Полный текст (1 626 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
عبد الله بن قيس؛ سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا قضيت، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا؛ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة- أمرا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى؛ المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن عليه الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته- والسلام ".
стр. 877
كتاب الشهادات
قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]- أي خيارا عدولا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فصل
وهذه الشهادة تكون في الدنيا ويوم القيامة في الأخرى- على ما أتت به الآثار عن النبي ﵇، فأما كونها في الدنيا، فبيانه: ما روي «أن رسول الله- ﷺ مر عليه بجنازة فقيل لها: خير وتتابعت الألسن بالخير، فقال رسول الله ﷺ : وجبت؛ ومر عليه بجنازة فقيل لها: شر وتتابعت الألسن بالشر؛ فقال رسول الله ﷺ : وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض»، زاد في حديث آخر: «فمن أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار»، وما روي عنه أيضا أنه قال: «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ماذا يتبعه
стр. 878
من حسن الثناء». وأما كونها يوم القيامة، فبيانه: ما روي في الحديث أن النبي ﵇ قال: «يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقال له: من يعلم ذلك؟ فيقول: محمد وأمته، فيأتون فيشهدون له بالتبليغ».
ويروى أن الله تعالى إذا جمع عباده يوم القيامة، كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد بلغته جبريل؛ فيدعى جبريل فيقال له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغت الرسل، فيدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم ربنا؛ فيخلى عن جبريل، ثم يقال للرسل ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا؛ فتدعى الأمم فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق؛ فيقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك؛ فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ فتدعى أمة محمد، فيقال لها: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم- ربنا- شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: - ربنا- كيف يشهد علينا من لم يدركنا؛ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك فقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا،
стр. 879
فيقول الرب: نعم صدقوا " فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فصل
وهذه شهادة صحيحة، لأنهم شهدوا بما علموا بأخبار من علموا صدقه بالأدلة الظاهرة والبراهين القاطعة، ومن هذا المعنى شهادة خزيمة بن ثابت للنبي- ﵇ على الأعرابي أنه اشترى منه الفرس ولم يحضر ولا شهد.
فصل
وكذلك كل من علم شيئا بوجه من الوجوه التي يقع بها العلم، وجب عليه الشهادة به إذا دعي إليها؛ والعلم يدرك بأربعة أشياء فلا يصح لشاهد شهادة بشيء حتى يقع له العلم ويحصل عنده بأحدها، إذ لا تصح الشهادة إلا بما يعلم ويقطع على معرفته، لا بما يشك فيه، ولا بما يغلب على الظن معرفته. قال الله : ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١].
فصل
فأحد الوجوه التي يدرك بها العلم العقل بانفراده، فإنه يدرك به بعض العلوم الضرورية، مثل أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن السماء فوقه والأرض تحته؛ ويعلم به حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره؛ وتصح بذلك شهادته على نفسه، وما أشبه ذلك.
والثاني العقل مع الحواس الخمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة
стр. 880
الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس؛ فيدرك بالعقل مع حاسة السمع الكلام وجميع الأصوات المسموعات؛ ويدرك بالعقل- مع حاسة البصر جميع الأجسام والأعراض والأشخاص المبصرات، ويدرك بالعقل مع حاسة الشم جميع الروائح المشمومات، ويدرك بالعقل مع حاسة الذوق جميع الطعوم المذوقات، ويدرك بالعقل مع حاسة اللمس جميع الملموسات- على اختلافها في اللين والخشونة، وما أشبه ذلك.
والثالث: الأخبار المتواترة، فإنه يعلم بها أخبار البلدان النائية، والقرون الماضية، وظهور النبي، ودعائه إلى الإسلام، وما أشبه ذلك.
فصل
فالعلوم المدركة من هذه الوجوه الثلاثة: علم ضرورة يلزم النفس لزوما لا يمكنها الانفصال منه ولا الشك فيه.
والوجه الرابع: الذي يدرك به العلم هو النظر والاستدلال، والنظر والاستدلال مبني على علم الضرورة، أو على ما بني على علم الضرورة، أو على ما بني على ما بني على علم الضرورة- هكذا أبدا إلى ما أمكن ضبطه، وصح وجوده؛ مثال ذلك أن الإنسان عالم بوجود نفسه- ضرورة فهذا أصل تبنى عليه العلوم الضروريات، فإذا علمت نفسي ضرورة، نظرت هل أنا محدث أو قديم؛ فلا يصح أن أنظر هذا النظر قبل علمي بوجود نفسي، فإذا نظرت، علمت أني محدث بالنظر الصحيح، فالعلم بحدثي علم نظري، مبني على العلم بوجود نفسي الذي هو ضرورة؛ ثم لما علمت أني محدث، نظرت هل لي محدث أو ليس لي محدث؛ فعلمت بالنظر الصحيح أنه لا بد لي من محدث، فهذا أيضا علم نظري مبني على علم نظري، مبني على علم ضروري؛ ثم أنظرُ بعد ذلك أيضا في محدثي: هل
стр. 881
هو قديم أو محدث؟ فأعلم بالنظر الصحيح أنه قديم؛ فالعلم بأن محدثي قديم علم نظري مبني على العلم بأن لي محدثا الذي هو علم نظري، وهو مبني على العلم بحدثي، الذي هو أيضا علم نظري، وهو مبني على العلم بوجودي وهو ضرورة.
فصل
فالعلم النظري يقع العلم به عقيب النظر، ويستوي مع الضروري في أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فالشهادة بما علم من جهة النظر والاستدلال جائزة، كما تجوز بما علم من جهة الضرورة، وذلك مثل ما روي أن خزيمة بن ثابت شهد للنبي ﵇ أنه اشترى الفرس من الأعرابي ولم يحضر ولا شهد؛ ومثل ما روي أن أبا هريرة شهد أن رجلا قاء خمرا، فقال له عمر: أتشهد أنه شربها؟ فقال: أشهد أنه قاءها، فقال له عمر بن الخطاب: ما هذا التعمق؟ فلا وربك ما قاءها حتى شربها؛ ومن ذلك: شهادة الحكماء في قدم العيوب وحدوثها، وشهادة أهل المعرفة في قدم الضرر وحدوثه؛ ومن هذا المعنى شهادة أمة محمد ﷺ يوم القيامة للنبيين على أممهم بالبلاغ، وهذا بين من أن يحتاج إلى تبيانه؛ لأن كل مؤمن فإنما يشهد أن الله وحده لا شريك له وأنه حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم- إلى غير ذلك من الصفات التي هو عليها- لعلمه بذلك، ولا طريق له إلى العلم بشيء من ذلك إلا من جهة النظر والاستدلال.
فصل
وكذلك الشهادة أيضا بما علم من جهة الأخبار المتواترة جائزة كالولاء والنسب والموت، وولاية القاضي وعزله، وضرر الزوجين، وما أشبه ذلك؛ يصح
стр. 882
للرجل إذا وقع له العلم بهذه الأمور وما أشبهها من جهة الخبر أن يشهد بذلك ويقطع عليه وتبت الشهادة عليه.
فصل
فالله ﵎ شاهد على خلقه، قال الله : ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨]. والنبي ﷺ شاهد على أمته، وأمته شاهدة على جميع الأمم - يوم القيامة، وشاهدة لله بما شهد به لنفسه، وبما شهدت له به ملائكته وأولو العلم؛ وبعضها شاهد لبعض فيما يدور بينهم في الدنيا من المعاملات والهبات، والجنايات وسائر ما يقع بينهم من الأمور الدائرات.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦]- الآية وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 883
وقال: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. وقال رسول الله- ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل». وقال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه». وقال: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، أو بخبر شهادته قبل أن يسألها». وقال- ﷺ : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر». وقال للذي خاصم إليه: «شاهداك أو يمينه».
