من قوله فيه لا أجد إلا إزاري هذا فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ : وما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء»، فدل ذلك من قوله على أن الأمر لو تم بينهما على ذلك لكان لكل واحد منهما لبسه بكماله في حال ما يحق ملكه لنصفه، والله أعلم. فصل ومن هذا الباب قسمة الحبس للاغتلال، فقيل إنه يقسم ويجبر على القسم من أباه وينفذ بينهم إلى أن يحدث عن الموت أو الولادة ما يغيره بزيادة أو نقصان. واحتج من ذهب إلى ذلك بقولهم فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده إن الحبس يقسم على عدد الولد وولد الولد، وبغير ذلك من الظواهر الموجودة في مسائلهم. وقيل إنه لا يقسم بحال. واحتج من ذهب إلى ذلك بقول مالك في المدونة: إن الحبس مما لا يقسم ولا يجزأ. وقيل إنه لا يقسم إلا أن يتراضى المحبس عليهم على قسمته قسمة اغتلال فيجوز ذلك لهم. فصل والقسمة من العقود اللازمة، فإذا وقعت بين الشركاء فيما تجوز فيه القسمة على التراضي أو على القرعة بوجه صحيح جائز لزمت ولم يكن لأحدهم نقضها ولا الرجوع عنها، ولا تنتقض إلا بما يطرأ عليها مما لم يعلم به كطروء الغريم

стр. 1254

والموصى له أو الوارث على التركة بعد اقتسامها، ففيه إحدى عشرة مسألة: إحداها: طروء الغريم على الغرماء. والثانية: طروء الوارث على الورثة. والثالثة: طروء الموصى له على الموصى لهم. والرابعة: طروء الغريم على الورثة. والخامسة: طروء الغريم على الموصى له بالثلث وعلى الورثة. والسادسة: طروء الموصى له بعدد على الورثة. والسابعة: طروء الغريم على الغرماء والورثة. والثامنة: طروء الموصى له بعدد على الموصى لهم وعلى الورثة. والتاسعة: طروء الموصى له بجزء على الورثة. . والحادية عشر: طروء الغريم على الموصى لهم بأقل من الثلث وعلى الورثة. فصل فأما المسألة الأولى والثانية والثالثة وهي طروء الغريم على الغرماء، وطروء الوارث على الورثة، وطروء الموصى له على الموصى لهم، فحكمها سواء، وهو أن يتبع الطارئ كل واحد منهم بما ينوبه ولا يأخذ الملي منهم بالمعدم. وإن وجد بأيديهم ما قبضوا قائما لم يفت أخذ من كل واحد منهم ما يجب له ولم تنتقض

стр. 1255

القسمة إن كان ذلك مكيلا أو موزنا. وإن كان حيوانا أو عروضا انتقضت القسمة لما يدخل عليه من الضرر في تبعيض حقه. واختلف هل يضمن كل واحد منهم للطارئ ما ينوبه مما قبض إن قامت له بينة على تلفه من غير سببه أم لا على قولين: أحدهما: أنه ضامن لذلك. والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه. فإذا قلنا إنه ضامن مع قيام البينة فتلزمه القيمة يوم القبض بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق وما أشبه ذلك. وإذا قلنا إنه لا ضمان عليه مع قيام البينة فلا يضمن بالتفويت بالعتق والصدقة والهبة والبيع، ولا يلزمه في البيع إلا الثمن الذي قبض، ويصدق في دعوى التلف إن لم تكن له بينة فيما لا يغاب عليه دون ما يغاب عليه. ويأتي على ما لأصبغ في سماعه من كتاب النكاح أنه في العين ضامن دون ما سواه وإن قامت على تلفه بينه. فيتحصل في هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضامن في العين وغيره وإن قامت البينة على تلفه من غير سبب. والثاني: أنه لا ضمان عليه في العين ولا في غيره إذا قامت البينة على تلفه من غير سبب. والثالث: تفرقة أصبغ بين العين وغيره. وعلى القول بأنه لا ضمان عليه إذا قامت البينة على تلفه يصدق فيما لا يخاف عليه في دعوى التلف مع يمينه. فصل وأما المسألة الرابعة والخامسة والسادسة، وهي طروء الغريم على الورثة، وطروءه على الموصى لهم بالثلث وعلى الورثة، وطروء الموصى لهم بعدد على الورثة فحكمها أيضا سواء. والاختلاف فيها واحد في انتقاض القسمة وفيما يضمن به كل واحد منهم حظه الذي صار إليه بها. فأما القسمة فتنتقض على رواية أشهب عن مالك لحق الله تعالى، ولا تنتقض عند أشهب وسحنون. واضطرب قول ابن

