Полный текст (1 626 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
خيار ولا كفالة ولا حوالة، ولا يصح، إلا بالمناجرة الصحيحة، لا يفارق صاحبه وبينه وبينه عمل، قال رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز» وقال عمر بن الخطاب ﵁: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء. والرماء هو الربا.
فصل
والنظرة في الصرف تنقسم على ثلاثة أقسام، أحدها: أن ينعقد الصرف بينهما على أن ينظر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، وإن قل، فهذا إذا وقع فسخ جميع الصرف باتفاق لانعقاده على فساد. (والثاني) أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة، ثم يؤخر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، فهذا ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، وإن كان درهما انتقض صرف دينار واحد ما بينه وبين أن يكون الذي وقع فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين، كذا أبدا على هذا الترتيب، واختلف هل يجوز من الصرف ما حصلت فيه المناجزة ولم يقع فيه تأخير أم لا؟ على قولين (أحدهما): إن ذلك لا يجوز، لأنهما متهمان على القصد لذلك والعقد عليه، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقول محمد بن المواز. (والثاني) أن ذلك يجوز ولا يفسخ، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز. والقسم الثالث أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأخر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان أو غلط أو سرقة من
стр. 632
الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه أو أحدهما؛ فهذا يمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق؛ واختلف هل ينتقض فيما حصل فيه التأخير إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه دينارا بدراهم، فيجد من الدراهم درهما ناقصا فيقول: أنا أتجاوزه، فلا ينتقض من الصرف شيء؟ على قولين، (أحدهما) قول ابن القاسم: إن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار واحد، إلا أن يكون العدد الذي نقص أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين، كذا أبدا على هذا المثال والترتيب، (والثاني) قول أشهب: إن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان، كالدانق إذا رضي به، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب في النقصان اليسير كالدانق والدانقين، وقاله أصبغ في الدرهم من الألف درهم، وذلك لأن الموازين قد تختلف في مثل هذا المقدار، وما تختلف عليه الموازين لا اختلاف عندي في جواز تجاوزه، وليس ما روي عن ابن القاسم في هذا اختلافا من قوله وإنما المعنى في ذلك أن الدانق والدانقين مرة رأى أن الموازين تختلف عليه، فأجاز التجاوز عنه، ومرة رأى أن الموازين لا تختلف عليه فلم يجز التجاوز عنه.
فصل
وأما إن أراد أن يرجع بالنقصان فيأخذه، فلا يجوز إلا على مذهب من أجاز البدل في الصرف، ورأى أن الغلبة على التأخير فيه بالنسيان والغلط والسرقة والتدليس وما أشبه ذلك، لا يبطل الصرف ولا يفسده، فإن وجد فيما صارفه فيه بعد الافتراق زائفا أبدله، وإن وجد ناقصا أخذه، وإن استحق منه شيء، أخذ
стр. 633
عوضه، وهذا كله على مذهبهم في المجلس ما لم يفترقا على معرفة ذلك.
فصل
فإن قال قائل: وإذا كان التأخير على وجه الغلبة يبطل الصرف عند مالك ولا يجوز أن يتجاوز النقصان، فكيف جاز أن يتجاوز الزائف وهو كالناقص إذ لم يصارفه إلا على جياد، فقبضه الزائف كلا قبض؛ فالجواب عن ذلك أن الدنانير والدراهم في الصرف على مذهب مالك وجمهور أصحابه، إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنها تتعين إما بالقبض وإما بالمفارقة، فلذلك جاز الرضا بالزيوف، لوقوع الصرف عليها بتعيينها بأحد الوجهين، وعلى هذا يأتي اختلافهم إذا استحقت الدراهم ساعة صارفه، هل يلزمه أن يعطيه ما كان عنده صرفه مما بقي في يده لم يستحق، أم لا يلزمه ذلك، فمن رأى أنها تتعين بالقبض لم يلزمه ذلك، إلا أن يشاء، فيكون صرفا مستقبلا، ومن رأى أنها لا تتعين إلا بالمفارقة ألزمه ذلك، بخلاف البيوع التي لا يتعين العين فيها إلا أن يعين، فيتعين على اختلاف، ومن أجاز البدل، فمذهبه أن الدنانير والدراهم في الصرف لا تتعين إلا أن تعين وأن الغلبة فيه على التأخير لا تفسد الصرف، وقد تقدم ذكر ذلك.
فصل
وقد تقدم أنه لا يجوز في الصرف خيار ولا مواعدة ولا حوالة ولا رهن ولا كفالة، فأما الخيار فلا اختلاف أن الصرف به فاسد، كانا جميعا بالخيار أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار، وأما المواعدة فتكره، فإن وقع ذلك وتم الصرف بينهما على المواعدة لم يفسخ عند ابن القاسم، وقال
стр. 634
أصبغ: يفسخ، فلعل قول ابن القاسم إذا لم يتراوضا على السوم، وإنما قال له: اذهب معي أصرف منك، وقول أصبغ إذا راوضه على السوم فقال له: اذهب معي أصرف منك ذهبك بكذا وكذا، وأما الحوالة إذا صرف وأحال على الصراف من يقبض منه، فلا يجوز على مذهب ابن القاسم إلا أن يقبض هو صرفه ويدفعه إلى من أحاله، وأما إن قبضه المحال، فلا يجوز وإن كان بحضرته قبل أن يفارقه، بخلاف الوكالة إذا صار، ثم وكل على قبض الدراهم فقبضها الوكيل بحضرتهما قبل أن يفارقه الذي وكله، جاز، وبخلاف الحوالة برأس المال في الإقالة من الطعام، وذهب سحنون وأشهب إلى أنه إن قبض المحال قبل أن يفارقه الذي أحاله بحضرة ذلك، جاز، كالإحالة برأس المال في الإقالة من الطعام، وكالوكالة إذا قبض الوكيل قبل أن يفترقا، وأما إذا ذهب الموكل أو المحيل قبل أن يقبض الوكيل أو المحال، فالصرف منتقض لا يجوز في الحوالة باتفاق، وفي الوكالة على اختلاف؛ لأن أبا زيد روى عن ابن القاسم في الرجلين يصرفان الدراهم تكون بينهما بدينار من رجل، فيذهب أحدهما ويتخلف الآخر على قبض الدينار - أن ذلك جائز، ونحوه في سماع أصبغ، إلا أن يفرق بين المسئلتين بسبب الاشتراك في الدراهم أو الدنانير، وذلك بعيد، لأنه قد ساوى في المدونة بينهما، وأما الوكالة على قبض رأس المال في الإقالة من الطعام، فإنها تجوز وإن افترقا إذا قبض الوكيل قبل أن يفارق المسلم إليه، وأما الحمالة فإن كانت بالدنانير إن استحقت الدراهم أو بالدراهم إن استحقت الدنانير، جاز ذلك، وإلا لم يجز، وكذلك الرهن، وبالله التوفيق.
стр. 635
كتاب السلم
القول في السلم وأصل جوازه وتقسيم وجوهه وتبيين الصحيح منه من الفاسد
السلم- وإن سمي سلما فهو بيع من البيوع، لأن البيع نقل الملك عن عوض، كما أن المصارفة والمراطلة والمعاوضة والمبادلة وما أشبه ذلك من الأسماء التي اختصت ببعض البيوع وتعرفت بها دون سائرها - بيوع كلها في الحقيقة. والأموال التي تنتقل الأملاك فيها بالمعاوضة عليها على ثلاثة أوجه: عين حاضرة مرئية، وعين غائبة غير مرئية، وسلم ثابت في الذمة.
فصل
فأما العين الحاضرة المرئية فلا اختلاف بين أهل العلم في جواز بيعها، وأما العين الغائبة فبيعها عندنا على الصفة جائز لازم، خلافا للشافعي في قوله: إن بيعها على الصفة غير جائز، وخلافا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله بأن ذلك جائز وليس بلازم، وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب بيع الغرر، إن شاء الله. وأما السلم الثابت في الذمة، فيجوز عندنا في كل ما يضبط بالصفة،
стр. 636
ويجوز قرضه على شروط يأتي وصفها، إن شاء الله تعالى، خلافا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في قوله: إن السلم والقرض في الحيوان لا يجوز، ولداود وطائفة من أهل الظاهر في قولهم: إن السلم فيما عدا المكيل والموزون لا يجوز.
فصل
فمن الدليل على صحة قولنا في إجازة السلم في الحيوان والعروض وجميع ما يضبط بالصفة: أن الله ﵎ أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه إذنا مطلقا وإباحة عامة في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، يريد التجارة هذا معنى الآية: لأنه قد قرئ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج، فتحمل هذه القراءة على التفسير، وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] على أنه قد اختلف في قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، و ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، هل هي من الألفاظ العامة أو من الألفاظ المجملة؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أنها كلها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها، وتفتقر في البيان إلى غيرها، ومنهم من ذهب إلى أنها كلها عامة يجب حملها على عمومها بحق الظاهر حتى يأتي ما يخصصها، وذهب أبو محمد بن نصر، وهو عبد الوهاب صاحب الشرح من البغداديين، إلى أنها كلها مجملة إلا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]،
стр. 637
فإنها عامة، وهو أظهر الأقوال، فإنما يصح الاحتجاج بهذه الآية. أعني قوله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، لجواز السلم في الحيوان والعروض على مذهب من ذهب من العلماء إلى أنها عامة يجب حملها على عمومها في كل بيع إلا ما خصه الدليل.
