Полный текст (1 626 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فصل
وأما صوف الغنم فإن تولد عند المشتري فجزه، فهو غلة له في الرد بالعيب والاستحقاق وأخذ البائع لها في التفليس، وأما بالبيع الفاسد، فإنه لا يتولد ويحمل إلا وقد فات رد الغنم، ووجب أن يصحح البيع بالقيمة ولم يجزه، فإنه تبع الغنم في جميع ذلك، ولا يرجع المبتاع بشيء من نفقته عليها، بخلاف النخل، والفرق بينهما أن للغنم غلة تبتغى منها سوى الصوف، ولو جزه المبتاع بعد أن اطلع على العيب، لكان جزه له رضا بالعيب، وكذلك لو اشتراها وعليها صوف قد كمل وتم، على مذهب أشهب - لأنه عنده تبع للغنم في دخوله في الصفقة دون اشتراط أصله، إذا اشترى النخل بثمرتها قبل الإبار، بخلاف ما إذا كانت الثمرة قد طابت؛ ولا يلزمه على هذا ألا تكون الثمرة غلة له إذا اشتراها مع الأصول قبل الطياب وقد أبرت، لأنها ما لم تطب فهي عنده تبع للأصول، إذ لا يجوز بيعها منفردة دونه إلا على الجد، خلاف ما إذا طابت؛ وأما ابن القاسم فذهب إلى أن الغنم إذا كان عليها يوم الشراء صوف قد تم وكمل، فليس بغلة له وإن جزه، ويرده في العيب إن كان قائما، أو مثله إن كان فائتا؛ وكذلك في الاستحقاق يأخذه المستحق إن كان قائما، أو مثله إن كان قد استهلكه المبتاع، أو الثمن إن كان باعه، وكذلك في التفليس يكون البائع أحق به وإن جزه المفلس ما كان قائما، فإن فات أخذ الغنم بما ينوبها من الثمن وحاص الغرماء بما ينوب الصوف، وإن شاء ترك الغنم وحاص الغرماء بجميع دينه، وقول ابن القاسم: إن الغنم إذا كان عليها صوف قد تم وكمل يوم الشراء، أنه ليس بتبع للغنم وقد وقع عليه قسطه من الثمن، وإن كان داخلا في الصفقة دون اشتراط، أظهر من قول أشهب، أصله إذا اشترى الأرض وفيها نخل أنها تدخل في الصفقة دون اشتراط، ولا يحكم لها بحكم البيع إن قطعها البائع أو ذهبت بجائحة في حكم الرد بالعيب والاستحقاق وأخذ البائع لها في التفليس، وبالله سبحانه التوفيق.
стр. 737
كتاب المرابحة
فصل
في تقسيم أجناس البيوع، البيوع تنقسم على أربعة أقسام: بيع مرابحة، وبيع مكايسة، وبيع مزايدة، وبيع استئمانة واسترسال؛ وقال ابن حبيب: إن الاسترسال إنما يكون في الشراء دون البيع، وليس ذلك بصحيح، إذ لا فرق في ذلك بين البيع والشراء.
فصل
فأما بيع المرابحة، فإنه على وجهين، أحدهما أن يبايعه على ربح مسمى على جملة الثمن، (والثاني) أن يبايعه على أن يربحه بالدرهم درهما وللدرهم نصف درهم، وللعشرة أحد عشر أو أقل من ذلك أو أكثر مما يتفقان عليه من الأجزاء.
فصل
فأما إذا بايعه على أن يربحه للدرهم درهما أو للدرهم نصف درهم، أو
стр. 738
للعشرة أحد عشر، وما أشبه ذلك، فإن ما كان في السلعة المبيعة مما له عين قائمة كالصبغ والكمد والفتل وما أشبه ذلك، فإنه بمنزلة الثمن يحسب ويحسب له الربح؛ وأما ما ليس له عين قائمة فإنه على وجهين، أحدهما ما يختص بالمبتاع، والثاني ما لا يختص به؛ فأما ما لا يختص بالمبتاع فإنه لا يحسب في أصل الثمن، ولا يحسب له ربح؛ وذلك كنفقته وكراء ركوبه وكراء بيته إن خزن المتاع فيه، لأن العادة جارية أن يخزن الرجل متاعه في بيت سكناه، وأما ما يختص بالمتاع، فإنه ينقسم أيضا على وجهين، أحدهما ما يتولاه التاجر بنفسه ولا يستأجر عليه غالبا كشراء المتاع وشده وطيه وما أشبه ذلك. والثاني ما يستنيب عليه غالبا ولا يتولاه بنفسه كحمل المتاع ونفقة الرقيق وما أشبه ذلك، فأما ما جرت العادة أن يتولاه التاجر بنفسه غالبا كطي المتاع وشرائه وشده فاستأجر عليه، فإنه لا يحسب في رأس المال، لأن المبتاع يقول له: لا يلزمني ذلك، لأنك إنما استأجرت من ينوب عنك فيما جرت العادة أن تتولاه بنفسك، فلا يجب علي في ذلك شيء؛ وأما ما يستأجر عليه غالبا ولا يتولاه بنفسه، كحمل المتاع ونفقة الرقيق وما أشبه ذلك، فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ربح، لأنه ليس له عين قائمة.
فصل
فيجب على هذا إذا اشترى من المبتاع ما يعلم أنه لا يشتريه إلا بواسطة وسمسار تجري العادة بذلك، أو اكترى منه مخزنا ليخزن فيه المتاع، ولولا ذلك لم يحتج إليه أن يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له الربح؛ وقد رأيت ذلك لبعض أهل العلم.
فصل
وهذا إذا بين هذه الأشياء كلها فقال: اشتريت هذه السلعة بكذا وصبغتها بكذا واكتريت عليها بكذا، وأعطيت عليها السمسار كذا، فأبيعها بربح
стр. 739
للعشرة أحد عشر، فحينئذ يكون العمل على هذا، وينظر إلى ما سم مما له عين قائمة، فيحسب ويحسب له الربح، وما لم تكن له عين قائمة إلا أنه يختص بالمتاع ولا يتولاه التاجر بنفسه، فإنه يحسب ولا يحسب له ربح؛ وإن كان يتولاه التاجر بنفسه أو لا يختص بالمتاع، فإنه لا يحسب رأسا ولا يحسب له ربح إلا أن يشترط البائع أن يربحه على ذلك كله بعد أن يسميه ويبينه، فيجوز ذلك.
فصل
وأما إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا وكذا وأبيعها بربح للعشرة أحد عشر، وما أشبه ذلك، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد على هذا فاسد، لأن المشتري لا يدري كم رأس المال الذي يجب له الربح؛ وكم أضيف إليه مما يحسب ولا يحسب له ربح ومما لا يحسب رأسا ولا يحسب له ربح، وهذا جهل بين في الثمن، وقد قال في كتاب ابن المواز: إنه يعمل في هذا على ما ذكرناه مما يحسب أو لا يحسب، وما يكون له ربح مما لا يكون له ربح، وهو ظاهر قول سحنون في نوازله منها وهو بعيد والصواب ما قدمناه.
فصل
وأما الوجه الثاني من وجوه المرابحة وهو أن يبيع ربح مسمى على جملة الثمن، فإن سمى أيضا ما اشتراها به وما أنفق عليها فيما له عين قائمة وفيما ليس له عين قائمة مما يحسب أو لا يحسب، جاز البيع وطرح عن المبتاع ما لا يحسب رأسا، كنفقته وكراء بيته، وما أشبه ذلك، إلا أن يشترطا أن يحسب ذلك فيجوز، وكذلك إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا، على قياس ما في كتاب محمد وظاهر قول سحنون في نوازله، والقياس أن العقد على هذا فاسد على ما بيناه.
فصل
ويلزمه أيضا فيما له عين قائمة كالصبغ والكمد والفتل- أن يبين فيقول: اشتريت بكذا وكذا وصبغت بكذا وكذا، في الوجهين جميعا، باع بربح مسمى على
стр. 740
جملة الثمن أو للعشرة أحد عشرة، فإن لم يفعل وقال: شراء هذه السلعة بعشرة، وقد كان اشتراها بخمسة وصبغها بخمسة؛ فالمشتري بالخيار إن كانت السلعة قائمة بين أن يأخذها بالثمن أو يردها، وإن فاتت مضت بجميع الثمن ولم ترد إلى القيمة؛ هذا قول سحنون في العتبية، وقد كان القياس إذا خيره في القيام أن يرده في الفوات إلى القيمة، إن كانت أقل من الثمن - على مذهب ابن القاسم في مسائل الغش والخديعة، أو القيمة على مذهب سحنون يوم قبضها ما لم تكن أكثر من الثمن الذي اشتراها به، أو أقل من قيمتها يوم ابتاعها على أصل مذهبه في مسائل المرابحة؛ وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه ليس عليه أن يبين ذلك، كسلعتين باعهما مرابحة صفقة واحدة وقد كان اشتراهما في صفقتين.
فصل
ولا يجوز في بيع المرابحة أن يكتم البائع من أمر سلعته ما إذا ذكره كان أوكس للثمن أو أكره للمبتاع، لأن ذلك من أكل المال بالباطل الذي نهى الله عنه وحرمه، ومن الغش والخديعة والخلابة المنهي عنه بالسنة.