стр. 1256

القاسم في انتقاضها فمرة قال إنها تنتقض من جميعهم، فيخرج الدين الطارئ من جملة المال ثم يقسم ما بقي، فتكون المصيبة فيما مات أو جني عليه أو نقض بحوالة سوق أو غيره من جميعهم، إلا أن يشاؤوا أن يخرجوا الدين من عندهم ويقروا قسمتهم بحالها، أو يتطوع أحدهم بإخراج جملة الدين الطارئ من عنده لاغتباطه بحظه فيكون ذلك له ولا تنتقض القسمة، بمنزلة أن لو وهبه صاحبه. وليس لأحدهم أن يخرج ما ينوبه من الدين ويتمسك بحظه الذي صار إليه بالقسمة إلا أن يكون الدين ثبت بشهادة أحدهم مع يمين الطالب فيريد سائر الورثة أن يخرجوا الدين من عندهم ويقرروا القسمة بينهم ويأبى الشاهد من ذلك فلا يكون ذلك له، لأنه يتهم على أنه إنما أراد نقض القسمة ليزداد حظه إما لغبن جرى عليه فيها أو لتلف حظه أو بعض حظه بأمر من السماء أو ما أشبه ذلك. وفي ذلك نظر، لأنه إذا اتهم وجب ألا تجوز شهادته، وهو قول أشهب. ومرة قال إن القسمة إنما تنتقض بين من بقي حظه بيده أو شيء منه أو استهلكه أو شيئا منه. وأما من تلف جميع حظه بأمر من السماء فلا يرجع عليه بشيء من الدين، ولا يرجع هو مع سائر الورثة فيما بقي من التركة بعد تأدية الدين. وقع هذا له في بعض روايات المدونة. وذهب ابن حبيب إلى أن القسمة تنتقض بين جميعهم مثل قول ابن القاسم الأول، إلا أن لمن شاء منهم عنده أن يفك نصيبه بما ينوبه من الدين إلا أن يكون ما بأيدي سائر الورثة قد تلف شيء منه بموت أو جائحة فليس ذلك له إلا أن يشركهم في ضمان ما مات من ذلك أو أجيح بأن يحمل نوبه منه. وأما أشهب وسحنون فاتفقا على أن القسمة لا تنتقض واختلفا في فض الدين على ما بأيديهم، فقال سحنون إنه يفض على قيمة ما بيد كل واحد منهم يوم الحكم، وقال أشهب في أحد قوليه يفض على الأجزاء التي اقتسموا عليها زادت قيمتها أو نقصت ما كانت قائمة لم تفت. فعلى قول سحنون وأشهب سواء ثبت الدين بشاهدين أو بشهادة أحد الورثة مع يمين الطالب، إذ لا للشاهد بشهادته على مذهبهما. فصل ولا اختلاف بين جميعهم في أن الورثة لا يضمنون بالقسمة التلف بأمر من

