Полный текст (1 626 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
في الحرام، لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم، بل هم مأجورون على اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلهم من الأجر على ذلك ما ليس لتارك الاكتساب. قالوا: ففي التمتع بالحلال خلال لا يجوز الزهد فيها، منها الأجر على التحري، والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله على ذلك. ومنها أنه يكون له في تمتعه بالحلال عصمة عن الحرام، لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره ينال ذلك لم تدعه نفسه إلى الحسد، ولا إلى طلب ذلك من حرامه. واحتجوا لقولهم بما ترك بعض أصحاب النبي ﵇ من المال إلا أنه لا تورث. قالوا: فلو كان الزهد في الحلال لما أبقى أحد من هؤلاء وراءه شيئا من المال، فلم تفرق هذه الطائفة بين الزهد والورع وجعلوهما شيئا واحدا.
والذي أقول به في هذا: إن الزهد غير الورع، وإن الزهد إنما هو في الحلال لا في الحرام، لأن ترك الحرام فرض فلا يقال فيمن تركه: إنه من أهل الزهد في الدنيا. وإن الزهد هو المعنى الذي يبعث صاحب المال على أن يجود لله من ماله بما لا يلزمه من صلة رحم أو عتق أو تحبيس في السبيل، أو بناء مسجد أو هبة أو صدقة أو تحبيس وما أشبه ذلك، وإن لم يستوعب بذلك ماله كله أو أبقى لنفسه منه بعضه لنفقة على نفسه وعياله، وإن أكل من طيب الطعام وشرب من لذيذ الشراب، ولبس لين الثياب من غير إسراف ولا إقتار، إذ قد ندب الله إلى ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد سئل مالك ﵀ عن معنى قوله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] فقال: معناه أن يعيش في الدنيا ويأكل ويشرب غير مقتر عليه، ولما عسى أن يراه من وجوه البر، ومخافة أن تطول حياته فيبقى عالة
стр. 1542
على الناس أو يموت فيترك ورثته عالة يتكففون الناس، فقد قال رسول الله ﷺ : «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، «وقال لكعب بن مالك حين تاب الله عليه فقال يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» وما قال فيه رسول الله ﷺ : إنه خير للعبد فلا شك في أنه خير له من ضده. فمن جاد لله من ماله بما لا يلزمه زهدا فيه ورغبة فيما له عند الله على ذلك من جزيل الثواب فهو من الزهاد بما زهد لله فيه من ماله وخرج عنه لله .
فالصحابة المذكورون بالغنا كلهم زهاد في الدنيا بما بذلوه لله تعالى من أموالهم في حياتهم، وبما نووا فيما أنفقوا منه لأنفسهم إلى حين وفاتهم، وإن كان كثيرا فالذي بذلوا منه في حياتهم أكثر مما أنفقوا بعد وفاتهم. لا أنه لا يقع على الزاهد اسم زاهد حتى ينخلع من جميع ماله لله ويترك التنعم بشيء منه خوف السؤال عنه كما قالت الطائفة التي بدأنا بذكرها. فالزهاد في الدنيا يتعاطون في الزهد فيها على قدر مبلغهم على الدنيا إلى الدار الآخرة، لأن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان، فإذا مال الرجل عن إحداهما إلى الأخرى رجحت به. فإذا رجحت به كفة الأخرى فهو معدود في جملة الزهاد في الدنيا، فتفاضل الزهاد في الدنيا على قدر رجحان الكفة بهم. ونهاية زهد الزاهد في الدنيا ألا يميل إلى شيء منها إلا أن يكون في ذلك قربة لله تعالى، فتكون كفة الدنيا فارغة لا وزن لها. فإن استوت به الكفتان، أو رجحت به كفة الدنيا فليس بمعدود في الزهاد في الدنيا. فالزهد في الدنيا إنما هو بقدر النيات، فلا يعلمه إلا العالم بقدرها المجازي عليها. فقد يكون صاحب المال الكثير أزهد في الدنيا من صاحب المال القليل وممن لا مال له.
فصل
وهذا الباب الاختلاف فيه، قد قالت طائفة من العلماء: إن الزهد
стр. 1543
فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد ترك ما يشتهيه والقلب به مشغول عن الآخرة، ولكن من الزهد أخذه ليتفرغ القلب للآخرة، وليس ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وهو قول بعيد.
وقالت طائفة أخرى: الزهد إخفاء الزهد بلباسه الثياب الحسان، واتخاذه في بيته المتاع واستعماله الطيب من الطعام ليلا ينظر إليه الخلق فيتوهموا عليه الزهد فيحسدونه على ذلك، إذ القلب لا يمتنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن يرتاح لحب حمد الناس على ذلك وتعظيمهم إياه من أجله. وهذا من الأقوال الظاهرة الخطأ.
وقالت طائفة أخرى عامتهم قدرية: إن الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن أخذ منها شيئا من لذاتها أو تمتع ليستعين بذلك على طاعة كقيام ليل أو غيره مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، لأن الزهد لا يعدله شيء. وما احتجت به هذه الطائفة والرد عليها يطول.
وقالت طائفة أخرى: الزهد كله فيما حرم وما أحل فهو معونة على الطاعة، وكل ما فعله العبد وليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه. واحتجوا بما جاء من أن صاحب الشمال يكتب كل ما لا يكتب صاحب اليمين، والله أعلم، وبه التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
فصل
في
المفاضلة بين الفقر والغنى
اختلف الناس في الفقر والغنى على أربعة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن الغنى أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن الفقر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن
стр. 1544
الكفاف أفضل، ومنهم من توقف في ذلك فلم ير المفاضلة فيه. وهذا فيمن كان يؤدي ما لله عليه من حق في حال الفقر لفقره، وفي حال الغنى لغناه؛ لأن من كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الفقر، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الغنى، فلا اختلاف في أن الفقر أفضل له من الغنى. ومن كان يؤدي حق الله الواجب في الغنى، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الفقر، فلا اختلاف في أن الغنى أفضل له، لأن الفضل في الفقر والغنى ليس لذاتهما، وإنما هو لما يكتسب بسبب كل واحد منهما مما يؤجر عليه، فيكتسب بسبب الفقر الصبر والرضا بما قسم الله له منه، والشكر لله تعالى على ذلك والتصرف والخدمة فيما يلزمه من نفقته وكسوته، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليهم وكسوتهم فيؤجر على ذلك. ويكتسب بسبب المال الصبر على إنفاقه في الواجبات، وما يندب إليه من القربات، مع حبه إياه. قال الله : ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والشكر لله تعالى على ما آتاه من فضله، فيؤجر على ذلك كله كالصحابة ﵃؛ لأنه كان منهم الفقير والغني ومن أغناه الله من فضله بعد أن كان فقيرا، فكانوا كلهم ﵃ محمودين في حال الفقر وفي حال الغنى، لأنهم صبروا في حال الفقر على ضيق العيش وشكروا الله تعالى على ذلك وقنعوا بما أعطوا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لم يعلم مقداره إلا الله تعالى، وشكروا الله تعالى في حال الغنى على ما آتاهم من فضله، ووسع عليهم من رزقه، وأدوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات الواجبات، وقاموا بما يلزمهم القيام به من النوائب اللازمات، وتطوعوا لوجه الله بما لا يلزمهم من القرب والصدقات، فكان لهم من الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله خالق الأرض والسماوات.
