← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أهل بلد ليخبره إن كانوا رأوا الهلال، فأخبره أنهم صاموا برؤية مستفيضة أو بثبوت الهلال عند قاضيهم، وجب عليه أن يأمر الناس بالصيام لذلك اليوم بقوله، من باب قبول خبر الواحد، وإن أخبره بذلك من غير أن يرسله وجب عليه هو الصيام في خاصته، ولم يصح له أن يأمر الناس بالصيام حتى يشهد عنده بذلك شاهد آخر؛ لأنه حكم فلا يكون إلا بشهادة شاهدين. فصل فصيام رمضان يجب بأحد خمسة أشياء: إما أن يرى هلاله. وإما أن يخبره الإمام أن قد ثبتت عنده رؤيته. وإما أن يخبره العدل عنه بذلك أو عن الناس أنهم رأوه رؤية عامة، وكذلك إن أخبره أن أهل بلد كذا صاموا يوم كذا برؤية عامة أو بثبوت رؤيته عند قاضيهم وجب عليه بذلك قضاء ذلك اليوم. وإما أن يخبره شاهدان عدلان أنهما قد رأياه. وإما أن يخبره بذلك شاهد واحد عدل في موضع ليس فيه إمام يتفقد أمر الهلال بالاهتمام به. ووجه ذلك أن الشهادة فيه لما تعذرت بعدم الحكم أو بتضييعه رجع إلى إثباته من جهة الخبر كما رجع إلى إثباته بالشهادة عند الحكم عند تعذر الرؤية العامة. وكما جاز قبول المؤذن العدل العارف بالفجر في طلوعه لتعذر الشهادة في ذلك عند الحكم إذ لا يلزمه طلب الشهادة في ذلك. والفرق بين وجوب ذلك عليه في الهلال دون الفجر أن الصيام يصح إيقاع النية فيه قبل الفجر، ولا يصح اعتقاد الصوم في أول يوم من رمضان قبل العلم باستهلال الهلال. ولا يلزم على هذا زوال الشمس لصلاة الظهر ولا غروب الشمس للفطر؛ لأنه يمكنه التأخير حتى يوقن بزوال الشمس أو بغروبها. فصل فإن كان هذا الذي وصفاه في هلال شعبان، وأغمي هلال رمضان أتم شعبان ثلاثين يوما. وكذلك إن كان ذلك في هلال رجب وأغمي هلال شعبان ورمضان أكمل رجب وشعبان ثلاثين يوما ثلاثين يوما.

стр. 247

فصل وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الرفث والخنا والغيبة وقول الزور. روي عن النبي ﵊ أنه قال: «الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم».

стр. 248

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الاعتكاف الاعتكاف في كلام العرب هو الإقامة واللزوم. يقال منه اعتكف فلان بمكان كذا إذا أقام فيه ولازمه ولم يخرج عنه. وعكف فلان على فلان إذا أقام عليه ولزمه، ومنه قول الله : ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧]، أي: مقيما وملازما، وقال : ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، أي: ملازمون، وقال: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، أي: يلازمونها ويقيمون على عبادتها. وهو في الشريعة الإقامة على ما هو عليه في اللغة إلا أنه في الشريعة الإقامة على عمل مخصوص دون ما سواه، في موضع مخصوص لا يتعداه، على شرائط قد أحكمتها السنة في ذلك. فصل واختلف في العمل فقيل: إنه الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى دون ما سوى ذلك من أعمال البر، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا يجيز للمعتكف عيادة المرضى ولا مدارسة العلم ولا الصلاة على الجنائز وإن كان ذلك كله من أعمال البر، وقيل: إنه جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنه لا يرى بأسا للمعتكف بمدارسة العلم وعيادة المرضى، يريد في موضع معتكفه،

стр. 249

وكذلك الصلاة على الجنائز على مذهبه إذا انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون عليها. وإنما قلنا المختصة بالآخرة تحرزا من الحكم بين الناس والإصلاح بينهم. فصل وأما الموضع فإنه المسجد. وقد اختلف هل يكون في كل مسجد أم في بعض المساجد دون بعض، فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في المشهور عنه أن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا تجمع فيه الجمعة، إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، أو بموضع لا يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة باعتكافه؛ لظاهر قول الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إذ عمها ولم يخص منها شيئا دون شيء. وروى ابن عبد الحكم عنه أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد الجامع، وهو قول جماعة من السلف. وروي عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد بني كمسجد النبي ﷺ ومسجد إيلياء والبيت الحرام. والمرأة والرجل في ذلك سواء عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خلاف قول أبي حنيفة وأصحابه أن المرأة لا تعتكف إلا في مسجد بيتها - واحتج من نصر قولهم بقول النبي ﷺ : «لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها»، وبحديث عائشة: «لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل» قالوا: لا حجة لمن أجاز ذلك في إذن رسول الله ﷺ لمن أذن لهن من أزواجه أن يعتكفن معه؛ لأنه يحتمل أن يكون اتسع ذلك لهن بخلاف غيرهن، لكونه معهن بحق الزوجية أو لحرمتهن على جميع المسلمين سواه. وقد تسافر المرأة مع زوجها ومع ذوي محارمها الأسفار البعيدة وليس لهن أن يفعلن ذلك مع سواهم. والله الموفق للصواب. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، وأن ترك مباشرة

стр. 250

النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد على ظاهر ما في القرآن، وهو شذوذ من القول فتدبر ذلك. فصل ومن شرائطه ترك مباشرة النساء. فمن جامع امرأته أو باشرها أو قبلها أو تلذذ بشيء من أمرها ناسيا أو متعمدا في ليل أو نهار بطل اعتكافه واستأنفه من أوله، لقول الله : ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكذلك إن كانت امرأة فجومعت في اعتكافها نائمة أو مكرهة بطل اعتكافها. وكذلك إذا أفطر متعمدا بطل اعتكافه واستأنفه نذرا كان أو تطوعا على مذهب مالك في المدونة، وإن كان ناسيا قضى ما أفطر ووصله باعتكافه في الوجهين. وقال ابن حبيب: لا يلزمه قضاء في التطوع. فصل ومن شرائطه على مذهب مالك وأصحابه الصوم، فلا يكون اعتكاف إلا بصوم، لأن الله جل ذكره إنما ذكره مع الصيام فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأجاز الشافعي والمزني - رحمهما الله تعالى - الاعتكاف بغير صوم. واحتج من نصر مذهبهما بما روي عن النبي ﷺ من رواية علي وابن عباس أنه قال: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه» وإلى هذا ذهب ابن لبابة فقال: لو لزم المعتكف الصيام وإن لم يرده لما جاز أن يعتكف في رمضان، كما لا يجوز لمن نذر اعتكافا بصوم أن يجعله في رمضان. وهذا لا يلزم، لأنا لا نقول إن من شرط صحة الاعتكاف أن يكون الصيام له، وإنما نقول إن من شرط صحته الصيام وإن فعله لغيره كالطهارة التي هي من شرط صحة الصلاة وإن فعلها لغيرها. ودليلنا على ذلك ما روي عن النبي ﷺ من رواية عائشة أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم». وهو قول علي وابن

стр. 251

عباس وابن عمر، ولا مخالف لهم من الصحابة. وأما الاحتجاج على ذلك بالآية فإنه ضعيف، إذ لو وجب بها الصيام على كل معتكف لذكر الاعتكاف فيها مع الصيام لوجب فيها أيضا الاعتكاف على كل صائم لذكر الصيام فيها مع الاعتكاف. وقد استدل بعض من ذهب إلى الاحتجاج للشافعي على جواز الاعتكاف بغير صوم بأن الليل يدخل على المعتكف فيكون فيه معتكفا وهو غير صائم. وهذا لا يلزم، لأن دخول الليل الذي لا يصح فيه الصوم على المعتكف لا يخرجه من حرمة اعتكافه وإن كان غير صائم فيه، كما أن خروج المعتكف إلى ما لا بد له منه كحاجة الإنسان لا يخرجه من حرمة اعتكافه وإن كان الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد فلو جاز أن يعتكف من غير صوم من أجل أن الليل هو فيه معتكف غير صائم لجاز أن يعتكف في الطرقات والكنف لأنه فيها عند خروجه معتكف في غير المسجد. فإذا لم يلزم هذا في الخروج الذي هو من فعله فأحرى أن لا يلزم في الليل الذي ليس من فعله. والحجة الصحيحة لنا من طريق النظر، إذ لم يوجد شيء يعول عليه في ذلك من جهة الأثر. ولا حجة في مجرد أقوال العلماء مع اختلافهم في أن الاعتكاف لبث في موضع يتقرب به إلى الله تعالى، فوجب أن يكون بتحرم وهو الصيام، كما أن اللبث بمنى وعرفة والمزدلفة لا يكون قربة إلا بالتحرم بحرمة الحج. فصل والاعتكاف في جميع أيام السنة جائز إلا في الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهن يوم الفطر وأيام التشريق. فصل وهو من نوافل الخير، اعتكف رسول الله ﷺ وأزواجه والمسلمون، ولم يكن السلف الصالح على شيء من أعمال البر أقل تعاهدا منهم على الاعتكاف، وذلك لشدته، ولأن ليله ونهاره سواء، ولأن من دخل فيه لزمه الإتيان به على شرائطه وقد لا يفي بها. ولذلك كرهه مالك ﵀ وقال في المجموعة: وما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف وقد اعتكف النبي ﵊ حتى قبضه الله وهم