стр. 1257

السماء إذا لحق الدين فيلزمهم أن يؤدوا ذلك. واختلفوا هل يضمنون بالإحداث كالبيع والهبة والصدقة والعتق، فذهب ابن حبيب إلى أنهم يضمنون بذلك، فيلزمهم أن يؤدوا ولا يرجعوا على الموهوب له بشيء. وذهب أشهب وسحنون إلى أنهم لا يضمنون بذلك يريد فيرجع صاحب الدين على الموهوب له ولا يكون له في البيع على المشتري شيء، إلا أن تكون فيه محاباة فيكون حكمها حكم الهبة. وفي المدونة دليل على القولين جميعا. وما ادعوا تلفه من الحيوان الذي لا يغاب عليه صدقوا في ذلك مع أيمانهم، بخلاف العروض التي يغاب عليها. وأما العين والمكيل والموزون من الطعام وغيره فاختلف فيه إن قامت البينة على تلفه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يبرؤون من ضمانها، وهو القياس على القول بوجوب الفسخ. والثاني: أنهم لا يبرؤون من ضمانها، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب القسمة. والثالث: الفرق بين العين وما سواه من المكيل والموزون. فصل والاختلاف في انتقاض القسمة مبني على اختلافهم في الدين الطارئ على الميت هل هو متعين في عين التركة أو واجب في ذمة الميت؟ فمن علل بأنه متعين في عين التركة نقض القسمة. ومن علل أنه إنما يجب في ذمة الميت ولا يتعين في عين التركة لم ينقض القسمة. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف قول مالك فيمن يبدأ باليمين مع الشاهد في دين المتوفى إن كان الورثة أو الغرماء في مسائل شتى، منها مسألة النكاح الثاني في الوصي ينفق مال اليتيم على يتاماه ثم يطرأ عليه دين. فصل وأما المسألة السابعة وهي طروء الغريم على الغرماء والورثة فالحكم فيها أن

стр. 1258

ينظر، فإن كان فيما أخذه الورثة كفاف دين الغريم الطارئ رجع عليهم على ما تقدم من وجه العمل في طروء الغريم على الورثة ولم يكن له رجوع على الغرماء، وإن لم يكن فيه كفاف دينه رجع على الغرماء ببقية حقه على ما تقدم من وصف العمل أيضا في رجوع الغريم على الغرماء. فصل وكذلك الحكم في المسألة الثامنة وهي طروء الموصى له بعدد على الموصى لهم وعلى الورثة، أن ينظر فإن كان ما أخذه الورثة زيادة على الثلثين هو كفاف وصية الموصى له الطارئ فلا رجوع له على الموصى لهم، وإن لم يكن في ذلك كفاف وصيته رجع بتمام وصيته على الموصى لهم على ما تقدم في رجوع الوارث على الورثة والغريم على الغرماء والموصى له على الموصى لهم. فصل وأما المسألة التاسعة وهي طروء الموصى له بجزء على الورثة فذهب ابن حبيب إلى أن ذلك بمنزلة طروء الغريم على الورثة. وذهب ابن القاسم إلى أن ذلك بمنزلة طروء الوارث على الورثة. فصل وأما المسألة العاشرة وهي طروء الموصى له بجزء على الموصى لهم بجزء وعلى الورثة، فالحكم في ذلك أن ينظر فيما أخذه الورثة من الثلث زائدا على الثلثين، فإن كان فيه كفاف الجزء الطارئ لم يكن له الرجوع إلا على الورثة، ويرجع عليهم على الاختلاف المتقدم بين ابن القاسم وابن حبيب في صفة رجوع طروء الموصى له بجزء على الورثة، وإن لم يكن في ذلك كفاف الجزء الطارئ رجع بالباقي على الموصى لهم على ما تقدم في طروء الموصى له على الموصى لهم.