فصل
فيلزم من باع مرابحة أن يبين ما عقد عليه وما نقد، وإن كان اشترى بنقد أو إلى أجل أو في أي زمن اشتراها؛ لأن التجار على الطرى أحرص، وهم فيه أرغب، وإن كان تجوز عنه في الثمن أو أخر به أو بشيء منه، وإن كان حدث بها عيب عنده أن يبين به، وأن عنده حدث، وما أشبه ذلك من الأشياء حتى يعلم المبتاع من أمر السلعة ما علم منها البائع؛ فإن لم يفعل وكتم شيئا من ذلك، فلا يخلو ما كتمه من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون ذلك من باب الكذب في الثمن
стр. 741
والزيادة فيه، (والثاني) أن يكون من باب الغش والخديعة، (والثالث) أن يكون من باب التدليس بالعيب ولكل وجه من هذه الوجوه حكم يختص به.
فصل
فأما من باع مرابحة وزاد في الثمن، فحكمه أن المبتاع في قيام السلعة مخير بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه الزيادة وما ينوبها من الربح، فيلزمه البيع؛ فإن فاتت وأبى البائع أن يحط عنه الزيادة ونوبها من الربح، كان للبائع القيمة إلا أن تكون أكثر من الثمن الذي باع به، فلا يزاد عليه أو أقل من الثمن الصحيح وما ينوبه من الربح، فلا ينقص المبتاع منه شيئا.
فصل
وأما من باع مرابحة وخدع المبتاع وغشه، فإن كتمه من أمر سلعته ما يكرهه ولم يزد عليه في الثمن ولا دلس له بعيب، فحكمه أن يكون المبتاع في قيام السلعة بالخيار بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد، وليس للبائع أن يلزمه إياها وإن حط عنه بعض الثمن، وإن كانت فاتت، كان فيها الأقل من القيمة أو الثمن.
فصل
وأما من دلس بعيب في بيع المرابحة، فحكمه حكم من باع غير مرابحة في قيام السلعة وفواتها - إن كانت قائمة، خير بين أن يرد ويرجع بجميع الثمن، أو يمسك - ولا شيء له، وإن كانت قد فاتت بعيب مفسد، كان مخيرا بين أن يرد ويرد ما نقصه العيب الحادث عنده، وبين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب وما ينوبها من الربح.
فصل
فعلى هذه الثلاثة الأوجه يجري حكم المرابحة كلها على مذهب ابن القاسم إلا في مسألتين شذتا عن هذا الأصل فلم يحكم فيهما بحكم الكذب في بيع
стр. 742
المرابحة، ولا بحكم الغش والخديعة، ولا بحكم العيب؛ (إحداهما) من باع مرابحة وحسب ما لا يحسب أو ربح ما يحسب ولا يحسب له ربح، (والثانية) من باع مرابحة على ما عقد عليه ولم يبين ما نقد؛ وأما سحنون فوافق ابن القاسم في الوجهين، وخالفه في الثالث؛ وافقه في حكم التدليس بالعيب وفي حكم الكذب، وخالفه في حكم الغش والخديعة؛ لأن الغش والخديعة عنده في المرابحة ينقسم على قسمين (أحدهما) أن لا يكون للغش والخديعة تأثير في زيادة الثمن، (والثاني) أن يكون له تأثير في زيادة الثمن، فأما ما لا تأثير له في زيادة الثمن فيوافق فيه ابن القاسم، وذلك مثل: أن يرث السلعة أو توهب له فيبيعها مرابحة، أو مثل: أن يشتري السلعة فتطول إقامتها عنده ولا تحول أسواقها وما أشبه ذلك. وأما ما له تأثير في زيادة الثمن فخالف فيه ابن القاسم ورده إلى حكم الكذب في القيام والفوات، وذلك مثل: أن يشتري السلعة بثمن إلى أجل فيبيعها مرابحة بذلك الثمن؛ لأن من المعلوم أن من اشترى إلى أجل يزيد في الثمن وأجل التأخير، مثل أن: يشتري الثوبين صفقة واحدة، فيبيع أحدهما مرابحة بما ينوبه من الثمن؛ لأن الجملة يزاد فيها على ما ذهب إليه ابن عبدوس - وإن لم يزد فيها فيتهم البائع في أنه قد وضع على أحد الثوبين من الثمن أكثر مما ينوبه.
فصل
فإن اجتمع على مذهبه الغشان جميعا؛ غش له تأثير في زيادة الثمن وغش لا تأثير له في زيادة الثمن - مثل أن: يشتري السلعة فتطول إقامتها عنده وتحول أسواقها بنقصان، فإنه يوافق ابن القاسم في قيام السلعة؛ لأن البائع إن أراد أن يلزم المبتاع السلعة بأن يحط عنه من ثمنها ما قابل الكذب ونوبه من الربح، احتج عليه بطول الإقامة، ويخالفه إذا فاتت السلعة فيحكم لها بحكم الكذب؛ ووجه العمل في ذلك أن تقوم السلعة يوم باعها مرابحة، فتكون تلك القيمة هو الثمن
стр. 743
الصحيح، ثم تقوم يوم قبضها إن تأخر قبضها فتكون له القيمة - ما لم تكن أكثر من الثمن الذي باع به، أو أقل من القيمة الأولى وما ينوبها من الربح؛ هذا نص قول سحنون، وهو كلام فيه اعتراض، والصحيح أن تقوم السلعة يوم ابتاعها، ثم تقوم يوم باعها مرابحة، فينظر ما بين القيمتين من أجل حوالة الأسواق ويحط ذلك الجزء من الثمن وربحه، فما بقي كان هو الثمن الصحيح الذي لا ينقص منه إن كانت القيمة أقل.
فصل
وقد يجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والكذب في الثمن، والتدليس بالعيب والغش والخديعة والكذب، فينظر في ذلك كله على مذهب ابن القاسم، ويكون للمبتاع المطالبة بأي ذلك شاء مما هو أنفع له، وقد تجتمع أيضا الثلاثة الأشياء في مسألة واحدة: التدليس بالعيب، والكذب في الثمن، والغش والخديعة.
فصل
فأما إذا اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والكذب في الثمن، فإن ذلك لا يخلو من خمسة أحوال:
(إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه الفوت، (والثانية) أن تكون السلعة قد فاتت بحوالة أسواق أو نقص يسير، (والثالثة) أن تكون قد فاتت ببيع، (والرابعة) أن تكون قد فاتت بالعيوب المفسدة، (والخامسة) أن تكون قد فاتت بذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب العين من العتق والكتابة والتدبير والصدقة والهبة لغير الثواب، وما أشبه ذلك.
مثال ذلك: أن يشتري الرجل السلعة فيحدث بها عنده عيب، أو تكون جارية فيزوجها ثم يبيعها مرابحة بجميع الثمن الذي اشتراها به ولا يبين العيب الذي حدث عنده، ولا أن لها زوجا إن كان زوجها؛ لأنه قد زاد في ثمنها ما نقص العيب من قيمتها، فإن كانت على الحال الأولى لم تفت بوجه من وجوه الفوت لم يكن للمشتري المطالبة إلا بحكم العيب، فكان مخيرا بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد ولا شيء عليه، ولا يكون للبائع أن يلزمه إياها وإن حط عنه الكذب وهو قيمة العيب وما ينوبه من الربح؛ لأن
стр. 744
من حجته أن لا يرضى بالعيب؛ وأما إن كانت على الحال الثانية قد فاتت بحوالة سوق أو نقص يسير، فالمبتاع مخير بين أن يطالب بحكم العيب فيمسكها ولا شيء له، أو يردها ولا شيء عليه؛ إذ لا يفيت ردها بالعيب حوالة الأسواق ولا النقص اليسير، وليس للبائع أن يلزمه إياها بأن يحط عنه الكذب وهو قيمة العيب وما ينوبه من الربح؛ إذ ليس له أن يلزمه العيب شاء أو أبى، وبين أن يطالب بحكم الكذب ويرضى بالعيب؛ إذ قد فاتت في حكم الكذب؛ فإن اختار ذلك كان وجه العمل فيه أن يعرف ما نقص التزويج من الثمن الذي اشتراها به البائع يوم اشتراها.
وذلك أن تقوم يومئذ معيبة وغير معيبة، فما كان بين القيمتين حط ذلك المقدار من الثمن، فما بقي منه كان ذلك هو الثمن الصحيح؛ ثم تقوم يوم ابتاعها أو يوم قبضها على الاختلاف في ذلك، فيكون على المبتاع تلك القيمة؛ إلا أن تكون أقل من الثمن الصحيح فلا ينقص البائع منه شيئا أو يكون أكثر من الثمن الذي اشتراها به، فلا يزاد البائع عليه شيئا، وأما إن كانت على الحال الثالثة من فواتها بالبيع فليس للمشتري المطالبة إلا بحكم الكذب، إذ لا رجوع للمشتري في العيب بشيء بعد البيع على مذهب ابن القاسم ويعمل في ذلك على ما بيناه من وجه العمل فيه.
