← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المسلمين؛ وأما الوجه الثالث فالحكم فيه إذا وقع بين المسلم والذمي بخلاف الحكم فيه إذا وقع بين المسلمين في بعض المواضع، وبيان ذلك أن المسلم إذا باع الخمر من المسلم أو النصراني فعثر على ذلك والخمر بيد البائع قد أبرزها ولم يدفعها إلى المشتري بعد - كسرت عليه وانتقض البيع وسقط الثمن عن المشتري إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفعه رد إليه في قول وتصدق به على المساكين أدبا له في قول؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع أيضا وينتقض البيع ويكون الحكم في الثمن على ما تقدم من الاختلاف؛ وقيل: إنها تكسر على المبتاع ويمضي البيع أو يتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض، إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري، وأما إن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المبتاع الخمر، فههنا يفترق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلما أو نصرانيا، فإن كان مسلما تصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض قولا واحدا؛ إذ لا سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم ثمن الخمر التي استهلكها وكسرها على البائع. وإن كان نصرانيا، فقيل: إنه يغرم مثل الخمر وتكسر على البائع فينتقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفعه رد إليه أو تصدق به على المساكين أدبا له على الاختلاف المذكور، وقيل: إنه يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض، وأما إذا باع النصراني خمرا من مسلم فعثر على ذلك والخمر قائمة بيد البائع النصراني قد أبرزها للمسلم، فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع، وإن كان قد دفعه إليه، فقيل: إنه يرد إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل: إنه لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا له، وهذا يأتي على ما في المدونة، وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع. إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه، روي ذلك عن مالك بن أبي أويس وغيره، وقيل: إنها تكسر على

стр. 772

المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا له وإن قبضه ترك له عند ابن القاسم، وعند سحنون يتصدق به قبضه البائع أو لم يقبضه أدبا له، وقيل: إنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم ينقده، فإن كان نقده كسرت على المبتاع ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه، وهذا قول ابن أبي حبيب في الواضحة؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبض المسلم الخمر وفاتت في يده أخذ منه الثمن وتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه إلى النصراني أدبا له، وإن كان قد دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن القاسم وابن حبيب، وعند سحنون يتصدق به على كل حال أدبا له .. وبالله التوفيق.

стр. 773

كتاب الجعل والإجارة فصل في حقيقة لفظ الإجارة، لفظ الإجارة مأخوذ من الأجر وهو الثواب، فمعنى استأجر الرجل الرجل، أي: استعمله عملا بأجرة، أي: بثواب يثيبه على عمله، من قولهم: أجرك الله يأجرك، أي: أثابك يثيبك؛ قال الله : ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١]، أي: لا أسألكم عليه ثوابا إن أرجو الثواب في ذلك إلا من الله الذي فطرني. وقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وقال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٦]، وهذا في القرآن كثير. فصل في أصل جواز الإجارة من الكتاب، وأصل جواز الإجارة قول الله :

стр. 774

﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]، يقول ﵎: ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه، ويعود هذا على هذا بما في يديه من فضل الله رحمة منه لعباده ونعمة عددها عليهم بأن جعل افتقار بعضهم إلى بعض سببا لمعاشهم في الدنيا وحياتهم فيها، حكمة منه لا إله إلا هو. فصل والاستئجار الذي أذن الله فيه لعباده وجعله قواما لأحوالهم وسببا لمعاشهم وحياتهم ليس على الإطلاق، بل هو مقيد على ما أحكمته السنة والشريعة، فمنه الجائز ومنه المحظور، قال رسول الله ﷺ : " من «عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد». فصل فالجائز منه يكون على وجهين، (أحدهما) بعوض، (والثاني) بغير عوض؛ فأما ما كان منه على غير عوض، فهو هبة من الهبات لا يحل إلا عن طيب نفس من واهبه، وأما ما كان على عوض، فإنه ينقسم على وجوه شتى، منها الجعل والإجارة وهما قائمان من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قال الله ﵎ في الإجارة: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، أي: ثوابا تأكله. وقال ﵎ حاكيا عن إحدى ابنتي شعيب في قصة موسى وشعيب ﵉: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]

стр. 775

وقوته: أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده وكان لا ينزعه إلا عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقيل: إنه رفع عن فم البئر صخرة كانت عليه وحده وكان لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا. وأمانته التي وصفته ﷺ بها هي أنه لما مشت أمامه خشي أن تكشف الريح عنها ثوبها فيرى بعض عورتها وكان يوم ريح، فأمرها أن تمشي خلفه، وقال لها: دليني على الطريق وصفيه لي، قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]، أي: على أن ترعى لي ماشيتي ثمانية أعوام، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، وروي «عن ابن مسعود أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمرنا بالصدقة، انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل، أي: يحمل على ظهره فيصيب المد، وإن لأحدهم اليوم لمائة ألف». قال الراوي عنه: ما أراه أراد إلا نفسه. «واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث». وقال ﷺ : «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا بأجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت

стр. 776

لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا لك باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير فأبوا، واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» فصل والإجارة تنقسم على ثلاثة أقسام: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة ما يسلم من الجهل والغرر إلا اليسير منهما المغتفر، وكان في المباح من الأعمال. فصل فلا تجوز الإجارة إلا بأجرة مسماة معلومة وأجل معروف، أو ما يقوم مقام الأجل من المسافة فيما يحمل، أو توفية العمل بتمامه فيما يستعمل، وعمل موصوف أو عرف في العمل والخدمة يدخل عليه المتاجرون فيقوم ذلك مقام الصفة، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فسمى الأجرة وضرب الأجل ولم يصف الخدمة والعمل؛ لأن العرف والعادة أغنياهما عن ذلك، وقال رسول الله ﷺ : «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره». وقال: «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم». فأمر ﷺ بتسمية الأجرة وضرب الأجل، وسكت عن وصف العمل إذ قد يستغنى عن ذلك بالعرف والعادة اللذين يقومان مقامه. فصل وهي من العقود اللازمة تلزم المستأجرين بالعقد كالبيع سواء، وتنقسم على قسمين، أحدهما: إجارة ثابتة في ذمة الأجير، والثاني: إجارة للذمة في عينه، فأما

стр. 777

الإجارة الثابتة في ذمته، فحكمها حكم السلم الثابت في الذمة في تقديم الإجارة وضرب الأجل ووصف العمل، وقال عبد الوهاب: يجب فيها تعجيل أحد الطرفين من الأجرة أو الشروع في الاستيفاء، يريد: إذا كان العمل يسيرا ليخرج عن الدين بالدين، فأما الإجارة اللازمة في عينه، فإنها تنقسم على قسمين، أحدهما: أن يستأجره على عمل موصوف لا يرتبط بعين، (والثاني) أن يستأجره على عمل موصوف يرتبط بعين، فأما القسم الأول وهو أن يستأجره على عمل موصوف لا يرتبط بعين، فلا تنفسخ الإجارة فيه إلا بموت الأجير، وهو على نوعين، (أحدهما) أن لا يكون له غاية كخدمة البيت ورعاية الغنم بغير أعيانها، وحمل حمل بغير عينه، وما أشبه ذلك، (والثاني) أن يكون له غاية معلومة كخياطة ثوب بغير عينه أو طحن قفيز قمح بغير عينه، وما أشبه ذلك، فالأول لا بد فيه من ضرب الأجل بالأيام والشهور فيما كان من الخدمة والعمل وتسمية المواضع والبلدان فيما كان من النقل والحملان؛ فإذا ضرب في النقل والحملان مع تسمية المواضع والبلدان أجلا من الشهور والأيام، فسد ولم يجز لأنه غرر؛ ومما نهي عنه من شرطين في البيع على المشهور من المذهب، وقد قيل: إن ذلك جائز. وذلك بتأويل ما في الرواحل والدواب من المدونة، وعلى ما وقع في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة من العتبية، (والثاني) لا يجوز فيه ضرب أجل على ما ذكرناه من المشهور في المذهب؛ وأما القسم الثاني وهو أن يستأجره على عمل موصوف يرتبط بعين، فإنه ينقسم على خمسة أنواع: (أحدها) أن يستأجره على عمل في شيء بعينه لا غاية له إلا بضرب الأجل فيه، وذلك مثل أن: يستأجره على أن يرعى له غنما بأعيانها، أو يتجر له في مال بعينه شهرا أو سنة وما أشبه ذلك؛ فهذا اختلف في حد جواز الإجارة فيه، فقيل: إنها لا تجوز إلا بشرط الخلف، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ﵀ في المدونة وغيرها؛ وقيل: إنها تجوز بغير شرط الخلف والحكم يوجب الخلف، وهو قول سحنون وابن حبيب وقول أشهب في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة، فهذا حكم هذا الوجه إلا في أربع