стр. 1545
والذي أقول به في هذا تفضيل الغنى على الفقر، وتفضيل الفقر على الكفاف. وإنما قلت: إن الغنى أفضل من الفقر؛ لقول الله : ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد أمرنا أن نسأله تبديل الأفضل بالأدنى، وذلك خلاف المعلوم من المعنى. وقوله : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد امتن عليه ﷺ بأن نقله من الأفضل إلى الأدنى. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] فلو كان ما كانوا فيه أفضل وأولى لم يكن لحزنهم معنى.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨] وشتان في الفضل ما بين ما يعد الله به من الغنى، ويعد به الشيطان من الفقر! وقوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] وقوله : ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وما أشبه ذلك من الآيات كثير. ولقول «النبي ﵇ حين قيل له: ذهب الأغنياء بالأجور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ولقوله ﷺ : «ما نفعني مالي ما نفعني مال أبي بكر»، وقوله ﵇: «من جهز جيش العسرة ضمنت له على الله الجنة»، وقوله ﵇: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»
стр. 1546
وأمره ﷺ بقبول ما أتى من غير مسألة، ونهيه عن إضاعة المال وعن الوصية بما زاد على الثلث وما أشبه ذلك من الأحاديث التي يكثر عدها، ولا يمكن حصرها؛ ولأن الفقير يؤجر من وجهين:
أحدهما: الصبر على الفقر والفاقة مع الرضى بذلك، والشكر لله تعالى عليه.
والثاني: تصرفه وعمله فيما يعيد به على نفسه مما لا بد له منه من نفقته ونفقة من تلزمه نفقته. والغني يؤجر من وجوه كثيرة: منها الشكر لله على ما آتاه من فضله. ومنها الصبر على ما يعطيه من ماله لوجه الله في الواجبات عليه من الزكوات، وفيما سوى ذلك من القربات، ومن الإنفاق على من يجب عليه الإنفاق عليه من الزوجات وصغار البنين والبنات، والآباء والأمهات المعدمين مع حبه له وشحه عليه. قال الله : ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَالَ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] ثناء منه بذلك عليهم. وقد يتزوج الغني الزوجتين والثلاث والأربع ويتسرى الإماء ذوات العدد، فيستمتع من وطئهن ويؤجر بذلك فيهن، والفقير لا يقدر على شيء من ذلك. وما فضل عند الرجل من ماله بعد أن أدى منه الواجب عليه فيه، واستمتاعه به في الرفيع من اللباس، والطيب من الطعام، والحسن من المركوب، والجيد من السكنى من غير إسراف في شيء من ذلك كله؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أولى من ترك ذلك وإمساك ماله إذ لا أجر في مجرد إمساك المال، وإنما يؤجر على إمساكه إذا أمسكه لخير ينوي أن يفعله منه، وقد يؤجر على الاستمتاع بماله في لباس الحسن؛ لأن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. «قال رسول الله ﷺ في صاحب جابر بن عبد الله لما لبس الثوبين الجديدين بأمره له
стр. 1547
بذلك ونزع الخلقين: ماله ضرب الله عنقه أليس هذا خيرا له». وقال عمر بن الخطاب: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب، وقال: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم. ويوجد في التوسعة على أهله في الإنفاق. وقد قال رسول الله ﷺ : «حتى ما تجعله في فِيّ امرأتك». ففي هذا كله بيان واضح على أن وجود المال خير من عدمه؛ لأنه إذا عدمه لم ينتفع بعدمه، وإذا وجده انتفع بوجوده، إما باستمتاع مباح غير مكروه لا أجر له فيه، وإما باستمتاع مندوب إليه له فيه أجر، إلى ما يفعل منه من الخير الواجب والتطوع.
وإنما قلت: إن الفقر أفضل فيه عما يحتاج إليه، فأغناه ذلك عن الكدح والتصرف فيما يحتاج إليه. والفقير يؤجر من وجهين حسبما ذكرناه. واستدل من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى بقول الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ولا دليل لهم فيه، لأن الأغنياء يشاركونهم في الصبر، والأجور في الأعمال على قدر النيات فيها. قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أوقع أجر العبد على قدر نيته» ومقدار النيات لا يعلمها إلا المجازي عليها. وبما روي من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء. ولا دليل لهم فيه، إذ ليس على عمومه، للعلم الحاصل بأن طائفة من الأغنياء المسلمين كعبد الرحمن بن عوف،
стр. 1548
وعثمان بن عفان يدخلون الجنة قبل كثير من الفقراء، وأنهم أفضل من أبي ذر وأبي هريرة. ولأن السبق إلى الجنة لا يدل على زيادة الدرجة فيها. وكذلك ما روي من كون الفقراء أكثر أهل الجنة؛ لأن الفقراء في الناس أكثر من الأغنياء، والمحمودون منهم أكثر من المحمودين من الأغنياء. وليس الكلام في أي الطائفتين أكثر، وإنما هو في أيهما أفضل أي أكثر ثوابا. وقد بينا وجه كثرة الثواب في ذلك.
وأقوى ما يحتج به من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى هو أن الفقير أيسر حسابا وأقل سؤالا، إذ لا بد من أن يسأل صاحب المال من أين كسبه وهل أدى الحق الواجب عليه فيه أم لا، ويسأل أيضا على تمتعه فيه بالمباح من المطعم والملبس بنص قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] «وقول النبي ﵇ لأصحابه: "لتسألن عن نعيم هذا اليوم» في طعام صنعه لهم أبو الهيثم بن التيهان خبز شعير ولحم وماء مستعذب. وهذا لا حجة لهم فيه أيضا ولا خفاء في أن من وجب عليه شيء فسئل هل عمله أو لم يعمله فوجد قد عمله أفضل ممن لم يجب عليه ولا يسأل عنه؛ لأنه يؤجر على ما عمل من الواجب كما يؤجر على ما عمل من التطوع. وإنما توقف عن المفاضلة بين الفقر والغنى من لم يفضل أحدهما على صاحبه، والله أعلم، من أن لكل طائفة منهما معنى تؤجر عليه دون الأخرى، والأجور في ذلك
стр. 1549
على قدر النيات في ذلك المعنى، ولا يعلم قدرها إلا المجازي عليها، فوجب الوقوف على ذلك لاحتمال أن يؤجر الفقير على معنى واحد لقوة نيته فيه أكثر مما يؤجر الغني على معان كثيرة لضعف نيته فيها. وهذا صحيح مع التعيين، فلا يصح أن نقول: إن أجر فلان في غناه أكثر لكثرة ما يفعل منه من الخير، أو أكثر من أجر فلان في فقره لصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك، ولا: إن أجره في فقره بصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك أكثر من أجر فلان في غناه على ما يفعل منه من الخير.
وأما في الجملة فالغنى أفضل من الفقر على ما بيناه من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ . وأما من فضل الكفاف على الفقر أو على الغنى فلا وجه له في النظر والله أعلم.
وأما الفقير الذي لا يقدر أن يقوم بما يحتاج إليه حتى يسأل فالغني أفضل منه قولا واحدا والله أعلم لقول النبي ﵇: «اليد العليا خير من اليد السفلى»؛ لأن اليد العليا هي المنفقة والسفلى السائلة. وقد استعاذ النبي ﷺ من الفقر المنسي كما استعاذ من الغنى المطغي وبالله التوفيق.
стр. 1550
فصل
في
البغي والحسد
الحسد من الذنوب العظام؛ لأن الله تعالى نهى عنه وحرمه في كتابه على لسان رسوله فقال : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] وقال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا». والحسد هو أن يكره الرجل أن يرى النعمة في شيء من الأشياء على غيره ويتمنى أن تنتقل عنه إليه.
