← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الأمر آل بينهما، إلى أن يدفع المبتاع الأول إلى البائع الأول عشرة دراهم عند شهر، يأخذ منه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين على أن أسلفه البائع الأول ثمانية أرادب وأعطاه إردبين، لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والسادسة) أن تكون المسألة على حالها، إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل بزيادة إردبين يأخذهما المبتاع الأول من الطعام الذي باع منه البائع الأول والثمانية الأرادب التي رجعت إليه بعينها لغو، ويدخل ذلك أيضا بيع الطعام نقدا ودراهم إلى أجل بدراهم أكثر منها إلى أجل. (والسابعة) أن يشتري منه مثل الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول عشرة دراهم عند انقضاء الشهر ويدفع إليه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين، على أن أسلف البائع الأول عشرة أرادب، إذ لا يعرف الطعام بعينه بعد الغيبة عليه. (والثامنة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول عشرة دراهم عند شهر، ويدفع إليه اثني عشر درهما عند شهرين، ورجع إليه طعامه بعينه فكان لغوا. (والتاسعة) هي أن يشتري منه أكثر من الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها البيع والسلف. لأن المبتاع الأول باع من البائع الأول على المثال الذي وصفناه: الإردبين اللذين زادهما على الطعام بالدرهمين اللذين يأخذهما منه زيادة على الثمن، على أن أسلف هذا هذا عشرة دراهم، وهذا هذا عشرة أرادب. (والعاشرة) أن تكون المسألة على حالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا البيع والسلف، لأنهما تبايعا الزيادة على الطعام بالزيادة على الثمن، على أن أسلف المبتاع الأول للبائع الأول عشرة دراهم شهرا والعشرة الأرادب التي دفع البائع رجعت إليه

стр. 667

بعينها فكانت لغوا. (والحادية عشرة) أن يشتري منه أكثر من الطعام بأقل من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه اثني عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه بعينه رجع إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى أن دفع المبتاع إلى البائع إردبين من طعام، ويدفع إليه أيضا عشرة دراهم عند شهر ويأخذ منه ثمانية دراهم عند انقضاء شهرين، فلا يتهم في مثل هذا أحد. (والثانية عشرة) أن يشتري منه أكثر من الكيل بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن الطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه اثني عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه بعينه رجع إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع عشرة دراهم شهرا وأعطاه إردبين، فيكون قد صنع معه معروفا من وجهين. (والثالثة عشرة) أن يشتري منه مثل الكيل بأقل من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها أيضا الزيادة في السلف لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فكأن البائع أسلف المبتاع عشرة أرادب فانتفع بها ورد إليه مثلها على أن يدفع إليه المبتاع إذا حل الأجل دينارين ثمنا لما أسلفه، وثمانية دراهم تكون سلفا عنده إلى حلول الأجل الثاني، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا، لأن طعامه بعينه رجع إليه فكان لغوا، ويدفع المبتاع إلى البائع عند الأجل عشرة دراهم، ويأخذ منه ثمانية دراهم عند الأجل الثاني فلا يتهم في هذا أحد، وأما المسألة المختلف فيها وهي أن يشتري منه مثل الطعام بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام، فيدخلها أسلفني وأسلفك، فخفف ذلك ابن القاسم وكرهه ابن الماجشون؛ ولو لم يغب على الطعام لكان جائزا، لأن

стр. 668

الطعام بعينه رجع إليه فصار لغوا، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع دراهم في مثلها إلى أجل، وذلك جائز وبالله التوفيق. فصل وهذه المسائل التي قسمناها هذا التقسيم، وقع طرف منها في كتاب بيوع الآجال من المدونة، وجملة كثيرة في رسم حبل حبلة من كتاب السلم والآجال من العتبية غير مشروحة بعللها، ولا موعبة بجميع وجوهها، وهي أصل في مسائل بيوع الآجال، من فهمها ووقف عليها، سهل عليه ما سواها، فلذلك عنيت بتحصيلها وتلخيصها وتقسيم وجوهها وتبيين عللها، وشرح معانيها، وما توفيقي إلا بالله. فصل فإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأقل من ذلك الثمن نقدا، فسخت البيعتان جميعا عند ابن الماجشون، وهو الصحيح في النظر، ودليله من جهة الأثر قول عائشة ﵂ في الحديث: بئسما شريت وبئسما اشتريت؛ لأنها عابت البيعتين جميعا، ولم يفسخ عند ابن القاسم إلا البيعة الأخيرة - إن كانت السلعة قائمة؛ واختلف إن فاتت، قيل: بحوالة الأسواق وهو مذهب سحنون، وقيل: بالعيوب المفسدة، وإليه ذهب أبو إسحاق التونسي وغيره من المتأخرين على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه يفسخ البيعتان جميعا، فلا يكون للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي تأويلا على ابن القاسم. (والثاني) أنه لا يفسخ إلا البيعة الأولى وتصحح الثانية بالقيمة، فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولا، قضي عليه بالقيمة، فإذا حل الأجل أخذ الثمن، إذ لا تهمة في ذلك، وإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا، قضي عليه

стр. 669

بالقيمة، فإذا حل الأجل، لم يكن له على المشتري الأول- أكثر من ذلك لئلا يكون قد دفع دنانير في أكثر منها، فيتم الربا بينهما، وهذا يأتي على ما في سماع سحنون من كتاب السلم والآجال. (والثالث) أنه إن كانت القيمة أقل من الثمن فسخت البيعتان ولم يكن للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، وإن كانت أكثر من الثمن فسخت البيعة الثانية خاصة، وقضي عليه بالقيمة؛ فإذا حل الأجل أخذ الثمن؛ وإلى هذا ذهب عبد الحق تأويلا على ابن القاسم، وهو قول سحنون نصا، وفي حديث عائشة ﵂ في بعض الروايات: بئسما شريت أو بئسما اشتريت، على الشك من المحدث، فعلى هذه الرواية لا يكون على ابن القاسم حجة من الحديث، وإن كانت المبايعة المذكورة في الحديث وقعت بين أم ولد زيد ابن أرقم ومولاها، وهي أم ولد قبل أن يبتل عتقها، فيأتي قول عائشة ﵂ فيه على تحظير الربا بين العبد وسيده مع القول بتحريم الذرائع، وفعل زيد بن أرقم على إجازة ذلك أو استجازة الذرائع، وإن كانت المبايعة وقعت بينهما وقد بتل عتقها ففعل زيد بن أرقم على استجازة الذرائع؛ وكان شيخنا الفقيه ابن رزق يضعف حديث عائشة هذا، لقولها فيه: أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، لأنه خلاف ما جاء في القرآن من أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن الأعمال لا تبطل إلا بالردة، لقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ وهذا لو جاز أن يحمل عن زيد بن أرقم أنه عمل مع أم ولده في الباطن بما أظهراه من البيعتين على أن يأخذ منها ستمائة دينار في ثمانمائة إلى أجل، وهذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليه، فالذي فعل لا إثم عليه فيه ولا حرج فيما بينه وبين خالقه عند أحد من الأئمة،

стр. 670

إلا أنه يكره ذلك له لئلا يكون ذريعة لغيره يتطرق بها إلى الربا؛ وأكثر أهل العلم يمضون البيعتين على ظاهرهما من الصحة ولا يتهمون المتبايعين ولا يرون الحكم بالذرائع، وكذلك إذا باع الرجل السلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل، تفسخ البيعتان جميعا عند ابن الماجشون؛ والثانية وحدها عند ابن القاسم في القيام، إلا أن يشترط أن يقاصه بالثمن الأول عند الأجل الأول! ويأخذ بقية الثمن الثاني عند الأجل الثاني، وأما إذا اشتراها منه إلى الأجل الذي باعها إليه منه، فذلك جائز، والحكم يوجب المقاصة عند الأجل؛ وما لم يتقاصا فالثمن لكل واحد منهما في ذمة صاحبه ثابت، ولا يكون أحدهما أحق بما عليه من غرماء صاحبه إن فلس، على مذهب ابن القاسم، وهو أحق بما عليه عند أشهب؛ فإن فلس على مذهب ابن القاسم المشتري الأول وهو البائع الثاني، تحاص غرماؤه مع المشتري الثاني وهو البائع الأول فيما عليه، فما وجب لهم في الحصاص أخذوه منه، وإن فلس المشتري الثاني وهو البائع الأول كان المشتري الأول وهو البائع الثاني أحق بالسلعة، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الثمن، وبالله التوفيق. فصل وقد تقدم فيما مضى أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة لعملهم بالمكروه واستباحتهم له. فصل والعينة على ثلاثة أوجه: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة فيقول له: هل عندك سلعة كذا أبتاعها منك؟ فيقول له: لا، فينقلب عنه على غير مراوضة ولا مواعدة، فيشتري تلك السلعة التي سأله عنها ثم يلقاه فيخبره أنه قد اشترى السلعة التي سأله عنها فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة؛