فصل
فاقتضت هذه الآيات الواردة في القرآن وما أوردناه من السنن والآثار خمسة فصول: أحدها: الإشهاد على الحقوق على اختلافها من البيع والنكاح والرجعة وما أشبه ذلك مما لا يتعلق به حق لسوى الشهداء، مما يتعلق فيه حق لسواهم على ما سنبينه إن شاء الله.
والثاني: القيام بالشهادة.
والثالث: صفة الشهود الذين يجب قبول شهادتهم.
والرابع: مراتب الشهود في الشهادات.
والخامس: مراتب الشهادات.
стр. 884
فصل
فأما الفصل الأول- وهو الإشهاد على الحقوق على تفاصيلها- فإن منها البيع وقد أمر الله ﵎ بالإشهاد عليه فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] واختلف أهل العلم في وجوبه، فالذي عليه مالك ﵀ وجمهور أهل العلم أن الإشهاد على البيع مندوب إليه وليس بواجب؛ وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب، وأصل اختلافهم في هذا، اختلافهم في الأمر الوارد إذا ورد عاريا من القرائن: هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو على الإباحة إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الأمر قد يرد والمراد به الوجوب، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وما أشبه ذلك. وقد يرد والمراد به الندب، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ومثل قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
وقد يرد والمراد به الإباحة مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، و ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. فإذا ورد الأمر عاريا من القرائن التي تدل على الوجوب أو الندب أو الإباحة، فمن أهل العلم من قال إنها تحمل على الإباحة، ومنهم من قال إنها تحمل على الندب، ومنهم من قال تحمل على الوجوب، ومنهم من قال: يتوقف فيه ولا يحمل على ندب ولا وجوب؛ حتى يدل الدليل على المراد به، ولكل واحد منهم على مذهبه حجاج يطول ذكرها، وليس هذا موضع إيرادها، وذهب مالك ﵀ إلى أنه
стр. 885
محمول على الوجوب- إذا دل النظر على تعريته من القرائن التي تخرجه عن الوجوب، والذي يدل على ذلك من مذهبه أنه احتج لوجوب إتمام ما دخل الرجل فيه من القرب بظواهر الأوامر من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فصل
فإذا كان مذهبه أن الأمر محمول على الوجوب إذا تعرى من القرائن، فإنما قال: إن أمر الله تعالى بالإشهاد على البيع ندب وليس بواجب، للأدلة الظاهرة على ذلك، منها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فلما جاز أن يترك الرهن الذي هو بدل الشهادة ويؤتمن صاحبه، جاز ترك الإشهاد، إذ يفرق المخالف بين ترك الإشهاد والرهن الذي هو بدله، بل يقول بوجوب كل واحد منهما، ومنها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والبيع عقد من العقود، فأمر الله تعالى بالوفاء به، دليل على جوازه بغير إشهاد؛ لأن الأمر بالوفاء مع الإشهاد لا معنى له؛ لأنه إن جحد لزمه الحق بالشهود، ومن طريق السنة «أن النبي ﵇ ابتاع من أعرابي فرسه ولم يشهد، فلما نازعه الأعرابي وأنكر البيع قال النبي ﵇: من يشهد لي؛ فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد لك، قال وبم تشهد؟ قال: أصدقك في أخبار الآخرة ولا أصدقك في أخبار الدنيا؛ فقضى ﷺ لنفسه بشهادته فسمي ذا الشهادتين» ومن الدليل أيضا على ذلك: الإجماع على
стр. 886
إجازة ترك الإشهاد في القليل التافه، كابتياع البقل وما أشبه ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
فصل
فإن قال قائل: فإذا سقط الوجوب فلم لم يكن محمولا على الإباحة وحمل على الندب؟ فالدليل على ذلك أن الله ﵎ قد أمر بحفظ المال في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، فقال ﵎: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] ونهى النبي- ﵇ عن إضاعته، وفي الإشهاد حفظ المال، فهذا دليل على الندب.
فصل
وكذلك الدين أمر الله تعالى فيه بالكتاب والإشهاد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ الآية. وذلك مرغب فيه ومندوب إليه وليس بواجب، ومن أهل العلم من قال: إنه واجب.
فصل
فإذا قلنا: إنه غير واجب فيهما، فإنه حق لكل من دعا إليه من المتبايعين أو المتداينين على صاحبه يقضى له به عليه إن أباه؛ لأن من حقه ألا يأتمنه،
стр. 887
ولذلك وجب على من باع سلعة لغيره الإشهاد على البيع، فإن لم يفعل ضمن؛ لأن رب السلعة لم يرض بائتمانه؛ وكذلك كل ما فيه حق لغائب، الإشهاد فيه واجب. قال الله- في الزانيين ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فأمر بالإشهاد لما يتعلق بذلك من حق غيره، ومن ذلك اللعان لا يكون إلا بمحضر جماعة من الناس، لانقطاع نسب الولد وغير ذلك من الأحكام.
فصل
وكذلك الإشهاد على عقد النكاح ليس بواجب على مذهب مالك ﵀ وإنما يجب الإشهاد عند الدخول لنفي التهمة والظنة عن نفسه، ومعنى قول رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل». أي لا يكون وطء النكاح إلا باجتماع هذه الأشياء؛ لأن النكاح حقيقة إنما يقع على الوطء، وإنما سمي العقد نكاحا؛ لأن النكاح الذي هو الوطء يكون به؛ فسمي باسم ما قرب منه؛ ولا يصح أن يحمل الحديث على العقد؛ لأنه قد ذكر فيه الصداق وذلك ما لا يفتقر إليه العقد بإجماع؛ لأن القرآن قد جوز نكاح التفويض.
فصل
وأما الإشهاد في الرجعة فاختلف فيه في المذهب، حكى ابن القصار في كتابه أن الإشهاد على الرجعة مستحب وليس بواجب، وحكى إسماعيل القاضي عن مالك ﵀ أن الإشهاد على الرجعة واجب؛ لرفع الدعاوى وتحصين الفروج والأنساب، وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين أن الإشهاد على الرجعة واجب بخلاف الطلاق والبيع، وذكر الفرق في ذلك بين الرجعة والبيع أن الله قد قال في البيع: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فدل
стр. 888
ذلك على أن الإشهاد في البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق - ولا فرق بينهما؛ لأن الله- تعالى- قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] في أول سورة الطلاق عقيب ذكره الطلاق والإمساك بالرجعة والمفارقة بانقضاء العدة، فوجب أن يرجع ذلك إلى الجميع رجوعا واحدا؛ إما وجوبا وإما ندبا، وقد قال ابن بكير: معنى ذلك أن يشهد ذوي عدل على مراجعتها إن راجعها، وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها- أنه قد طلقها، وأن عدتها قد انقضت- خوفا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هي فيدعي الزوج مثل ذلك، قال: وينبغي إن طلق طلاقا بائنا أن يشهد حين الطلاق أنها قد بانت منه خشية ما ذكرنا؛ لأن معنى البائن هي التي قد انقضت عدتها، فيلزم على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطلاق مخافة الموت، فتدعي الميراث وتزعم أن عدتها لم تنقض.
