Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ولا يجوز، لأن ستر العورة فرض ومن فعل ذلك كان جرحة فيه.
والنساء في هذا بمنزلة الرجال. هذا هو الذي يوجبه النظر، لأن المرأة لا يجوز لها أن تنظر من المرأة إلا ما يجوز أن ينظره الرجل من الرجل، بدليل ما روي عن النبي ﵇ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب». وما روي أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة» خرج الحديثين أبو داود. فجعل رسول الله ﷺ حكم المرأة مع المرأة فيما يجوز لها أن تنظر إليه منها كحكم الرجل فيما يجوز له أن ينظر إليه من الرجل.
وقد أجمع أهل العلم فيما علمت أن النساء يغسلن المرأة الميتة كما يغسل الرجل الرجل الميت، ولم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في غسل النساء ذوي محارمهن من الرجال، وفي غسل الرجل ذوات محارمه من النساء حسبما ذكرناه في رسم الجنائز والصيد والذبائح من سماع أشهب من كتاب الجنائز من العتبية. وقد قال ابن أبي زيد في الرسالة: ولا تدخل المرأة الحمام إلا من علة.
وقال عبد الوهاب في شرحها: هذا لما روي من أن الحمام محرم على النساء فلم يجز لهن دخوله إلا من عذر، ولأن المرأة ليست كالرجل لأن جميع بدنها عورة، ولا يجوز لها أن تظهر لرجل ولا امرأة. والحمام يجتمع فيه النساء ولا يمكن الواحدة أن تخليه لنفسها في العادة، فكره لها ذلك إلا من عذر. هذا نص قول عبد الوهاب وفيه نظر. أما ما ذكرناه من أن الحمام محرم على النساء فلا أعلمه نصا عن النبي ﵇. وقد ذكر عن النبي ﷺ في كتاب الجامع من المعونة أنه قال: «الحمام بيت لا ستر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر،
стр. 1577
ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا لعلة». فإن صح ذلك عن النبي ﷺ فمعناه في دخولهن إياه على ما جرت به عادتهن من دخولهن إياه غير مستترات. وأما ما قاله من أن بدن المرأة لا يجوز أن يراه رجل ولا امرأة فليس بصحيح، إنما هو عورة على الرجل لا على المرأة، بدليل ما ذكرناه عن النبي ﷺ وما روي من أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: إنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء المشركين فَانْهَ عن ذلك أشد النهي، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عورتها غير أهل دينها.
وما اجتمع عليه العلماء من أن النساء يغسلن النساء كما يغسل الرجال الرجال. وإنما قال ابن أبي زيد: إن المرأة لا تدخل الحمام إلا من علة لما جاء عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها: الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء». وإنما أمر والله أعلم أن يمنع النساء من دخولها إلا مريضة أو نفساء؛ لأن إباحة ذلك لهن ذريعة إلى أن يدخلنه غير مئتزرات، لا من أجل أن عليهن إثما في دخولهن إياها مئتزرات. فدخول النساء الحمامات مكروه لهن غير محرم عليهن.
وعلى هذا يتأول ما روي في ذلك عن النبي ﷺ وعن عائشة، من ذلك حديثها «أن رسول الله ﷺ نهى عن دخول الحمامات ثم رخص للرجال أن يدخلوها بالميازر». فيتأول أنه إنما يرخص في ذلك للنساء بدليل هذا الحديث حماية للذرائع في دخولهن إياها بغير ميازر.
ومن ذلك ما «روي عنها أنها أتتها نساء من أهل الشام فقالت: لعلكن من أهل الكورة التي يدخل نساؤها الحمامات. قال: قلن نعم. قالت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد هتكت ما بينها وبين الله، أو ستر ما بينها وبين الله؛» لأنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن
стр. 1578
يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس والجسم أو تجردت عريانة وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال إذ كان معها النساء في الحمام وشبهه. فقد قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.
وقد روي عن أم كلثوم قالت: أمرتني عائشة فطليتها بالنورة ثم طليتها بالحناء ما بين قرنها إلى قدمها في الحمام من حصر كان بها. قالت: فقلت لها ألم تكوني تنهي النساء عن الحمام؟ قالت: إني سقيمة، وأنا أنهى الآن أيضا ألا تدخل امرأة حماما إلا من سقم. فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات؛ لأن بدن المرأة إنما عورة على الرجل لا على المرأة. وإنما اختلف في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة، فقيل: إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من المرأة. والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، بدليل «قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فلولا أنها في النظر إليه كحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه لما أباح لها النبي ﷺ الاعتداد عنده، وهذا بين والله أعلم وبه التوفيق.
стр. 1579
فصل
في
السلام والمصافحة والاستئذان
الابتداء بالسلام سنة مؤكدة من سنن الإسلام. قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وقال رسول الله ﷺ : «أفشوا السلام» وقال: «من حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات». والرد أوكد وأوجب لما يتعلق في ذلك من حق المسلم. قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] والاختيار في السلام أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم، ويقول الراد عليه وعليك السلام. ويجوز الابتداء بلفظ الرد والرد بلفظ الابتداء ويتنهى إلى لفظ البركة على ما جاء عن ابن عباس من أنه أنكر الزيادة على ذلك وقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وفي قول الله : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها دليل على جواز الزيادة على البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام في سلامه إليها. وقد ذكر مالك في موطئه أن رجلا سلم على عبد الله بن عمر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته والغاديات والرائحات، فقال عبد الله بن عمر: وعليك ألفا ثم كأنه كره ذلك.
فصل
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يسلم الكبير على الصغير والراكب على
стр. 1580
الماشي» ومعنى ذلك إذا التقيا، فإن كان أحدهما راكبا والآخر ماشيا بدأ الراكب بالسلام، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير بالسلام. وأما المار بغيره أو الداخل عليه فهو الذي يبدأ بالسلام وإن كان ماشيا والذي يمر به راكبا أو صغيرا. وكذلك السائر في الطريق إذا لحق بغيره فتقدمه وجب عليه أن يبدأه بالسلام وإن كان صغيرا أو راكبا وهو ماش.
فصل
وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم على ما جاء في الحديث، وكذلك في الرد يجزئ رد واحد من المسلم عليهم عن جميعهم على قياس ذلك. وقد قيل في غير المذهب: إنه لا يجزئ ذلك في الرد وهو شذوذ. ويكره السلام على المرأة الشابة ولا بأس به على المتجالة.
فصل
والمصافحة جائزة بل هي مستحبة. قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» وقد كره مالك المصافحة في رواية أشهب من كتاب الجامع من العتبية وقال: هو أخف من المعانقة. والمشهور عن مالك إجازتها واستحبابها، وهو الذي يدل عليه مذهبه في الموطأ بإدخاله فيه حديث النبي ﷺ الذي تقدم بالأمر بها. والآثار فيها كثيرة، منها حديث البراء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يتلقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا». وإنما المعلوم من مذهب مالك كراهية المعانقة، ومن أهل العلم من أجازها، منهم ابن عيينة، روي أنه دخل على مالك ﵀ فصافحه وقال له: يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقناك فقال سفيان بن عيينة: عانق من هو خير منك ومني النبي ﷺ . قال مالك: جعفر؟ قال: نعم، قال: ذلك حديث خاص يا أبا محمد
стр. 1581
ليس بعام. قال سفيان: ما يعم جعفر يعمنا إذا كنا صالحين، وما يخصه يخصنا، فتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد. قال: حدثني عبد الله بن طاووس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة اعتنقه النبي ﷺ وقبل بين عينيه وقال: جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا، ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة» الحديث. ولما لم يرو عن النبي ﷺ أنه فعلها إلا مع جعفر بن أبي طالب رأى ذلك خصوصا له، وكره ذلك للناس إذ لم يصحبها العمل من الصحابة بعد النبي ﷺ ؛ ولأنها مما تنفر عنها النفوس في كل وقت، إذ لا يمكن في الغالب إلا لوداع من طول اشتياق لغيبة، أو مع الأهل وما أشبه ذلك. وفارقت عنده المصافحة لوجود العمل بها. ووجه إجازتها اعتبارها بالمصافحة. وقد روي من «حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ كان يصافحه فجاءه قرة فلزمه» وهذا يمكن أن يكون فعله مرة ولم يداوم عليه.