стр. 671

والمكروهة أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا، فأنا أربحك فيها وأشتريها منك، من غير أن يراوضه على الربح. والمحظورة أن يراوضه على الربح فيقول له: اشتر سلعة كذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا، وأبتاعها منك بكذا؛ وفي هذا الوجه ست مسائل مفترقة الأحكام: ثلاث في قوله: اشتر لي؛ إحداها: أن يقول له: اشتر لي سلعة كذا وكذا بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقدا، والثانية: أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل. والثالثة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أشتريها منك بعشرة نقدا. وثلاث في قوله: اشتر لنفسك، أو بقوله: اشتر - ولا يقول: لي ولا لنفسك؛ إحداها: أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا - بعشرة نقدا - وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقدا. والثانية: أو يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وكذا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل. والثالثة أو يقول له: اشترها لنفسك - أو اشتر، ولا يزيد على ذلك - باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا. فأما الرابعة - وهي أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا. والخامسة أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل. والسادسة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها لنفسك، أو اشتر، ولا يزيد على ذلك، باثني عشر - إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا، فأما الأولى وهي أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، فالمأمور أجبر على شراء السلعة للآمر بدينارين، لأنه إنما اشتراها له. وقوله: وأنا أشتريها منك، لغو لا معنى له، لأن العقدة له وبأمره، فإن كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير شرط، فذلك جائز؛ وإن كان النقد من عند المأمور بشرط فهي إجارة فاسدة، لأنه إنما أعطاه الدينارين على أن يبتاع له السلعة وينقد من عنده الثمن عنه، فهي إجارة وسلف، ويكون للمأمور إجارة مثله؛ إلا أن تكون إجارة مثله أكثر من الدينارين فلا يزاد عليهما، على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف إذا كان السلف

стр. 672

من غير البائع وفاتت السلعة، أن للبائع الأقل من القيمة أو الثمن، وإن قبض السلف، وعلى ما ذهب إليه ابن القاسم في البيع والسلف - إذا قبض السلف - وفاتت السلعة أن فيها القيمة - بالغة ما بلغت، يلزم أن يكون للمأمور ههنا إجارة مثله بالغة ما بلغت، وإن كانت أكثر من الدينارين، والأصح أن لا يكون له أجرة، لأنا إن جعلنا له الأجرة كانت ثمنا للسلف، فكان تتميما للربا الذي عقدا عليه، وهو قول سعيد بن المسيب؛ فهي ثلاثة أقوال فيما يكون له من الأجرة إذا نقد المأمور الثمن بشرط، وهذا إذا عثر على الآمر بحدثانه ورد السلف إلى المأمور قبل أن ينتفع به الآمر، وأما إن لم يعثر على الأمر حتى انتفع الآمر بالسلف، قدر ما يرى أنهما كانا قصداه، فلا يكون في المسألة إلا قولان، (أحدهما) أن للمأمور إجارته بالغة ما بلغت. (والثاني) أنه لا شيء له، ولو عثر على الأمر قبل الابتياع وقبل أن ينقد المأمور الثمن، لكان النقد من عند الآمر، ولكان فيما يكون للأجير قولان: (أحدهما) أن له إجارة مثله بالغة ما بلغت. (والثاني) أن له الأقل من إجارة مثله أو الدينارين، وابن حبيب يرى أن المأمور إذا نقد فقد تم الحرام بينهما وإن لم يمض من المدة ما ينتفع به الآمر بالنقد، ويكون له إجارة مثله - بالعقد - بالغة ما بلغت، وإلى هذا ذهب سحنون في إصلاحه مسألة كتاب بيوع الآجل في المدونة، بأن جعل فيها مكان يرد: يترك. فتدبر ذلك. (وأما الثانية) وهو أن يقول: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فذلك حرام لا يحل ولا يجوز لأنه أجل ازداد في سلعة، فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر، لأن الشراء كان له وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ به منه أكثر منه إلى أجل: فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى، ويكون له جعل مثله بالغا ما بلغ في قول، والأقل من جعل مثله أو الدينارين اللذين أربى له بهما في قول. وفي قول سعيد بن المسيب لا أجرة له بحال لأن ذلك تتميم للربا كالمسألة المتقدمة،

стр. 673

قال في سماع سحنون: وإن لم تفت السلعة فسخ البيع، وهو بعيد، فقيل: معنى ذلك إذا علم البائع الأول بعملهما. وأما الثالثة وهي أن يقول له: اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا؛ فذلك أيضا حرام لا يجوز، ومكروهه أنه استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير يدفعها إليه ينتفع بها إلى الأجل، ثم يردها إليه. فتلزم الآمر السلعة باثني عشر إلى أجل، ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، وإن كان قد دفعها إليه صرفها عليه ولم تترك عنده إلى الأجل - وكان له جعل مثله بالغا ما بلغ في هذا الوجه باتفاق؛ وأما الرابعة وهي أن يقول: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، فاختلف في ذلك قول مالك، فمرة أجازه إذا كانت البيعتان جميعا بالنقد وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور. وأما الخامسة وهي أن يقول: اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فهو أيضا لا يجوز إلا أنه يختلف فيه إذا وقع، فروى سحنون عن ابن القاسم وحكاه عن مالك أن الآمر يلزمه الشراء باثني عشر إلى أجل، لأن المشتري كان ضامنا لها لو تلفت في يديه قبل أن يشتريها منه الآمر؛ ولو أراد أن لا يأخذها بعد اشتراء المأمور، كان ذلك له؛ واستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد في ثمنها. وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني إن كانت السلعة قائمة وترد إلى المأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يوم قبضها الآمر، كما يصنع بالبيع الحرام؛ لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور، فدخله بيع ما ليس عندك. وأما السادسة وهي أن يقول له: اشترها لنفسك باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا، فروى سحنون عن ابن القاسم أيضا أن البيع لا يرد إذا فات، ولا يكون على الآمر إلا العشرة. وأحب إليه أن لو أردف الخمسة الباقية،

стр. 674

لأن العقدة الأولى كانت للمأمور، ولو شاء المشتري لم يشتر؛ وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال، كما يصنع بالبيع الحرام، للمواطأة التي كانت للبيع قبل وجوبها للمأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها الثاني، وظاهر رواية سحنون أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة، وبالله التوفيق.

стр. 675

كتاب البيوع الفاسدة فصل في تقسيم البيوع في الصحة والفساد، البيوع تنقسم على ثلاثة أقسام: بيوع جائزة، وبيوع محظورة، وبيوع مكروهة؛ فأما البيوع الجائزة فهي التي لم يحظرها الشرع، ولا ورد فيها نهي - وإنما قلنا ذلك، لأن الله تعالى أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه إذنا مطلقا، وإباحة عامة - في غير ما آية من كتابه، من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، يريد التجارة للبيع والشراء، ولفظ البيع لفظ عام لأن الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام صار من ألفاظ العموم، قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣]، فاستثنى من الإنسان - جماعة المؤمنين، لاقتضائه العموم، واللفظ العام إذا ورد يحمل على عمومه إلا أن يأتي ما يخصصه، فإن خص منه شيء بقي ما بعد المخصوص على عمومه أيضا، فيندرج تحت قوله

стр. 676

تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] كل بيع، إلا ما خص منه بالدليل، وقد خص منه بأدلة الشرع بيوع كثيرة؛ فبقي ما عداها على أصل الإباحة، ولذلك قلنا في البيوع الجائزة: إنها جائزة ما لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها النهي. فصل والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين (أحدهما) ما لا يصح ملكه. (والثاني) ما يصح ملكه؛ فأما ما لا يصح ملكه، فلا يجوز بيعه بإجماع، كالحر والخمر والخنزير والقرد والدم والميتة وما أشبه ذلك، وأما ما يصح ملكه، فإنه ينقسم على قسمين: (أحدهما) ما لا يصح بيعه - إما لأنه على صفة لا يجوز بيعه عليها كالعبد الآبق والجمل الشارد، وتراب الصواغين، وما أشبه ذلك؛ وإما لأن الشرع حرم بيعه كالأوقاف، ولحوم الضحايا - عند جماعة العلماء، والمصحف عند بعضهم، والكلب المأذون في اتخاذه عند بعض أصحابنا. (والثاني) يصح بيعه ما لم يقع على وجه يمنع الشرع منه. فصل والوجوه التي يمنع الشرع من عقد البيع عليها كثيرة، منها ما يعود إلى الثمن والمثمون، ومنها ما يعود إلى حال المتبايعين، ومنها ما يعود إلى الحال التي وقع فيها البيع؛ فأما ما يعود منها إلى الثمن والمثمون، فعدمها شرط في صحة البيع وجودا وعدما باتفاق، كعدم الربا ومعرفة الثمن والمثمون وعدم الجهل بهما والغرر فيهما إلى ما سوى ذلك مما يشترط في صحة البيع؛ وأما ما يعود منها إلى حال المتبايعين أو إلى الحال التي وقع فيها البيع؛ ففيه تفصيل واختلاف سأبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 677