فصل
فإذا قلنا إنه واجب فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثما لتضييع الفروج وما يتعلق بذلك من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الطلاق والرجعة.
فصل
وأما الفصل الثاني- وهو القيام بالشهادة - فإن الله ﵎ أمر به فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] وقال: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذلك ينقسم على وجهين:
стр. 889
أحدهما: أن يدعى ليشهد على الشهادة ويستحفظ إياها.
والثاني: أن يدعى ليشهد بما علمه- استحفظه إياه أو لم يستحفظه.
فصل
فأما الوجه الأول وهو أن يدعى ليشهد ويستحفظ الشهادة فإن ذلك واجب وفرض على الجملة، يحمله بعض الناس عن بعض كالجهاد والصلاة على الجنائز وما أشبه ذلك، فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الفرض في خاصته، والدليل على ذلك؛ أن الله ﵎ أمر بالقيام بالشهادة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، فإذا قيم بها فقد امتثل الأمر وسقط الفرض، إذ لا معنى لقيام من قام بها بعد ذلك.
وأما الوجه الثاني- وهو أن يدعى ليشهد بما علمه واستحفظ إياه فإن ذلك واجب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].
فصل
فمن كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يكتمها ويلزمه إذا دعي إليها أن يقوم بها، وأما إن لم يدع إلى القيام بها، فقد قال رسول الله ﷺ : «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يسألها». وهذا ينقسم
стр. 890
على وجهين:
أحدهما: أن يكون حقا لله تعالى.
والثاني: أن يكون حقا لآدمي، فأما إن كان حقا لله ، فإنه ينقسم على قسمين:
قسم لا يستدام فيه التحريم، وقسم يستدام فيه التحريم؛ فأما ما لا يستدام فيه التحريم- كالزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك، فلا يضر الشاهد ترك إخباره بالشهادة؛ لأن ذلك ستر ستره عليه؛ والأصل في ذلك قول رسول الله ﷺ : لهزال: «يا هزال هلا سترته بردائك». وإن علم الإمام بذلك، فقد قال ابن القاسم في المجموعة: يكتمونه الشهادة ولا يشهدوا في ذلك إلا في تجريح إن شهد على أحدث وأما ما يستدام فيه التحريم كالعتق والطلاق والأحباس والمساجد والقناطير، وما أشبه ذلك، فيلزمه أن يخبر بشهادته ويقوم بها غيره، فإن لم يخبر بشهادته سقطت شهادته؛ لأن سكوته على ذلك جرحة فيه؛ فإن هو قام بالشهادة، فاختلف هل تقبل شهادته؟ ذهب ابن القاسم إلى أنه لا تجوز شهادته إذا كان هو القائم بها.
وذهب مطرف وابن الماجشون وأصبغ إلى أن شهادتهم جائزة- وإن كانوا هم القائمين بها؛ فإن قام غيره بالشهادة، سقط عنه الفرض وكان قيامه بذلك استحبابا؛ لأن فيه عونا على إقامة الحق؛ وإن لم يقم بالشهادة سواه، تعين عليه القيام بها؛ وأما الضرب الآخر: وهو أن يكون حقا لآدمي، فيلزمه أن يخبر بشهادته صاحب الحق، فإن لم يفعل فروى عيسى عن ابن القاسم أن شهادته تبطل.
وذهب سحنون إلى أنها لا تبطل، وقد وقع في المبسوطة لأشهب ما ظاهره أن شهادته لا تبطل بالسكوت وترك الإخبار في حقوق العباد ولا في حق الله تعالى- وهو بعيد، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه واجب على كل من دعي إلى شهادة أن يجيب
стр. 891
سواء دعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ، لقول الله : ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس ذلك بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح أن يسمي هذا إلا بعد أن يكون عند علم بالشهادة؛ وأما قبل أن يعلم فليس بشاهد، ولا يدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]- وهذا بين- والحمد لله.
فصل في صفة الشاهد الذي تقبل شهادته
اعلم أن للشاهد في شهادته حالين: حال تحمل الشهادة، وحال أدائها. فأما حال تحملها فليس من شرط الشاهد فيها إلا أن يكون على صفة واحدة وهي الضبط والميز- صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا عدلا كان أو فاسقا.
وأما حال أدائها، فمن شرط جواز شهادة الشاهد فيها أن تجتمع فيه خمسة أوصاف: متى عري عن واحد منها لم تجز شهادته، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعدالة.
فصل
وإنما شرطنا في ذلك البلوغ؛ لأن الشاهد مأمور بأداء الشهادة والقيام بها، منهي عن كتمانها؛ والأمر والنهي لا يتوجه إلا على المكلفين، ومن لم يبلغ فليس بمكلف ومن جهة المعنى أن الشاهد يجب أن يكون ممن يخاف ويتحرج من الإثم فيشهد بالحق ويتوقى الباطل؛ والصغير لا يلحقه إثم ولا يتوقى عقوبة؛ لأن القلم مرتفع عنه، فوجب ألا تجاز شهادته، وهذا ما لا اختلاف فيه إلا ما أجيز من
стр. 892
شهادة الصبيان في الجراح والقتل - على اختلاف بينهم في ذلك ما لم يتفرقوا، أو لم يغيبوا على ما نذكر في موضعه- إن شاء الله.
فصل
وإنما شرطنا في ذلك العقل؛ لأن عدمه معنى ينافي التكليف كالصغير، وإنما شرطنا في ذلك الحرية، خلافا لمن أجاز شهادة العبد لغير سيده؛ لأن ظاهر قول الله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. يدل ألا مدخل في ذلك للعبيد لأن مثل هذا اللفظ إنما يختص بالأحرار، ولا يدخل تحته العبيد إلا بدليل؛ ألا ترى أن الله ﵎ قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فلم يدخل في ذلك العبيد؛ إذ لو دخلوا فهب ذلك لكان قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، لا فائدة فيه.
ومن الدليل أيضا على أن العبيد لا مدخل لهم في الشهادة: أن الله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، والعبد لا يجوز إقراره على نفسه، فلما لم تجز شهادته على نفسه لم تجز على غيره، وقال ﵎: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والعبد ملكه بيد سيده لا يجوز له أن يشهد إلا بإذن سيده؛ فخرج ممن خوطب بالشهادة؛ ألا ترى أن العبد لما لم يجز أن يغزو إلا بإذن سيده، لم يكن مخاطبا بالجهاد، ولم يكن له في الفيء نصيب؛ ولأن الرق نقص يمنع الميراث، فنافى الشهادة كالكفر.
فصل
وإنما شرطنا في ذلك الإسلام؛ خلافا لمن أجاز شهادة الكافر في الوصية
стр. 893
في السفر- تعلقا بقول الله : ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ لأن الله قال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والإسلام شرط في صحة العدالة والرضا، وإنما شرطنا في ذلك العدالة لقول الله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد اختلف في حد العدالة والرضا الذي تجوز به شهادة الشاهد اختلافا كثيرا، وأحسن ما قيل في ذلك- عندي أنه الشاهد الذي يجتنب الكبائر ويتوقى الصغائر- على أنه لا صغيرة على الإطلاق؛ لأن كل ما عصى الله به فهو كبيرة، وإنما يقال لها صغائر بإضافتها إلى الكبائر.