стр. 1259

فصل وأما المسألة الحادية عشر وهي طروء الغريم على الموصى له بأقل من الثلث وعلى الورثة، فالحكم في ذلك أن ينظر، فإن كان ما قبض الموصى له يخرج من ثلث ما بقي بعد دين الغريم الطارئ فلا رجوع للغريم عليه إلا في عدم الورثة، وإن كان لا يخرج من ثلث ذلك فيرجع بالزيادة على الثلث على من وجد منهم مليا. وأما قدر الثلث فلا يرجع به على الموصى له إلا في عدم الورثة على ما تقدم. مثال ذلك أن يترك المتوفى ثلاثين دينارا فيقبض منها الموصى له خمسة ويقبض الورثة خمسة وعشرين ثم يطرأ غريم له على المتوفى ثمانية عشر دينارا، إذ الثلث على هذا بعد الدين الطارئ أربعة دنانير وقد قبض الموصى له خمسة دنانير، فإن وجدهم جميعا أملياء رجع على الموصى له بالدينار الزائد، وعلى الورثة بسبعة عشر دينارا تمام حقه. وإن وجد الورثة أملياء والموصى له عديم رجع على الورثة بجميع دينه ثمانية عشر دينارا، واتبع الورثة الموصى له الدينار الزائد على قدر حقوقهم. وإن وجد الموصى له مليا والورثة عدماء رجع بجميع الخمسة الموصى له واتبع الورثة بثلاثة عشر تتمة دينه، ورجع الموصى له على الورثة بالأربعة دنانير التي غرمها عنهم لعدمهم، وبالله التوفيق لا شريك له. فصل وأما طروء الاستحقاق على أحد الأنصباء بعد القسمة أو وجود العيب به، فإن كانت القسمة بالقرعة ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن القسمة تنتقض كان الاستحقاق قليلا أو كثيرا والأنصباء قائمة أو فائتة، وتكون وصية ما تلف من جميعهم كلحوق الدين، وهو قول ابن الماجشون وابنه عبد العزيز على اختلاف الرواية في ذلك في سماع يحيى من كتاب القسمة. والثاني: أنها لا تنتقض إلا أن يستحق الجل من النصيب أو ما فيه الضرر على الاختلاف المعلوم في حد ذلك، ويرجع المستحق منه على أشراكه على حكم البيع في القيام والفوات، كان الفوات باستهلاك أو استنفاق أو إحداث أو أمر

стр. 1260

من السماء، الحكم في ذلك سواء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثالث: وهو مذهب أشهب وسحنون أن القسمة لا يضمن بها في الاستحقاق لهلاك بأمر من السماء على رواية أشهب عن مالك في الإخوة الثلاثة الذين اقتسموا الثلاثة الأعبد فأخذ كل واحد منهم عبدا فمات عبد أحدهم واستحق عبد الثاني، أن المستحق منه يرجع على الذي بقي عبده بيده بثلثه فيشاركه فيه، ولا رجوع له على الذي مات عبده بيده لأن القسمة إنما تنتقض فيما بينهما خاصة، وتصح فيما بينهما وبين الذي مات عبده. ثم إن أشهب وسحنون بعد اجتماعهما على أن الذي مات عبده لا يضمن في الموت ولا يجب للمستحق منه الرجوع عليه بشيء، اختلفا هل يضمن بالإحداث كالهبة والصدقة والعتق والبيع وما أشبه ذلك. فذهب سحنون إلى أنه لا يضمن بشيء من ذلك فيكون للمستحق منه الرجوع عليه في البيع بما ينوب المستحق من الثمن الذي قبض، ويرجع في عين العبد الموهوب فيشارك الموهوب له فيه بما ينوبه، وفي عين العبد المعتق، فيقوم ذلك الحظ على المعتق إن كان موسرا. وذهب أشهب إلى أنه يضمن بجميع ذلك فيكون للمستحق منه أن يرجع على الذي باع أو وهب أو تصدق أو أعتق بما ينوب المستحق من قيمة ما فوت بشيء من ذلك يوم صار إليه بالقسمة، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ند.