فصل وأما البيوع المحظورة فإنها تنقسم إلى قسمين، أحدهما ما كان محظورا لحق آدمي، والثاني ما كان محظورا لحق الله تعالى؛ فأما ما كان منها محظورا لحق آدمي، فإنها موقوفة على إجازة من حظرت لحقه. وأما ما كان منها محظورا لحق الله تعالى، فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام، (أحدها) ما كان محظورا لتعلقه بالمحظور في الشرع دون أن يطابقه نهي أو يخل فيه بشرط من الشرائط المشترطة في صحته. (والثاني) ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشرائط المشترطة في صحته. (والثالث) ما أخل فيه بشرط من شرائط صحته. (والرابع) بيوع الشروط وهي التي يسميها الفقهاء بيوع الثنيا. فصل فأما القسم الأول وهو ما كان محظورا لتعلقه بالمحظور دون أن يطابقه نهي أو يخل فيه بشرط من شرائط صحته، مثل أن يبيع قبل الصلاة في آخر وقتها بقدر ما لا يدرك قبل تمامه إلا ركعة من الصلاة، ويعلم أنه يفوته جميع الوقت باشتغاله بالبيع، ومثل البيع والشراء في موضع مغصوب وما أشبه ذلك، فإن البيع على هذا الوجه حرام محظور غير جائز، إلا أنه إذا وقع لم يفسخ، فات أو لم يفت، باتفاق، إلا ما كان من هذا النوع علة الحظر فيه باقية ببقاء المبيع، مثل شراء النصراني المصحف والمسلم، أو شراء الدين على الرجل إرادة الإضرار به، فقيل: إنه يفسخ لبقاء علة الحظر فيه بعد البيع، وقيل: إنه لا يفسخ وترفع العلة ببيع المشترى على المشتري. فصل وأما القسم الثاني وهو ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشرائط

стр. 678

المشترطة في صحته، مثل البيع في وقت الجمعة، وبيع حاضر لباد وبيع الرجل على بيع أخيه، وبيع التلقي وبيع التفرقة، وما أشبه هذا من البيوع، فيختلف أهل العلم فيها إذا وقعت على قولين، فمن رأى أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه، لم يفسخها وإن كانت السلعة قائمة لم تفت، ومن رأى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، فسخها إن كانت قائمة أو فائتة. وإن كانت قائمة ردت بعينها. وإن كانت فائتة ردت قيمتها وكان رد قيمتها كرد عينها؛ وفي هذا النوع من البيوع قول ثالث، أنها تفسخ ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن ولم ترد إلى القيمة، وهو قول بين القولين لا يجري على قياس. فصل وأما القسم الثالث من البيوع وهو ما أخل فيه بشرط من شرائط صحته، فإنها تنفسخ على كل حال، ولا خيار في ذلك لأحد المتبايعين، وترد السلعة إلى البائع إن كانت قائمة، أو قيمتها يوم القبض إن كانت فائتة، ويرد البائع الثمن على المشتري، وقد تقدم ذكر بعض الشروط المشترطة في صحة البيع، وأن من ذلك أن يكون مبلغ الثمن والمثمون معلوما، ولا يلزم أن يزيد في هذا الشرط حال العقد إلا على مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة الذي لا يجيز شراء الصبرة على الكيل، كل قفيز بدرهم؛ إذ لا يعلم مبلغ الثمن والمثمون حال العقد، وإنما يعلم بعد الكيل؛ فإذا باع الرجل السلعة بثمن مجهول أو إلى أجل مجهول، أو ما أشبه ذلك؛ فسخ على كل حال في القيام والفوات، شاء المتبايعان أو أبيا. فصل وأما القسم الرابع - وهي بيوع الشروط التي يسميها أهل العلم بيوع الثنيا - فذلك مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا يبيع ولا يهب، أو على أن يتخذها أم ولد، أو على أن لا يخرج بها من البلد، أو على أن لا يعزل عنها، أو على أن لا يجيزها البحر، أو على إن باعها فهو أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، أو على أنه فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، أو ما أشبه ذلك من الشروط التي

стр. 679

تقتضي التحجير على المشتري في السلعة التي اشترى؛ فهذا النوع من البيوع اختلف فيه إذا وقع شيء منها على قولين، (أحدهما) أنه يفسخ ما دام البائع متمسكا بشرطه، وإن ترك الشرط صح البيع، وإن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من القيمة أو الثمن. وقيل: إنه يرجع البائع على المشتري إذا فاتت بمقدار ما نقص من الثمن بسبب الشرط على كل حال، ولا ينظر في ذلك إلى القيمة، كانت أقل من الثمن أو أكثر؛ ووجه العمل في ذلك على هذا القول أن تقوم السلعة بشرط وبغير شرط، فما كان بين القيمتين من الأجزاء رجع البائع على المبتاع بذلك الجزء من الثمن؛ فهذا حكم هذا الباب على هذا القول. وهو المشهور في المذهب - إلا في مسألة واحدة، وهي شراء الرجل السلعة على أنه فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال، ولا يمضي - إن رضي مشترط الخيار بترك الشرط، لأن رضاه بذلك ليس تركا منه للشرط، وإنما هو مختار للبيع على الخيار الفاسد الذي اشترط. والقول الثاني أن حكم هذه البيوع كلها حكم ما فسد من البيوع للإخلال بشرط من شروط صحتها، فيفسخ على كل حال، كانت قائمة أو فائتة، شاء المتبايعان أو أبيا، ولا خيار في ذلك لواحد منهما؛ فإن كانت السلعة قائمة ردت بعينها، وإن كانت فائتة ردت قيمتها على البائع بالغة ما بلغت ورد الثمن على المشتري. فصل واختلف أيضا في البيع والسلف إذا وقع، فقيل: يفسخ ما دام مشترط السلف متمسكا بشرطه، فإن رضي بتركه على مذهب سحنون أو رده على مذهب ابن القاسم - يريد - والله أعلم - قبل أن يغيب عليه غيبة ينتفع فيها به، صح البيع - ولم يفسخ، فإن فاتت السلعة، قال ابن حبيب: ولم يقبض السلف، كان فيها الأقل من الثمن أو القيمة - إن كان المشتري هو مشترط السلف، أو الأكثر من القيمة، أو الثمن إن كان البائع هو مشترط السلف، كالحكم في بيوع الثنيا سواء، هذا قول ابن القاسم في المدونة وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم: أن فيها القيمة بالغة ما بلغت،

стр. 680

كانت أقل من الثمن أو أكثر، وهي ظاهر روايته عنه في السلم والآجال، من العتبية، وعلى هذا يفسخ البيع إن شاء المتبايعان أو أبيا إذا كانت السلعة قائمة. فصل فيحتمل أن تكون رواية يحيى عن ابن القاسم هذه على مذهب من يرى في بيوع الثنيا أنها فاسدة، فتفسخ على كل حال ولا خيار لأحد المتبايعين في إمضائها؛ ويحتمل أن يكون رأي اشتراط السلف في البيع أشد من تلك الشروط، لأن شرط السلف في البيع إنما أراد الانتفاع به إلى الأجل الذي سمياه، والانتفاع به مجهول، فآل الأمر إلى الجهل بالثمن إن كان البائع هو مشترط السلف، أو إلى الجهل بالمثمون إن كان المشتري هو مشترط السلف، والعلم بالثمن والمثمون مشترط في صحة البيع، وقد جعل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في رواية أشهب عنه من كتاب العيوب من العتبية البيع والسلف أخف من بيوع الثنيا، فقال في الذي يبيع الجارية بشرط أن تتخذ أم ولد: إن البيع يفسخ وإن رضي البائع بترك الشرط، وفي الذي باع بشرط السلف، أن البيع لا يفسخ إذا رضي البائع بترك السلف، فلم ير على هذه الرواية أن اشتراط السلف من أحد المتبايعين على صاحبه - يوجب مجهلة في الثمن لا في المثمون، إذ لم يتحقق عنده أن مشترط السلف قصد إلى بيع سلعته بالثمن الذي سماه وبما يربح في السلف، إذ قد لا يريده للتجارة فيه وإنما غرضه فيه أن يبتاع به عرضا يقتنيه أو ثوبا يلبسه أو طعاما يأكله أو ينفع به رجلا فيسلفه إياه أو يهبه أو يتصدق به عليه أو ما أشبه ذلك من وجوه المنافع الموجودة فيه، لأن الشرط إذا آل به البيع إلى الغرر، أو المجهلة في الثمن أو المثمون، فالبيع فاسد مفسوخ على كل حال، ولا خيار في إمضائه لأحد المتبايعين في قيام السلعة، وفيه القيمة بالغة ما بلغت في فواتها. فصل وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشروط المشترطة في البيوع على مذهب مالك رحمه

стр. 681

الله تنقسم على أربعة أقسام، (أحدهما) يفسخ به البيع على كل حال، ولا خيار في إمضائه لأحد المتبايعين، فإن كانت السلعة قائمه ردت بعينها؛ وإن كانت فائتة، صح البيع فيها بالقيمة - بالغة ما بلغت، كانت أكثر من الثمن أو أقل؛ وهو ما آل البيع به إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة العقد، كعدم الربا والغرر في الثمن أو المثمون وما أشبه ذلك. (والثاني) يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فإن رضي بترك الشرط صح البيع إن كان لم يفت، وإن كان قد فات كان فيها الأقل من الثمن أو القيمة، أو الأكثر من القيمة أو الثمن على التفسير الذي قدمناه في بيوع الثنيا. (والثالث) يجوز فيه البيع والشرط، وذلك إذا كان الشرط صحيحا ولم يؤل البيع به إلى غرر ولا فساد في ثمن ولا مثمون، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار ويشترط سكناها أشهرا معلومة، أو يبيع الدابة ويشترط ركوبها أياما يسيرة أو إلى مكان قريب، أو يشترط شرطا يوجبه الحكم، وما أشبه ذلك. (والرابع) يجوز فيه البيع ويفسخ الشرط، وذلك ما كان الشرط فيه غير صحيح، إلا أنه خفيف فلم يقع عليه حصة من الثمن، وذلك مثل أن يبيع السلعة ويشترط إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوها فلا بيع بينهما، مثل الذي يبتاع الحائط بشرط البراءة من الجائحة، لأن الجائحة لو أسقطها بعد وجوب البيع، لم يلزمه ذلك، لأنه أسقط حقا قبل وجوبه؛ فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع، لم يؤثر ذلك عنده في حصته؛ لأن الجائحة أمر نادر فلم يقع لشرطه ذلك حصة من الثمن، ولم يلزم الشرط، إذ حكمه أن يكون غير لازم إلا بعد وجوب الرجوع بالجائحة وما أشبه ذلك؛ فهذا مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الشروط المقترنة بالبيع، وعلى هذا الترتيب لا يتعارض ما روي عن النبي ﷺ في هذا الباب، خلاف ما ذهب إليه أهل العراق، روي أن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت فيها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعا واشترط شرطا، فقال: البيع باطل والشرط