فصل
ومن شرط جواز شهادة الشاهد، أيضا: أن يكون من أهل اليقظة والتحرز؛ لأنه إن كان من أهل الغفلة والبله لم يؤمن عليه التميل من أهل التحيل، فيشهد بالباطل، واختلف هل من شرطه أن يكون مالكا لأمر نفسه، فروى أشهب عن مالك أن شهادة المولى عليه جائزة- إن كان عدلا، وهي رواية ابن عبد الحكم أيضا عنه. وقال أشهب: لا تجوز شهادته- وإن كان مثله لو طلب ماله أعطيه، واختار ذلك محمد بن المواز قال؛ "ولا تجوز شهادة البكر في المال حتى تعنس وإن كانت من أهل العدل ".
فصل
والشاهد ينقسم على ثلاثة أقسام
شاهد معروف بالعدالة.
وشاهد معروف بالجرحة.
وشاهد مجهول الحال لا يعرف بعدالة ولا جرحة.
فأما الشاهد المعروف بالعدالة، فتجوز شهادته ويحكم للطالب بها بعد
стр. 894
الإعذار إلى المطلوب فيها؛ وأما الشاهد المعروف بالجرحة فلا تجوز شهادته إلا أن تثبت توبته من الجرحة التي علم بها، وسواء علم القاضي بجرحته أو ثبت عليه عنده.
وأما الشاهد المجهول الحال، فيتوقف في شهادته حتى يسأل عنها، ولا يحمل على جرحة ولا عدالة، ومن أهل العلم من رأى أنه محمول على العدالة حتى يعلم جرحته على ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد أو مجرب عليه شهادة زور - وهو قول الحسن، ومذهب الليث بن سعد، فعلى قول هؤلاء لا يحتاج إلى التزكية، وإنما يقول القاضي للمشهود عليه: دونك فجرح إن كان عندك ما تدفع به شهادة من شهد عليك، وأجاز ابن حبيب شهادة المجهول الحال على التوسم فيما يقع بين المسافرين في السفر للضرورة إلى ذلك، قياسا على إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح.
من أصحابنا المتأخرين من أجاز شهادة المجهول الحال في اليسير جدا من المال، وهذا كله استحسان؛ والقياس ألا تجوز شهادة أحد حتى تعرف عدالته، لقول الله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد اتفقوا في الحدود، والقصاص على أن الشهادة لا تجوز في ذلك إلا بعد المعرفة بعدالة الشاهد، وهذا يقضي على ما اختلفوا فيه- إن شاء الله.
فصل في مراتب الشهود في الشهادات على مذهب مالك
وأما مراتب الشهود في الشهادات، فإنها إحدى عشرة مرتبة: فأولها الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، ثم الشاهد المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، ثم الشاهد المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، ثم الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد، ثم الشاهد الذي يتوسم فيه العدالة، ثم الشاهد الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة، ثم الشاهد
стр. 895
الذي يتوسم فيه الجرحة، ثم الشاهد الذي ثبتت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، ثم الشاهد المقيم على الجرحة المشهور بها، ثم شاهد الزور.
فصل
فأما الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء وتزكيته وتجريحه، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة، وقد قيل: إن التجريح لا يقبل فيه أصلا لا بعداوة ولا بغيرها، وكذلك الشاهد المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك، وأما الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي: التزكية، وشهادته لأخيه ولمولاه، ولصديقه الملاطف، ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص منها؛ ويقبل فيه التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد فيه إذا أبهم ذلك.
وكذلك الشاهد المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك؛ وأما الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد، فاختلف في إجازة شهادته: لم يجزها ابن الماجشون وأصبغ - وهو مذهب الشافعي، وأجازها ابن القاسم - وهو المشهور في المذهب.
وأما الشاهد الذي تتوسم فيه العدالة، فتجوز شهادته دون تزكية- فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات على مذهب ابن حبيب، ولا تجوز فيما سوى ذلك دون تزكية.
وأما الشاهد الذي لا تتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية؛ إلا أن شهادته تكون شبهة في بعض المواضع، وعند بعض العلماء فتوجب اليمين وتوجب القسامة، وتوجب الحميل وتوقيف الشيء المدعى فيه؛ وأما الشاهد الذي تتوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون شبهة توجب حكما، وأما الشاهد الذي تثبت عليه جرحة قديمة أو
стр. 896
يعلمها الحاكم به فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم جرحته إذا شهد على توبته منها ونزوعه عنها؛ والمحدود في القذف بمنزلته على مذهب مالك؛ لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخير؛ وأما الشاهد القيم على الجرحة المشهور بها، فلا تجوز شهادته، ولا تقبل فيه التزكية- وإن زكى؛ وإنما تصح تزكيته فيما يستقبل إذا تاب؛ وأما شاهد الزور، فلا تجوز شهادته أبدا، وإن تاب وحسنت حاله؛ وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن شهادته تجوز إذا تاب وعرفت توبته بتزيد حاله في الصلاح؛ قال: ولا أعلمه إلا قول مالك؛ فقيل: إن ذلك اختلاف من القول، وقيل: معنى رواية أبي زيد إذا أتى تائبا مبتهلا مقرا على نفسه بشهادة الزور- قبل أن يظهر عليه وهو الأظهر - والله أعلم.
فصل
فإن حدثت الجرحة بالشاهد بعد أداء الشهادة لم تجز شهادته فيما يستقبل، وبطلت في هذه، وقد قيل- وهو قول ابن الماجشون: إنها لا تبطل في هذه إذا كانت الجرحة شيئا ظاهرا كالجراح، والقتل، وما أشبه ذلك؛ وأما التهمة الحادثة بعد أداء الشهادة، فلا تبطل الشهادة كالرجل يتزوج المرأة بعد أن يشهد لها، أو يقع بينه وبين الرجل خصومة بعد أن يشهد عليه.
فصل
وأما التهمة الحاصلة في بعض الشهادة، فإنها تبطل جملة الشهادة على المشهور المعلوم في المذهب، مثل أن يشهد رجل أن له ولابنه أو لرجل أجنبي على فلان ألف درهم من معاملة أو سلف أو ما أشبه ذلك؛ وقد وقع في المدونة وغيرها في شهادة الشاهد يشهده أن رجلا أوصى له ولغيره بوصية مال اختلاف
стр. 897
كثير، يفتقر تحصيله إلى تفصيل وتقسيم، وذلك أنها مسألة تنقسم على قسمين كل قسم منها لا يخلو من وجهين: أحد القسمين أن يكون الموصي أشهد على وصية مكتوبة قد أوصى فيها للشاهد بوصية، والقسم الثاني: أن يكون أشهد على وصيته لفظا بغير كتاب، فيقول: لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا، لأحد الشهود؛ فأما القسم الأول: - وهو أن يشهد الموصي على وصية مكتوبة وقد أوصى فيها للشاهد بوصية فلا يخلو أن يكون ما سمى للشاهد فيها يسيرا أو كثيرا، فإن كان يسيرا، ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أن شهادة الموصى له لا تجوز لنفسه ولا لغيره؛ لأنه يتهم في اليسير كما يتهم فيه في غير الوصية، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
والثاني: أن شهادته تجوز لنفسه ولغيره، فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته أن ما شهد به من الوصية حق، وأخذ هو ماله فيها بشهادته مع أيمانهم؛ لأنه في حين التبع لجملة الوصية، وإن كان معه غيره ممن أوصي له أيضا فيها بيسير، ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ كل واحد منهما ماله فيها بغير يمين؛ وإن كان الشاهد الذي معه ممن لم يوص له فيها بشيء، ثبتت الوصية أيضا بشهادتهما، وأخذ هو ماله فيها بغير يمين؛ وهذا هو قول ابن القاسم في المدونة، ورواية مطرف عن مالك في الواضحة.