فصل
وقد خص الله ﵎ من ذلك بمحكم كتابه البيع في وقت صلاة الجمعة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وخص من ذلك أيضا على لسان نبيه بيوعا كثيرة، من ذلك نهيه ﷺ عن بيع الغرر، وعن بيع الملامسة والمنابذة، وبيع حبل حبلة، وعن بيعتين في بيعة، وبيع الحصاة، وبيع العربان، وبيع حاضر لباد وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، وما أشبه ذلك من نواهيه، ولم ينه ﷺ عن السلم، فبقي على أصل الإباحة الواردة في القرآن لعموم الألفاظ، لأنه بيع من البيوع على ما قدمناه، إلا ما خص منه أيضا بالقياس والسنة والإجماع على ما سنبينه، إن شاء الله.
стр. 638
فصل
فالسلم في الحيوان والعروض من جملة ما بقي على أصل الإباحة إذ لم يخصه بجملته سنة ولا قياس ولا إجماع.
فصل
ومن الدليل أيضا على جواز السلم في الحيوان وما سواه مما يضبط بالصفة ويجوز فيه القرض، قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يخص دينا من دين بل عم جميع الديون، والحيوان من ذلك لجواز تعلقه بالذمة، يشهد لذلك استسلاف النبي ﷺ البكر، وقد قال ابن عباس: أشهد أن التسليف المضمون إلى أجل معلوم قد أحله الله وأذن فيه، أما تقرؤون قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فسواء باع طعاما واكتتب ذهبا أو أعطى ذهبا واكتتب طعاما، قلت: أو ثيابا أو حيوانا، والله أعلم. ومن طريق القياس أن هذا شيء يصح تعلقه بالذمة مهرا أو قرضا، فجاز تعلقه بها سلما، أصل ذلك الطعام، ثبت «أن رسول الله ﷺ استقرض الطعام وأنه قدم المدينة وهم يسلمون في الثمار إلى السنتين والثلاث، فقال: أسلموا في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم».
стр. 639
فصل
والسلم في مذهب مالك ﵀ وأصحابه جائز فيما ينقطع من أيدي الناس وفيما لا ينقطع من أيديهم، إذا اشترط الأخذ فيما ينقطع من أيديهم في حين وجوده، فإن اشترط الأخذ في حين عدمه لم يجز، ومن أهل العلم من لا يجيز السلم إلا فيما يكون موجودا بأيدي الناس من حين عقد السلم إلى حين حلوله، ومنهم من لا يجيز السلم إلا فيما يكون موجودا بأيدي الناس ولا ينقطع في وقت من الأوقات.
فصل
فمن حجة من لا يجيز السلم إلا فيما يكون موجودا من حين عقد السلم إلى حين حلول أجله، أن المسلم إليه قد يموت فيحل عليه السلم بموته، وربما كان ذلك في حين انقطاعه فيئول ذلك إلى الغرر، ومن حجة من لا يجيز السلم إلا فيما لا ينقطع قبل حلول السلم ولا بعده، أن القضاء قد يتأخر لعذر أو لغير عذر بعد حلول الأجل حتى ينقضي الإبان فيرد إليه رأس ماله، أو يتأخر إلى العام المقبل - وذلك غرر، وهذا كله لا يلزم، لأن العقود إذا صحت وسلمت من الغرر، فلا يراعى ما يطرأ عليها بعد ذلك مما لم يقصد إليه، إذ لو روعي ذلك، لما صح عقد ولا سلم بيع بوجه من الوجوه، بل السلم فيما له إبان على أن يقتضى في إبانه، أجوز من السلم فيما لا ينقطع من أيدي الناس وإن كانا جائزين جميعا؛ لأن السلم فيما لا ينقطع من أيدي الناس يحل بموت المسلم إليه، وحياته إلى أن يحل الأجل غير مأمونة؛ وفي ماله إبان لا يحل بموت المسلم إليه، وتوقف تركته إلى أن يأتي الإبان فيقضي حقه، وحينئذ يقسم ماله بين ورثته، لقول الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فهو أقل غررا.
стр. 640
فصل
وإنما توقف تركته كلها - إذا خشي أن يستغرقها ما عليه من السلم، وأما إذا كان السلم يسيرا وماله كثيرا، فإنما يوقف منه ما يرى أنه يفي بما عليه من السلم، ويقسم بقية ذلك بين ورثته، إلا على رواية أشهب عن مالك الذي يرى أن القسمة لا تجوز في شيء من المال - وعلى الميت دين وإن كان يسيرا واستقام الأمر وجاء على العافية. فصل فإن كان عليه ديون ضرب لصاحب السلم مع الغرماء بما يساوي سلمه بالنقد يوم الإبان على ما عرف من قيمته بالعادة لا بما يساوي الآن، على أن يقبض في وقته، إلا على مذهب سحنون القائل: إن صاحب السلم المؤجل يحاص بقيمة سلمه إلى الأجل لا بقيمته الآن حالا، وهو بعيد.
فصل
فإن جاء الإبان، وهو أغلى مما قوم به، لم يكن له على الغرماء رجوع؛ وإن كان أرخص، لم يكن لهم عليه رجوع في الزيادة ما بينه وبين جميع حقه، فإذا وجد حقه، فلا يزاد عليه ويرد الفاضل إليهم.
فصل
فإذا قلنا: إن السلم فيما له إبان على أن يقبض في إبانه جائز، فإن انقضى الإبان قبل أن يقبض صاحب السلم جميع سلمه، فلمالك وأصحابه ﵏ في ذلك ثلاثة أقوال، القولان منها تتفرع على أربعة أقوال، ففي جملة المسألة خمسة
стр. 641
أقوال؛ (أحدها): قول مالك الأول في المدونة، أن الذي يوجبه الحكم أن يتأخر الذي له السلم إلى عام مقبل، فإن تراضيا واتفقا على المحاسبة، فعلى قولين، أحدهما أن ذلك لا يجوز لهما، لأنه يدخله البيع والسلف، وهو قول مالك الأول في المدونة، والثاني أن ذلك جائز، وهو قول مالك الآخر الذي رجع إليه، وهو قول سحنون: من طلب التأخير منهما فذلك له، إلا أن يجتمعا على المحاسبة. (والقول الثاني) قول أشهب: إن الذي يوجبه الحكم المحاسبة وأخذ بقية رأس المال، فإن اتفقا على أن يتأخر الذي له السلم إلى سنة أخرى فعلى قولين، أحدهما أن ذلك لا يجوز - وهو قول أشهب، لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، والآخر أن ذلك جائز - وهو قول أصبغ، وهو قول ضعيف لا يحمله القياس؛ فهذه أربعة أقوال يتفرع كل واحد من القولين المذكورين إلى قولين كما حكيناه، والقول الخامس قول ابن القاسم في المدونة وكتاب ابن المواز: إن الذي له السلم مخير، إن شاء أن يتأخر إلى سنة مقبلة، وإن شاء أن يأخذ بقية رأس ماله، وهو قول ضعيف معترض أيضا من الوجه الذي اعترض به قول أصبغ، وحكى فضل في كتابه أن الذي وقع في المدونة من قوله: من طلب التأخير منهما فذلك له، إلا أن يجتمعا على المحاسبة، هو قول ابن القاسم، والصحيح أنه من قول سحنون كما ذكرنا؛ لأن قوله: من طلب التأخير منهما فذلك له، إلا أن يجتمعا على المحاسبة، لا يتسق مع قول ابن القاسم قبل ذلك، أنه إن شاء أن يؤخر الذي له السلم إلى إبانه من السنة المقبلة، فذلك له، بل يتنافى ويتدافع مع ما لابن القاسم مكشوفا في كتاب ابن المواز: أن الذي له السلم مخير، وكذلك هو في بعض الأمهات من قول سحنون مكشوفا؛ وحكى ابن حبيب عن مالك أن الذي له السلم مخير مثل قول ابن القاسم، فخلط قولي مالك وجعلهما قولا واحدا فأفسدهما؛ وحكى فضل أيضا عن سحنون أنهما مجبوران على
стр. 642
التأخير مثل قول مالك الأول خلاف ما وقع في المدونة من قوله: من طلب التأخير منهما فذلك له إلا أن يجتمعا على المحاسبة. وقوله هذا مفسر لقول مالك الذي رجع إليه، وكان من حقه أن يكون متصلا به، فلو اتصل به لم يكن في المسألة إشكال - والله أعلم وبه التوفيق.
فصل
في ذكر شرائط السلم التي لا يصح دونها، وللسلم خمسة شروط لا يصح إلا بها، أحدها أن يكون مضمونا فيما يجوز ملكه وبيعه (والثاني) أن يكون موصوفا صفة تحصر المسلم فيه لا يتعذر وجودها (والثالث) أن يكون معلوم القدر بكيل فيما يكال، أو ذرع فيما يذرع، أو عدد فيما يعد، أو وزن فيما يوزن، أو ما يقوم مقام الوزن من التحري المعروف (والرابع) أن يكون مؤجلا إلى أجل معلوم، وفي حده اختلاف سأذكره إن شاء الله (والخامس) أن يعجل دفع رأس المال ولا يؤخره بشرط فوق ثلاث، فإن وقع السلم على غير هذا لم يجز وفسخ.