وأما إن كانت على الحال الرابعة من فواتها بالعيوب المفسدة، فله المطالبة بأي الوجهين شاء ويكون مخيرا في ثلاثة أوجه:
(أحدهما) أن يرد ويرد ما نقصها العيب الحادث عنده، (والثاني) أن يرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، (والثالث) أن يرضى بالعيب ويطالب بحكم الكذب فتكون عليه القيمة إلا أن تكون أكثر من الثمن الذي ابتاعها به فلا يكون عليه أكثر منه، لأنه هو يطلب الفضل قبل البائع أو تكون القيمة أقل من الثمن الذي اشتراها به البائع بعد طرح قيمة العيب من ذلك، وما ينوبه من الربح يوم ابتاعها البائع على ما تقدم من العمل والتفسير.
وأما إن كانت على الحال الخامسة من ذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب العين، فله المطالبة بأي الوجهين شاء إما بالعيب فيرجع بقيمته وما ينوبه من الربح؛ وإما بالكذب فتكون عليه القيمة ما لم تكن أقل أو أكثر على ما فسرناه وقد وقع في
стр. 745
المدونة في هذا الوجه كلام طويل واختلاف في الرواية يرجع الكلام على الرواية الواحدة إذا حملته على ظاهره أن المبتاع يرجع على البائع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح على حكم التدليس بالعيب بانفراده؛ وعلى هذه الرواية اختصر المسألة ابن أبي زمنين وهي جل الروايات؛ وعلى الرواية الثانية جعل الحكم في المسألة حكم الكذب في الثمن بانفراده وهو الأظهر من مراد ابن القاسم - في الكتاب وقصده؛ لأنه لو قصد إلى حكم العيب بانفراده، لقال: يرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، فاستُغنِي عن التطويل في ذكر القيمة واعتبارها بما إذا حصل لم يرجع إلى معنى فيه فائدة، وهذا كله فيه نظر؛ والصحيح ما نذكره بعد ونعتمد عليه من التأويل إن شاء الله تعالى؛ لأن الرجوع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح أفضل للمشتري في هذه المسألة؛ فإذا كان ذلك أفضل له، فمن حقه أن يطالب به على مذهب ابن القاسم؛ لأن العتق والتدبير والصدقة على مذهبه فوت يوجب للمبتاع الرجوع بقيمته.
فهذه الرواية على هذا التأويل تضاهي رواية زياد عن مالك: أن من اشترى عبدا فوهبه أو تصدق به فهو فوت ولا رجوع له بقيمة العيب إلا أن يتأول أن المعنى فيها أنه رضي بالعيب، فطالب بحكم الكذب، وأما الرواية الأولى فتحمل على ما تأول ابن أبي زمنين أن تكون إنما أرجع المبتاع فيها بقيمة العيب وما ينوبه من الربح على حكم التدليس بالعيب؛ لأن ذلك هو أفضل للمشتري وهو بعيد في الظاهر.
فصل
ولو اشترى السلعة معيبة وهو عالم بعيبها، ثم باعها مرابحة بأكثر مما اشتراها به وكتم العيب، لكان أبين في اجتماع الكذب والتدليس بالعيب، ولوجب إذا فاتت السلعة بذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب العين، أن يكون للمشتري المطالبة بالوجهين جميعا، فيرجع على البائع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، ثم يقال للبائع: حط عنه الكذب أيضا وما ينوبه من الربح؛ فإن أبى من ذلك، كانت على المبتاع القيمة، إلا أن تكون أكثر من الثمن الذي باع به بعد إلغاء قيمة العيوب وما ينوبه من الربح؛ فلا يزاد البائع على ذلك، أو تكون القيمة أقل من الثمن الصحيح بعد إلغاء قيمة العيب. وما ينوبه من الربح فلا ينقص المبتاع من ذلك؛ وعلى هذا
стр. 746
الوجه ينبغي - عندي - أن يحمل كلام ابن القاسم في المدونة الثابت في جل الروايات فيصح معناه، فالأولى أن يتأول على ابن القاسم في الكتاب أنه رجع في آخر المسألة إلى التكلم على هذا الوجه - وإن كان لم يُبتدَأ الكلام عليه، من أن يجعل - كلامه عليه لغوا وتكريرا لغير فائدة كما فعل ابن أبي زمنين والله أعلم.
فصل
وأما إن اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والغش والخديعة، فإن ذلك لا يخلو من خمسة أحوال:
(إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه الفوت، (والثانية) أن تكون قد فاتت ببيع، (والثالثة) أن تكون قد فاتت بحوالة أسواق أو نقص يسير، (والرابعة) أن تكون قد فاتت بعيوب مفسدة، (والخامسة) أن تكون قد فاتت بفوات العين أو ما يقوم مقام فوات العين، مثال ذلك: أن يشتري السلعة المعيبة وهو عالم بعيبها فتطول إقامتها عنده ثم يبيعها مرابحة ولا يبين بالعيب ولا بطول الإقامة، فإن كانت السلعة على الحالة الأولى، كان مخيرا بين أن يرد بالعيب والغش والخديعة، أو يمسك بجميع الثمن ولم يكن للبائع أن يلزمه إياها بأن يحط عنه بعض الثمن؛ وإن كانت على الحال الثانية من فواتها بالبيع، فليس له المطالبة إلا بحكم الغش والخديعة، فيكون عليه القيمة إن كانت أقل من الثمن، وإن كانت على الحال الثالثة، كان مخيرا بين أن يرد بالعيب أو يرضى ويطالب بحكم الغش والخديعة فيرد له السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن الذي ابتاعها به، وإن كانت على الحال الرابعة، كان مخيرا في ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يردها وما نقصها؛ (والثاني) أن يمسك ويرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، (والثالث) أن يرضى بالعيب ويطالب بحكم الغش والخديعة فيرد عليه السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن الذي باعها بها، وإن كانت
стр. 747
على الحالة الخامسة، كان مخيرا في وجهين، أحدهما: أن يطالب بحكم العيب، فيحط عنه من الثمن قيمته وما ينوبه من الربح، والثاني: أن يرضى بالعيب ويطالب بحكم الغش والخديعة فيرد له السلعة إلى قيمتها - إن كانت قيمتها أقل من الثمن.
فصل
وأما إن اجتمع في مسألة واحدة الكذب في الثمن والغش والخديعة، فإن ذلك لا يخلو من حالين، (أحدهما) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه الفوت، (والثاني) أن تكون قد فاتت بحوالة سوق أو نماء أو نقصان، فما زاد على الاختلاف في ذلك؛ مثال ذلك: أن يشتري الرجل السلعة بعشرة دنانير فتطول إقامتها عنده فيبيعها باثني عشر دينارا ولا يبين بطول إقامتها عنده، فإن كانت السلعة على الحال الأولى كان مخيرا بين أن يمسك أو يرد، ولم يكن للبائع أن يلزمه إياها بأن يحط عنه الكذب ونوبه من الربح؛ لأنه يحتج عليه بطول الإقامة وهو غش وخديعة، وإن كانت على الحال الثانية، فالمطالبة بحكم الغش والخديعة أفضل له فترد له السلعة إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن.
فصل
وأما إذا اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والغش والكذب في الثمن والغش والخديعة، فإن ذلك لا يخلو أيضا من خمسة أحوال:
(إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت، (والثانية) أن تكون السلعة قد فاتت ببيع، (والثالثة) أن تكون قد فاتت بحوالة سوق أو نقص يسير، (والرابعة) أن تكون قد فاتت بالعيوب المفسدة، (والخامسة) أن تكون قد فاتت بفوات العين أو ما يقوم مقام فواته؛ مثال ذلك: أن يشتري الرجل الجارية ولا ولد لها فيزوجها وتلد عنده أولادا، ثم يبيعها مرابحة بجميع الثمن الذي اشتراها به دون أولادها ولا يبين أن لها ولدا؛ لأن أولادها عيب، وطول إقامتها عنده إلى أن ولدت الأولاد غش وخديعة، وما نقص التزويج والأولاد من قيمتها كذب في الثمن، فإن كانت الجارية على الحال الأول
стр. 748
من القيام دون فوات، لم يكن للمشتري إلا أن يرد ولا شيء عليه أو يمسك ولا شيء له، ولا يكون للبائع عليه أن يلزمه إياها بحطيطة شيء من الثمن، لأنه يحتج عليه بالعيب والغش والخديعة؛ وإن كانت على الحال الثانية من فواتها بالبيع فلا شيء للمشتري في العيب والمطالبة بحكم الغش والخديعة أنفع له من المطالب بحكم الكذب، فترد له السلعة إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن. وإن كانت على الحال الثالثة من فواتها بحوالة الأسواق والنقص اليسير؛ فيكون المشتري مخيرا بين أن يرد بالعيب أو يرضى به، فيرد له السلعة إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن على حكم الغش والخديعة؛ لأن المطالبة بذلك أفضل له من المطالبة بالكذب.
وإن كان على الحال الرابعة من فواتها بالعيوب المفسدة، كان مخيرا في ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يردها ويرد ما نقصها العيب الحادث عنده، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، أو يرضى بالعيب فترد له السلعة إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن على كلمة الغش والخديعة؛ لأن المطالبة بذلك أنفع من المطالبة بحكم الكذب وإن لم يرد وكان الولد صغارا لم يبلغوا حد التفرقة، جبر على أن يجمع بينهما في ملك واحد أو يرد البيع.
