Полный текст (1 626 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
تكن له فيه منفعة لم يكن للزارع أن يقلعه لقول رسول الله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». ويبقى لصاحب - الأرض لقول رسول الله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق».
وأما الوجه الثاني وهو أن يصدقه في أنه لم يكر منه إلا أنه يدعي أنه حرثها بعلمه فلم يغير عليه ذلك ولا أنكر، فإن اليمين يلزم رب الأرض: ما علم بحرثه إياها إن لم يكن للذي حرث الأرض على ذلك بينة؛ فإن حلف رب الأرض على ذلك، كان له أن يأخذ أرضه ويكون الحكم في الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرث الأرض على ذلك ولم يقلع زرعه وكان عليه في الأرض كراء مثلها، وكذلك إذا كانت للذي حرث الأرض بينة على حرثه إياها بعلمه ومعرفته.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه، فالقول قول صاحب الأرض مع يمينه ما أكراها منه، فإن حلف على ذلك، استحق أرضه وكان الحكم في الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرث الأرض لقد أكراها منه بكذا وكذا، كان الذي ادعى من الكراء قليلا لا يشبه، أو كثيرا أكثر من كراء المثل؛ وإنما كان القول قوله، وإن كان الذي ادعى من الكراء لا يشبه؛ لأن رب الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله، هذا هو المشهور في المذهب خلاف ما وقع في كتاب القراض من المدونة إذا ادعى صاحب المال أنه دفع إليه المال على سبيل البضاعة، وادعى العامل أنه دفع إليه على سبيل القراض، فنكل صاحب المال عن اليمين، فقال: إن العامل يحلف إذا كان مثله يستعمل في القراض وإنما وجب
стр. 842
أن يحلف وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل؛ لأنه إن نكل عن اليمين وجب أن يقلع زرعه.
وأما الوجه الرابع، وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه وحرثها بعلمه ومعرفته، فالقول قول صاحب الأرض يحلف على الوجهين جميعا إن لم يكن للذي حرث الأرض بينة على ذلك، فإن حلف، كان مخيرا بين أن يأخذ منه الكراء الذي أقر به، وبين أن يأخذ أرضه ويأمر الزارع بقلع زرعه؛ وهذا إذا كان للزارع في قلعه منفعة، وأما إذا لم يكن له في قلعه منفعة وكان الحكم يوجب بقاءه لصاحب الأرض، فلا يجوز أن يتركه للمكتري بما أقر به من الكراء، أو بكراء المثل؛ لأنه بيع له بما يأخذ من الكراء، وقد تقدم القول إذا كان للزارع في قلعه منفعة فأراد رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وإن نكل عن اليمين حلف الذي حرث الأرض لقد أكراها بكذا وكذا، قل أو كثر كان يشبه أو لا يشبه، وقد تقدم وجه ذلك؛ فإن نكل عن اليمين أخذ رب الأرض أرضه وإن أبى رب الأرض أن يحلف على الوجهين جميعا، وقال: أحلف ما علمت بحرثه إياها ولا أحلف ما أكريت منه، لم يكن ليمينه على هذا معنى، إلا أن ينكل الذي حرث الأرض عن اليمين؛ لأنه إن حلف لقد أكريتها بكذا وكذا أدى ما حلف عليه وإن لم يشبه ذلك كراءها؛ لأن رب الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله على أن يحلف ما أكريتها منه، حلف ما علم بحرثه إياها أو لم يحلف، فإن نكل الذي حرث الأرض عن اليمين، قيل لرب الأرض ههنا: احلف أنك ما علمت بحرثه إياها وخذ أرضك واقلع الزرع إن شئت.
فصل
وإن أبى رب الأرض أن يحلف على الوجهين جميعا وقال: أحلف ما أكريت منه، ولا أحلف ما علمت بحرثه إياها، لم يمكن من اليمين على ذلك عند ابن القاسم؛ لأنه إذا نكل عن أن يحلف ما علمت بحرثه إياها، وجب أن يحلف الذي حرث الأرض بالله لقد علم بحرثي إياها، وإذا حلف على ذلك كان بمنزلة إذا أقام
стр. 843
على ذلك بينة أو أقر له به رب الأرض، وإذا أقر بذلك رب الأرض أو قامت للذي في حرث الأرض بذلك بينة كانت شبهة توجب أن يكون القول قول الذي حرث الأرض أنه اكتراها منه بكذا وكذا إذا كان يشبه أن يكون ذلك كراء مثلها، فيحلف الذي حرث الأرض إذا نكل رب الأرض عن اليمين أنه ما علم بحرثه إياها على الوجهين جميعا: يقول: بالله لقد علم بحرثي إياها، ولقد اكتريتها منه بكذا وكذا إذا أشبه أن يكون ما ادعى كراءها، فإن لم يشبه أن يكون ذلك كراءها لم يصدق في ذلك، وحلف رب الأرض ما أكراها منه واستحق كراء مثلها، ولم يكن له أن يقلع زرعه إذا حلف الذي حرث الأرض أنه حرثها بعلمه ومعرفته، فإن لم يحلف على ذلك ونكل عنه، كان لصاحب الأرض أن يأخذ أرضه ويقلع الزرع.