стр. 252

أتبع الناس لأموره وآثاره ﷺ ، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه النبي ﵊، «فقيل له ﷺ فإنك تواصل، فقال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فلا ينبغي أن يعتكف إلا من يقدر أنه يفي بشروط الاعتكاف. فصل وأفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. روي «أن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان فأتاه جبريل ﵇ فقال له إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الوسط، فأتاه فقال له إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواخر». فصل وأدنى الاعتكاف يوم وليلة، وأعلاه في الاستحبابات عشرة أيام، قاله ابن حبيب. وقد اختلف قول مالك في أدناه فمرة قال أقله يوم وليلة، ومرة قال أقله عشرة أيام. فمن أوجب على نفسه اعتكافا ولم يسم عددا من الأيام أو دخل في الاعتكاف ولم ينو عددا من الأيام لزمه عشرة أيام على القول الواحد، وعلى القول الثاني لا يلزمه إلا يوم وليلة، يبدأ بالليلة قبل اليوم، فيدخل اعتكافه عند الغروب. فإن دخل اعتكافه بعد الغروب وقبل الفجر لم يجزئه اعتكاف ذلك اليوم، وهو مذهب سحنون. وقيل إنه يجزئه وبئس ما صنع لأن الليل كله وقت لتبيت الصيام، فأي وقت نوى فيه أجزأه قاله عبد الوهاب. وقد قيل إن ذلك ليس باختلاف قول، ويحمل قول سحنون على أنه نذر الاعتكاف وقول عبد الوهاب على أنه نواه. والأول أظهر أنه اختلاف يدخل في الوجهين جميعا. فصل والاعتكاف يجب بأحد وجهين: إما بالنذر، وإما بالنية مع الدخول فيه

стр. 253

لاتصال عمله. وكذلك الجوار إذا جعل على نفسه فيه الصيام، وإن لم يجعل على نفسه فيه الصيام وإنما أراد أن يجاور كجوار مكة بغير صيام فلا يلزمه بالنية مع الدخول فيه بما نوى من الأيام. واختلف هل يلزمه مجاورة اليوم الذي دخل فيه أم لا على قولين: أحدهما أنه يلزمه. والثاني أنه لا يلزمه وله أن يخرج متى شاء من يومه ذلك وهو الأظهر، إذ لم يتشبث بعمل يبطل عليه بقطعه. فصل والنذر في الاعتكاف على وجهين: أحدهما أن ينذر اعتكاف أيام بأعيانها، والثاني أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها. فأما إذا نذر أياما بأعيانها، فلا يخلو أن تكون من رمضان أو من غير رمضان، فإن كانت من رمضان فعليه قضاؤها إن مرضها كلها لوجوب قضاء الصيام عليه، وإن مرض بعضها قضى ما مرض منها ووصل، فإن لما يصل استأنف سواء كان مرضه من أولها قبل دخوله في الاعتكاف أو من آخرها بعد دخوله فيه، وكذلك إن أفطر فيها ساهيا. وأما إن أفطر فيها متعمدا من غير عذر فعليه استئناف الاعتكاف مع الكفارة لفطره في رمضان. فصل وأما إن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو مرض بعضها ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه القضاء جملة من غير تفصيل، وهذا على رواية ابن وهب عن مالك في بعض روايات الصيام من المدونة. والثاني أنه لا قضاء عليه جملة من غير تفصيل، وهو مذهب سحنون. والثالث التفرقة بين أن يمرض قبل دخوله في الاعتكاف أو بعد أن دخل فيه، وهو أيضا مذهب ابن القاسم في المدونة على ما

стр. 254

تأول عليه ابن عبدوس، واختلف إذا أفطر فيه ساهيا على قولين: أحدهما أنه لا قضاء عليه وهو مذهب سحنون. والثاني أن عليه القضاء بشرط الاتصال وهو مذهب ابن القاسم. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن ينذر أياما بغير أعيانها. فإذا نذر اعتكاف أيام بغير أعيانها فليس له أن يعتكفها في رمضان ولا في صوم واجب عليه، لأن النذر يوجب عليه الصيام فليس له إسقاطه عن نفسه باعتكافه فيما قد وجب عليه صومه، خلاف قول محمد بن عبد الحكم إن له أن يجعل اعتكافه الذي نذره في أيام صومه التي نذرها، حكاه ابن حارث، فإذا دخل في اعتكافها لزمه إتمامها وتعين عليه قضاء ما مرض فيه أو أفطره ساهيا يصل ذلك باعتكافه، ولا خلاف في هذا. وإن أفطره متعمدا أفسده ووجب عليه قضاؤه لوجوبه عليه بالدخول فيه، وأن يعتكف اعتكافا آخر لنذره، وجرى ذلك على الاختلاف فيمن أفطر متعمدا في قضاء يوم من رمضان. فصل وأما إن نوى الاعتكاف ودخل فيه ولم ينذره فقد تعين عليه بالدخول فيه كتعين النذر لأيام بأعيانها، ووجب أن يكون حكمه كحكمه في المرض فيه أو الفطر ساهيا أو متعمدا على ما بيناه إلا في دخول القول الثالث في المرض إذ لا يتصور فيه. وبالله التوفيق.

стр. 255

ما جاء في ليلة القدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على مولانا محمد وآله وسلم ما جاء في ليلة القدر قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، يريد الكتاب المبين لأن الهاء من أنزلناه عائدة عليه وإن كان لم يتقدم له ذكر في هذه السورة فإنه قد تقدم في سورة الدخان في قوله: ﴿حم﴾ [الدخان: ١] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٢ - ٣]. فصل وليلة القدر هي الليلة المباركة التي أنزل الله فيها القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي ﷺ من السماء الدنيا نجما بعد نجم على قدر الحاجة إليه، فكان بين أوله وآخره عشرون سنة، روي ذلك عن ابن عباس في تفسير الآية. فصل فسماها الله ﵎ مباركة لنزول القرآن فيها ولثبات الخير فيها ودوامه، لأن البركة في اللغة الثبات والدوام. وسماها الله تعالى ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى ليلة القدر من السنة الأخرى. قال مجاهد إلا الشقاء والسعادة، يشهد لذلك قَوْله تَعَالَى:

стр. 256

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وقد قيل إن الآجال تنسخ ليلة النصف من شعبان والأول أصح، والله أعلم. فصل وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ٢]، معناه التعجب بها والتعظيم لها. وما كان في القرآن من قوله وما أدراك فقد أدراه، وما كان فيه من قوله وما يدريك فلم يدره، قاله الفراء وسفيان بن عيينة وغيرهما والله أعلم. فصل وأما قوله : ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، ففي تأويله اختلاف، قيل معنى ذلك أن العمل بما يرضي الله في تلك الليلة من صلاة وغيرها خير من العمل في غيرها ألف شهر. [وقيل إنما معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر]، ليس فيها ليلة القدر. وهو نحو الأول لأن فضيلة الليلة على ما سواها ليس لمعنى يختص بها حاشا تضعيف الحسنات فيها. وقيل إن معنى ذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل ويجاهد النهار، ففعل ذلك ألف شهر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فتمنى النبي ﷺ أن يكون ذلك في أمته وقال يا رب جعلت لأمتي أقصر الأعمار وأقل الأعمال فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، يريد خيرا من تلك الألف شهر التي قام الإسرائيلي ليلها وجاهد نهارها، فضيلة له ولأمته. وهو معنى حديث مالك «أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه

стр. 257

تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر». وقيل إن معنى ذلك هو ما روي «أن رسول الله ﷺ رأى في منامه بني أمية يعلون منبره خليفة خليفة فشق ذلك عليه فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]» يعني ملك بني أمية. قال فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر. فصل وهذا التأويل يدل على أن ليلة القدر خص بها النبي ﷺ ومن كان على عهده، وإليه ذهب والله أعلم من قال إن ليلة القدر رفعت، وليس ذلك بصحيح، والصحيح الذي عليه عامة أهل العلم والدين أنها لم ترفع جملة وإنما رفع علم تعيينها في ليلة بعينها وذلك بين من الحديث، قال رسول الله ﷺ : «أريت هذه الليلة في رمضان حتى تلاحى رجلان فوقعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، فلو رفعت جملة لما أمر النبي ﷺ بالتماسها. فصل فالصحيح أن ليلة القدر باقية لأمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة. وإنما اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال: أحدها أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها إلا أنها غير معروفة أعلم بفضلها وأخفى عينها ليجتهد في طلبها فيكون ذلك سببا للاستكثار من فعل الخير. وافترق الذين ذهبوا إلى هذا على أربعة أقوال: أحدها أنها في العام كله. والثاني أنها في شهر رمضان. والثالث أنها في العشر الوسط منه. والرابع أنها في العشر الأواخر منه. فصل والقول الثاني أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها معروفة. واختلف الذين ذهبوا