стр. 682

باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز؛ فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط». ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن «عائشة ﵂ قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها - وإن اشترط أهلها الولاء، فإن الولاء لمن أعتق» البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار، عن «جابر قال: بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لي حلابها وظهرها إلى المدينة،» فالبيع جائز، والشرط جائز؛ فعرف مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الأحاديث كلها واستعملها في مواضعها، وتأولها على وجوهها؛ فأما أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فلم يمعنوا النظر، ولا أحسنوا تأويل الآثار، والله يوفق من يشاء. وأما البيوع المكروهة، فهي التي اختلف أهل العلم في إجازتها، والحكم فيها أن تفسخ ما كانت قائمة، فإن فاتت لم ترد، مراعاة للاختلاف فيها، كذا روى ابن وهب عن مالك أن البيع المكروه لا يرد إذا فات، وبعضها أشد كراهية من بعض، فمنها ما العقد فيه فوت، ومنها ما القبض فيه فوت، ومنها ما فوات العين فيه فوت، ومنها ما يختلف فيما يفوت به، كشراء الزرع إذا أفرك قبل أن ييبس، وما أشبه ذلك.

стр. 683

فصل فلا يخرج شيء من البيوع عن هذه الأقسام، وإن وجد بين أصحاب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اختلاف في بيع من البيوع، فإنما ذلك لاختلافهم من أي قسم هو من الأقسام المذكورة. فصل ومن بيوع الشروط ما يختلف فيه: هل هو بيع أو غير بيع، مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا نقصان على المشتري، فاختلف هل هو بيع فاسد، أو إجارة فاسدة؛ ومنه أن يبيع الرجل السلعة على أنه متى جاءه بالثمن فهو أحق بها، فاختلف فيه هل هو بيع فاسد أو سلف جر منفعة، والقولان في كتاب بيوع الآجال من المدونة.

стр. 684

كتاب الغرر ما جاء في بيع الغرر وتبيين وجوهه وأحكامه: ثبت عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع الغرر» وبيع الغرر هو البيع الذي يكثر فيه الغرر ويغلب عليه حتى يوصف به، لأن الشيء إذا كان مترددا بين معنيين لا يوصف بأحدهما دون الآخر، إلا أن يكون أخص به وأغلب عليه. فصل ووجوه الغرر في البيوع كثيرة لا تحصى، من ذلك بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والجنين في بطن أمه، ومن ذلك ما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الملامسة والمنابذة، والملامسة أن يلمس الرجل الثوب ولا ينظر إليه ولا يتأمل ما فيه، أو يبتاعه ليلا ولا ينظر ما فيه، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل منهما، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا، فهذا الذي نهي عنه من الملامسة والمنابذة، ومن ذلك نهيه ﷺ عن المضامين والملاقيح،

стр. 685

والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الجمال؛ وقيل بعكس ذلك: إن الملاقيح ما في بطون الإناث، والمضامين ما في ظهور الجمال، والتفسير الأول في الموطأ لمالك أو لابن شهاب أو لسعيد بن المسيب، وإليه ذهب أبو عبيد، والتفسير الثاني لابن حبيب وغيره، ومن ذلك نهيه ﷺ عن بيع حبل الحبلة، وهو بيع نتاج النتاج، وقيل: هو البيع إلى نتاج النتاج، وأي الأمرين كان فهو غرر، إما في المثمون، وإما في أجل الثمن، ومن ذلك نهيه ﷺ عن بيع الحصاة، وهو أن يساوم الرجل الرجل في سلعة وبيد أحدهما حصاة، فيقول لصاحبه: إذا سقطت الحصاة من يدي فقد وجب بيع بيني وبينك، وقيل: هو أن تكون السلعة منشورة فيرمي المبتاع حصاة، فأيها وقعت عليه وجبت له بما سميا من الثمن، وأي ذلك كان فهو أيضا من الغرر المنهي عنه، ومن ذلك نهيه ﷺ عن بيعتين في بيعة، على الاختلاف في معنى ذلك، ومن ذلك نهيه ﷺ عن بيع العربان، وتفسيره أن يشتري الرجل السلعة ويعطيه دينارا أو درهما فيقول له: إن أخذتها فذلك من الثمن، وإن تركتها كان ذلك باطلا بغير شيء، وذلك أيضا غرر بين، وكانت هذه كلها بيوعا كان أهل الجاهلية يتبايعون بها، فنهى النبي ﷺ عنها، لأنها من أكل المال بالباطل، قال الله : ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] معناه: تجارة لا غرر فيها ولا مخاطرة ولا قمار، لأن التراضي بما فيه غرر أو خطر أو قمار لا يحل ولا يجوز، لأنه من الميسر الذي حرمه الله في كتابه حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].

стр. 686

فصل فلا يصح البيع إلا أن يكون سالما من الغرر الكثير، لأن الغرر اليسير الذي لا تنفك البيوع منه مستخف مستجاز فيها. فصل وإنما يقع الاختلاف بين العلماء في فساد بعض أعيان العقود لاختلافهم فيما فيه من الغرر، هل هو من جنس الكثير الداخل تحت نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر المانع من صحة العقد، أو من جنس اليسير المستخف المستجاز في البيوع الذي لا يمنع من صحة العقد. فصل والغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء (أحدهما) العقد (والثاني) أحد العوضين: الثمن أو المثمون، أو كليهما. (والثالث) الأجل فيهما أو في أحدهما، فأما الغرر في العقد فهو مثل نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة وعن بيع العربان، وعن بيع الحصاة، على أحد التأويلين، وما أشبه ذلك مما لا جهل فيه في ثمن ولا مثمون، وإنما حصل الغرر فيه بانعقاده بين المتبايعين على هذه الصفات؛ ومن هذا المعنى بيع المكيل والجزاف في صفقة واحدة، والقول فيما يجوز من بيع الجزاف والمكيل في صفقة واحدة، يتحصل بأن يعلم أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلا ويجوز بيعه جزافا، كالحبوب، وأن منها ما الأصل فيه أن يباع جزافا ويجوز بيعه كيلا، كالأرضين والثياب، وأن منها عروضا لا يجوز بيعها كيلا ولا وزنا كالعبيد والحيوان، فالجزاف مما أصله أن يباع كيلا كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه، ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافا، كالأرضين والثياب باتفاق، والجزاف مما أصله أن يباع جزافا لا يجوز أن يباع مع الميكل منه باتفاق أيضا،

стр. 687

واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلا على قولين، (أحدهما) أن ذلك جائز، وإليه ذهب ابن زرب وأقامه من إجازته في السلم الأول من المدونة، أن يسلم في ثياب وطعام صفقة واحدة (والثاني) أن ذلك لا يجوز، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه، ولا اختلاف في جواز بيع الكيلين في صفقة واحدة وجزافين في صفقة واحدة أيضا على كل حال، ولا يجوز بيع الجزاف مع العروض في صفقة واحدة إلا عند ابن حبيب، فإنه ذهب إلى أن الجزاف مما أصله أن يباع كيلا، لا يجوز بيعه مع العروض في صفقة واحدة، وهو بعيد، وأما بيع الجزاف على الكيل، فلا ينضاف إليه في البيع شيء بحال على الصحيح من الأقوال، وهو مذهب ابن القاسم. وأما بيع الجزافين على الكيل، فإن كانا على صفة واحدة وبكيل واحد، جاز باتفاق، وإن اختلف الكيل والصفة جميعا لم يجز باتفاق، وإن اتفق أحدهما واختلف الآخر، جاز على اختلاف بين ابن القاسم وأشهب، فعلى مذهب ابن القاسم لا يجوز أن يبيع الرجل قريته تكسيرا، كل قفيز بكذا، إلا أن يستوي أرضها في الطيب والكرم ولا يكون فيها ثمرة ولا دار تدخل في البيع، فإن باع منها زرعا مسمى من موضع بعينه، أو على أن يأخذ المشتري من أي موضع أحب، فعلى ما تقدم لا يجوز أن يضاف إلى ذلك في الصفقة جزاف مما أصله أن يباع جزافا ولا مما أصله أن يباع كيلا؛ وكذلك إن باعها كلها على أن تكسيرها كذا وكذا على مذهب من حكم لذلك بحكم شراء الذرع المسمى إن كان فيها أكثر مما سمى، كان الزائد للبائع، وإن كان فيها أقل، كان بالخيار بين أن يأخذ ما وجد بحسابه من الثمن أو يرد، إلا أن يكون النقصان يسيرا فيلزمه ما وجد بحسابه من الثمن، وأما على مذهب من جعل ذلك كالصفة للأرض إن وجد فيها أكثر من الذرع المسمى، كان للمبتاع، وإن وجد أقل، كان المبتاع بالخيار بين أن يأخذ بجميع الثمن أو يرد، فلا يجوز أن ينضاف إلى ذلك في الصفقة كيل مما أصله أن يباع جزافا باتفاق، ولا كيل مما أصله أن يباع كيلا على ما تقدم من الاختلاف،