والثالث: أن شهادته تجوز لغيره ولا تجوز لنفسه، فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته واستحقوا وصاياهم ولم يكن له هو شيء، وإن كان معه غيره ممن أوصى له فيها بشيء يسير أيضا، ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهما
стр. 898
فأخذوا وصاياهم بغير يمين وحلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته؛ وإن كان معه لم يوص له فيها بشيء، ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواه وحلف هو مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة.
والرابع: أن شهادته تجوز له ولغيره - إن كان معه شاهد غيره فتثبت الوصية بشهادتهما ويأخذ ماله فيها بغير يمين؛ وكذلك صاحبه أيضا إن كان له فيها شيء يأخذ ماله فيها بغير يمين. وتجوز لغيره ولا تجوز لنفسه إن لم يكن معه شاهد غيره فيحلف غيره مع شهادته ويستحق وصيته ولا يكون له هو شيء؛ وهو قول يحيى بن سعيد في المدونة؛ وإن كان الذي أوصى به للشاهد كثيرا، فلا تجوز شهادته له ولا لغيره في المشهور من الأقوال، وتجوز شهادته لغيره ولا تجوز لنفسه على قياس قول أصبغ في نوازله من كتاب الشهادات في العبدين يشهدان بعد عتقهما أن الذي أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار، أن شهادتهما تجوز في المائة، ولا تجوز في غصب رقابهما؛ لأنهما يتهمان أن يريدا إرقاق أنفسهما؛ ولا يجوز لحر أن يرق نفسه؛ إذ يقوم من قوله في هذه المسألة أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة، جاز منها ما لا تهمة فيه- وهو خلاف المشهور المعلوم.
وأما القسم الثاني: وهو أن يشهد الموصي على وصيته لفظا بغير كتاب فيقول: لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا - لأحد الشهود، فلا يخلو أيضا من أن يكون الذي أوصى به لأحد الشهود كثيرا أو يسيرا، فإن كان يسيرا، فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره؛ فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع شهادته واستحقوا وصاياهم؛ وإن كان معه غيره ممن شهد لنفسه بيسير أيضا، حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه واستحق وصيته وأخذ من سواهما وصاياهم بشهادتهما دون يمين، وإن كان معه غيره ممن لم يشهد لنفسه بشيء حلف هو
стр. 899
معه واستحق وصيته وأخذ من سواه وصيته بشهادتهما دون يمين، وقد يقال: إنه لا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره - بتأويل ضعيف، وإن كان الذي شهد به لنفسه كثيرا، فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره على قول مطرف وابن الماجشون، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات؛ فإن لم يكن معه غيره على مذهب ابن الماجشون ومطرف، حلف الموصى لهم واستحقوا وصاياهم بأيمانهم مع شهادته وإن كان معه غيره ممن يشهد لنفسه بكثير أيضا، حلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته إن لم تكن شهادة كل واحد منهما لصاحبه في مجلس واحد على مذهبهما في الشهود يشهد بعضهم لبعض أن شهادتهم لا تجوز إن كانت على رجل واحد في مجلس واحد، وأخذ من سواهما وصيته بشهادتهما دون يمين.
فصل
فالمشهور في المذهب أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة، ردت كلها؛ وقد قيل: إنه يجوز منها ما لا تهمة فيه على قياس قول أصبغ الذي حكيناه، والمشهور في المذهب أيضا: أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة، جاز فيها ما أجازته السنة، وقد قيل: إنها ترد كلها وذلك قائم من المدونة من قوله في شهادة النساء للوصي أن الميت أوصى إليه أن شهادتهن لا تجوز- إن كان فيها عتق وإيضاع النساء، وكذلك المشهور في المذهب أيضا أن الشهادة إذا رد بعضها لانفراد الشاهد بها دون غيره، أنها تجوز فيما يصح فيه شهادة الشاهد الواحد، وتبطل فيما لا يصح إلا بشهادة شاهدين، مثل أن يشهدا لرجل على وصية رجل وفيها عتق ووصايا لقوم، فإن الموصى لهم بالمال يحلفون مع شهادة الشاهد وتكون وصاياهم فيما بعد قيمة العتق، وقد قيل: إن الشهادة كلها مردودة، حكى ذلك المزني عن أشهب
стр. 900
وجميع جلسائه؛ وأما إذا لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها وسقط عن حفظه بعضها، فإنها تسقط كلها بإجماع، وبالله التوفيق.
فصل
في مراتب الشهادات
والشهادات على مراتب أربع، إحداها: شهادة توجب الشيء المشهود به دون يمين، والثاني: شهادة توجب الشيء المشهود به مع اليمين. والثالثة: شهادة لا توجب الشيء المشهود به إلا أنها توجب حكما من الأحكام. والرابعة: شهادة لا توجب شيئا.
فصل
فأما الشهادة التي توجب الشيء المشهود به دون يقين فإنها على سبعة أقسام:
أحدها: أربعة شهود في الزنا.
والثاني: شاهدان فيما سوى ذلك.
والثالث: شاهد وامرأتان في الأموال.
والرابع: شهادة امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال من العيوب والاستهلال، وما أشبه ذلك.
والخامس: شهادة السماع فيما جوز أهل العلم فيه شهادة السماع على الإطلاق.
والسادس: شاهد واحد فيما يبتدأ الحكم فيه بالسؤال وفيما كان علما يؤديه. والسابع: شهادة الصبيان فيما أجيزت شهادتهم فيه.
فصل
وأما الشهادة التي توجب الشيء المشهود به مع اليمين، فإنها على خمسة أقسام:
أحدها: شاهد عدل وامرأتان عدلتان في الأموال.
стр. 901
والثاني: شاهد غير عدل تجب القسامة به على رواية أشهب عن مالك.
والثالث: ما يقوم مقام الشاهد من الرهن وإرخاء الستر ونكول المدعى عليه ومعرفة العفاص والوكاء واليد مع مجرد الدعوى، أو مع تكافؤ البينتين وما أشبه ذلك.
والرابع: الشهادة بغالب الظن فيما لا سبيل فيه إلى القطع.
والخامس: الشهادة على السماع في الولاء على مذهب ابن القاسم.
فصل
وأما الشهادة التي توجب حكما ولا توجب الحق، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: شهادة الشهود غير العدول في استحقاق الشيء المعين فإنها توجب توقيفه عند أصبغ.
والثاني: شهادة شاهدين أو شاهد وامرأتان أنه سرق له مثل ما يدعي أو شاهدين إذا جرحا- على اختلاف بينهم في ذلك.
والثالث: شاهد عدل وامرأتان على الطلاق والعتق، فإنها توجب اليمين عند جميعهم، أو على الخلطة، فإنها توجب اليمين عند بعضهم، أو على النكاح، فإنها تسقط الحد أو على دعوى المعروف، فإنها توجب اليمين على المدعى عليه عند من لا يرى القضاء باليمين مع الشاهد، وإذا نكل المدعي عن اليمين مع شاهده.
стр. 902
كتاب حريم الآبار
قال الله : ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]. وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]. وسئل مالك ﵀ عن تفسير هذه الآية فقيل له: أهو الخريف فيما بلغك؟ فقال: لا والله، بل هذا في الخريف والشتاء وفي كل شيء ينزل الله من السماء ماء إذا شاء، ثم هو على ذهاب به لقادر، فجميع مياه الأرض من ماء السماء أنزله الله إلى الأرض وجعله فيها ثابتا لا يزول، وهو على إزالته قادر؛ وقال : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠] يريد المطر، ويروى أن في الدنيا أربعة أنهار من الجنة، وهي: النيل، والفرات، وشيحان، وجيحان.