وإن كانت على الحال الخامسة بفواتها بفوات عينها أو ما يقوم مقام ذلك كان مخيرا بين أن يرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح أو يرضى بالعيب فيرد له السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن؛ لأن المطالبة بالغش والخديعة أفضل له من المطالبة بحكم الكذب.
فصل
فحكم اجتماع التدليس بالعيب والكذب في الثمن والغش والخديعة في مسألة واحدة حكم اجتماع التدليس بالعيب والغش والخديعة لا غير من أجل ما بيناه من أن المطالبة للمشتري بحكم الغش والخديعة أنفع له من المطالبة بحكم الكذب؛ وكذلك حكم اجتماع الكذب والغش والخديعة في مسألة واحدة، كحكم انفراد الغش والخديعة دون الكذب في القيام والفوات من أجل أن المطالبة بحكم الغش والخديعة أنفع للمشتري.
стр. 749
فصل
فأحكام المرابحة جارية على هذه الوجوه وهي سبعة، (أحدها) الكذب في الثمن بانفراده، (والثاني) التدليس بالعيب بانفراده، (والثالث) الغش والخديعة بانفراده، (والرابع) اجتماع الكذب والتدليس بالعيب، (والخامس) اجتماع الكذب والغش والخديعة، (والسادس) اجتماع الغش والخديعة والتدليس بالعيب، (والسابع) اجتماع الثلاثة الأشياء: الكذب في الثمن، والغش والخديعة، والتدليس بالعيب، فقف عليها واعرف افتراق أحكامها على ما بيناه وقسمناه، فإنها مستقصاة صحيحة على أصل ابن القاسم ومذهبه، ولم أرها ملخصة لأحد ممن تقدم كهذا التلخيص.
فصل
وسحنون يرد بعض مسائل الغش والخديعة إلى حكم الكذب ويجعل القيمة فيها كالثمن الصحيح، يريد يوم باعها، في مثل الذي اشترى السلعة فحالت سوقها بنقصان، ثم باعها مرابحة ولم يبين - ويريد - والله أعلم - يوم ابتاعها - في مثل الذي اشترى السلعة فطالت إقامتها عنده وحالت أسواقها بزيادة، ثم باع ولم يبين؛ ويأتي على مذهبه في الذي ابتاع السلعة بثمن إلى أجل، ثم باعها مرابحة ولم يبين أن تكون القيمة الصحيحة يوم باعها بأن كانت أسواقها قد حالت بنقصان من يوم ابتاعها إلى يوم باعها، وأن تكون القيمة الصحيحة منها يوم ابتاعها إن كانت حالت أسواقها بزيادة من يوم ابتاعها إلى يوم باعها.
فصل
وإن ادعى البائع الغلط في بيع المرابحة وأتى في ذلك بما يشبه من رقم أكثر مما باع به أو إشهاده قوما قاسموه، أو ما أشبه ذلك؛ صدق وكان له الرجوع؛ فهذا حكم بيع المرابحة ملخصا، وسيأتي مفصلا مفسرا في مواضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 750
فصل
وأما بيع المكايسة فهو أن يساوم الرجل الرجل في سلعته، فيبتاعها منه بما يتفقان عليه من الثمن، ثم لا قيام للمبتاع فيها بغبن ولا بغلط على المشهور من الأقوال، وقد قيل: إنه يرجع بالغلط، وهو ظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة وما في سماع ابن القاسم من جامع البيوع، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في الكتاب المذكور في الذي يشتري ياقوتة وهو لا يظنها ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المشتري أن البيع يرد خلاف ما في سماع أشهب؛ وأما بالغبن - وهو الجهل بقيمة المبيع - فلا رجوع له في بيع المساومة، وهذا ظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف، وكان من الشيوخ من يحمل مسألة سماع أشهب من الكتاب المذكور على الخلاف في ذلك وليس بصحيح؛ لأنها مسألة لها معنى من أجله أوجب الرد بالغبن، فليست بخلاف المشهور في المذهب ولظاهر رواية ابن القاسم عن مالك المذكور، وقد حكى بعض البغداديين على المذهب ورواه ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث .. فتأمله وقف عليه إن شاء الله.
وأما بيع المزايدة فهو أن يطلق الرجل سلعة في النداء ويطلب الزيادة فيها، فمن أعطى فيها شيئا لزمه إلا أن يزاد عليه فيبيع البائع من الذي زاد عليه أولا يمضيها له حتى يطول الأمد وتمضي أيام الصياح، فإن أعطى رجلان فيها ثمنا واحدا تشاركا فيها على مذهب ابن القاسم، وقيل: إنها للأول ولا يأخذها غيره إلا بالزيادة وهو قول عيسى بن دينار في سماعه من كتاب الجعل والإجارة، قال: وإنما يشتركان فيها إذا أعطيا الثمن معا في حال واحدة.
стр. 751
فصل
وأما بيع الاستئمانة والاسترسال، فهو أن يقول الرجل: اشتر مني سلعتي كما تشتري من الناس، فإني لا أعلم القيمة، فيشتري منه بما يعطيه من الثمن، وقال ابن حبيب: إن الاسترسال إنما يكون في البيع أن يقول الرجل للرجل: بع مني كما تبيع من الناس وأما في الشراء فلا، ولا فرق بين الشراء والبيع في هذا، والله أعلم.
فصل
فالبيع والشراء على هذا الوجه جائز، إلا أن البيع على المكايسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم والقيام بالغبن في البيع والشراء إذا كان على الاسترسال والاستئمانة واجب بإجماع؛ لقول رسول الله ﷺ : «غبن المسترسل ظلم» وبالله التوفيق.
стр. 752
كتاب الاستبراء
القول في حقيقة لفظ الاستبراء.
الاستبراء هو: البحث عن الأمر والكشف عنه والوقوف على حقيقته؛ هذا موضوع هذه اللفظة في اللغة.
إلا أنها قد تصرفت عند الفقهاء بالكشف عن حال الأرحام ليعلم أَن كانت بريئة من الحمل أو مشغولة به؛ وذلك يكون بالحيض الذي كتبه الله على بنات آدم، وجعله حفظا للأنساب، وعلما لبراءة الأرحام، أو ما يقوم مقام الحيض عند عدمه من الشهور والأيام.
فصل
واستبراء الإماء في البيع واجب لحفظ النسب كوجوب العدة التي فرضها الله في كتابه وجعلها حدا من حدود عباده، قال رسول الله ﷺ يوم سبى أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض»، وقال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغشى رجلان امرأة في طهر واحد». فوجب على كل من
стр. 753
انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو ميراث أو وصية أو بأي وجه كان من وجوه الملك - ولم يعلم براءة رحمها - أن لا يطأها حتى يستبرئها، وسواء كانت الأمة رفيعة أو وضيعة كبيرة أو صغيرة إذا كانت ممن يوطأ مثلها، ولا يؤمن الحمل عليها، فإن أمن الحمل عليها لصغرها أو كبرها، وكانت الصغيرة ممن يوطأ مثلها، فمذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأكثر أصحابه إيجاب الاستبراء فيها، وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنه لا يجب الاستبراء فيها، وجاء ذلك عن جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وابن شهاب، وأبو الزناد، وربيعة، وابن هرمز وغيرهم.
فصل
والاستبراء يجب بأربعة أوصاف وهي الملك، وأن لا يعلم براءة الرحم وأن يكون الفرج حلاله وأن لا يكون حلاله قبل ذلك فمتى انخرم وصف من هذه الأوصاف لم يجب الاستبراء.
فصل
فإذا قلنا هذا فإن الاستبراء يحصل بما يغلب على الظن ببراءة الرحم به من الحمل، وذلك حيضة واحدة في ذوات الحيض، إذ لا يتعلق بها معنى من العبادة ولا حرمة الحرية، فيشترط فيه تكرير الحيض كالعدة.
فصل
فأما من لا تحيض من صغر أو كبر، فاستبراؤها على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأصحابه ثلاثة أشهر، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونصف، وقيل: شهر واحد، وحجة من قال: شهر - أن الله جعل العدة في الطلاق ثلاثة قروء في ذوات الحيض، وفي اليائسة من المحيض، والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فكان بإزاء كل قرء
стр. 754
شهر، فكما وجب على الأمة في الاستبراء حيضة واحدة إذا كانت ممن تحيض وجب عليها - إذا كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر شهر واحد، وهذه حجة من قال استبراؤها شهران في الشهر الواحد.
وقال في الثاني: إنه زيد عليها استقصاء للريب؛ وحجة من قال: شهر ونصف، أن عدة الحرة اليائسة من المحيض أو التي لم تحض ثلاثة أشهر، والأمة على النصف من الحرة في عدة الطلاق؛ فشددوا عليها في البيع فبلغوها في الاستبراء فيه مبلغ الاستبراء في الطلاق، وهذا كله لا حجة فيه؛ والقول ما قال مالك وأصحابه؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، والاستبراء إنما هو ليعلم براءة الرحم من الحمل، فإذا لم يتبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر، وجب أن لا يحصل الاستبراء بدونها، وهذا بين لمن تأمله.