وأما أن يسأل الله من فضله أن يعطيه مثل ما أعطى لغيره دون أن تزول النعمة عنه فليس ذلك بمحظور ولا حسد، وإنما هو الغبطة، تقول: غبطت الرجل في كذا وحسدته عليه، فالغبطة مباحة والحسد محظور. قال رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل والنهار». معناه لا حسد أصلا لكن في هاتين الاثنتين تغابطوا فيهما، فالاستثناء في الحديث استثناء منقطع. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن قول النبي ﵇: «لا تحاسدوا ليس على عمومه»؛ لأن النبي ﵇ قد أباحه في الخبر فقال: «لا حسد إلا في اثنتين». والذي ذهب إلى هذا قال: «إن الحسد على وجهين: حسد معه بغي، وحسد لا بغي معه». روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا حسدتم فلا تبغوا». والبغي، والله أعلم، أن يريد
стр. 1551
الحاسد الإضرار بالمحسود بزوال النعمة عنه. فالحسد الذي لا بغي معه جائز، والحسد الذي معه البغي محظور. فالحسد على هذا ينقسم على قسمين: حسد في الخير، وحسد في المال. فالحسد في الخير مرغب فيه في غالب الحال، والحسد في المال جائز إن لم يكن معه بغي، ومحظور إن كان معه بغي. وقد قال مالك ﵀: بلغني أن أول معصية الحسد والكبر والشح حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم فقيل له: كل من شجر الجنة كلها إلا التي نهاه الله عنها، فشح فأكل منها. وقد مضى القول في الحسد.
وكذلك التكبر محظور مذموم، لأن الكبرياء إنما هي لله. فمن تكبر قصمه الله، ومن تواضع رفعه الله.
وأما الشح فهو على وجهين: شح بالواجبات، وشح بالمندوبات. فأما الشح بالواجبات فحرام، وأما الشح بالمندوبات فمكروه. فمن وقي الشح في الوجهين فقد أفلح. قال الله : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وقوله في آدم: فشح فأكل منها فلم يأكل منها إبقاء عليها وشحا بها وأكل من التي نهاه الله عنها. وبالله التوفيق.
فصل
في
الصدق والكذب
الصدق واجب، والكذب محظور. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال : ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى
стр. 1552
قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] «وسئل رسول الله ﷺ أيكون المؤمن جبانا وبخيلا؟ قال: نعم. قيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا» أي: لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان؛ لأن الكذب فجور، وكان عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. ألا ترى أنه يقال: صدق وبرّ، وكذب وفجر. فنص ﷺ على أن الجبن والبخل أخف من الكذب. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فيكتب عند الله من الكاذبين. وقد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: عليك بالصدق وإن ظننت أنه مهلك. ومعناه إن حسبت ذلك ما لم تتيقنه، لأن الظن قد يكون بمعنى الشك وبمعنى اليقين. وذلك فيما يلزم الرجل أن يصدع فيه بالحق لما يرجو في الصدق من الصلاح والخير، ويخافه في الكذب من الشر والفساد، كالكلام عند السلطان وشبه ذلك. فهذا الذي عليه أن يصدع فيه بالحق، وإن خشي أن يكون في ذلك هلاكه ما لم يتقين الهلاك في الصدق وإن خاف على نفسه ما يلزمه بقوله فيما يجب عليه من الحقوق كالقتل والسرقة والزنا وشبه ذلك.
فصل
والكذب محظور وممنوع في الجملة، وهو ينقسم على خمسة أقسام:
стр. 1553
أحدها: كذب لا يتعلق فيه حق لمخلوق وهو الكذب في ما لا مضرة فيه على أحد، ولا يقصد به وجه من وجوه الخير، وهو قول الرجل في حديثه كان كذا وكذا وجرى كذا وكذا لما لم يكن ولا جرى، فهذا الكذب محرم في الشريعة بإجماع من العلماء، وهو الذي جاء فيه عن النبي ﵇: «إن المؤمن لا يكون كذابا» أي لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان، وهو الذي يغلب عليه الكذب حتى يعرف به، وقد يكون مؤمنا ممدوح الإيمان وإن كان جبانا وبخيلا، أي بخيلا بغير الواجبات، لأن البخل بالواجبات فسوق، والتوبة بالإقلاع عنه والاستغفار منه.
والثاني: كذب يتعلق به حق لمخلوق، وهو أن يكذب الرجل على الرجل فينسب إليه أنه فعل ما لم يفعل أو قال ما لم يقل مما يؤذيه أو يغض منه، وهو أشد من الأول، لأن التوبة منه لا تصح إلا بأن يتحلل صاحبه فيحله منه طيبة بذلك نفسه، أو يأخذ حقه منه إن تعين له بذلك عليه حق.
والثالث: كذب يقصد به وجه من وجوه الخير للمسلمين لكذب في الحرب للتخذيل بين المشركين وما أشبه ذلك. فقد قال رسول الله ﷺ : «الحرب خدعة». وذلك نحو ما جاء من «أن نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي أتى رسول الله ﷺ في غزاة الخندق مسلما فقال يا رسول الله: إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت رجل واحد من غطفان، فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا، فاخرج فإن الحرب خدعة؛ فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان يناديهم في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: قل فلست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرحل ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم معشر
стр. 1554
قريش وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي. قالوا: نفعل. قال: أتعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمدا، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رهنا رجالا ونسلمهم إليكم تضربوا أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم. ثم أتى غطفان وقال مثل ذلك. فلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله لرسوله وللمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا، فأرسلوا إليه أن اليوم السبت وقد علمتم ما نال من تعدى في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة البرد قلبت أبنيتهم وكفأت قدورهم فارتحلوا» فهذا الكذب مستحب.
والرابع كذب الرجل فيما يرجو فيه منفعة نفسه ولا ضرر فيه على غيره، ككذب الرجل لامرأته فيما يعدها به ليستصلحها، فهذا الكذب جوزته السنة على ما جاء من «أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : أكذب امرأتي، فقال رسول الله ﷺ : لا خير في الكذب. فقال الرجل: يا رسول الله أعدها وأقول لها، فقال رسول الله ﷺ : لا جناح عليك» وقد قيل: إنه لا يباح فيه إلا بتعريض الكلام لا بنص الكذب، والأول أصح أن التصريح بالكذب في ذلك جائز، يدل عليه قول الله حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في قصة يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]. وقد قيل: إن معاريض القول جائزة في كل
стр. 1555
موضع لما جاء عن بعض السلف أن فيها مندوحة عن الكذب.
والذي أقول به أن ذلك مكروه لما فيه من الإلغاز على المخاطب فيظن أنه كذبه فيعرض نفسه بذلك إلى أن ينسب إليه الكذب، فتركه أحسن.
والخامس كذب الرجل في دفع مظلمة عن أحد مثل أن يختفي عنده رجل مظلوم ممن يريد قتله أو ضربه ظلما فيسأله عنه هل هو عنده أو يعلم مستقره؟ فيقول: ما هو عندي ولا أعلم له مستقرا، فهذا الكذب واجب لما فيه من حقن دم الرجل والدفع عن شرته.
فصل
فيما يجوز فيه النظر
من أمر النجوم مما لا يجوز
النظر في أمر النجوم فيما يستدل به على معرفة سمت القبلة فيما بعد عنها من البلاد ومعرفة أجزاء الليل وما مضى منها مما بقي لافتراق أحكامها في العبادات المشروعة، والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر بأن يميزها ويعرف مواضعها من الجنوب أو الشمال ووقت طلوعها وغروبها جائز، بل هو مستحب، لأن الله تعالى قد أعلم أنه خلقها لهذا. قال : ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وَقَالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وأما النظر من أمرها فيما زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور من كمالها دون رؤية أهلتها فذلك مكروه؛ لأنه من الاشتغال بما لا يعني. إذ لا يجوز
стр. 1556
لأحد أن يعمل في صومه وفطره على ذلك فيستغني به عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء. فقد قال رسول الله ﷺ في رمضان: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال هل له أن يعمل على معرفته بذلك؛ لقول رسول الله ﷺ : «فإن غم عليكم فاقدروا له أم لا». فقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إنه يعمل في خاصته على ذلك، وقاله الشافعي أيضا في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك.
