← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من كل جنس ما يجب فيه، إذ لا تتبعض الأسنان الواجبة فيها، فقد يؤخذ من ذلك ما يجب في الجنسين جميعا من الصنف الواحد، وقد يؤخذ منهما جميعا باتفاق وعلى اختلاف. وبيان ما يتفق فيه من ذلك مما يختلف فيه يفتقر إلى بسط وتفسير وتقسيم. أما إذا وجب في الصنفين من الضأن والمعز شاة واحدة فإنها تؤخذ من أكثرهما، فإن استويا في العدد كان الساعي مخيرا يأخذ من أي الصنفين لثمار، ولا اختلاف في هذا الوجه. وأما إذا وجب في الصنفين شاتان أو شياه فإن ذلك ينقسم على وجهين كل وجه منهما ينقسم على وجهين فالوجه الأول أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في أحد الصنفين، والصنف الثاني وقص لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة، أو يبلغ ما تجب فيه الزكاة. والوجه الثاني أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا للآخر ويبلغ كل صنف منهما ما تجب فيه الزكاة أو يبلغ ذلك أحدهما ولا يبلغه الآخر. فأما الوجه الأول وهو إذا كانت الشاتان أو الشياه تجب في أحد الصنفين والصنف الثاني وقص لا تجب فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وإحدى وعشرين والمعز ثلاثين فهذا لا يؤخذ فيه من المعز شيء باتفاق، وإنما يؤخذ الجميع من الضأن شاتان، وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة والمعز ثلاثين لأخذ الجميع من الضأن ثلاث شياه. فإن كان الصنف الثاني وقصا يجب في عدده الزكاة مثل أن يكون الضأن مائة وإحدى وعشرين والمعز أربعين فاختلف في ذلك، فقيل تؤخذ الشاتان من الضأن ولا يؤخذ من المعز شيء لأنها وقص، وهذا على قياس قول ابن القاسم في المدونة إن في ثلثمائة ضائنة وتسعين معزة ثلاث شياه من الضأن ولا شيء في المعز. وعلى هذا التعليل لا يعتبر ما بقي من الضأن بعد ما تجب فيه الشاة الواحدة هل هو أقل من المعز أو أكثر. وقيل يعتبر ذلك فتؤخذ الشاة الواحدة من الضأن والأخرى من المعز، لأن في مائة وعشرين من الضأن شاة فيبقى منها شاة، والمعز أربعون فتؤخذ الثانية من المعز لأنها أكثر. وفي المدونة ما ظاهره هذا القول، وهو قوله فيها فانظر فإذا كان للرجل ضأن ومعز فإن كان في كل واحدة إذا فرقت ما تجب فيه الزكاة أخذ من كل واحدة، لأنه عم ولم يذكر وقصا من غيره. ويحتمل أن يكون معناه إذا لم يكن الأقل وقصا للأكثر فلا يكون ذلك اضطرابا من

стр. 282

قوله. وهذا على مذهب من يعلل بأن الأوقاص مزكاة. وأما على مذهب من يقول إن الأوقاص غير مزكاة فيقول في هذه المسألة إن الشاتين تؤخذان من الضأن وإن لم تكن عليه في ذلك أن المعز وقص، لأن الشاة من الضأن إنما أخذت عن أربعين منها، والأحد والثمانون الباقية منها لم يؤخذ عنها شيء، وهي أكثر من المعز، فتؤخذ الثانية منها أيضا على هذا التعليل. وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة أو ثلثمائة شاة والمعز أربعين الاختلاف في ذلك واحد فاعلمه. وهذا أصل فقس عليه ما شاكل هذين الوجهين من المسائل. فصل وأما الوجه الثاني وهو أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا مع صاحبه ويبلغ كل صنف منهما ما تجب فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين، فاضطرب قول ابن القاسم فيه في المدونة، فقال في هذه المسألة إن في الضأن شاة وفي المعز أخرى، وقال فيمن له ثلثمائة وستون من الضأن وأربعون من المعز إن الأربع شياه تؤخذ من الضأن هو خلاف جوابه في المسألة الأولى. واختلاف قوله في ذلك جار على الاختلاف في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا، فجعل الأوقاص على جوابه في المسألة الأولى مزكاة فقال إن الشاة من الضأن أخذت عن جملة المائة والعشرين فوجب أن تؤخذ الثانية من المعز. وجعلها في المسألة الثانية غير مزكاة فقال: إن الثلاث شياه إنما أخذت عن الثلاثمائة من الضأن فيبقى منها ستون وهي أكثر من المعز فأخذت الرابعة منها. وكان يلزمه على هذا الجواب أن يقول في المسألة الأولى إن الشاة إنما أخذت عن أربعين من الضأن وبقي منها ثمانون لم يؤخذ عنها شيء وهي أكثر من المعز فتؤخذ الثانية منها إذ هي أكثر، وهو مذهب سحنون في هذه المسألة أن الشاتين تؤخذان من الضأن على هذا التعليل. وهذا أصل فقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب. ويحتمل أن يكون ذهب إلى أن ما زاد على الأربعين إلى العشرين ومائة ليس بوقص غير مزكى بل هو مزكى بالشاة بدليل قول

стр. 283

النبي ﷺ : «إن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة»، وإلى أن الوقص الذي ليس بمزكى إنما هو ما زاد على الثلثمائة إلى أن يبلغ مائة بدليل قول النبي ﷺ : «فما زاد ففي كل مائة شاة».، لأنه نص على الشاة في المائة وسكت عما نقص عنها، فلا يكون على هذا قوله في هاتين المسألتين اضطرابا من قوله، ويكون أصله الذي بنى عليه مسائله ولم يضطرب فيه قوله أنه إذا كان أحد الصنفين أقل من نصاب أو وقصا فيما زاد على المئين في الثلثمائة فما فوقها فلا يؤخذ منه شيء، وإذا لم يكن أحدهما أقل من نصاب ولا وقصا مع صاحبه أخذ منهما جميعا في المائتين فما دونهما من كل أربعين من الضأن شاة ومن كل أربعين من المعز معزة، وفيما فوق المائتين من كل مائة من الضأن شاة ومن كل مائة من المعز معزة، وما فضل من الصنفين جميعا فلم تجب فيه إلا شاة واحدة أخذت من أكثرهما. وأما إن كان أحد الصنفين في هذا الوجه لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة مثل أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز ثلاثين، فاختلف فيه أيضا. قال ابن القاسم في المدونة: يأخذ الشاتين من الضأن، وهو الذي يأتي على قول سحنون في مائة وعشرين من الضأن وأربعين من المعز إن الشاتين تؤخذان من الضأن، وجعل سحنون تفرقة ابن القاسم بين أن تكون المعز ثلاثين أو أربعين اضطرابا من قوله، فقال مسألة الجواميس تدل على أحسن من هذا، يريد أن الواجب على أصل ابن القاسم في مسألة الجواميس أن يأخذ المعزة من الثلاثين من المعز وإن كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها، كما يأخذ التبيع في مسألة الجواميس من العشرين من البقر وإن كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها. وليس قوله بصحيح، لأن المعنى في هذه المسألة الذي من أجله وقع الخلاف فيها أن الشاة تؤخذ عن الأربعين وتؤخذ أيضا عن جميع المائة والعشرين، فوقع الخلاف فيها لذلك. وأما مسألة الجواميس فصحيحة لا يدخل الاختلاف فيها، لأن التبيع من الجواميس إنما أخذ عن ثلاثين منها وبقيت عشرة منها غير مزكاة باتفاق، فوجب أن يؤخذ التبيع الثاني من البقر الأخرى التي هي أكثر. وقد روي عن سحنون في

стр. 284

مسألة الجواميس المذكورة، وهي أربعون من الجواميس وعشرون من البقر، أنه يأخذ التبيعين من الجواميس، وهو بعيد وما له وجه حاشا أنه قسم الجواميس والبقر قسمين، فكان كل قسم عشرين جاموسا وعشرة من البقر فأخذ التبيع من الأكثر. ويلزم على هذا في اثنين وستين ضائنة وستين معزة أن تؤخذ الشاتان من الضأن. فما أبعد هذا في الاعتبار وعلى هذه الوجوه التي شرحت لك في الضأن والمعز فقس الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب فإنها منهاج لها ودليل عليها، وبالله التوفيق. فصل وإذا زادت الغنم على ثلثمائة فالوقص عند ابن القاسم ما زاد على الثلاثمائة إلى أن تبلغ أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة فالوقص فيها ما زاد عليها إلى أن تبلغ خمسمائة، فإذا بلغت خمسمائة فالوقص فيها ما زاد عليها إلى أن تبلغ ستمائة، وكذلك ما زاد على هذا الحساب، لما جاء في الحديث من قوله ﷺ : «فما زاد ففي كل مائة شاة». ألا ترى إنه يقول في ثلاثمائة ضائنة وخمسين ضائنة، وخمسين معزة إنه يأخذ منها ثلاث ضائنات ويكون مخيرا في الرابعة إن شاء أخذها من الضأن وإن شاء أخذها من المعز، فبنى جوابه على أن الوقص غير مزكى وجعله من الضأن ما زاد على الثلثمائة فاعتدلت الضأن والمعز فخير الساعي. ولو جعل الوقص في الغنم ما زاد على مائتي شاة وشاة على الأصل لأخذ الأربعة من الضأن. ولو بنى جوابه على أن الأوقاص مزكاة لقال إنه يأخذ الرابعة من المعز دون أن يخير في ذلك الساعي. وقد كان القياس في هذه المسائل كلها أن يعرف ما يجب في مجموع الصنفين من عدد الرؤوس وما يقع من ذلك لكل صنف على عددها قل أو كثر فيؤخذ الرأس المنكسر من الصنف الذي وقع له أكثره، فإن استويا فيه أخذه من أيهما شاء. مثال ذلك أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين فالواجب في ذلك شاتان يقع من ذلك للضأن شاة ونصف وللمعز نصف شاة فيأخذ الواحدة من الضأن ويكون مخيرا في الأخرى يأخذها من أي الصنفين شاء. ولو كانت المعز أكثر فوقع