стр. 778

مسائل، فإن الإجارة تنفسخ فيها بموت المستأجر له، (إحداها) موت الصبي المستأجر على رضاعه، (والثانية) موت الصبي المستأجر على تعليمه، (والثالثة) موت الدابة المستأجر على رياضتها، (والرابعة) من استأجر رجلا على أن ينزي له أكداما معروفة على رمكة، فتعف الرمكة قبل تمام الأكدام، فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي منها، ولا يقال للمستأجر: جِئ بمثل الرمكة لما بقي من الأكدام. والنوع الثاني: أن يستأجره على عمل في شيء بعينه لا غاية له إلا بتسمية المواضع. وهو الاستئجار على حمل شيء بعينه، فهذا لا اختلاف في جواز الإجارة فيه - وإن لم يشترط الخلف؛ واختلف إن تلف على أربعة أقوال، (أحدها) - وهو المشهور أن الإجارة لا تنتقض وإليه ذهب محمد بن المواز، فقال: تعيين الحمل إنما هو صفة لما يحمل، ومثله في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، وفي رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وفي أول رسم من سماع أصبغ منه، (والثاني) أن الإجارة تنتقض بتلفه - وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في رسم الكراء والأقضية من سماعه من كتاب الرواحل والدواب، ويكون له من كرائه بقدر ما سار من الطريق، (والثالث) الفرق بين أن يأتي تلفه من قبل ما عليه استحمل، أو من أمر من السماء؛ فإن أتى تلفه من قبل ما عليه استحمل، انفسخ الكراء فيما بقي له من كرائه بقدر ما مضى من الطريق، وإن كان تلفه بأمر من السماء أتاه المستأجر بمثله ولم ينتقض الكراء، وهو قول مالك ﵀ في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة، (والرابع) أنه إن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل، انفسخ الكراء ولم يكن له فيما مضى كراء، وإن كان تلفه بأمر من السماء أتاه المستأجر بمثله ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك. (والنوع الثالث) أن يستأجره على عمل شيء بعينه له غاية مجهولة، وذلك مثل أن يستأجره

стр. 779

على أن يبيع له هذا العبد أو هذا الثوب أو هذه الأثواب في هذا البلد أو في بلد آخر بثمن سماه أو بما يراه، فهذا لا بد فيه من ضرب الأجل ولا يحتاج فيه إلى اشتراط الخلف على ظاهر ما في المدونة، والحكم يوجبه إن تلف؛ وقيل: إنه لا يجوز على مذهبه إلا بشرط الخلف إن تلف، فإن باع العبد أو الثوب قبل تمام الأجل انفسخت الإجارة فيما بقي من الأجل، وكان له من إجارته بحساب ما مضى منه، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، هذا قوله في المدونة في هذه المسألة، والذي يأتي على مذهب سحنون فيها أن الإجارة لا تنفسخ فيما بقي من المدة ويستعمله فيما يشبه ذلك؛ فإن اشترط أن يفسخ الكراء فيما بقي من الشهر لم يجز عنده وإن لم ينقد ولو استأجره على أن يبيع له الدابة أو الثوب بذلك البلد أو ببلد آخر وللقيام ببيعه غاية معلومة على أن له أجرته باع أو لم يبع للحق بالنوع الرابع وجاز، ولا يسمي للسوق والبيع أجلا لأن قدر ذلك معروف - قاله أشهب في آخر أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة. والنوع الرابع: أن يستأجره على عمل شيء بعينه له غاية معلومة، مثل أن: يستأجره على خياطة ثوب بعينه، أو على طحن قمح بعينه، أو على حصاد زرع بعينه، فلا يجوز ضرب الأجل فيه؛ لأنه مدتان في مدة ويضارع ما نهي عنه من بيعتين في بيعة إلا على ما ذكرنا من الاختلاف في ذلك القائم من كتاب الرواحل والدواب من المدونة، ومن أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وتجوز الإجارة فيه دون شرط الخلف باتفاق - وإن تلف قبل العمل أو بعد. إن مضى بعضه، فالمشهور في المذهب أن الإجارة تنفسخ فيه أو فيما بقي منه. وهو قول مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، ويكون له فيما عمل ما يجب له من الأجر؛ لأنه كلما عمل شيئا فالمستأجر له قابض ولا ضمان على الآجر فيه، بخلاف الصانع الذي هو ضامن إن تلف الثوب عنده قبل فراغه من عمله وقامت البينة على تلفه، فلا شيء له فيما عمل؛ واختلف قول ابن القاسم إن تلف ببينة بعد تمامه من العمل قبل أن يسلمه إلى ربه، هل يجب له أجرة أم لا؟ على قولين، وقد قيل: إن الإجارة لا تنفسخ ويستعمله في مثله. وهو قول

стр. 780

ابن القاسم في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب الجعل والإجارة، والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر فلا يعتبر به. والنوع الخامس: أن يستأجره على دار يبنيها في هذه البقعة أو بئر يحفرها فيها إجارة لازمة في عينه غير ثابتة في ذمته وماله، فهذا إن استحقت البقعة أو عرقت انفسخت الإجارة وإن أكمل البنيان وجبت له أجرته إن انهدم بعد تمامه؛ لأن المستأجر قابض له بتمامه، واختلف إن انهدم قبل تمامه: فقال سحنون: لا شيء له إلا بتمام العمل، وقال ابن القاسم: له من الأجر بحساب ما عمل إلا أن تكون الإجارة فيما لا يملك من الأرضين، فاختلف في ذلك قوله في المدونة فمرة قال: له بحساب ما عمل، ومرة قال: لا شيء له إلا بتمام العمل كالجعل وهذا حكم الإجارة الجائزة. فصل وأما الإجارة المكروهة فهي ما تتعارض الأدلة في صحة عقده مع السلامة من الجهل والغرر كالإجارة على الصلاة والحج وكإجارة المسلم نفسه من الذمي أو فيما فيه من الجهل والغرر. هل هو من قبيل اليسير المستخف أو من قبيل الكثير الذي لا يستخف؛ وحكمها أن يرد ما لم يفت، فإن فاتت مضت بالإجارة الأجرة المسماة. ومنها ما يفوت بالعقد ومنها ما لا يفوت إلا باستيفاء العمل على قدر قوة الكراهية فيها. ومن الإجارات ما يختلف فيها في المذهب هل هي مكروهة أو فاسدة محظورة كالمسألة الواقعة في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، ونصها: قال: وسئل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عن رجل شارط رجلا على عين يحفرها على خمسة آلاف ذراع وما وجد في الأرض من صفا، فعلى صاحب العين أن يشقه فعمل فيها فوجد في الأرض نحو مائة ذراع فشقها

стр. 781

الرجل، فلما فرغ قال له الرجل: اعمل لي بدلها وموضعها الذي يعمل هو أكثر عملا من الموضع الذي وجد فيها الصفا؛ فقال: لقد دخلت في أمر لا خير فيه، فأرى عليك قدر ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل تغرمه، وليس عليك أن تعمل له بدله - يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ؛ قال ابن القاسم: لست آخذ فيه بقول مالك، وأرى أن يعطى أجرة مثله، قال سحنون: وهو رأيي، وقوله فيها أفضل وأجود، هذا نص هذه المسألة وفيها التباس قد أشكل على كثير من الناس معناها فتأولها على غير معناها، منهم ابن لبابة؛ فإنه وهم في تأويلها فجعلها جعلا، وقال: إن مالكا تكلم على أن العامل هو الذي شق الصفا، وقد كان شقها واجبا على رب الأرض بالشرط، وأن ابن القاسم وسحنون تأولا على مالك أنه إنما أجاب في المسألة على أن رب الأرض هو الذي شق الصفا وقد كان شقها على العامل، وقد بين في المسألة أن المعاملة إنما وقعت بينهما على أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من الصفا، وأن العامل هو الذي شق الصفا، بدليل قوله: فلما فرغ قال له: اعمل لي بدلها، وقد سألني بعض أصحابنا عن معنى قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيها وتبيين ما فسره ابن القاسم من إرادته، ووجه مخالفته إياه ومتابعته سحنون له على خلافه؛ فقلت: الذي أقول به في ذلك - والله الموفق للصواب برحمته أن هذه المسألة محتملة لوجوه من التأويل؛ إذ لم يبين كيف انعقد الاستئجار بينهما على حفر الخمسة الآلاف الذراع إن كان على شرط أن يشق صاحب العين ما وجد فيها من صفا ويسقط عنه من الإجارة التي سمياها بقدر ما ينوب ذلك منها، أو على أن يشق ما وجد فيها من صفا دون أن يحط عنه لذلك من الإجارة شيئا، فالغرر في الإجارة على هذا بين والأظهر فيها الفساد، وقول ابن القاسم وسحنون: إن للعامل أجرة مثله في جميع عمله، هو القياس، ووجه قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا التأويل وعلى ما ذيله ابن القاسم من التفسير له بقوله: يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل فيرد منه بقدر ذلك؛ مما أخذه هو أن مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رأى العقد على هذا الشرط من