فصل
فمياه الأرض تختلف باختلاف مواضعها، ويختلف الحكم فيها لاختلافها؛ ويختلف أهل العلم في بعض وجوهها على ما سنبينه ونفصله- إن شاء الله، ولا قوة
стр. 903
إلا بالله؛ والأصل في ذلك كله «قول رسول الله ﷺ في سيل مهزور ومذينب: "يمسك الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل»، وقوله ﵇: «لا يمنع نقع بئر، ولا يمنع رهو ماء»، وقوله: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»، وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» وقوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه».
فصل
فأما مهزور ومذينب: فواديان معروفان من أودية المدينة يسيلان بالمطر يتنافس فيهما أهل المدينة، فقضى ﷺ أن يمسك الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل على الأسفل؛ وهذا الحكم في كل ماء غير متملك يجري على قوم إلى قوم دونهم أن من دخل الماء أرضه أولا فهو أحق بالسقي به حتى يبلغ الماء في أرضه إلى الكعبين، ثم اختلف إذا بلغ الماء إلى الكعبين: هل يرسل جميع الماء إلى الأسفل، أو لا يرسل إليه إلا ما زاد على الكعبين؟ فقال مطرف وابن الماجشون، وابن وهب: يرسل على الأسفل ما زاد على الكعبين، وقال ابن القاسم: بل يرسل جميع الماء ولا يحبس منه شيئا- والأول أظهر، وروى زياد عن مالك أن معنى الحديث أن يجري الأول الذي هو أقرب إلى الماء من الماء في ساقيته إلى حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد كعبيه حتى يروى حائطه، ثم يفعل الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء. قال: وهذه السنة فيهما وفيما يشبههما مما
стр. 904
لا حق فيه لأحد بعينه - أن الأول أحق بالتبدئة، ثم الذي يليه، إلى آخرهم رجلا؛ فيحتمل أن يكون معنى رواية زياد هذه عن مالك إذا كان ماء الوادي كثيرا فوق ما يتأتى به السقي لواحد، فلا يكون على هذا التأويل رواية زياد مخالفة لما تقدم، والأظهر أن ذلك اختلاف من القول، وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب البيان في رسم القسمة من سماع عيسى من كتاب السداد والأنهار.
فصل
وأما نقع البئر وهو الماء المجتمع فيها قبل السقي، وقيل: هو فضل مائها، وقيل: الموضع الذي يلقى فيه ما يكنس منها، وقيل: مخرج مسيل مائها وهو الماء المجتمع أيضا؛ قال الله : ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]. واختلف أهل العلم في تأويل قول النبي ﷺ : «لا يمنع نقع بئر ولا يمنع رهو ماء». فحمله جماعة من أهل العلم على عمومه، فقالوا: لا يحل بيع الماء ولا منعه بحال- كان من بئر، أو غدير، أو عين، في أرض متملكة، أو غير متملكة، غير أنه إن كان متملكا كان أحق بمقدار حاجته منه، وهو قول يحيى بن يحيى في العتبية: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، والحطب، والكلأ. وقال بعضهم: تأويل ذلك في مثل البئر تكون بين الشريكين يسقي هذا يوما، وهذا يوما أو أقل، أو أكثر، فيسقي أحدهما يومه فيروى زرعه أو نخله في بعض يومه، فيستغني عن الماء- بقية يومه، فليس له أن يمنع شريكه من السقي في بقية ذلك اليوم؛ إذ لا
стр. 905
منفعة له في منعه ولا يضره تركه؛ وقال بعضهم: إنما تأويل ذلك في الذي يزرع على مائه فتنهار بئره- ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل مائه إلى أن يصلح بئره؛ والتأويلان قريبا المعنى، والله أعلم.
وأما نهيه ﷺ عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، فإنما هو في بئر الماشية التي تحتفر في البراري والمهامه؛ لأن المواشي لا ترعى إلا حيث تجد المياه، فإذا منعت من الماء، كان منعا لها عن الكلأ.
فصل
فالمياه تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن تكون في أرض ممتلكة.
والثاني: أن تكون في أرض غير ممتلكة.
فأما ما كان منها في أرض ممتلكة، فسواء كانت مستنبطة مثل بئر يحفرها أو عين يستخرجها، أو مواجل يتخذها، أو غير مستنبطة، مثل عين في أرضه لم يستخرجها أو غدير وما أشبه ذلك؛ فهو أحق به ويحل له بيعه ومنع الناس منه إلا بثمن، إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم، ويخاف عليهم الهلاك- إن منعهم فحق عليه أن لا يمنعهم، فإن منعهم، كان لهم مجاهدته، هذا قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه لم يحمل نهيه ﷺ عن منع نقع البئر على عمومه، بل تأوله على ما تقدم، إلا أنه يستحب له ألا يمنع الشرب من العين أو الغدير تكون في أرضه من أحد من الناس من غير حكم يحكم به عليه، وله في واجب الحكم أن يمنع ماءه إذا شاء ويبيحه إذا شاء، واختلف في الرجل يكون له زرع قد زرعه على بئره
стр. 906
فانهارت بئره- ولجاره فضل ماء، فقيل: إنه يقضى له بفضل ماء بئر جاره قيل: بثمن وقيل بغير ثمن؛ فمن حمل الحديث على عمومه، أو تأوله في هذا المعنى، قال: بغير ثمن، ومن تأول في الشريكين في الماء قال: لا يقضى عليه إلا بالثمن؛ والقولان لمالك ﵀؛ وأما ما كان منها في أرض غير متملكة، فلا يخلو من أن تكون مستنبطة أو غير مستنبطة؛ فأما ما كان منها مستنبطا مثل البئر يحفرها في الصحاري والبراري لماشيته أو المواجل، فهو أولى به حتى يروي ماشيته؛ ثم يشترك الناس في الفضل، لقول رسول الله ﷺ : «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ». وهذه البئر لا تباع ولا تورث على وجه الملك، إلا أن الورثة ينزلون منزلة موروثهم في التبدئة بالشرب؛ وإن أوصى بثلث ماله لرجل، فلا يبدؤون بالشرب ولا ينزلون منزلة الموصي في ذلك، هذه رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
فصل
فإن تشاح أهل البئر في التبدئة، فقد قال ابن الماجشون إن كانت لهم سنة من تقديم ذي المال الكثير أو قوم على قوم وكبير على صغير، حملوا عليها، وإلا استهموا، وهذا- عندي إذا استوى تعددهم من حافرها، وأما إن كان بعضهم أقرب إليه، فهو أحق بالتبدئة- قلت ماشيته أو كثرت، ولا حظ فيها لزوجة ولا زوج بالزوجية وهما كالأجنبي إذا لم يكونا من ذلك البطن؛ والبئر والماجل والجب في ذلك سواء عند مالك، خلاف قول المغيرة في أن له أن يمنع فضله ماء جب الماشية، ووجه قوله أن الجب يتكلف فيه نفقة كثيرة وليس بمعين كالبئر التي إذا نزف منها شيء عاد فيه مثله، فلا يحمل أمره على أنه أراد به الصدقة إلا ببيان، وهو في بئر الماشية يحفرها في المهامه، - محمول على أنه إنما أراد به الصدقة؛ فإن ادعى أنه لم يرد الصدقة، وأنه أراد أن يبيع ماءها لم يصدق، ومنع من ذلك
стр. 907
بالحكم؛ ولو أشهد عند حفره إياها أنه إنما يحفرها لنفسه، لوجب ألا يمنع من بيع مائها، وأن يستحقها ملكا بالإحياء على حكم إحياء الموات؛ قال في المدونة: أكره بيع ماء بئر الماشية، وقال في المجموعة لا يجوز ذلك؛ فقيل إنه لا اختلاف من القول، والصحيح أن ذلك إنما يعود إلى الفرق بين أن يحفرها على وجه الصدقة، أو على غير وجه الصدقة- والله أعلم.