стр. 688

وكذلك القول في الثوب والخشبة وما أشبههما إذا اشترى ذلك كله، كل ذراع بكذا، أو على أن فيه كذا وكذا ذراعا، أو اشترى منه ذرعا كذا، وحكم الموزون والمعدود في جميع ما ذكرناه حكم المكيل. فصل وأما الغرر في الثمن والمثمون أو في أحدهما، فإنه يكون بثلاثة أوجه، (أحدها) الجهل بصفة ذلك أو بمقداره، فأما الجهل بصفة ذلك، فهو مثل أن يبيع جنينا في بطن أمه، أو غائبا على غير صفة، أو يبيع سلعة بدنانير مسماة من غير صفة ونقد البلد مختلف، وما أشبه ذلك، وأما الجهل بمقداره، فهو مثل أن يبيع الطعام بكيل مجهول، أو يبيع سلعة بجزاف من الدنانير والدراهم، (والثاني) عدم القدرة على تسليمه، وذلك مثل أن يبيع العبد الآبق، والجمل الشارد والسلعة بيد غاصب منكر للغصب ولا بينة عليه، أو مقر به ممتنع من دفعها وهو ممن لا تأخذه الأحكام؛ وقد اختلف إن كان الغاصب منكرا للغصب ممن تأخذه الأحكام وعليه بالغصب بينة؛ ومثل شراء الدين على الحاضر المنكر إذا كانت عليه بينة، وشراء ما فيه خصومة، وأخف ذلك شراء الدين على الغائب القريب الغيبة على مسيرة اليومين والثلاثة إذا لم يعلم إقراره من إنكاره وعليه بينة، وأما إذا لم تكن عليه بينة فلا يجوز ذلك، (والثالث) الجهل بمآل حاله - وهو أمر مختلف فيه، وذلك مثل أن يبيع الرجل العبد المجروح موضحة قبل أن يبرأ ويحكم له بأرشها من غير أن يبرأ الجاني من الجناية، أو يبيع العبد المريض إذا كان المرض قد بلغ به إلى الحد الذي لا يجوز للمريض فيه القضاء في جميع ماله، أو يشتري الأنقاض قائمة على القلع من قاعة ليست للبائع ولا للمبتاع، وما أشبه ذلك، ومما يشبهه أن يكون للرجل على الرجل دنانير أو دراهم أو عروض، فيصالح رجل أجنبي صاحب الدين على أن يدفع إليه خلاف الدين مما يصير الذي عليه الدين مخيرا في صنفين.

стр. 689

فصل وأما الغرر بالأجل في الثمن والمثمون، فذلك مثل أن يبيع منه السلعة بثمن إلى قدوم زيد أو إلى موته، أو يسلم إليه في سلعة إلى مثل ذلك الأجل، وما أشبه ذلك. فصل وإذا وقع بيع الغرر فسخ ما كان قائما، فإن فات بيد المبتاع صحح بالقيمة، وضمانه على مذهب ابن القاسم من البائع ما لم يقبضه المبتاع، وإن دفع الثمن أو دعي إلى قبضها، وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم أن ضمانها من البائع - وإن قبضها المبتاع - وهو بعيد، وقال أشهب: إن ضمانها من المبتاع وإن كانت بيد البائع - إذا نقد الثمن، أو دعي إلى قبضها - وإن لم ينقد الثمن. فصل وقد اختلف الذين رأوا أنها لا تدخل في ضمان المبتاع إلا بالقبض إذا عقد فيها عقدا من عتق أو بيع أو صدقة أو هبة وما أشبه ذلك من العقود، هل يكون ذلك قبضا وفوتا أم لا؟ على أربعة أقوال، (أحدها) أنه لا يكون شيء من ذلك كله قبضا ولا فوتا، وهو قول سحنون، (والثاني) أن ذلك كله يكون قبضا وفوتا، وهو قول ابن القاسم في كتاب العيوب، لأنه رآه فوتا في الصدقة، فهو فيما سواه أحرى أن يكون فوتا (والثالث) أنه لا يكون فوتا شيء من ذلك إلا العتق لحرمته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور، قوله في البيع إذا كان الأول قد قبضها (والرابع) أنه لا يكون فوتا وقبضا إلا العتق والبيع خاصة. فصل وبيع السلعة الغائبة على الصفة خارج مما نهى عنه النبي ﷺ من بيع الغرر في مذهب مالك وجميع أصحابه، خلافا للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله:

стр. 690

إن الغائب لا يجوز بيعه على الصفة، لأنه لا عين مرئية ولا صفة مضمونة ثابتة في الذمة، وخلافا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله: إن شراء الغائب على الصفة وعلى غير الصفة جائز، وللمبتاع خيار الرؤية إذا نظر إليها، وقد روي عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مثل هذا القول، والصحيح ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه من أن شراء الغائب على الصفة جائز، وذلك للمبتاع لازم - إن وجد الغائب على الصفة التي وصف بها، لأن الصفة تقوم مقام رؤية الموصوف، قال رسول الله ﷺ : «لا تنعت المرأة المرأة للزوج حتى كأنه ينظر إليها» أو كما قال ﷺ ، فشبه ﷺ المبالغة في الصفة بالنظر، وقال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وجه الدليل من هذه الآية أن اليهود كانوا يجدون في التوراة نعت النبي ﷺ وصفته، فكانوا يحدثون بذلك ويستفتحون به على الذين كفروا؛ أي يستنصرون به على كفار العرب، يقولون: اللهم آت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم؛ لأنهم كانوا يرجون أن يكون منهم؛ فلما بعثه الله تعالى من العرب ولم يكن منهم، حسدوه وكفروا به، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته؛ فقالوا: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو هذا الذي كنا نخبركم به، فأنزل الله تكذيب قولهم في كتابه، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فلما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩] وهم لم يعرفوه قبل إلا بصفته التي وجدوها في التوراة، دل ذلك على أن المعرفة بالصفة معرفة بعين الشيء الموصوف، وذلك ما أردنا أن نحتج له، وفي قول رسول الله ﷺ في

стр. 691

حديث أبي هريرة الواقع في الكتاب: «لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها»، دليل بين على أن الخبر عنها بمنزلة النظر إليها، وإذا جاز أن يسلم الرجل إلى الرجل في ثوب أو عبد على صفة، ولم يكن ذلك غررا، جاز أن يبتاعه على الصفة ولا يكون ذلك غررا، إذ لا فرق بين الموضعين، ومن الدليل أيضا على جواز البيع على الصفة قول رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه» فإذا جاز بيع الحب في أكمامه وهو غير مرئي على صفة ما فرك منه إن كان حاضرا، جاز أن يشتري منه إذا كان غائبا على صفة، إذ لا فرق إذا غاب المبيع بين أن يبيعه على الصفة أو على مثال يريه إياه، وهذا الحديث أيضا حجة في بيع الجزر والفجل وما أشبه مما هو مغيب تحت الأرض، لأنه يقلع منه شيء فيستدل به على بقيته، ويستدل عليه أيضا بفروعه. فصل ومن هذا بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى، فأجازه مالك وأصحابه؛ خلافا للشافعي وأبي حنيفة ﵁، ودليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولأنه مأكول في أكمام من أصل الخلقة، فجاز بيعه كالرمان والموز، ولأن الضرورة تدفع إلى ذلك، لما بالناس من الحاجة إلى بيع ذلك رطبا، إذ ليس كل أحد يمكنه تجفيفه، وفي نزع قشره إفساد له، فلم يبق إلا جواز البيع، بيد أنه لا يجوز الاجتزاء بالصفة عن النظر إلا مع الضرورة إلى ذلك، لأن النظر أبلغ في المعرفة من الصفة، قال رسول الله ﷺ : «ليس المعاينة كالخبر».

стр. 692

فصل فمن الضرورة إلى ذلك أن تكون السلعة المبيعة على الصفة غائبة في بلد آخر، أو يكون المبيع متاعا كثيرا مشدودا في أعداله وأحماله، فيجوز بيعه على صفة البرنامج، لأن فتحه كله ونشره مما يضر بصاحبه ويشق عليه، وأما الثوب الواحد والثياب اليسيرة فلا يجوز بيعها على الصفة إذا كانت حاضرة حال العقد، وقد أجاز أشهب بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة، وذلك في الثوب الرفيع الذي يغيره ترداد نشره على السوام وتقليبهم إياه، وأما الثوب الذي ليس على هذه الصفة، فلا ينبغي أن يختلف فيه. فصل وقد اختلف في السلعة الحاضرة في البلد الغائبة عن موضع العقد فقيل: إن بيعها على الصفة لا يجوز، لأنها كالحاضرة، إذ لا تتعذر رؤيتها، وقيل: إن بيعها على الصفة جائز - وإن كانت في البلد، لأنها إذا لم تكن حاضرة في موضع العقد فلم يقصد إلى الغرر بشرائها على الصفة وأشبهت الغائبة عن البلد. فصل وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده والعقد عليه صحيح، وإن لم يعلم إن كان حين العقد قائما أو تالفا، فإن وجد قد تلف قبل العقد وقبل البيع باتفاق، وإن تلف بعد العقد وقبل القبض، فاختلف قول مالك ﵀ في ذلك، فمرة قال: إن مصيبته من البائع وينتقض البيع كتلفه قبل العقد، وهو آخر قوله، ومرة قال: إن مصيبته من المبتاع ويصح البيع. فصل ويجوز لمشتري السلعة الغائبة أن يبيعها قبل القبض من غير الذي اشتراها منه بما شاء ولا ينتقد بشرط، إلا أن يكون قريب الغيبة، وأما من الذي باعها