стр. 782

العقود التي يكرهها ابتداءً فإذا وقعت صح العقد وبطل الشرط؛ وذلك أن العقود المقترنة بها الشروط، تنقسم على ثلاثة أقسام؛ منها ما يبطل العقد والشرط، وهو ما كان الشرط المشترط فاسدا له تأثير في الثمن، كالذي يبيع الدابة على أن يسافر عليها سفرا بعيدا وما أشبه ذلك، ومنها ما يصح البيع والشرط، وهو ما كان الشرط المشترط حلال لا يئول به البيع إلى غرر ولا فساد في ثمن ولا مثمون، كالذي يبيع الدابة على أن يركبها اليوم واليومين وما أشبه ذلك. ومنها ما يصح البيع ويبطل الشرط وهو ما كان الشرط فاسدا إلا أنه خفيف لا يرى أنه نقص من الثمن ولا زاد فيه من أجله شيئا، وذلك مثل أن: يبيع السلعة على أنه إن لم يأته بالثمن إلى يومين أو ثلاثة فلا بيع بينهما، ومثل أن: يبيع الثمرة على أن لا قيام له عليه بجائحة إن أجيحت وما أشبه ذلك، فرأى عقد الإجارة في مسألتنا على هذا الشرط من هذا القبيل من الشروط إذ غلب على ظنه أن العامل إنما شرط على رب العين شق ما وجده من صفا فيها، والأغلب عندهما أنه لا صفا فيها لندور الصفا في ذلك الموضع على ما قد علم بالاختيار، فلم يحط من الإجارة لذلك الشرط شيئا ولا كان له تأثير فيها فأمضاها إذا وقعت وأسقط الشرط مع كراهيته لها ابتداء، كما أمضى البيع بشرط إسقاط الجائحة إذا وقع وأبطل الشرط إذ لم ير له تأثيرا في الثمن؛ لأن الأغلب السلامة من الجوائح وأراد العامل لما شق ما وجد في الأرض من صفا، وقد كان اشترط ذلك على رب العين أن يحفر له رب العين بدلها ويستحق هو إجارته كلها على ما اشترطا؛ فلم ير ذلك مالك ﵀ وذهب إلى أن الشرط ينفسخ والعقد على ذلك مكروه ابتداء على ما بيناه، فقال لهما: قد دخلتما في أمر لا خير فيه، فأرى عليك - يريد على صاحب العين قدر ذلك الموضع يريد قيمة حفر ذلك الموضع الذي شقه الرجل يريد العامل ولم يكن ذلك عليه، لاشتراطه إياه على صاحب العين؛ ومعنى ذلك على أصولهم - إن كان رب العين ممن يستأجر على شق ذلك ولا يتولاه بنفسه وعبيده، وسكت مالك ﵀ عن تمام الحكم في

стр. 783

المسألة، وفسره ابن القاسم على ما فهم من مذهبه في إجازة العقد إذا وقع وإبطال الشرط على ما بينا، فقال: يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ، ومعنى ذلك أن ينظر ما تقع الصفا التي شقها العامل من جملة الخمسة الآلاف الذراع فيرد من الأجرة التي قبض ذلك الجزء لإبطال الشرط مع إمضاء العقد، إذ لا فرق بين أن يشق صاحب العين الصفا أو يشقها العامل فيأخذ حقه في شقها، وإن كان ما وجب للعامل في شقه الصفا من جنس الأجرة التي قبض قاصه بذلك فيما يجب عليه رده منها، فمن كان له منهما في ذلك فضل، رجع به على صاحبه وبالله التوفيق. فصل ولولا تأويل ابن القاسم على مالك ﵀ لكان الأظهر من قوله: قد دخلتما في أمر لا خير فيه، أن العقد فاسد ويكون للعامل أجرة مثله في شقه الصفا وفي سائر عمله، ويرد جميع الأجرة إن كان قبضها أو تسقط إن كان لم يقبضها؛ لأنه إنما تكلم على ما يجب للعامل في شق الصفا وسكت عن تمام الحكم في المسألة؛ إلا أن ابن القاسم أحق بتبيين إرادة مالك في المسألة، لمشافهته إياه فيها. فصل وإن كانت الإجارة انعقدت بينهما على أن يشق رب العين ما وجد فيها من صفا، ويسقط عنه من الأجرة التي سمياها ما ينوبها منها، فيتخرج جوازها بغير اشتراط النقد على قولين، الأشهر منهما في المذهب الإجازة؛ لأن السوم معلوم وجملة الثمن مجهول. لا يعلم حال العقد كبيع الصبرة جزافا على الكيل الذي أجازه مالك ﵀ وأصحابه، ومنع منه عبد العزيز بن أبي سلمة، وكاستئجار الأجير على أن يأتيه بمتاع من بلد على أنه إن وجده في الطريق رجع وكان له بحسابه الذي أجازه مالك وابن القاسم رحمهما الله تعالى، ومنع منه سحنون، ومن

стр. 784

ذلك أيضا اختلافهم في استئجار الأجير شهرا على أن يبيع له ثوبا بعينه أو يرعى له غنما بأعيانها دون أن يشترط الخلف وما أشبه ذلك؛ فمعنى ما ذهب إليه مالك ﵀ فيها على هذا التأويل، أنه كرهها ابتداء مراعاة للخلاف؛ ويحتمل أن يكون كرهها من أجل النقد - وإن لم يكن مشترطا؛ إذ لا يصح النقد فيها بشرط إجماعا، وأجازها إذا وقعت على أصل مذهبه وحكم للعامل بأجر مثله في شق الصفا وأوجب عليه أن يرد من الأجرة ما يقع للصفا من جملة الخمسة الآلاف الذراع، ورأى ابن القاسم وسحنون أنها إجارة فاسدة للعلة التي ذكرها وهي الجهل بجملة الثمن حال العقد، فأوجبا للعامل أجرة مثله في جميع عمله، فأما سحنون فجرى في ذلك على أصله في الذي يستأجر الكرى على أن يأتيه بمتاعه من بلد كذا، فإن وجده في الطريق رجع وكان له بحسابه، وأما ابن القاسم فخالف أصله وذلك اختلاف من قوله؛ وكلا التأويلين سائغان، والتأويل الأول أظهر والله أعلم. وقد تأول بعض الناس أن مالكا تكلم على أن رب العين هو الذي شق الصفا، وأن ابن القاسم وسحنون تكلما على أن العامل هو الذي شقها وهو بعيد من التأويل لا معنى له؛ إذ لا تأثير لشق العامل إياها في فساد العقد، وتأول أيضا بعض من سألني عن معنى هذه المسألة فنهجت له القول فيها بما ذكرته أن مالكا تكلم على الوجه الآخر من الوجهين اللذين ذكرنا، وأن ابن القاسم وسحنون تكلما على الوجه الأول وذلك محتمل أيضا، ومنهم من ذهب إلى أنهم تكلموا جميعا على الوجه الأول. وأن إرادة مالك أن الإجارة فاسدة بدليل قوله: قد دخلتما في أمر لا خير فيه، وأن تفسير ابن القاسم ليس بصحيح، والصواب أن تفسيره لمذهبه صحيح، فهو أقعد بمعنى ما ذهب إليه، والله أعلم. فصل وأما الإجارة المحظورة فتنقسم على ثلاثة أقسام، (أحدها) الاستئجار على

стр. 785

ما يجب على الأجير فعله، (والثاني) الاستئجار على ما لا يحل له فعله، (والثالث) الاستئجار على المباح من الأعمال بما لا يجوز من الغرر أو الحرام أو على وجه لا يجوز مما يدخله غرر أو جهل؛ فأما الاستئجار على ما لا يجوز الاستئجار عليه لوجوب فعله على الأجير، فينفسخ إن عثر عليه قبل العمل فإن فات بالعمل لم يكن للأجير شيء من الأجرة، وردت كلها إلى المستأجر - إن كان قد دفعها؛ وأما الاستئجار على ما لا يجوز الاستئجار عليه لتحريم فعله عليه، فالحكم فيه إذا وقع أن يفسخ أيضا متى ما عثر عليه، فإن فات بالعمل لم يكن للأجير من الأجرة شيء وتصدق بها عليه على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب التجارة إلى أرض الحرب في بيع المسلم الخمر من النصراني أو المسلم، وأما الاستئجار على المباح من الأعمال بما لا يجوز أو على وجه لا يجوز، فالحكم فيه إذا وقع أن يفسخ ما لم يفت؛ فإن فات بالعمل كانت فيه القيمة والله ولي التوفيق برحمته. فصل في ماهية الجعل وأصل جوازه وأما الجعل فهو أن يجعل الرجل للرجل جعلا على عمل يعمله له إن أكمل العمل، وإن لم يكمله لم يكن له شيء، وذهب عناؤه باطلا؛ فهذا أجازه مالك وأصحابه - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمام العمل، خلافا لأبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى في أحد قوليه، وهو في القياس غرر إلا أن الشرع قد جوزه؛ والأصل في جوازه قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وقول رسول الله ﷺ يوم حنين: " من قتل قتيلا فله سلبه "، وقوله يوم بدر: " من فعل كذا فله كذا، ومن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا "، وإن كان مالك ﵀ قد كره ذلك، فإنما كرهه لئلا

стр. 786

تفسد نيات الناس في الجهاد، لا أنه عنده حرام؛ ومن الحجة في ذلك أيضا ما روي عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه قال: «انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزلوا عندنا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم، فقالوا لهم: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وقد سعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا به، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: " وما يدريك أنها رقية "؟ ثم قال: " قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم "، فضحك النبي ﷺ ». وأيضا فإن الجعل مما كان موجودا في معاملات الناس جاهلية وإسلاما، فأقر النبي ﷺ فعله - ولم يتعرض لإبطاله مع علمه بذلك، ولا فرق بين ما يبتدئ إجازته شرعا وبين ما يقر على إجازته؛ وأيضا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، والضرورة مستثناة من الأصول وقد مضى عمل المسلمين على ذلك في سائر الأمصار على قديم الأوقات والأعصار. فصل والجعل أصل في نفسه كالقراض والمساقاة، لا يقاس على الإجارة، ولا تقاس الإجارة عليه وإن أخذ شبها منها.