فصل
ووجه التبدئة في الشرب في بئر الماشية إذا اجتمع أهل البئر والمارة وسائر الناس بمواشيهم والماء يقوم بهم: أن يبدأ أولا أهل الماء فيأخذوا لأنفسهم حتى يرووا، ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا، ثم دواب المارة حتى يرووا، ثم مواشي أهل الماء حتى يرووا، ثم الفضل لسائر مواشي الناس. وبدأ أشهب دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء.
فصل
فأما إن لم يكن في الماء فضل وتبدئة أحدهم يجهد الآخر فإنه يبدأ بأنفسهم ودوابهم من كان الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا في الجهد تساووا، هذا مذهب أشهب، وعلى ما ذهب إليه ابن لبابة أنهم إذا استووا في الجهد، فأهل الماء أحق بالتبدئة لأنفسهم ودوابهم؛ وأما إن قل الماء جرا أو خيف على بعضهم بتبدئة بعض- الهلاك فإنه يبدأ أهل الماء فيأخذون لأنفسهم ما يذهب عنهم الخوف فإن فضل فضل أخذ المسافرون لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم؛ فإن فضل فضل، أخذ أهل الماء لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم؛ فإن
стр. 908
فضل فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، ولا اختلاف - عندي في هذا الوجه؛ هذا الذي يتحصل عندي من قول أشهب وابن لبابة.
فصل
وأما ما كان منها غير مستنبطة مثل الأنهار والعيون والغدر، فهي لجماعة المسلمين يشتركون في المنفعة بها فيما يحتاجون إليه من الصيد والمرور بقواربهم لحوائجهم ومنافعهم؛ ومن كان يلي النهر من جهتيه بأرضه فله أن ينشئ عليها رحى ويكون أحق بها؛ وأما إن كانت الضفتان لرجلين فليس لأحدهما أن يعمل رحى في جهته وينفذ سده إلى برية صاحبه إلا بإذنه، فإن اجتمعا على عمل الرحى فاشتركا فيها، وإلا اقتسما الماء- فأخذ كل واحد منهما نصفه فعمل فيه رحى- إن قدر على ذلك.
فصل
وذلك بخلاف الصيد ليس لمن على النهر من جانبيه أن يختص بالصيد فيما يوازي أرضه دون جماعة الناس - لو عمل في ذلك الموضع مصائد للحوت بالقصب والخشب وما أشبه ذلك مما يعرفه أهل الاصطياد بدءوا بالاصطياد فيها؛ فإذا نالوا حاجتهم، خلوا بين الناس وبينها يصطادون فيها، وبهذا قال مطرف وابن الماجشون في الواضحة؛ وذلك عندي بعد أن يصير إليهم فيما صادوا بها قدر ما أنفقوا فيها؛ واختلف في الصيد في الغدر التي تكون في ملك الرجل؛ فقال ابن القاسم: ليس لصاحب الأرض أن يمنع أحدا من الصيد فيها،
стр. 909
وقال مطرف وابن الماجشون وسحنون: له أن يمنع الناس من الصيد فيها؛ وروي عن أشهب التفرقة في ذلك بين أن تكون الحيتان تولدت فيها من الماء أو يكون طرح هو فيها حيتانا تولدت منها؛ واختلف أيضا في الخشب التي يمر بها في الأنهار فلا يقدرون على الجواز بها إلا بخرق السداد هل لهم أن يخرقوا السداد ويجوزوا بخشبهم، أم ليس لهم ذلك على قولين؛ ففي سماع حسين بن عاصم من كتاب السداد والأنهار من العتبية؛ أن ذلك لهم؛ وروى مثله سحنون عن ابن القاسم في غير العتبية، وقال محمد بن إبراهيم بن دينار المدني؛ وكتب إليه من الأندلس عن الخشب التي تقطع بالمغرب - عندنا- فتطرح بالوادي، فربما مرت بأصحاب السداد فيمنعونهم من خرق السداد وهم يصلحونه- كما كان؛ قال إن كان خرقهم إياه يضر بأصحاب السد لم أر أن يخرقوا شيئا- وإن كان لا يضر بهم- وهو يصلحونه. لا يخاف عليه حالة من أجل ما خرق صاحب الخشب بعد إصلاحهم إياه، فأرى ألا يمنعوا من خرق ما مروا به- على ما ذكرت لك، وبالله التوفيق.
стр. 910
كتاب المديان
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فدل ذلك من قوله على جواز التداين، وذلك إذا تداين في غير سرف ولا فساد- وهو يرى أن ذمته تفي بما تداين به.
فصل
وقد رويت عن النبي ﷺ آثار كثيرة في التشديد في الدين، منها: ما روى ابن أبي قتادة عن أبيه أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؛ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فلما أدبر الرجل، ناداه رسول الله ﷺ أو أمر به فنودي له، فقال له رسول الله ﷺ كيف قلت؛ فأعاد عليه قوله، فقال له النبي ﵇ نعم، إلا الدين، فإنه كذلك قال لي جبريل ﵇؛» ومنها: ما روي عنه أنه « ﷺ كان جالسا مع أصحابه في موضع الجنائز، إذ رفع رأسه ثم نكسه
стр. 911
ثم وضع راحته على جبهته ثم قال سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد في الدين» أو قال ﷺ : «صاحب الدين مأسور يوم القيامة بالدين» وقال ﵇ «نفس المؤمن معلقة بدينه» أو قال: «ما كان عليه دين حتى يقضى عنه» وقال ﷺ : «من كان هاهنا من بني فلان؟ " فلم يجبه أحد، ثم قالها فلم يجبه أحد ثم قالها فلم يجبه أحد، ثم قالها فلم يجبه أحد؛ فقام رجل، فقال له رسول الله- ﷺ : "ما منعك أن تجيب؛ " فقال خشيت أن يكون نزل فينا من الله قرآن، فقال: "لم أكن لأدعو أحدا منكم إلا إلى خير، ولكن صاحبكم حبس بدين عليه دون الجنة».
«وقال لسعد بن الأطول: " إن أخاك محبوس في دينه فاقض عنه». فيحتمل أن تكون هذه الأشياء إنما وردت فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو فيمن تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به؛ لأنه متى فعل ذلك فقد قصد إلى استهلاك أموال الناس؛ وقد قيل: إن هذا كله كان من النبي ﷺ في الدين قبل أن يفتح الله عليه الفتوحات، وقبل أن يفرض على الناس الزكوات؛ فما أنزل الله تعالى براءة، ففرض فيها الزكوات وجعل منها للفارسي سهما، وأنزل آية الفيء والخمس، فجعل فيها حقا للمساكين وابن السبيل، قال حينئذ النبي ﷺ «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي».