стр. 693

منه فلا يجوز له أن يبيعها منه بمثل الثمن ولا بأكثر ولا بأقل، لأنه فسخ الدين في الدين، إلا أن يكون نقد الثمن بغير شرط على كلا القولين في مذهب ابن القاسم، وقال سحنون: يجوز أن يبيعها منه على القول الذي يرى فيه الضمان من البائع؛ قياسا على ما أجازه مالك ﵀ من الإقالة في الجارية التي في المواضعة، وقوله أظهر في القياس. فصل وأما إن باعها منه بخلاف الثمن الذي اشتراها به مما يجوز بيعها به، فذلك جائز إذا لم ينتقد بشرط، إلا أن يكون قريب الغيبة مما يجوز النقد فيه، قال في الكتاب: لا أرى بذلك بأسا إذا علم أن الثوب قائم حين وقعت الصفقة الثانية في مسألة من آجر داره من رجل شهرين بثوب موصوف في بيته، ثم باع ذلك الثوب منه قبل أن يقبضه منه بدراهم أو بدنانير أو بثوبين مثله من صنفه، أو بسكنى دار له أخرى، وهو كلام فيه نظر إذ ليس من شرط صحة العقد على الغائب أن يعلم قيامه حين العقد، كما يظهر من ظاهر اللفظ؛ إذ لو كان ذلك من شروط صحته لما جاز بيع غائب بحال، إذ لا طريق إلى معرفة قيام الشيء للغائب في حال غيبته، فمعنى الكلام والمراد به أن الصفقة إذا وقعت فعلم بعد وقوعها أن الثوب كان قائما في حين وقوعها، صحت وعلم انتقال الملك بها من المشتري إلى البائع، والضمان أيضا من البائع إلى المشتري، على قول مالك رحمه اللة تعالى الآخر واختيار ابن القاسم، أو من المشتري إلى البائع، على قول مالك الأول، وإن وجدت السلعة بعد الصفقة قد تلفت قبل الصفقة، أو لم يعلم إن كان تلفها قبل الصفقة أو بعدها، فالصفقة باطلة لا ينتقل بها ملك الثوب ولا ضمانه عما كان عليه، وقد تكلم عبد الحق على توجيه هذا اللفظ فحكى عن بعض شيوخه القرويين أنه قال:

стр. 694

إنما شرط ابن القاسم إن علم أنه عنده وقت الصفقة الثانية، لأنه إن كان موجودا عنده وانهدمت الدار في بعض المدة، ينتقض من الثوب مقدار ذلك، وإن كان الثوب ليس عنده وقت الصفقة الثانية، فكأن الكراء إنما وقع بالدراهم، فإذا انهدمت الدار كان الرجوع فيها، فوجب لهذا لما كان لا يدري فيما ذا يرجع من الدراهم ومن الثوب، أن لا يجوز حتى يعلم ذلك فيدخلان على أمر معروف، وقال غيره: إنما شرط إذا علم أنه عنده، لأنه لا يدري هل باع منه شيئا موجودا أم لا، فعقد البيع إذا وقع جائز، ثم ينظر: فإن علم أنه عنده فقد صحت لنا الصفقة الأولى، وإلا فلا، وقوله: ينتقض من الثوب مقدار ذلك، يريد أنه إن انهدمت الدار وقد سكن نصف المدة، رجع عليه بنصف قيمة الثوب، وإن كان أقل فأقل، وإن كان أكثر فأكثر على هذا الحساب، لأن الثوب الذي هو عوض السكنى قد فات بالبيع منه، فهو بمنزلة فواته بالبيع من غيره أو بغير ذلك من وجوه الفوت، وهو صحيح، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه إنما يرجع في الثمن الذي دفع بقدر ما بقي له من السكنى، وعلته في ذلك أنه قد استحق من الثوب الذي باع بقدر ما انهدم من الدار، فوجب أن ينتقض البيع في مقدار ذلك من الثوب، وهو تعليل غير صحيح، لأن الثوب ثمن السكنى، فإنما يجب الرجوع فيه ويكون كالمستحق إذا كان قائما لم يفت والبيع فيه فوت؛ وإن كان إنما باعه منه إذ لا فرق في فواته بالبيع منه أو من غيره، ألا ترى أن من اشترى عبدا بيعا فاسدا فباعه من بائعه منه بيعا صحيحا أنه فوت فيمضي، ويصحح البيع الفاسد بالقيمة، ويلزم في هذا على تعليل أبي إسحاق التونسي أن ينتقض البيع الصحيح ولا يكون فوتا لرجوع السلعة إلى يد البائع وينفسخ البيع الفاسد، وهو بعيد، وأما قوله، أعني قول بعض شيوخ القرويين: فإن كان الثوب ليس عنده وقت الصفقة الثانية، فكأن الكراء إنما

стр. 695

وقع بالدراهم، فإذا انهدمت الدار كان الرجوع فيها فلا يصح، وإنما الواجب إن كان تلف الثوب قبل الصفقة الأولى أو بعد الصفقة الأولى وقبل الصفقة الثانية على القول الذي يرى الضمان من البائع في السلعة الغائبة ما لم يقبضها المبتاع، أن يرجع صاحب الدار على صاحب الثوب بقيمة ما سكن الدار إلى وقت انهدامها، لأن صاحب الدار لم يقبض شيئا لكون مصيبة السلعة من صاحبها بمنزلة من اكترى دارا بثوب فسكنها بعض المدة واستحق الثوب، فإن رب الدار يرجع على صاحب الثوب بقيمة ما سكن، وإن كان إنما تلف بعد الصفقة الأولى وقبل الصفقة الثانية على القول الذي يرى ضمان الغائبة من المبتاع إذا كان سليما يوم الصفقة، أن يرجع المكتري على صاحب الدار في قيمة الثوب بقدر ما بقي من السكنى، لأنه قد تلف ومصيبته منه، ويرجع عليه أيضا بالثمن الذي دفع إليه فيه لانتقاض البيع بتلفه قبل وقوع الصفقة؛ وأما قول غيره: إنما شرطه إذا علم أنه عنده، لأنه لا يدري هل باع منه شيئا موجودا أم لا، فعقد البيع إذا وقع جائز، فإنه كلام صحيح جيد، وأما قوله: ثم ينظر، فإن علم أنه عنده فقد صحت لنا الصفقة الأولى، وإلا فلا، فإنما معناه على قول مالك الثاني واختيار ابن القاسم أن ضمان الغائب من البائع ما لم يقبض، فيكون عقد البيع عليه قبضا له وتصح الصفقة الأولى، فإن قبضه البائع الأول بابتياعه، صحت الصفقة الثانية أيضا، وإن فات قبل أن يقبضه كانت مصيبته من المشتري الأول وهو البائع الثاني، وأما على قول مالك الأول، فإن علم أنه قائم يوم وقعت الصفقة الثانية فقد صحت الصفقة الأولى والثانية. فصل وبيع السلع المغيبات لا يجوز إلا على ثلاثة أوجه، (أحدهما) على الرؤية، (والثاني) على الصفة في الموضع الذي يجوز بيعها فيه على الصفة على ما قدمناه (والثالث) أن يشترط أنه بالخيار إذا رآها ولا ينقد بشرط كانت قريبة أو بعيدة، هذا

стр. 696

قول مالك في المدونة في السلم الثالث منها وقد قيل: إن البيع في العروض المغيبات لا يجوز إلا برؤية أو بصفة، وفي كتاب الغرر دليل على هذا القول وهو الصحيح الذي يحمله القياس، وأما النقد فيها بشرط إذا اشتريت بصفة، فلا يجوز في البعيد الغيبة، واختلف قول مالك في ذلك إذا كانت قريبة الغيبة، فله في المدونة أن ذلك جائز، وله في الموطأ أن ذلك لا يجوز، وهي رواية ابن وهب عن مالك في موطئه، ورواية ابن القاسم عنه في أصل سماعه؛ وهذا إذا اشتراها بصفة المخبر والرسول، وأما إذا اشتراها بصفة صاحبها فلا يجوز النقد فيها بشرط على حال، قربت الغيبة أو بعدت؛ وأما الرباع فاشتراط النقد فيها جائز - قربت غيبتها أو بعدت، وذلك أيضا إذا لم يشترها بصفة صاحبها، كذلك روى أشهب عن مالك وهو تفسير لما في المدونة وغيرها، وبقية أحكام شراء الغائب يأتي التكلم عليها في مواضعها من الكتاب، إن شاء الله، وبالله التوفيق.

стр. 697

كتاب بيع الخيار فصل في بيان جواز البيع على الخيار، البيع على الخيار جائز لقول رسول الله ﷺ : «المتبايعان بالخيار، كل واحد منهما على صاحبه ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار» وفي بعض الآثار: «إلا أن تكون صفقة خيار» فأخبر ﷺ أن من البيع ما يكون فيه خيار، وقال ﷺ لحبان بن منقذ أو لأبيه منقذ بن عمرو الأنصاري، على اختلاف في ذلك: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثا» وذلك أنه قد أتى عليه من السنين ثلاثون ومائة سنة، فكان إذا باع غبن فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال له: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثا». فقيل: إن ذلك خصوص من النبي ﷺ لذلك الرجل: أن جعل الخيار له ثلاثا فيما باع أو اشترى- وإن لم يشترط ذلك، وقيل: بل إنما جعل له رسول الله ﷺ أن يشترط الخيار لنفسه ثلاثا، مع قوله: لا خلابة، فيكون الحديث على هذا مستعملا، وأيا ما كان، فيه إجازة الخيار في البيع.