فصل
فسلم الدنانير والدراهم على هذا جائز في كل شيء من العروض والطعام والرقيق والحيوان وجميع الأشياء، حاشا أربعة أشياء، أحدها: ما لا يصح الانتقال به من الدور والأرضين، والثاني ما لا يحاط بصفته مثل تراب المعادن والجزاف فيما يصح بيعه جزافا. والثالث: ما يتعذر وجوده من الصفة. والرابع: ما لا يجوز بيعه بحال، نحو تراب الصواغين والخمر والخنزير وجلود الميتات، وجميع النجاسات، وما أشبه ذلك من الغرر والحرام.
فصل
فإن وقع السلم فاسدا، فالذي يتحصل في مسألة الكتاب فيمن أسلم في حنطة سلما فاسدا، أن فساده إن كان متفقا عليه أو مختلفا فيه ففسخ بحكم جاز
стр. 643
للمسلم أن يأخذ في رأس ماله خلاف الجنس الذي أسلم فيه، مثل تمر من قمح، وأن يؤخره برأس ماله، وأن يأخذ بعضه ويضع عنه بعضه باتفاق، ولم يجز له أن يأخذ برأس ماله دنانير إن كان دراهم ولا ما أشبه ذلك مما لا يجوز له أن يسلم رأس ماله فيه باتفاق أيضا، واختلف هل يجوز له أن يأخذ منه من جنس سلمه شيئا أم لا؟ على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه لا يجوز له أن يأخذ منه شيئا من ذلك، لا سمراء من سمراء ولا محمولة من سمراء ولا قمحا من شعير، وهذا هو ظاهر الكتاب (والثاني) أنه يجوز له أن يأخذ منه ما شاء من ذلك، وهو قول ابن لبابة (والثالث) أنه يجوز له أن يأخذ منه محمولة من سمراء وقمحا من شعير، ولا يجوز له أن يأخذ منه محمولة من محمولة ولا سمراء من سمراء، وهو قول الفضل. وأما إن كان الفساد مختلفا فيه فلا يجوز له أن يأخذ منه قبل الحكم بالفسخ خلاف الجنس الذي أسلم إليه فيه، ولا أن يؤخره برأس ماله، ولا أن يأخذ منه بعضه ويضع عنه بعضه، باتفاق، لأن ذلك كله بيع الطعام قبل أن يستوفى، على قول من يجيزه، فإن أراد أن يأخذ منه شيئا من جنس سلمه، فعلى الثلاثة الأقوال المذكورة بعد الحكم في الفساد المتفق على تحريمه، وذهب عبد الحق إلى أن السلم إذا فسخ بالحكم جاز له أن يأخذ برأس ماله دنانير وهو دراهم، وذلك بعيد غير صحيح، فلا يعد في الخلاف، وتراضيهما بالفسخ كالحكم بالفسخ عند أشهب، وضعف ذلك ابن المواز.
فصل
وإنما لم يجز السلم في الدور والأرضين، لأن السلم لا يجوز إلا بصفة، ولا بد في صفة الدور والأرضين من ذكر موضعها، وإذا ذكر موضعها تعينت، فصار السلم فيها كمن ابتاع من رجل دار فلان على أن يتخلصها له منه، وذلك من الغرر الذي لا يحل ولا يجوز، لأنه لا يدري بكم يتخلصها منه، وربما لم يقدر على أن يتخلصها منه، ومتى لم يقدر على أن يتخلصها منه رد إليه رأس ماله فصار مرة بيعا ومرة سلفا وذلك سلف جر نفعا.
стр. 644
فصل
وإنما لم يجز السلم فيما يتعذر وجوده من الصفة، لأنه إن وجدت السلعة على الصفة المشترطة تم البيع؛ وإن لم توجد، رجع إليه رأس ماله فصار مرة بيعا ومرة سلفا، وذلك أيضا سلف جر منفعة، وإنما لم يجز السلم فيما لا تحصره الصفة، لأنه غرر وقد «نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر».
فصل
وإنما كان من شروط صحة السلم: أن يكون مضمونا موصوفا معلوم القدر إلى أجل معلوم، لأنه متى أخل بشيء من ذلك كان من الغرر المنهي عنه في البيوع.
فصل
وإنما كان من شروط صحته أن لا يتأخر رأس المال فوق ثلاث «لنهي النبي ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ وتأخيره ثلاثة أيام فما دونها بشرط جائز» وقد وقع في المدونة ما ظاهره أنه لا يجوز أن يتأخر بشرط قليلا ولا كثيرا، والمشهور ما قدمناه أولا، وأما تأخيره فوق الثلاث بشرط، فذلك لا يجوز باتفاق - كان رأس المال عينا أو عرضا؛ فإن تأخر فوت الثلاث بغير شرط لم يفسخ إن كان عرضا، واختلف فيه إن كان عينا؛ فعلى ما في المدونة أن السلم يفسد بذلك ويفسخ، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب أنه لا يفسخ إلا أن يتأخر فوق الثلاث بشرط.
فصل
وقد اختلف قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في حد أقل ما يجوز إليه السلم من الآجال، فكان يقول أولا: أقل ما يجوز إليه السلم ما ترتفع فيه الأسواق
стр. 645
وتنخفض، وذلك نحو الخمسة عشر يوما - وهو قوله في المدونة، ثم أجازه إلى اليومين والثلاثة؛ ووقع اختلاف قوله هذا في سماع ابن القاسم من جامع البيوع، وذكر الاختلاف عنه في ذلك ابن حبيب أيضا، وكذلك اختلف في ذلك قول سعيد بن المسيب، فله في المدونة مثل قول مالك الأول، وفي الواضحة مثل قوله الآخر، وأجاز السلم الحال إذا وقع على ما كان يقيم منه من أدركناه من الشيوخ - وفيه نظر؛ وما في المدونة أصح، لأن إجازة السلم الحال أو إلى اليومين ونحوهما من باب بيع ما ليس عندك، وقد روي «أن رسول الله ﷺ قال لحكيم بن حزام: يا حكيم لا تبيعن إلا ما عندك» وقال رجل لسعيد بن المسيب: إني أبيع بالدين؟ قال له: لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك.
فصل
وبيع ما ليس عندك ينقسم على ثلاثة أوجه، وجه متفق على جوازه، وهو أن يبيع بنقد ما ليس عنده إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، وهو السلم الذي جوزه القرآن والسنة، ووجه متفق على كراهيته: وهو أن يبيع بثمن إلى أجل ما ليس عنده نقدا أو إلى أجل، وشرح هذا الوجه وتفصيله يطول، وسأذكره في كتاب بيوع الآجال، إن شاء الله. ووجه اختلف فيه فأجيز وكره - وهو أن يبيع ما ليس عنده نقدا بنقد، ووجه كراهيته: أنه كأنه اشترى منه سلعة فلان على أن يتخلصها منه، وإن كان هذا أكره، لأن فلانا قد لا يبيع سلعته، ومن أسلم إليه في سلعة غير معينة حالة عليه، لا يتعذر عليه شراؤها في الأغلب من الحالات؛ وقال أشهب: وجه الكراهية في ذلك أيضا أنه إذا أعطي دنانير في سلعة إلى يومين ونحوهما، فكأنه قيل له: خذ هذه الدنانير فاشتر بها سلعة كذا، فما زاد فلك، وما نقص فعليك، فدخلته المخاطرة والغرر - وإن كان ذلك في السلعة المعينة أكره منه في غير المعينة، فاختلف فيه أيضا، في السلم الأول من الدونة أن ذلك لا يجوز، وفي سماع يحيى من جامع
стр. 646
البيوع تخفيف ذلك إذا كان قد قاربه في بيعها ورجا تمام ذلك، ونحوه في سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال إذا كانت البيعتان بالنقد.
فصل
وأما حد أبعد آجال السلم، فحد ما يجوز إليه البيع على الاختلاف في ذلك.
فصل
وأما تسليم العروض بعضها في بعض، كانت مما يكال أو يوزن، أو مما لا يكال ولا يوزن، والحيوان بعضه في بعض، فذلك كله جائز في مذهب مالك وجميع أصحابه إذا اختلفت الأصناف واختلفت المنافع والأغراض في الصنف الواحد، فبان ألا اختلاف في المذهب في هذه الجملة، وإنما اختلفوا في تفصيلها على ما يأتي في مسائلهم من الاختلاف في بعض الأشياء: هل هي صنف واحد أو صنفان؟ فرآه بعضهم صنفا واحدا لتقارب المنافع بينهما عنده، ويراه بعضهم صنفين لتباعد الأمد بينهما عنده على ما يؤديه الاجتهاد إلى كل واحد منهم.
فصل
وإنما لم يجز سلم الصنف في مثله لورود السنة «عن النبي ﷺ بتحريم ما جر من السلف نفعا» وذلك على عمومه في العين والعرض والطعام فيمن أسلم سلفا لمنفعة يبتغيها من زيادة في الكيل أو فضل في الصفة، أو اغتفار الزيادة لابتغاء الضمان، فذلك كله حرام، ذكره مالك ﵀ في موطئه، أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت أفضل ما أسلفت، فقال عبد الله بن عمر ﵁: ذلك الربا - الحديث بطوله.