فصل
ويكره تقبيل اليد في السلام. وقد سئل مالك عن الرجل يقدم من السفر فيتناول غلامه أو مولاه يده فيقبلها فقال: إن ترك ذلك أحب إلي. وهو كما قال: ينبغي لمولاه أو سيده أن ينهاه عن ذلك؛ لأنه بإسلامه أخوه في الله فلعله أفضل منه عند الله إلا أن لا يكون مسلما فلا ينهاه عن ذلك؛ لما جاء من «أن اليهود أتوا النبي ﷺ فسألوه مختبرين له عن تسع آيات بينات فلما أخبرهم بها قبلوا يديه ورجليه» في حديث طويل.
فصل
ولا يبدأ أهل الذمة بالسلام؛ لأن السلام تحية وإكرام، وقد قال الله : ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] فيجب ألا يكون الكافر أهلا لها. هذا
стр. 1582
من طريق المعنى. وقد جاء بذلك الأثر أيضا. روي عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «أي راكب غدا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم». وقد روي أيضا عن النبي ﷺ مثله بمعناه من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وقد روى أشهب عن مالك في الجامع من العتبية أنه لا يسلم على أهل الذمة ولا يرد عليهم، ومعناه أنه لا يرد عليهم بمثل ما يرد على المسلمين وأن يقتصر في الرد عليهم بأن يقال: وعليكم على ما جاء في الحديث. وجاء في حديث الموطأ أن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السلام عليكم، فقل: عليك بغير واو. والذي ينبغي في هذا أن يقول في الرد: عليك - بغير واو - وإن تحققت أنه قال في سلامه: السام عليك وهو الموت، أو السلام عليك - بكسر السين - وهي الحجارة فقل عليك بغير واو. وإن شئت قلت: وعليك بالواو؛ لأنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، على ما جاء عن النبي ﷺ . روي عن عائشة «أن اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليكم، فقال النبي ﷺ : وعليكم. فقالت عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه يا إخوة القردة والخنازير، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة عليك بالحلم وإياك والجهل، فقالت: يا رسول الله: أما سمعت ما قالوا، فقال لها: أما سمعت ما رددت عليهم فاستجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا» وإن لم تتحقق ذلك قلت وعليك. قالوا: ولأنك إن قلت عليك بغير واو وكان هو قد قال: السلام عليك كنت قد نفيت السلام عن نفسك ورددته عليه. ومن أخطأ فابتداء اليهودي بالسلام لم يلزمه أن يقول له: إني إنما بدأتك بالسلام؛ لأني ظننتك مسلما فلا تظن أني قصدتك بذلك وأنا أعلم أنك لست بمسلم، وهذا معنى قول مالك في موطئه: إنه لا يستقيل اليهودي في سلامه من سلم عليه؛ لأنه إن فعل ذلك فقد رجع له في إكرامه له بالسلام وبطلت غبطة الذمي بذلك. وقد قال الداودي معنى ذلك: لا يسأله أن
стр. 1583
يرد عليه سلامه من أجل أنه لا يلحقه بسلامه عليه بركة وليس ذلك بشيء. وقد قيل: إنه يقول في الرد على الذمي: عليك السلام - بكسر السين - وعلاك السلام: ارتفع عنك. ومن أهل العلم من أجاز أن يبدأ أهل الذمة بالسلام، وهو خلاف ما روي عن النبي ﷺ .
فصل
ولا يسلم على أهل الأهواء كلهم، قاله ابن القاسم في سماعه من جامع العتبية، وحكى أنه رأى ذلك من مذهب مالك. ومعناه في أهل الأهواء الذين يشبهون القدرية من المعتزلة والروافض والخوارج، إذ من الأهواء ما هو كفر صريح لا يختلف في أن معتقده كافر، فلا يختلف في أنه لا يسلم عليه؛ ومنه ما هو خفيف لا يختلف في أنه ليس بكفر ولا في معتقده أنه ليس بكافر فلا يختلف في أنه يسلم عليه. ويحتمل أنه يريد أنه لا يسلم عليهم على وجه التأديب لهم والتبرؤ منهم والبغضة فيهم لله؛ لأنهم عنده كفار بمثال قولهم ويحمل أن يريد أنه لا يسلم عليهم؛ لأنهم عندهم كفار بآل قولهم، وقد اختلف قوله في ذلك. ولا ينبغي أن يسلم على أهل الباطل في حال تشبثهم بالباطل وعملهم به كالملهيين واللاعبين بالشطرنج وشبه ذلك.
فصل
والاستئذان واجب، لا يجوز لأحد أن يدخل على أحد بيته حتى يستأذن عليه، أجنبيا كان أو قريبا. وقد جاء أن «رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله ﷺ : استأذن عليها فقال الرجل يا رسول الله: إني خادمها، فقال رسول الله ﷺ : أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها». وروى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع». وقال الله : ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]
стр. 1584
أي حتى تستأذنوا وتسلموا. وقد قرئ ذلك. فالاستئناس هو الاستئذان في الصحيح من الأقوال؛ لأنه استفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد أم لا؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم فيأنس إلى إذنهم له ويأنسوا إلى استئذانه إياهم.
وقد اختلف هل يبدأ بالسلام أو بالاستئذان، والصواب أن يقدم الاستئذان، فإن أذن له بالدخول سلم على من في البيت ودخل.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تأذنوا لمن لا يبدأ بالسلام». وقد استوفينا الكلام على هذا في رسم باع شاة من سماع عيسى من جامع العتبية، وبالله التوفيق.
فصل
في
تشميت العاطس
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وإذا قال: الحمد لله فليقل له يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم». وروي عنه ﷺ أنه قال: «إذا عطس أحدكم فليحمد الله، وليقل له من عنده يرحمك الله، وليرد عليك يغفر الله لنا ولكم». وقال مالك: إن شاء قال العاطس في الرد على من سمته: يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم". وقال الشافعي: أي ذلك قال فحسن. وقال أصحاب أبي حنيفة: يقول: يغفر الله لنا ولكم ولا يقول يهديكم الله ويصلح بالكم. وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يهديكم الله ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج؛ لأنهم لا يستغفرون للناس. والصحيح ما ذهب إليه مالك من أنه يرد عليه بما شاء من ذلك، إذ قد جاء عن النبي ﷺ الأمران جميعا. وقد اختار الطحاوي وعبد الوهاب وغيره: يهديكم الله
стр. 1585
ويصلح بالكم على قوله: يغفر الله لنا ولكم؛ لأن المغفرة لا تكون إلا من ذنب، والهداية قد تعري من الذنوب.
والذي أقول به أن قوله: يغفر الله لنا ولكم أولى، إذ لا يسلم أحد من مواقعة الذنوب، وصاحب الذنب يحتاج إلى الغفران؛ لأنه إن هدي فيما يستقبل ولم يغفر له ما تقدم من ذنوبه بقيت التباعة عليه فيها. وإن جمعها جميعا فقال: يغفر الله لنا ولكم ويهديكم الله ويصلح بالكم كان أحسن وأولى.
والذمي إذا عطس وحمد الله فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال: يهديك الله ويصلح بالك، لأن اليهودي والنصراني لا تغفر له السيئات حتى يؤمن. ومما يدل على هذا ما روي «أن اليهود والنصارى كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم». وتعليق النبي ﷺ التشميت بالحمد بقوله: وإذا قال: الحمد لله فليقل له: يرحمك الله دليل على أن العاطس لا يشمت حتى يحمد الله، وهو قول مالك إنه لا يشمته حتى يسمعه يحمد الله. قيل له: فإنه ربما كانت الحلقة كثيرة الأهل فأسمع القوم يشمتونه، فقال: إذا سمعت الذين يشمتونه فشمته.