стр. 258

إلى هذا في تعيينها على أربعة أقوال: أحدها أنها ليلة إحدى وعشرين على حديث أبي سعيد الخدري. والثاني أنها ليلة ثلاث وعشرين على حديث عبد الله ابن أنيس الجهني. والثالث أنها ليلة سبع وعشرين على حديث أبي بن كعب وحديث معاوية، وهي كلها أحاديث صحاح. والرابع أنها ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين. ذهب إلى هذا عبد الله بن عباس ﵄. روي أن عمر بن الخطاب دعا جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن ليلة القدر فقالوا: كنا نرى أنها في العشر الوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، وأكثروا عليه في ذلك فقال ابن عباس إني لأعلم أي ليلة هي، فقال عمر: وأي ليلة هي؟ فقال سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال عمر من أين علمت ذلك؟ قال رأيت الله خلق سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام يدور الدهر عليهن، وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف سبع، ورمي الجمار وذكر مثل هذا. فقال له عمر: ما قولك خلق الله الإنسان من سبع ويأكل من سبع؟ فتلا قول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قال ابن عباس وأما يأكل من سبع فقول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فالأب للأنعام، والسبعة للإنسان. وفي هذا الخبر أن عمر سأل يومئذ من حضره من الصحابة وكانوا جماعة عن معنى نزول سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، فوقفوا ولم يزيدوا على أن قالوا أمر الله نبيه ﷺ إذا فتح الله عليه أن يسبحه ويستغفره، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال ومع ذلك يا أمير المؤمنين فإنه نعى إليه نفسه وأعلمه أنه قابضه إذا دخلت العرب في الدين أفواجا، فسر عمر بذلك وقال أتلومونني على تقريب هذا الغلام؟ فقال ابن مسعود لو أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا ونعم ترجمان القرآن ابن

стр. 259

عباس. وروي عن ابن عباس أيضا أنها ليلة سبع وعشرين، وأنه عد السورة كلمة كلمة فكانت السابعة والعشرون هي وباقي السورة حتى مطلع الفجر. فصل والقول الثالث أنها ليست في ليلة بعينها وأنها تنتقل في الأعوام، وإلى هذا ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - والشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم، وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب والله أعلم، لأن الأحاديث كلها تستعمل على هذا، واستعمالها كلها أولى من استعمال بعضها واطراح سائرها، لا سيما وهي كلها أحاديث صحيحة ثابتة لا مطعن فيها لأحد فيحمل حديث أبي سعيد الخدري على ذلك العام بعينه، وحديث عبد الله بن أنيس على ذلك العام بعينه، وأمره ﷺ بالتماسها في العشر الأواخر من رمضان على ذلك العام بعينه بدليل ما روي أنها قد تكون في العشر الوسط وأمره بالتماسها في السبع الأواخر في ذلك العام بعينه دون ما سواه من الأعوام، إذ قد تكون في بقية العشر الأواخر على ما صح عنه في الأمر بالتماسها في العشر الأواخر وفي العشر الوسط على ما جاء في ذلك أيضا. فصل فنقول على استعمال جميع الآثار في هذا أن ليلة القدر تختص في انتقالها في الأغلب من حالها بالعشر الوسط وبالعشر الأواخر، والأغلب أنها تكون من العشر الوسط ليلة سبع عشرة، وليلة تسع عشرة، ومن العشر الأواخر في الأوتار منها. فمن أراد أن يتحرى ليلة القدر فليتحرها في العشر الوسط، وفي العشر الأواخر، ومن ضعف عن ذلك فليتحرها في الأوتار من العشر الأواخر. فصل واختلف في قول النبي ﵊ «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» فقيل إنها معدودة من أول العشر وأن المراد بذلك في الخامسة والسابعة والتاسعة، لأن الواو لا توجب رتبة. فالتاسعة ليلة تسع وعشرين، والسابعة ليلة سبع

стр. 260

وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل إنها معدودة من آخر العشر، وأن التاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة، ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، وإلى هذا ذهب مالك ﵀. ودليله على ذلك أن الأظهر في الواو الترتيب وإن كانت قد ترد للمساواة دون الترتيب ولا يختلف ذلك في نقصان الشهر وكماله، لأن من حسب ذلك على نقصان الشهر عد التاسعة والسابعة والخامسة، ومن حسب ذلك على كماله لم يعد التاسعة والسابعة والخامسة، وقال معنى ذلك لتاسعة تبقى، ولسابعة تبقى، ولخامسة تبقى. وحسابه على نقصان الشهر أظهر، لأن الشهر تسعة وعشرون يوما، واليوم الثلاثون ليس من الشهر بيقين قد يكون وقد لا يكون. ولا يحتمل أن يكون أراد النبي ﵊ أن يحسب ذلك على كمال الشهر ولا على ما ينكشف من نقصانه أو كماله، لأنه لو أراد أن يحسب على كماله لكان ذلك حضا منه على التماسها في غير الأوتار، وهو إنما حض على تحريها في كل وتر على ما جاء في غير هذا الحديث. ولو أراد أن يحسب على ما ينكشف عليه الشهر من نقصانه أو إتمامه لكان قد أمر بما لا يصح امتثاله إلا بعد فواته، فلم يبق إلا أنه أراد أن يحسب ذلك على نقصانه، إلا أن نقول إنه ﷺ أبهم مراده من ذلك لتلتمس الليلة في جميع ليالي العشر، وهو بعيد من التأويل، إذ لا بد أن يكون لقوله التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة زيادة فائدة على قوله: «التمسوها في العشر الأواخر،» والله أعلم. وذهب ابن حبيب إلى أن تتحرى الليلة في جميع ليالي العشر على نقصان الشهر وكماله، وذلك بعيد على ما أوردناه والله أعلم وأحكم. وروي ذلك عن ابن عباس أنه كان يحيي ليلة ثلاث وعشرين، وأربع وعشرين على هذا، وقال إنها لسبع بقين تماما يريد لسبع بقين على تمام الشهر بليلة أربع وعشرين التي كان يحييها أيضا. فصل وقوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤]، معناه [تنزل الملائكة وجبريل معهم، لأن جبريل هو الروح الأمين. وقوله من كل أمر

стр. 261

معناه، بكل أمر مما يقضي الله في ليلة القدر من السنة إلى أن تأتي ليلة القدر من السنة المقبلة، وعلى هذا يتم الكلام في قوله من كل أمر، ويحسن الوقف عليه والابتداء من قوله: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، أي هي سلام من أن يحدث فيها ما لم يحدث في غيرها أو أن يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيئا معناه في الأغلب والله أعلم. وقيل خير هي إلى مطلع الفجر، وقيل رحمة إلى مطلع الفجر. وقد قيل إن التمام في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]، فيكون المعنى في الابتداء من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر من كل داء ومن كل شيطان ليلة القدر مسلمة إلى طلوع الفجر. وقيل إن التمام في قوله من كل أمر سلام، ثم ابتدأ جزءا آخر فقال هي حتى مطلع الفجر، أي ليلة القدر هي حتى مطلع الفجر، ويكون معنى قوله من كل أمر سلام هي أي هي مسلمة من كل داء وشيطان. وقد قيل إن معنى قوله من كل أمر سلام أن الملائكة يسلمون على عباد الله المؤمنين الليلة إلى طلوع الفجر. واحتج من ذهب إلى هذا بما روي من قراءة ابن عباس ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وبالله التوفيق.

стр. 262

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله. عونك اللهم كتاب الزكاة الأول فصل في معرفة اشتقاق اسم الزكاة الزكاة مأخوذة من الزكاء وهو النماء، من ذلك قولهم زكا الزرع إذا نما وطاب وحسن وزكت النفقة إذا نمت وبورك فيها. ومن ذلك قول الله تعالى: (أقتلت نفسا زاكية بغير نفس)، ومنه تزكية القاضي الشهود لأنه ينمي حالهم ويرفعهم من حال السخطة إلى حال العدالة. ومنه يقال زكا فلان، وفلان أزكى من فلان. فصل فسميت الصدقة الواجب أخذها من المال زكاة لأن المال إذا زكي. نما وبورك فيه، وقيل إنما سميت بذلك لأنها تزكو عند الله أي تنمو لصاحبها عنده كما روي «من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا كان كأنما يضعها في كف الرحمن يربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل». وقيل إنما سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التي يبتغى فيها النماء لا من العروض المقتناة. والذي أقول به إنما سميت بذلك لأن فاعلها يزكو بفعلها عند الله تعالى أي يرتفع حاله بذلك عنده يشهد لهذا قول الله تعالى:

стр. 263

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وذلك بين ظاهر ولم أره لمن تقدم، ممن على هذا المعنى تكلم، وبالله التوفيق. فصل في وجوب الزكاة والزكاة واجبة كوجوب الصلاة، أوجبها الله على عباده وقرنها بها في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، ومثل هذا في القرآن كثير. فصل وهي إحدى دعائم الإسلام الخمس. قال رسول الله ﷺ : «بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا». وروي عنه ﷺ «أنه قام في الناس فقال: "يا أيها الناس إنه أتاني آت من ربي في المنام فقال لي يا محمد إنه لا صلاة لمن لا