وقال ﵁: من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه، وقال عبد الله بن مسعود
стр. 647
: من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه وإن كان قبضة من علف، فهو ربا.
فصل
وتفسير ذلك مقيس على الربا المحرم بالقرآن، ربا الجاهلية؛ إما أن تقضي وإما أن تربي؛ لأن تأخيره بالدين بعد حلوله على أن يربي له فيه سلف جر منفعة، وإنما يجوز في السلف أن يأخذ أفضل مما أسلفه إذا كان ذلك من غير شرط، كما «فعل رسول الله ﷺ حين استسلف من رجل بكرا فقضاه جملا خيارا رباعيا وقال: "إن خيار الناس أحسنهم قضاء»، وكره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن يأخذ أكثر عددا في القرض في مجلس القضاء، ولا بأس به بعد المجلس إذا لم يكن وأي ولا عادة، فإذا أسلم الصنف من العروض والحيوان في مثله أكثر عددا أو أفضل في الصفة، فذلك حرام وربا؛ لأنه قد قرض بزيادة يشترطها في العدد والصفة، وإن كان أسلمه في أقل من عدده أو أدنى من صفته، فإنما اغتفر كثرة العدد أو أفضل الصفة لابتغاء الضمان، وذلك كله لا يجوز لنهي رسول الله ﷺ عن سلف جر منفعة، حتى إذا اختلفت الصفة اختلافا بينا فتباعدت، أشبهت الصنفين وخرجت عن معنى القرض إلى البيع الجائز، فجاز أن يسلم بعضها في بعض، لجواز نفاق كل واحد من الصنفين، وكساده دون الآخر، ولا يجوز ذلك في الصنف الواحد، فإذا لم يجز ذلك فيه كان المسلم له في مثله على يقين من النفع الذي اشترطه فلم يجز، بخلاف الصنفين اللذين لا يكون في سلم أحدهما في صاحبه المسلم ولا المسلم إليه على يقين من النفع الذي يبتغيه، لجواز نفاق كل واحد من الصنفين دون صاحبه.
فصل
وأما تسليم العين بعضه في بعض: الذهب في الفضة أو الفضة في الذهب
стр. 648
أو الذهب في الذهب أو الفضة في الفضة، فذلك لا يجوز بإجماع أهل العلم، وكذلك الطعام كله بجميع أصنافه. كان مما يكال أو يوزن، أو مما لا يكال ولا يوزن، كان مما يدخر أو مما لا يدخر، لا يجوز سلم بعضه في بعض.
فصل
وأما السلم في الصناعات فينقسم في مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام، (أحدها) أن لا يشترط المسلم المستعمل - عمل من استعمله، ولا يعين ما يعمل منه. (والثاني) أن يشترط عمله ويعين ما يعمل منه. (والثالث) أن لا يشترط عمله ويعين ما يعمل منه. (والرابع) أن يشترط عمله ولا يعين ما يعمل منه؛ فأما الوجه الأول وهو أن لا يشترط عمله ولا يعين ما يعمل منه، فهو سلم على حكم السلم لا يجوز إلا بوصف العمل وضرب الأجل وتقديم رأس المال؛ وأما الوجه الثاني وهو أن يشترط عمله ويعين ما يعمله منه، فليس بسلم وإنما هو من باب البيع والإجارة في الشيء المبيع؛ فإن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل، أو تمكن بإعادته للعمل أو عمل غيره من الشيء المعين منه العمل، فيجوز على أن يشرع في العمل وعلى أن يؤخر الشروع فيه بشرط ما بينه وبين ثلاثة أيام أو نحو ذلك؛ فإن كان على أن يشرع في العمل، جاز ذلك بشرط تعجيل النقد وتأخيره، وإن كان على أن يتأخر الشروع في العمل إلى الثلاثة أيام ونحوها، لم يجز تعجيل النقد بشرط حتى يشرع في العمل؛ وأما الوجه الثالث وهو أن لا يشرط عمله بعينه ويعين ما يعمل منه، فهو أيضا من باب البيع والإجارة في المبيع، إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام بتعجيل النقد وتأخيره؟ وأما الوجه الرابع وهو أن يشرط عمله ولا يعين ما يعمل منه، فلا يجوز على حال، لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: لزوم النقد لكون ما يعمل منه مضمونا، وامتناعه لاشتراط عمل المستعمل بعينه.
стр. 649
فصل
في القول في الربا في العين والطعام وتقسيم وجوهه وتبيين علله، الربا في بيع الطعام بعضه ببعض والعين بعضه ببعض، على وجهين: ربا في النقد، وربا في النسيئة؛ فما كان من الطعام صنفا واحدا مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت أصلا للمعاش غالبا، فالربا فيه من وجهين، لا يجوز التفاضل فيه يدا بيد، ولا بيعه بالنسيئة مثلا بمثل ولا متفاضلا؛ كالذهب بالذهب، والورق بالورق، فإذا اختلف الصنفان من ذلك، جاز التفاضل فيهما يدا بيد، وحرمت فيهما النسيئة، كالذهب بالورق والورق بالذهب، وكذلك إذا بيع ما يدخر ويقتات، بما لا يدخر ولا يقتات، أو ما لا يدخر ولا يقتات، بما لا يدخر ولا يقتات، لم يكن الربا فيه إلا في النسيئة خاصة؛ لأن العلة عند مالك ﵀ وأصحابه في منع جواز التفاضل في الصنف الواحد، هي أن يكون مطعوما مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت؛ وبعضهم يزيد في صفة العلة أصلا للمعاش غالبا على اختلاف بينهم في مراعاة ذلك؛ والعلة في ذلك عند الشافعي الطعم بانفراده، فحرم التفاضل في الصنف الواحد من كل ما يؤكل ويشرب. كان مما يدخر أو مما لا يدخر؛ كان مما يكال أو يوزن، أو مما لا يكال ولا يوزن، حتى حرم التفاضل في السقمونيا والطين الأرمني، والعلة في ذلك عند أبي حنيفة ﵀ الكيل والوزن، فلم يجز التفاضل في الصنف الواحد مما يوزن أو يكال، كان مما يؤكل أو يشرب، أو مما لا يؤكل ولا يشرب ومنع من رطل حديد برطلين حديد - يدا بيد أو إلى أجل، لأنه مما يوزن، وأجاز تمرة بتمرتين، وجوزة بجوزتين، لأن ذلك مما لا يكال، إذ لا يتأتى فيه الكيل، وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو مما يوزن ويكال مما يؤكل ويشرب؛ فالعلة عنده في الربا: الطعم مع الكيل والوزن، وقد روي مثل هذا القول عن الشافعي ﵀ وهو قول أبي ثور، فلا بأس عند سعيد بن المسيب
стр. 650
ومن ذهب مذهبه في بيع ما عدا الذهب والفضة، وما يوزن أو يكال مما يؤكل أو يشرب متفاضلا يدا بيد ونسيئة، اتفق النوعان أو اختلفا.
فصل
وهذه العلة أخذت من طريق النظر والاجتهاد، إذ لم ينص النبي- ﵇ على العلة في ذلك، ولا نبه عليها، ولذلك اختلف فيها، فهي مظنونة غير معلومة ولا مقطوع بها؛ والحكم بها عند من رآها علة بنظره واجتهاده معلوم مقطوع عليه.
فصل
والأصل الذي منه استثار العلماء هذه العلل، هو ما صح الخبر به عن «النبي ﷺ أنه نهى عن التفاضل في الصنف الواحد من ستة أشياء، وهي: الذهب والفضة، والقمح والشعير، والتمر والملح». والآثار في ذلك كثيرة موجودة، منها حديث عبادة ابن الصامت وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد؛ فمن زاد أو ازداد فقد أربى، وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد» وزاد بعض رواة الحديث: «والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد» وبعض الرواة يقول فيه: «فإذا اختلف الصنفان، فبيعوا كيف شئتم - يدا بيد». وهو مذهب عبادة بن الصامت راوي الحديث أن القمح والشعير صنفان، وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم، واحتج بعض من ذهب إلى ذلك أيضا بحديث مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحرثان النصري عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء،
стр. 651
والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء». ف فصل بين البر والشعير بواو فاصلة كما فصل بين البر والتمر.
فصل
والذي ذهب إليه مالك وجميع أصحابه أن البر والشعير صنف واحد على ما روى في موطئه عن سعد بن أبي وقاص، ومعيقب الدوسي، لأن قوله في حديث عبادة بن الصامت: «وبيعوا البر بالشعير كيف شئتم» - زيادة لم يتفق عليها جميع رواته، فيحتمل أن يكون ذلك من قول الراوي قياسا على قول النبي ﷺ : «فإذا اختلف الصنفان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد».
فصل
فقاس مالك ﵀ على القمح والشعير المذكورين في الحديث ما كان في معناهما من جميع الحبوب والطعام المقتات المدخر، وقاس على التمر ما كان في معناه من الطعام المدخر الذي يتفكه به في بعض الأحوال ويتقوت به في بعض الأحوال كالزبيب والجوز واللوز وما أشبه ذلك، وقاس على الملح المذكور في الحديث ما كان في معناه من الطعام المدخر لإصلاح القوت، كالتوابل والبصل والثوم وما أشبه ذلك.