وقد اختلف في تشميت العاطس فقيل: هو واجب على كل من سمعه يحمد الله وهو مذهب أهل الظاهر، وقيل: هو واجب على الكفاية كرد السلام، وقيل: هو ندب وإرشاد وليس بواجب. وإنما أمر العاطس أن يحمد الله لما له في العطاس من المنفعة. والدليل على ذلك أنه لا يشمت إذا كان مضنوكا على ما جاء في الحديث من قوله ﵇: "إن «عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فقل: إنك مضنوك». قال عبد الله بن أبي بكر راوي الحديث: لا أدري بعد الثلاثة أو الأربعة.
ويقال: تسميت وتشميت. وقال الخليل: تشميت العاطس لغة في تسميته.
وقال ثعلب: التشميت معناه: أبعد الله عنك الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك. وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن. وبالله التوفيق.
стр. 1586
فصل
في
المهاجرة
ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث لما قد يقع بينه وبينة مما قد تنفر منه الطباع، إلا أن يكون من أهل الأهواء والبدع أو من أهل الفسوق من المسلمين فيهجرهما في ذات الله، لأن الحب في الله والبغض في الله واجب، ولأن في ترك مؤاخاة البدعي حفظا لدينه، إذ قد يسمع من شبهه ما يعلق بنفسه. وفي ترك مؤاخاة الفاسق ردع له عن فسوقه.
والسلام يخرج المهاجر عن هجرانه إذا كان متماديا على إذايته والسبب الذي هجره من أجله؛ لقول النبي ﷺ : «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وأما إن كان قد أقلع عن ذلك فلا يخرج عن هجرانه فتجوز شهادته عليه إلا بأن يعود معه إلى ما كان عليه قبل. هذا معنى قول مالك. والآثار في الأمر بالتواخي في الله والنهي عن التقاطع والتدابر كثيرة. والثلاث آخر حد اليسير في أشياء كثيرة من أحكام الشرع، فاستخف في المهاجرة لجري العادة في الطباع بها عند وقوع ما يثيرها. والأصل في تحديدها في الهجرة وغيرها قول الله : ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] وبالله التوفيق.
فصل
في
بيان السنن التي في البدن
وهي عشر: خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية؛ وخمس في الجسد وهي: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان. جاء ذلك عن النبي ﷺ .
فأما المضمضة والاستنشاق فهما من سنن الوضوء وقد مضى القول فيهما. والسواك تطهير للفم ومرضاة للرب. وقد قال النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء». والأصبع تجزئ عن السواك ما لم يجد سواكا.
стр. 1587
وأما قص الشارب فما جاء عن النبي ﷺ من الأمر به يبين ما جاء عنه من الأمر بإحفائه فيستعمل الأمران جميعا بأن يقص أعلاه ويحفي الإطار منه، ولا يحمل على التعارض.
وهذا الذي ذهب إليه مالك ﵀ لأنه رأى حلقه مثلة، وقال في ذلك إنه بدعة وهو صحيح، لأن اتصال العمل بترك إحفائه دليل على نسخ الأمر بذلك. والأولى أن يجعل حديث الأمر بقصه مبينا لحديث الأمر بإحفائه. وكان ابن القاسم يكره أن يؤخذ من أعلاه وقال: معنى الأمر بإحفائه إحفاء الإطار منه.
وأما اللحية فتعفى على ما جاء في الحديث؛ لأن فيها جمالا. وقد جاء في بعض الأخبار أن الله زين بني آدم باللحى، فحلقها مثلة وتشبيه بالأعاجم في ذلك، إلا أن تطول فلا بأس بالأخذ منها.
وأما حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار فهو من النظافة المشروعة في الدين.
والاستنجاء من باب زوال النجاسة، ويجزئ فيه الأحجار على ما جاء في الآثار، والماء أطهر وأطيب. ومن قدر على الجمع بينهما فهو أحسن، لأن الله قد أثنى على من فعل ذلك من الأنصار بقباء فقال فيهم: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وأما الختان فهو طهرة الإسلام ومن سنة إبراهيم ﵇ وملته التي أمر الله بالتزامها حيث يقول: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] أي التزموها. هو أول من اختتن من الناس حين أمره الله بالختان. قيل: وهو ابن ثمانين سنة، وقيل: وهو ابن مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. روي الأمران جميعا عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة.
ويستحب ختان الصبي إذا أمر بالصلاة من السبع سنين إلى العشرة، ويكره
стр. 1588
أن يختن في سابع ولادته كما تفعله اليهود. وروي عن ابن عباس أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا تجوز شهادته. وعن النبي ﷺ أنه «لا يحج البيت حتى يختتن».
وقد اختلف هل للكبير رخصة في ترك الختان أم لا؟ فروي عن الحسن أنه كان يرخص في ذلك للشيخ الكبير، وقال ذلك محمد بن عبد الحكم إذا ضعف وخاف على نفسه، ولم يرخص له سحنون في تركه وإن خاف منه على نفسه.
واختلف فيمن ولد مختونا فقيل: قد كفى الله المؤونة فيه، وقيل: يجري الموسى عليه فإن كان فيه ما يقطع قطع، وبالله التوفيق.
فصل
في
التناجي
ولا يتناجى اثنان دون واحد للنهي الوارد عن النبي ﷺ من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، وكذلك الجماعة دون الواحد؛ لأن ذلك أشد لحزنه وإساءته وقلة التأدب معه. وقد قيل: إن ذلك إنما يكره في السفر وحيث لا يعرف المتناجيان، ولا يوثق بهما، ويخشى الغرر منهما.
وحجة من ذهب إلى هذا ما روي عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمر أنه قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان منهما دون صاحبهما». وهذا لا حجة فيه، إذ ليس في النهي عن ذلك في السفر ما يدل على إباحته في الحضر، فالصواب أن تحمل الأحاديث التي ليس فيها ذكر السفر على عمومها في السفر والحضر، بدليل قوله فيه: لا يحل. فإذا خشي المتناجيان دون صاحبهما أن يظن بهما أنهما يتناجيان في عورة فلا يحل لهما أن يتناجيا دونه، كان ذلك في سفر أو حضر، وإذا أمن من ذلك فهو مكروه لهما في الحضر والسفر من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، وبالله التوفيق لا رب غيره.
стр. 1589
فصل
في
التيامن في الأشياء
كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في أمره كله وقال: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم». وقال: «إذا أكل أحدكم أو شرب فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويأخذ بشماله ويعطي بشماله».
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطعامه وطهوره ويده اليسرى لحاجته وما كان من الأذى».
فما يتصرف به الإنسان منه ما يستحب له فعله بيمينه ومنه ما يستحب له فعله بشماله، فإن فعل ما يستحب له فعله بيمينه بشماله، أو ما يستحب له فعله بشماله بيمينه، أساء ولم يكن عليه شيء، وأجزأه ذلك الفعل إن كان من العبادات التي يستحب له أن يفعله بشماله ما كان فيه أذى.
وقد روي «أن رسول الله ﷺ نهى أن يغسل الرجل باطن قدميه بيمينه» ولا يمتخط بيمينه، ولا ينزع الأذى من أنفه بيمينه.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يمتخط بيمينه وينزع الأذى عن أنفه بيمينه على ظاهر ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كانت يمين رسول الله ﷺ لوجهه وشماله لما وراء ذلك».
وقد روي أن الحسن بن علي امتخط عند معاوية يمينه فقال له معاوية: شمالك، فقال الحسن: يميني لوجهي وشمالي لحاجتي. ومذهب علي بن أبي طالب ﵁ في الامتخاط مثل الذي فعل ابنه الحسن. وبالله التوفيق.
стр. 1590
فصل
في
المشي في النعل الواحدة
يكره على مذهب مالك وأصحابه أن يمشى في نعل واحدة، لنهي رسول الله ﷺ ﷺ عن ذلك؛ لأنه عندهم نهي أدب وإرشاد، لما في ذلك من السماحة والشهرة لمخالفة العادة في اللباس، وما ينسب إلى فاعل ذلك من ترك المروءة وقلة التحصيل، لا نهي تحريم خلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر من أنه نهي تحريم يأثم عندهم من مشى في نعل واحدة.