واختلف أهل العلم في معنى قول النبي ﷺ : «فاقدروا له» فذهب مالك إلى أن قوله ﵇ في الحديث الثاني: «فأكملوا العدد ثلاثين» مفسر له. وذهب الطحاوي إلى أنه ناسخ له وإلى أن معنى التقدير له كان قبل أن ينسخ بأن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر في الليلة الثانية، فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من تلك الليلة، وإن غاب لمنزلتين وهما ساعة وخمسة أسباع ساعة علم أنه من الليلة الماضية فقضوا اليوم. وهذا قول خطأ لا خفاء به، إذ لا يسقط القمر في أول كل ليلة من جميع الشهور، كان الشهر ناقصا أو تاما، لستة أسباع ساعة، هذا يعلم يقينا بمشاهدة بعض الأهلة في أوائل الشهور أرفع وأبطأ مغيبا من بعض. وأيضا فإنه خلاف ظاهر الحديث ومقتضاه في أن التقدير إنما أمر به ابتداء قبل الفوات ليصوم أو ليفطر، لا في الانتهاء بعد الفوات ليقضي أو لا يقضي.
والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث إذا غم الهلال أن ينظر إلى ما قبل هذا الشهر الذي غم الهلال عند آخره من الشهور، فإن كان توالى منها شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صياما،
стр. 1557
وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل فأصبح الناس مفطرين، إذ لا تتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة على ما علم لما أجرى الله به العادة، ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم تتوال قبل الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة، احتمل أن يكون هذا الشهر ناقصا وأن يكون كاملا احتمالا واحدا، فوجب أن يكمل عدده ثلاثون يوما كما جاء في الحديث الآخر، فيكون على هذا الحديثان جميعا مستعملين كل واحد منهما في موضع غير موضع صاحبه. وهذا في الصوم، وأما في الفطر إذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقدير الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص.
فصل
وأما الكسوفات فقد ندرك معرفتها من طريق الحساب، ومعرفة انتقال الشمس والقمر في البروج، واجتماعهما في درجة واحدة من البرج، وبعد أحدهما من الآخر إلى ما يقابله من درجات البروج، لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى في السماء يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج من غرب إلى شرق على ترتيب وحساب لا يتعديانه. قال الله : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] وقال : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وَقَالَ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فالقمر سريع الذهاب في البروج يقطع جميعها في شهر واحد، ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا. فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه، ثم يخلفها، فإذا بعد عنها استهل، وكلما زاد بعده منها زاد ضوؤه إلى أن ينتهي في البعد ليلة أربعة عشر
стр. 1558
فيكمل استدارته وضوؤه لمقابلة الشمس له، ثم يأخذ في القرب منها فلا يزال ضوؤه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصبح بإزائها على ما أحكمه خالق الليل والنهار، لا إله إلا هو. فإذا قدَّر الله على ما أحكمه من أمره وقدره من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس بالنهار فيما بين الأبصار وبين الشمس يستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابلها، أو بعضها إن كان منحرفا عنها، فكان ذلك هو الكسوف للشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده كما قال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]؛ ولذلك أمر النبي ﷺ بالدعاء عند ذلك وسن له صلاة الكسوف. فليس معرفة وقت كون الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، ولكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وقد قال رسول الله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفي الإخبار به قبل أن يكون ضرر في الدين، لأن من سمعه من الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية النظر في النجوم، فيجب أن يزجر عن ذلك قائله ويؤدب عليه، كما قال مالك في رواية ابن القاسم عنه من كتاب السلطان من العتبية؛ لأن ذلك من حبائل الشيطان.
فصل
وأما شيء من المغيبات فلا يدركها أحد من ناحية النظر في النجوم. وقد اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان أو وقت نزول المطر أو ما في الأرحام، أو ما يستتر الناس به من الأخبار وما تحدث من الفتن والأهوال وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل دون الاستتابة، لقول الله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]
стр. 1559
«ولقول النبي ﵇ قال الله : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» وقيل: إنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب عليه، وهو قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب السلطان من العتبية.
والذي أقول به أن هذا ليس اختلافا من القول في موضع واحد، وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال. فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله وكان مستترا بذلك فحضرته البينة قتل بلا استتابة؛ لأنه كافر زنديق. وإن كان معلنا بذلك غير مستتر به يظهره ويحاج عليه استتيب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء.
وإن كان مؤمنا بالله مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله هو الفاعل لذلك كله إلا أنه جعلها أدلة على ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب منه، لأن ذلك بدعة يجرح بها فتسقط إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله في كتاب الشهادات من العتبية. ولا يحل لمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، ولا يصح أن يجتمع في قلب مسلم تصديقه مع قول الله : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على قلب محمد». ويمكن أن
стр. 1560
يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر بذلك ويجعله دليلا على صدقه فيما يقول، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجهها وتفاصيلها إلا علام الغيوب أو من أطلعه عليها علام الغيوب من الأنبياء ليكون ذلك دليلا على صحة نبوءته. قال الله في كتابه حاكيا عن عيسى بن مريم ﵉: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] فادعاء معرفة ذلك والإخبار به على الوجه الذي تعرف ذلك الأنبياء وتخبر به تكذيب لدلالتهم. وفي ما دون هذا كفاية لمن شرح الله صدره وهداه ولم يرد إضلاله ولا إغواءه. والذي ينبغي أن يعتقد فيما يخبرون به من الجمل فيصيبون مثل ما روي عن هرقل أنه أخبر أنه نظر في النجوم فرأى ملك الختان قد ظهر إنما هو على التجربة التي قد تصدق في الغالب، من نحو قول النبي ﵇: «إذا أنشأت بحرية ثم تشأمت فتلك عين غديقة» وبالله التوفيق.
فصل
في
شراء المغنيات وبيعهن
روي عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام»، ثم تلا الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] الآية كلها. وهذا الذي عليه أكثر أهل التفسير أن المراد بقوله : ومن الناس من يشتري لهو الحديث الغناء واستماعه. روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية: ومن
стр. 1561
الناس من يشتري لهو الحديث فقال: الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وهو قول مجاهد وعطاء. وقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات لم يصل عليه؛ لقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] معناه لم يصل عليه رغبة في الصلاة عليه. وقد اختلف في معنى قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] فقالت طائفة: هو الشراء على الحقيقة بالأثمان، بدليل ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن». فالمعنى على هذا في قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] أي من يشتري ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديث، فحذف ذا أو ذات وأقام اللهو مقامه، مثل قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي واسأل أهل القرية. وقالت طائفة: معنى الآية ومن الناس من يختار لهو الحديث ويستحسنه ولعله ألا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحسانه.
وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية في النضر بن الحارث الداري كان يشتري من كتب أحاديث الأعاجم فارس والروم وصنيعهم، ويحدث قريشا فيستحلونها ويعجبهم ما يسمعون فيها فيلهون ويلهيهم بها. وقال جماعة من أهل التفسير: إن الآية نزلت في أهل الكفر بدليل قوله فيها: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] قالوا: فمعنى لهو الحديث الشرك، وهو كقوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فمن ذهب إلى هذا رأى الغناء مكروها منهيا عنه غير محرم بالقرآن.