فصل
وأما الذهب والفضة فلم يقس عليهما شيئا من العروض التي تكال أو توزن، لأن العلة عنده في منع التفاضل في كل واحد منهما، هي أنهما أثمان للأشياء وقيم للمتلفات، فهي علة واقفة لا تتعدى إلى ما سواهما. وكذلك الشافعي لم يقس على الذهب والورق شيئا من العروض المكيلة والموزونة، وقاس على البر والشعير والتمر والملح - جميع الطعام - كان مدخرا مقتاتا أو لم يكن، لأنه رأى العلة في
стр. 652
المنع من التفاضل في ذلك، هو الطعم بانفراده؛ وأما أبو حنيفة وأصحابه، فقاسوا على البر والشعير والتمر والملح - جميع ما يكال من الطعام والعروض، لأن ذلك كله يجمعه الكيل، وهي العلة عنده في منع التفاضل في ذلك؛ وقاسوا على الذهب والفضة جميع ما يوزن من الطعام والعروض، لأن ذلك كله يجمعه الوزن، وهي العلة عنده في منع التفاضل في ذلك.
فصل
والقياس على الذهب والفضة لا يصح، لأنهم قد أجمعوا أنه لا بأس أن يشترى بالذهب والفضة جميع الأشياء التي تكال أو توزن يدا بيد ونسيئة، فيلزم من قياس الحديد والرصاص وما أشبه ذلك مما يوزن على الذهب والفضة، كما قاس ما يكال من الطعام على البر والشعير والتمر والملح، أن لا يجيز شراء الحديد والرصاص بالذهب والفضة نسيئة، كما لا يجيز شراء الحمص والعدس بالقمح والشعير نسيئة، وقد أجمع الناس على إجازة ذلك، وقاس سعيد بن المسيب على القمح والشعير والتمر والملح المذكور في الحديث المكيل والموزون من الطعام خاصة، وشذ داود وأهل الظاهر فلم يروا الربا إلا في أربعة أشياء التي نص النبي ﷺ عليها، واحتجوا لإجازة التفاضل فيما سوى ذلك بعموم قول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فصل
فالطعام على مذهب مالك وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ينقسم على أربعة أقسام: طعام يدخر ويقتات به أو يصلح القوت. وهو أصل للمعاش غالبا، وطعام يدخر ويقتات به أو يصلح القوت وليس بأصل للمعاش غالبا، وطعام يدخر نادرا، وطعام لا يدخر أصلا، فأما ما يدخر ويقتات، أو يصلح القوت وهو أصل للمعاش غالبا، فإن التفاضل في الصنف الواحد منه لا يجوز باتفاق في المذهب، وأما ما يدخر ويقتات به وليس بأصل للمعاش غالبا مثل الجوز واللوز والجلوز
стр. 653
وما أشبه ذلك، فاختلف قول مالك ﵀ وأصحابه في إجازة التفاضل في الصنف الواحد منه.
فصل
وعلى هذا الاختلاف اختلف المعللون في تحرير العلة، فزاد في صفة علة الربا أصلا للمعاش غالبا من أجاز التفاضل في ذلك، وكان شيخنا الفقيه ابن رزق ﵀ يذهب إلى أن ذلك المذهب في المدونة، وليس ذلك عندي ببين منها، واقتصر في صفة العلة على قوله: مطعوما مدخرا مقتاتا، ولم يزد فيه: أصلا للمعاش غالبا، من منع التفاضل في ذلك، وهو نص قول مالك ﵀ في موطئه، وقول ابن حبيب في الواضحة، وهو الظاهر عندي من المدونة، وعلى هذا المعنى يأتي اختلاف قول مالك في إجازة التفاضل في البيض، والاختلاف في إجازة التفاضل في التين، لأنهما يدخران وليسا بأصل للمعاش غالبا، وأما ما كان من الأطعمة يدخر نادرا، فالتفاضل في الصنف الواحد منه جائز على مذهب مالك ﵀ وأكثر أصحابه، كالخوخ والكمثرى وما أشبه ذلك؛ وأما ما كان منهما لا يدخر أصلا، فالتفاضل في الصنف الواحد منه جائز على مذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه.
فصل
وأما بيع الطعام بالطعام نسيئة، أو بيعه قبل استيفائه، فلا يجوز بحال، اتفقت أصنافه أو اختلفت، كان مما يدخر أو مما لا يدخر، والله ولي التوفيق برحمته.
стр. 654
كتاب بيوع الآجال
أصل ما بني عليه هذا الكتاب الحكم بالذرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة ويتوصل بها إلى استباحة الربا، وذلك مثل أن يبيع الرجل سلعة من رجل بمائة دينار إلى أجل ثم يبتاعها بخمسين نقدا، فيكونان قد توصلا بما أظهراه من البيع الصحيح إلى سلف خمسين دينارا في مائة إلى أجل، وذلك حرام لا يحل ولا يجوز؛ وأباح الذرائع الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما، والصحيح ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ومن قال بقوله؛ لأن ما جر إلى الحرام وتطرق به إليه حرام مثله؛ قال الله : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فنهى ﵎ عن سب آلهة الكفار؛ لئلا يكون ذلك ذريعة وتطرقا إلى سب الله تعالى، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، فنهى عباده المؤمنين أن يقولوا للنبي ﷺ : راعنا، وهي كلمة صحيحة معروفة في لغة العرب،
стр. 655
معناها أرعني سمعك وفرغه لي لتعي قولي وتفهم عني؛ لأنها كلمة سب عند اليهود، فكانت تسب بها النبي ﷺ في أنفسها، فلما سمعوها من أصحاب النبي ﷺ فرحوا بها، واغتنموا أن يعلنوا بها للنبي ﷺ ويظهروا سبه، فلا يلحقهم في إظهاره شيء. فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك، ونهى عن الكلمة، لئلا يكون ذلك ذريعة لليهود إلى سب النبي ﷺ ، وقد تؤولت الآية على غير هذا، وهذا أظهر ما قيل فيها. وقال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وجه الدليل من هذه الآيات على وجوب المنع من الذرائع: أن الله حرم على اليهود الاصطياد يوم السبت ابتلاء لهم، وذلك أن اليهود قالوا لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمر بالجمعة وتفضلها على سائر الأيام والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله تعالى خلق السماوات والأرض والأوقات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت، فقال الله لموسى: دعهم وما اختاروه، ولا يصيدون فيه سمكا ولا غيره ولا يعملون فيه شيئا، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شارعة ظاهرة كما قال الله تعالى، وتغيب عنهم سائر الأيام فلا يصلون إليها إلا بالاصطياد والعناء، فكانوا يسدون عليها المسالك يوم السبت ويأخذونها في سائر الأيام، ويقولون: لا نفعل الاصطياد الذي نهينا عنه في يوم السبت، وإنما نفعله في غيره، فعاقبهم الله على فعلهم ذلك، لأنه ذريعة للاصطياد الذي نهوا عنه وإن لم يكن اصطيادا على الحقيقة - بأن مسخهم قردة وخنازير - كما أخبر تعالى في كتابه، وقال رسول الله ﷺ :
стр. 656
«لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها». وجعل ﷺ شراء الصدقة بالثمن كالعودة فيها بغير ثمن، «فقال لعمر بن الخطاب في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله فأراد شراءه لما أضاعه صاحبه وأراد بيعه: لا تبتعه ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه». «وقال ﷺ في ابن وليدة زمعة لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد بن زمعة فألحقه بأبيه زمعة، وقال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال لأخته سودة بنت زمعة زوجته: احتجبي منه؛» لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، فأعمل ﷺ الشبهة وحكم لها بحكم اليقين، فمنع بها من صلة الرحم وهو ﷺ إنما بعث بصلة الأرحام، قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] أي الأرحام أن تقطعوها.
فصل
وأبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها ولا يمكن حصرها، من ذلك قول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقوله: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، ومن وقع في الشبهات، كان كالواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وقال: ألا لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» والربا أحق ما حميت مراتعه ومنع
стр. 657
منها، لئلا يستباح الربا بالذرائع؛ وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله ﷺ ولم يفسرها، فدعوا الريبة والريبة. وأيضا فإن مراعاة التهمة أصل يبني الشرع عليه، قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه»، ولم يجز أهل العلم شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، من طريق التهمة، ومنه منعوا القاتل عمدا الميراث، وورثوا المبتوتة في المرض، ومثل هذا كثير.