واختلف في المذهب هل يباح لمن انقطع قبال نعله وهو يمشي أن يقف في نعل واحدة حتى يصلح نعله الأخرى، فأجاز ذلك ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، ولم يجزه أصبغ إلا أن يطول ذلك. وقول ابن القاسم أظهر، إذ ليس ذلك بمشي وإن طال وقوفه.
ولا يجوز له على قولهما جميعا أن يمشي في النعل الواحدة ما دام يصلح الأخرى التي انقطع قبالها. وقد روي «أن رسول الله ﷺ ربما انقطع شسع نعله فمشى في نعل واحدة» إلا أنه حديث ضعيف لا يصححه أهل العلم بالحديث.
وروي عن النبي ﷺ من رواية جابر بن عبد الله أنه قال: «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في نعل واحدة حتى يصلح شسعه». والذي أراه في هذا أن تستعمل الآثار كلها ولا يطرح شيء منها فيقال على استعمالها: إن الرجل لا يمشي ابتداء في نعل واحدة إذا انقطع شسع إحداهما، وإنه إذا انقطع شسع إحدى نعليه وهو يمشي مشى في النعل الواحدة ما دام يصلح الأخرى؛ لأن ذلك سير لا يطول، بخلاف ابتداء المشي في النعل الواحدة.
فقد روي عن علي بن أبي طالب أنه رئي يمشي في نعل واحدة وهو يصلح شسع الأخرى. وروي مثله أيضا عن عبد الله بن عمر. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تجيز المشي في النعل الواحدة وتنكر حديث أبي هريرة في النهي عن ذلك، وروي عنها أنها كانت تمشي في الخف الواحدة وتقول:
стр. 1591
لأحنثن أبا هريرة. والمعنى في ذلك، والله أعلم، لتبين بفعلها أن نهي النبي ﷺ عن ذلك ليس بنهي تحريم يأثم من فعله، وإنما هو نهي أدب وإرشاد فلا يأثم من فعله ويؤجر من تركه، وبالله التوفيق.
فصل
في
السنة في الشراب والطعام
ومن السنة في الأكل والشرب تسمية الآكل الله عند ابتدائه، وحمده عند فراغه، لما روي من «أنه ﷺ كان إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وإذا فرغ منه قال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.
» وأن يأكل إذا أكل مع غيره مما يليه؛ «لقول النبي ﷺ لربيبه عمرو بن أبي سلمة: قل بسم الله وكل مما يليك» وهذا إذا كان الطعام صنفا واحدا كالثريد واللحم وشبه ذلك. وأما إذا كان أصنافا مختلفة كأنواع الفاكهة في طبق مما تختلف أغراض الآكلين فيه فلا بأس للرجل أن يتناول ما بين يدي غيره.
وذلك منصوص عن النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عكراش بن ذؤيب. وقد ذكرته بكماله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع. وذلك بين أيضا من «حديث أنس بن مالك: فرأيت رسول الله ﷺ يتبع الدباء من حوالي القصعة». ولا بأس إذا أكل الرجل مع أهله وبنيه أن يتناول مما بين أيديهم إذ لا يلزمه
стр. 1592
أن يتأدب معهم ويلزمهم أن يتأدبوا معه في الأكل، فإن لم يفعلوا ذلك أمرهم بذلك كما فعل رسول الله ﷺ فيما قاله لعمرو بن أبي سلمة.
ومن الأدب إذا أكل الرجل مع القوم أن يأكل كما يأكلون من تصغير اللقم والترسيل في الأكل وإن خالف ذلك عادته. ومن هذا المعنى نهي النبي ﷺ عن القران في التمر، وهو أن يأكل تمرتين إذا لم يقرنوا، وإن كان هو الذي أطعمهم.
ويجوز له ذلك إذا أكل مع من لا يلزمه أن يتأدب معهم من أهله وولده. وقد قيل: إنه إنما نهي عن ذلك لئلا يستأثر في الأكل على من يؤاكله بأكثر من حقه.
فعلى هذا يجوز له إذا كان هو الذي أطعمهم أن يقرن وإن كانوا لا يقرنون. والأظهر أن يكون النهي عن ذلك للمعنيين جميعا، فلا يقرن الرجل دون أصحابه المؤاكلين له الذين يلزمه أن يتأدب معهم وإن كان هو الذي أطعمهم].
ويستحب للرجل أن لا ينهم في الأكل ويكثر منه، فإن ذلك مما يضر به، فيجعل ثلث بطنه للطعام، وثلثه للماء، وثلثه للنفس. ولا يأكل متكئا؛ لقول النبي ﷺ : «أما أنا فلا آكل متكئا»؛ ولأن ذلك من فعل الأعاجم تجبرا وتكبرا. وأن يغسل يده وفمه من الدسم عند فراغه من الأكل؛ لأمره ﷺ بذلك.
«روي أنه ﷺ شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما.» وإن لم يكن لطعامه دسم لم يكن عليه غسل يده منه، فقد كان عمر بن الخطاب إذا أكل ما لا دسم له مسح يده بباطن قدمه.
وأما غسل الرجل يده للأكل فليس من السنة، فقد كرهه مالك وقال فيه: إنه ليس من الأمر أي من السنة المأمور بها فيلزم التزامها؛ لأنها من فعل الأعاجم ولم يرو عن السلف، إلا أن يخشى أن يكون قد مس بيده شيئا يكره أن يباشر به الطعام.
стр. 1593
ولا ينبغي أن ينفخ في طعام ولا شراب، ولا أن يتنفس في إنائه إذا شرب، وإذا ضاق به النفس فلينح القدح عن فيه، فإذا تنفس أعاده إليه؛ لما روي من «أن رسول الله ﷺ نهى عن النفخ في الشراب». والمعنى في ذلك أنه يخشى أن يطير مع نفسه شيء من ريقه فتعافه نفس من رآه، فإذا رأى قذاة في الإناء أراقها ولم ينفخها، وقد جاء الحديث بذلك.
فصل
ويجوز الشراب قائما؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه شرب قائما، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃ أنهم كانوا يشربون قياما. وقد «روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشرب قائما» من رواية أنس بن مالك، ومن رواية أبي سعيد الخدري «أنه زجر رجلا رآه يشرب قائما». وقال إبراهيم النخعي: إنما كره الشرب قائما؛ لما يأخذ في البطن، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ نهى عن الشرب قائما؛ لما ذكر له أن ذلك يضر بمن فعله، فلما تحقق أن ذلك لا يضر به شرب قائما ولم ينه عن ذلك.
فقد كان ﷺ هم أن ينهى عن الغيلة ثم لم ينه عنها؛ لما ذكر من أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا. ويحتمل أن يكون ﷺ كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي من أجله كره الشرب قائما فنهى عنه إشفاقا على أمته وطلبا لمصالحهم. وإذا احتمل أن يكون كل واحد من الحديثين ناسخا للآخر وجب أن يسقطا جميعا، فلا يمتنع من الشرب قائما إلا أن يتيقن على ما ذهب إليه مالك وبوب عليه في موطئه باب شرب الرجل وهو قائم.
стр. 1594
فصل
وإذا أتي الرجل بالشراب وهو في جماعة فشرب ناوله من على يمينه؛ لما جاء من استحباب التيامن في الأمور، ولما «روي أن النبي ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن».
فصل
ولا يجوز الأكل ولا الشرب في أواني الذهب والفضة ولا استعمالها؛ لقوله ﷺ : «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ولا فرق بين الأكل والشرب في ذلك؛ لأن المعنى فيه واحد وهو التشبه في ذلك بالأعاجم والأكاسرة المتكبرين المتجبرين. وأما الحلقة من الذهب والفضة تكون في القدح والتضبيب في شفتة فقياسه قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك وأجازه جماعة من السلف.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه على قدر الإصبعين والثلاث والأربع، ووقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر.
فصل
ويجب على آكل الثوم نيئا اجتناب المساجد؛ لقول النبي ﷺ : «من أكل هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم». وكذلك الكراث والبصل إن كان يؤذي ريحهما قياسا على الثوم. فالعلة التي قد نص النبي ﷺ عليها في الثوم وهي التأذي بريحها. والأسواق في هذا بخلاف المساجد؛ لأن للمساجد حرمة تختص
стр. 1595
بها ليست للأسواق إلا أن ذلك مكروه في مكارم الأخلاق، وبالله التوفيق.