واختار أبو جعفر الطبري أن تحمل الآية على عمومها في كل ما كان ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله عم بقوله: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] ولم يخص بعضها دون بعض، فوجب أن يحمل على عمومه في الغناء والشرك حتى يأتي ما يدل على خصوصه.
وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر الطبري أولى ما قيل في تأويل الآية، لأنها وإن كانت نزلت فيما كان يفعله النضر بن الحارث فهي عامة تحتمل على عمومها، ولا يقتصر على ما كان سبب نزولها مما كان يفعله النضر بن
стр. 1562
الحارث. وقد دل على حملها على عمومها ما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن». وقد نزل على تصديق ذلك في كتاب الله تعالى يريد ما فهمه ﷺ من عموم قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦].
وقوله في الحديث: لا يحل اشتراء المغنيات ولا بيعهن، معناه إذا اشتراهن المشتري لغنائهن أو باعهن البائع بزيادة على قيمتهن من أجل غنائهن. وأما إذا اشتراهن للخدمة وما أشبهها ولم يزد في أثمانهن من أجل غنائهن فذلك جائز للبائع والمبتاع. فإن اشتراهن للخدمة بأكثر من أثمانهن من أجل غنائهن فذلك حرام على البائع، مكروه للمبتاع؛ لأنه أضاع ماله وأعطاه في الباطل فأطعم البائع ما لا يحل له، فهو بذلك معين له على الإثم. وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وإن اشتراهن لغنائهن بقيمتهن دون غناء فذلك حرام على المبتاع جائز للبائع.
وظاهر قوله في الحديث أن الثمن كله محرم على البائع، وهو نص قول أصبغ. والذي يحرم عليه منه إنما هو ما زاد على قيمتها من أجل غنائها، كمن باع خمرا وثوبا صفقة واحدة بدنانير، فلا يحرم عليه من الدنانير التي باعها بهما إلا ما ينوب الخمر منها. فالمعنى في ذلك أن الحرام من ثمن المغنية لما كان مشاعا في جملتها لم يحل له أن يأكل منه قليلا ولا كثيرا حتى يخرج الحرام منه فيخلص له الحلال؛ لأنه إذا أكل منه شيئا فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من الحرام وإن كان باقي الثمن عنده وفيه وفاء بجميع الحرام في التمثيل، كرجل سرق دينارا من مال بينه وبين شريكه فأكله فهو عليه حرام من أجل ما خالطه من حق شريكه حتى يتحلله منه أو يرده إليه.
وقد اختلف فيمن اشترى أمة فألفاها مغنية والغناء يزيد في قيمتها، هل ذلك عيب فيها يجب له به ردها أم لا على قولين. والذي أقول به اتصال إن كانت جارية رفيعة للاتخاذ كان ذلك عيبا فيها يجب له به ردها لما يخاف المبتاع من أن يلحق
стр. 1563
عار ذلك بولده، وإن كانت وخشا للخدمة لم يكن ذلك عيبا فيها، وهو قول مالك في رواية زياد عنه. وبالله التوفيق ..
فصل
في
معاملة من خالط ماله الحرام
وقبول هبته وأكل طعامه ووراثته عنه لا يخلو من خالط ماله الحرام بالربا وثمن الخمر والغلول وأثمان السلع المغتصبات وما أشبه ذلك مما لا اختلاف في حرامه، من أن يكون الغالب عليه الحلال، أو يكون الغالب عليه الحرام، أو يكون جميعه حراما: إما بأن يكون لا مال له حلال، وإما أن يكون قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال.
فأما إذا كان الغالب على ماله الحلال فأجاز ابن القاسم معاملته واستقراضه وقبض الدين منه وقبول هبته وأكل طعامه، وأبى من ذلك كله ابن وهب، وحرمه أصبغ على أصله في أن المال الذي خالطه شيء من الحرام حرام كله تلزم الصدقة بجميعه. والقياس قول ابن القاسم، وقول ابن وهب استحسان، وقول أصبغ تشديد على غير قياس.
وأما إذا كان الغالب على ماله الحرام فمنع أصحابنا من معاملته وقبول هبته، قيل: على وجه الكراهة وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: على وجه التحريم وهو مذهب أصبغ، إلا أن يبتاع سلعة حلالا فلا بأس أن يبتاع منه وأن يقبل منه هبة إن علم أنه قد بقي بيده ما بقي بما عليه من التباعات على القول بأن معاملته محظورة.
وأما إذا كان ماله كله حراما إما بأن لا يكون له مال حلال، وإما أن يكون
стр. 1564
قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال، فاختلف في معاملته وقبول هبته وأكل طعامه على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك كله لا يجوز وإن كانت السلعة التي وهب أو الطعام الذي أطعم قد علم أنه اشتراه. وأما إن علم أنه ورثه أو وهب له فيكون حكمه حكم ما اشتراه.
والثاني: أن معاملته ومبايعته تجوز في ذلك المال وفيما ابتاعه من السلع وفيما وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات ما يستغرقه إذا عامله بالقيمة ولم يحابه. ولا تجوز هبته في شيء من ذلك ولا محاباته فيه.
والثالث: أن مبايعته لا تجوز في ذلك المال، فإن اشترى سلعة بذلك المال جاز أن يشترى منه وأن تقبل منه هبته. وكذلك ما ورثه أو وهب له وإن كان ما عليه من التباعات قد استغرقه، روي هذا القول عن ابن سحنون وابن حبيب. وكذلك هؤلاء العمال ما اشتروه في الأسواق فأهدوه لرجل طاب للمهدى له.
والرابع: أن مبايعته وقبول هبته وأكل طعامه يجوز في ذلك المال وفيما اشتراه أو وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات قد استغرقه. فعلى هذا القول يجوز أن يورث عنه ذلك ويسوغ للوارث بالوراثة.
واختلف على القول بأن مبايعته في ذلك المال وقبول هبته وأكل طعامه لا تجوز هل يسوغ للوارث بالوراثة أم لا على قولين:
أحدهما: أن ذلك يسوغ له بالوراثة ولا يسوغ له بالهبة، وهو الذي ذهب إليه سحنون على ما وقع في نوازله من جامع العتبية.
والثاني: إنه لا يسوغ له بالميراث كما لا يسوغ له بالهبة، ويلزم الوارث من
стр. 1565
التنحي من هذا المال والصدقة به ما كان يلزم الموروث. وتوجيه الاختلاف في وجوه هذه المسألة يطول، وقد فرغنا من ذلك في مسألة مشخصة في هذا المعنى وما يتعلق به لمن سألني ذلك من المريدين وبالله سبحانه التوفيق.