стр. 285

لها من الشاتين أكثر من نصف شاة أخذت الشاة الواحدة منها. ولو كانت المعز أقل فوقع لها من الشاتين أقل من نصف شاة أخذت الشاتان من الضأن ولم يؤخذ من المعز شيء، والله أعلم وبالله التوفيق. فصل في زكاة الحلي أجمع أهل العلم على أن العين من الذهب والورق في عينه الزكاة تبرا كان أو مسكوكا أو مصوغا صياغة لا يجوز اتخاذها، نوى به مالكه التجارة أو القنية. واختلف إذا صيغ صياغة يجوز اتخاذها. فالذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه في الاشتراء والفائدة على ما نوى به مالكه، فإن نوى به التجارة زكاه، وإن نوى به الاقتناء للانتفاع بعينه فيما ينتفع فيه بمثله سقطت عنه الزكاة. وتخصص من أصله بالقياس على العروض المقتناة التي نص رسول الله ﷺ عن سقوط الزكاة فيها بقوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» واعتبر في صحة العلة الجامعة بينهما بقول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فإن نوى به القنية عدة للزمان أولم تكن له نية في اقتنائه رجع على الأصل ووجبت فيه الزكاة. وإن اتخذه للكراء وهو ممن يصلح له الانتفاع به في وجه مباح ففي ذلك روايتان: إحداهما وجوب الزكاة. والثانية سقوطها، وقد روي عنه استحباب الزكاة، وذلك راجع إلى إسقاط الوجوب. فصل فإن كان الحلي مربوطا بالحجارة كاللؤلؤ والزبرجد ربط صياغة فاختلفت الرواية عن مالك في ذلك أيضا، فروى عنه أشهب أن حكمه حكم العروض في جميع أحواله، كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة أو غير تبع، يقومه التاجر المدير إذا حال حوله، ولا يزكيه التاجر غير المدير حتى يبيعه وإن مرت عليه

стр. 286

أحوال. وإن أفاده لم تجب عليه فيه زكاة حتى يبيعه ويحول على الثمن الحول من يوم باعه وقبض ثمنه إن كان ما تجب فيه الزكاة، أو كان له مال سواه إذا أضافه إليه وجبت فيه الزكاة. وروى ابن القاسم عنه أن ربطه بالحجارة لا تأثير له في حكم الزكاة إلا في وجه واحد اختلف فيه قوله، وهو إذا كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة، فإن ورثه وحال عليه الحول زكى ما فيه من الذهب والورق تحريا ولم يكن عليه زكاة فيما فيه من الحجارة حتى يبيعه ويحول الحول على ثمنه من يوم قبضه. ووجه العمل في ذلك إذا باعه جملة أن يفض الثمن على قيمة ما فيه من الذهب أو الورق مصوغا وعلى قيمة الحجارة فيزكى ما ناب الحجارة من ذلك إذا حال عليه الحول. وإن اشتراه للتجارة وهو مدير قوم ما فيه من الحجارة وزكى وزن ما فيه من الذهب والورق تحريا ولم يجب عليه تقويم الصياغة. هذا ظاهر المدونة. وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه يجب عليه تقويم الصياغة. وإن اشتراه للتجارة وهو غير مدير زكى إذا حال عليه الحول وزن ما فيه من الذهب أو الورق تحريا، ولم يجب عليه زكاة ما فيه من الحجارة حتى يبيع، فإذا باع زكى ثمن ذلك زكاة واحدة وإن كان بعد أعوام. ووجه العمل في ذلك إذا باع جملة على ظاهر ما في المدونة أن يفض الثمن على قيمة الذهب أو الورق مصوغا وعلى قيمة الحجارة فيزكي ما ناب الحجارة من ذلك. وعلى ما ذهب إليه أبو إسحاق التونسي لا يحتاج إلى الفض وإنما يسقط من الثمن عدد ما زكاه تحريا ويزكي الباقي. والذي ذكرناه هو المشهور المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك. ووقع في المدونة بين رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب لفظ فيه إشكال والتباس واختلاف في الرواية، اختلف الشيوخ في تأويله وتخريجه اختلافا كثيرا. ونص الرواية: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع أيضا إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باع أو للتجارة، وروى أشهب فيمن اشترى حليا للتجارة معهم وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه حتى يبينه. وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام. زاد في بعض الروايات زكاه بعد قوله كلما احتاج إليه باع أو لتجارة وأسقط معهم. فأما على هذه الرواية بثبوت لفظة زكاه وإسقاط لفظة معهم فتستقيم

стр. 287

المسألة ويرتفع الالتباس، لأن رواية أشهب تكون حينئذ منفردة منقطعة عما قبلها جارية على مذهبه المعلوم وروايته عنه، ويكون معنى رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع أنه حلي ذهب وفضة لا حجارة معها. وأما على الرواية الأخرى إذا سقطت لفظة زكاه وثبتت لفظة معهم فمن الشيوخ من قال إنها رواية خطأ لا يستقيم الكلام بها، لأن اللفظ يدل إذا اعتبرته على خلاف الأصول من وجوب الزكاة في العروض المقتناة ساعة المبيع لقوله فلا زكاة عليه حتى يبيع، وهو قد جمع الشراء والميراث في حلى مربوط بالحجارة، والحجارة عروض، لا اختلاف أن الزكاة لا تجب فيها إذا كانت موروثة إلا بعد أن يحول الحول على ثمنها بعد قبضه. ومنهم من قال معنى ذلك أنه إذا باع وكان ذلك الحلي المربوط بالحجارة من ميراث إنه يزكي ما ينوب الذهب ويستقبل بما ينوب الحجارة سنة من يوم قبضه. وإن كان من شراء زكى الجميع إذا باع مديرا كان أو غير مدير. وهذا تأويل ابن لبابة، فيكون على هذا التأويل في الكتاب في الحلي المربوط بالحجارة ثلاثة أقوال. ومنهم من قال معنى الرواية أن المدير يقوم مثل رواية أشهب، فيكون على هذا لمالك في الكتاب قولان. ومنهم من قال معنى ذلك أن المدير يقوم وأن ما تكلم عليه ابن القاسم قبل في المدير وغير المدير معناه في الحلي الذي ليس بمربوط، وأن الذي تدل عليه رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في الحلي المربوط مثل ما ذهب إليه مالك في رواية أشهب عنه، فلم يجعل في الحلي المربوط اختلافا. وفي جميع التأويلات بعد، وهذا أبعدها. والصحيح في تأويل الرواية المذكورة إذا سقط منها زكاه وثبت فيها معهم أن جواب مالك في رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع عنه في قوله: وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام، وأن جوابه في رواية أشهب عنه في قوله فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، وأنه انفرد دونهم في الرواية عنه في الحلي المربوط، وانفردوا دونه في الرواية عنه في الحلي الذي ليس بمربوط. وإنما وقع الإشكال في الرواية إذ جمعهم الراوي في

стр. 288

الرواية أولا ثم فصل ما انفرد به كل واحد منهم دون صاحبه، وقصر في العبارة بتقديم بعض الكلام على بعض. والصواب في سوق الكلام دون تقصير في العبارة إن شاء الله أن يقول: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باعه أو لتجارة، قال في رواية أشهب عنه فيما اشتراه للتجارة وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه. قال في رواية ابن القاسم وعلي وابن نافع: وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين زكاته في كل عام اشتراه أو ورثه. فعلى هذا التأويل إنما تكلم مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في رواية ابن القاسم وعلي وابن نافع في الحلي الذي ليس بمربوط، وهي زيادة بيان فيما رواه عنه منفردا في الحلي المربوط، ولم يجتمع ابن القاسم وأشهب في الرواية عن مالك في الحلي المربوط في لفظ ولا معنى. وهذا التأويل هو الذي اخترناه وعولنا عليه لصحته وجريانه على المعلوم المتقرر من روايتهما جميعا المختلفة عن مالك في الحلي المربوط، وإليه ذهب سحنون فيما جلبه من الروايتين والله أعلم. ويحتمل أن يكون تأويل الرواية المذكورة بسقوط زكاه وثبوت معهم أن جواب مالك في رواية أشهب معهم في قوله وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام، وإن جوابه في رواية أشهب دونهم في الشراء خاصة في قوله فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، وأن مجامعهم في الرواية في الحلي الذي ليس بمربوط، وانفرد دونهم في الرواية في الحلي المربوط في الشراء خاصة. ويكون الصواب في سوق الكلام على هذا التأويل دون تقصير في العبارة أن يقول: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باع أو لتجارة، قال في رواية أشهب عنه دونهم إذا اشتراه للتجارة وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه. وقال في روايتهم كلهم وأشهب معهم: وإن كان ليس بمربوط بالحجارة فهو

стр. 289

بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام اشتراه أو ورثه فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باع أو للتجارة. وهذا التأويل أيضا صحيح بين، وفيه زيادة بيان على التأويل الذي اخترناه، وهو أن الحلي الذي ليس بمربوط لا اختلاف فيه بين الرواة عن مالك، وبالله التوفيق.