فصل
فإن كانت للذي حرث الأرض بينة على أنه حرث الأرض بعلمه ومعرفته ولم تكن له بينة على الكراء، كان القول قوله مع يمينه في الكراء إذا أتى بما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه، لم يصدق وحلف رب الأرض أنه ما أكرى منه، وكان عليه كراء المثل، فإن نكل رب الأرض عن اليمين، كان القول قول الذي حرث الأرض، وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن رب الأرض قد مكنه من دعواه بنكوله، وإن كان الذي أقر به الذي حرث الأرض من الكراء، كراء المثل فأكثر، لم يكن عليه في هذا الوجه يمين، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة ومساواته فيها بين أن تكون للذي حرث الأرض بينة على علمه ومعرفته، أو يأبى اليمين في أن القول قول الذي حرث الأرض مع يمينه في الكراء، إذا أشبه، إنما يريد إذا نكل عن اليمين - على أنه ما حرثها بعلمه ومعرفته بخاص؛ وأما إذا نكل عن اليمين على أنه لم يكرها منه، فالقول قول الذي حرث الأرض وإن لم يشبه. ولا اختلاف في هذا بينهم، إلا ما يقوم من مسألة كتاب القراض، وقد ذكرناها؛ وأما غير ابن القاسم في المدونة، فلم ير حرثه الأرض بعلم ربها شبهة توجب أن يكون القول قوله في مبلغ الكراء، وجعل قول رب الأرض مع يمينه أنه ما أكرى منه أرضه؛ فإذا حلف على ذلك، استحق كراء
стр. 844
المثل، وإن كان الذي أقر به المكتري من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا يكون على واحد منهما يمين، وسواء على قول غيره هذا - علم أو لم يعلم - فلا يحلف على مذهبه إن لم يعلم بحرثه الأرض، وإنما يحلف أنه ما أكراها منه ويستحق كراء المثل، ولو نكل عن اليمين على ذلك، لحلف الذي حرث الأرض، وإن أتى بما لا يشبه.
فصل
وأما القسم الثاني، وهو أن يقوم عليه في ذلك بعد الإبان، فإن صدقه أنه لم يكن منه فله كراء المثل دون يمين ادعى عليه أنه حرثها بعلمه ومعرفته، أو لم يدع ذلك عليه؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه ولم يدع عليه أنه حرثها بعلمه ومعرفته، فإن رب الأرض يحلف أنه ما أكراها منه ويأخذ منه كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرثها على ما ادعاه من الكراء؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه وأنه حرثها بعلمه ومعرفته، فيحلف على الوجهين جميعا؛ فإن حلف أخذ كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين على الوجهين جميعا، أو على أنه لم يكر منه، حلف الذي حرث الأرض على ما ادعى من الكراء، وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا يمين على واحد منهما، وإن نكل رب الأرض أن يحلف ما حرثها بعلمه ومعرفته، حلف الذي حرث على مذهب ابن القاسم: لقد حرثها بعلمه ومعرفته، ولقد أكريتها منه بكذا وكذا، إذا أشبه ذلك، فإن لم يشبه، حلف رب الأرض أنه ما أكرى منه وأخذ كراء المثل، وعلى قول غيره يحلف رب الأرض ما أكراها منه ويأخذ كراء المثل.
стр. 845
فصل في المغارسة
المغارسة تنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون على وجه الإجارة، مثل أن يقول له: اغرس لي هذه الأرض كرما أو تينا أو فرسكا أو ما أشبه ذلك، ولك كذا وكذا، فهذا إن كانت الغروس من عند رب الأرض، فلا إشكال في جوازه، سمى له عدد ما يغرس في الأرض أو لم يسمه؛ لأن ذلك معروف عند الناس، ولا بد أن يصف قدر الغروس في الصغر والكبر؛ لأن المشقة في ذلك مختلفة، إلا أن يدخلا في ذلك على عرف فيستغنى به عن الصفة؛ وأما إن كانت الغروس من عند الغارس فيدخل في ذلك ما دخل مسألة الذي استأجر الأجير على أن يبني له دارا على أن الآجر والجص من عند البناء؛ لأنه يجتمع في ذلك إجارة وسلم، والإجارة والسلم أحكامها مختلفة، إذا كان الأجير بعينه؛ لأن السلم لا بد فيه من ضرب الأجل وتعجيل رأس ماله، والأجير بعينه لا يجوز أن ينقد إجارته إلا بعد شروعه في العمل الذي قد ضرب له الأجل؛ فلا يجوز استئجار الأجير بعينه على الغرس بشرط أن تكون الغروس من عنده إذا كانت لها قيمة إلا بثلاثة شروط، وهي: تعجيل الإجارة، والشروع في العمل، وأن يكون الغرس لا يتم إلا في مدة طويلة يستحق فيها ما تعجل من الغروس في جنب ما تأخر منها؛ وأما إذا أستأجره على الغرس إجارة ثابتة في ذمته على أن الغروس من عنده، ولها قيمة، فذلك جائز؛ لأن حكم الإجارة الثابتة في الذمة حكم السلم، فإن قدم إليه إجارته وضرب للغرس أجلا، مثل أن يقول: أستأجرك على غرس هذه الأرض في شهر كذا بكذا وكذا، والغروس من عندك جاز، وهو معنى قول غير ابن القاسم في المدونة إذا كان ذلك على وجه القبالة ولم يشترط عمل رجل بعينه، فلا بأس بذلك إذا قدم نقده.