فصل
في
التحليل من الظلامات والتباعات
سئل مالك عن قول سعيد بن المسيب في فعله أنه كان لا يحلل أحدا، فقال: ذلك يختلف، فقلت له: الرجل يسلف الرجل الذهب فيهلك ولا وفاء له، قال: إنه يحلله فإنه أفضل عندي فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وليس كل ما قال يتبع عليه وإن كان له فضل. قيل: فالرجل يظلم الرجل، قال: لا أرى ذلك، هو مخالف عندي للأول، يقول الله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] وَيَقُولُ ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فلا أرى أن نجعل في حل من ظلم. ومن أهل العلم من رأى التحليل من الظلامات والتباعات أفضل من ترك التحليل منها. فوجه القول الأول أن التباعات والظلامات يستوفيها صاحبها يوم القيامة من حسنات من وجبت له عليه على ما جاء من أن الناس يقتصون من بعضهم يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وهو في ذلك الوقت مفتقر إلى الزيادة في حسناته ونقصان سيئاته بما له من التباعات والظلامات التي حلل منها وهو لا يدري هل يوازي أجره في التحليل ما يجب له من الحسنات في الظلامات والتباعات أو يزيد عليها أو ينقص منها. فكان الحظ له ألا يحلل منها. ووجه القول الثاني أن التحليل إحسان للمحلل عظيم، وفضل يسديه إليه جسيم، يبتغي عليه المكافآت من الله ، وهو
стр. 1566
تعالى أكرم من أن يكافئه بأقل مما وهب، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] فهذا القول أظهر والله أعلم. ووجه تفرقة مالك بين التباعات والظلاماست ما استدل به من قوله: إنما السبيل على الذين يظلمون الناس فرأى أن ترك تحليل الظالم للظالم عقابا له أمرا هو محمود عليه لما في ذلك من الإخافة والردع من أن يعود إلى مثله. فأما في الدنيا فالعفو والصفح عن الظالم أولى من الانتصار منه بأخذ الحق منه في بدنه أو ماله لقول الله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] ولا يعارض هذا قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] لأن المدحة في ذلك وإن كانت متوجهة بهذه الآية لمن انتصر ممن بغى عليه بالحق الواجب ولم يتعد في انتصاره وكان مثابا على ذلك لما فيه من الردع والزجر، فهو في العفو والصفح أعظم ثوابا بدليل قوله بعد ذلك فمن عفا وأصلح فأجره على الله.
وقد قيل: إن الآية نزلت في الباغي المشرك. ويحتمل أن يكون معنى الآية الانتصار مما فيه لله حد لا يجوز العفو عنه والله أعلم.
فصل
في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط:
стр. 1567
أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر؛ لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي، إذ لا يأمن أن ينهى عن معروف أو يأمر بمنكر.
والثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر منه، مثل أن ينهى عن شرب الخمر خمر فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا لم يأمن من ذلك لم يجز له أمر ولا نهي.
والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي.
فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب. فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ينهى، وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك عليه، إلا أنه مستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه، إذ لعله سيطيعه، لا سيما إذا رفق به، فإن الله يقول: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقد روي أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ وقع بالشام وانهمك في الخمر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ١ - ٢] ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] فترك الرجل الخمر وتاب منها ونزع عنها. وإذا رأى الرجل أحد أبويه على منكر من المناكر فليعظهما برفق وليقل لهما في ذلك قولا كريما كما أمره الله حيث يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
والدليل على وجوب ذلك بالشرائط المذكورة قول الله :
стр. 1568
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] وقول رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن الله قلوب بعضكم عن بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل كانوا إذا عمل العاقل منهم بالخطيئة نهاهم الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم صرف قلوب بعضهم عن بعض ولعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى ابن مريم ﵉ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]».
فإذا كثرت المناكير في الطرقات من حمل الخمر فيها ومشي الرجال مع النساء الشواب يحادثونهن وما أشبه ذلك من المناكير الظاهرة وجب على الإمام تغييرها جهده بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به. قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم».
ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن به قوة عليه لما في ذلك من التعاون على فعل الخير. قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ومن مر به شيء من ذلك أو اعترضه في طريقه وجب عليه أن ينكره على الشرائط الثلاثة المذكورة، فإن لم يقدر على ذلك بيده ولا بلسانه أنكره بقلبه.
وقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
стр. 1569
معناه في الزمان الذي لا ينفع فيه الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولا يقوى من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فيسقط الفرض عنه فيه ويرجع أمره إلى خاصة نفسه، ولا يكون عليه سوى الإنكار بقلبه ولا يضره مع ذلك من ضل.
روي «عن أبي أمامة قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف تصنع في هذه الآية قال: أية آية؟ قلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، فقال: سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بنفسك وإياك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل منهم يومئذ كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله».
وما أشبه زماننا بهذا الزمان! تغمدنا الله بعفو منه وغفران. فإذا كان الزمان زمانا يوجد فيه على الحق معين فلا يسع أحد السكوت على المناكير وترك تغييرها. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب» وبالله التوفيق.
فصل
في
اللباس للرجال والنساء وما كان في معناه
اللباس ينقسم على خمسة أقسام: واجب، ومندوب إليه، ومباح، ومحظور،
стр. 1570
ومكروه. منها عام ومنها خاص، ومنها ما يثبت الحكم له بحق الله ، ومنها ما يثبت له بحق اللابس.
فالواجب بحق الله تعالى ستر العورة على أبصار المخلوقين من الناس، وهو وهو عام في جميع الناس من الرجال والنساء. والواجب منه بحق اللابس ما يقي من الحر والبرد أو يستدفع به الضرر في الحرب، إذ ليس له أن يترك ذلك من أجل الإضرار بنفسه. وهو أيضا عام في جميع الناس من الرجال والنساء.
والمندوب إليه منه بحق الله كالرداء للإمام والخروج إلى المسجد للصلاة؛ لقول الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] والثياب الحسنة للجمعة والعيدين لقول النبي ﵇: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته». وما في معنى ذلك. والمندوب إليه بحق اللابس ما يتجملون به فيما بينهم من غير إسراف، «لقول النبي ﵇ للذي نزع الثوبين الخلقين ولبس الجديد: ما له ضرب الله عنقه أليس هذا خيرا له» «وقوله للذي رآه رث الهيئة فسأله هل لك من مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: من كل المال. قال: فَلْيُرَ عليك مالُك.» وقول عمر بن الخطاب: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب. وقوله: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه. وذلك عام في الوجهين جميعا.
والمباح أن يلبس ما شاء من ثياب الكتان والقطن والصوف ما لم يكن شيء من ذلك سرفا على قدر حاله، وذلك أيضا عام غير خاص.
والمحظور ثياب الحرير؛ «لقول النبي ﵇ في حلة عطارد: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، «وقوله ﷺ في الحرير والذهب: "هذان
стр. 1571
حل لإناث أمتي محرم على ذكورهم». فتحريم لباسه خاص للرجال دون النساء. وقد قيل: إنه مباح للرجال في الحرب، قاله ابن الماجشون ورواه عن مالك. فلا اختلاف في أن لباس الرجال له في غير الحرب محظور لا يباح لهم إلا من ضرورة. فقد «أرخص النبي ﵇: لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص الحرير لحكة كانت بهما».
وكره ذلك مالك ولم يرخص فيه إذ لم يبلغه الحديث والله أعلم. وقد روي عنه أنه أرخص فيه للحكة على ما جاء في الحديث. ومثله التختم بالذهب؛ لأنه من اللباس الذي يجوز للنساء دون الرجال.
وأما التختم بالفضة فإنه جائز مباح للرجال والنساء لا كراهة فيه عند عامة العلماء من السلف والخلف. وقد شذ من كرهه بكل حال، لرواية ابن شهاب «عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتما من ورق ثم نبذه فنبذ الناس خواتمهم» وهي رواية غلط لأن المحفوظ أنه نبذ خاتم الذهب لا خاتم الورق.
وكذلك شذ أيضا من كرهه إلا لذي سلطان، لما «روي أن رسول الله ﷺ نهى عن الخاتم إلا لذي سلطان». ومعناه - إن صح - أنه لا يجب أو لا يستحب إلا لذي سلطان.