стр. 787

فصل ومن شروط صحة المجاعلة أن يكون الجعل معلوما وأن لا ينقد، وأن يكون لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلا، فإن ضرب له أجلا ولم يشترط أن يتركه متى شاء لم يجز، واختلف إن اشترط ذلك، هذا قوله في المدونة فيمن قال: بع لي هذا الثوب اليوم - ولك درهم - أن ذلك لا يجوز إلا أن يشترط متى شاء أن يتركه تركه، وقد اختلف في تأويل قول سحنون في آخر المسألة، وقد قال في مثل هذا: إنه جائز، وهو جل قوله الذي يعتمد عليه فاختصره ابن أبي زيد على أنه أجاز أن يوقت في الجعل يوما أو يومين دون شرط، وقال أبو عمر بن القطان: يريد سحنون أنه قال مثل قوله في الباب في مثل مسألة الباب، وهو أن يجيز الجعل ويضرب له يوما أو يومين ويشترط عليه أنه متى شاء أن يرد رد، قال سحنون: له مثل هذا القول وهذا القول جل قوله الذي يعتمد عليه. يريد قول الكتاب وما يشبهها وقوله: جل قوله، يقتضي الخلاف، والخلاف موجود له في رواية عيسى عنه؛ قلت: أرأيت إن قال جد نخلي اليوم فما جددت فبيني وبينك ومتى ما شئت أن تخرج خرجت ولك نصف ما عملت؛ قال: لا خير فيه وتأول ابن لبابة على سحنون أنه أراد أن ابن القاسم إنما اختلف قوله على أنها إجارة، فمرة رآها إجارة جائزة، ومرة رآها إجارة فاسدة، وذلك كله مدخول؛ وأما قول ابن أبي زيد، فهو خطأ صراح؛ لأن الجعل إذا سمى فيه أجلا ولم يشترط أن يترك العمل متى شاء لم يجز باتفاق، فكيف يصح أن يقال: إنه جل قوله الذي يعتمد عليه؛ وأما تأويل ابن القطان، فهو بعيد على ظاهر لفظ الكتاب، إلا أن معناه صحيح تصح به المسألة؛ وأما تأويل ابن لبابة فهو بعيد على ظاهر اللفظ غير صحيح المعنى؛ لأنها إذا كانت إجارة، فهي جائزة - ولا وجه لفسادها، وإنما معنى المسألة عندي أن قول ابن القاسم اختلف إذا قال الرجل للرجل: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم - فقال في الباب: إنه جعل، ولا يجوز إلا أن يشترط متى شاء أن يترك ترك، وله قول آخر أن ذلك جائز وهي إجارة لازمة لا جعل؛ فإن باع في بعض اليوم، كان له من الأجرة

стр. 788

بحساب ذلك، فقال سحنون: إن هذا القول هو الذي يعتمد عليه من قول ابن القاسم، وهذا القول لابن القاسم قائم من أول الكتاب؛ قال في الذي يبيع من الرجل نصف الثوب على أن يبيع له النصف الآخر، إن ذلك جائز إذا ضرب لذلك أجلا؛ لأنه إذا ضرب لذلك أجلا كانت إجارة واختار سحنون هذا القول؛ لأنه إذا قال: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم، احتمل أن يريد على وجه الجعل فيكون جعلا فاسدا، واحتمل أن يريد على وجه الإجارة فيكون جائزا. وإذا كان اللفظ محتملا للجواز والفساد مترددا بينهما، فهو على مذهبه في مسائل كثيرة محمول على الجواز حتى يتبين الفساد، من ذلك من اكترى راعيا على رعاية غنم بأعيانها، فالإجارة عنده جائزة - وإن لم يشرط الخلف خلاف مذهب ابن القاسم في هذه المسألة مثل قوله في المسألة التي حكيناها في أول الكتاب؛ ومثل قوله فيمن قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم - أن ذلك جائز فحمله على الجعل فأجازه مع احتمال أن يريد بذلك الإجارة، فتكون فاسدة إذا لم يضرب لها أجلا؛ فلما كان هذا القول جاريا على مذهب سحنون، اختاره واستحسنه، فقال فيه: إنه جل قوله الذي يعتمد عليه، ولو بين فقال: أستأجرك على أن تبيع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم جاز باتفاق، ولو بين أيضا فقال: أجاعلك على أن تبيع لي هذا الثوب اليوم. ولك درهم. لم يجز باتفاق، إلا أن يشترط متى ما شاء أن يترك ترك، وإذا لم يقع بيان فهي مسألة الكتاب التي اختلف فيها قول ابن القاسم؛ فالمسألة تنقسم على هذه الثلاثة الأقسام، فهذا أولى ما تحمل عليه هذه المسألة، ولم أره لغيري - وهو صحيح بين لا ينبغي أن يلتفت إلى ما سواه، ومسألة نفض الزيتون من هذا الأصل فتدبر ذلك، وكذلك الخلاف الحاصل بين ابن القاسم وأشهب فيمن باع من رجل دارا على أن ينفق عليه حياته، جاز على هذا الأصل ومثل هذا كثير. فصل وقد اختلف؛ هل من شروط صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة أم لا؟ على قولين.

стр. 789

فصل وليس من شروطه أن يكون العمل المجعول فيه معلوما بل يجوز في المعلوم والمجهول. فصل ولا يلزم المجعول له العمل وله أن يترك شرع فيه أو لم يشرع، ولا شيء له إلا بتمام العمل؛ واختلف في الجاعل فقيل: إن الجعل يلزمه بالعقد وإلى هذا ذهب ابن حبيب في أحد قوليه وهو ظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في الجعل والإجارة، وقيل: لا يلزمه حتى يشرع المجعول له في العمل وهي رواية علي بن زياد عن مالك ورواية أشهب عنه أيضا في تضمين الصناع من العتبية ومذهب سحنون وهو أظهر القولين؛ لأنه لما كان المجعول له لا يلزمه وجب أن لا يلزم الجاعل إلا أن يشرع المجعول له في العمل، لئلا يبطل عليه عمله، ووجه القول الأول هو أن الجاعل لما كان ما أخرج معلوما ولم يجز أن يكن مجهولا لزمه، ولما كان العمل الذي يخرجه العامل في الجعل يجوز أن يكون مجهولا جاز له أن يرجع عنه متى شاء ولم يلزمه، ألا ترى أن الإجارة لما كانت معلومة في معلوم لزمتهما جميعا، ولم يكن لواحد منهما الرجوع. فصل فعلى هذا إذا مات الجاعل قبل أن يشرع المجعول له في العمل على قول ابن حبيب، وظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم أو بعد شروعه في العمل على رواية علي بن زياد وأشهب عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يلزم ذلك ورثته، ولا يكون لهم أن يمنعوا المجعول له من العمل؛ فإن مات المجعول له بعد أن شرع في العمل أو قبل أن يشرع فيه على أحد القولين، نزل ورثته منزلته؛ ولم يكن للجاعل أن يمنعهم من العمل؛ وقد روى أصبغ عن ابن القاسم خلاف هذا في المجاعلة في

стр. 790

اقتضاء الديون، فجعل موت المجعول له كموت المقارض - إن كان قد شرع في العمل نزل ورثته منزلته إن كانوا أمناء، وإن كان لم يشرع في العمل ولا اقتضى منه شيئا، فلا حق لورثته، وقال: إن الجعل ينتقض بموت الجاعل - مات قبل شروع المجعول له في العمل أو بعده، فلم يحمله في هذا الطرف محمل القراض، ولا محمل الجعل في حق الجاعل له للزوم المجاعل له بالعقد أو شروع المجعول له في العمل - على ما قدمناه من الاختلاف في ذلك؛ وأما اشتراطه في موت المجعول له للأمانة في الورثة فصحيح لا ينبغي أن يختلف في ذلك؛ لأن هذا مما ينبغي فيه الأمانة. فصل وليس من شروط صحة الجعل أن يكون في القليل، وإن كان قد قال ذلك عبد الوهاب وغيره، فليس بصحيح، وإنما الصحيح أنه جائز في كل ما لا يصح للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه كما قدمناه كان قليلا أو كثيرا؛ وغير جائز فيما يكون للجاعل فيه منفعة قبل تمامه كان قليلا أو كثيرا؛ ولذلك قال ابن المواز: إن الجعل على حفر الآبار لا يجوز إلا فيما لا يملك من الأرضين؛ لأن ما يملك من الأرضين إن ترك المجعول له العمل بعد أن حفر بعض البئر، انتفع الجاعل بما حفر منها بوجوه كثيرة من وجوه المنافع، وما لا يملك من الأرضين منفعة للجاعل فيما حفر المجعول له منها إن لم يتم حفرها. فإذا لم يكن للجاعل في العمل المجعول فيه منفعة إلا بتمامه، جاز الجعل قياسا على قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، لأنه إذا لم يأت المجعول له في الطلب بالمطلوب لم ينتفع الجاعل بغايته في الطلب، وهذا بين. فصل وقوله: إنما جوز مالك الجعل في الشيء اليسير مثل الثوب والثوبين، وقوله: إن الكثير من السلع تصلح فيه الإجارة ولا يصلح فيه الجعل، والقليل يصلح