стр. 290

القول في المعادن القول في المعادن يرجع إلى ثلاثة فصول: أحدها معرفة حكم أصولها وهل هي تبع للأرض التي هي فيها أم لا، والثاني معرفة وجه حكم المعاملة في العمل فيها، والثالث معرفة ما يجب فيما يخرج منها من الذهب والفضة. فصل فأما أصولها فاختلف فيها على قولين: أحدهما: أنها ليست بتبع للأرض التي هي فيها، مملوكة كانت أو غير مملوكة، وأن الأمر فيها إلى الإمام يليها ويقطعها لمن يعمل فيها بوجه الاجتهاد حياة المقطع أو مدة ما من الزمان من غير أن يملكه أصلها، ويأخذ منها الزكاة على كل حال على «ما جاء عن النبي ﵊ من أنه أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن من معادن القبلية» فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة، إلا أن تكون في أرض قوم صالحوا عليها فيكونون أحق بها يعاملون فيها كيف شاءوا المسلمين على ما يجوز لهم إن شاءوا. فإن أسلموا رجع أمرها إلى الإمام. هذا مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة ورواية يحيى عن ابن القاسم في العتبية. والثاني أنها تبع للأرض التي هي فيها، فإن كانت في أرض حرة أو في أرض العنوة أو في الفيافي التي هي غير ممتلكة كان أمرها إلى الإمام يقطعها لمن يعمل

стр. 291

فيها أو يعامل الناس على العمل فيها لجماعة المسلمين على ما يجوز له، ويأخذ منها الزكاة على كل حال. وإن كانت في أرض متملكة فهي ملك لصاحب الأرض يعمل فيها ما يعمل ذو الملك في ملكه. وإن كانت في أرض الصلح كان أهل الصلح أحق بها إلا أن يسلموا فتكون لهم. هذا مذهب سحنون ومثله لمالك في كتاب ابن المواز. وجه القول الأول أن الذهب والفضة اللذين في المعادن التي هي في جوف الأرض أقدم من ملك المالكين لها، فلم يجعل ذلك ملكا لهم بملك الأرض، إذ هو ظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] إذ لم يقل الأرض لله يورثها وما فيها من يشاء من عباده فوجب بنحو هذا الظاهر أن يكون ما في جوف الأرض من ذهب أو ورق في المعادن فيئا لجميع المسلمين بمنزلة ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. ووجه القول الثاني أنه لما كان الذهب والفضة نابتين في الأرض كانا لصاحب الأرض بمنزلة ما نبت فيها من الحشيش والشجر. والقول الأول أظهر، لأن الحشيش والشجر نابتان في الأرض بعد الملك بخلاف الذهب والورق في المعادن. وأما وجه حكم المعاملة في العمل فيها فهو أن يكون على سبيل الإجارة الصحيحة. وقد اختلف هل تجوز المعاملة فيها على الجزء منها أم لا على قولين: أحدهما أن ذلك لا يجوز لأنه غرر، وهو قول أصبغ في العتبية واختيار محمد بن المواز وقول أكثر أصحاب مالك. والثاني أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية، واختيار الفضل بن سلمة، قال لأن المعادن لما لم يجز بيعها جازت المعاملة فيها على الجزء منها قياسا على المساقاة والقراض. فصل وأما ما يجب فيما يخرج منها فاختلف فيه اختلافا كثيرا. والذي ذهب إليه

стр. 292

مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه أن فيها الزكاة قياسا على الزرع الذي يخرج من الأرض، لأن الذهب والفضة يخرجان منها كما يخرج الزرع منها، ويعتمل كما يعتمل الزرع، فيعتبر فيه النصاب، ولا يعتبر فيه الحول كما لا يعتبر في الزرع، لقول الله : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلا أن توجد فيه ندرة خالصة فيكون فيها الخمس على مذهبه في المدونة، وفي ذلك اختلاف. فصل فإذا نض لصاحب المعدن من نيل المعدن وزن عشرين دينارا أو مائتي درهم كيلا وجبت عليه في ذلك الزكاة، ثم ما زاد بحسابه ما اتصل النيل ولم ينقطع العرق، وسواء بقي ما نض في يده إلى أن كمل النصاب أو أنفقه قبل ذلك على حكم الرجل يكون له الدين قد حل عليه الحول فقبضه شيئا بعد شيء. وإن تلف ذلك من يده بغير سببه فعلى الاختلاف فيما تلف مما قبض من الدين: قال ابن المواز لا يضمنه، وقال ابن القاسم يضمنه. وهذا الاختلاف إنما يصح عندي إذا تلف في الحد الذي لو تلف فيه المال بعد الحول لم يضمن وأما إن انقطع النيل بتمام العرق ثم وجد عرقا آخر في المعدن نفسه فإنه يستأنف فيه مراعاة النصاب. وفي هذا الوجه تفصيل، إذ لا يخلو ما نض إليه من النيل الأول أن يتلف من يده قبل أن يبدأ النيل الثاني أو أن يتلف من يده بعد أن بدأ النيل الثاني، أو أن يبقى بيده إلى أن كمل عليه من النيل الثاني في تمام النصاب. فصل وأما إن تلف من يده قبل أن يبدأ النيل الثاني فلا اختلاف في أنه لا زكاة عليه فيما يحصل إليه من الثاني حتى يكمل عنده النصاب منه كاملا، لأنه في التمثيل

стр. 293

كمن أفاد عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم تلفت بعد الحول ثم أفاد بعد تلفها فائدة أخرى، فلا اختلاف في أنه لا يضيفها إلى الفائدة التي تلفت قبل أن يفيد هذه. وأما إن تلفت من يده بعد أن بدأ النيل الثاني وقبل أن يكمل عنده بما كان تلف من الأول النصاب فيتخرج ذلك على قولين: أحدهما أن عليه الزكاة إذا كمل له النصاب بما نض له من الثاني إلى ما كان تلف من الأول. والثاني أنه لا زكاة عليه لأنه في التمثيل كمن أفاد عشرة دنانير ثم أفاد بعد ستة أشهر عشرة دنانير أخرى فحال الحول على العشرة الثانية وقد تلفت العشرة الأولى بعد حلول الحول عليها، فتجب عليه الزكاة عند أشهب، ولا تجب عليه عند ابن القاسم. فصل ومن كانت له معادن فانقطع نيل أحدها ثم بدأ النيل في الآخر فالحكم في ذلك حكم المعدن الواحد ينقطع نيله ثم يعود بعد ذلك في أنه لا يضاف إليه. واختلف إذا بدأ الثاني قبل أن ينقطع الأول فقيل إنه لا يضيفه إليه بمنزلة المعدن الواحد ينقطع نيله ثم يعود، وهو قول سحنون. وقيل إنه يضيفه إليه، وهو قول محمد بن سلمة والذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، لأن المعادن بمنزلة الأرضين، فكما يضيف زرع الأرض إلى زرع الأرض الأخرى إذا زرع الثاني قبل حصاد الأول، فكذلك يضيف نيل المعدن إلى نيل المعدن الآخر إذا بدأ الثاني قبل انقطاع الأول. وبيان هذا بالمثال أن يكون للرجل معادن يعمل فيها فينيل أحدها ويتمادى النيل فيه إلى أن ينيل الثاني فيتمادى النيل فيهما إلى أن ينيل الثالث فيتمادى النيل فيها كلها إلى أن ينيل الرابع هكذا وإن كثرت فإنه يضيفها كلها لاتصال النيل فيها. ولو أنال الأول فتمادى النيل فيه إلى أن أنال الثاني، ثم انقطع نيل الأول وتمادى نيل الثاني إلى أن أنال الثالث، فإنه ههنا يضيف الأول إلى الثاني والثاني إلى الثالث، ولا يضيف الأول إلى الثالث. ولو أنال الأول فتمادى النيل فيه إلى أن أنال الثاني فتمادى نيل الثاني مع الأول مدة ثم انقطع نيل الثاني وتمادى نيل الأول إلى أن أنال الثالث فإنه ههنا يضيف الأول إلى الثاني

стр. 294

والثالث لاتصال نيله بهما جميعا، ولا يضيف الثاني إلى الثالث لانقطاع الثاني قبل أن ينيل الثالث. وعودة نيل أحدهما بعينه بعد انقطاعه كابتداء نيل أحدهما بعد انقطاع نيل صاحبه في القياس سواء. فقس على هذا تصب إن شاء الله تعالى. فصل في زكاة الديون الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة. فأما الدين من الفائدة فإنه ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبض ويحول الحول عليه من بعد القبض ولا دين على صاحبه يسقط عنه الزكاة فيه. وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة لم يوجب ذلك عليه فيه الزكاة. والثاني أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفوائد، فهذا لا زكاة فيه حتى يقبض ويحول الحول عليه بعد القبض، وسواء كان باعه بالنقد أو بالتأخير. وقال ابن الماجشون والمغيرة إن كان باعه بثمن إلى أجل فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه، فإن ترك قبضه فرارا من الزكاة تخرج ذلك على قولين: أحدهما أنه يزكيه لما مضى من الأعوام، والثاني أنه يبقى على حكمه فلا يزكيه حتى يحول عليه الحول من بعد قبضه أو حتى يقبضه إن كان باعه بثمن إلى أجل على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك. والثالث أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية، فهذا إن كان باعه بالنقد لم تجب عليه فيه زكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض. وإن كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه. وإن ترك قبضه فرارا من الزكاة زكاه لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في وجه من وجوه هذا القسم.

стр. 295

والرابع أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني، وإن كان قبضه قبل استيفاء العمل مثل أن يؤاجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارا فيقبضها معجلة ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يزكي إذا حال الحول ما يجب له من الإجارة وذلك عشرون دينارا، لأنه قد بقيت في يده منذ قبضها حولا كاملا، ثم يزكي كلما مضى به من المدة شيء له بال ما يجب له من الكراء إلى أن يزكي جميع الستين لانقطاع الثلاثة الأعوام. وهذا يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في مسألة هبة الدين هو عليه بعد حلول الحول عليه. والثاني أنه يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار، وهو نص ما قاله ابن المواز على قياس القول الأول. والثالث أنه لا زكاة عليه في شيء من الستين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر زكى عشرين، لأن ما ينوبها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا بعد شيء، فوجب استئناف حول آخر بها منذ تم سقوط الدين عنها. وأما الدين من الغصب ففيه من المذهب قولان: أحدهما وهو المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القرض. والثاني أنه يستقبل به حولا مستأنفا من يوم يقبضه كدين الفائدة. وقد قيل إنه يزكيه للأعوام الماضية، وبذلك كتب عمر ابن عبد العزيز إلى بعض عماله في مال قبضه بعض الولاة ظلما، ثم عقب بعد ذلك بكتاب آخر أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة لا أنه كان ضمارا. وأما دين القرض فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين. واختلف هل يقومه المدير أم لا، فقيل إنه يقومه، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل إنه لا يقومه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف فيمن له مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر، لأن المدير إذا أقرض من المال الذي يدير قرضا فقد أخرجه بذلك عن الإدارة.