стр. 698

فصل والخيار في بيع في أصله غرر، وإنما جوزته السنة لحاجة الناس إلى ذلك، لأن المبتاع قد لا يخبر ما ابتاع فيحتاج إلى أن يختبره ويعلم إن كان يصلح له أم لا، وإن كان يساوي الثمن الذي ابتاعه به أم لا، وقد يحتاج في ذلك كله إلى رأي غيره، فيريد أن يستشير فيه، فجعل له الخيار رفقا به، ولا يلزم مثل هذا في النكاح وإن كان الرجل قد يحتاج إلى اختبار الزوجة التي يتزوج والتثبت في إن كانت ممن تصلح له أم لا، والاستشارة في أمرها، أكثر مما يحتاج إليه في السلعة التي يبتاع، لأن البيع طريقه المكايسة والمتاجرة، والنكاح طريقه المكارمة والمواصلة، فافترق لذلك موضوعهما. فصل والخيار يكون لوجهين: المشورة واختبار المبيع، أو لأحد الوجهين، فالعبد يختبر عقله وخلقه وخدمته وبلادته ونشاطه، وكذلك الجارية يختبر عقلها وخلقها وقوتها على الخدمة وإحكامها لما تتناوله من الطبخ والخبز وما أشبه ذلك من الصنعة، والدار يختبر بناؤها وجيرانها ومكانها وينظر إلى أسسها وحيطانها ومنافعها، والدواب يختبر خلقها وسيرها وقوتها من ضعفها ونشاطها من عجزها وأكلها وحالها في وقوفها ووضع آلتها عليها وما أشبه ذلك، وأما الثياب والعروض فلا وجه للاختبار فيها، وإنما الخيار فيها للمشورة خاصة، أو ليقيس على نفسه ما اشترى من ذلك للباسه. فصل فإن اشترط المشتري الخيار فيما يصح فيه الاختبار ولم يبين أنه إنما اشترط الخيار للاختبار، وأراد قبض السلعة ليختبرها، وأبى البائع من دفعها إليه وقال: إنما لك المشورة - إذ لم تشترط قبض السلعة في أمد الخيار للاختبار؛ فالقول قول

стр. 699

البائع، ولا يلزمه دفعها إليه، إلا أن يشترط ذلك عليه، ولا يكون اشتراط الخيار في العبد والجارية الجمعة ونحوها، وفي الدار الشهر والشهرين بدليل على أنه إنما أراد الاختبار، لأن المشورة في ذلك لا تتساوى أيضا، بل تفترق بافتراق المبيع، إذ ليس البحث والسؤال عن دار يريد اقتناءها وسكناها ويتعذر عليه الاستبدال بها إذا لم توافقه، كالعبد والخادم، ولا العبد والخادم كالسلع التي لا مئونة عليه في بيعها والاستبدال بها. فصل وللبائع من اشتراط الخيار مثل ما للمبتاع سواء، فإن اشترطه أحدهما كان له الأخذ والرد دون صاحبه، وإن اشترطاه جميعا جاز أيضا، فإن اجتمعا على رد أو إجازة، جاز ما اجتمعا عليه من ذلك، وإن اختلفا فأراد أحدهما إمضاء البيع وأراد الآخر رده؛ فالقول قول من أراد رده، ولا يتم البيع إلا باجتماعهما جميعا على الإجازة، لأن الذي أراد إمضاء البيع مسقط لحقه في الرد بائعا كان أو مبتاعا، والذي أراد البيع منهما أخذ بحقه غير مسقط له، فلا يسقط بإسقاط الذي أراد إمضاء البيع حق نفسه وهذا بين. فصل وإذا كانت العلة في إجازة البيع على الخيار حاجة الناس إلى المشورة فيه وإلى الاختبار، فحده قدر ما يختبر فيه البيع ويرتأى فيه ويستشار، على اختلاف أجناسه وإسراع التغير إليه وإبطائه عنه، فيجوز الخيار في الدواب اليوم واليومين والثلاثة، ولا يجوز فيها أكثر من ذلك، لإسراع التغير إليها، ولأن اختبارها والعلم بما هي عليها من أحوالها، يحصل في هذه المدة؛ إذ ليست من ذوي الميز الذي يخشى منها أن تستر ما فيها من الأخلاق الذميمة والعيوب التي تزهد فيها، وتستعمل ما يرغب فيها من أجله، وكذلك العروض والثياب يجوز الخيار فيها اليوم

стр. 700

واليومين والثلاثة، كالدواب سواء؛ لأنها وإن كانت مما لا يختبر كما تختبر الدواب، فإنها لا يسرع إليها التغير، كما يسرع إلى الدواب، فلم يضيق في أجل الخيار فيها لهذه العلة؛ وأما الرقيق فيجوز الخيار فيها أكثر من ذلك، قال في المدونة: الخمسة الأيام والستة إلى الجمعة. وقال ابن المواز: الأربعة الأيام والخمسة، ولا أفسخه في عشرة، وأفسخه في الشهر، وروى ابن وهب أن مالكا ﵀ أجاز الخيار في العبد شهرا وأباه ابن القاسم وأشهب في الشهر، فوجه رواية ابن وهب عن مالك أن الرقيق ذو ميز، فربما ستر العبد والجارية ما فيهما من الأخلاق الذميمة، واستعملا ما يرغب فيهما من أجله، فاحتيج في اختبارهما إلى مدة لا يستتر فيها ما طبعا عليه من الأخلاق غالبا، وإن رأى ما ستره وهو الشهر عنده، ووجه قول ابن القاسم أنه وإن كان يحتاج في الرقيق إلى الاختبار الكثير بما وصفناه من علة الميز، فإن الشهر بعيد يتغير إليه الرقيق، فمنع من ذلك لعلة التغير، وأجاز من الخيار فيهما ما قد يحصل فيه الاختبار ومعرفة الحال ولا يخشى معه التغير والانتقال - وهو الجمعة ونحوها، وحمل الصغير الذي لا يميز في ذلك محمل الكبير المميز، جعل الباب في ذلك واحدا لما لم يكن لوقت ميزه حد يرجع إليه لا يختلف، وأما الدور التي يحتاج فيها إلى الاختبار ويؤمن عليها التغير، فيجوز الخيار فيها إلى الشهر؛ قال ابن حبيب: والشهرين في الدور والأرضين، ولم يذكر في المدونة الأرضين وما في الواضحة مفسر لما في المدونة. فصل فأمد الخيار في البيع إنما هو بقدر ما يحتاج إليه في الاختبار والارتياء مع مراعاة إسراع التغير إلى المبيع وإبطائه عنه، خلافا للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله في قولهما: إنه لا يجوز الخيار في شيء من الأشياء فوق ثلاث.

стр. 701

فصل فإن زاد في أجل الخيار إلى فوق ما يحتاج إليه، فسد البيع ولم يجز، لخروجه بذلك إلى الغرر الذي لا يجوز في البيوع، وأما إن لم يضربا للخيار أجلا واشترطاه، فلا يفسد البيع ويضرب لهما من الأجل بقدر ما تختبر إليه تلك السلع، لأن الحد في ذلك معروف، فإذا أخلا بذكره، فإنما دخلا على العرف والعادة. فصل ولكل واحد من المتبايعين أن يشترط الخيار لغيره، فإن اشترطه أحدهما دون صاحبه لغيره، فاختلف في ذلك على أربعة أقوال، (أحدهما) أن ذلك حق لمشترطه من المتبايعين دون صاحبه، فإن كان البائع منهما هو مشترط الخيار لغيره، كان له أن يمضي البيع للمبتاع إن شاء ويرد إن شاء، ولا يلزمه إجازة من اشترط له الخيار - إن أراد هو الرد، ولا رده - إن أراد هو الإجازة - إن أراد المشتري أن يلزمه ذلك. إذ لا حق له في ذلك معه؛ وإن كان المبتاع منهما هو مشترط الخيار لغيره، فكذلك أيضا يكون بالخيار بين أن يأخذ أو يرد، ولا يلزمه إجازة من اشترط الخيار إن أراد هو الرد، ولا رده إن أراد هو الإجازة وأراد البائع أن يلزمه ذلك، إذ لا حق له في ذلك معه على هذا القول، كالمشورة التي لمشترطها تركها والقضاء بما أحب من رد أو إجازة سواء؛ هذا قول ابن حبيب في الواضحة واختيار ابن لبابة في كتابه المنتخب، (والقول الثاني) أن الرد والإجازة بيد من جعل إليه الخيار، وذلك حق للباقي من المتبايعين دون من اشترط ذلك منهما لغيره، فإن أراد الذي اشترط الخيار منهما لغيره أن يرد أو يجيز وأبى الباقي منهما إلا أن يلزمه ما