стр. 1261

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد، وبالله أستعين وعليه أتوكل كتاب الوصايا أذن الله ﵎ لعباده في الوصية وذكرها في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وقال عز من قائل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]. وحض عليها النبي ﷺ فقال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة»، مخافة أن يفجأه الموت وتخترمه المنية فتفوته الوصية. وكذلك قال بعض الرواة في هذا الحديث: «لا ينبغي لأحد عنده مال يوصى فيه تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته عنده مكتوبة». قال بعض شيوخ صقلية: معناه وهو موعوك. وأما الصحيح فليس بمفرط في ترك كتاب وصيته. والصواب حمل الحديث على ظاهره من العموم في الموعوك والصحيح. لأن الصحيح لا يأمن أن تفجأه المنية فلا يمكنه ما يريد من الوصية،

стр. 1262

فليس من الحزم ولا صواب الرأي ترك كتاب الوصية في الصحة ولا في المرض، وإن كان الأمر في المرض آكد عليه منه في الصحيحة، لأن المرض سبب من أسباب الموت، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي. فصل ومعنى قول رسول الله ﷺ : «ووصيته عنده مكتوبة» " يريد مكتوبة قد أشهد عليها، وأما إن كتبها ولم يشهد عليها ووجدت عنده بعد موته فلا ينفذ ما فيها وإن كانت بخط يده لاحتمال أن يكون إنما كتبها ليؤامر نفسه ولم يعزم بعد على تنفيذها، والروايات بذلك منصوصة عن مالك وغيره. فصل وإن كتب وصيته وأشهد عليها فلا يخلو من أن تكون مطلقة غير مقيدة أو مقيدة بمرض بعينه أو سفر بعينه أو بلد يعين، أو وقت يعين، أو ما أشبه ذلك. فإن كانت مطلقة لم يقيدها بشيء وإنما قال إن مت أو إذا مت أو متى ما مت أو ما أشبه ذلك من الألفاظ المطلقة العامة فإنه ينفد ما فيها باتفاق، سواء أقرها على يده أو وضعها عند غيره. وكذلك إن أشهد على وصيته ولم يكتب بذلك كتابا، فإن كان وضعها عند غيره ثم أخذها منه فوجدت عنده بطلت باتفاق، سواء أخذها منه في صحته أو في مرضه. وأما إن كانت مقيدة بسفر بعينه، أو بمرض بعينه أو ما أشبه ذلك، فمات من غير ذلك المرض أو في غير ذلك السفر فلا يخلو من أن يكون كتب بذلك كتابا أو لم يكتبه فأما إن لم يكتب بذلك كتابا وإنما أشهد به خاصة فلم يختلف قول مالك أن الوصية لا تنفذ. وأما إن كتب بذلك كتابا فلا يخلو أيضا من أن يكون أقره عنده أو وضعه عند غيره. فأما إن كان أقره عنده ولم يجعله على يدي غيره فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة أجازها ومرة أبطلها، والقولان قائمان في المدونة. وأما إن كان وضعها

стр. 1263

على يدي غيره، فلم يختلف قول مالك أنها تنفد. ولأشهب في هذه المسألة تفصيل هو مذكور في موضعه. فصل وتجوز وصية السفيه والمولى عليه لأنه إنما حجر عليه في ماله مخافة الفقر، والوصية إنما تنفد بعد الموت في حال يؤمن عليه فيه الفقر. وتجوز وصية المجنون في حال إفاقته، ووصية الصغير الذي يعرف وجوه القرب عند مالك وأصحابه، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. فصل وقد تعلق من أوجب الوصية بظاهر هذا الحديث وقال إن لفظة الحق تقتضي الوجوب، وهذا غير صحيح، لأن لفظ الحق إذا قيل فيه عليه فهو محتمل للوجوب والندب. وأما إذا أضيف إليه وجعل له فقيل فيه من حقه أن يفعل كذلك أو كذا وكذا، فالأظهر فيه الندب لا الوجوب. فصل ومما يدل أيضا على أن المراد بالحديث الحض والندب لا الوجوب أن بعض رواته يقول فيه: له مال يريد أن يوصي فيه، وتعليق الوصية بإرادة الموصي نص في سقوط وجوبها. فصل ولو حمل الحديث على الوجوب لكان معناه في الأمور الواجبة عليه من قضاء الدين ورد الأمانات وأداء ما فرط فيه من الزكوات وما أشبه ذلك من الأمور المعينات، فإن ما يلزم الرجل في حياته يجب عليه أن يوصي به عند وفاته، بخلاف الوصية بشيء من ماله في وجه من وجوه البر.