стр. 264

زكاة له، ولا زكاة لمن لا صلاة له». مانع الزكاة في النار والمتعدي فيها كمانعها. وقد توعد الله في غير ما آية من كتابه مانعها فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، والماعون الزكاة في قول أكثر أهل العلم. والويل واد في جهنم يسيل من عصارة أهل النار في النار على ما روي. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]، والكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته وإن لم يكن مدفونا، وما أدي زكاته من المال فليس بكنز وإن كان مدفونا. ذكر مالك في موطئه عن عبد الله بن دينار أنه قال سمعت عبد الله بن عمر يسأل عن الكنز ما هو فقال هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة. فقوله تعالى ولا ينفقونها ليس على ظاهره من العموم، والمعنى فيه ولا ينفقون ما وجب عليهم إنفاقه منها. وقد قيل إن الضمير في قَوْله تَعَالَى ولا ينفقونها عائد على الزكاة وإن كان لم يتقدم لها ذكر، لأنها المراد بالإنفاق. وقيل إنه يعود على الفضة والذهب داخل فيها بالمعنى. وقيل إنه لما كان المعنى في الذهب والفضة سواء جاز أن يرجع الضمير إليهما جميعا بلفظ واحد مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، فقال يرضوه ولم يقل يرضوهما لما كان رضا الله فيه رضاء رسوله. وقيل إنه يعود على الكنوز وإذا قلنا إنه عائد على الفضة والذهب، أو على الفضة والذهب داخل فيها بالمعنى، أو على الكنوز، فالمراد بإنفاقها إنفاق الزكاة الواجبة فيها. وبيان هذا أنه قد «روي عن النبي ﷺ أنه قال في تفسير الآية: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل يوم القيامة صفائح من نار تكوى بها جبهته وجنباه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس ثم يرى سبيله فإن كانت إبلا بطح لها بقاع

стр. 265

قرقر فجاءت أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرت أخراها ردت أولاها حتى يقضي الله بين العباد ثم يرى سبيله، وإن كانت غنما فمثل ذلك إلا أنه قال تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها.» وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية هي خاصة فيمن لم يؤد زكاة ماله من المسلمين، وعامة في أهل الكتاب لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا - وقال ﵎: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، معناه بخلوا بالزكاة الواجبة عليهم فيما آتاهم الله من فضله. وروي «عن النبي ﷺ أنه قال في تفسير هذه الآية مال البخيل الذي منع حق الله منه يصير ثعبانا في رقبته». وقال ﷺ : «من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك». وقيل إنه يجعل في عنقه طوق من نار. فصل فمن جحد فرض الزكاة فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد. وقال ابن حبيب إن تركها كفر وإن كان مقرا بفرضها كالصلاة على مذهبه، وليس بصحيح. وأما من أقر بفرضيتها ومنعها فإنه يضرب وتؤخذ منه كرها إلا أن يمنع في جماعة ويدفع بقوة فإنهم يقاتلون عليها حتى تؤخذ منهم كما فعل أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بأهل الردة حين شحوا بأداء الزكاة فقال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه فقاتلهم وأمر بقتالهم. وقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فصل واختلف فيمن أخذت منه الزكاة كرها هل تجزئه أم لا على قولين: أحدهما أنها لا تجزئه لأنه لا نية له. والثاني أنها تجزئه وهو الأظهر، لأن الزكاة متعينة في

стр. 266

المال، فإذا أخذها من إليه أخذها أجزأت عنه كما تجزئ الصبي والمجنون إذا أخذت من أموالهما وإن لم تصح النية منهما في تلك الحال. فصل وإنما ورد في القرآن الأمر بالزكاة بألفاظ مجملة وعامة. فالمجمل منه ما لا يفهم المراد منه من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فلا يفهم من هذا اللفظ جنس الحق ولا مقداره، ولا يمكن امتثال الأمر به إلا بعد بيان. ومثل هذا اللفظ إذا ورد وجب اعتقاد وجوب المراد به إلى أن يرد البيان. والعام ما ظاهره استغراق الجنس فيجب امتثال الأمر به بحمله على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وما أشبه ذلك. فالظاهر في قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، أن الزكاة تؤخذ من جميع أصناف الأموال ومن القليل والكثير منها، إذ لم يخص شيئا من ذلك دون شيء، وقَوْله تَعَالَى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، من المجمل الذي يفتقر إلى بيان، إذ لا يفهم من نفس هذا اللفظ قدر الصدقة التي يقع بها التطهير والتزكية بها فالآية مشتملة على نص لا يحتمل التأويل، وعلى عموم يحتمل التأويل، وعلى مجمل يفتقر إلى البيان والتفسير، لأنها نص في الأخذ وفي أنه ﷺ مأمور به، وعموم في الأموال، ومجمل في المقدار. فصل واختلف في قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]، وما أشبه هذه الألفاظ هل هي مجملة تفتقر إلى بيان أو عامة يجب حملها على عمومها حتى يرد ما يخصصها. والأصح أنها مجملة مفتقرة إلى البيان.

стр. 267

فصل واختلف في قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فقيل العفو في هذه الآية الزكاة. وقيل إنه ما سمح به المعطي. وقيل إنه ما فضل عن العيال. فأما من ذهب إلى أن العفو فيها الزكاة أو إلى أنه ما سمح به المعطي فالآية عنده محكمة غير منسوخة. وأما من ذهب إلى أن العفو ما فضل عن العيال فمنهم من قال إن ذلك كان واجبا في أول الإسلام وإن أحدهم كان إذا حصد زرعه أخذ منه قوته وقوت عياله وما يزرعه في العام المقبل وتصدق بالباقي ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة. ومنهم من قال إن الآية محكمة غير منسوخة وهي على الندب لا على الوجوب مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ومنهم من قال إن الآية محكمة على الوجوب، ذهب إلى هذا جماعة من أهل الزهد والورع فحرموا ما فوق الكفاف، وإلى نحو هذا ذهب أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لأنه قد رويت عنه آثار كثيرة في بعضها شدة تدل أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز، وكان يقول الأكثرون هم الأخسرون يوم القيامة، ويل لأصحاب المئين. وقد روي عن النبي ﵊ في هذا آثار كثيرة إلا أن جمهور أهل العلم تأولها في الزكاة على خلاف ما حملها عليه أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وبالله التوفيق. فصل وقد بين رسول الله ﷺ مجمل القرآن في الزكاة وغيرها وخصص عمومه المراد به الخصوص قولا وعملا كما أمره الله تعالى به حيث يقول في كتابه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبين النبي ﷺ مم تؤخذ الزكاة من الأموال وممن تؤخذ من الناس وكم يؤخذ منها ومتى تؤخذ فقال: «ليس على المسلم

стр. 268

في عبده ولا في فرسه صدقة» فدل أن الزكاة لا تجب في العروض المقتناة لغير التجارة، وأنها خارجة عن عموم قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والحلي المتخذ للباس مخصص من العموم المذكور بالقياس على ذلك عند مالك وجميع أصحابه. وقال ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» فتبين أن ما دون هذه المقادير لا زكاة فيها وأنها مخصصة من العموم خارجة عنه. ولذلك بين ﷺ مقدار الزكاة فقال: «هاتوا إلي ربع العشر من كل أربعين درهما درهما»، وقال: «في كل عشرين مثقالا ذهبا نصف مثقال». وقال: «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما يسقى بالنضح نصف العشر». وقال في زكاة الماشية: «في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم ..» الحديث. وقال «في كل ثلاثين من البقر تبيع وفي كل أربعين بقرة مسنة» [«وفي كل أربعين من الغنم شاة»]. فصل وفي قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» دليل على أن الزكاة لا تجب في الفواكه ولا في الخضر وإنما تجب فيما يوسق ويدخر قوتا من الأقوات الحبوب والطعام. وهو مذهب مالك وجميع أصحابه إلا ابن حبيب فإنه أوجب الزكاة في الفواكه، فخرجت الفواكه والخضر بذلك عند مالك من عموم قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ومن عموم قول النبي ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف

стр. 269

العشر». وذكر الثمر في حديث أبي سعيد الخدري في بعض الروايات عنه محمول عند أهل العلم على أنه خرج على سؤال سائل فلا تعلق لأحد بظاهره في إسقاط الزكاة مما يوسق مما عدا التمر. فصل وكذلك بين ﷺ متى يجب أخذ الزكاة من المال الذي تجب فيه الزكاة فقال ﷺ : «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» فعم بظاهر قوله هذا جميع الأموال المستفادة، فخرج من عموم قوله الحبوب والثمار بدليل قول الله : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وخرج منه أيضا ما يخرج من المعدن من الذهب والورق بالقياس على الحبوب والثمار عند مالك لأنه يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت في الأرض كما ينبت الزرع. ويخرج من ذلك أيضا نماء الماشية فتزكى على أصولها ولا يستقبل بها الحول بدليل قول النبي ﷺ : «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها»، ولعلة افتراق الحول فيها مع خروج المصدق مرة في العام. واختلف قول مالك في أرباح الأموال فمرة رآها مزكاة على أصول الأموال قياسا على غذاء الماشية وللمشقة الداخلة عليه في حفظ أحواله، ومرة قال إنه يستقبل بها حولا كسائر الفوائد، وهو الأظهر، لأن الربح ليس بمتولد عن المال بنفسه كغذاء الماشية، وإنما يحصل لصاحب المال ممن بايعه بمبايعته إياه ولو شاء لم يبايعه، فأشبه ما يحصل له من عنده بهبة أو صدقة، إذ لو شاء لم يهبه ولا تصدق عليه وبالله التوفيق. فصل في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الأموال فالزكاة لا تجب إلا في ثلاثة أشياء: في الحرث، والعين، والماشية. فالعين