стр. 791

فيه الجعل والإجارة؛ إنما يريد بذلك كله في البيع خاصة؛ لأن الكثير من السلع إذا جاعله على بيعها ودفعها إليه إن بدا له في بيعها وصرفها إليه كان الجاعل قد انتفع بحفظه لها مدة كونها بيده، ولو لم يدفعها إليه، لجاز الجعل إذا جعل له في كل ثوب يبيعه منها جعلا مسمى، ولزم الجاعل الجعل في بيع جميعها؛ ألا ترى أن الجعل في الشراء على الثياب الكثيرة جائز؛ إذ لا يتولى حفظها، وكلما ابتاع ثوبا أسلمه إلى الجاعل ووجب له فيه جعله؛ ولو شرط الجاعل في الشراء على المجعول له أن يمسك الثياب وتكون في أمانته وقبضه حتى يتم شراء العدد الذي جاعله عليه، لم يجز للعلة التي قدمنا وهذا كله بين. فصل والأعمال تنقسم على ثلاثة، منها: ما يصح فيه الجعل والإجارة، ومنها: ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة، ومنها: ما لا يصح فيه الجعل وتصح فيه الإجارة. فأما ما يصح فيه الجعل والإجارة فكثير، من ذلك بيع الثوب والثوبين وشراء الثياب القليلة والكثيرة، وحفر الآبار واقتضاء الديون، والمخاصمة في الحقوق على أحد قولي مالك، وقد روي عنه أن الجعل في الخصومة لا يجوز. وأما ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة فنوعان، أحدهما: ما لا يجوز للمجعول له فعله، (والثاني) ما يلزمه، وأما ما تصح فيه الإجارة ولا يصح فيه الجعل فكثير أيضا، من ذلك خياطة الثوب وخدمة الشهر وبيع السلع الكثيرة، والسلعة الواحدة التي تباع من جاعل ويعلم أن الثمن فيها موجود أو على أن تباع ببلد آخر، وما أشبه ذلك مما يبقى للجاعل فيها منفعة إن لم يتم المجعول له العمل. فصل واختلف في الجعل الفاسد إذا وقع، فقيل: إنه يرد إلى حكم نفسه فيكون

стр. 792

للمجعول له جعل مثله إن كان أتم العمل، وإن لم يتمه فلا شيء له، وقيل: إنه يرد إلى حكم غيره وهي الإجارة؛ فيكون له إجارة مثله - أتم العمل أو لم يتمه؛ وقيل: إنه يرد إلى تجارة مثله في بعض المسائل وإلى جعل مثله في بعضها كالقراض الفاسدة، قيل: إنه يرد إلى حكم نفسه وهو قراض المثل؛ وقيل: إنه يرد إلى حكم غيره وهي الإجارة، فيكون له إجارة مثله، وقيل: إنه يرد القراض الفاسد إلى قراض مثله في بعض المسائل، وإلى إجارة المثل في بعضها وهو مذهب ابن القاسم؛ وقد يأتي في الجعل الفاسد أقوال خارجة عما أصلناه وهذا هو الصحيح فيها. فصل ولا يجتمع الجعل والإجارة؛ لأن الإجارة لا تنعقد إلا معلوما في معلوم؛ والجعل يجوز فيه المجهول، فهما أصلان مفترقان لافتراق أحكامهما، متى جمع بينهما فسدا جميعا، وقد روي عن سحنون أنه أجاز المغارسة والبيع وهو من هذا المعنى، وبالله التوفيق.

стр. 793

كتاب الرواحل والدواب قال الله : ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، وقال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وقال:

стр. 794

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. فصل فملكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى بنا وما ملكه الإنسان وجاز له تسخيره من الحيوان، فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم لا اختلاف بينهم في ذلك. فصل والكراء من العقود اللازمة يلزم المتكاريين الكراء بالعقد ولا يكون لأحدهما خيار في حله، إلا أن يشترط أحدهما الخيار لنفسه كالبيع سواء؛ لأنه ثمن ومثمون، فلا يجوز فيه الغرر والمجهول، ولا يصح إلا معلوما في معلوم، ولا بد فيه من تسمية الكراء وضرب الأجل إن اكترى الدابة مدة ما أو تسمية المسافة، إن أكراها إلى موضع ما، ولا بد من تسمية ما يحمل على الدابة أو ما يسخرها فيه، إلا أن يدخلا على عرف قد علماه فيقوم العرف في ذلك مقام التسمية. فصل فإن أكرى الدابة وضرب لكرائها أجلا وسمى موضعا أو عين عملا، كان ذلك من باب مدتين في مدة فضارع ما نهى عنه ﷺ من بيعتين في بيعة، ومن شرطين في بيع، وجرى على قولين، أحدهما: أن الكراء فاسد يفسخ، فإن مات كان للمكري كراء مثله على سرعة السير وإبطائه. والثاني: أن الكراء جائز لا يفسخ ويكون للمكري الكراء المسمى إن بلغ الموضع الذي سمياه في الأجل الذي وقتاه، وكراء مثله إن لم يبلغ إليه في الأجل، وهذا إذا كان الأجل واسعا يعلم أنه يدرك الوصول إلى الموضع الذي سمياه فيه، إلا أن يقصر أو يفرط، وأما إن كان

стр. 795

الأجل ضيقا يمكن أن يصل فيه إلى ذلك الموضع، وألا يصل، فلا يجوز الكراء باتفاق، وكذلك إذا قال له: إن بلغت إليه إلى أجل كذا وكذا، فلك كذا وكذا، وإن لم تصل إليه إلا إلى أجل كذا وكذا فلك كذا وكذا، لا يجوز باتفاق، ويفسخ؛ فإن فات بالمسير، كان له كراء مثله بالغا ما بلغ على سرعة السير وإبطائه عند ابن القاسم، وعلى قول غيره في كتاب الجعل والإجارة لا ينقص من الأقل ولا يزاد على الأكثر، وللشيوخ في قول غيره المذكور ثلاثة وجوه من التأويل، (أحدها) أنه لا ينقص من الأقل ولا يزاد على الأكثر، سواء بلغ في الأجل أو لم يبلغ. (والثاني) أنه إن بلغ في الأجل وكان كراء مثله أقل من أقل الكراءين، لم ينقص من أقل الكراءين، وإن كان له كراء مثله أكثر من أكثر الكراءين، كان له ذلك. وإن لم يبلغ في الأجل وكان كراء مثله أكثر من أكثر الكراءين، لم يزد على أكثر الكراءين؛ وإن كان كراء مثله أقل من أقل الكراءين لم يكن له إلا ذلك، وهذا تأويل ابن أبي زمنين. (والثالث) أنه إن بلغ في الأجل لم ينقص من أكثر الكراءين، إن كانت القيمة أقل منه ولا يزيد عليه إن كانت أكثر منه، وإن لم يبلغ في الأجل، لم ينقص من أقل الكراءين إن كانت القيمة أقل منه، ولا زيد عليه إن كانت القيمة أكثر منه. فصل وكراء الرواحل والدواب على وجهين، أحدهما: أن يكون مضمونا، والثاني: أن يكون معينا؛ فأما المعين فهو أن يقول: أكتري منك دابتك هذه أو راحلتك هذه، قال بعينها أو لم يقل، أو دابتك الفلانية أو راحلتك الفلانية، وذلك جائز بالنقد وإلى أجل، إذا شرع في الركوب أو كان إنما يركب إلى الأيام القلائل العشرة ونحوها، قاله مالك، وقال ابن القاسم: لا يعجبني إلى عشرة أيام يريد إذا نقد، وهذا إذا كانت الدابة أو الراحلة حاضرة، وأما إن كانت غائبة فلا يجوز تعجيل النقد؛ لأن النقد لا يصلح في شراء الغائب، وأما إن اكترى الراحلة بعينها على أن

стр. 796

لا يركبها إلى فوق العشرة الأيام، قال في المدونة: إلى ثلاثين يوما أو نحوها، فلا يجوز الكراء بالنقد، ويجوز بغير النقد، وقال غيره: لا يجوز الكراء وإن لم ينقد لأنه من التحجير. فصل وهذا الكراء المعين ينفسخ الكراء فيه بموت الراحلة أو الدابة، فإن ماتت في بعض المسافة فأراد أن يعطيه دابة أخرى بعينها يبلغ عليها إلى منتهى غايته، فإن كان لم ينقد فذلك جائز؛ لأنه كراء مبتدأ، كان قد نقده لم يجز؛ لأنه فسخ الدين في الدين: فسخ ما يجب له الرجوع به من بقية رأس ماله قي راحلة يركبها، إلا أن يكون ذلك في مفازة حيث لا يجد الكراء، فيجوز ذلك للضرورة؛ قال ابن حبيب: كما يجوز للمضطر أكل الميتة، وهذا على مذهب ابن القاسم، وأما على مذهب أشهب فذلك جائز؛ لأنه يجوز له أن يتحول من دين له إلى خدمة عبد بعينه أو كراء دابة بعينها، ولا يرى ذلك من فسخ الدين في الدين؛ لأنه إنما تحول إلى الانتفاع بشيء معين فجعل قبضه إياه لاستيفاء المنافع منه قبض لجميع المنافع، ولا يجوز له أن يكري منه بما يجب له به الرجوع عليه من الكراء كراء مضمونا باتفاق من ابن القاسم وأشهب وغيرهما. فصل فإن فلس رب الراحلة في الكراء المعين، فالمكتري أحق بها إلى منتهى غايته قبضها أو لم يقبضها نقد الكراء أو لم ينقد. فصل وأما كراء الدابة المضمونة أو الراحلة المضمونة وهو أن يقول: أكرني دابة أو