стр. 1264

فصل فالوصية بما يتقرب به إلى الله تعالى مما لا يجب عليه في حياته على مذهب مالك وجمهور أهل العلم، مرغب فيها ومندوب إليها وليست بواجبة، وهي تجوز للقرابة والأجنبيين إلا أن الوصية للقرابة أفضل منها للأجنبيين، فينبغي للموصي أن يبدأ به لأن الله بدأ بهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وَقَالَ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَالَ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] أي الأرحام أن تصلوها ولا تقطعوها. «وقال ﷺ لميمونة زوجته وقد أعتقت وليدة لها: " لو وصلت بها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك». «وقال ﵇ لأبي طلحة في الحائط الذي تصدق به: " إني أرى أن تجعله في الأقربين» فقسمه أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. فصل وأما الوصية للوارث فلا تجوز إلا أن يجيزها الورثة. وقد حمل جماعة من أهل العلم قول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» على عمومه فلم يجيزوا له الوصية وإن أجازها له الورثة، معناه إلا على سبيل الهبة منهم له التي تفتقر إلى الحيازة. والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ لأن المنع إنما تعلق بحق الورثة كالزائد على ثلث المال، فإذا أجازوه جاز، كالرضى بالعيب، وتسليم الشفعة وما أشبه ذلك. وقد روي أيضا في بعض الآثار «لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة».

стр. 1265

[فصل فيما تنقسم إليه الوصايا] فصل والوصايا تنقسم على خمسة أقسام: فمنها ما يجب تنفيذه، ومنها ما لا يلزم تنفيذه، ومنها ما يختلف في وجوب تنفذه، ومنها ما لا ينبغي تنفيده. فأما ما يجب تنفيذه فثلاثة أنواع: أحدها: أن يوصي بما في فعله قربة وفي تركه حرج من الأمور الواجبة كالزكاة وعتق الظهار وما أشبه ذلك. والثائي: أن يوصي بما في فعله قربة ولا حرج في تركه كالوصية للمساكين وما أشبه ذلك. والثالث: أن يوصي بما يختلف فيه هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من يرى فيه قربة. وأما ما لا يجب تنفيذه فنوع واحد وهو ما في فعله حرج من الأمور المحظورات، كالوصية بإقامة مناحة ميت وما أشبه ذلك. وأما ما يختلف في وجوب تنفيذه فنوعان: أحدهما: أن يوصي بما يختلف هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من يرى أنه لا قربة فيه، كالوصية بالحج على مذهب مالك ﵀. أوجب مالك وأكثر أصحابه تنفيذ الوصية بذلك، ولم يوجب ذلك ابن كنانة. والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في تصويب المجتهدين. والثاني: أن يوصي بما لا قربة في فعله ولا في تركه من الأمور الجائزة، كالوصية ببيع ملك من أملاكه أو ببيع عبد من عبيده وهو لا يرغب في ذلك، أو شراء عبد آخر من الثلث للورثة وما أشبه ذلك. وانظر هل يأتي على هذا المعنى اختلافهم فيمن أوصى بسرف في أكفانه وحنوطه، إذ قد قيل إن الزائد على قدر ما يجب أن يكفن فيه يكون من الثلث وهو قول سحنون. وقيل إنه يبطل، حكاه ابن شعبان عن مالك وابن القاسم.
следующие страницы →