فصل
فإذا باع الرجل من الرجل سلعة بنقد ثم اشتراها منه بدين، أو باعها منه بدين ثم اشتراها منه بنقد، أو باعها منه بدين ثم اشتراها منه بدين، أو باعها منه بنقد ثم اشتراها منه بنقد، وقد غاب على النقد، فإنك تنظر في هذا إلى الذي أخرج دراهمه أولا، فإن كان رجع إليه مثلها أو أقل، فذلك جائز، وإن رجع إليه أكثر منها، نظرت فإن كانا من أهل العينة أو أحدهما، لم يجز ذلك بحال - كانت البيعة الأولى بالنقد أو بالنسيئة - وإن لم يكونا من أهل العينة، جاز إن كانت البيعة الأولى بالنقد، ولم يجز إن كانت بالنسيئة؛ وذلك أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة؛ لعملهم بالمكروه؛ من ذلك أن يبيع الرجل من أهل العينة طعاما أو غيره بخمسة نقدا وخمسة إلى أجل، إذا كان ذلك إنما يبتاعه لبيع، وذلك جائز لغير أهل العينة، ومن ذلك أن يبيع الرجل من أهل العينة طعاما أو غيره بثمن إلى أجل ثم يستوضعه المبتاع من الثمن فيضع عنه، فإن مالكا وغيره من أهل العلم كرهوا ذلك، لأنه إنما يبيعه
стр. 658
على المراوضة، فإنما يضع عنه ويرده إلى ما كان راوضه عليه، فصار البيع الذي عقداه تحليلا للربا الذي قصداه، وتفسير هذا أن يأتي الرجل إلى الرجل من أهل العينة فيقول له: أسلفني ذهبا في أكثر منها إلى أجل، فيقول له: أسلفك درهما في اثنين إلى أجل، فيقول له: لا أعطيك في الدرهم إلا درهما وربعا، فيتراوضان ويتفقان على أن يربح معه في الدرهم نصف درهم، ثم يقول له: هذا لا يحل، ولكن عندي سلعة قيمتها مائة درهم أبيعها منك بمائة وخمسين إلى شهر، فتبيعها أنت بمائة فيتم لك مرادك، فيرضى بذلك ويأخذ السلعة منه ويبيعها بثمانين ثم يرجع إليه فيقول له: إني قد وضعت في السلعة وضيعة كثيرة فحط عني من المائة والخمسين ما يجب للعشرين التي وضعتها في السلعة، فيضع عنه ثلاثين تتميما للمراوضة التي عقدا بيعهما عليها، فيئول أمرهما إلى أن أسلم إليه ثمانين في مائة وعشرين، فهذا وجه كراهية مالك ﵀ للوضيعة في هذه المسألة.
فصل
وفي شراء الرجل السلعة التي باعها بثمن إلى أجل من مبتاعها منه بثمن من جنس الثمن الذي باعها منه به - سبع وعشرون مسألة، وذلك أنه قد يشتريها نقدا أو إلى أجل دون الأجل الذي باع إليه بمثل ذلك الثمن، أو بأقل منه أو بأكثر، فهذه ثلاث مسائل، وقد يشتريها إلى مثل ذلك الأجل بمثل ذلك الثمن أو بأقل منه أو بأكثر، فهذه ست مسائل؛ وقد يشتريها إلى أبعد من ذلك الأجل بمثل ذلك الثمن، فهذه تسع مسائل؛ وقد يشتريها وزيادة معها بمثل ذلك الثمن أو أقل منه أو أكثر نقدا أو إلى ذلك الأجل أو إلى أبعد منه، فهذه تسع أخر، وقد يشتري بعضها بمثل ذلك الثمن أو أقل منه أو أكثر نقدا أو إلى ذلك الأجل أو إلى أبعد منه، فهذه تسع أخر تتمة سبع وعشرين مسألة كما ذكرنا؛ فأما إلى ذلك الأجل فيجوز بكل حال، اشتراها كلها أو بعضها، أو اشتراها وزيادة معها، بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، لأن الحكم يوجب المقاصة إذا اتفقت الآجال وإن لم يشترطاها، فترتفع التهمة بذلك في جميع
стр. 659
الوجوه، وأما بالنقد أو إلى أجل دون ذلك الأجل، فإن كان اشتراها أو بعضها، فيجوز بمثل الثمن أو أكثر، ولا يجوز بأقل، وإن كان اشتراها وزيادة عليها، فلا يجوز بمثل الثمن ولا بأقل منه ولا بأكثر، وأما إلى أبعد من ذلك الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو اشتراها وزيادة عليها، فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ولا يجوز بأكثر منه، وإن كان اشترى بعضها، فلا يجوز على حال، لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر.
فصل
وسواء غاب على السلعة أو لم يغب عليها، لأنها تعرف بعينها بعد الغيبة عليها، وإنما يفترق ذلك في الطعام والمكيل والموزون من العروض، لأن ذلك لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، فيتفرع ذلك فيما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه إلى أربع وخمسين مسألة، وذلك أنها تنحصر في التقسيم إلى تسعة أقسام لا زيادة فيها، إذ لا يخلو أن يبتاع منه طعاما بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر أو طعامه وزيادة عليه بمثل الثمن أيضا أو بأقل أو بأكثر، أو بعض طعامه بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر؛ فهذه تسعة أقسام، وكل قسم منها ينقسم إلى قسمين، أحدهما أن يكون قد غاب على الطعام، والثاني أن يكون لم يغب عليه؛ فهذه ثمانية عشر قسما لا زيادة فيها، كل قسم منها ينقسم على ثلاثة أقسام، أحدها أن يبتاع ذلك بنقد أو إلى أجل دون ذلك الأجل، والثاني أن يبتاعه إلى ذلك الأجل بشرط المقاصة أو بسكوتهما عن الشرط، إذ يوجب ذلك الحكم. والثالث أن يبتاعه إلى أبعد من ذلك الأجل، فهذه أربع وخمسون مسألة - كما ذكرنا، ثماني عشرة مسألة في الشراء بالنقد أو إلى أجل دون الأجل، وثماني عشرة مسألة في الشراء إلى ذلك الأجل على المقاصة، فهذه ستة وثلاثون مسألة، وثماني عشرة مسألة في الشراء، إلى أبعد من ذلك الأجل. فأما الست والثلاثون مسألة المتحصلة في الشراء بالنقد أو إلى ذلك الأجل بعينه، فمنها خمس عشرة مسألة لا تجوز باتفاق، ومسألة تجوز على اختلاف، وسائرهن يجوز باتفاق.
стр. 660
فصل
ويعتبر الجائز منها من الفاسد بوجهين، أحدهما أن يشتري منه أكثر مما باع من الطعام، والثاني أن يشتري منه بأقل من الثمن الذي باع به الطعام؛ فهذان الوجهان لا يجوزان نقدا، ويجوزان مقاصة - إن كان لم يغب على الطعام، ولا يجوزان نقدا ولا مقاصة إن كان غاب عليه، لا يجوز له أن يشتري طعامه وزيادة شيء من الأشياء عليه بمثل الثمن ولا بأكثر منه ولا بأقل منه نقدا - وإن كان لم يغب على الطعام، ولا نقدا ومقاصة إن كان غاب عليه، ولا يجوز له أن يشتري منه الطعام الذي باعه منه بعينه ولا بعضه، ولا أن يشتريه وزيادة عليه، وإن كان لم يغب عليه بأقل من الثمن نقدا ولا نقدا ومقاصة، إن كان غاب عليه، ويجوز سائر الوجوه نقدا ومقاصة، حاشا المسألة التي ذكرنا أنها تجوز على اختلاف - وهي أن يبتاع منه بمثل الثمن أقل من الطعام مقاصة؛ فإن قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اختلف في ذلك
فصل
وأما الثماني عشرة مسألة المتحصلة من شراء ذلك إلى أبعد من الأجل، فمنها ثلاث عشرة مسألة لا تجوز باتفاق، ومسألة تجوز على اختلاف، وسائرها - وهي أربع - تجوز باتفاق، ويعتبر الجائز منها من الفاسد بوجهين أيضا، (أحدهما) أن يشتري منه أقل من الكيل، (والثاني) أن يشتري منه بأكثر من الثمن، فهذان الوجهان لا يجوزان، غاب على الطعام أو لم يغب، وسائر الوجوه تجوز - إن لم يغب على الطعام، ولا تجوز إن غاب عليه، حاشا المسألة المختلف فيها - وهي أن يشتريه منه وقد غاب عليه بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل، فيجوز ذلك على مذهب ابن القاسم، ولا يجوز على مذهب ابن الماجشون؛ والعلة في ذلك أسلفني وأسلفك، لأن أمرهما آل إلى ذلك، فكرهه ابن الماجشون ولم يجزه، وخففه ابن القاسم ولم يتهمهما في ذلك.