стр. 702

يقضي به من جعل إليه الخيار من رد أو إجازة، كان ذلك له، هذا قوله في المدونة في المبتاع إذا اشترط الخيار لغيره وله في البائع إذا اشترط الخيار لغيره مثله في موضع منها، لأنه قال فيه: فإن رضي فلان البيع فالبيع جائز، ودليل هذا الكلام أنه إن لم يرض ورد فهو مردود، ولا كلام في ذلك للبائع الذي اشترط رضاه أو خياره. (والقول الثالث) أن ذلك حق لهما جميعا، حق للبائع إن أراد إمضاء البيع للمبتاع، وأراد الذي جعل إليه البائع الخيار أن يرد؛ وحق للمبتاع إن أراد الذي جعل إليه البائع الخيار إمضاء البيع، وأراد البائع أن يرد، فبيان هذا الوجه أنه إن أراد البائع إمضاء البيع لزم ذلك المبتاع، وإن أراد الذي جعل إليه البائع الخيار أن يرد، وإن أراد الذي جعل إليه البائع الخيار - إمضاء البيع، كان للمبتاع أن يأخذ ولزم ذلك البائع، وإن كره وأراد الرد، فيلزم المبتاع البيع، وإن كره برضى البائع ويلزم البائع البيع - وإن كره برضا من جعل إليه الخيار، إلا أن يوافق المبتاع البائع على ما أراد من الردة، وكذلك إن كان المبتاع منهما هو الذي اشترط الخيار لغيره وأراد الأخذ، كان ذلك له؛ وإن أراد الذي جعل إليه أن يرد، فإن أراد الذي يشترط له الخيار الإجازة، كان للبائع أن يلزم المبتاع البيع. وبيان هذا الوجه أن البيع يلزم البائع وإن كره برضى المبتاع، ويلزم المبتاع وإن كره برضى الذي جعل إليه الخيار. هذا قوله في المدونة في البائع إذا اشترط رضى غيره في موضع منها، لأنه قال فيه: فإن رضي البائع أو رضي فلان البيع، فالبيع جائز، ومثله يلزم في المبتاع على مذهب من لم ير بين اشتراط البائع والمبتاع في ذلك فرقا، وجعل اختلاف جوابه في السؤالين اختلاف قول، لا من أجل افتراق المسألتين؛ وتأول أبو إسحاق التونسي ما في المدونة في البائع بجعل الخيار لغيره أن ذلك بمنزلة الوكالة، ومن سبق منهما فرده أو أجازه مضى ما فعل؛ قال: وهو القياس، ومثله يلزم في المبتاع خلاف ما في المدونة. (والقول الرابع) الفرق بين أن يشترط ذلك البائع أو المبتاع، وعلى ذلك تأول ما في المدونة ابن أبي زيد وأبو إسحاق التونسي وابن لبابة، إلا أنهم اختلفوا في التأويل إذا اشترط ذلك البائع: فذهب ابن لبابة إلى أن البيع يلزم المبتاع برضى البائع، ويلزم البائع برضى الذي جعل إليه الخيارة، ومثله تأويل ابن

стр. 703

أبي زيد، على هذا حمل ابن لبابة قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الموطأ، وقول ابن نافع في تفسير ابن مزين، والأظهر من قولهما - عندي - أن للذي جعل إليه البائع الخيار الرد والإجازة، وأن ذلك حق للمبتاع؛ وذهب أبو إسحاق التونسي إلى ما حكيناه عنه، أن ذلك بمنزلة الوكالة؛ ولم يختلفوا في تأويل ما وقع في المدونة إذا اشترط ذلك المبتاع، والظاهر- عندي فيما وقع في المدونة - أن ذلك اختلاف من قوله في البائع لا يدخل في المبتاع، فمرة جعل اشتراط البائع ذلك كاشتراط المبتاع، ومرة فرق بينهما، وقد قيل: إن ما وقع في المدونة ليس باختلاف قول، وإنما يرجع ذلك إلى الفرق بين البائع والمباع، وقد قيل: إن ذلك اختلاف قول يدخل في البائع والمبتاع، وأما المشورة فلا اختلاف بينهم أن لمشترطها تركها، وأن الحق في ذلك لمشترطها من المتبايعين دون صاحبه، إلا ما حكى أبو إسحاق التونسي أن ظاهر ما في كتاب محمد بن المواز - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن المشورة كالخيار في أنه إذا سبق فأشار بشيء لزم، وهو بعيد؛ فتأمل قوله في الأصل. وأما ما حكاه أبو إسحاق التونسي عن ابن نافع أن المشورة كالخيار سواء في أن للمشترط مشورته الأخذ أو الرد، فهو نقل غير صحيح، لأنه إنما تكلم على مشورة مقيدة بالخيار، وذلك كمجرد الخيار، فتأمل ذلك في تفسير ابن مزين. فصل ولا يجوز للبائع أن يشترط النقد في أيام الخيار، فإن فعل فسخ البيع بذلك، لأن النقد المدفوع يصير مرة ثمنا - إن تم البيع، ومرة سلفا - إن لم يتم؛ فإن فعل، فسخ البيع - على كل حال وليس كالبيع والسلف الذي إذا أراد مشترط السلف إسقاطه صح البيع على أحد القولين، هذا هو ظاهر المدونة؛ لأنه ذكر القيمة فيمن اشترى بالخيار بيعا فاسدا، لاشتراطه النقد ثم وجد عيبا ولم يقل الأقل من القيمة أو الثمن. وفي كتاب ابن سحنون أنه كالبيع والسلف، ولا فرق

стр. 704

عندي بين المسألتين؛ وأما النقد من غير شرط فجائز إلا فيما لا يمكن التناجز فيه بعد أمد الخيار، كالسلم والعبد الغائب والجارية التي فيها المواضعة، لأنه إن تم البيع دخله فسخ الدين. فصل وكما لا يجوز للبائع اشتراط النقد لينتفع به أمد الخيار، فكذلك لا يجوز للمبتاع اشتراط الانتفاع بالمبيع أمد الخيار، لأنه غرر أيضا، إن لم يتم البيع كان قد انتفع بالسلعة باطلا من غير شيء، وإنما جوز له من ذلك قدر ما يقع به الاختبار - خاصة فيما يختبر بالاستعمال كركوب الدابة، واستخدام العبد في الشيء اليسير الذي لا ثمن له. فصل والمبيع بالخيار في أمد الخيار على ملك البائع، كان الخيار له أو للمبتاع أو لهما، فإن تلف فمصيبته منه، كان بيده أو بيد المبتاع، إلا أن يكون بيد المبتاع، ويغيب عليه وهو مما يغاب عليه ويدعي تلفه، ولا يعرف ذلك إلا بقوله، فلا يصدق في ذلك ويكون عليه قيمة الثمن؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه وحبسه عن صاحبه، فذلك رضا منه بالثمن؛ وقد روي عن مالك أن الضمان من المشتري فيما بيع على الخيار - إن كان الخيار له، ومن البائع - إن كان الخيار له - وهو قول ابن كنانة. فصل والخيار في هذا بخلاف الاختيار على مذهب ابن القاسم، لأنه إذا اشترى ثوبا من ثوبين أو عبدا من عبدين، على أن يأخذ أيهما شاء بثمن قد سمياه فتلفا، فالضمان في أحدهما من البائع، وفي الثاني من المبتاع - قامت على تلفهما بينة أو لم تقم - فيكون عليه نصف الثمن، إذ لم يعرف الذي قبضه على الاشتراء من الذي قبضه على الائتمان، وكذلك لو اجتمع الخيار والاختيار على مذهب ابن

стр. 705

القاسم، فادعى تلفهما - ولم يعرف ذلك إلا بقوله؛ وأما لو قامت بينة على تلفهما، لكانت مصيبتهما من البائع لأن الواحد قبضه على الائتمان فضمانه من البائع، (والثاني) على الخيار فضمانه من البائع أيضا - لقيام البينة على تلفه؛ هذا مذهب ابن القاسم في هذه المسألة، وفيها اختلاف كثير، ولها تفصيل وتفسير ليس هذا موضع ذكره. فصل وإنما يجوز اشتراء الثوب من الثياب على الاختيار والإلزام في الصنف الواحد، وهو في الصنفين من بيعتين في بيعة، وقد «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة» ومعنى ذلك أن يتناول عقد البيع مبيعين لا يتم البيع مع لزومه للمتبايعين أو لأحدهما إلا في أحد المبيعين؛ وإنما قلنا: في أحد المبيعين، ولم نقل: أحد الثمنين، ولا أحد المثمونين، لأعم بذلك الوجهين؛ إذ لا فرق بين أن يتناول ثمنين أو مثمونين على الوجه المذكور، لأن الثمن مبيع بالمثمون، كما أن المثمون مبيع بالثمن. فصل فإذا انعقد البيع في مثمون واحد على ثمنين أو في مثمونين على ثمن واحد، أو في مثمونين على ثمنين، فلا يخلو ذلك من وجهين (أحدهما) أن يجوز تحويل أحدهما في الآخر، (والثاني) أن لا يجوز ذلك؛ فأما إذا لم يجز تحويل أحدهما في الآخر، فإن ذلك لا يجوز باتفاق مع ظهور التهمة، فإن سلما من التهمة، جاز ذلك، مثل أن يختلف المبيعان فيما عدا الطعام في القلة والكثرة مع النقد أو التساوي في الأجل، أو الاختلاف فيه، مثل أن يكون المؤجل أو الذي هو أبعد أجلا أقل عددا؛ إذ لا غرض في ذلك يتوخى ويقصد إليه، مثل أن يبيع منه سلعة بدينار نقدا، أو بدينارين نقدا، أو يبيعها منه بدينارين نقدا أو دينارين إلى أجل؛ فهذا وإن كان لا
следующие страницы →