стр. 270

هو الذهب والورق. والماشية: الإبل والبقر والغنم. والحرث ما يخرج من الأرض من الحبوب والثمار والكروم، لأن السنة قد خصصت ما عدا هذه الثلاثة الأشياء من عموم قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وخصصت من هذه الثلاثة الأشياء أيضا بعضها على ما تقدم من ذلك في تبيين النصاب وما لا يوسق ويدخر من جميع الثمار. فصل في معرفة ما تجب به الزكاة والزكاة تجب بخمسة أوصاف، وهي الإسلام، والحرية، والنصاب، والحول فيما عدا ما يخرج من الأرض وعدا الدين في العين. فصل فالدليل على صحة اشتراط الإسلام في وجوب الزكاة قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، والطهرة والتزكية لا تصح في الكفار. وهو أيضا دليل قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] والدليل على صحة اشتراط الحرية في ذلك قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فلما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، دل على أنه لم يرد العبد إذ لا يصح أن يقال في مال العبد إنه ماله على الإطلاق، إذ لا يجوز له فيه ما يجوز لذي المال في ماله من الهبة والصدقة وما أشبه ذلك بإجماع، وإنما هو ماله على صفة. والدليل على صحة ملكه قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، إذ لا يصح أن يوصف بالفقر والغنى من لا يملك، ولذلك يطأ بملك يمينه على مذهب مالك لأنه يملك عنده. والدليل على صحة اشتراط النصاب في ذلك الحديث الصحيح: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة».

стр. 271

والدليل على صحة اشتراط الحول فيما عدا ما يخرج من الأرض قوله ﷺ : «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» لأنه لفظ عام يخصص منه ما يخرج من الأرض بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ويخصص منه أيضا نماء الماشية باتفاق لقول النبي ﷺ : «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها»، وأرباح الأموال بالقياس على ذلك على اختلاف، ويبقى الحديث عاما فيما سوى ذلك. والدليل على صحة اشتراط عدم الدين في وجوب الزكاة في العين إجماع الصحابة على ذلك بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة، والصحابة متوافرون مسلمون بذلك، فدل ذلك على إجماعهم على القول بذلك. وبالله التوفيق. فصل في تقسيم الديون التي تسقط الزكاة والديون التي تسقط زكاة العين تنقسم عند ابن القاسم على ثلاثة أقسام: قسم منها يسقط الزكاة وهو دين الزكاة، كانت له عروض تفي به أو لم تكن، مرت به سنة من يوم استدانه مثل أن يكون له عشرون دينارا فيحول عليها الحول فلا يخرج زكاتها ويمسكها حتى يحول عليها حول آخر فإنه لا يجب عليه فيها زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة العام الأول، أو لم تمر به سنة من يوم استدانه مثل أن يفيد عشرين دينارا فتقيم عنده عشرة أشهر ثم يفيد عشرين أخرى فيحل حول العشرين الأولى فلا يزكيها وينفقها أو تتلف ثم يحول الحول على العشرين الأخرى فإنه لا يجب عليه فيها زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة الفائدة الأولى. وقسم منها يسقط الزكاة مرت به سنة من يوم استدانه أو لم تمر، إلا أن تكون له عروض تفي بالدين يجعل الدين فيها هو ما استدانه في غير ما بيده من مال الزكاة.

стр. 272

وقسم لا يسقط الزكاة إن لم تمر به سنة من يوم استدانه، كانت له عروض أو لم تكن. ويسقطها إن مرت به سنة من يوم استدانه إلا أن تكون له عروض يجعله فيها، وهو ما استدانه فيما بيده من مال الزكاة، كان الدين من سلف أو مبايعة فكونه من سلف هو مثل أن تكون له عشرة دنانير فيتسلف عشرة أخرى ويتجر بالعشرين حولا، فهذا يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي عليه دينا من السلف، فإن بقيت العشرة التي بيده عشرة أشهر فتسلف عشرة أخرى فتجر في العشرين إلى تمام الحول لم تجب عليه زكاتها وإن كان له من العروض ما يفي بالعشرة التي عليه من السلف حتى يحول الحول عليه من يوم تسلفها. وكونه من مبايعة هو مثل أن تكون له عشرة دنانير فيأخذ عشرة دنانير سلما في سلعة فيتجر في العشرين حولا فإنه يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي عليه من السلم. ولو بقيت العشرة التي له بيده عشرة أشهر فأخذ عشرة دنانير سلما في سلعة فيتجر في العشرين إلى تمام الحول لم تجب عليه زكاتها وإن كان له من العروض ما يفي بالدين الذي عليه من السلم حتى يحول الحول من يوم أخذ العشرة دنانير في السلم. وأشهب يساوي بين دين الزكاة وغير الزكاة. فالدين ينقسم في هذا عنده على قسمين. وقد قيل إن الدين يسقط الزكاة زكاة العين على كل حال وفي كل دين، وإن كانت له عروض لم يجعله فيها على ظاهر حديث عثمان بن عفان المذكور، إذ لم يفرق فيه بين دين الزكاة من غيره ولا شرط عدمه للعروض وبالله التوفيق. فصل ولا يشترط في ذلك البلوغ والعقل بخلاف الصلاة. والدليل على ذلك قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] والطهرة والتزكية تصح دونهما، فكانت الآية عامة في الصغير والكبير والعاقل والمجنون. وقول النبي ﷺ «إن الله أمره أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ويردها على الفقراء» عام في كل غني من صغير وكبير وعاقل ومجنون، فوجب أن يحمل على عمومه، إذ لم يأت ما

стр. 273

يخص من ذلك الصغير والمجنون. ولا حجة للمخالف في ذلك في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لأن الله إنما جمع بينهما في الوجوب جملة لا في أن الزكاة لا تجب إلا على من تجب عليه الصلاة. فكما تجب الصلاة على العبد ولا تجب عليه الزكاة عندهم، وتجب الزكاة على الحائض عند الجميع ولا تجب عليها الصلاة، فكذلك تجب الزكاة على الصبي والمجنون عندنا وإن لم تجب عليهما الصلاة، وهذا بين. فصل في معرفة قدر النصاب من الأموال التي تجب فيها الزكاة والنصاب من الذهب عشرون مثقالا، فإن نقصت عن ذلك نقصانا بينا تتفق عليه الموازين لم تجب فيها الزكاة إلا أن تجوز بجواز الوازنة إذا كانت جارية عددا. والنصاب من الورق خمس أواق كما قال رسول الله ﷺ . والأوقية أربعون درهما بالوزن القديم، وهو المعروف بالكيل. فالخمس الأواقي مائتا درهم كيلا، وذلك بوزن زماننا مائتا درهم وثمانون درهما، لأن ورقنا دخل أربعين ومائة في مائة كيلا وذلك خمسة وثلاثون دينارا دراهم. فإن نقصت عن ذلك نقصانا بينا تتفق عليه الموازين لم تجب فيها الزكاة إلا أن تجري عددا وتجوز بجواز الوازنة فتجب فيها الزكاة. وقيل إن الزكاة لا تجب إذا كان النقصان كثيرا. وأما إن لم تجز بجواز الوازنة فلا تجب فيها الزكاة قل النقصان أو كثر. وقيل إن الزكاة تجب فيها إذا كان النقصان يسيرا وإن لم تجز بجواز الوازنة. وذهب ابن لبابة إلى أن الزكاة لا تجب فيها إذا كان النقصان يسيرا وإن جازت بجواز الوازنة. ووجه قوله أنه إذا كان كل درهم منها ينقص نقصانا يسيرا لا تتفق عليه الموازين فهو في جملتها كثير تتفق عليه الموازين. فيتحصل في الدراهم الناقصة الجارية عددا إذا كانت تجوز بجواز الوازنة ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا تجب فيها الزكاة. والثاني أنه تجب فيها الزكاة. والثالث الفرق بين أن يكون النقصان يسيرا لا تتفق عليه الموازين، أو كثيرا تتفق عليه