فصل
فكل من ادَّان في مباح وهو يرى أن ذمته تفي بما ادَّان به فغلبه الدين فلم
стр. 912
يقدر على أدائه حتى توفي، فعلى الإمام أن يؤدي ذلك عنه من بيت مال المسلمين، أو من سهم الغارمين من الصدقات، أو من الصدقات كلها- إن رأى ذلك على مذهب مالك، ومن يرى أنه إن جعل الزكاة كلها في صنف واحد، أجزأه، وقد قيل: لا يجوز أن يؤدى دين الميت من الزكاة، فعلى هذا القول إنما يؤدي الإمام دين من مات وعليه دين من بيت المال من الفيء الحلال للفقير والغني.
فصل
وواجب على كل ذي دين أن يوصي بأدائه، فإذا فعل وترك من المال ما يفي بدينه، فليس بمحبوس عن الجنة من أجل دينه؛ وكذلك إن لم يترك وفاء دينه، فعلى الإمام أن يؤديه عنه من بيت المسلمين، أو مما فرض الله في الزكاة للغارمين، فإن لم يفعل، فهو المسئول عن ذلك وليس صاحب الدين بمحبوس عن الجنة من أجل دينه إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى بأدائه بعد مماته.
وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الدين فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» وقال عمر بن الخطاب ﵁: إياكم والدين فإن أوله هم، وآخره حرب.
فصل
ومن كان عليه دين ولم يكن له مال يؤديه منه، فهو في نظرة الله تعالى إلى أن يوسر، ولا يحبس ولا يؤاجر ولا يستخدم ولا يستعمل؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يصح أن يؤاجر فيه. قال ابن المواز حرا كان أو عبدا: مأذونا له في التجارة وهذا قول مالك وجمهور أهل العلم، خلافا لأحمد بن حنبل في قوله: إن المعسر يؤاجر في الدَّين، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ﵀، قول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، معناه إن حضر ذو
стр. 913
عسرة، أو وقع ذو عسرة، فالآية عامة في كل من أعسر بدين، كائنا ذلك الدين ما كان؛ وقد روي عن ابن عباس وقوم من المفسرين أن الآية نزلت في الربا، وإلى هذا ذهب شريح فقال: إن المعسر يحبس في الدين؛ لأن الله قد أمر بأداء الأمانة، والآية في إنظار المعسر إلى أن يوسر، إنما أنزلت في الربا، وإنما قال ذلك شريح ومن قال بقوله؛ لكونها بعقب ذكر الربا، فظنوا أنها فيه وليس ذلك بصحيح لوجهين؛ (أحدهما): أن الربا قد أحبطه الله وأبطله، فكيف يكون فيه نظرة. والثاني: أن القراءة إنما هي: وإن كان ذو عسرة- بالرفع، فلما كان كذلك، علم أنه لم يعن بها صاحب الربا، ولو عنى بها صاحب الربا- كما قال شريح، لقيل: وإن كان ذا عسرة، أي إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، وكذلك في قراءة أبي بن كعب.
فصل
ولو قال الذي قال: إن الآية معطوفة على الربا-: إنها معطوفة على رأس مال الربا، لكان سائغا على هذه القراءة، ولوجب أن يقاس سائر الديون على رأس مال الربا؛ إذ لا فرق بين رأس مال الربا وغيره من الديون، فبان بما أردناه صحة ما ذهب إليه مالك: أن المطالبة بالدين إنما تجب مع القدرة على الأداء، فإذا ثبت الإعسار، فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين؛ لأن الخطاب مرتفع عنه إلى أن يوسر.
فصل
وهذا في المعسر المعدم، إذ ليس كل معسر معدما، وكل معدم معسر؛ فالإعسار أعم من الإعدام؛ فالغرماء على هذا ينقسمون على ثلاثة أقسام:
стр. 914
غريم غني، وغريم معسر غير معدم، وغريم معسر معدم؛ فأما الغريم الغني، فتعجيل الأداء عليه واجب، ومطله به عليه حرام غير جائز؛ لقول رسول الله ﷺ : «مطل الغني ظلم» وأما المعسر الذي ليس بمعدم - وهو الذي يحرجه تعجيل القضاء ويضر به، فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من غير مضرة تلحقه، مرغب فيه ومندوب إليه؛ قال رسول الله ﷺ : «من أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». والآثار في ذلك كثيرة، والمطل بالأداء وهو جاهد فيه غير مقصر ولا متوان، غير محظور عليه إن شاء الله؛ وكان الشيوخ بقرطبة ﵏ يفتون بتأخيره بالاجتهاد على قدر المال وقلته، ولا يوكلون عليه في بيع عروضه وعقاره في الحال، وعلى ذلك تدل الروايات، خلاف ما كان يفتي به سائر فقهاء الأندلس من التوكيل عليه ببيع ماله وتعجيل إنصافه؛ وأمما المعسر المعدم فتأخيره إلى أن يوسر واجب، والحكم بذلك لازم؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فصل
والغريم محمول على الملأ حتى يتبين عدمه - كان قد أخذ في الدين الذي يطلب به عوضا أو لم يؤخذ له عوضا؛ لأنه إن كان أخذ عوضا فهو مال قد حصل إليه، فلا يقبل منه دعوى العدم حتى يبينه؛ وإن كان لم يأخذ له عوضا، فالمعلوم من حال الناس التكسب وطلب المال، فهو محمول على ما يعلم من حال الناس وما جبلهم الله عليه؛ هذا قول أبي إسحاق وغيره، ويدخل- عندي- في هذا الوجه الآخر الاختلاف بالمعنى من مسألة الذي يغيب عن امرأته ثم تطلبه بالنفقة.
فصل
وحبس الغريم إنما يكون ما لم يظهر عدمه ويثبت فقره، والدليل على
стр. 915
إجازة حبسه في هذه الحال، قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. فإذا جازت ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه ولا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار.
فصل
وحبس المديان على ثلاثة أوجه:
أحدها: حبس تلوم واختبار فيمن جهل حاله.
والثاني: حبس من ألد واتهم بأنه خبأ ماله وغيبه.
والثالث: حبس من أخذ أموال الناس وتقعد عليها وادعى العدم، فتبين كذبه؛ إذ لم يعلم أنه جرى عليه سبب أذهب ما حصل عنده من أموال الناس.
فأما حبس التلوم والاختبار في المجهول الحال، فبقدر ما يستبرأ أمره ويكشف عن حاله، وذلك يختلف باختلاف الدين فيما روى ابن حبيب عن ابن الماجشون، فيحبس في الدريهمات اليسيرة- قدر نصف شهر، وفي الكثير من المال أربعة أشهر، وفي الوسط منه شهرين؛ ووجه ذلك أنه يسجن على وجه اختبار حاله، فوجب أن يكون على قدر الحق الذي يسجن من أجله.
وأما حبس من ألد واتهم بأنه خبأ مالا وغيبه، فإنه يحبس حتى يؤدي، أو يثبت عدمه فيحلف ويسرح.
وأما حبس من أخذ أموال الناس وتقعد عليها وادعى العدم فتبين كذبه، فإنه يحبس أبدا حتى يؤدي أموال الناس، أو يموت في السجن؛ وروي عن سحنون أنه يضرب بالدرة- المرة بعد المرة حتى يؤدي أموال الناس، وليس قوله هذا بخلاف مذهب مالك ﵀، فقد قال مالك يضرب الإمام الخصم على اللدد، وأي لدد أبين من هذا؛ فالقضاء بما روي عن سحنون في مثل هؤلاء الذين
следующие страницы →