فصل
فيما يجب إتيانه من الولائم والدعوات
والدعوات إلى الأطعمة تنقسم على خمسة أقسام، منها ما يجب على المدعو إليها إجابة الداعي إليها، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر، وهي دعوة الوليمة التي أمر رسول الله ﷺ بها وحض عليها وأمر بإجابة الداعي إليها.
ومنها ما تستحب الإجابة إليها وهي المأدبة التي يفعلها الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه على حسن العشرة وإرادة التودد والألفة. ومنها ما يجوز إجابة الداعي إليها ولا حرج في التخلف عنها، وهي ما سوى دعوة وليمة العرس من الدعوات التي تصنع على ما جرت به العادة دون مقصد مذموم كدعوة العقيقة والنقيعة والوكيرة والخرس والإعذار وما أشبه ذلك.
ومنها ما يكره إجابة الداعي إليها، وهو ما يقصد به منها قصدا مذموما من تطاول أو امتنان وابتغاء محمدة وشكر وما أشبه ذلك، لا سيما لأهل الفضل والهيئات، لأن إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتعاون، وإخلاف للهيبة عند دناءة الناس وسبب للإذلال.
فقد قيل: ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له. ومنها ما تحرم الإجابة إليها وهي ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هبته كأحد الخصمين للقاضي، وبالله التوفيق.
فصل
في
العيادة
ويستحب للمسلم عيادة لأخيه المسلم إذا مرض؛ لما في ذلك من الألفة والمواصلة المندوب إليهما في الشريعة. قال رسول الله ﷺ ﷺ : «حق المسلم على
стр. 1596
أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات». وجاء أن الرجل إذا عاد المريض خاض في الرحمة حتى إذا جلس عنده قرت فيه أو نحو ذلك.
وشهود جنازته إذا مات آكد عليه في الاستحباب من عيادته إذا مرض؛ لأنه بعد الموت أحوج إلى الدعاء منه في حال الحياة. وقد جاء أن في الصلاة على الجنازة قيراطا من الأجر وفي حضور دفنها قيراطا أيضا، والقيراط مثل جبل أحد ثوابا وبالله التوفيق
فصل
في
الغيبة
ولا تحل الغيبة؛ لأن الله حرمها في كتابه العزيز فقال: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] فقرن تحريم اغتياب المسلم بتحريم أكل لحمه ميتا؛ لما في ذلك من الإذاية التي تدعو إلى المقاطعة والبغضاء، وتولد الأحقاد والعداوات، وذلك ضد المأمور به من الألفة والتواخي في ذات الله.
والغيبة له هي أن يذكر منه ما يكره سماعه وإن كان حقا، وأما إن كان باطلا فذلك البهتان. وقد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] إلا في ثلاثة لا غيبة فيهم، وهم الإمام الجائر، والفاسق المعلن، وصاحب البدعة؛ لأن الغيبة إنما هي أن تذكر من المرء ما يكره أن يذكر عنه لمن لا يعلم ذلك منه، والإمام الجائر والفاسق المعلن قد اشتهر أمرهما عند الناس، فلا غيبة في أن يذكر
стр. 1597
من جور الجائر وفسق الفاسق ما هو معلوم من كل واحد منهما، وصاحب البدعة يدين ببدعته ويعتقد أنه على الحق فيها، وأن غيره على الخطأ في مخالفته في بدعته، فلا غيبة فيه في ذكره بها؛ لأنه كان معلنا بها فهو يحب أن يذكر بها، وإن كان مستترا بها فواجب أن يذكر بها، ويحفظ الناس من اتباعه عليها. وإنما يكون مغتابا لكل واحد منهم إن ذكر عنهم سوى ما اشتهروا به.
وينبغي لأهل الفضل والدين أن يحفظوا ألسنتهم من الخوض فيما لا يعنيهم ويلتزموا الصمت فلا يتكلموا من أمور الدنيا إلا فيما يحتاجون إليه؛ لأن في الإكثار من الكلام السقط والخطل، والتعرض للزلل.
فقد قال رسول الله ﷺ : «من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه، وما بين رجليه» ودخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجذب لسانه، فقال له: مه، فقال: إن هذا أوردني الموارد.
وقال مالك ﵀ من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. وقال ﵇: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وبالله التوفيق.
فصل
في
التماثيل
ولا يجوز عمل التماثيل المصورة على صفة الإنسان أو صفة شيء من الحيوان؛ لقول النبي ﷺ : «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم:
стр. 1598
أحيوا ما خلقتم». وقوله ﷺ : «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل وتصاوير». والمحرم من ذلك بإجماع ما كان مخلوقا له ظل قائم على صفة الإنسان، أو ما يحيى من الحيوان، وما سوى ذلك من المرسوم في الحيطان، والمرقوم في الستور التي تنشر، أو البسط التي تفترش أو الوسائد التي يرتفق بها ويتكأ عليها مكروهة وليست بحرام في الصحيح من الأقوال، لتعارض الآثار في ذلك؛ لأن ما تعارضت فيه الآثار فهو من المشتبهات التي قال رسول الله ﷺ فيها: «فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه». وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال:
أحدها: تحريم جميعها سواء كانت مرسومة في حائط، أو مرقومة في ثوب ينشر أو يتوسد أو يبسط.
والثاني: إباحة جميعها.
والثالث: إباحة ما عدا المرسوم منها في الحيطان والجدر.
وما عدا المرقوم منها في الستور التي تعلق ولا تمتهن بالبسط لها والجلوس عليها.
والذي يباح من ذلك للعب الجواري به ما كان غير تام الخلقة لا يحيى ما كان على صورته في العادة، كالعظام التي يجعل لها وجوه بالرسم وكالترويق في الحائط. وقد قال أصبغ: الذي يباح من ذلك ما يسرع إليه البلى والفساد، وليس ذلك ببين في وجه القياس والنظر، وبالله التوفيق.
فصل
في
وصل الشعر وما كان في معناه وفي الخضاب
ولا يجوز للمرأة أن تصل شعرها ولا أن تشم وجهها ولا بدنها، ولا أن تنشر
стр. 1599
أسنانها؛ لقول رسول الله ﷺ : «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشرة والمستوشرة، والواشمة والمستوشمة، والمتنمصات المتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله». والمعنى في المنع من ذلك أن فيه غرورا وتدليسا.
فالوشم المنهي عنه هو أن المرأة كانت تغرز ظهور كفيها، أو معصمها بإبرة، أو مسلة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه بالكحل فتخضر بذلك.
والوشر هو أن تنشر أسنانها حتى تفلجها وتحددها.
ويجوز لها أن تخضب يديها ورجليها بالحناء. واختلف في تطريف أصابعها، فأجاز ذلك مالك في سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، ولم ير به بأسا.
وجاء النهي في ذلك عن عمر بن الخطاب، روي عنه أنه خطب فقال: يا معشر النساء إذا اختضبتن فإياكن والنقش والتطريف، ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا وأشار إلى موضع السوار.
وأما الخضاب فهو صبغ شعر الرأس واللحية بما عدا السواد من الحناء والكتم وشبه ذلك، فقيل: إن ذلك جائز، وقيل: إنه مستحب. وأما بالسواد فمن أهل العلم من أجازه، ومنهم من كرهه؛ لما فيه من التدليس والإيهام أنه باق على حاله من الشباب، فقد تغتر المرأة التي تتزوجه بذلك. ولو فعل ذلك الشيخ في الحرب ليوهم العدو أنه شاب جلد لأوجر في ذلك إذا صحت نيته فيه. وبالله التوفيق. لا إله إلا هو.
فصل
في
التفرقة بين الصبيان في المضاجع
ويفرق بين الصبيان في المضاجع، قيل: لسبع سنين إذا أمروا بالصلاة وقيل:
стр. 1600
لعشر إذا أدبوا عليها وهو ظاهر الحديث ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان متعريين في لحاف واحد؛ للنهي الوارد في ذلك عن النبي ﷺ وهو نهيه عن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار. ويروى معاكمة. والمكامعة هي أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد أخذا من الكمع وهو الضجيع، ومنه قيل لزوج المرأة: كمعها. وأما المعاكمة فهي مأخوذة من ضم الشيء إلى الشيء، ومنه قيل: عكمت الثياب إذا شددت بعضها إلى بعض. ومن هذا ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل» وبالله التوفيق.