стр. 296

وأما دين التجارة فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة يقومه المدير ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، كما يقوم المدير عروض التجارة. ولا يزكيها غير المدير حتى يبيع فيزكيها زكاة واحدة لما مضى من الأعوام. وإذا قبض من الدين أقل من نصاب أو باع من العروض بعد أن حال عليه الحول بأقل من نصاب فلا زكاة عليه حتى يقبض تمام النصاب أو يبيع بتمامه. فإذا كمل عنده تمام النصاب زكى جميعه، كان ما قبض أولا قائما بيده أو كان قد أنفقه. واختلف إن كان تلف من غير سببه، فقال محمد بن المواز لا ضمان عليه فيه لأنه بمنزلة مال تلف بعد حلول الحول عليه من غير تفريط. فعلى قياس قول مالك في هذه المسألة التي نظرها بها تسقط عنه زكاة باقي الدين إن لم يكن فيه نصاب. وعلى قول محمد بن الجهم فيها يزكي الباقي إذا قبضه وإن كان أقل من نصاب، وهو الأظهر، لأن المساكين تنزلوا معه بمنزلة الشركاء، فكانت المصيبة فيما تلف منه ومنهم، وكان ما بقي بينه وبينهم قل أو كثر. وقال ابن القاسم وأشهب يزكي الجميع. وهذا الاختلاف إنما يكون إذا تلف بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه الزكاة لضمنه. وأما إن تلف بفور قبضه فلا اختلاف في أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب. وقول ابن المواز أظهر، لأن مادون النصاب لا زكاة عليه فيه فوجب أن لا يضمنه في البعد كما لا يضمنه في القرب. ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب من أنه يضمن ما تلف بغير سببه في البعد مراعاة لقول من يوجب الزكاة في الدين وإن لم يقبض، فهو استحسان. فصل وإذا تخلل الاقتضاء فوائد وكان كلما اقتضى من الدين شيئا أنفقه، وكلما حال الحول على فائدة أفادها أنفقها، فمذهب أشهب في ذلك أن يضيف كل ما اقتضى من الدين وكل ما حال عليه الحول من الفوائد إلى ما كان اقتضى قبله من الدين وأنفقه وإلى ما كان حال عليه الحول من الفوائد قبله فأنفقه. وأما ابن القاسم فمذهبه أن يضيف الدين إلى ما أنفقه من الدين وإلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها، ولا يضيف الفائدة التي حال الحول عليها إلى ما أنفقه من الدين بعد

стр. 297

اقتضائه ولا إلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها. مثال ذلك أن يقتضي من دين له خمسة دنانير فينفقها وله فائدة لم يحل عليها الحول وهي عشرة دنانير، فينفقها بعد حلول الحول عليها، ثم يقبض من دينه عشرة فإنه يزكيها مع العشرة الفائدة التي أنفقها، ولا يزكي الخمسة الأولى التي اقتضى من الدين حتى يقتضي منه خمسة وبالله التوفيق، والله أعلم. فصل في زكاة الأحباس الموقوفة والصدقات والهبات المبتولة الأحباس الموقوفة تنقسم في الزكاة على قسمين: أحدهما ما تجب فيه الزكاة في غلته ولا تجب في عينه، والثاني ما تجب الزكاة في عينه ولا تجب في غلته [لأنها فائدة إلا بما تجب به الزكاة في الفوائد فأما ما تجب الزكاة في غلته] ولا تجب في عينه، وذلك حوائط النخيل والأعناب، فإن كانت محبسة موقوفة على غير معينين مثل المساكين وبني زهرة وبني تميم فلا خلاف أن ثمرتها مزكاة على ملك المحبس، وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما تجب فيه الزكاة، وكذلك إن أثمرت في حياة المحبس وله حوائط لم يحبسها فاجتمع في جميع ذلك ما تجب فيه الزكاة. واختلف إن كانت محبسه على معينين، فقال ابن القاسم في المدونة إنها أيضا مزكاة على ملك المحبس. وفي كتاب ابن المواز أنها مزكاة على ملك المحبس عليهم. فمن بلغت حصته منهم ما تجب فيه الزكاة زكى عليه، ومن لم تبلغ حصته منهم ما تجب فيه الزكاة لم تجب عليه زكاة. وقول ابن القاسم هذا على أصل قوله في كتاب الحبس إن من مات من المحبس عليه قبل طيب الثمرة لم يورث عنه نصيبه منها ورجع على أصحابه. وما في كتاب ابن المواز على أصل قول أشهب في كتاب الحبس المذكور أن من مات من المحبس عليهم بعد أن بلغت الثمرة حد إبارها فحقه واجب لورثته.

стр. 298

فصل واختلف إن كان الحبس على ولد فلان هل يحمل ذلك محمل التعيين أم لا على قولين قائمين من المدونة في الوصايا وفي غيرها. فصل وأما ما تجب الزكاة في عينه ولا تجب في غلته إلا بما تجب به الزكاة في الفوائد، وذلك المواشي من الإبل والبقر والغنم والعين من الدنانير والدراهم وأتبارهما. فإذا كان ذلك محبسا موقوفا للانتفاع بغلته في وجه من وجوه البر فلا اختلاف أن الزكاة تجب في جميع ذلك كل سنة على ملك المحبس كانت موقوفة لمعينين أو في المساكين وابن السبيل. فصل والحكم في زكاة أولاد هذه الماشية المحبسة الموقوفة إن كانت وقفت للانتفاع بنسلها وغلتها كالحكم في زكاة ثمار الحوائط المحبسة الموقوفة تزكى مع الأمهات على حولها وملك المحبس لها إن كانت محبسة على قوم غير معينين قولا واحدا، وكذلك إن كانت محبسة على قوم معينين على ما في المدونة، وأما على ما في كتاب ابن المواز فتزكى على ملك المحبس عليهم إذا حال الحول على ما بيد كل واحد منهم من يوم الولادة وفيه ما تجب فيه الزكاة. فصل واختلف إن كانت الماشية من الإبل والبقر والعين من الدنانير والدراهم ووقفت لتفرق في المساكين وابن السبيل لا ينتفع بغلتها، فحال عليها الحول قبل أن تفرق، في المدونة إنه لا زكاة في شيء من ذلك لأنه يفرق ولا يمسك، ولم يعط فيها جوابا إن كانت تفرق على معينين. والذي يأتي على مذهب ابن القاسم فيها أن الدنانير لا زكاة فيها كانت تفرق على المساكين أو على معينين. ومثله في كتاب ابن

стр. 299

المواز. وأما الماشية فينبغي على مذهبه في المدونة إذا كانت تفرق على معينين أن يزكي كل من صار في حظه منهم ما تجب فيه الزكاة، وهو قول أشهب في كتاب ابن المواز نصا أنه إن كانت تفرق على المساكين فلا زكاة فيها، وإن كانت تفرق على معينين فيزكي كل من صار في حظه منهم ما تجب فيه الزكاة. ويلزم مثله في الدنانير على مذهب من يرى على من ورث دنانير غائبة زكاتها إذا حال الحول عليها وإن لم يقبضها، لأن الفرق بين الماشية والعين في المعينين أن من أوصي له بنصاب من العين أو أفاده بوجه من الوجوه فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه، ومن أوصي له بنصاب من الماشية تجب عليه فيه الزكاة بحلول الحول قبضه أو لم يقبضه. وفي كتاب محمد أن الزكاة تجب في جملة الماشية إن كانت تفرق على غير معينين، وفي حظ من وجب في حظه منهم الزكاة إن كانت تفرق على معينين. فرآها على هذا القول مزكاة على ملك واهبها أو الموصي بها إن كانت تفرق على غير معينين، وعلى أملاك الذين تفرق عليهم إن كانوا معينين. ويلزم بالقياس مثله في الدنانير. ووقع في كتاب محمد أيضا ما ظاهره أن الماشية لا زكاة فيها وإن كانت تفرق على معينين يصير في حظ كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وهذا لا وجه له في النظر، إذ لم يختلف في أن من أفاد ماشية تجب عليه الزكاة بحلول الحول وإن لم يقبضها. فصل فعلى هذا يأتي في الماشية الموقفة للتفرقة ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا زكاة فيها إن كانت تفرق على غير معينين، وأن الزكاة في حظ كل واحد منهم إن كانوا معينين، وهو نص قول أشهب في كتاب ابن المواز ومعنى ما في المدونة. والثاني أن الزكاة تجب في جملتها إن كانت تفرق على غير معينين، وفي حظ كل واحد منهم إن كانوا معينين، وهو قول ابن القاسم في كتاب المواز. والثالث ألا زكاة فيها كانت تفرق على معينين أو على غير معينين، وهذا أبعد الأقاويل على ما ذكرناه. فهذه ثلاثة أقوال في الجملة، وهي على التفصيل قولان في كل طرف إن كانت تقسم على غير معينين فقيل إنه لا زكاة فيها وقيل إن فيها الزكاة على ملك المحبس