والوجه الثاني: أن تكون المغارسة على وجه الجعل مثل أن يقول له: اغرس لي هذه الأرض أصولا تينا أو كرما أو ما أشبه ذلك، ولك في كل ثمرة تنبت كذا وكذا، فهذا جائز على حكم الجعل المحض.
стр. 846
والوجه الثالث: أن يغارسه في الأرض على جزء منها فهذا أجازه أهل العلم قياسا على ما جوزته السنة من المساقاة، فليست بإجارة منفردة ولا جعل منفرد، وإنما هي سنة على حيالها، وأصل في نفسها أخذت بشبه من الإجارة والجعل، فهي تشبه الإجارة في لزومها بالعقد، وتشبه الجعل في أن الغارس لا يجب له شيء إلا بعد ثبوت الغرس وبلوغه الحد المشترط؛ فإن بطل قبل ذلك، لم يكن له شيء، ولا كان من حقه أن يعيده مرة أخرى، وقد قيل: لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب المغارسة: إن المغارسة في الأرض على جزء من الأرض لا تجوز إلا على وجه الجعل بأن لا يلزم المغارس الجعل ويكون له أن يذهب ويترك العمل إن شاء، فعلى هذا لا تكون المغارسة إلا على قسمين، وهي: الجعل والإجارة - كان له نصيب من الأرض أو لم يكن -.
فصل
واختلف إن ثبت منها يسير وبلغ الحد وبطل سائر ذلك أو بطل منه يسير وثبت سائر ذلك، فقيل: إن القليل تبع للكثير، إلا أن يكون الذي ثبت أو بطل له قدر وبال، وإن كان الأقل فلا يكون تبعا ويثبت حقه فيما يثبت ويبطل مما بطل، وهي رواية حسين بن عاصم، وهو الذي يأتي على المشهور من المذهب، فإن المغارسة على جزء من الأرض جائزة على أنها لهما جميعا لازمة، وقد قيل: إن حقه يثبت فيما بلغ، ويبطل فيما لم يبلغ، يسيرا كان أو كثيرا، تبعا كان أو غير تبع؛ وهو الذي يأتي على القول بأن المغارسة في الأرض على جزء منها لا تجوز إلا على وجه الجعل.
فصل
ولا تجوز المغارسة على جزء من الأرض إلا على شروط قد حدها أهل
стр. 847
العلم، من ذلك: أن يكون الحد إلى ما دون الإطعام، واختلف إن كان حدها الإطعام أو إلى أجل من السنين دون الإطعام، أو يسكتا عن الحد في ذلك أو الأجل على قولين، وأما إن كان الحد إلى فوق الإطعام فلا يجوز، وكذلك لا يجوز إن اشترطا أن يكون الشجر أو الغلة بينهما دون الأصل.
فصل
فإن وقعت المغارسة على شيء مما وصفنا أنه لا يجوز باتفاق أو على قول من لا يجيزها فيما ذكرنا فيه الخلاف، فإن ذلك ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن لا يجعل له جزءا من الأصل.
والثاني: أن يجعل له جزءا منه.
فأما إذا لم يجعل له جزءا من الأصل وإنما غارسه على أن تكون الثمرة بينهما، أو الشجر دون موضعها من الأرض فاختلف في ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يحكم لذلك بحكم الكراء الفاسد.