стр. 274

الموازين. وذهب ابن حبيب إلى أن الزكاة تجب في مائتي درهم عندنا بوزن زماننا وقال إنما يزكي أهل كل بلد بوزنهم الجاري عندهم وإن كان أقل من الكيل، وهو بعيد. فصل واختلف إذا كانت الدراهم أو الذهب مشوبين بنحاس فقيل إن الزكاة لا تجب إلا في النصاب من الذهب أو الورق الخالص. وقيل إذا كان الذهب أو الفضة الأكثر فالحكم لهما والنحاس ملغى والزكاة واجبة فيهما، والأول أصح إن شاء الله تعالى. والنصاب من الإبل خمس ذود، ومن الغنم أربعون شاة، ومن البقر ثلاثون بقرة. ومن الطعام المدخر الذي تجب فيه الزكاة خمسة أوسق كما قال رسول الله ﷺ . والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ . والصاع أربعة أمداد بمده ﷺ . والمد زنة رطل وثلث، قيل بالماء، وقيل بالوسط من القمح، وهو هذا المد الجاري عندنا. فمدنا مد النبي ﷺ ، وكيلنا صاعه ﷺ ، وقفيزنا اثنا عشر صاعا. فالوسق بكيلنا خمسة أقفزة، والنصاب خمسة وعشرون قفيزا. [وقال ابن حبيب إن النصاب بالكيل القرطبي ثلاثون قفيزا] على أن في كل قفيز عشرة آصع، وهي أربعون مدا بمد النبي ﷺ . فيأتي على هذا في كيلنا ثلاثة أمداد وثلث مد بمد النبي ﷺ ، ويكون الصاع بمدنا خمسة أمداد إلا خمس مد. والوسق ستة أقفزة. هذا قوله في كتاب الزكاة. وقال في كتاب النكاح في باب نفقة الزوجات إن القفيز القرطبي أربعة وأربعون مدا، فيأتي النصاب على هذا سبعة وعشرين قفيزا وثلاثة أجزاء من أحد عشر من القفيز. ويأتي في الكيل بمد النبي ﷺ ثلاثة أمداد وثلثا مد، وفي القفيز أحد عشر صاعا، ويكون الصاع بمدنا أربعة أمداد وأربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من المد، والوسق بكيلنا خمسة أقفزة وخمسة أجزاء من أحد عشر من القفيز.

стр. 275

وقد قيل إن في القفيز القرطبي اثنين وأربعين مدا بمد النبي ﷺ . فالنصاب على هذا الحساب ثمانية وعشرون قفيزا وأربعة أسباع قفيز. وذلك أن يكون في كيلنا بمد النبي ﷺ ثلاثة أمداد ونصف، وفي قفيزنا من صاعه عشرة آصع ونصف، ويكون الصاع على هذا بمدنا أربعة أمداد وأربعة أسباع مد، والوسق خمسة أقفزة وخمسة أسباع قفيز، ووزن الخمسة الأوسق ثلاثة وخمسون ربعا وثلث ربع، كل ربع منها من ثلاثين رطلا. وما قدمته أولى من أن النصاب خمسة وعشرون قفيزا بالكيل القرطبي، وهو أولى الأقاويل عندي وأحوط في الزكاة. فصل في افتراق حكم الأموال في الزكاة والأموال في الزكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم الأغلب فيه إنما يراد لطلب الفضل والنماء فيه لا للاقتناء، وهو العين من الذهب والورق وأتبارهما، والمواشي، وآنية الذهب والفضة وكل ما لا يجوز اتخاذه منها. فهذا تجب فيه الزكاة، اشتراه أو ورثه أو تصدق به عليه، نوى به التجارة أو القنية أو ما نوى. وقسم ثان الأغلب منه إنما يراد للاقتناء، لا لطلب الفضل والنماء، وهي العروض كلها: الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي لا تجب في رقابه الزكاة، فهذا يفرق فيه بين الشراء والفائدة، فما أفاده من ذلك بهبة أو ميراث أو بما أشبه ذلك من وجوه الفوائد فلا زكاة عليه فيه نوى به التجارة أو القنية حتى يبيعه ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وما اشترى من ذلك فهو على ما نوى فيه، إن أراد به القنية فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وإن أراد به التجارة أكان للتجارة وزكاه على سنة التجارة،. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به القنية هل يرجع إلى حكمها بالنية أم لا، فقال ابن القاسم يرجع إلى القنية ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وقبض ثمنه إن باعه ورواه عن مالك. وقال أشهب لا يرجع إلى القنية بالنية، وهو على ما اشتراه عليه

стр. 276

من نية التجارة. فإن باعه زكاه ساعة باعه وقبض ثمنه إن كان الحول قد حال على أصل الثمن ورواه عن مالك. ولم يختلفا أنه إذا اشتراه للقنية أو أفاده بميراث أو غيره ثم نوى به التجارة أنه لا ينتقل إليها بالنية. واختلفا أيضا إذا اشتراه للوجهين جميعا، فغلب ابن القاسم القنية على أصله فيما اشتراه للتجارة أنه يرجع إلى القنية بالنية لأنها الأصل، وغلب أشهب التجارة على أصله أن القنية والتجارة أصلان لا يرجع أحدهما إلى صاحبه بالنية، فلما اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطا، كالبينتين إذا أثبتت إحداهما الحكم ونفته الأخرى، وكقول مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق إنه متمتع. وقسم ثالث يراد للوجهين جميعا للاقتناء وطلب النماء، وهو حلي الذهب والفضة، فهذا لا يفرق فيه بين الفائدة والشراء، وهو في الوجهين معا على ما نوى، إن أراد به التجارة زكاه، وإن أراد به الاقتناء ليلبسه أهله وجواريه أو هي إن كانت امرأة فلا زكاة عليها فيه. واختلف فيما يتخذ منه للكراء هل يخرج بذلك عن حكم الاقتناء وتجب فيه الزكاة أم لا على قولين. فصل في افتراق حكم التجارة في الزكاة والتاجر ينقسم على قسمين: مدير، وغير مدير. فالمدير هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجى قبضها فيزكي ذلك مع ما عنده من الناض. وأما غير المدير وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده أحوالا. فصل في بيان ما يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ولا يضم في الزكاة صنف إلى صنف، ويضم الصنف كله بعضه إلى بعض وإن اختلفت أجناسه وأسماؤه وصفاته. فالإبل كلها صنف واحد وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها تجمع في الزكاة، وكذلك الضأن والمعز صنف واحد يجمعان في

стр. 277

الزكاة وإن اختلفت أسماؤهما وصفاتهما. وكذلك البقر والجواميس صنف واحد يجمعان في الزكاة وإن اختلفت أسماؤهما وصفاتهما. وكذلك القمح والشعير والسلت صنف واحد تجمع في الزكاة وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها وأجناسها، واختلف في العلس، فقيل هو صنف على حدة، وقيل يجمع مع القمح والشعير والسلت. والقطاني كلها صنف واحد تجمع في الزكاة وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها، كان رفعه لها وإصابته إياها في بلد واحد أو بلدان شتى متباينة، وحصاده لها في وقت واحد أو في أوقات شتى متباعدة إذا كان زريعته لآخر ما زرع منها قبل حصاده لأول ما زرع منها. وأما ما زرع من أنواع القطنية بعد حصاد غيرها ووجوب الزكاة فيها فلا يجمعها معها، كان زرعه لها في تلك الأرض التي حصد منها الأولى أو في غيرها، لأن ما زرع بعد حصاد الأولى في تلك الأرض أو في غيرها كأنه إنما زرعه في سنة أخرى، ولا يضم زرع عام إلى عام آخر. وبيان هذا الذي وصفناه أنه لو زرع ثلاثة أنواع من القطنية في ثلاثة أشهر في كل شهر صنفا، فزرع، في المحرم الصنف الواحد، ثم في ربيع الأول الصنف الثاني، ثم في جمادى الأولى الصنف الثالث، ثم حصدها كلها بعد جمادى الأولى فإنه يضم بعضها إلى بعض، فإن كمل له من جميعها النصاب وجبت فيها الصدقة وأخرج من كل صنف بحسابه. ولو زرع الثاني قبل حصاد الأول ثم زرع الثالث بعد حصاد الأول وقبل حصاد الثاني لجمع الثاني مع الأول ومع الثالث ولم يجمع الأول مع الثالث. فإن رفع من الأول ثلاثة أوسق ثم رفع من الثاني وسقين فأكثر زكى الجميع إن كانت الثلاثة الأوسق باقية عنده على مذهب ابن القاسم. وأما على مذهب أشهب في الفائدتين يحول حول الأولى منهما وهي عشرة دنانير فينفقها بعد الحول ثم يحول حول الفائدة الثانية وهي عشرة أنه يزكي العشرتين جميعا، فيزكي الوسقين عند حصادهما وإن كان قد أنفق الثلاثة الأوسق. ثم إن رفع من الثالث ثلاثة أوسق وقد كان رفع من الثاني وسقين فأخرج زكاتهما مع الأول فلا زكاة عليه في الثلاثة الأوسق على مذهب ابن القاسم، إذ لا يبلغ مع ما بقي من الوسقين بعد