فصل
فإن كانت الأمة ممن تحيض فاستحيضت أو ارتفعت حيضتها، فقيل: تستبرئ تسعة أشهر رواه ابن وهب وأشهب عن مالك، وروى ابن غانم وابن القاسم عنه أن ثلاثة أشهر تجزئ في استبرائها إذا نظر إليها النساء فلم يجدن بها حملا.
فصل
وأما إن كانت لا تحيض من مرض أو رضاع، أو لا تأتيها حيضتها إلا من فوق التسعة الأشهر إلى مثل ذلك، فثلاثة أشهر تبرئها من الاستبراء، ولا أعلم في هذا نص خلاف وقد يدخل الخلاف في بعض هذه الوجوه بالمعنى، واختلف قول ابن القاسم إذا كانت تحيض من فوق الثلاثة الأشهر إلى فوق الثلاثة فيما دون التسعة الأشهر، هل تنتظر الحيض أو تبرأ بالثلاثة الأشهر.
فصل
فإن اشترى الرجل أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فعليه العقوبة الموجعة مع
стр. 755
طرح الشهادة، فإن حملت فماتت قبل أن تضع وقد كان البائع وطئها في ذلك الطهر، فمصيبتها منه كان موتها بأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري، أو لأكثر منها ما بينها وبين ما تلحق به الأنساب من الأول، وإن لم يكن البائع وطئها في ذلك الطهر فمصيبتها من المبتاع.
فصل
فإن لم تمت ووضعت فلا يخلو وضعها من أن يكون لأقل من ستة أشهر أو لأكثر منها، فإن كان لأقل من ستة أشهر والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر، فالولد ولده والأمة أم ولد له سقطا كان الولد أو تماما، حيا كان أو ميتا، وأما إن كان البائع منكرا للوطء في ذلك الطهر، فالولد ولد الأمة لا والد له والمشتري بالخيار إن شاء أن يأخذها وإن شاء أن يتركها؛ لأن ذلك عيب فيها؛ وهذا إذا ولدته حيا أو ميتا تام الخلقة، لا يشبه أن يكون من المشتري، وأما إن وضعته سقطا يشبه أن يكون من المشتري فهو منه وهي أم ولد له، وأما إن أتت به لستة أشهر فصاعدا، قال في رواية أصبغ عن ابن القاسم أو مقدار نقصانها بالأهلة والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: أن تكون وضعته حيا، والثاني: أن تكون وضعته ميتا أو سقطا، فأما إن كان حيا فإنه تدعى له القافة، فمن ألحقوه به منهما لحق به، وكانت الأمة أم ولد له، وهذا إذا لم يدعيا الولد؛ فأما إن ادعياه جميعا فإن الأمة تكون معتقة منهما جميعا ويرجع المشتري بنصف الثمن على البائع؛ وأما إن كان ميتا أو سقطا ففي ذلك اختلاف، روى أصبغ عن ابن القاسم أنه من المبتاع وأن الأمة أم ولد له، وقال يحيى بن سعيد في المدونة: تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يلحق بالبائع وتكون الأمة أم ولد له؛ وأما إن كان البائع منكرا للوطء فالأمة أم ولد للمبتاع وولدها لاحق به، وقد قيل: إن الولد للأول والأمة أم ولد منه، فإن ولدته حيا لأكثر من ستة أشهر فلا تدعى له القافة؛ لأن فراش الأول صحيح وفراش الثاني فاسد، وقد قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
стр. 756
وأجمعوا - لهذا الحديث - أن الزوجين إذا وطئا المرأة في طهر واحد أن الولد للأول وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر لصحة فراشه، ولا فرق بين الموضعين.
فصل
وإن بقيت الأمة المبيعة بيد البائع فوطئها بعد البيع قبل الاستبراء، وقد كان المبتاع ائتمنه على استبرائها وهي ممن تجب مواضعتها لرفعتها، أو لأن البائع كان يطؤها فإنها تكون أم ولد له ويبطل البيع، وإن كان وطؤه إياها بعد استبرائها بائتمان المبتاع له على استبرائها وكانت من وخش الرقيق التي لا مواضعة فيها، وقد انتقد فإنه يحد ولا يلحق به الولد وتكون الأمة وولدها للمبتاع، واختلف إن كان لم ينقد ووطئها وهي عنده محبوسة بالثمن؛ فقال ابن القاسم: يدرأ عنه الحد بالشبهة ويأخذ المشتري جاريته وتكون على البائع قيمة الولد، وقال سحنون: تكون له أم ولد ويبطل البيع، وبالله التوفيق.
فصل
في معنى المواضعة ووجوبها قد مضى الكلام في الاستبراء، وأنه واجب عند الجميع لحفظ النسب كوجوب العدة التي أوجبها الله في كتابه وجعلها حدا من حدود عباده.
وأما المواضعة، وهي: أن توضع الأمة المستبرأة على يدي امرأة عدلة حتى تحيض، فإن حاضت تم البيع فيها للمشتري، وإن لم تحض وألفيت حاملا ردت إلى البائع، إلا أن يشاء المشتري إذ يقبلها إن لم يكن الحمل من البائع؛ فهي واجبة عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وعامة أصحابه لرفع الغرر والخطر والسلف الذي يجر المنافع - إن نقد في الأمة الرفيعة التي تراد للوطء وليست بظاهرة الحمل ولا معرضة لحمل يتبعها في البيع، كذات الزوج والزانية وفي التي وطئها البائع وإن كانت وضيعة؛ وأخصر من هذه العبارة أن نقول: إن المواضعة تجب في الأمة التي
стр. 757
ينقص الحمل من ثمنها كثيرا وفي التي وطئها البائع فيصح ذلك؛ لأن الوخش وذات الزوج والزانية لا ينقص الحمل من قيمتها كثيرا، والصغيرة لا يخشى منها الحمل، إذا كان مثلها لا يوطأ.
فصل
واختلف في التي توطأ ولا يحمل مثلها لصغرها، فرأى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيها المواضعة، وقال مطرف وابن الماجشون: لا مواضعة فيها وهو مبني على استبراء من كانت في هذا الحد. وقد تقدم ذكر ذلك.
فصل
وإنما وجبت المواضعة فيمن كانت هذه صفتها من الإماء ولم يكن الحمل إن ظهر بها كسائر ما يظهر من العيوب بالمبيع فيكون المشتري مخيرا بين الرد والإمساك، أو كالجنون والجذام والبرص الذي إن ظهر بالعبد أو الأمة في السنة رد به وجاز البيع من غير مواضعة؛ لأن الجنون والجذام والبرص أمر نادر في توقيف العبد والأمة حولا كاملا لاستبراء الجنون، والجذام والبرص ضرر بين بالمتبايعين؛ وأما الحمل في الأمة فليس بنادر بل هو أمر عام، وقد قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: جل النساء على الحمل ومدة إيقافها للمواضعة يسيرة لا ضرر في ذلك على المتبايعين، وفيه رفع الغرر والخطر وغير ذلك مما لا يجوز من السلف الذي يجر نفعا إن نقد المشتري الثمن.
فصل
والحكم بالمواضعة واجب في كل بلد كانت جارية فيه أو لم تكن، لم يختلف قول مالك ﵀ في ذلك كما اختلف في العهدة؛ وكذلك تجب أيضا عنده على كل أحد كان حاضرا أو مسافرا، وقد سئل مالك ﵀ عن ذلك في أهل منى وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون، فرأى أن يحملوا على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا، وسواء باع الأمة ربها أو وكيل له، أو
стр. 758
باعها عليه السلطان في الدين - وإن كان بيعه بيع براءة، المواضعة في ذلك كله واجبة؛ لأن بيع البراءة لا يسقط المواضعة عند مالك، وسواء باع بنقد أو إلى أجل، كان ممن يطأ أو لا يطأ؛ إلا أنه إن باع بنقد لم يجز النقد في المواضعة بشرط - لما قدمناه من أنه يدخل ذلك البيع والسلف الذي يجر منفعة.
فصل
وقد اختلف في توقيف الثمن في أيام المواضعة؛ هل يحكم به أم لا؟ على قولين، وظاهر ما في كتاب البيوع الفاسدة من المدونة أنه يوضع على يدي عدل، وهو قول مالك ﵀ في الواضحة وكتاب ابن عبدوس وقول ابن المواز، وفي العتبية لمالك خلاف ذلك، أنه لا يحكم بوضعه على يدي عدل ولا يجب على المشتري إخراج الثمن حتى تجب له الأمة بخروجها من الاستبراء وهو ظاهر ما في كتاب الاستبراء من المدونة.
فصل
فإن وضع الثمن على يدي عدل فتلف قبل خروجها من الاستبراء كانت مصيبته ممن كان يصير إليه، هذا قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في كتاب الاستبراء من المدونة، وقيل: إن الثمن من المبتاع، وروي ذلك عن مالك، وعلى قوله هذا: إن خرجت الجارية صحيحة من المواضعة لزمه ثمن آخر للبائع وتم البيع بينهما، وقيل: إنه يفسخ البيع؛ ومعناه - عندي - إن لم يرد أن يؤدي ثمنا آخر من عنده، واختلف أيضا: إن خرجت معيبة في المواضعة والثمن قد تلف، فقيل: إنه يأخذها بالثمن التالف، وقيل: ليس ذلك له إلا بثمن آخر، وفرق ابن الماجشون في ديوانه على ما فسر ابن عبدوس عنه بين أن يحدث العيب قبل تلف الثمن أو بعده، فقال: إن حدث العيب قبل تلف الثمن، كان له أن يأخذها معيبة بذلك الثمن التالف؛ لأن الخيار قد كان وجب له قبل تلف الثمن، فليس يسقط ذلك عند تلف الثمن، وإن تلف الثمن بعد حدوث العيب لم يكن له أن يأخذها بذلك الثمن التالف إلا بثمن يدفعه.