والثاني: أنه يحكم له بحكم الإجارة الفاسدة، وهذا الاختلاف مبني على ما غرسه الغارس من الغرس هل هو على ملكه - أو ملك رب الأرض، فمن علل بأن الغرس على ملك الغارس جعله كراء فاسدا؛ لأنه كان الغارس اكترى منه الأرض إلى أمد غير معلوم بنصف الثمرة التي يغرسها لنفسه في الأرض، أو بنصف الشجرة التي يغرسها فيها لنفسه على أن يدفعها إليه عند بلوغها إلى الحد الذي اشترطاه، وكان الحكم فيه أن يكون على الغارس كراء المثل في الأرض قبل يوم أخذها، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه، ومعنى ذلك: إن كان أخذها منه في وقت
стр. 848
يمكنه وضع الغرس فيه فيها، وقيل: من يوم وضع الغرس فيها وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى عنه، ومعناه عندي من يوم يمكنه وضع الغرس فيه فيها، فلا تكون على هذا رواية يحيى مخالفة لرواية عيسى، خلاف ما كان الشيوخ يحملونها عليه من الخلاف لها، وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب البيان في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب المغارسة، وقيل من يوم أثمرت الشجرة وهو قوله في سماع أبي زيد، وسماع حسين بن عاصم، وتكون له الغلة كلها يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها المكيلة، إن عرفت أو خرصها إن جهلت ويقلع غرسه إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وقيل: إن له قيمة غرسه قائما، قاله يحيى في سماعه من كتاب السداد والأنهار في المعاملة الفاسدة في بناء الأرحى ولا فرق.
فصل
ومن علل بأن الغرس على ملك رب الأرض، جعله إجارة فاسدة؛ لأنه كأن رب الأرض استأجر الغارس على أن يغرس له هذه الأرض بنصف ثمرتها أو بنصف الشجر إذا بلغت الحد المشترط، وكان الحكم فيه أن يكون للغارس على رب الأرض قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض مقلوعا، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه، وتكون الغلة كلها لرب الأرض يرد عليه الغارس ما أخذ منها المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت.
فصل
وأما إذا جعل له جزءا من الأرض على وجه لا يجوز في المغارسة، مثل أن يقول له: اغرس هذه الأرض وقم على الغرس، كذا وكذا سنة، أو حتى تبلغ كذا وكذا، لأجل واحد يكون الإطعام دونه، أو يقول له: اغرسها وقم على الغرس حتى
стр. 849
يثمر أو إلى أجل كذا وكذا مما لا يثمر النخل دونه، أو اغرسها وهي بيني وبينك مبهما من غير حد ولا أجل على مذهب من لا يجيز ذلك؛ ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: أنها إجارة فاسدة يكون على رب الأرض للغارس قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه إياه وقيامه عليه، وتكون جميع الغلة له يرد عليه الغارس ما أخذ منها المكيلة إن عرفت، أو خرصها، إن جهلت! وهذا قول سحنون وهو يأتي على مذهب من علل بأن الغرس على ملك رب الأرض، فكأنه استأجره على غرس جميع الأرض بنصف الأرض والغرس عند بلوغه الحد الذي شرطاه، وبنصف ما أثمر الغرس.
والثاني: أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس فيكون على الغارس فيه قيمته يوم غرسه، وكراء فاسد في النصف الثاني، فيكون على الغارس فيه لرب الأرض كراء مثله يوم أخذها، أو يوم وضع الغرس فيها، أو يوم أثمرت على الاختلاف المذكور في ذلك؛ ويقلع الغارس غرسه، إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا؛ وعلى قول يحيى بن يحيى المتقدم لا يأخذه إلا بقيمته قائما، ويكون جميع الغلة للغارس يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها المكيلة إن عرفت، أو خرصها إن جهلت، وهذا هو قول ابن القاسم في رواية حسين عنه، وهو يأتي على أن الغرس على ملك الغارس.
والثالث: أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس، فيكون على الغارس فيه قيمته يوم غرسه؛ وإجارة فاسدة في النصف الثاني، فيكون فيه على رب الأرض للغارس قيمته مقلوعا يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه إلى وقت الحكم! وقيل: إنه يكون عليه للغارس نصف قيمة الغرس قائما يوم
стр. 850
يحكم فيه من أجل سقيه وعلاجه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وقيل: إنه يكون عليه للغارس قيمة نصف غرسه يوم بلغ وتم، وأجرته من يومئذ في قيامه عليه إلى يوم يحكم فيه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والغلة بينهما في جميع ذلك على ما اشترطاه؛ والصحيح من ذلك ما بدأنا به من أن تكون عليه نصف قيمة غرسه مقلوعا يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم؛ وهذا يأتي على أن الغرس نصفه على ملك الغارس، ونصفه على ملك رب الأرض - ومن الله التوفيق والحمد لله وحده -.