стр. 300

لها، وإن كانت تقسم على معينين فقيل إنه لا زكاة فيها وقيل إنها تزكى على أملاك الذين تقسم عليهم. فصل وأولاد هذه الماشية إذا سكت عنها تبع لها في الزكاة تزكى معها في الموضع الذي تزكى فيه على ما تقدم من الاختلاف. وأما إن كانت تفرق على غير من تفرق عليه الأمهات فالحكم في زكاتها على ما تقدم في أولاد الماشية المحبسة الموقوفة قبل هذا. فصل وفي العين ثلاثة أقوال أيضا: أحدها أن الزكاة لا تجب فيه كان يفرق على معينين أو على غير معينين، وهو نص ما في كتاب ابن المواز ومعنى ما في المدونة. والثاني أن الزكاة لا تجب فيه إن كان يفرق على غير معينين وأنها تجب في حظ كل واحد منهم إن كانوا معينين. وهذا القول خرجناه على مذهب من يرى في فائدة العين الزكاة بحلول الحول عليه قبل القبض. والثالث أن الزكاة تجب في جملتها إن كانت تفرق على غير معينين وفي حظ كل واحد منهم إن كانوا معينين. وهذا القول خرجناه بالقياس على ما في كتاب محمد بن المواز على ما ذكرناه. فهذه ثلاثة أقوال في الجملة، ويأتي على التفصيل قولان في كل طرف إن كانت تقسم على غير معينين فقيل إنه لا زكاة فيها، وقيل إنها تزكى جملتها على ملك المحبس لها. وإن كانت تقسم على معينين فقيل إنه لا زكاة فيها، وقيل إنها تزكى على أملاك الذين تقسم عليهم إن بلغت حصة كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة. فصل وأما زكاة الثمرة المتصدق بها والموهوبة المبتولة لعام واحد أو لأعوام معلومة مسماة، فإن كانت على المساكين فلا اختلاف أنها مزكاة على ملك واهبها أو المتصدق بها إن كان في جملتها ما تجب فيه الزكاة، أو لم يكن فيها ما تجب فيه الزكاة إلا أنه إذا أضافه إلى ما بقي في ملكه وجبت فيه الزكاة. وأما إن كانت على

стр. 301

معينين فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها أنها مزكاة على ملك الواهب لها أيضا، وهو مذهب سحنون، ولا تخرج الزكاة منها على قوله إلا بعد يمين الواهب أنه لم يرد تحمل الزكاة في ماله. والثاني أنها مزكاة على ملك الموهوب لهم والمتصدق عليهم أو المعرين، فمن كان منهم في حظه ما تجب فيه الزكاة وجبت عليه الزكاة، ومن لم يكن في حظه من ذلك ما تجب فيه الزكاة لم تجب عليه الزكاة. والثالث الفرق بين الهبة والصدقة والعرية في أن الهبة والصدقة تزكى على ملك الموهوب لهم أو المتصدق عليهم، وإن زكاة العرية على المعري في ماله لا من العرية. وقد قيل إن العرية تؤخذ الزكاة منها على ملك المعري لا على ملك المعرى. فإن كان أعرى جماعة خمسة أوسق أو أقل من خمسة أوسق وفيما أبقى لنفسه تمام خمسة أوسق أخذت منها الصدقة. فصل ففي زكاة العرية على هذا قولان: أحدهما أنها على المعري في ماله. والثاني أنها لا تجب إلا في ثمرة العرية. فإذا قلنا إنها لا تجب إلا في ثمرة العرية فهل تؤخذ منها على ملك المعري أو على ملك المعرين، في ذلك قولان، وبالله التوفيق. فصل في جواز إخراج الزكاة من المال قبل حلول الحول عليه وما يتعلق بذلك من ضمان زكاة ما تلف منه قبل الحول أو بعده بقرب ذلك أو أبعد منه اختلف فيمن أخرج زكاة ماله قبل حلول الحول عليه على قولين: أحدهما أن ذلك لا يجزئه، وهي رواية أشهب عن مالك. والثاني أنها تجزئة إذا كان بقرب ذلك. واختلف في حد القرب على أربعة أقوال: أحدها أنه اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن المواز. والثاني أنه العشرة الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثالث أنه الشهر ونحوه وهي رواية عيسى عن ابن القاسم. والرابع أنه الشهران فما دونهما وهي رواية ابن زياد عن مالك.

стр. 302

فصل فما أنفق الرجل من ماله قبل الحول بيسير أو كثير أو تلف منه فلا زكاة عليه فيه، ويزكي الباقي إذا حال عليه الحول وفيه ما تجب فيه الزكاة. وكذلك إن أخرج زكاة ماله قبل الحول بيسير أو كثير فتلفت أو أخرجها فنفذها في الوقت الذي لا يجوز له تنفيذها فيه يزكي الباقي إن كان بقي منه ما تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول. وأما إن أخرجها فنفذها في الوقت الذي يجوز له إخراجها فيه من القرب على الاختلاف الذي ذكرناه على مذهب من يجيز له إخراج الزكاة قبل الحول بيسير فإنها تجزئه. فصل وأما ما أنفق من ماله الذي تجب فيه الزكاة بعد الحول بيسير أو كثير أو تلف منه بعد الحول بكثير فالزكاة عليه فيه واجبة مع ما بقي له من ماله. واختلف فيما تلف منه بعد الحول بيسير، قال في كتاب ابن المواز: مثل اليوم وشبهه، فذهب مالك إلى أنه بمنزلة ما ذهب قبل الحول لا يحسبه لأنه لم يفرط، ويزكي الباقي إن كان ما تجب فيه الزكاة. وقال ابن الجهم: يزكي الباقي وإن لم يكن ما تجب فيه الزكاة، لأن المساكين نزلوا معه بعد الحول بمنزلة الشركاء، فما ضاع منه أو تلف بقرب الحول فمصيبته منه ومنهم. وأما إن أخرج زكاته بعد الحول ليفرقها فتلفت، فإن كان بعد محلها بالأيام اليسيرة فإنه يضمنها، قاله مالك في كتاب ابن المواز، وهو مفسر لما في المدونة، ولو كان بقرب الحول قبل أن يفرط. قال محمد بمثل اليوم وشبهه، فسرقت أو بعث بها إلى من يفرقها فسقطت فلا ضمان عليه، قاله مالك في رواية ابن نافع عنه في المجموعة. ولو بعث بصدقة حرثه أو ماشيته مع رسول لضمن، إذ الشأن فيها مجيء المصدق. ولو عزل صدقة العين من صندوقه فوضعها في ناحية بيته فذهبت لضمن، إذ لم يخرجها ما كانت في بيته، بخلاف الماشية إذا أخرجها فانتظر الساعي بها. وقد وقع في مسائل هذا الباب في المدونة التباس. والذي يتحصل عندي

стр. 303

منها أن الطعام إن ضاع جميعه في الأندر في عمله فلا ضمان عليه إذ لم يفرط. واختلف قول مالك إذا أدخله في منزله ثم تلف ولم يفرط، إما بأنه تلف بقرب إدخاله منزله ولم يمكنه دفعه للمساكين قبل أن يدخله منزله، أو بأنه ليس إليه تفريقه فانتظر مجيء الساعي، وإن طال انتظاره، فمرة فرق بينه وبين الدنانير ورآه ضامنا، ومرة لم يوجب عليه الضمان بمنزلة الدنانير. وكذلك إذا عزل العشر ليفرقه إن كان إليه تفريقه أو لينتظر به الساعي إن لم يكن إليه تفريقه فضاع بعد أن أدخله منزله ولم يفرط، إما بأنه تلف بقرب إدخاله منزله إن كان إليه تفريقه، وإما بأنه لم يكن إليه دفعه فانتظر مجيء الساعي فضاع بالقرب أو بالبعد، اختلف قول مالك في ذلك أيضا كاختلافه في المسألة الأولى، فمرة حمله محمل العين، ومرة رآه بخلاف ذلك. وقال ابن القاسم إن كان أشهد ولم يكن إليه تفريقه فلا ضمان عليه وإن تأخر عنه الساعي. وسواء على مذهب ابن القاسم ضاع العشر الذي عزله وأدخله منزله أو ضاع جميع الطعام وقد أدخله منزله ولم يعزل منه شيئا لا ضمان عليه في الوجهين جميعا ما أقام منتظرا الساعي إذا أشهد. وقول ابن القاسم خلاف قول مالك جميعا في هذا الطرف. وانظر على مذهب ابن القاسم إذا كان ممن لا يسعى عليه الساعي وكانت تفرقة زكاته إليه إن أدخل جميع الطعام أو عشره معزولا منزله فضاع بالقرب من غير تفريط هل هو عنده بمنزلة العين ويسقط عند الضمان أو هو عنده بخلاف العين ويكون ضامنا إلا أن يشهد. والأظهر عندي من مذهبه أنه لا ضمان عليه دان لم يشهد. وقول المخزومي في الباب مثل أحد قولي مالك إنه لا ضمان عليه وإن لم يشهد لأنه غير مفرط في انتظار الساعي وليس عليه أكثر مما صنع. وكذلك على مذهبه إن كان ممن إليه تفرقة زكاته فضاع بعد أن أدخله منزله بالقرب من غير تفريط. وأما إذا ضيع أو فرط حتى تلف فهو ضامن باتفاق، سواء أدخله منزله أو لم يدخله، ضاع جميعه أو عشره، معزولا كان أو لا، كان إليه تفريقه أو كان ممن يسعى عليه الساعي. وأشهب يفرق إذا عزل عشره فضاع من غير تفريط بين أن يكون إليه تفرقة زكاته أو إلى الساعي، فرأى أنه إذا كان إليه تفريق زكاته فلا ضمان عليه بمنزلة المال العين، وإذا كان إلى الساعي فهو بينهما جميعا وله أخذ

стр. 304

عشر الباقي، كأنه يرى أنه لا يجوز مقاسمته على الساعي. قال أبو إسحاق التونسي من رأيه: أما إذا أدخله بيته على أنه ضامن للزكاة وأراد التصرف في ماله فهذا بين أنه ضامن إذا ضاع وعليه الزكاة، وأما لو خشي عليه في الأندر فأدخله في بيته على باب الحرز له فضاع لم يضمن شيئا. وهذا الذي قال أبو إسحاق كلام صحيح لا يصح أن يختلف فيه، وإنما الاختلاف إذا لم يعلم على أي الوجهين أدخله منزله، فمرة حمله مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على الضمان فضمنه ولم يصدقه أنه فعل ذلك على النظر وأنه أراد حرزه بإدخاله منزله، ومرة صدقه بأن فعله إنما كان منه على النظر وأنه أراد الحرز فصار الطعام عنده على وجه الأمانة فأسقط عنه الضمان. هذا الذي أعتقده في هذه المسألة، وهي في الكتاب مشكلة، حضرت المناظرة فيها عند شيخنا الفقيه أبي جعفر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فتنازعنا فيها عنده تنازعا شديدا واختلفنا في تأويل وجوهها اختلافا بعيدا، فطال الكلام وكثر المراء والجدال ولم أقف على اعتقاد الشيخ رحمة الله عليه ورضوانه في جميع فروع المسألة وهذا الذي كتبته هو اعتقادي في هذا الباب والله أسأله العون والتوفيق بعزته لا شريك له.