стр. 759
فصل
وضمان الأمة في عهدة المواضعة ومن البائع والنفقة عليه فما لحقها من موت أو نقص جسم فهو من البائع، وللمبتاع في الموت إمساك جميع الثمن إن كان لم يخرجه، وارتجاعه إن كان أخرجه؛ وله فيما كان من نقص في جسدها خيار الرد بالعيب والإمساك، وأما ما كان في غير جسدها كالزنا والسرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك، فجمهور أصحاب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على أن له الرد بذلك، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أنه لا يردها به، وجه قول الجمهور: أن هذا عيب لو كان أقدم من أمد التبايع لردت به، فإذا حدث في مدة المواضعة كان له الرد به كنقص الجسم؛ ووجه قول أصبغ: أن مثل هذا يمنع البائع بيعها أبدا؛ لأنها متى أرادت البقاء عنده أحدثت مثل هذا في مدة المواضعة فترد عليه، وما كان بهذه الصفة وجب أن يمنع منه.
فصل
وما حدث لها من مال بهبة أو صدقة أو ما أشبه ذلك فهو للبائع، إلا أن يكون المشتري اشترط مالها في البيع، فيكون ما حدث لها من مال في المواضعة تبعا للمال.
فصل
وأما ما حدث لها من ولد، فقال ابن القاسم: هو للمبتاع؛ لأنه كعضو منها أصله نماء الجسم، وقال أشهب: هو للبائع، ووجه قوله: إنه نماء منفصل عنها في مدة المواضعة، أصله نماء المال.
فصل
فإن اشترط البراءة من الحمل في الرفيعة فالبيع فاسد والمصيبة فيها من المشتري إن تلفت بعد قبضه لها كحكم البيوع الفاسدة، وذلك بعد خروجها من
стр. 760
عهدة الثلاث - والله أعلم، هذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه ﵏، وقيل: الشرط باطل والبيع جائز، وقع هذا القول في كتاب محمد ﵀، وقال ابن عبد الحكم: الشرط جائز والبيع جائز قياسا على ما رجع إليه مالك من إجازة البراءة من الجنون والجذام والبرص، بعد أن كان يقول: لا تجوز البراءة فيما يعظم من الأشياء.
فصل
وأما إن باعها بشرط ترك المواضعة، فالبيع جائز والشرط باطل، ويحكم بينهما بالمواضعة وتخرج من يد المشتري إلى المواضعة، فإن تلفت بيد المشتري قبل أن يعثر على ذلك فيما يكون فيه استبراء لها من المدة - وذلك شهر على ما قاله ابن المواز وابن حبيب، إن لم تكن أيام حيضتها معروفة؛ إذ الشهر أغلب أحوال النساء في الحيض، وإن كانت أيام حيضها معروفة، بقدرها، كانت مصيبتها من المشتري.
وإن لم يمض لها من المدة ما تستبرَأ فيه فماتت، كان ضمانها من البائع، هذا قول مالك ﵀ في المدونة، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة وفي المبسوط لإسماعيل القاضي عن مالك رحمهما الله: أن المصيبة من المشتري إن كان تلفها عنده بعد انقضاء عهدة الثلاث في البيع على هذا الوجه؛ وجه هذا القول أن هذا الشرط لا يفسد البيع فيعمل ما لم يحكم بنقضه؛ ووجه القول الأول أن الشرط فاسد يجب الحكم بفسخه فلا يجب إعماله قبل الفسخ؛ وقد قال أبو بكر الأبهري: إن البيع على شرط ترك المواضعة فاسد، ومثله في كتاب ابن المواز في قول، وهو على مذهب ابن عبد الحكم بيع جائز وشرط لازم، وأما إن دفعها إلى المشتري جهلا بصفة المواضعة ولم يشترط إسقاطها، فالبيع جائز باتفاق وتخرج إلى المواضعة، وأما إن باعها وتبرأ من حملها - وهو مقر بوطئها - فجعله في المدونة بيعا فاسدا، وذهب ابن حبيب إلى أنه ليس بفاسد وتخرج إلى المواضعة.
فصل
فإن أراد المبتاع بعد أن اشترى على المواضعة وصح عقد البيع أن يسقط المواضعة ويرضى بالأمة وإن كانت حاملا كان ذلك له عند ابن القاسم وإن كره
стр. 761
البائع، وقال سحنون: لا يجوز، ووجه قوله أنه أسقط الضمان عن البائع على أن يتعجل خدمة الجارية، ويدخله على مذهب سحنون سلف جر منفعة؛ لأنه عجل له النقد بما تعجل من منفعة الجارية.
فصل
والمواضعة تكون بما يحصل به الاستبراء، قد تقدم الكلام على ذلك، فإن اشتراها في أول دمها أجزأته تلك الحيضة في المواضعة، وإن كانت في آخر الحيض لم يجزه ذلك واستقبلت المواضعة في الحيضة الثانية؛ ووجه ذلك: أن الرحم في أول الحيض لا يقبل المني لما ترخيه من الدم، وفي آخره قد يقبله لقلة الدم؛ فافترق لذلك أول الحيض من آخره، وقد قيل: إنه لا بد من حيضة مستقلة كالمعتدة لا تعتد إلا بالطهر، حكى هذا القول ابن شعبان في الزاهي، واختاره وأخذ به وحكاه الفضل عن مالك من رواية أشهب عنه.
فصل
والمواضعة في الاستقالة واجبة إذا استقاله بعد أن خرجت من الحيضة؛ لأن الإقالة بيع حادث، واختلف في الرد بالعيب، هل تجب فيه المواضعة أم لا؟ على اختلافهم فيه: هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع.
وانظر من تزوج امرأة بجارية رائعة، هل تجب فيها المواضعة أم لا؟ فإني لا أعرف في هذه المسألة لأصحابنا نصا وهي محتملة؛ لأن النكاح طريقه المكارمة ويجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيوع، وإيجاب المواضعة فيها أظهر، والله أعلم وبه التوفيق.
стр. 762
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
ما جاء في التجارة إلى أرض الحرب، ووجه الكراهية في ذلك عند أهل العلم.
كره مالك ﵀ الخروج إلى بلاد الحرب للتجارة في البر والبحر كراهية شديدة، قال في سماع ابن القاسم وقد سئل عن ذلك، فقال: قد جعل الله لكل نف٥٥٥٤س أجلا تبلغه ورزقا ينفذه، وهو تجرَى عليه أحكامهم فلا أرى ذلك. وأصل الكراهية لذلك، أن الله تعالى أوجب الهجرة على من أسلم ببلاد الكفر، إلى بلاد المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم؛ فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، نزلت هذه الآية - فيما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل والتفسير - في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله ورسوله فتخلفوا عن الهجرة معه حين هاجر فعرضوا على الفتنة فافتتنوا وشهدوا مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول
стр. 763
معذرتهم التي اعتذروا بها؛ حيث يقول مخبرا عنهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، أي: فتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم، ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، ثم أنزل الله تعالى عذر أهل الصدق، فقال: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨]، أي: لا يهتدون سبيلا يتوجهون إليه لو خرجوا لهلكوا، ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]- يعني: في إقامتهم بين ظهراني المشركين.
فصل
فكانت الهجرة إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة على من أسلم من أهلها واجبة مؤبدة، افترض الله عليهم فيها البقاء مع رسوله ﵇ حيث استقر، والتحول معه حيث تحول، لنصرته ومؤازرته وصحبته، وليحفظوا عنه ما يشرعه لأمته، ويبلغوا ذلك عنه إليهم ولم يرخص لأحد منهم في الرجوع إلى وطنه، وترك رسول الله ﷺ ؛ ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث».
خص الله بهذا من آمن من أهل مكة بالنبي ﷺ وهاجر إليه؛ ليتم له بالهجرة إليه والمقام معه وترك العودة إلى الوطن - الغاية من الفضل الذي سبق لهم في سابق علمه، وهم الذين سماهم الله بالمهاجرين، ومدحهم بذلك فلا ينطلق هذا الاسم على أحد سواهم.
فصل
فلما فتح الله مكة، قال رسول الله ﷺ : «مضت الهجرة لأهلها»، أي فازوا بها وحصلوا عليها وانفردوا بفضلها دون من بعدهم، وقال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فإذا استنفرتم فانفروا» أي: لا يبتدئ أحد من أهل مكة
стр. 764
ولا غيرهم هجرة بعد الفتح، فينال بذلك درجة من هاجر قبل الفتح، ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم؛ لأن فرض الهجرة منسقط، بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الكفر: أن لا يقيم بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم، قال رسول الله ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم مقيم مع المشركين»، إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على المهاجر بها الرجوع إلى وطنه، إن عاد دار إيمان وإسلام، كما حرم على المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ الرجوع إلى مكة للذي ذخره الله لهم من الفضل في ذلك.