стр. 661
فصل
في تنزيل الخمس عشرة مسألة التي لا تجوز من الستة والثلاثين مسألة المتحصلة في الشراء بالنقد وإلى ذلك الأجل وتبيين عللها، (إحداها) أن يبتاع منه مثل طعامه وقد غاب عليه بأقل من الثمن نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى شهر، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام عشرة أرادب بخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز، لأن البائع الأول وهو المبتاع الثاني يدفع إلى المبتاع الأول خمسة دراهم نقدا ويأخذ منه عشرة دراهم إذا حل الأجل - وقد دفع إليه عشرة أرادب، فغاب عليها وانتفع بها ثم رد إليه مثلها، فكأنه أسلم إليه خمسة دراهم في عشرة أرادب إلى أجل وأسلفه عشرة أرادب قرضا بسبب ذلك، فيدخله سلف دراهم في أكثر منها إلى أجل، ودراهم وطعام في دراهم أكثر منها إلى أجل وطعام، وذلك ما لا يحل ولا يجوز، فيتهمان على أنهما قصدا إلى ذلك وتحيلا إلى إجازته بما أظهرا من البيعتين الصحيحتين (والثانية) أن تكون المسألة بحالها، إلا أنه قاصه بالخمسة دراهم من العشرة ولم ينقده إياها، فلا يجوز أيضا، لأن أمرهما آل إلى أن أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه مثلها على أن يعطيه المسلف خمسة دراهم إذا حل الأجل ثمنا لانتفاعه بالسلف، وقد «نهى رسول الله ﷺ عن سلف جر نفعا» وذلك أيضا مضارع لربا الجاهلية المحرم بالقرآن: إما تقضي وإما أن تربي، فيتهمان على القصد إلى ذلك والتحيل لإجازته بما أظهرا من البيعتين الصحيحتين (والثالثة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيستوفيه منه بعينه بخمسة دراهم نقدا، فلا يجوز أيضا لأن أمرهما آل إلى أن دفع المبتاع الثاني إلى المبتاع الأول خمسة دراهم في عشرة دراهم إلى أجل، والطعام رجع إليه بعينه، فكان لغوا، (والرابعة) أن يشتري منه أكثر من طعامه وقد غاب عليه بمثل الثمن نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، فيغيب على الطعام، ثم يبتاع منه عشرين إردبا بعشرة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف
стр. 662
ودراهم وطعام في دراهم وطعام إلى أجل، لأن أمرهما آل إلى أن دفع البائع الأول إلى المبتاع الأول عشرة أرادب وعشرة دراهم نقدا في عشرين إردبا وعشرة دراهم إلى أجل، فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والخامسة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه بالعشرة دراهم من العشرة ولم ينقده إياها، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف، لأنه دفع إليه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه عشرين إردبا والثمن بالثمن ملغى، لأنه مقاصة فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والسادسة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيشتريه منه بعينه وعشرة أرادب أخرى بعشرة دراهم نقدا، فهي لا تجوز أيضا، ويدخله الزيادة في السلف لأنه دفع إليه عشرة دراهم نقدا ويأخذ منه عشرة دراهم إذا حل الأجل، فكأنه أسلفه إياها على أن يزيده عشرة أرادب من طعام، لأن العشرة التي باع منه رجعت إليه بأعيانها فكانت ملغاة. (والسابعة) أن يشتري منه أكثر من طعامه بعد أن غاب عليه بأقل من الثمن نقدا. مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام عشرين إردبا بالخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز أيضا ويدخله الزيادة في السلف، ودراهم وطعام بدراهم وطعام إلى أجل لأن البائع الأول دفع إلى المبتاع الأول ضرة أرادب فانتفع بها ورد إليه عشرين إردبا، ودفع إليه أيضا خمسة دراهم نقدا، على أن يأخذ منه - إذا حل الأجل - عشرة دراهم، فيتهمان على القصد إلى ذلك (والثامنة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه بالخمسة دراهم من العشرة الدراهم ولم ينقده إياها، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف لأن أمرهما آل إلى أن دفع إليه عشرة أرادب فانتفع بها ثم أخذ منه عشرين إردبا، ويأخذ منه أيضا خمسة دراهم إذا حل الأجل، وتسقط خمسة بالمقاصة، فكأنه أقرضه عشرة أرادب على أن يرد إليه فيها عشرين إردبا وخمسة دراهم (والتاسعة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيبتاعه منه بعينه وعشرة أرادب معه بخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف لأن أمرهما آل إلى أن دفع إليه خمسة دراهم نقدا في عشرة دراهم إلى أجل وعشرة أرادب نقدا لأن
стр. 663
العشرة الأرادب التي باع منه رجعت إليها بأعيانها فكانت ملغاه. (والعاشرة) أن يشتري منه أكثر من طعامه بعد أن غاب عليه بأكثر من الثمن نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام عشرين إردبا بعشرين درهما نقدا، فيدخله البيع والسلف؛ لأنه كان أقرضه العشرة الأرادب التي غاب عليها وعشرة دراهم من العشرين درهما التي نقده إياها على أن يبتاع منه العشرة الأرادب الزائدة في الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة في الثمن. (والحادية عشرة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه من العشرين درهما بعشرة دراهم في العشرة التي له عليه من ثمن الطعام ولم ينقده إلا عشرة دراهم، فهذا لا يجوز ويدخله البيع والسلف أيضا لأنه كأنه أقرضه العشرة الأرادب التي غاب عليها على أن يبتاع منه العشرة الأرادب الزائدة في الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة في الثمن. (والثانية عشرة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام، فيشتريه منه بعينه وعشرة أرادب معه بعشرين درهما نقدا، فهي لا تجوز أيضا، ويدخله البيع والسلم أيضا، لأنه كأنه أقرضه عشرة دراهم من العشرين درهما يأخذها منه إذا حل الأجل، على أن باع منه العشرة الأرادب الزائدة على الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة على الثمن والعشرة الأرادب التي رجعت إليه بأعيانها ملغاة كأن لم تكن. (والثالثة عشرة) أن يبتاع منه أقل من الطعام بعد أن غاب عليه بأقل من الثمن نقدا، ومثالها أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل وطعام، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام خمسة أرادب بخمسة دراهم نقدا، يدخلها بيع طعام بطعام وذهب بذهب إلى أجل وطعام، ويدخلها أيضا البيع والسلف لأن الخمسة الأرادب التي رجعت إلى البائع كأنه سلف أسلفه إياه، فالخمسة الدراهم التي دفع الآن نقدا كأنها سلف أيضا يقتضيه إذا حل الأجل، والخمسة أرادب التي بقيت عند المبتاع الأول للبائع، أخذ منه فيها الخمسة الدراهم الزائدة على نقده، فكأن البائع الأول أسلف المبتاع الأول خمسة أرادب وخمسة دراهم
стр. 664
على أن باع منه خمسة أرادب بخمسة دراهم، وذلك ما لا يحل ولا يجوز. (والرابعة عشرة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه بخمسة دراهم في خمسة من العشرة التي له عليه ولم ينقده إياها، يدخلها البيع والسلف، لأنه كان أسلفه الخمسة الأرادب التي غاب عليها ثم ردها إليه وباعه الخمسة الأرادب الأخرى بالخمسة الدراهم التي يأخذها منه عند حلول الأجل، وسقطت خمسة بخمسة مقاصة. (والخامسة عشرة) أن تكون المسألة بحالها أيضا إلا أنه لم يغب على الطعام فيبتاع منه بعينه خمسة أرادب بخمسة دراهم، يدخلها دراهم وطعام بدراهم إلى أجل، لأنه كأنه باعه الخمسة دراهم التي دفع إليه نقدا والخمسة الأرادب بالعشرة الدراهم التي يأخذها منه عند الأجل، والخمسة الأرادب الأخرى رجعت إليه بأعيانها، فكانت ملغاة.
وأما المسألة المختلف فيها، وهي أن يشتري منه أقل من الطعام وقد غاب عليه بمثل الثمن مقاصة، ومثالها أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام خمسة أرادب بعشرة دراهم مقاصة بالعشرة دراهم التي وجبت له عليه من ثمن الطعام، فيدخلها اقتضاء الطعام من ثمن الطعام، لأنه باع منه عشرة أرادب ثم أخذ منه في ثمنها خمسة أرادب، فمرة كرهها مالك ﵁، ورأى أن الخمسة الأرادب ثمن العشرة الأرادب، كأنه أعطاه خمسة أرادب على أن يضمن له الخمسة الأخرى إلى أجل، ومرة استخف ذلك ورأى أن التهمة بعيدة، لأن القصد إلى مثل هذا قليل من الناس.