стр. 851
كتاب تضمين الصناع
فصل
في وجه تضمين الصناع
الأصل في الصناع ألا ضمان عليهم وأنهم مؤتمنون؛ لأنهم أجراء وقد أسقط النبي ﷺ الضمان عن الأجراء في الائتمان، وضمنوهم نظرا واجتهادا،
لضرورة
الناس إلى استعمالهم؛ فلو علموا أنهم يؤتمنون ولا يضمنون، ويصدقون فيما يدعون من التلف؛ لتسارعوا إلى أخذ أموال الناس، واجترءوا على أكلها؛ فكان ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال وإهلاكها، وللحق أرباب السلع في ذلك ضرر شديد؛ لأنهم بين أن يدفعوها إليهم فيعرضونها للهلاك أو يمسكوها مع حاجتهم إلى استعمالها فيضر ذلك بهم إذ لا يحسن كل أحد أن يخيط ثوبه ويعمل جميع ما يحتاج إلى استعماله، فكان هذا من الأمور العامة الغالبة التي يجب مراعتها والنظر فيها للفريقين جميعا، فكان الحض في دفعها إليهم على التضمين حتى إذا علم إهلاكها بالبينة من غير تضييع، لم يضمنوا، لإزالة الضرر عنهم، كما إذا لم يعلم الهلاك والتلف ضمنوا لإزالة الضرر عن أهل الأموال. هذا قول مالك ﵀؛ أنهم ضامنون لما غابوا عليه وادعوا تلفه ولم يعلم ذلك إلا بقولهم، ولا ضمان عليهم فيما ثبت ضياعه بالبينة من غير تضييع وتابعه على ذلك جميع أصحابه
стр. 852
إلا أشهب، فإنه ضمنهم وإن قامت البينة على التلف؛ وكذلك الرهن عنده قياسا على العارية، إنها مؤداة - للحديث -، والعلة الجامعة بينهما أنه قبض الرهن لمنفعة نفسه خالصا كما قبض العارية لمنفعة نفسه خالصا؛ وأما الصناع فلا يصح له قياسهم على العارية؛ لأنهم قبضوا السلع لمنفعتهم ومنفعة أرباب السلع، إلا أن لقوله حظا من النظر، فوجه قوله أنه لما وجب أن يضمنوا للمصلحة العامة، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال، لم يسقط الضمان عنهم بالبينة، حسما لباب الذريعة؛ لأن ما طريقه المصالح وقطع الذرائع لا يخصص في موضع من المواضع، أصل ذلك شهادة الابن لأبيه لما لم تجز للذريعة، لم تجز. وإن ارتفعت التهمة في البابين، الفضل: ولأن من ضمن بلا بينة، ضمن وإن قامت البينة؛ أصله الغاصب، ولأن من قبض لمنفعة نفسه فضمن بلا بينة، ضمن وإن قامت البينة، أصله القرض.
فصل
وقول مالك ﵀، وابن القاسم أصح؛ لأن الصانع أجير، فإذا ثبت هلاك ما دفع إليه بغير تفريط، أشبه الصانع الخاص والراعي، ولأن الذريعة قد لا تراعى مع العذر الظاهر، مثل من فاتته الجمعة، فإنا نمنعه أن يصلي الظهر في جماعة، لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع؛ ثم يجوز ذلك لأهل العذر الظاهر كالمرضى والمحبوسين، وكذلك في مسألتنا إذا كان عذر الصانع ظاهرا بإقامته البينة على التلف من غير تضييع، لم نراع معه الذريعة، وفي هذا اختلاف قد ذكرناه وحصلناه وبينا وجهه ومعناه في كتاب البيان في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب الصلاة الثالث.
стр. 853
فصل
وهذا في الصانع المشترك الذي قد نصب نفسه للناس، وأما الصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه للعمل للناس، فلا ضمان عليه فيما استعمل إياه أسلم إليه أو عمله في منزل رب المتاع، وسواء على مذهب مالك استعمل الصانع بأجر أو بغير أجر، وخالفه أبو حنيفة فأسقط عنه الضمان إذا عمل بغير أجر؛ لأنه أشبه عنده المودع، وخالفهما الشافعي وأسقط الضمان عمل بأجر أو بغير أجر، والحجة عليه أن تضمينهم إجماع من الصحابة ﵃؛ لأن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب حكما بتضمينهم، وقال علي: لا يصلح للناس إلا ذلك، وقال يحيى بن سعيد: ما زال الخلفاء يضمنون الصناع، ولم يكن الخلفاء، ليضمنوهم والصحابة متوافرون إلا بعد مشورتهم واجتماع ملائهم على ذلك، وقد ادعوا على علي ﵁ رواية أخرى مثل قولهم، ولم تثبت، ولو ثبتت لحمل ذلك على أنه قد رجع عنها إلى قول الجماعة، وإجماع الصحابة حجة على من بعدهم.
فصل
ومما يحتج به عليهم من طريق النظر: أنهم لما قبضوا السلع لمنفعتهم، لم يقيدوا قولهم في تلفها كالقراض على مذهبهم، والعارية؛ فإن قالوا: إنما ضمن المستعير؛ لأنه إنما قبض لمنفعة نفسه وحده، وليس كذلك الصناع، قبضوا لمنفعة أنفسهم ومنفعة أرباب السلع، قلنا: إنا لا نسلم أنهم قبضوا لمنفعة أنفسهم ومنفعة أرباب السلع، بل إنما قبضوا لمنفعة أنفسهم خاصة بدليل نصبهم أنفسهم لذلك، إلا أن انتفاع المالك شرط في حصول المنفعة للقابض ولو سلمنا اشتراكهم في المنفعة، لانتقض ذلك بالقراض؛ لأنهما مشتركان في منفعته. فإن قالوا: المعنى في تضمين المقارض: أنه تمليك بلا بدل. والجواب عن ذلك: أنه لا يمتنع أن تختلف أسباب الضمان، فيكون في بعضها لذلك، وفي بعضها لعلة أخرى، وهي ما ذكرناه من المصلحة والذريعة.