فصل
فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين ويقيم بين أظهرهم، لئلا تجرى عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم؛ حيث تجرى عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن وتعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء مريض الإيمان.
فصل
ولا يجوز لأحد من المسلمين دخول أرض الشرك لتجارة ولا لغيرها إلا لمفاداة مسلم، فإن دخلها لغير ذلك طائعا غير مكره كان ذلك جرحة فيه تسقط إمامته
стр. 765
وشهادته؛ قال ذلك سحنون، وينبغي أن يحمل قوله على التفسير لما في كتاب الولاء والمواريث من المدونة من إجازة شهادتهم، لاحتمال أن يكونوا لم يدخلوا بلاد الشرك طائعين، وإنما ردتهم الريح إليها وهم يريدون غيرها، وإن كان تكلم على أنهم دخلوا طائعين، فلعله إنما أجاز شهادتهم بعد أن تابوا وظهر صلاحهم، وهذا محتمل يتناول قوله ﷺ لأنه يبعد أن تجاز شهادة من سافر إلى أرض الحرب للتجارة وطلب الدنيا - وهو عارف بأن ذلك لا يجوز له، وأن أحكام الشرك تجري عليه، وبما هو أدنى من هذا يجرح الشاهد وتسقط شهادته.
فصل
فواجب على والي المسلمين أن يمنع من الدخول إلى أرض الحرب للتجارة ويضع المراصد في الطرق والمسالح لذلك، حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك، لا سيما إن خشي أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم مما هو قوة على أهل الإسلام لاستعانتهم به في حروبهم.
فصل
وأما مبايعة أهل الحرب ومتاجرتهم إذا قدموا بأمان، فذلك جائز، روي «عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل مشرك مشعار طويل بغنم يسوقها، فقال له رسول الله ﷺ : أبيعا أم عطية أم هبة؟ فقال: بل بيع، فاشترى ﷺ منها شاة»
بوب البخاري - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا الحديث: باب البيع والشراء مع المشركين وأهل الحرب.
فصل
إلا أنه لا يجوز أن يبايعوا شيئا مما يستعينون به في حروبهم من كراع أو سلاح أو حديد، ولا شيئا مما يرهبون به على المسلمين في قتالهم مثل الرايات وما يلبسون في حروبهم من الثياب فيباهون بها على المسلمين، وكذلك النحاس؛ لأنهم يعملون منه الطبول فيرهبون بها على المسلمين، ولا يجوز أن يباع منهم العبد النصراني؛ لأنه يكون دليلا على المسلمين وعورة عليهم.
стр. 766
فصل
وإنما يجوز أن يباع منهم من العروض ما لا يتقوى به في الحرب ولا يرهب به في القتال، ومن الكسوة ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا يتقوت به مثل الزيت والملح وما أشبه ذلك، وقد اختلف فيما يتزينون به في كنائسهم وأعيادهم مثل الثياب، هل يجوز أن يباع منهم ذلك أم لا؟ على قولين؛ ففي سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد تخفيف ذلك، وحكى ابن المزين عن أصبغ، أن ذلك لا يجوز؛ وجائز أن يعطوا ذلك في فداء المسلمين باتفاق.
وكذلك الخيل والسلاح إذا لم يقبلوا في الفداء غير ذلك فلا بأس أن يفادى بها. قال ابن حبيب: مثل الرجل والرجلين والشيء بعد الشيء في الفرط، وأما الشيء الكثير الذي تكون فيه القوة الظاهرة في العدد الكثير فلا يجوز، وأجاز ذلك سحنون إذا لم يرج فداؤه بالمال وذلك ما كان الأسير في بلادهم؛ وأما إن قدموا به بأمان للفداء، فلا يفادى منهم بالسلاح، فإن أبوا إلا ذلك أخذ منهم بالقيمة صاغرا قمئا، ولم يترك والرجوع به إلى بلده، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وانظر هل يأتي هذا على مذهب ابن القاسم أم لا؟ فإن مذهبه أن من أسلم من عبيدهم لا يباعون عليهم ويتركون وللرجوع بهم إلى بلادهم، وقد اختلفت الروايات عن ابن القاسم في هذا في العتبية، وجائز أن يفادى منهم المسلمون بالعبد النصراني، وبأم ولد المسلم النصرانية؛ قال ابن أبي زيد: على أن لا يسترقوها؛ وبالذمي على شرط أيضا أن لا يسترق - قاله سحنون؛ فأما مفاداتهم بالخمر والخنازير، فقال أشهب في العتبية: لا يجوز؛ لأنه لا يحل الدخول في نافلة من الخير بمعصية، وأجاز ذلك سحنون قال: لأنها ضرورة، وقد روي عن ابن القاسم أن ذلك أخف من الخيل والسلاح يريد لما على المسلمين من الضرر في فادئهم بالخيل والسلاح.
стр. 767
فصل
وجائز لنا أن نشتري منهم أولادهم وأمهات أولادهم إذا لم تكن بيننا وبينهم هدنة تمنعنا من ذلك؛ وأما ما قدموا به من أموال المسلمين التي حازوا في أوان حربهم، فقال في المدونة: لا أحب شراء ذلك منهم، وقال محمد بن المواز: لا بأس بشراء ذلك منهم، فإن جاء صاحبه كان له أخذه بالثمن، قال: واشتراء العبد المسلم منهم إذا باعوه أفضل من تركه، وكذلك الأمتعة عندي.
فصل
وكذلك معاملة أهل الذمة جائزة أيضا وإن كانوا يستبيحون بيع الخمر والخنازير ويعملون بالربا، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، لأن الله ﵎ قد أباح أخذ الجزية منهم وقد علم ما يفعلون وما يأتون وما يذرون، ولأنهم لو أسلموا لأحرزوا بإسلامهم ما بأيديهم من الربا، ومن الخمر والخنازير؛ لقول الله : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولقول رسول الله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له»، إلا أن مالكا ﵀ كره أن يباع منهم بالدنانير والدراهم المنقوشة، لما فيها من اسم الله تعالى، وكره أيضا أن يبيع الرجل من الذمي سلعة بدينار أو درهم يعلم أنه أخذه في خمر أو خنزير، ولم ير بأسا أن يأخذ ذلك منه في دين له عليه؛ وهذا على طريق التنزه والتورع؛ وأما في القياس وما يوجبه النظر، فهو جائز لأنه ماله وملكه لا
стр. 768
يصح لنا نزعه من يده، ولو أسلم عليه، لساغ له ملكه ولم يكن عليه أن يتنحى عن شيء منه، وذلك إذا باع بذلك الدينار الخمر من ذمي؛ وأما إن باعها به من مسلم، فهو أشد؛ لأن سحنون يرى أن يتصدق به على المساكين وإن قبضه، خلافا لابن القاسم، فعلى قول سحنون لا يجوز أن يبيعه بذلك الدينار شيئا إذا علم أنه ثمن الخمر التي باعها من المسلم، إلا على تأويل ضعيف؛ وهو أن الدينار لا يتعين للمساكين على مذهب من يرى أن العين لا تتعين.
فصل
وقد اختلف أصحابنا إذا لم يقبض ثمن الخمر والخنازير، وكان قد باع ذلك من نصراني حتى أسلم، هل يصح له قبضه بعد إسلامه أم لا على قولين، (أحدهما) أنه لا يصح له قبضه قياسا على ما كان له من الربا لم يقبضه، وهو قول ابن دينار وابن أبي حازم، (والثاني) أنه يجوز له قبضه بعد إسلامه وهو قول أشهب والمغيرة والمخزومي، وهو مذهب أكثر أصحابنا.
فصل
وفي هذا خمس مسائل:
(إحداها) أن يسلم إليه دينارا في دينارين، (والثانية) أن يسلم إليه دينارا في دراهم أو دراهم في دينار، (والثالثة) أن يبيع منه خمرا بدنانير أو دراهم، (والرابعة) أن يسلم إليه دنانير في خمر أو خنزير، (والخامسة) أن يقرضه خمرا أو خنازير فيسلمان جميعا أو أحدهما؛ فأما المسألة الأولى وهي أن يسلم إليه دينارا في دينارين، فإن أسلما جميعا أو أسلم الذي أسلم الدينار، فليس للمسلم إلا ديناره الذي دفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وأما إن أسلم المسلم إليه فقال مالك في المدونة: لا أدري أخاف إن قضيت عليه برد الدينار أن أظلم الذمي، وله في كتاب ابن المواز
стр. 769
أنه يغرم الدينارين إلى النصراني، ومثله لابن القاسم في سماع عيسى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، خلاف قوله في المدونة: إنه يقضى عليه برد الدينار - كما لو أسلما جميعا، وأما الثانية وهي أن يسلم إليه دينارا في دراهم أو دراهم في دينار، فإن أسلما جميعا رد المسلم إليه ديناره الذي قبض منه أو دراهمه، وكذلك إن أسلم أحدهما على مذهب ابن القاسم في المدونة؛ وأما على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فإن أسلم المسلم فتؤخذ الدراهم من النصراني المسلم إليه فيبتاع فيها للمسلم دينارا، فإن فضل فضل رد على النصراني، وإن لم يكن فيها دينار يبتاع له بها منه ما بلغ ولم يكن على النصراني أكثر من ذلك، وأما إن أسلم المسلم إليه فيؤدي الدراهم التي عليه للنصراني - على رواية عيسى عن ابن القاسم، وما في كتاب ابن المواز؛ لأنها نظير المسألة التي توقف فيها مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وأما الثالثة وهي أن يسلم إليه دينارا في خمر أو خنازير، فإن أسلما جميعا أو أسلم المسلم إليه فإنه يرد إليه ديناره، وكذلك إن أسلم المسلم على مذهب ابن القاسم في المدونة، وأما مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فتوقف فيها، وقال: لا أدري أخاف أن أظلم الذمي إن قضيت عليه برد الدينار وعليه خمر أو خنازير، وله في كتاب ابن المواز أن الخمر تؤخذ من النصراني فتهراق على المسلم، ومثله في سماع عيسى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب.