فصل
فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء
ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، وقول النبي ﷺ : «إن الشيطان ثالثهما» معنى أنه يوسوس إليه مواقعة المعصية بها مع الخلوة حتى تحدثه نفسه بها. .
ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة؛ لقول الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج،
стр. 1601
أو عند إرادة نكاحها؛ لإباحة النبي ﷺ ذلك وقوله: «فإنه أحرى أن يؤدم بينهما».
وإنما اختلف إذا أراد نكاحها هل له أن يغتفلها النظر من الكوة؟ فكره ذلك مالك ولم يبحه له، وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك. من ذلك حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل؛ قال جابر: فلقد خطبت امرأة من بني سلمة وكنت أتخفى لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني فخطبتها فتزوجتها». ولم يسمع ذلك مالك ولا صح عنده؛ ولذلك كرهه، والله أعلم، أو لعله إنما كره ذلك مخافة أن يرى منها بعض عريتها. ومن أجاز ذلك للآثار المروية فيه فإنما أجازه إذا أمن من ذلك.
فصل
ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ لقوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] إلا أن يكون له منطرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.
وقد اختلف في غير أولي الإربة من الرجال الذين عناهم الله تعالى، فقيل: هو الأحمق والمعتوه الذي لا يهتدي لشيء من أمور النساء، وقيل: هو الحصور العنين الذي لا ينتشر للنساء، والخصي مثله في المعنى.
والقول الأول هو الذي ذهب إليه مالك، ويؤيده «قول النبي ﷺ لأزواجه في المخنث الذي كان عند أم سلمة: "لا يدخل هؤلاء عليكن» الداخلة
стр. 1602
عليها في استتارها منه. هذا هو القياس إذا لم يكن عبده من غير أولي الإربة. وقد وقع له في موضع إجازة دخوله عليها إذا لم يكن حرا وكان عبدا لها ولزوجها أو لغيره، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة للاختلاف وبالله التوفيق.
فصل في
حضور اللهو
ولا يجوز تعمد حضور شيء من اللهو واللعب، ولا من الملاهي المطربة كالطبل والزمر وما كان في معناه؛ لقول الله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] وقول النبي ﷺ : «كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاث»: والثلاث ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه ".
ورخص من ذلك في النكاح الدف وهو الغربال باتفاق، والكبر والمزهر على ثلاثة أقوال: إباحتها جميعا، وكراهتهما جميعا، وإباحة الكبر دون المزهر، قيل: للنساء دون الرجال، وقيل: للنساء والرجال. واختلف هل هو من قبيل المباح الذي يستوي فعله وتركه، أو هو من قبيل المباح الذي تركه أحسن من فعله وبالله التوفيق.
стр. 1603
فصل
في
قراءة القرآن بالألحان
ولا يجوز قراءة القرآن بالألحان المطربة كالغناء الملهية لسامعها عن الخشوع والاعتبار بآيات القرآن والخشية وتجديد التوبة عند سماع مواعظه. فالواجب أن ينزه القرآن عن ذلك ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق إلى ما عند الله؛ لقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]. والألحان تكره في الشعر فكيف في القرآن.
فمن قصد إلى سماع القرآن بالصوت الحسن والقراءة المجودة فهو حسن. وقال عمر بن الخطاب لأبي موسى: ذكرنا ربنا؛ لحسن صوته بالقرآن وتجويده لقراءته. وقد اختلف في تأويل قول النبي ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» اختلافا كثيرا. وأحسن ما في ذلك عندي أن يكون المعنى فيه ليس منا من لم يلتذ بسماع قراءة القرآن؛ لرقة قلبه، وشوقه إلى ما عند ربه كما يلتذ أهل الغواني بسماع غوانيهم، والله أعلم وبه التوفيق. لا رب غيره ولا معبود سواه.
فصل في السفر بالقرآن إلى أرض العدو والتعوذ به
ولا يجوز أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ لما في ذلك من الاستخفاف
стр. 1604
بحقه وحرمته مخافة أن يناله العدو، وللنهي الوارد في ذلك. ويجوز أن يكتب إليهم منه بالآية والآيتين إذا كان الغرض من ذلك الدعاء إلى الإسلام؛ لما روي من أن النبي ﷺ كتب إليهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيات.
فصل
والتعوذ بالقرآن جائز. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وَقَالَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢] و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
«وروي أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث. وكان من تعوذه: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات من شر ما خلق وبرأ وذرأ ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها.
» والرقية به وبأسماء الله تعالى جائزة؛ لقوله جل ذكره: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٨٢ - ٩٢] «وقول النبي ﷺ في ابني جعفر بن أبي طالب: استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين»، إذ دخل عليهما فرآهما ضارعين فسأل عن ذلك حاضنتهما فقالت: إنه تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك. والآثار في هذا المعنى كثيرة.
стр. 1605
وتجوز رقية الذمي بكتاب الله؛ لقول أبي بكر الصديق إذ دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها: ارقيها بكتاب الله . وقد روي ذلك عن النبي ﷺ حكاه عبد الوهاب، فلا اختلاف في جواز الاستعاذة بالقرآن والرقية به.
وإنما اختلف أهل العلم في جواز تعليق الأحراز والتمائم على أعناق الصبيان والمرضى والحبالى والخيل والبهائم إذا كانت بكتاب الله ، وما هو معروف من ذكره وأسمائه؛ للاستشفاء من المرض، أو في حال الصحة؛ لدفع ما يتوقع من المرض والعين، فظاهر قول مالك من رواية أشهب من كتاب الصلاة إجازة ذلك، وروي عنه أنه قال: لا بأس بذلك للمرضى وكرهه للأصحاء مخافة العين وما يتقى من المرض.
وأما التمائم بغير ذكر الله وهي بالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا يجيزه بحال لمريض ولا صحيح؛ لما جاء في الحديث: «من تعلق شيئا وكل إليه ومن علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له»؛ ولما رواه في موطئه من أن «رسول الله ﷺ بعث في بعض أسفاره رسولا والناس في مقيلهم ألا تبقين في رقبة قلادة من وتر أو غيره إلا قطعت».
ومن أهل العلم من كره التمائم، ولم يجز شيئا منها بحال ولا على حال؛ لما جاء من هذه الآثار، ومنهم من أجازها في المرض، ومنعها في الصحة؛ لما يتقى منه، أو من العين على ما روي عن عائشة أنها قالت: ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة.
وقول مالك في رواية أشهب المذكورة أولى الأقوال بالصواب من جهة النظر، إذ يبعد إجازة تعليق تميمة لا ذكر لله فيها في حال من الأحوال، ولا وجه من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها بذكر الله بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك، إذ لا تقوله رأيا والله أعلم.
وقوله الثاني أتبع للأثر لاستعمال الآثار كلها بحمل النهي على ما ليس فيه ذكر الله، وقول عائشة على ما كان منها بذكر الله.
فصل
ومن عين إنسانا أمر العائن أن يتوضأ له. وصفة ذلك أن يغسل وجهه ويديه
стр. 1606
ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في إناء، ثم يصب على المريض المعين، لورود الخبر بذلك في «حديث عامر بن ربيعة لما مر بسهل بن حنيف فعين سهلا، فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ له على هذه الصفة بعد أن تغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت» وما يصيب المعين بقول العائن إذا لم يبرك أمر أجرى الله العادة به في الغالب مع القدر السائق.
وقد قال رسول الله ﷺ : «ألا بركت إن العين حق». يريد أن الله أجرى العادة به في أغلب الأحوال، لا أن قول العائن هو المحدث لما أصاب المعين وبالله التوفيق.