стр. 305

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كتاب الزكاة الثاني فصل في القول في زكاة القراض أجمع أهل العلم فيما علمت أن رأس مال القراض وحصة رب المال من الربح مزكى على ملك رب المال. وأما حصة العامل من الربح فتتخرج على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها أنها تزكى على ملك رب المال دون الاعتبار بملك العامل. والثاني أنها تزكى على ملك العامل دون الاعتبار بملك رب المال. والثالث أنها تزكى على ملكهما جميعا. فصل فالقول في زكاة مال القراض يرجع إلى أربعة فصول: أحدها معرفة ما تجب به الزكاة على رب المال في رأس المال وحصته من الربح، أو في رأس المال وجميع الربح على مذهب من يرى حظ العامل من الربح مزكى على ملك رب المال، وهو مذهب سحنون وقول أشهب وروايته عن مالك واختيار محمد بن المواز. والثاني معرفة ما تجب به الزكاة على العامل في حظه من الربح على القول بأن حظه مزكى على ملكه. والثالث معرفة ما تجب به الزكاة على العامل في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكهما جميعا. والرابع معرفة وقت وجوب إخراجها.

стр. 306

فصل فأما ما تجب به الزكاة على رب المال في رأس المال وحصته من الربح أو في رأس المال وجميع الربح على مذهب من يرى حظ العامل من الربح مزكى على ملك رب المال وهو قول أشهب وروايته عن مالك ومذهب سحنون حسبما ذكرناه فخمس شرائط في حقه، وهي الإسلام، والحرية، وعدم الدين، والنصاب في رأس المال وحصة رب المال من الربح أو في رأس المال وجميع الربح على المذهب المذكور أو ذلك مع مال إن كان له مال سواه قد أفاده قبله أو معه معا مما لم يدفعه إلى العامل، وحلول الحول على رأس المال من يوم أفاده. فصل وتجب الزكاة على العامل في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكه بخمس شرائط أيضا في حقه، وهي الإسلام، والحرية، وعدم الدين، والنصاب في حظه من الربح أو في حظه منه مع مال سواه وإن كان له مال قد أفاده قبل أخذه المال، وحلول الحول عليه من يوم أخذه وإن لم يعمل فيه إلا قبل الحول بيسير. فصل وتجب الزكاة عليه في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكهما جميعا بعشرة أوصاف، وهي: أن يكونا مسلمين، وأن يكونا حرين، وأن لا يكون على واحد منهما دين، والسابع أن يكون في رأس المال وحصة رب المال من الربح أو في رأس المال وحصته من الربح مع مال لرب المال سواه إن. كان له مال سواه قد أفاده قبله أو معه معا مما تجب فيه الزكاة. والثامن أن يكون في حظ العامل

стр. 307

من الربح أو في حظه منه مع مال سواه إن كان له مال قد أفاده قبله ما تجب فيه الزكاة. والتاسع أن يحيل الحول على رب المال من يوم ملك النصاب الموصوف. والعاشر أن يحول الحول على العامل من يوم أخذ المال وإن لم يعمل فيه إلا قبل الحول بيسير. فصل فهذه الثلاثة الأقوال مطردة راجعة إلى أصل وجارية على قياس. وأما ابن القاسم فلا يرجع مذهبه في زكاة حظ العامل من ربح القراض إلى أصل ولا يجري على قياس، لأنه اعتبر في بعض الشرائط المشترطة في وجوب الزكاة في ذلك ملكهما جميعا، واضطرب في بعضها قوله فلا هو راعى فيه ملكهما جميعا ولا ملك أحدهما بانفراده على صحة ما سنذكره ونبينه إن شاء الله تعالى. فصل فالذي اعتبر فيه ملكهما جميعا الإسلام، والحرية، وعدم الدين، لم يختلف قوله فيما علمت أن العامل لا يلزمه زكاة الربح إلا أن يكونا حرين مسلمين وأن لا يكون على واحد منهما دين. والذي اضطرب فيه قوله النصاب، والحول. فأما النصاب فله فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح دون ما بيده مما لم يدفعه إلى العامل المقارض، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه من الربح الزكاة قليلا كان أو كثيرا. هذا قول ابن القاسم في المدونة ومذهبه المشهور المعلوم، فلا هو اعتبر في هذا القول ملك العامل إذا وجبت عليه في حظه الزكاة وإن كان أقل من نصاب، ولا ملك رب المال إذا لم يضف رأس المال وحظه من الربح إلى ما بيده من غير مال القراض، فهو استحسان على غير قياس. فصل واختلف على هذا القول إذا أخذ من العامل قبل تمام الحول بعض رأس المال وأبقى بيده بعضه ففاصله فيه بعد الحول، فقيل إن رب المال إن صار له في

стр. 308

بقية رأس ماله وجميع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة وإن لم يبلغ النصاب، وإن لم يصر لرب المال في بقية رأس ماله وجميع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة لم يجب على العامل في حظه الزكاة، ويضيف رب المال ما قبض من العامل بعد الحول إلى ما قبض منه قبل الحول إن كان باقيا بيده فيزكيه إن كان فيه باجتماعه ما تجب فيه الزكاة. هذه رواية أبي زيد عن ابن القاسم، وله في المجموعة مثله. فصل وكذلك لو قبض منه قبل الحول جميع رأس ماله وبقي الربح بيده إلى أن حال عليه الحول فصار لرب المال منه ما تجب فيه الزكاة يزكي العامل ما صار له منه وإن قل، وإن لم يصر لرب المال منه ما تجب فيه الزكاة سقطت الزكاة عن العامل في حظه من الربح، وأضاف رب المال ما صار له منه إلى رأس المال الذي قبضه قبل حلول الحول فزكاه إن كان بيده وكان فيه ما تجب فيه الزكاة. وذهب محمد بن المواز فيما تأول عن ابن القاسم أنه إن قبض جميع رأس المال قبل الحول فلا زكاة على العامل في حظه من الربح وإن صار لرب المال في حظه الذي قبض منه بعد الحول ما تجب فيه الزكاة، وأنه إن قبض منه بعض رأس المال قبل الحول وأبقى بيده بعضه حتى حال عليه الحول فصار له في بقية رأس ماله وحصته ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة. وإن لم يصر له في ذلك ما تجب فيه الزكاة ولا بقي له من المال الذي قبض قبل الحول ما يتم به النصاب لم تجب على العامل في حظه الزكاة لسقوط الزكاة عن رب المال. وإن كان قد بقي بيده مما قبض قبل الحول تتمة النصاب زكى ذلك وزكى العامل من ربحه ما ينوب منه ما بقي بيده من رأس المال إلى أن حال عليه الحول، وهذا تناقض. فصل والثاني أنه يعتبر، أعني النصاب، في رأس المال وجميع الربح، وهي رواية أصبغ عنه، فلا هو اعتبر أيضا في هذا القول ملك العامل إذ أوجب عليه في حظه

стр. 309

الزكاة إن لم يبلغ النصاب، ولا ملك رب المال إذ لم يضف رأس المال والربح إذا لم يكن فيه نصاب إلى ما بيده مما لم يدفعه إلى العامل في إيجاب الزكاة على العامل في حظه من الربح، وإنما أضافه إليه في إيجاب الزكاة عليه في رأس ماله وحصته من الربح، فهو أيضا استحسان جار على غير أصل ولا قياس. فصل والقول الثالث أن الزكاة لا تجب على العامل في حظه من الربح إلا بأن يكون فيه ما تجب فيه الزكاة، وبأن يكون أيضا في رأس مال رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة. وهذا القول تأوله محمد بن المواز عن ابن القاسم ولا يوجد له نصا ولو وجد لكان أيضا استحسانا على غير قياس ولا أصل، إذ لم يعتبر في ذلك ملك أحدهما دون صاحبه على انفراده ولا ملكهما جميعا كما فعل في الحرية والإسلام وعدم الدين، إذ اقتصر في اعتبار النصاب على رأس المال وحصة رب المال من الربح دون أن يضيف إلى ذلك [ما لرب المال من غير مال القراض وعلى حصة العامل من الربح دون أن يضيف إلى ذلك]، ما له من مال قد حال عليه الحول فيتم به النصاب. فصل - وأما الحول فله فيه قولان: أحدهما أن العامل لا تجب عليه في حظه من الربح الزكاة حتى يقيم المال بيده حولا من يوم أخذه وإن لم يعمل به إلا قبل أن يحول عليه الحول بيسير. هذا نص قوله في الزكاة من المدونة، وله في القراض منها دليل على أن الزكاة تجب عليه في حظه من الربح وإن لم يقم المال بيده حولا إذا كان في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وحال عليه الحول. وإلى هذا ذهب ابن المواز، وعليه حمل قول مالك. والقول الأول هو أجرى على أصله وأظهر من مذهبه.