وأما الرابعة وهي أن يبيع منه خمرا - بدنانير أو دراهم، فالثمن ثابت على المبتاع في كل حال أسلما جميعا أو أحدهما في قول أشهب والمخزومي، وعلى ذلك يأتي قول غير ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة، وقيل: إنه يبطل الثمن عنه إذا أسلما جميعا، أو أسلم البائع، وهو قول ابن أبي حازم وابن دينار؛ وعليه يأتي قول ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة.
وأما إن أسلم المبتاع، فعليه أن يؤدي الثمن إلى النصراني ولا أعلم في هذا الوجه نص خلاف؛ إلا أنه يتخرج فيه على المذهب قولان سوى هذا القول، (أحدهما) أن الثمن يبطل عنه، (والثاني) أن عليه قيمة الخمر يوم قبضها وانتفع بها.
وأما الخامسة وهي أن يقرض النصراني النصراني الخمر أو الخنازير؛ فإن أسلما جميعا سقط القرض،
стр. 770
وإن أسلم المقترض، فقيل: إن القرض يسقط عنه وهو قول مالك ﵀ في الواضحة، وقيل: إن القيمة تلزمه للمقرض وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وأما إن أسلم المقرض، فقال ابن القاسم في سماع عيسى: أحب إلي أن تؤخذ الخمر من النصراني فتهراق، والخنازير فتطرح.
فصل
فمعاملة الذمي على كل حال أخف من معاملة المربي؛ لأن المربي، إذا تاب لم يحل له ما أربى فيه ووجب عليه رده إلى صاحبه إن عرفه، والصدقة به عنه إن لم يعرفه، وقد قال أصبغ ﵀ في مال المربي وعاصر الخمر والغاصب والظالم وتارك الزكاة: إنه فاسد كله لا يجوز أن يؤكل منه شيء دون شيء ولا يشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، فلا يجوز أن يباع ولا يشترى. فلا يبايع به ولا يعامل، وإن عامله فيه أحد رأيت أن يخرجه كله ويتصدق به، وقد قيل: إن مبايعة من استغرق الحرام ماله جائزة إذا بايعه بالقيمة ولم يحابه، وأما هبته وصدقته ومعروفه فلا يجوز؛ لأنه كمن استغرق الدين ماله فلا يجوز له فيه معروف إلا بإذن أهل الدين، وأما الميراث فلا يطيب المال الحرام للوارث، هذا هو الصحيح الذي يوجبه النظر، وقد روي عن بعض من تقدم أن الميراث يطيبه للوارث وليس ذلك بصحيح.
فصل
ولا يجوز بين المسلم والذمي في التعامل إلا ما يجوز بين المسلمين، فإن تعاملا بما لا يجوز بين المسلمين لم يخل ذلك من ثلاثة أوجه:
(أحدها) أن يبيع منه ما لا يجوز بيعه ويجوز ملكه كتراب الصواغين، والعبد الآبق والحمل الشارد، وما أشبه ذلك، (والثاني) أن يبيع منه ما يجوز ملكه وبيعه بيعا فاسدا، (والثالث) أن يبيع منه ما لا يجوز ملكه كالخمر والخنزير والحر والدم والميتة، وما أشبه ذلك. فأما الوجه الأول والثاني فالحكم فيهما إذا وقعا كالحكم فيما بين
стр. 771
المسلمين؛ وأما الوجه الثالث فالحكم فيه إذا وقع بين المسلم والذمي بخلاف الحكم فيه إذا وقع بين المسلمين في بعض المواضع، وبيان ذلك أن المسلم إذا باع الخمر من المسلم أو النصراني فعثر على ذلك والخمر بيد البائع قد أبرزها ولم يدفعها إلى المشتري بعد - كسرت عليه وانتقض البيع وسقط الثمن عن المشتري إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفعه رد إليه في قول وتصدق به على المساكين أدبا له في قول؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع أيضا وينتقض البيع ويكون الحكم في الثمن على ما تقدم من الاختلاف؛ وقيل: إنها تكسر على المبتاع ويمضي البيع أو يتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض، إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري، وأما إن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المبتاع الخمر، فههنا يفترق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلما أو نصرانيا، فإن كان مسلما تصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض قولا واحدا؛ إذ لا سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم ثمن الخمر التي استهلكها وكسرها على البائع. وإن كان نصرانيا، فقيل: إنه يغرم مثل الخمر وتكسر على البائع فينتقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفعه رد إليه أو تصدق به على المساكين أدبا له على الاختلاف المذكور، وقيل: إنه يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض، وأما إذا باع النصراني خمرا من مسلم فعثر على ذلك والخمر قائمة بيد البائع النصراني قد أبرزها للمسلم، فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع، وإن كان قد دفعه إليه، فقيل: إنه يرد إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل: إنه لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا له، وهذا يأتي على ما في المدونة، وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع. إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه، روي ذلك عن مالك بن أبي أويس وغيره، وقيل: إنها تكسر على
стр. 772
المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا له وإن قبضه ترك له عند ابن القاسم، وعند سحنون يتصدق به قبضه البائع أو لم يقبضه أدبا له، وقيل: إنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم ينقده، فإن كان نقده كسرت على المبتاع ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه، وهذا قول ابن أبي حبيب في الواضحة؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبض المسلم الخمر وفاتت في يده أخذ منه الثمن وتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه إلى النصراني أدبا له، وإن كان قد دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن القاسم وابن حبيب، وعند سحنون يتصدق به على كل حال أدبا له .. وبالله التوفيق.
стр. 773
كتاب الجعل والإجارة
فصل
في حقيقة لفظ الإجارة، لفظ الإجارة مأخوذ من الأجر وهو الثواب، فمعنى استأجر الرجل الرجل، أي: استعمله عملا بأجرة، أي: بثواب يثيبه على عمله، من قولهم: أجرك الله يأجرك، أي: أثابك يثيبك؛ قال الله : ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١]، أي: لا أسألكم عليه ثوابا إن أرجو الثواب في ذلك إلا من الله الذي فطرني. وقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وقال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٦]، وهذا في القرآن كثير.
فصل
في أصل جواز الإجارة من الكتاب، وأصل جواز الإجارة قول الله :
стр. 774
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]، يقول ﵎: ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه، ويعود هذا على هذا بما في يديه من فضل الله رحمة منه لعباده ونعمة عددها عليهم بأن جعل افتقار بعضهم إلى بعض سببا لمعاشهم في الدنيا وحياتهم فيها، حكمة منه لا إله إلا هو.
فصل
والاستئجار الذي أذن الله فيه لعباده وجعله قواما لأحوالهم وسببا لمعاشهم وحياتهم ليس على الإطلاق، بل هو مقيد على ما أحكمته السنة والشريعة، فمنه الجائز ومنه المحظور، قال رسول الله ﷺ : " من «عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد».
فصل
فالجائز منه يكون على وجهين، (أحدهما) بعوض، (والثاني) بغير عوض؛ فأما ما كان منه على غير عوض، فهو هبة من الهبات لا يحل إلا عن طيب نفس من واهبه، وأما ما كان على عوض، فإنه ينقسم على وجوه شتى، منها الجعل والإجارة وهما قائمان من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قال الله ﵎ في الإجارة: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، أي: ثوابا تأكله. وقال ﵎ حاكيا عن إحدى ابنتي شعيب في قصة موسى وشعيب ﵉: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]
стр. 775
وقوته: أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده وكان لا ينزعه إلا عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقيل: إنه رفع عن فم البئر صخرة كانت عليه وحده وكان لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا.
وأمانته التي وصفته ﷺ بها هي أنه لما مشت أمامه خشي أن تكشف الريح عنها ثوبها فيرى بعض عورتها وكان يوم ريح، فأمرها أن تمشي خلفه، وقال لها: دليني على الطريق وصفيه لي، قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]، أي: على أن ترعى لي ماشيتي ثمانية أعوام، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، وروي «عن ابن مسعود أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة، انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل، أي: يحمل على ظهره فيصيب المد، وإن لأحدهم اليوم لمائة ألف». قال الراوي عنه: ما أراه أراد إلا نفسه. «واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث». وقال ﷺ : «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا بأجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت
следующие страницы →