стр. 278

إخراج الزكاة منهما ما تجب فيه الزكاة، ويزكي الثلاثة الأوسق على مذهب أشهب في الفائدتين. ولو زرع الصنف الثاني قبل حصاد الأول ثم زرع الصنف الثالث بعد حصاد الثاني وقبل حصاد الأول، إذ من القطاني ما يتعجل ومنها ما يتأخر، لجمع الأول مع الثاني ومع الثالث، ولم يجمع الثاني مع الثالث على هذا القياس. فإن رفع من الثاني ثلاثة أوسق انتظر حتى يحصد الأول، فإن حصد الأول فكان فيه وسقان فأكثر والثلاثة الأوسق باقية بيده لم ينفقها على مذهب ابن القاسم زكى الثلاثة الأوسق مع هذين الوسقين. ثم إن حصد الثالث فبلغ مع ما بقي بيده من الوسقين اللذين حصدهما من الأول بعد إخراج الزكاة منهما ما تجب فيه الزكاة زكى ما حصد من الثالث خاصة، ولم يزك ما كان بقي بيده من الوسقين لأنه قد زكاهما مع ما حصد من الثاني. وأما على مذهب أشهب فيزكي ما حصد من الثالث إن بلغ ثلاثة أوسق فأكثر، كان الوسقان بيده أو قد أنفقهما على ما تقدم. فصل وعلى قياس هذا يجري الأمر في زكاة المعادن، لا يضيف ما خرج من المعدن بعد انقطاع نيله إلى ما كان خرج منه قبل ذلك، كما لا يضيف ما أخرجت الأرض من الحب إلى ما كان خرج منها قبل ذلك. وكذلك لا يضيف ما خرج له من معدن إلى ما خرج له من معدن غيره إذا كان خروجه بعد انقطاع الأول، وإنما يضيفه إليه إذا خرج قبل انقطاع الأول، كما لا يضيف زرع أرض إلى زرع أرض أخرى إذا زرع إحداهما بعد حصاد زرع الأخرى، وإنما يضيفه إليه إذا زرعه قبل حصاد زرع الأرض الأخرى. فصل فإذا كانت للرجل معادن فعمل في أحدها فأنال له، ثم عمل في الثاني فأنال له قبل انقطاع الأول، ثم عمل في الثالث فأنال له قبل انقطاع الأول والثاني، أضاف بعضها إلى بعض وإن كثرت على هذا المثال والترتيب. ولو عمل في الأول فأنال له ثم عمل في الثاني فأنال له قبل انقطاع الأول فتمادى النيل فيهما جميعا،

стр. 279

ثم انقطع نيل الأول وبقي الثاني على حاله فعمل في المعدن الثالث فأنال له قبل انقطاع الثاني لأضاف ما خرج له من الثاني إلى ما خرج له من الأول وإلى ما خرج له من الثالث، ولم يضف ما خرج له من الأول إلى ما خرج له من الثالث. ولو عمل في الأول فأنال له فاتصل نيله ثم عمل في معدن ثان فأنال له مدة ثم انقطع نيله ثم عاد، أو لما انقطع نيله عمل في معدن ثالث فأنال له والأول على حاله متصل النيل، لأضاف ما خرج له من المعدن الأول الذي اتصل نيله إلى ما خرج له من المعدن الثاني قبل انقطاعه وبعدا انقطاعه، أو إلى ما خرج له من المعدن الثالث، ولا يضيف ما خرج له من المعدن الثاني قبل انقطاعه إلى ما خرج له منه بعد انقطاعه، ولا ما خرج له من الثاني إلى ما خرج له من المعدن الثالث بعد انقطاع الثاني. وهذا كله قول محمد بن مسلمة، وهو عندي تفسير لما في المدونة، لأن المعادن بمنزلة الأرض، فكما يضيف زرع أرض إلى أرض له أخرى إذا زرعها قبل حصاد الأخرى فكذلك يضيف نيل معدن إلى نيل معدن آخر إذا أنال له قبل انقطاع الأول، خلاف ما ذهب إليه سحنون من أن المعادن لا يضاف بعضها إلى بعض وإن اتصل نيلها ولم ينقطع وبالله التوفيق. فصل والذهب والفضة كلها صنف واحد تبرها ومسكوكها ومصوغها تجمع في الزكاة على ما كانت عليه الدراهم في الزمن الأول، كل دينار بعشرة دراهم، لا بالقيمة يوم إخراج الزكاة، إلا ما كان من الذهب والفضة حليا مصوغا يحبس للبس أو حلي به سيف أو مصحف أو خاتم فإنه لا زكاة فيه. فصل فالأموال التي تجمع في الزكاة إذا تقاربت منافعها فتجعل صنفا واحدا وإن اختلفت أسماؤها وأجناسها وأنواعها وجودتها ورداءتها تنقسم على ثلاثة أقسام: مكيل، وموزون، ومعدود. فأما المكيل فهو مثل القمح والشعير والسلت الذي هو صنف واحد، أو

стр. 280

القمح والشعير والسلت والعلس على القول بأن العلس مضاف إلى ذلك، ومثل القطاني التي هي في الزكاة صنف واحد على اختلافها، ومثل الحائط من النخل يكون فيه أنواع من التمر مختلف، فالحكم فيه أن يؤخذ من كل شيء منه قل أو كثر ما يجب فيه عشره أو نصف عشره، إلا أن تكثر أنواع الحائط من النخل فيؤخذ من وسطها ما يجب فيها كلها، إذ لا يلزمه أن يعطي من أرفعها ولا يجزئه أن يعطي من أوضعها، لقول الله : ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقد قيل إنه يؤخذ من وسطها وإن كان الحائط جيدا كله أو رديئا كله قياسا على المواشي، ! وهو ظاهر قول مالك في الموطأ، إلا أنه بعيد وشاذ. فصل فإن أراد أن يخرج من صنف عن صنف آخر ما وجب عليه منه بالكيل جاز من الأرفع ولم يجز من الأدنى. وإن أراد أن يخرجه بالقيمة لم يجز فيما لا يجوز فيه التفاضل وجاز فيما يجوز فيه التفاضل، وهو القطاني على القول بأنها في البيع أصناف مختلفة، وعلى القول أيضا بأن من وجب عليه حب فأخرج عينا أو عرضا فإنه يجزئه. وأما الموزون فهو العين من الذهب والورق الجيد والرديء، فالحكم فيه أيضا أن يخرج من الذهب ربع عشره ومن الورق ربع عشره، ومن الجيد ربع عشره ومن الرديء ربع عشره. ويجوز أن يخرج عن الذهب ورقا قيل بالقيمة بالغة ما بلغت، وهو مذهبه في المدونة، وقيل ما لم ينقص عن صرف عشرة دراهم، وهو قول ابن حبيب. وقيل إنه يخرج من صرف عشرة دراهم بدينار. وكذلك يجوز له أن يخرج عن الورق ذهبا، وقيل إنه لا يجوز إلا أن يكون في ذلك وجه نظر، مثل المديان يكون عليه دينار وما أشبه ذلك. وأما المعدود وهو الغنم الضأن والمعز، والإبل البخت والعراب، والبقر والجواميس وغير الجواميس، فلا يصح إذا جمع شيء من ذلك في الزكاة أن يأخذ

стр. 281

من كل جنس ما يجب فيه، إذ لا تتبعض الأسنان الواجبة فيها، فقد يؤخذ من ذلك ما يجب في الجنسين جميعا من الصنف الواحد، وقد يؤخذ منهما جميعا باتفاق وعلى اختلاف. وبيان ما يتفق فيه من ذلك مما يختلف فيه يفتقر إلى بسط وتفسير وتقسيم. أما إذا وجب في الصنفين من الضأن والمعز شاة واحدة فإنها تؤخذ من أكثرهما، فإن استويا في العدد كان الساعي مخيرا يأخذ من أي الصنفين لثمار، ولا اختلاف في هذا الوجه. وأما إذا وجب في الصنفين شاتان أو شياه فإن ذلك ينقسم على وجهين كل وجه منهما ينقسم على وجهين فالوجه الأول أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في أحد الصنفين، والصنف الثاني وقص لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة، أو يبلغ ما تجب فيه الزكاة. والوجه الثاني أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا للآخر ويبلغ كل صنف منهما ما تجب فيه الزكاة أو يبلغ ذلك أحدهما ولا يبلغه الآخر. فأما الوجه الأول وهو إذا كانت الشاتان أو الشياه تجب في أحد الصنفين والصنف الثاني وقص لا تجب فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وإحدى وعشرين والمعز ثلاثين فهذا لا يؤخذ فيه من المعز شيء باتفاق، وإنما يؤخذ الجميع من الضأن شاتان، وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة والمعز ثلاثين لأخذ الجميع من الضأن ثلاث شياه. فإن كان الصنف الثاني وقصا يجب في عدده الزكاة مثل أن يكون الضأن مائة وإحدى وعشرين والمعز أربعين فاختلف في ذلك، فقيل تؤخذ الشاتان من الضأن ولا يؤخذ من المعز شيء لأنها وقص، وهذا على قياس قول ابن القاسم في المدونة إن في ثلثمائة ضائنة وتسعين معزة ثلاث شياه من الضأن ولا شيء في المعز. وعلى هذا التعليل لا يعتبر ما بقي من الضأن بعد ما تجب فيه الشاة الواحدة هل هو أقل من المعز أو أكثر. وقيل يعتبر ذلك فتؤخذ الشاة الواحدة من الضأن والأخرى من المعز، لأن في مائة وعشرين من الضأن شاة فيبقى منها شاة، والمعز أربعون فتؤخذ الثانية من المعز لأنها أكثر. وفي المدونة ما ظاهره هذا القول، وهو قوله فيها فانظر فإذا كان للرجل ضأن ومعز فإن كان في كل واحدة إذا فرقت ما تجب فيه الزكاة أخذ من كل واحدة، لأنه عم ولم يذكر وقصا من غيره. ويحتمل أن يكون معناه إذا لم يكن الأقل وقصا للأكثر فلا يكون ذلك اضطرابا من