стр. 854
فصل
وتلخيص هذا الباب وتحصيله على مذهب مالك: أن قابض مال غيره بإذن المالك له على غير وجه الملك لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقبض ذلك لمنفعة نفسه خاصة.
والثاني: أن يقبضه لمنفعة صاحبه خاصة.
والثالث: أن يقبضه لمنفعتهما جميعا.
فصل
فأما الوجه الأول وهو أن يقبضه لمنفعة نفسه خاصة فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقبض ذلك على أن ينتفع به ويرد عينه.
والثاني: أن ينتفع به بتحويل عينه فيرد مثله.
فأما إذا قبضه لينتفع به ويرد عينه، مثل الرهن والعارية، فهو ضامن له إلا أن تقوم له بينة على التلف من غير تعد ولا تضييع، أو يكون مما لا يغاب عليه، وأما إن قبضه لينتفع به ويرد مثله، فهو ضامن له على كل حال كان مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه وذلك كالقرض.
فصل
وأما الوجه الثاني وهو أن يقبضه لمنفعة صاحبه خاصة، فلا ضمان عليه فيه، كان مما يغاب عليه كالعين والعروض أو مما لا يغاب عليه كالحيوان والدور، قبض ذلك على أن يحول عينه كالبضائع، أو على ألا يحول عينه كالودائع، الحكم في ذلك كله سواء.
فصل
وأما الوجه الثالث: وهو ما قبضه لمنفعتهما جميعا فإنه يغلب فيه منفعة
стр. 855
صاحب المال، ويصدق القابض في دعوى التلف كان مما يغيب عليه كالعين والعروض أو مما لا يغيب عليه كالحيوان والدور، قبض ذلك على أن يحول عينه بتصرفه فيه كالقراض أو على ألا يحول عينه كالمستأجر على حمله أو على رعايته أو على استعماله أو ما أشبه ذلك، حاشا الصانع المشترك الذي قد نصب نفسه للعمل للناس والأجير على حمل الطعام، فإنهما لا يصدقان في دعوى التلف فيما يغاب عليه للعلة التي قدمنا ذكرها، وهي الذريعة
ومصلحة العامة.
فصل
وإنما قلنا في أول التقسيم: قبض مال غيره بإذن المالك له؛ لأن قابض مال غيره بغير إذن مالكه ضامن له على كل حال؛ لأنه غاصب أو متعد، وإنما قلنا: على غير وجه الملك؛ لأنه إذا قبضه على وجه الملك: إما بشراء أو صدقة أو هبة أو وصية أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي تنتقل بها الأملاك، فلا اختلاف أيضا أن الضمان منه كان البيع صحيحا أو فاسدا.
فصل
وكل موضع يصدق فيه القابض في دعوى الضياع مثل الوديعة والقراض ورهن ما لا يغاب عليه، أو عارية ما لا يغاب عليه، فإنه يصدق في دعوى الرد إذا قبضه بغير بينة فإن قبضه ببينة لم يصدق في دعوى الرد، هذا هو المشهور المعلوم من قول ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، وقد روى أصبغ عن ابن القاسم أنه يصدق في دعوى الرد. وإن قبضه ببينة، قاله في دعوى المستأجر ضياع العروض التي استأجر، وخالفه أصبغ واعترض عليه بالقراض والوديعة؛ ولا يلزمه اعتراض أصبغ؛ لأنه لا يفرق على هذه الرواية بين القراض والوديعة والشيء المستأجر، بل يرى أن يصدق في ذلك كله، إذا ادعى رده وإن كان دفع إليه ببينة؛ لأنه إذا صدقه في رد الشيء المستأجر، وإن قبضه ببينة، فأحرى أن يصدقه في
стр. 856
الوديعة؛ إذ لا منفعة له فيها؛ وإذا صدقه في الشيء المستأجر فالقراض مثله سواء؛ لأن المنفعة فيهما جميعا لهما جميعا؛ ويشبه أن يفرق بين القراض والشيء المستأجر وبين الوديعة؛ لأن الإشهاد على الوديعة لا وجه له إلا التوثق من عينها، والإشهاد على القراض والشيء المستأجر، يحتمل أن يكون القصد فيه إلى التوثق من الإجارة أو من جزء القراض؛ فيتحصل على هذا في دعوى الرد مع الإشهاد أربعة أقوال:
أحدها: أنه يصدق فيها كلها على رواية أصبغ.