فصل
في
التداوي بالكي وقطع العروق
والحجامة وشرب الدواء
لا اختلاف فيما أعلمه في أن التداوي بما عدا الكي من الحجامة، وقطع العروق، وأخذ الدواء مباح في الشريعة غير محظور، وقد كرهه بعض السلف ورأى تركه اتكالا على الله أفضل.
«واحتجم رسول الله ﷺ ، حجمه أبو طيبة فأمر له بصاع من طعام وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. وقال: "إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه». «وتطبب ﷺ لطبيبي بني أنصار: أيكما أطب فقالا: أوفي الطب خير يا رسول الله؟ فقال: أنزل الله الدواء كما أنزل الأدواء».
وروي أنه «قيل لعائشة: من أين لك العلم بالطب؟ فقالت: إن العلل كانت تعتاد رسول الله ﷺ كثيرا وكان يشاور الطبيب فكنت أسمع ما يقول له».
وروي أن أسامة بن شريك قال: «شهدت الأعارب يسألون رسول الله ﷺ هل علينا من حرج أن نتداوى؟ فقال: "تداووا عباد الله، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء - أو قال: شفاء - علمه من علمه، وجهله من جهله». ولا يجوز التداوي بشرب الخمر ولا بشرب شيء من النجاسات.
стр. 1607
وأما التداوي بالكي فاختلف السلف في إجازته، لما روي عن النبي ﷺ من النهي عنه. «روى عمران بن حصين قال: سمعت النبي ﷺ ينهى عن الكي فما زال البلاء بنا حتى اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا.
قال عمران وكان يسلم علي فلما اكتويت فقدت ذلك ثم راجعته بعد السلام». وروي «عن جابر بن عبد الله قال: اشتكى منا رجل شكوى شديدة فقال الأطباء: لا يبرأ إلا بالكي فأراد أهله أن يكووه وقال بعضهم: لا حتى نستأمر رسول الله ﷺ فاستأمروه فقال: لا، فبرئ. فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا صاحب بني فلان؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا لو كوي لقال الناس: إنما أبرأه الكي»
والذي عليه الأكثر إجازته، فقد «كوى رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة من الذبحة فمات، فقال النبي ﷺ : بئس الميت ليهود يقولون: لم يغن عنه صاحبه»
وجاء عنه ﷺ من رواية ابن عمر وابن عباس أنه قال: «إن كان الشعاء ففي ثلاث أو قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، أو كية نار، أو شرطة محجم». فقد يحتمل بدليل هذه الآثار أن يكون نهي النبي ﷺ عن الكي إنما كان في أمر ما أو علة ما أو نهي أدب وإرشاد إلى التوكل على الله والثقة به، فلا شافي سواه ولا مهرب لأحد عما قضاه.
ومن الدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما توكل من استرقى أو اكتوى» يريد ما توكل حق التوكل، لأن من لم يسترق ولم يكتو أكثر إخلاصا للتوكل منه. ويعضد هذا قوله ﷺ : «يدخل الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون».
فصل
في
اللعب بالنرد وبالشطرنج
وما كان في معناهما
قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله»، «ومن لعب بالنرد فكأنما غمس يده في لحم خنزير». وكذلك الشطرنج له حكمه، وقد قال فيه الليث بن سعد: إنه شر من النرد. ومثله الأربعة عشر، وهي قطع معروفة كان يلعب
стр. 1608
بها كالنرد. وقد سئل مالك عن لعب الرجل بها مع امرأته في البيت فقال: ما يعجبني ذلك وليس من شأن المؤمن اللعب؛ لقول الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] فهذا من الباطل. فاللعب بشيء من ذلك كله على سبيل القمار والخطار لا يحل ولا يجوز بإجماع من العلماء؛ لأنه من الميسر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وأما اللعب بشيء من ذلك كله على غير وجه القمار فقد وسع فيه بعض العلماء. والصواب أن ذلك لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله». فعم ولم يخص قمارا من غيره.
ولأن اللعب بالشطرنج وما كان في معناه يلهي عن العبادات ويشغل عن ذكر الله والمحافظة على الصلوات، ويؤدي الإدمان على ذلك إلى القمار والأيمان الكاذبة، وذلك كله فسوق. فمن أدمن اللعب به كان ذلك قدحا في إمامته وشهادته، فقد كان عبد الله بن عمر إذا رأى أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها.
وبلغ عائشة ﵂ أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا عندهم نرد فأرسلت إليهم فيها لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري وأنكرت ذلك عليهم، وبالله التوفيق.
فصل
في
قتل الحيات وما يؤذي من الحيوان
ثبت أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الحيات في غير حديث، من ذلك قوله ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» فذكر فيهن الحية. وروي عنه أنه قال: «ما سالمناهن منذ حاربناهن» وروي «منذ عاديناهن فمن تركهن فليس منا». قال أحمد ابن صالح: والمعاداة التي أراد في الحديث كانت منذ أخرج آدم ﵇ من
стр. 1609
الجنة. قال : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] فأمر ﷺ بقتل الحيات عموما.
وقال ﷺ : «إن بالمدينة جنا قد أسلموا" يريد الحيات، "فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان». فكان ذلك مخصصا لعموم أمره بقتل الحيات، فلا يجوز أن تقتل الحيات بالمدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا إلا ذي الطفيتين والأبتر على ما جاء في الحديث من أنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء.
ونهى ﷺ عن قتل حيات البيوت، فاحتمل أن يريد بيوت المدينة خاصة، وأن يريد جميع البيوت بالمدينة وغيرها، فيستحب لهذا الاحتمال ألا تقتل حيات البيوت في غير المدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا من غير إيجاب بخلاف حيات المدينة. وأما حيات الصحاري والأودية فلا خلاف في أنها تقتل من غير استئذان؛ لأنها باقية على الأمر بقتلها.
وأما الوزغ فيقتل حيثما وجد؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتله وسماه فوسيقا. وكذلك يقتل سائر ما أمر بقتله ﷺ من العقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور.
«ونهى ﷺ عن قتل أربع: النحلة، والنملة، والهدهد، والصرد» فلا تقتل النحلة لأنها ينتفع بها إذا بقيت ولا ينتفع بلحمها إذا قتلت، والنملة؛ لأنها لا ينتفع بلحمها إذا قتلت وهي موصوفة بمعنى محمود من التسبيح على ما جاء من أن الله أوحى إلى نبي من الأنبياء؛ لما أحرق قرية النمل إذ لدغته واحدة منهن: لدغته نملة واحدة قرصته أحرقت أمة من الأمم تسبح.
وروي أن نبيا من الأنبياء خرج بالناس يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة. إلا أن تؤذي فيجوز قتلها لإذايتها. وكذلك يجوز قتل ما يؤذي من جميع الدواب كالبرغوث والقملة، ولا يجوز قتل شيء من ذلك بالنار؛ لأنه من التمثيل والتعذيب، وبالله التوفيق.
стр. 1610
فصل
في
السنة في السفر للرجال والنساء
الوحدة في السفر مكروهة؛ لقول النبي ﷺ : «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» وقوله ﷺ : «الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم». وروي عنه ﷺ أنه قال: «خير الصحابة أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تفترق كلمتهم».
ويستحب للمسافرين الرفق بدوابهم وإنزالها منازلها في الخصب والتجافي عليها بسقيها في الجدب، وأن لا يعرسوا على الطريق، وأن يعجل الرجل الرجوع إلى أهله إذا قضى نهمته من سفره، وأن يدخل في صدر النهار ولا يأتي أهله طروقا على ما جاء في الحديث من ذلك كله.
ولا بأس بالإسراع في المشي وطي المنازل فيه عند الحاجة إلى ذلك، فقد سار ابن عمر وسعيد بن أبي هند وكانا من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام وهي مسيرة عشرة أيام على السير المعتاد.
ولا تسافر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم منها؛ لقول النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» بدليل قول الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] وفيما عدا الهجرة إلى بلد الإسلام من بلد الكفر إذا أسلمت فيه، وفيما عدا السفر إلى حج الفريضة؛ لأن هجرتها إلى بلد الإسلام مخصصة من عموم الحديث بالإجماع، والسفر إلى الحج مخصص منه بالقياس على الإجماع.