стр. 797

راحلة فإنه يجوز أيضا بالنقد وإلى أجل إذا شرع في الركوب، وأما إن لم يشرع في الركوب، وإنما تكارى كراء مضمونا إلى أجل كالمتكاري إلى الحج في غير إبانه، فالقياس أنه لا يجوز إلا بتعجيل الكراء؛ لأنه كالسلم الثابت في الذمة فلا يجوز إلا بتعجيل رأس المال، إلا أن مالكا ﵀ قد خفف، أن يعربن الدينار إلى أن يأتي الكري بظهره؛ لأن الأكراء قد قطعوا بالناس وقال: كم من كري قد هرب وترك أصحابه، فأجاز تأخير الكراء لهذه الضرورة، واستحب أن ينقد أكثر الكراء أو نحو ثلثيه. فصل ولا ينفسخ الكراء بموت الدابة في الكراء المضمون، إلا أن الكري إذا قدم إلى المكتري دابة فركبها فليس له أن يبدلها تحته إلا برضاه؛ وإن فلس الكري كان المكتري أحق بها إلى منتهى غايته إذا كان قبضها وإن كان يبدل دوابه تحته فهو أحق بما كان تحته يوم التفليس، وإن كانت يوم التفليس قد نزل عنها وأخرجت إلى المرعى، فليس ذلك بمانع له من أن يكون أحق بها من الغرماء قاله ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب المديان، وغمز محمد بن المواز قول ابن القاسم هذا وقال: إنما يجب أن يكون أحق بها إذا كانت معينة، وهو معنى قول غير ابن القاسم في الكتاب ليس الراحلة بعينها كالمضمون، وقد تؤول أن معنى ذلك في اختلافهما في الكراء لتقدم المسألتين جميعا واحتمال إعادة قوله المذكور على كل واحد منهما. فصل وأما إن فلس الكري قبل أن يقبض المكتري الدابة في الكراء المضمون، فهو أسوة الغرماء يحاصهم بقيمة الكراء يوم الحصاص لا يوم الكراء، فما صار له

стр. 798

أكرى له به وما بقي اتبعه به دينا في ذمته، قال محمد: وسواء نقد الكراء أو لم ينقد، إلا أنه إن لم ينقد غرم الكراء ثم حاص فيه الغرماء وفي سائر ماله، فإن صار له نصف الكراء اتبعه بنصف الحمولة وليس بالثمن. فصل فإذا قلنا: إن الكراء على وجهين: مضمون ومعين، فلا يخلو عقد الكراء من ثلاثة أوجه، أحدها: أن يقع على معين ببيان ونص، وذلك أن يقول: أكتري منك دابتك هذه أو دابتك الفلانية، قال: بعينها أو لم يقل، الحكم في ذلك سواء؛ والثاني: أن يقع على مضمون ببيان، وذلك أن يقول: أكر مني دابة بغلا أو حمارا أو راحلة صفة كذا وكذا من غير أن يسميها أو يشير إليها. والثالث: أن يعرى العقد في ذلك من البيان، وذلك أن يقول: أكتري منك دابتك بغلك أو حمارك أو راحلتك ولا يزيد على ذلك؛ فأما الوجهان الأولان، فلا كلام فيهما لهما في المضمون حكم المضمون، وفي المعين حكم المعين، على ما تقدم، وأما الوجه الثالث: إذا قال: أكتري منك بغلك أو راحلتك، ولم يزد على ذلك، فهي على أنها مضمونة غير معينة حتى يعينها بالتسمية لها أو بالإشارة إليها، روى ذلك ابن القاسم عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في كتاب الرواحل والدواب، وإليه ذهب ابن حبيب، قال في الصانع: إذا استعمله الرجل عملا فهو عليه مضمون في ماله إن مات قبل أن يتم ما استعمل إلا أن يشترط عمل يده أو يكون إنما قصده لرفقه وإحكامه، وحكي ذلك عن أصبغ وأنه مذهب قول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وروى أيضا ابن القاسم عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نحوه في أول سماعه من كتاب الجعل والإجارة، وهو الذي يأتي على ما في كتاب النذور من المدونة، قال في الذي يحلف أن لا

стр. 799

يدخل دار فلان: إنه يجوز له أن يدخلها إذا خرجت عن ملكه ما لم يقل دار فلان هذه، فيعينها بالإشارة إليها، ومثله أيضا في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق فرق بين أن يحلف الرجل، فيقول: لا دخلت جنانك أو لا دخلت هذه الجنان. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم في الكتاب المذكور في الذي يحلف أن لا يستخدم عبد فلان فيعتق فلان عبده ذلك، أنه لا يجوز له أن يستخدمه بعد العتق وإن لم يقل هذا العبد، فيدخل الاختلاف في هذه الرواية بالمعنى في مسألة الكراء، والأول هو المشهور المنصوص عليه. فصل وهذا إذا اتفقا على الإبهام وتصادقا عليه ولم يدعيا البيان، وأما لو ادعيا البيان واختلفا، فقال أحدهما: مضمونا، وقال الآخر: معينا، لوجب أن يتحالفا ويتفاسخا إن كان المكتري لم يقبض؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه، وأما إن قبض المكتري الدابة ثم اختلفا، فقال المكتري: هذه الدابة التي قبضت هي التي اكتريت بعينها، وقال رب الدابة: لم أكرها بعينها وإنما أكريت منك كراء مضمونا أو ادعى المكتري أنه اكترى إكراء مضمونا، وقال رب الدابة: ما أكريت منك إلا تلك التي دفعت إليك بعينها، فالقول قول الذي ادعى تعيين الدابة المدفوعة مع يمينه منها إن فاتت الدابة، وأما إن كانت الدابة قائمة لم تفت ولا دخلها عيب، فلا معنى ليمين من ادعى التعيين؛ إذ لا تفيد يمينه في هذه الحالة شيئا؛ لأنه إن كان الذي ادعى التعيين هو المكتري، فإنه يقول للمكري: هب الأمر كما تقول إنها مضمونة قد دفعت إلي هذه الدابة فليس لك أن تنزعها مني، وإن كان الذي ادعى التعيين هو رب الدابة فإنه يقول للمكتري: هب الأمر كما تقول إنها مضمونة ليس لك أن تلزمني بدلها ما لم تمت أو يدخلها عيب أو مرض. وبالله التوفيق.

стр. 800

فصل في التداعي الأصل في التداعي من كتاب الله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]؛ فوجب بهذا على كل من ابتدأ قولا وابتدع مذهبا أن يأتي بالدليل على صدق قوله، والبرهان على صحة مذهبه، وعلى من ادعى على أحد دعوى في مال أو دم أو عرض أو غير ذلك، أن يأتي بالبينة على دعواه، وقد بين ذلك النبي ﷺ بعموم قوله: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». وبقوله للرجل الذي خاصم إليه في الأرض التي زعم أنه انتزى عليها في الجاهلية فأنكر ذلك من دعواه: «شاهداك أو يمينه». فصل فوجه معرفة الفصل في الحكم بين المتداعيين تمييز المدعي الذي يكلف إقامة البينة على دعواه ولا يمكن من اليمين من المدعى عليه الذي يمكن من اليمين ولا يكلف إقامة البينة بالوقوف على العلة المفرقة بينهما الموجبة لتبدئة المدعى عليه باليمين دون المدعي، إذ قد يكون القول قول المدعي إذا كان في معنى المدعى عليه وتكون على المدعى عليه إقامة البينة إذا كان في معنى

стр. 801

المدعي؛ لأن المدعى عليه لم يكن القول قوله من أجل أنه مدعى عليه، ولأن المدعي لم يكلف إقامة البينة على دعواه من أجل أنه مدع، إذ ليست الأحكام للأسماء، إنما هي للمعاني، فالمعنى الذي من أجله كان القول قول المدعى عليه هو أن له سببا يدل على صدقه دون المدعي في مجرد دعواه وهو كون السلعة بيده إن كانت الدعوى في شيء بعينه، أو كون ذمته بريئة على الأصل في براءة الذمم إن كانت الدعوى فيما في ذمته، والمعنى الذي من أجله وجب على المدعي إقامة البينة على دعواه هو مجرد دعواه من سبب يدل على صدقه فيما يدعيه، فإن كان له سبب يدل على تصديق قوله أقوى من سبب المدعى عليه، كالشاهد الواحد، أو الرهن، أو ما أشبه ذلك من إرخاء الستر، وجب أن يبدأ باليمين دون المدعى عليه، فإن لم يكن لواحد منهما سبب يدل على صدقه كالسلعة يتداعيانها وليست بيد واحد منهما، أو كان لكل واحد منهما سبب مكافئ لسبب صاحبه لا مزية له عليه، كتكافؤ البينة وليست السلعة في يد واحد منهما، لم يبدأ أحدهما باليمين دون صاحبه، ووجب أن يحلفا جميعا ويقسما السلعة بينهما. فصل والأصل في هذا أن المبدأ باليمين من المتداعيين هو من كان منهما أشبه بالدعوى بسبب يدل على تصديقه، كان المدعي أو المدعى عليه؛ لأن المدعي والمدعى عليه متداعيان في الحقيقة، مثال ذلك: أن من ادعى دارا في يد رجل هما متداعيان فيها؛ لأن كل واحد منهما يدعيها لنفسه دون صاحبه فيستويان في الدعوى، وفضله الذي في يده الدار باليد، فكان أشبه بالدعوى، فجعل القول قوله لهذا المعنى، لا من أجل كونه مدعى عليه.