والثاني: أنه لا يصدق فيها كلها على قول أصبغ.
والثالث: الفرق بين الشيء المستأجر وبين القراض والوديعة على ما تأول أصبغ على ابن القاسم.
والرابع: الفرق بين الشيء المستأجر والقراض وبين الوديعة على ما ذكرناه من وجه الفرق في ذلك.
فصل
فإذا صدق في دعوى الرد، فإنه يحلف على كل حال من غير تفصيل؛ وأما في دعوى الضياع فلا يحلف إلا أن يكون متهما على مذهب ابن القاسم، وروى ابن نافع ومحمد بن يحيى السبائي عن مالك: أنه يحلف المتهم وغير المتهم في دعوى الضياع؛ وكان ابن زرب ﵀ يقول: إن المتهم يحلف لقد ضاعت من غير تفريط ولا تضييع، وأن غير المتهم يحلف ما ضيع ولا فرط؛ ولا يحلف على الضياع، وهو قول له وجه من النظر، ولا يفرق في دعوى الضياع بين أن يقبض ذلك ببينة أو بغير بينة.
فصل
وكل موضع لا يصدق فيه في دعوى الضياع فلا يصدق فيه في دعوى الرد إلا في الصناع، فإن ابن الماجشون يرى أن يصدقوا في دعوى الرد إلا أن
стр. 857
يشهد عليهم بالدفع، وإن كان لا يصدقون في دعوى الضياع، ونفى أن يكون مالكا قال: إنهم لا يصدقون في دعوى الرد، والمشهور المعلوم من قول مالك وجميع أصحابه ابن القاسم وغيره، أنهم لا يصدقون في دعوى الرد كما لا يصدقون في دعوى الضياع، وقد قاله ابن الماجشون أيضا في موضع آخر، وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب الوديعة ما يدل على أنه يصدق في رد الرهن إذا قبضه بغير بينة مثل الوديعة وهو بعيد.
فصل
وإذا ادعى الصانع ضياع المتاع الذي استعمل إياه، فإنه يضمن قيمته يوم دفع إليه على ما يعرف من صفته حينئذ، إلا أن يقر أن قيمته يوم ضاع كان أكثر من قيمته يوم دفعه إليه، فيكون عليه قيمته يوم أقر أنه تلف أو يظهر عند الصانع بعد دفعه إليه بمدة، فتكون عليه قيمته يوم ظهر عنده على ما شهد به من قيمته يومئذ؛ وإن كانت قيمته يومئذ أقل من قيمته يوم دفعه إليه، وكذلك الرهن والعارية، وقد وقع في موضع من سماع عيسى من كتاب الرهون أنه يضمن قيمة الرهن، إذا تلف عنده يوم ضاع، وتأويل ذلك عندي على أنه ظهر عنده في الوقت الذي ادعى أنه تلف فيه؛ لأن قيمته يوم ضاع قد تكون أقل من قيمته يوم رهنه إياه فإذا لم يظهر عنده من حين رهنه إياه فلا يصدق في وقت تلفه كما لا يصدق في تلفه ويلزمه قيمته يوم رهنه إياه على ما يعرف من صفته حينئذ، وعلى ما يقر به منها مع يمينه على ذلك، وقد تأول الشيوخ قوله في الرواية: يغرم قيمة الرهن يوم ضاع، أن معنى ذلك إذا لم تعرف له قيمة يوم الرهن فيغرم قيمته يوم ضاع على ما يقر به من الصفة مع يمينه، وهذا بعيد، وتأويلنا الأول هو الصحيح، ويؤيده ما وقع في سماع أصبغ من كتاب الوديعة لابن القاسم وأصبغ.
فصل
فإذا أراد صاحب الثوب إذا ادعى الصانع تلفه، أن يؤدي إليه أجرة عمله
стр. 858
ويضمنه قيمته معمولا، لم يكن ذلك له إلا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل، فيكون لرب الثوب أو يؤدي إليه أجرة عمله ويضمنه قيمة ثوبه معمولا إن شاء؛ على القول الذي يرى أنه إذا قامت البينة على تلفه معمولا، لزمه أداء أجرة العمل، وتكون مصيبته منه، وهو أحد قولي ابن القاسم في كتاب ابن المواز، ألا ترى أنه على هذا القول لو أقام الصانع البينة على أنه قد عمل الثوب وادعى تلفه منه بعد العمل، لوجب على رب الثوب أن يؤدي أجرة العمل ويضمنه قيمة الثوب معمولا، فإذا ادعى ذلك ولم يبينه كان لرب الثوب أن يصدقه في دعواه إن شاء، وعلى ما في سماع يحيى من كتاب الرواحل والدواب في مسألة المستأجر على حمل الطعام يتعدى عليه فيبيعه في الطريق، وما في سماع أصبغ عن ابن القاسم من كتاب تضمين الصناع في القمح ينقص عند الطحان يلزم رب الثوب أن يؤدي أجرة العمل ويضمنه قيمة الثوب معمولا إذا ادعى الصناع ضياعه قبل العمل أو بعده خلاف ما في المدونة.