والاختيار فيه عند الجمهور أن يلبس في الشمال، والوجه في ذلك استحباب التيامن؛ لأنه يتناوله بيمينه فيجعله في شماله. ومن السلف من يختار التختم في اليمين. وقد روي في ذلك عن النبي ﷺ والوجه فيه أنه من اللباس والزينة فيؤثر به اليمين على الشمال، كما يؤثر الرجل اليمنى على اليسرى لما جاء في السنة في الانتعال بأن ينتعل اليمين قبلها ويخلع بعدها لتكون أكثر استمتاعا باللباس منها. وقد يكون فيه اسم الله فلا يحتاج إذا تختم في يمينه أن يخلعه عند الاستنجاء لأن ذلك مما يستحب لمن تختم في شماله. ولا يجوز التختم بالحديد؛ لأنه حلية أهل النار، ولا بالشبه، فقد جاء النهي عن التختم بهما عن النبي - عليه
стр. 1572
السلام - وقد أجاز ذلك من لم يبلغه النهي عن ذلك، كما أنه أجاز التختم بالذهب للرجال والنساء من لم يبلغه النهي عن ذلك، وهو شذوذ، وبالله التوفيق.
فصل
ومثله المخيط في الإحرام
ومثله الجلوس على بسط الحرير
والارتفاق بمرافق الحرير يجوز ذلك للنساء دون الرجال على من رأى ذلك لباسا بدليل حديث مالك الذي رواه عن إسحاق بن أبي طلحة «عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم " قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا وراءه». فسمى أنس الجلوس عليه لباسا فوجب أن يكون حكمه حكم اللباس. ومن جهة المعنى أن الحرير إنما جاء النهي عنه من جهة التشبه بالكفار فوجب أن يجتنب الجلوس عليه من جهة التشبيه بهم. وكذلك التنقب به؛ لأنه لباس للمتنقب به بخلاف ستور الحرير المعلقة في البيوت لا بأس بها لأنها إنما هي لباس لما سترتها من الحيطان.
وقد رخص بعض العلماء في الجلوس على بسط الحرير والارتفاق بمرافقه إذ لم ير ذلك لباسا، أو هو قول عبد الملك بن الماجشون في سماع عبد المالك بن غانم من جامع المستخرجة. والذي عليه الأكثر والجمهور أن ذلك بمنزلة اللباس بدليل ما ذكرناه. ومن اللباس ما هو محظور على النساء دون الرجال، وهو الرقيق الذي يصف من الجباب لقول رسول الله ﷺ : «نساء كاسيات عاريات» الحديث "، يريد كاسيات في الحقيقة عاريات في المعنى.
стр. 1573
واختلف في العلم من الحرير في الثوب فمن أهل العلم من أجازه لما جاء أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير وقال: «لا تلبسوا منه إلا هكذا وهكذا" وأشار بالسبابة والوسطى». وروي إجازة ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ في موضع الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع، وكرهه جماعة من السلف. وكذلك اختلف السلف ﵃ في لباس الخز الذي سداه جرير وما كان في معناه اختلافا كثيرا يتحصل فيه أربعة أقوال:
أحدها: أن لباسها جائز من قبل المباح، من لبسها لم يأثم، ومن تركها لم يؤجر على تركها. وهو مذهب ابن عباس وجماعة من السلف. منهم ربيعة على ما وقع من قوله في أول سماع ابن القاسم من كتاب جامع العتبية، لأنهم تأولوا أن النهي والتحريم في لباس الحرير للرجال إنما ورد في الثوب المصمت الخالص من الحرير.
والثاني: أن لباسها غير جائز وإن لم يطلق عليه أنه حرام، فمن لبسها أثم ومن تركها نجا، إذ قد قيل في حلة عطارد السيراء التي قال فيها رسول الله ﷺ : «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، إنها كانت يخالطها الحرير وكانت مضلعة بالقز، وهو مذهب عبد الله بن عمر. والظاهر من مذهب مالك وإن كان قد أطلق القول فيه أنه مكروه، والمكروه ما كان في تركه ثواب ولم يكن في فعله عقاب. إذ قد يطلقه فيما هو عنده غير جائز تجوزا من أن يحرم ما ليس بحرام. والذي يدل على ذلك من مذهبه قوله في المدونة: وأرجو أن يكون الخز للصبيان خفيفا.
والثالث: أن لباسه مكروه على حد المكروه، فمن لبسه لم يأثم ومن تركه أجر على تركه، وهذا هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، لأن ما اختلف أهل العلم فيه لتكافئ الأدلة في تحليله وتحريمه فهو من المتشبهات التي قال فيها رسول الله ﷺ : «إنه من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه». وعلى هذا القول يأتي ما حكى مطرف من أنه رأى على مالك بن أنس ﵀ ثوب إبريسم كساه إياه هارون الرشيد، إذ لم يكن ليلبس ما يعتقد أنه يأثم بلبسه.
стр. 1574
والرابع: الفرق بين ثياب الخز وسائر الثياب المشوبة بالقطن والكتان، فيجوز لباس الخز اتباعا للسلف، ولا يجوز لباس ما سواها من الثياب المشوبة بالقطن والكتان بالقياس عليها، لأن الخز إنما أجيز اتباعا للسلف، فلباسه رخصة، والرخصة لا يقاس عليها. وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وهو أضعف الأقوال، إذ لا فرق في القياس بين الخز وغيره من المحررات التي قيامها حرير وطعمها قطن أو كتان، لأن المعنى الذي من أجله استجاز لباس الخز من لبسه من السلف هو أنه ليس بحرير محض موجود في المحررات وشبهها. فلهذا المعنى استجازوا لبسه لا من أجل أنه خز إذ لم يأت أثر بالترخيص لهم في ثياب الخز فيختلف في قياس غيره عليه.
ومن اللباس المحظور أيضا السرف فيه الزائد على القدر المأذون فيه الذي يخرج به صاحبه إلى الخيلاء والكبر والبطر، وهو عام في الرجال والنساء ممنوع بحق الله تعالى، لأن البطر والكبر ممنوعان في الشرع. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] وَقَالَ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] وَقَالَ ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وَقَالَ ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] وقال رسول الله ﷺ : «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله»، وقال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا».
ومن اللباس المحظور اللبستان اللتان نهى عنهما النبي ﵇ وهو اشتمال الصفاء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء.
стр. 1575
واشتمال الصماء هو أن يلتحف في الثوب ثم يرفعه ويلقيه على أحد منكبيه ويخرج يده من تحته. وصفة الاحتباء المنهي عنه أن يجلس الرجل ويضم ركبتيه إلى صدره ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ به ركبتيه ويشده حتى يكون كالمعتمد عليه والمسند إليه. فهذا إذا فعله بدت عورته إلا أن يكون تحته ثوب. وكذلك مشتمل الصماء تنكشف عورته من الناحية التي ألقى الثوب منها على منكبه إلا أن يكون عليه إزار، فإن كان عليه إزار جاز له أن يشتمل الصماء عليه لارتفاع علة النهي وهي انكشاف العورة. وقيل: إن ذلك لا يجوز وإن كان عليه إزار، واختلف في ذلك قول مالك فوجه المنع من ذلك اتباع ظاهر الحديث بحمله على عمومه وكيلا يكون ذلك ذريعة للجاهل الذي لا يعلم العلة في ذلك فيفعله ولا إزار عليه إذا رأى العالم يفعله وعليه إزار.
وأما اللباس المكروه فهو ما خالف زي العرب وأشبه زي العجم، ومنه التعميم بغير التحاء، وقد روي أن ذلك عمة الشيطان. وقيل: إنما صفة عمائم قوم لوط، والله أعلم وبه التوفيق.
فصل
في
دخول الحمام
دخول الحمام إذا كان خاليا جائز لا كراهية فيه، وأما دخوله مستترا مع مستترين فقال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه من كتاب الجامع من العتبية: لا بأس بذلك أي لا حرج عليه فيه وتركه أحسن. فقد قال مالك في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الوضوء من العتبية وقد سئل عن الغسل بالماء السخن من الحمام: والله ما دخول الحمام بصواب فكيف يغتسل بذلك الماء.