стр. 310

فصل فتحصيل مذهب ابن القاسم على ما حكيناه من أقواله ووصفناه من مذاهبه وآرائه أن الزكاة تجب على العامل في حظه من الربح بخمسة أوصاف، الثلاثة منها لم يختلف قوله في وجوب اشتراطها ولا في وجه اعتبارها، وهي أن يكونا جميعا حرين، وأن يكونا جميعا مسلمين، وأن لا يكون على واحد منهما دين. والاثنان وهما النصاب، والحول لم يختلف قوله في وجوب اشتراطهما، واختلف قوله في وجه اعتبارهما. فصل فأما النصاب فله في وجه اعتباره ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعتبر في رأس المال وحصة رب المال من الربح خاصة، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت الزكاة على العامل في حظه من الربح وإلا فلا، وهو قول ابن القاسم في المدونة والمشهور المعروف من مذهبه. والثاني أنه يعتبر في رأس مال رب المال وجميع الربح، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة وإلا فلا، وهي رواية أصبغ عنه في العتبية. والثالث أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح وفي حظ العامل من الربح، فإن كان في كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة وجبت الزكاة على العامل في حظه من الربح وإلا فلا. وأما الحول فله في وجه اعتباره قولان: أحدهما أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح دون عمل العامل. والثاني أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح وفي عمل العامل، فلا تجب الزكاة على العامل في حظه من الربح حتى يحول الحول على المال الذي بيد العامل من يوم أخذه لأنه إذا حال الحول على المال بيد العامل فقد حال على رب المال. فصل ويلزم ابن القاسم كما اشترط في وجوب الزكاة على العامل في حظه من الربح إسلامهما جميعا، وحريتهما جميعا، وأن لا يكون على واحد منهما دين، أن

стр. 311

يشترط في ذلك مرور الحول على رب المال وعلى العامل، وذلك قوله في كتاب الزكاة من المدونة، لأن الحول إذا حال على العامل من يوم أخذ المال فقد حال على رب المال. وأن يعتبر النصاب. في رأس مال رب المال وحصته من الربح مع مال إن كان له مال قد أفاده قبله أو معه معا، وهذا ما لا يوجد لابن القاسم ولا يعرف من مذهبه. [وأن يعتبر أيضا النصاب في حصة العامل من الربح مع مال سواه إن كان له مال قد حال عليه الحول وهذا أيضا ما لا يوجد له ولا يعرف من مذهبه]، فلو قال بهذين الوصفين في اعتبار النصاب في وجوب الزكاة على العامل في حظه من الربح لاستقام مذهبه على أن زكاة ربح العامل في القراض مزكى على ملكهما جميعا. فصل وأما الفصل الرابع وهو معرفة وقت وجوب إخراجها فيفتقر بيان ذلك إلى تقسيم، وذلك أن العامل لا يخلو أن يكون غائبا عن صاحب المال لا يعلم حال ما في يديه، أو حاضرا معه يعلم حال ما في يديه من مال القراض. فأما إن كان غائبا عنه فلا اختلاف في أنه لا زكاة عليه في ماله الذي بيده حتى يرجع إليه ويعلم أمره، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه للسنين الماضية على ما سنبينه إن شاء الله من حكم المدير وغير المدير. وأما إن كان حاضرا معه يعلم حال ماله بيده فلا يخلو من أربعة أحوال: أحدها أن يكونا جميعا مديرين. والثاني أن يكون رب المال مديرا والعامل غير مدير. والثالث أن يكون رب المال غير مدير والعامل مديرا. والرابع أن يكونا جميعا غير مديرين. فأما إن كانا جميعا مديرين أو كان رب المال غير مدير والعامل مديرا، والذي بيده الأكثر أو الأقل على قول من يقول إن المالين إذا كان يدار أحدهما فإنه يزكى المدار على سنة الإدارة كان الأقل أو الأكثر، أو كان رب المال مديرا والعامل غير مدير والذي بيده من مال الإدارة أو من غير مال الإدارة وهو

стр. 312

الأقل فلا زكاة عليه حتى ينض المال ويتفاصلا وإن أقام المال بيده أحوالا. كذا روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب القراض، ومثله في كتاب القراض من المدونة وفي الواضحة، وهو ظاهر ما في سماع عيسى من كتاب القراض. فإذا رجع إليه ماله بعد أعوام زكى لكل سنة قيمة ما كان بيده من المتاع. فإن كان قيمة ما كان بيده في أول سنة مائة وفي السنة الثانية مائتين وفي الثالثة ثلاثمائة زكى لأول سنة مائة، وللسنة الثانية مائتين، وللسنة الثالثة ثلاثمائة، إلا ما تنقصه الزكاة. واختلف إن كانت قيمة ما بيده في أول سنة ثلاثمائة وفي السنة الثانية مائتين وفي السنة الثالثة مائة فقيل يزكي لكل سنة ما كان بيده، وهو ظاهر ما في كتاب القراض من المدونة، إذ قال يزكي لكل سنة ما كان بيده ولم يفرق. وقيل يزكي مائة لكل سنة، وهذا يأتي على ما في الواضحة لعبد الملك في المال الغائب عن صاحبه إذا تلف بعد أعوام أنه لا زكاة عليه فيه، وقيل إنه هو الذي تدل عليه الروايات كلها إذ لا معنى لتأخير الزكاة إلى حين المفاصلة مع حضور المال إلا مخافة النقصان. فصل وأما إن كانا غير مديرين أو كان العامل غير مدير والذي في يده الأكثر مديرا فلا زكاة على رب المال فيما بيد العامل من مال القراض حتى يرجع إليه، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه لعام واحد إن كان في سلع. وهذا على قياس قول ابن دينار في العتبية في المالين يدار أحدهما أنه إن كان الذي يدار هو الأكثر زكيا جميعا على الإدارة، وإن كان الذي يدار هو الأقل زكي كل مال منهما على سنته. وأما إن كان رب المال مديرا والعامل غير مدير والذي بيده الأقل فإن رب المال يقوم كل سنة ما بيد العامل فيزكيه من ماله لا من مال القراض، قيل جميع المال بربحه كله، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل رأس المال وحصته من الربح خاصة لا حصة العامل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وكذلك إذا كان الذي بيد العامل الأكثر على ما ذهب إليه ابن لبابة تأويلا على ما في المدونة من أن المالين إن كان يدار أحدهما فإنهما يزكيان جميعا على الإدارة، والله أعلم وبالله التوفيق.

стр. 313

فصل في زكاة الماشية قال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فأجمع أهل العلم على أن المواشي من الإبل والبقر والغنم من الأموال التي تجب في أعيانها الزكاة، إلا أنهم اختلفوا هل ذلك في جميعها أو في السائمة منها خاصة، فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن الزكاة في جميعها سائمة كانت أو غير سائمة، خلافا للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى في قولهما إن الزكاة لا تجب في غير السائمة. فصل ولا تجب الزكاة عند مالك وجميع أصحابه في شيء من الحيوان سوى الإبل والبقر والغنم، خلافا لأهل العراق في قولهم إن الزكاة تجب في الخيل السائمة إذا كانت ذكورا وإناثا متخذة للنسل. والدليل لما ذهب إليه مالك عموم قول النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، وما روي عنه ﵊ أنه قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق». ومن جهة المعنى والقياس أنه لما أجمع أهل العلم في البغال والحمير على أنه لا زكاة فيهما وإن كانت سائمة وأجمعوا في الإبل والبقر والغنم على الزكاة فيها إذا كانت سائمة، واختلفوا في الخيل السائمة وجب ردها إلى البغال والحمير لا إلى الإبل والبقر والغنم لأنها بها أشبه، لأنها ذات حافر كما أنها ذوات حوافر، وذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف والظلف، ولأن الله ﵎ قد جمع بينهما فجعل الخيل والبغال والحمير صنفا واحدا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 314

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وجمع بين الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم فجعلها صنفا واحدا بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وكقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩]. فصل والعمل في زكاة الإبل والغنم على كتاب عمر الذي ذكره مالك في موطئه أنه قرأه فوجد فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب الصدقات. في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة، وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون. وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل، وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان طروقتا الفحل. فما زاد على ذلك ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وفي سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وفيما فوق ذلك إلى مائتين شاتان، وفيما فوق ذلك إلى ثلاثمائة ثلاث شياه، فما زاد على ذلك ففي كل مائة شاة ولا يخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا ما شاء المصدق، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. وما كان من خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية. وفي الرقة إذا بلغت خمس أواق ربع العشر. والعمل في زكاة البقر على ما ثبت من «أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأنه أتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئا وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ في ذلك شيئا حتى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل» وهو حديث يدخل في المسند لأنه

стр. 315

توقيف. وفي قوله إنه لم يسمع من رسول الله ﷺ فيما دون الثلاثين دليل على أنه قد سمع منه في الثلاثين والأربعين. شرح ابن المخاض ما أوفى سنة ودخل في الثانية. وابن اللبون ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة لأن الناقة ترضع فصيلها في العام الأول ثم تحمل في العام الثاني أو تلحق بالحوامل وإن لم تحمل، لأن الناقة لا تحمل في كل عام وإنما تحمل في عام وترضع في آخر، ففصيلها في العام الثاني ابن مخاض لأن أمه أرضعته في العام الأول ثم حملت في العام الثاني فصار ابن مخاض، وفي العام الثالث ابن لبون، لأنها أرضعته في العام الأول وحملت في العام الثاني ووضعت في العام الثالث فصارت ذات لبن فكان ابنها من البطن الأول ابن لبون. والحقة: ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فاستحقت أن يحمل عليها وأن يطرقها الفحل. والجذعة: ما أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وهو أعلى الأسنان المأخوذة في الزكاة. وقوله في سائمة الغنم لا دليل فيه على أن الزكاة لا تجب في غير السائمة لأنها سائمة في طبعها وإن حبست على الرعي فلا يخرجها ذلك عن أن يقع عليها اسم سائمة. وقد قيل في معنى ذلك: إن الحديث خرج على سؤال سائل والأول أولى. وقوله لا يخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا ما شاء المصدق، الرواية فيه المصدق بالكسر. قال أبو عبيد وأنا أراه المصدق بالفتح وهو كما قال، لأنه إن كان دون حقه فلا يجوز له أن يأخذه على حال، وإن كان فوق حقه فلا يجوز له أخذه إلا برضا رب الماشية. فالصواب فيه المصدق بالفتح. وأما التيس المنهي عن إخراجه في الصدقة فقيل هو الذكر من المعز غير المسن الفحيل فلا يجوز للساعي أن يرضى به لأنه أقل من حقه، إذ لا يؤخذ من المعز إلا أنثى على ما قاله ابن حبيب، وهو قوله في المدونة. والتيس هو دون الفحل إنما يعد مع ذوات العوار والهرمة والسخال. وقيل هو الفحل الذي يطرق الغنم كان من الضأن أو المعز،