стр. 1611
ويكره في الأسفار تعليق الأجراس في أعناق الإبل والدواب، فقد «روي أن العير التي فيها الأجراس لا تصحبها الملائكة» وتقليدها الأوتار قيل: إذ لا يأمن أن تختنق بها على أخذ التأويلين في الحديث الذي جاء «أن رسول الله ﷺ أرسل عبد الله بن أبي بكر في بعض أسفاره والناس في مقيلهم ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت». وقيل معنى ذلك في التمائم المعلقة عليها مخافة العين، قاله مالك في موطئه، وتأويله أظهر، والله أعلم.
فصل
في
تنزيه المساجد عما لم توضع له
وينبغي أن تنزه المساجد عن عمل الصناعات وأكل الألوان والمبيت فيها إلا من ضرورة للغرباء، ومن الوضوء فيها واللغط ورفع الصوت فيها وإنشاد الضالة والبيع والشراء؛ لقول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] إلى آخر الآية؛ لأنه أعلم بهذه الآية ما وضعت المساجد له، فوجب أن تنزه عما سوى ذلك مما ذكرناه، ومن تقليم الأظفار، وقص الشعر فيها، والأقذار كلها والنجاسات؛ ولقول النبي ﷺ : «جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها». وقد بنى عمر بن الخطاب ﵁ رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا ويرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة.
وكان عطاء بن يسار إذا مر به من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه وما تريد، فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة. وبالله التوفيق.
стр. 1612
فصل
في
وسم الأنعام والدواب وخصائصها
يجوز خصاء الغنم بخلاف الخيل؛ لما روي من «أن رسول الله ﷺ نهى عن خصاء الخيل» وضحى بكبشين أملحين موجوءين، ولم ينكر ذلك؛ لأن الغنم تراد للأكل وخصاؤها لا يمنع من ذلك بل هو صلاح للحومها وتطيب لها. والخيل إنما تراد للركوب والجهاد وذلك ينقص قوتها ويضعفها ويقطع نسلها، فهذا فرق ما بينهما.
ويكره أن يوسم شيء من الحيوان في الوجه، ولا بأس بذلك في أجسادها؛ لما يحتاج الناس إليه من علامات يعرفون بها أنعامهم ودوابهم. وأما الغنم فأرخص في أن توسم في آذانها إذ لا يمكن أن توسم في أجسادها لمغيب السمة فيها بأصوافها.
وقد «نهى ﷺ عن السمة في الوجه» وروي عنه «أنه مر به حمار قد كوي في وجهه فعاب ذلك» حكى ذلك عبد الوهاب في المعونة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: «رأى رسول الله ﷺ حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك». قال ابن عباس: فوالله لا أسم في شيء من الوجه، فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه، فهو من أول من كوى الجاعرتين، وبالله التوفيق.
فصل
في
الرؤيا والحلم
ينبغي لمن رأى في منامه ما يكره أن يتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ ويستعيذ بالله من شر ما رأى ويتحول على جنبه الآخر، فإنه إذا فعل ذلك
стр. 1613
لم يضره ما رأى إن شاء الله على ما جاء في الحديث الذي ذكره مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمعت أبا قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرؤية الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فليتفل عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شر ما رأى فإنها لن تضره إن شاء الله».
قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أبالي بها. وفي رواية ابن وهب مثل هذا إلا أنه قال:: «أعوذ بما أعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت أن يصيبني منه شيء أكرهه في الدنيا والآخرة، وليتحول على شقه الآخر».
والمعنى في ذلك أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا أو في الآخرة لا مدخل فيها للشيطان وهي من الله من ستة وأربعين جزءا من النبوءة إذا رآها الرجل الصالح، وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من سبعين جزءا " والمعني في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا التي على هذه الصفة المذكورة في الحديث فيخرج على ما تعبر به فما يخطأ في تأويله فلا يخرج على ما يعبره بكونه جزءا من خمسة وأربعين، أو من ستة وأربعين، أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في الإخبار بالمغيبات، وقد قال رسول الله ﷺ : «لن يبقى بعدي من النبوءة إلا المبشرات "، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة». فالرؤية الصالحة المبشرة من الله جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها وإن كانت من الله تعالى: إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين.
стр. 1614
والرؤية المكروهة تنقسم على قسمين: منها رؤيا من الله قد يصاب في تأويلها فيخرج ما يعبر به، وقد يخطأ في تعبيرها فلا تخرج على ما تعبر به، ولا يقال فيها أيضا: إنها جزء من خمسة وأربعين ولا من ستة وأربعين ولا من سبعين. ومنها حلم من قبل الشيطان يحزن به الإنسان لا تضر رؤيته شيئا، فأمر الرجل إذا رأى في منامه ما يكرهه أن يستعيذ بالله من شر ما رأى، فإذا فعل ذلك موقنا بما روي في ذلك لم يضره ما رأى.
والمعنى في ذلك أن الله لا يوفقه للاستعاذة مما رأى بيقين صحيح إلا فيما هو من تحزين الشيطان أو فيما هو بخلاف ما تأوله مما كرهه، وقد يصرف الله عنه ما كرهه مما رآه في منامه وإن كان من الله بالاستعاذة منه، كما يصرف عنه سوء القدر بالدعاء الذي قد سبق في علمه أنه يصرفه به على ما قد ذكرناه في رسم سن من الجامع من كتاب البيان وبالله التوفيق.
فصل
في
السباق
المسابقة جائزة على مذهب مالك في الخيل والإبل، وبالرمي بالسهام. والأصل في جواز ذلك قول الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقال ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» وقوله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر». ومن أهل العلم من لم يجز المسابقة إلا في الخيل والإبل، لما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر». وأجاز محمد بن الحسن المسابقة على الأقدام، وأجاز بعض أصحاب الشافعي المسابقة بالحمير والبغال، وهو شذوذ؛ لأن الغرض في السباق التمرن لقتال العدو، ولا يتأتى ذلك في البغال والحمير، إذ لا تصلح للكر
стр. 1615
والفر. ألا ترى أنه لا يسهم لها، وإنما يصلح لذلك الخيل وحدها وهي التي يسهم لها. وثبت أن رسول الله ﷺ سابق بينهما. والمسابقة في ذلك جائزة على الرهان، والرهان الذي يكون فيها على ثلاثة أوجه: وجه جائز باتفاق، ووجه غير جائز باتفاق، ووجه مختلف في جوازه.
فأما الوجه الجائز باتفاق فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا لا يرجع إليه بحال ولا يخرج من سواه شيئا، فإن سبق مخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق هو صاحبه ولم يكن معه غيره كان الجعل طعمة لمن حضر.
وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم. وهذا الوجه في الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين.
وأما الوجه الذي لا يجوز باتفاق فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين إن كانا اثنين أو كل واحد من المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا، فهذا لا يجوز باتفاق؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر والخطار المحرم بالقرآن.
وأما الوجه المختلف فيه فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا ولا يخرج من سواه شيئا على أنه إن سبق أخذ جعله وإن سبقه غيره كان الجعل للسابق.
فهذا الوجه اختلف فيه قول مالك، وهو على مذهب سعيد بن المسيب جائز. ومن هذا الوجه المختلف فيه أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلا على أن من سبق منهما أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه على أن يدخلا بينهما محللا لا يأمنان أن يسبقهما على أنه إن سبقهما أخذ الجعلين جميعا.
فهذا الوجه أجازه سعيد بن المسيب ولم يجزه مالك ولا اختلف فيه قوله كما اختلف في الوجه الأول الذي قبله؛ لأنه أخف في الغرر من الوجه الذي قبله. ويجمع بينهما في المعنى أن حكم مخرج الجعل مع صاحبه من تلك حكم مخرج الجعل مع المحلل في هذه. وسواء كان مع الجماعة المتسابقين محلل واحد أو مع الاثنين المتسابقين جماعة محللون، الخلاف في كل ذلك، إلا أنه كلما كثر المحللون وقل المتسابقون كان الغرر أخف والأمر أجوز. وقد روي عن النبي ﷺ -
следующие страницы →