فصل
في بيان الثلاث عشرة مسألة التي لا تجوز من الثمان عشرة مسألة المتحصلة في الشراء إلى أبعد من الأجل وتبيين عللها، (إحداها) أن يشتري منه أقل من الكيل بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام إلى أبعد من الأجل، ومثالها أن يبيع
стр. 665
منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى شهر، فيدفع الطعام إليه ويغيب عليه، ثم يبتاع منه ثمانية أرادب من صنف طعامه بعشرة دراهم إلى شهرين، فذلك لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف، لأن الأمر آل بينهما إلى أن يدفع المبتاع الأول إلى البائع الأول عند انقضاء شهر عشرة دراهم، ويأخذها منه عند انقضاء شهرين - وقد دفع إليه البائع الأول عشرة أرادب فرد إليه منها ثمانية بعد أن غاب عليها وبقي عنده إردبان، فيعد ذلك سلفا من كل واحد منهما لصاحبه - على أن زاد البائع الأول للمبتاع الثاني إردبين، ويتهمان على القصد إلى ذلك والتحيل لإجازته بما أظهراه من البيعتين الصحيحتين في الظاهر (والثانية) أن تكون المسألة على حالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا الزيادة في السلف - كأن المبتاع الأول أسلف البائع الأول عشرة دراهم شهرا على أن يعطيه إردبين من طعام، وهي التي بقيت عنده من الطعام الذي ابتاع منه وسائره رجع إليه بعينه فكان لغوا. (والثالثة) أن يشتري منه أقل من الكيل بأقل من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها البيع والسلف، لأن ما نقص من الكيل بما نقص من الثمن، يمضي فيه البيع على أن أسلف كل واحد منهما صاحبه، لغيبة المبتاع على الطعام. (والرابعة) أن تكون المسألة على حالها إلا أن المبتاع لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا البيع والسلف، لأن ما نقص من الكيل بما نقص من الثمن، يمضي فيه البيع على أن أسلف المبتاع الأول للبائع الأول ثمانية دراهم عند شهر يأخذها منه عند انقضاء شهرين على ما نزلناه. (والخامسة) هي أن يشتري منه أقل من الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن
стр. 666
الأمر آل بينهما، إلى أن يدفع المبتاع الأول إلى البائع الأول عشرة دراهم عند شهر، يأخذ منه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين على أن أسلفه البائع الأول ثمانية أرادب وأعطاه إردبين، لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والسادسة) أن تكون المسألة على حالها، إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل بزيادة إردبين يأخذهما المبتاع الأول من الطعام الذي باع منه البائع الأول والثمانية الأرادب التي رجعت إليه بعينها لغو، ويدخل ذلك أيضا بيع الطعام نقدا ودراهم إلى أجل بدراهم أكثر منها إلى أجل. (والسابعة) أن يشتري منه مثل الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول عشرة دراهم عند انقضاء الشهر ويدفع إليه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين، على أن أسلف البائع الأول عشرة أرادب، إذ لا يعرف الطعام بعينه بعد الغيبة عليه. (والثامنة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول عشرة دراهم عند شهر، ويدفع إليه اثني عشر درهما عند شهرين، ورجع إليه طعامه بعينه فكان لغوا. (والتاسعة) هي أن يشتري منه أكثر من الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها البيع والسلف. لأن المبتاع الأول باع من البائع الأول على المثال الذي وصفناه: الإردبين اللذين زادهما على الطعام بالدرهمين اللذين يأخذهما منه زيادة على الثمن، على أن أسلف هذا هذا عشرة دراهم، وهذا هذا عشرة أرادب. (والعاشرة) أن تكون المسألة على حالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا البيع والسلف، لأنهما تبايعا الزيادة على الطعام بالزيادة على الثمن، على أن أسلف المبتاع الأول للبائع الأول عشرة دراهم شهرا والعشرة الأرادب التي دفع البائع رجعت إليه
стр. 667
بعينها فكانت لغوا. (والحادية عشرة) أن يشتري منه أكثر من الطعام بأقل من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه اثني عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه بعينه رجع إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى أن دفع المبتاع إلى البائع إردبين من طعام، ويدفع إليه أيضا عشرة دراهم عند شهر ويأخذ منه ثمانية دراهم عند انقضاء شهرين، فلا يتهم في مثل هذا أحد. (والثانية عشرة) أن يشتري منه أكثر من الكيل بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن الطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه اثني عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه بعينه رجع إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع عشرة دراهم شهرا وأعطاه إردبين، فيكون قد صنع معه معروفا من وجهين. (والثالثة عشرة) أن يشتري منه مثل الكيل بأقل من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها أيضا الزيادة في السلف لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، فكأن البائع أسلف المبتاع عشرة أرادب فانتفع بها ورد إليه مثلها على أن يدفع إليه المبتاع إذا حل الأجل دينارين ثمنا لما أسلفه، وثمانية دراهم تكون سلفا عنده إلى حلول الأجل الثاني، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا، لأن طعامه بعينه رجع إليه فكان لغوا، ويدفع المبتاع إلى البائع عند الأجل عشرة دراهم، ويأخذ منه ثمانية دراهم عند الأجل الثاني فلا يتهم في هذا أحد، وأما المسألة المختلف فيها وهي أن يشتري منه مثل الطعام بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام، فيدخلها أسلفني وأسلفك، فخفف ذلك ابن القاسم وكرهه ابن الماجشون؛ ولو لم يغب على الطعام لكان جائزا، لأن
стр. 668
الطعام بعينه رجع إليه فصار لغوا، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع دراهم في مثلها إلى أجل، وذلك جائز وبالله التوفيق.
فصل
وهذه المسائل التي قسمناها هذا التقسيم، وقع طرف منها في كتاب بيوع الآجال من المدونة، وجملة كثيرة في رسم حبل حبلة من كتاب السلم والآجال من العتبية غير مشروحة بعللها، ولا موعبة بجميع وجوهها، وهي أصل في مسائل بيوع الآجال، من فهمها ووقف عليها، سهل عليه ما سواها، فلذلك عنيت بتحصيلها وتلخيصها وتقسيم وجوهها وتبيين عللها، وشرح معانيها، وما توفيقي إلا بالله.
فصل
فإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأقل من ذلك الثمن نقدا، فسخت البيعتان جميعا عند ابن الماجشون، وهو الصحيح في النظر، ودليله من جهة الأثر قول عائشة ﵂ في الحديث: بئسما شريت وبئسما اشتريت؛ لأنها عابت البيعتين جميعا، ولم يفسخ عند ابن القاسم إلا البيعة الأخيرة - إن كانت السلعة قائمة؛ واختلف إن فاتت، قيل: بحوالة الأسواق وهو مذهب سحنون، وقيل: بالعيوب المفسدة، وإليه ذهب أبو إسحاق التونسي وغيره من المتأخرين على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه يفسخ البيعتان جميعا، فلا يكون للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي تأويلا على ابن القاسم. (والثاني) أنه لا يفسخ إلا البيعة الأولى وتصحح الثانية بالقيمة، فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولا، قضي عليه بالقيمة، فإذا حل الأجل أخذ الثمن، إذ لا تهمة في ذلك، وإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا، قضي عليه
стр. 669
بالقيمة، فإذا حل الأجل، لم يكن له على المشتري الأول- أكثر من ذلك لئلا يكون قد دفع دنانير في أكثر منها، فيتم الربا بينهما، وهذا يأتي على ما في سماع سحنون من كتاب السلم والآجال. (والثالث) أنه إن كانت القيمة أقل من الثمن فسخت البيعتان ولم يكن للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، وإن كانت أكثر من الثمن فسخت البيعة الثانية خاصة، وقضي عليه بالقيمة؛ فإذا حل الأجل أخذ الثمن؛ وإلى هذا ذهب عبد الحق تأويلا على ابن القاسم، وهو قول سحنون نصا، وفي حديث عائشة ﵂ في بعض الروايات: بئسما شريت أو بئسما اشتريت، على الشك من المحدث، فعلى هذه الرواية لا يكون على ابن القاسم حجة من الحديث، وإن كانت المبايعة المذكورة في الحديث وقعت بين أم ولد زيد ابن أرقم ومولاها، وهي أم ولد قبل أن يبتل عتقها، فيأتي قول عائشة ﵂ فيه على تحظير الربا بين العبد وسيده مع القول بتحريم الذرائع، وفعل زيد بن أرقم على إجازة ذلك أو استجازة الذرائع، وإن كانت المبايعة وقعت بينهما وقد بتل عتقها ففعل زيد بن أرقم على استجازة الذرائع؛ وكان شيخنا الفقيه ابن رزق يضعف حديث عائشة هذا، لقولها فيه: أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، لأنه خلاف ما جاء في القرآن من أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن الأعمال لا تبطل إلا بالردة، لقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ وهذا لو جاز أن يحمل عن زيد بن أرقم أنه عمل مع أم ولده في الباطن بما أظهراه من البيعتين على أن يأخذ منها ستمائة دينار في ثمانمائة إلى أجل، وهذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليه، فالذي فعل لا إثم عليه فيه ولا حرج فيما بينه وبين خالقه عند أحد من الأئمة،
стр. 670
إلا أنه يكره ذلك له لئلا يكون ذريعة لغيره يتطرق بها إلى الربا؛ وأكثر أهل العلم يمضون البيعتين على ظاهرهما من الصحة ولا يتهمون المتبايعين ولا يرون الحكم بالذرائع، وكذلك إذا باع الرجل السلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل، تفسخ البيعتان جميعا عند ابن الماجشون؛ والثانية وحدها عند ابن القاسم في القيام، إلا أن يشترط أن يقاصه بالثمن الأول عند الأجل الأول! ويأخذ بقية الثمن الثاني عند الأجل الثاني، وأما إذا اشتراها منه إلى الأجل الذي باعها إليه منه، فذلك جائز، والحكم يوجب المقاصة عند الأجل؛ وما لم يتقاصا فالثمن لكل واحد منهما في ذمة صاحبه ثابت، ولا يكون أحدهما أحق بما عليه من غرماء صاحبه إن فلس، على مذهب ابن القاسم، وهو أحق بما عليه عند أشهب؛ فإن فلس على مذهب ابن القاسم المشتري الأول وهو البائع الثاني، تحاص غرماؤه مع المشتري الثاني وهو البائع الأول فيما عليه، فما وجب لهم في الحصاص أخذوه منه، وإن فلس المشتري الثاني وهو البائع الأول كان المشتري الأول وهو البائع الثاني أحق بالسلعة، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الثمن، وبالله التوفيق.
فصل
وقد تقدم فيما مضى أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة لعملهم بالمكروه واستباحتهم له.
فصل
والعينة على ثلاثة أوجه: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة فيقول له: هل عندك سلعة كذا أبتاعها منك؟ فيقول له: لا، فينقلب عنه على غير مراوضة ولا مواعدة، فيشتري تلك السلعة التي سأله عنها ثم يلقاه فيخبره أنه قد اشترى السلعة التي سأله عنها فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة؛
следующие страницы →