стр. 316

فنهى عن أخذه في الصدقة لأنه فوق السن الواجبة له فلا يأخذه إلا برضا رب الماشية. وقوله ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ذهب الشافعي إلى أن النهي في ذلك إنما هو للسعاة، وذهب مالك إلى أن النهي في ذلك إنما هو لأرباب المواشي. والصواب أن النهي على عمومه لهما جميعا، لا يجوز للساعي أن يجمع غنم رجلين إذا لم يكونا خليطين فيزكيهما على الخلطة ليأخذ أكثر من الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من الواجب له. وكذلك أرباب الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم أيضا إذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على الخلطة، وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة فيقول المعنى في ذلك أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين فيزكيهما على ملك واحد، مثل أن يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن يفرق ملك الرجل الواحد فيزكيه على أملاك متفرقة، مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن يجعلها ثلاثة أجزاء أربعين أربعين فيأخذ منها ثلاث شياه. والتراد عنده هو في مثل أن يكون للرجلين مائة شاة وعشرون شاة على الثلث والثلثين فيأخذ منهما الساعي شاتين قبل القسمة، فيكون قد أخذ من غنم صاحب الثلثين شاة وثلثا وإنما عليه شاة، ومن غنم صاحب الثلث ثلثي شاة وعليه شاة، فيرجع صاحبه عليه بثلث شاة. فصل وكتاب عمر هذا أصله عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة صحاح. من ذلك ما روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقات فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، وعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض، وساق الحديث بمعناه. وأجمع أهل العلم على ما نص فيه واختلفوا منه في مواضع محتملة للخلاف، منها في المذهب موضع واحد، وهو إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ولم تبلغ مائة وثلاثين، فقال مالك في المشهور عنه: الساعي مخير بين أن يأخذ

стр. 317

حقتين وبين أن يأخذ ثلاث بنات لبون، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، وإن لم يكن في الإبل إلا السن الواحدة. وقيل إنه إنما يكون مخيرا إذا كانت السنان جميعا في الإبل أو لم يكن فيها واحد منها. وقال ابن شهاب: يأخذ ثلاث بنات لبون، واختاره ابن القاسم. وقال المغيرة وابن الماجشون: يأخذ حقتين، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. وهذا الاختلاف جار على ما قاله أهل الأصول في المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ولم يترجح عنده أحدها هل يأخذ بالحظر أو بالإباحة أو يكون مخيرا. وذهب أهل العراق إلى أنه يرجع فيما زاد من الإبل على مائة وعشرين إلى زكاة الغنم، فيكون في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان، وفي مائة وخمسة وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان، وكذلك ما زاد إلى مائتين فيكون فيها أربع حقاق. فصل وأما زكاة الغنم فلا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في كتاب عمر منها موضع محتمل للخلاف. وقد اختلف في غير المذهب فيما زاد على المائتين، فقل فيها شاتان حتى تبلغ مائتين وثلاثين فيكون فيها ثلاث شياه، حكى الداروردي هذا القول ولا وجه له وأراه غلطا. وقيل شاتان حتى تبلغ مائتين وأربعين فيكون فيها ثلاث شياه، ثم كذلك فيما زاد على كل مائة. وقيل إنه كما يجب في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه فكذلك يجب في ثلاثمائة شاة وشاة أربع شياه، وفي أربعمائة شاة وشاة خمس شياه، وفي خمسمائة شاة وشاة ست شياه، ثم كذلك فيما زاد على كل مائة. وهذان القولان جاريان على أصل، وأما ما حكاه الداروردي فلا وجه له على ما ذكرناه. فصل وكذلك زكاة البقر لا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في حديث معاذ ابن

стр. 318

جبل فيها موضع محتمل للخلاف. وقد قيل في غير المذهب إن فيما دون الثلاثين منها في كل خمس شاة قياسا على الإبل، وأن في كل خمس وثلاثين تبيعا وشاة، وأن فيما زاد على الأربعين بحساب المسنة في كل خمس وأربعين مسنة وثمن مسنة، وفي خمسين مسنة وربع مسنة، وكذلك ما زاد إلى ستين فيكون فيها تبيعان. فصل والإبل كلها بجميع أجناسها صنف واحد تجمع في الزكاة. وكذلك البقر كلها بجميع أجناسها الجواميس وغير الجواميس تجمع في الزكاة. وكذلك الغنم كلها بجميع أجناسها ضأنها ومعزها تجمع في الزكاة، ولا اختلاف في هذا أحفظه إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة، وأن الذهب والفضة صنفان لا يجمعان في الزكاة. واستدل على ذلك بقول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلى قوله ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلى قوله ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قال فلو كان المعز من الضأن لكان البقر من الإبل، إذ لا فرق في ذلك بين التلاوة، وهذا معنى قوله دون نصه. فصل وجاء في كتاب النبي ﷺ في الصدقات في بعض الروايات: «فمن سئلها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطها». وروي «عن جرير بن عبد الله البجلي قال جاء ناس إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن ناسا من المصدقين يأتون فيظلموننا، قال: أرضوا مصدقيكم، قالوا وإن ظلموا قال أرضوا مصدقيكم وإن ظلموا. قال جرير ما صدر عني مصدق بعدها إلا راضيا». فقيل إن ما في كتاب الصدقات ناسخ لما جاء في حديث جرير بدليل أنه المتأخر إذ لم يخرجه إلى عماله حتى قبض ﷺ . وقيل المعنى في ذلك أن يمنعوا إذا لم يخش في منعهم فتنة، ولا

стр. 319

يمنعوا إذا خشي في منعهم فتنة. كقوله للأنصار: «ستصيبكم بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني»، وكقوله لأبي ذر: «وإن ولي عليك حبشي فاسمع له وأطع». وعلى هذا يتأول «حديث عباده بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة» الحديث. وقيل في تخريج الحديثين غير هذا وليس بصحيح. وبالله التوفيق. فصل في تحويل الماشية بعضها في بعض الأموال التي تجب الزكاة في أعيانها بمرور الحول عليها صنفان: عين، وماشية. فأما العين وهو الذهب والورق فالحكم فيه إذا حول بعضه في بعض أن يزكى الثاني على حول الأول باع ذهبا بذهب أو ورقا بورق أو ذهبا بورق أو ورقا بذهب، لأنه كله صنف واحد. وأما الماشية فإنها ثلاثة أصناف: إبل، وبقر، وغنم. فإن باع إبلا بإبل أو بقرا ببقر أو غنما بغنم زكى الثاني على حول الأول ولا خلاف في ذلك أعلمه. واختلف إن باع صنفا بصنف غيره: إبلا ببقر أو بغنم أو بقرا بإبل أو بغنم أو غنما بإبل أو ببقر على قولين: أحدهما أنه يستأنف بالثاني حولا من يوم اشتراه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك قياسا على الماشية تشترى بالدنانير والدراهم أنه يستأنف بها حولا لأنهما صنفان كما أنهما صنفان. والثاني أنه يزكى الثاني على حول الأول، وهو قول مالك في سماع أشهب من كتاب الزكاة وقول أصحاب مالك كلهم حاشا ابن القاسم على ما حكاه ابن حبيب قياسا على الماشية تباع بالعين، لأنه إذا كان العين يزكى على حول الماشية وهو صنف آخر، فأحرى أن تزكى الماشية على حول الماشية وإن كانت صنفا آخر، لأن الماشية بالماشية ما كانت أشبه من العين بالماشية. وقول ابن القاسم أظهر، لأن قياس المثمون على المثمون أولى من قياسه على الثمن. والفرق بين بيع الماشية بالعين

стр. 320

وبين شرائها بالعين أنه يتهم في بيع الماشية بالعين بالهروب بالزكاة عن الساعي، ولا تهمة عليه في اشتراء الماشية بالعين إذا كانت زكاة العين موكولة إلى أمانته ولم يكن مأخوذا بها. فصل فإذا كان للرجل دنانير فأشترى بها ماشيه إبلا أو بقرا أو غنما فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ما تجب فيه الزكاة. والثاني أن لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة. فأما إن كان ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فيها حتى يحول عليها الحول من يوم اشتراها فيزكيها زكاة السائمة كان اشتراها لقنية أو لتجارة. فصل فإن باعها افترق الأمر فيها بين أن يكون اشتراها للقنية أو للتجارة. فإن كان اشتراها للقنية وباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة فاختلف في ذلك قول مالك، مرة قال يستقبل بالثمن حولا من يوم باعها، ومرة قال يزكيها إذا حال عليها الحول من يوم ابتاعها. وكان القياس إذا لم يستقبل بالثمن حولا أن يزكيه على حول المال الذي ابتاعها به. وأما إن باعها بعد أن أخرج من رقابها الزكاة، فقيل إنه يزكيها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها ولا يدخل في ذلك اختلاف قول مالك. قال ذلك محمد بن المواز في موضع؛ وقال في موضع آخر: إن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك فيستقبل بالثمن حولا على أحد قوليه، ويزكيها إذا حال عليها الحول من يوم أخرج زكاة رقابها على قوله الثاني. وكذلك ذكر ابن حبيب أن اختلاف قول مالك داخل فيها. فصل وإن كان اشتراها للتجارة فباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة زكاها على حول المال الذي اشتراها به، وإن كان باعها بعد أن أخرج من رقابها الزكاة زكاها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها، ولا اختلاف في هذا. وقال أبو إسحاق
следующие страницы →