стр. 802

فصل وقول سعيد بن المسيب ﵁: أيما رجل عرف المدعي من المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم به بينهما، فالمدعي أن يقول: الرجل قد كان، والمدعى عليه أن يقول: الرجل لم يكن ليس على عمومه في كل موضع، وإنما يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على تصديق دعواه، فإن كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل لم يكن برئ عليه باليمين، مثال ذلك: أن من حاز شيئا مدة تكون فيه الحيازة عاملة في وجه المدعى فادعى الشراء، كان القول قوله مع يمينه في ذلك، وهو مدع يقول: قد كان، والمدعى عليه يقول: لم يكن، وكذلك المودع يدعي رد الوديعة، القول قوله وهو مدع، يقول: قد كان، والودع: يقول لم يكن، ومثل هذا كثير. فصل يتبين بهذا الذي قلناه أن قول النبي ﷺ : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» عام في جميع الدعاوى من الأموال والدماء وغير ذلك، وخاص فيما تجردت دعواه من المتداعيين عن سبب يدل على صدق قوله، والله أعلم. فصل وهذه جملة لا اختلاف بين أحد من أهل العلم فيها وما يوجد من الاختلاف بينهم في التداعي ليس بخارج عن هذا الأصل، إنما هو اختلافهم في قوة السبب الدال على تصديق أحد المتداعيين وضعفه على ما يؤديه الاجتهاد إلى كل واحد منهم. فصل والاختلاف بين المتكاريين كالاختلاف بين المتبايعين؛ لأن الكراء بيع من

стр. 803

البيوع، والأصل في ذلك قوله ﷺ : «أيما بيعين تبايعا فالقول ما قال البائع أو يترادان». فصل واختلافهما لا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يختلفا في المسافة، (والثاني) أن يختلفا في الكراء، (والثالث) أن يختلفا في الأمرين جميعا. فأما اختلافهما في المسافة فإنه على وجهين، (أحدهما) أن يختلف في غايتها، مثل أن يقول المكري: أكريت منك إلى قرمونة، ويقول المتكاري: بل اكتريت منك إلى إشبيلة، (والثاني) أن يختلفا في جملتها، مثل أن يقول المكري: أكريت منك إلى إشبيلة، ويقول المتكاري: إنما تكاريت منك إلى غرناطة، وما أشبه ذلك. وأما اختلافهما في الكراء، فإنه على ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يختلفا في نوعه مثل أن يقول أحدهما: دنانير، والآخر: دراهم أو طعام أو عروض وما أشبه ذلك، (والثاني) أن يختلفا في الصفة، مثل أن يقول أحدهما: دنانير هاشمية، ويقول الآخر: عتق سليمانية، أو يقول أحدهما: وازنة، ويقول الآخر: ناقصة، أو يقول أحدهما: دراهم سود، ويقول الآخر: بيض، وما أشبه ذلك، أو يقول أحدهما: قمح على صفة كذا وكذا، ويقول الآخر: بل على صفة كذا وكذا، وما أشبه ذلك؛ (والثالث) أن يختلفا في قلته وكثرته، مثل أن يقول المكري: أكريت منك بعشرة دراهم أو عشرة أرادب، ويقول المكتري: اكتريت منك بثمانية دراهم، أو ثمانية أرادب وما أشبه ذلك. فصل فأما إذا كان اختلافهما في جملة المسافة أو في نوع الكراء، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان من غير تفصيل.

стр. 804

فصل وصفة أيمانهما أن يحلف المكري في اختلافهما في جملة المسافة ما أكرى منه إلى بلد كذا وكذا وليس عليه أن يزيد في يمينه، ولقد اكترى منه إلى بلد كذا وكذا إلا أن يشاء رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين، فلا يحتاج إلى يمين أخرى، وإن شاء أن يقول: ما أكريت منه إلا إلى بلد كذا وكذا فيجمع المعنيين في لفظ واحد، ثم يحلف المكتري بالله ما اكتريت منه إلى موضع كذا ولا يزيد في يمينه ولقد اكتريت منه إلى بلد كذا، إذ لا فائدة له في ذلك؛ لأن المكري قد نفاه بيمينه إلا أن يكون هو المبدأ باليمين على غير الاختيار في تبدئة البائع باليمين، وعلى ما كان الشيوخ يتأولون على رواية يحيى من جامع البيوع من العتبية وليس بتأويل صحيح، فيزيد ذلك في يمينه إن شاء، أو يقول ما اكتريت منه إلا إلى موضع كذا وكذا رجاء أن ينكل المكري عن اليمين، فلا يحتاج إلى يمين أخرى، وعلى هذا فقس أيمان المتبايعين والمتكاريين حيثما وجب التحالف والتفاسخ بينهما. فصل فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف منهما، ولا بد أن يحلف ههنا على المعنيين جميعا أو يجمعهما، إن شاء في لفظ واحد على ما تقدم. فصل واختلف إن حلفا جميعا هل يقع الفسخ بينهما بتمام التحالف أم لا؟ على أربعة أقوال، (أحدها) أن الفسخ يقع بينهما بتمام التحالف وهو قول سحنون وظاهر

стр. 805

ما في كتاب الشفعة من المدونة؛ (والثاني) أنه لا يقع الفسخ بينهما بتمام التحالف وهو مذهب ابن القاسم في السلم الثاني من المدونة، (والثالث) أن ذلك إن كان بحكم وقع الفسخ بتمام التحالف، وإن لم يكن بحكم لم يقع الفسخ إلا بتراضيهما عليه بعد الأيمان، (والرابع) أن ذلك إن كان بحكم من الحاكم لم يقع الفسخ حتى يحكم به الحاكم بينهما، وإن كانت أيمانهما دون حكم وقع الفسخ بتمام التحالف، بعكس القول الثالث، ووجه هذا القول أن رضاهما بالتحالف دون الحكم رضا منهما بالفسخ، وهذان القولان للمتأخرين من أصحابنا. فصل فإذا قلنا: إن البيع والكراء لا ينفسخ بينهما بتمام التحالف حتى يفسخه الحاكم بينهما، ففي ذلك اختلاف، قال في المدونة: إن للمبتاع أن يأخذ بما قال البائع، وظاهره: أن ليس للبائع أن يلزمها المبتاع بما قال، وقال محمد بن عبد الحكم: إن للبائع أن يلزمها المبتاع بما قال، فظاهره أيضا أنه ليس للمبتاع أن يأخذها بما قال البائع، وقد قيل: إن ذلك ليس باختلاف من القول، وإنما تكلم في المدونة على المبتاع وسكت عن البائع؛ وتكلم محمد بن عبد الحكم على البائع، وسكت عن المبتاع، فيجمع بين القولين بأن القول إن أراد المبتاع أن يأخذ بما قال البائع، لزم ذلك البائع، وإن أراد البائع أن يلزمها المبتاع بما قال، لزم ذلك المبتاع، وهذا هو الذي حملناه عن الشيخ أبي جعفر بن رزق ﵀، وإنما يصح ذلك إذا كان اختلافهما في القلة والكثرة أو في غاية المسافة، وأما إن كان اختلافهما في الأنواع أو في جملة المسافة فلا يصح أن يحمل عليه إلا على أنه اختلاف من القول؛ إذ لا يصح أن يجمع بينهما في ذلك، فيكون على مذهب ابن القاسم للمكتري أن يركب إلى البلد الذي قال المكري إن كان اختلافهما في جملة المسافة، وأن يركب النوع الذي قال المكري إن كان اختلافهما في

стр. 806

الأنواع ويكون على مذهب محمد بن عبد الحكم للمكري أن يلزم المكتري الركوب إلى البلد الذي ادعى إن كان اختلافهما في جملة المسافة، وأن يلزمه الركوب بالنوع الذي ادعى إن كان اختلافهما في الأنواع. فصل واختلف أيضا إذا نكلا جميعا، فذهب ابن القاسم إلى أن ينزل نكولهما جميعا بمنزلة حلفهما جميعا، وهو قول شريح في كتاب الخيار من المدونة: إن حلفا ترادا، وإن نكلا ترادا، وذهب ابن حبيب إلى أنهما إن نكلا كان القول قول البائع، وحكى نحو ذلك عن مالك في مسألة الوكيل، هكذا أتت الرواية عنه مجملة دون تبيين، وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى ذلك بعد أن يحلف، ووجه ما ذهب إليه أن اليمين التي نكل عنها إنما هي قوله: إني ما أكريت إلى مكان كذا وكذا، وما أكريت بكذا وكذا، وأما زيادته في يمينه ولقد أكريت إلى موضع كذا وكذا ولقد أكريت بكذا وكذا، فلم ينكل عنه إذ لم يجب عليه اليمين بذلك ولا كلف إياه، وإنما هو أمر طاع بالحلف عليه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على ما قدمناه. فوجب أن لا يعتبر بنكوله عن يمين لم تجب عليه، ولا يستحق بها ما حلف، ولا يصح أن يكون القول قول من نكل عن اليمين إذا ردها على صاحبه فنكل عنها، إلا إذا كانت يمينا واجبة عليه لو حلف بها لاستحق بيمينه ما حلف عليه، كمن أقام شاهدا على حقه فنكل عن اليمين، فردها على المدعى عليه فنكل عن اليمين، فإن المدعي يأخذ ما ادعى بلا يمين؛ لأنه لو حلف لأخذ ما ادعى بيمينه، أو كمن وجب له على المدعى عليه اليمين فنكل عنها فردها على المدعي فنكل عن اليمين، فإن المدعى عليه تسقط عنه الدعوى دون يمين؛ لأنه لو حلف لسقطت عنه يمينه، وأما من نكل عن يمين غير واجبة عليه، فلا يستحق بنكوله ما نكل عنه إذا نكل صاحبه، أصل ذلك من ادعى على رجل دعوى فقال المدعى عليه للمدعي: أنا أبرئك باليمين احلف وخذ ما ادعيت، فقال المدعي: لا أحلف