ووجه الكراهة في ذلك وإن دخله مستترا مع مستترين مخافة أن يطلع على عورة أحد بغير ظن إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع عامة الناس. وأما دخوله غير
стр. 1576
مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ولا يجوز، لأن ستر العورة فرض ومن فعل ذلك كان جرحة فيه.
والنساء في هذا بمنزلة الرجال. هذا هو الذي يوجبه النظر، لأن المرأة لا يجوز لها أن تنظر من المرأة إلا ما يجوز أن ينظره الرجل من الرجل، بدليل ما روي عن النبي ﵇ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب». وما روي أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة» خرج الحديثين أبو داود. فجعل رسول الله ﷺ حكم المرأة مع المرأة فيما يجوز لها أن تنظر إليه منها كحكم الرجل فيما يجوز له أن ينظر إليه من الرجل.
وقد أجمع أهل العلم فيما علمت أن النساء يغسلن المرأة الميتة كما يغسل الرجل الرجل الميت، ولم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في غسل النساء ذوي محارمهن من الرجال، وفي غسل الرجل ذوات محارمه من النساء حسبما ذكرناه في رسم الجنائز والصيد والذبائح من سماع أشهب من كتاب الجنائز من العتبية. وقد قال ابن أبي زيد في الرسالة: ولا تدخل المرأة الحمام إلا من علة.
وقال عبد الوهاب في شرحها: هذا لما روي من أن الحمام محرم على النساء فلم يجز لهن دخوله إلا من عذر، ولأن المرأة ليست كالرجل لأن جميع بدنها عورة، ولا يجوز لها أن تظهر لرجل ولا امرأة. والحمام يجتمع فيه النساء ولا يمكن الواحدة أن تخليه لنفسها في العادة، فكره لها ذلك إلا من عذر. هذا نص قول عبد الوهاب وفيه نظر. أما ما ذكرناه من أن الحمام محرم على النساء فلا أعلمه نصا عن النبي ﵇. وقد ذكر عن النبي ﷺ في كتاب الجامع من المعونة أنه قال: «الحمام بيت لا ستر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر،
стр. 1577
ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا لعلة». فإن صح ذلك عن النبي ﷺ فمعناه في دخولهن إياه على ما جرت به عادتهن من دخولهن إياه غير مستترات. وأما ما قاله من أن بدن المرأة لا يجوز أن يراه رجل ولا امرأة فليس بصحيح، إنما هو عورة على الرجل لا على المرأة، بدليل ما ذكرناه عن النبي ﷺ وما روي من أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: إنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء المشركين فَانْهَ عن ذلك أشد النهي، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عورتها غير أهل دينها.
وما اجتمع عليه العلماء من أن النساء يغسلن النساء كما يغسل الرجال الرجال. وإنما قال ابن أبي زيد: إن المرأة لا تدخل الحمام إلا من علة لما جاء عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها: الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء». وإنما أمر والله أعلم أن يمنع النساء من دخولها إلا مريضة أو نفساء؛ لأن إباحة ذلك لهن ذريعة إلى أن يدخلنه غير مئتزرات، لا من أجل أن عليهن إثما في دخولهن إياها مئتزرات. فدخول النساء الحمامات مكروه لهن غير محرم عليهن.
وعلى هذا يتأول ما روي في ذلك عن النبي ﷺ وعن عائشة، من ذلك حديثها «أن رسول الله ﷺ نهى عن دخول الحمامات ثم رخص للرجال أن يدخلوها بالميازر». فيتأول أنه إنما يرخص في ذلك للنساء بدليل هذا الحديث حماية للذرائع في دخولهن إياها بغير ميازر.
ومن ذلك ما «روي عنها أنها أتتها نساء من أهل الشام فقالت: لعلكن من أهل الكورة التي يدخل نساؤها الحمامات. قال: قلن نعم. قالت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد هتكت ما بينها وبين الله، أو ستر ما بينها وبين الله؛» لأنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن
стр. 1578
يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس والجسم أو تجردت عريانة وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال إذ كان معها النساء في الحمام وشبهه. فقد قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.
وقد روي عن أم كلثوم قالت: أمرتني عائشة فطليتها بالنورة ثم طليتها بالحناء ما بين قرنها إلى قدمها في الحمام من حصر كان بها. قالت: فقلت لها ألم تكوني تنهي النساء عن الحمام؟ قالت: إني سقيمة، وأنا أنهى الآن أيضا ألا تدخل امرأة حماما إلا من سقم. فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات؛ لأن بدن المرأة إنما عورة على الرجل لا على المرأة. وإنما اختلف في بدن الرجل هل هو عورة على المرأة، فقيل: إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من المرأة. والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، بدليل «قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فلولا أنها في النظر إليه كحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه لما أباح لها النبي ﷺ الاعتداد عنده، وهذا بين والله أعلم وبه التوفيق.
стр. 1579
فصل
في
السلام والمصافحة والاستئذان
الابتداء بالسلام سنة مؤكدة من سنن الإسلام. قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] وقال رسول الله ﷺ : «أفشوا السلام» وقال: «من حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات». والرد أوكد وأوجب لما يتعلق في ذلك من حق المسلم. قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] والاختيار في السلام أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم، ويقول الراد عليه وعليك السلام. ويجوز الابتداء بلفظ الرد والرد بلفظ الابتداء ويتنهى إلى لفظ البركة على ما جاء عن ابن عباس من أنه أنكر الزيادة على ذلك وقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وفي قول الله : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها دليل على جواز الزيادة على البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام في سلامه إليها. وقد ذكر مالك في موطئه أن رجلا سلم على عبد الله بن عمر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته والغاديات والرائحات، فقال عبد الله بن عمر: وعليك ألفا ثم كأنه كره ذلك.
فصل
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يسلم الكبير على الصغير والراكب على
стр. 1580
الماشي» ومعنى ذلك إذا التقيا، فإن كان أحدهما راكبا والآخر ماشيا بدأ الراكب بالسلام، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير بالسلام. وأما المار بغيره أو الداخل عليه فهو الذي يبدأ بالسلام وإن كان ماشيا والذي يمر به راكبا أو صغيرا. وكذلك السائر في الطريق إذا لحق بغيره فتقدمه وجب عليه أن يبدأه بالسلام وإن كان صغيرا أو راكبا وهو ماش.
فصل
وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم على ما جاء في الحديث، وكذلك في الرد يجزئ رد واحد من المسلم عليهم عن جميعهم على قياس ذلك. وقد قيل في غير المذهب: إنه لا يجزئ ذلك في الرد وهو شذوذ. ويكره السلام على المرأة الشابة ولا بأس به على المتجالة.
فصل
والمصافحة جائزة بل هي مستحبة. قال رسول الله ﷺ : «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» وقد كره مالك المصافحة في رواية أشهب من كتاب الجامع من العتبية وقال: هو أخف من المعانقة. والمشهور عن مالك إجازتها واستحبابها، وهو الذي يدل عليه مذهبه في الموطأ بإدخاله فيه حديث النبي ﷺ الذي تقدم بالأمر بها. والآثار فيها كثيرة، منها حديث البراء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يتلقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا». وإنما المعلوم من مذهب مالك كراهية المعانقة، ومن أهل العلم من أجازها، منهم ابن عيينة، روي أنه دخل على مالك ﵀ فصافحه وقال له: يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقناك فقال سفيان بن عيينة: عانق من هو خير منك ومني النبي ﷺ . قال مالك: جعفر؟ قال: نعم، قال: ذلك حديث خاص يا أبا محمد
следующие страницы →