стр. 282

قوله. وهذا على مذهب من يعلل بأن الأوقاص مزكاة. وأما على مذهب من يقول إن الأوقاص غير مزكاة فيقول في هذه المسألة إن الشاتين تؤخذان من الضأن وإن لم تكن عليه في ذلك أن المعز وقص، لأن الشاة من الضأن إنما أخذت عن أربعين منها، والأحد والثمانون الباقية منها لم يؤخذ عنها شيء، وهي أكثر من المعز، فتؤخذ الثانية منها أيضا على هذا التعليل. وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة أو ثلثمائة شاة والمعز أربعين الاختلاف في ذلك واحد فاعلمه. وهذا أصل فقس عليه ما شاكل هذين الوجهين من المسائل. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا مع صاحبه ويبلغ كل صنف منهما ما تجب فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين، فاضطرب قول ابن القاسم فيه في المدونة، فقال في هذه المسألة إن في الضأن شاة وفي المعز أخرى، وقال فيمن له ثلثمائة وستون من الضأن وأربعون من المعز إن الأربع شياه تؤخذ من الضأن هو خلاف جوابه في المسألة الأولى. واختلاف قوله في ذلك جار على الاختلاف في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا، فجعل الأوقاص على جوابه في المسألة الأولى مزكاة فقال إن الشاة من الضأن أخذت عن جملة المائة والعشرين فوجب أن تؤخذ الثانية من المعز. وجعلها في المسألة الثانية غير مزكاة فقال: إن الثلاث شياه إنما أخذت عن الثلاثمائة من الضأن فيبقى منها ستون وهي أكثر من المعز فأخذت الرابعة منها. وكان يلزمه على هذا الجواب أن يقول في المسألة الأولى إن الشاة إنما أخذت عن أربعين من الضأن وبقي منها ثمانون لم يؤخذ عنها شيء وهي أكثر من المعز فتؤخذ الثانية منها إذ هي أكثر، وهو مذهب سحنون في هذه المسألة أن الشاتين تؤخذان من الضأن على هذا التعليل. وهذا أصل فقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب. ويحتمل أن يكون ذهب إلى أن ما زاد على الأربعين إلى العشرين ومائة ليس بوقص غير مزكى بل هو مزكى بالشاة بدليل قول

стр. 283

النبي ﷺ : «إن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة»، وإلى أن الوقص الذي ليس بمزكى إنما هو ما زاد على الثلثمائة إلى أن يبلغ مائة بدليل قول النبي ﷺ : «فما زاد ففي كل مائة شاة».، لأنه نص على الشاة في المائة وسكت عما نقص عنها، فلا يكون على هذا قوله في هاتين المسألتين اضطرابا من قوله، ويكون أصله الذي بنى عليه مسائله ولم يضطرب فيه قوله أنه إذا كان أحد الصنفين أقل من نصاب أو وقصا فيما زاد على المئين في الثلثمائة فما فوقها فلا يؤخذ منه شيء، وإذا لم يكن أحدهما أقل من نصاب ولا وقصا مع صاحبه أخذ منهما جميعا في المائتين فما دونهما من كل أربعين من الضأن شاة ومن كل أربعين من المعز معزة، وفيما فوق المائتين من كل مائة من الضأن شاة ومن كل مائة من المعز معزة، وما فضل من الصنفين جميعا فلم تجب فيه إلا شاة واحدة أخذت من أكثرهما. وأما إن كان أحد الصنفين في هذا الوجه لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة مثل أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز ثلاثين، فاختلف فيه أيضا. قال ابن القاسم في المدونة: يأخذ الشاتين من الضأن، وهو الذي يأتي على قول سحنون في مائة وعشرين من الضأن وأربعين من المعز إن الشاتين تؤخذان من الضأن، وجعل سحنون تفرقة ابن القاسم بين أن تكون المعز ثلاثين أو أربعين اضطرابا من قوله، فقال مسألة الجواميس تدل على أحسن من هذا، يريد أن الواجب على أصل ابن القاسم في مسألة الجواميس أن يأخذ المعزة من الثلاثين من المعز وإن كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها، كما يأخذ التبيع في مسألة الجواميس من العشرين من البقر وإن كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها. وليس قوله بصحيح، لأن المعنى في هذه المسألة الذي من أجله وقع الخلاف فيها أن الشاة تؤخذ عن الأربعين وتؤخذ أيضا عن جميع المائة والعشرين، فوقع الخلاف فيها لذلك. وأما مسألة الجواميس فصحيحة لا يدخل الاختلاف فيها، لأن التبيع من الجواميس إنما أخذ عن ثلاثين منها وبقيت عشرة منها غير مزكاة باتفاق، فوجب أن يؤخذ التبيع الثاني من البقر الأخرى التي هي أكثر. وقد روي عن سحنون في

стр. 284

مسألة الجواميس المذكورة، وهي أربعون من الجواميس وعشرون من البقر، أنه يأخذ التبيعين من الجواميس، وهو بعيد وما له وجه حاشا أنه قسم الجواميس والبقر قسمين، فكان كل قسم عشرين جاموسا وعشرة من البقر فأخذ التبيع من الأكثر. ويلزم على هذا في اثنين وستين ضائنة وستين معزة أن تؤخذ الشاتان من الضأن. فما أبعد هذا في الاعتبار وعلى هذه الوجوه التي شرحت لك في الضأن والمعز فقس الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب فإنها منهاج لها ودليل عليها، وبالله التوفيق. فصل وإذا زادت الغنم على ثلثمائة فالوقص عند ابن القاسم ما زاد على الثلاثمائة إلى أن تبلغ أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة فالوقص فيها ما زاد عليها إلى أن تبلغ خمسمائة، فإذا بلغت خمسمائة فالوقص فيها ما زاد عليها إلى أن تبلغ ستمائة، وكذلك ما زاد على هذا الحساب، لما جاء في الحديث من قوله ﷺ : «فما زاد ففي كل مائة شاة». ألا ترى إنه يقول في ثلاثمائة ضائنة وخمسين ضائنة، وخمسين معزة إنه يأخذ منها ثلاث ضائنات ويكون مخيرا في الرابعة إن شاء أخذها من الضأن وإن شاء أخذها من المعز، فبنى جوابه على أن الوقص غير مزكى وجعله من الضأن ما زاد على الثلثمائة فاعتدلت الضأن والمعز فخير الساعي. ولو جعل الوقص في الغنم ما زاد على مائتي شاة وشاة على الأصل لأخذ الأربعة من الضأن. ولو بنى جوابه على أن الأوقاص مزكاة لقال إنه يأخذ الرابعة من المعز دون أن يخير في ذلك الساعي. وقد كان القياس في هذه المسائل كلها أن يعرف ما يجب في مجموع الصنفين من عدد الرؤوس وما يقع من ذلك لكل صنف على عددها قل أو كثر فيؤخذ الرأس المنكسر من الصنف الذي وقع له أكثره، فإن استويا فيه أخذه من أيهما شاء. مثال ذلك أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين فالواجب في ذلك شاتان يقع من ذلك للضأن شاة ونصف وللمعز نصف شاة فيأخذ الواحدة من الضأن ويكون مخيرا في الأخرى يأخذها من أي الصنفين شاء. ولو كانت المعز أكثر فوقع

стр. 285

لها من الشاتين أكثر من نصف شاة أخذت الشاة الواحدة منها. ولو كانت المعز أقل فوقع لها من الشاتين أقل من نصف شاة أخذت الشاتان من الضأن ولم يؤخذ من المعز شيء، والله أعلم وبالله التوفيق. فصل في زكاة الحلي أجمع أهل العلم على أن العين من الذهب والورق في عينه الزكاة تبرا كان أو مسكوكا أو مصوغا صياغة لا يجوز اتخاذها، نوى به مالكه التجارة أو القنية. واختلف إذا صيغ صياغة يجوز اتخاذها. فالذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه في الاشتراء والفائدة على ما نوى به مالكه، فإن نوى به التجارة زكاه، وإن نوى به الاقتناء للانتفاع بعينه فيما ينتفع فيه بمثله سقطت عنه الزكاة. وتخصص من أصله بالقياس على العروض المقتناة التي نص رسول الله ﷺ عن سقوط الزكاة فيها بقوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» واعتبر في صحة العلة الجامعة بينهما بقول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فإن نوى به القنية عدة للزمان أولم تكن له نية في اقتنائه رجع على الأصل ووجبت فيه الزكاة. وإن اتخذه للكراء وهو ممن يصلح له الانتفاع به في وجه مباح ففي ذلك روايتان: إحداهما وجوب الزكاة. والثانية سقوطها، وقد روي عنه استحباب الزكاة، وذلك راجع إلى إسقاط الوجوب. فصل فإن كان الحلي مربوطا بالحجارة كاللؤلؤ والزبرجد ربط صياغة فاختلفت الرواية عن مالك في ذلك أيضا، فروى عنه أشهب أن حكمه حكم العروض في جميع أحواله، كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة أو غير تبع، يقومه التاجر المدير إذا حال حوله، ولا يزكيه التاجر غير المدير حتى يبيعه وإن مرت عليه
следующие страницы →