стр. 807

قد رددت عليك اليمين، احلف أنت وابرأ، فقال: لا أحلف ونكل عن اليمين، لم يستحق المدعي ما نكل عنه، وهو لو حلف عليه لاستحق، إذ لم تجب عليه اليمين التي نكل عنها، فأحرى أن لا يستحق في مسألتنا بنكوله ما نكل عنه إذا نكل صاحبه إذ ما نكل عنه لم يجب عليه، وإذ لو حلف عليه لما استحقه وهذا بين. فصل فإذا قلنا: معنى ما ذهب إليه ابن حبيب أن القول قول البائع مع يمينه، فهو أظهر من قول ابن القاسم؛ لأن البائع إذا نكل أولا عن اليمين، فمن حجته أن يقول إذا نكل المبتاع، أنا أحلف لقد بعت سلعتي بكذا وكذا؛ لأنني في ذلك مدع على المبتاع، فلما نكل عن اليمين وجب لي أن أحلف وآخذ على حكم المدعي والمدعى عليه، ولو كان من حقي أن أحلف وآخذ ما حلفت عليه لم أنكل عن اليمين، فإن نكل البائع على هذا عن اليمين بعد نكول المبتاع حلف المبتاع وأخذ السلعة لما حلف عليه، وهذا كله بين؛ لأن البائع في التمثيل مدع على المبتاع أنه ابتاع بعشرة، فلما نكل عن اليمين وجب أن يحلف هو ويستحق العشرة، والمبتاع مدع على البائع أنه باع بثمانية، فلما نكل عن اليمين وجب أن يحلف هو ويستحق السلعة بثمانية، وكذلك على هذا إذا اختلف المتكاريان في عدد الكراء أو في نوعه وجملة المسافة، أو في غايتها فنكلا عن اليمين يكون القول قول المكري مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكتري مع يمينه إلا في اختلافهما في جملة المسافة، فيأتي على هذا أنه إن نكل كل واحد منهما عن الحلف على تكذيب قول صاحبه، حلف كل واحد منهما على ما ادعى واستحقه على صاحبه، فلزم المكتري أن يمضي مع المكري إلى البلد الذي حلف عليه، ولزم المكري أن يمضي مع المكتري إلى البلد الذي حلف عليه أيضا، فلو قال قائل: إن معنى قول ابن القاسم إن نكلا ترادا، أما وإن كل واحد منهما نكل عن اليمين قبل نكول صاحبه، وبعد نكوله وأبى من اليمين جملة، لقلت له: ما أبعدت في التأويل، ولقد قلت قولا

стр. 808

وسطا نفيت به الاعتراض عن ابن القاسم والاختلاف بينه وبين ابن حبيب، وحمل الروايات على الاتفاق ما أمكن، أولى من حملها على الخلاف. لا سيما إذا كان في حملها على ظاهرها من الخلاف اعتراض على أحد القولين، كمسألتنا هذه. وأما من حمل قول ابن حبيب على ظاهره في أن القول قول البائع بلا يمين إذا نكلا عن اليمين يعد قوله مثل قول أهل العراق في القضاء بالنكول دون رد اليمين ولم يمكنه الجمع بين مذهبه ومذهب ابن القاسم، فالتأويل الأول أظهر، والله أعلم. فصل واختلف إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة وأتى أحدهما بأشبه مما أتى به صاحبه، هل يتحالفان ويتفاسخان، أو يكون القول قول من أتى منهما بالأشبه، فالمشهور من المذهب الصحيح من الأقوال أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولا ينظر في ذلك إلى الأشبه من غيره، وذهب ابن وهب إلى أن القول قول من أتى منهما بما يشبه، وقاله ابن حبيب في بعض مسائله، منها إذا ادعى أحدهما حلالا والآخر حراما، ومنها إذا اختلفا في صفة النقد، وقاله ابن القاسم في سماع عيسى في الكرى، يقول: أكريت منك إلى المدينة، ويقول المكتري: اكتريت منك إلى مكة، وذلك في أيام الحج، وقاله أيضا في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات في الذي يبيع الأرض وفيها الماء، فيقول: أنا بعت الأرض دون الماء بشرط وبيان، ويقول المبتاع: بل اشتريت الأرض بمائها، وأقام ذلك القاضي أبو الوليد الباجي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - من كتاب الرواحل والدواب من المدونة، ولا يصح ما ذهب إليه من ذلك؛ لأن الذي في المدونة إنما هو مع الفوات. فصل فأما مسألة الكراء والأرض والماء والاختلاف في صفة النقد فيجري ذلك على الاختلاف، وأما مسألة الاختلاف في الحلال والحرام، ففيه تفصيل، وذلك

стр. 809

أن السلعة لا تخلو من أن تكون قائمة أو فائتة، فإن كانت قائمة وكان اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في الثمن ولا في المثمون، فإن القول قول من يدعي الصحة والحلال منهما، وإن كان اختلافهما يؤدي إلى اختلاف في الثمن والمثمون جرى ذلك على اختلافهم في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، فيكون القول قول مدعي الصحة على مذهب من يراعي دعوى الأشباه مع القيام، إلا أن يكون العرف الحرام، فيكون القول قول مدعي الحرام، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن القول قول من ادعى العرف منهما، فإن كان الناس يتعاملون بالحلال والحرام أحلفا وفسخ الأمر بينهما، فلم ير في هذه الرواية لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام، وبناها على مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، ويتحالفان ويتفاسخان على مذهب من لا يراعي دعوى الأشباه، كذا أتت الرواية أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والذي ينبغي أن يكون القول قول مدعي الفساد بائعا كان أو مبتاعا، فإن حلفا انفسخ البيع ولا معنى ليمين صاحبه؛ لأن البيع يفسخ حلف أو نكل إذا حلف مدعي الفساد فإن نكل، حلف مدعي الصحة وثبت البيع، وأما إن كانت السلعة قد فاتت وكان اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في الثمن ولا في المثمون، أو يؤدي إلى اختلاف في قلة الثمن وكثرته، أو في صفته دون نوعه، فإن القول قول مدعي الحلال منهما وإن كان اختلافهما في الأنواع، جرى ذلك على الاختلاف في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، هذا الذي يتحصل عندي في هذه المسألة على أصولهم. فصل وقد كنا ذكرنا في أول المسألة أن المتكاريين إذا اختلفا في جملة المسافة، أو في نوع الكراء، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان من غير تفصيل، ومضى القول في حكم التحالف والتفاسخ في ذلك، وكذلك يتحالفان ويتفاسخان أيضا إذا اختلفا في عدد الكراء قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء يسير لا ضرر فيه في

стр. 810

الرجوع عليهما تعد أو لم نقد إلا على مذهب أشهب الذي يرى التحالف والتفاسخ في القيام والفوات، فيتحالفان ويتفاسخان ركب أو لم يركب نقد أو لم ينقد، وكذلك الحكم إذا اختلفا في صفة الكراء إلا ما حكيناه، عن ابن حبيب من مراعاة العرف في اختلافهما في صفة النقد، وقلنا: إن ذلك من قوله يأتي على مراعاة الأشباه مع القيام في موضع التحالف والتفاسخ، وكذلك يتحالفان ويتفاسخان أيضا إذا اختلفا في غاية المسافة قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء يسير لا ضرر فيه عليهما في الرجوع منه نقد أو لم ينقد على مذهب ابن القاسم، وقال غيره: إذا نقد فالقول قول المكري، وعلى قول أشهب يتحالفان ويتفاسحان ركب أو لم يركب نقد أو لم ينقد. فصل وأما إن اختلفا في عدد الكراء أو في صفته بعد أن سارا من الطريق ما عليهما في الرجوع منه ضرر .. فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد أشبه ما قال المكري أو لم يشبه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكري - أشبه ما قال أو لم يشبه. وإن لم يشبه ما قال المكتري وأشبه ما قال المكري، كان القول قوله، وإن لم يشبه ما قال أيضا تحالفا وكان عليه كراء المثل ولم يفسخ الكراء لما عليهما من الضرر في الرجوع، وكذلك إن نكلا جميعا، وأما إن حلف أحدهما ونكل الآخر، فالقول قول الحالف منهما مع يمينه، وإن لم يشبه كانت الراحلة بعينها أو لم تكن على مذهب ابن القاسم، وقال غيره في المدونة ليس الراحلة بعينها كالضمون يريد أن المضمون ينفسخ الكراء فيه بينهما إذا تحالفا ولا يلزمه أن يبلغه إلى المسافة بخلاف المعين. فصل وأما إن كان اختلافهما في غاية المسافة بعد الركوب الكثير بلغا إلى الغاية التي اتفقا عليها أو لم يبلغا وقبل النقد فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه، (أحدها)
следующие страницы →