فصل
وكذلك يضمن الصناع كل ما أتى على أيديهم من خرق أو كسر أو قطع إذا عمله في حانوته، وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا ما كان فيه تغرير من الأعمال مثل ثقب اللؤلؤ ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران أو الثوب في قدر الصباغ، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا ضمان عليهم فيما أتى على أيديهم فيه، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها أو أخذها على غير وجه ما أخذها فيضمن حينئذ؛ ومثل ذلك البيطار يطرح الدابة فتموت من ذلك، أو الخاتن يختن الصبي
стр. 859
فيموت من ختانه، أو الطبيب يسقي المريض فيموت من سقيه، أو يكويه فيموت من كيه، أو يقطع منه شيئا فيموت من قطعه، أو الحجام يقلع ضرس الرجل فيموت المقلوع ضرسه، فلا ضمان على واحد من هؤلاء في ماله ولا على عاقلته في جميع هذا؛ لأنه مما فيه التغرير على ذلك الشيء، فكأن صاحبه هو الذي عرضه لما أصابه، وهذا إذا لم يخطئ في فعله، وأما إذا أخطأ في فعله، مثل أن: يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، أو تزل يد الخاتن، أو القاطع فيتجاوز في القطع، أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقلع غير الضرس التي أمر بها، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: ألا يكون من أهل المعرفة فيغر من نفسه.
والثاني: أن يكون من أهل المعرفة فلا يغر من نفسه.
فأما إذا كان من أهل المعرفة، ولم يغر من نفسه، فذلك خطأ يكون على العاقلة إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون ذلك في ماله. وأما إن كان ممن لا يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن، واختلف في الدية فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن القاسم وأشهب من كتاب السلطان، وقال عيسى بن دينار - من رأيه ذلك خطأ - وهو على العاقلة إن كان الثلث فصاعدا، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ قال في الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه: إنه لا شيء عليه إلا أن يعلم أنه أراد قتله؛ لأن تأويل ذلك أن الدية على عاقلته مثل قول ابن دينار.
فصل
فإن اشترط الصانع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه شرط وكان عليه الضمان، هذا قول مالك ﵀ في المدونة، وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع من العتبية، وينبغي على هذا القول أن يكون له أجر مثله لأنه إنما رضي بالأجر
стр. 860
المسمى، لإسقاط الضمان عنه، وقال أشهب: ينفعه الشرط ويسقط عنه الضمان، فعلى قوله يكون له الأجر المسمى، وكذلك المستعير، والمرتهن، إذا اشترطا ألا ضمان عليهما فيما يغاب عليه، لم ينفعهما الشرط على مذهب مالك وابن القاسم، خلاف قول أشهب؛ لأنه إذا أعمل الشرط في الصناع وأسقط عنهم الضمان، فأحرى أن يعمله في المستعير ويسقط عنه الضمان، وله في بعض روايات العتبية من كتاب العاريات أن الشرط باطل، مثل قول ابن القاسم، والذي يوجبه النظر أن يكون الشرط عاملا في المستعير؛ لأنه إذا أعاره ما يغاب عليه وأسقط عنه فيه الضمان، فقد فعل معه معروفين؛ وكذلك الرهن إذا لم يكن مشترطا في أصل البيع، وإن طاع له بعد عقد البيع، فيتحصل في هذا ثلاثة أقوال، إعمال الشرط، وإبطاله، والفرق بين المستعير والمرتهن بعد عقد البيع، وبين الصانع والمرتهن في عقد البيع.
فصل
وأما إذا اشترط على المستعير والمرتهن الضمان فيما لا يغاب عليه، فقول مالك: إن الشرط باطل، ينبغي إذا اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأسقط عنه بالحكم - أن يلزم الإجارة في استعماله -؛ لأن ذلك قد خرج من حد العارية وسننها إلى باب الإجارة الفاسدة؛ لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا بأن يحرزها في ضمانه، وقد رأيت بذلك رواية عن أشهب حكاها أبو إسحاق التونسي وقال: إن ظاهر ما في المدونة خلاف ذلك، أن الشرط باطل ولا أجرة عليه، وقول أشهب ظاهر، وما ينبغي أن يحمل إلا على التفسير، وقع قول أبي إسحاق في كتاب الرهون من كتابه، وحكى ابن حبيب عن مطرف في ذلك تفصيلا، وهو أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فيلزمه الشرط إن تلف في ذلك المعنى الذي خافه، وإن تلف في سواه، لم يلزمه الشرط؛ وقال أصبغ: لا شيء عليه في الوجهين جميعا، وهو مذهب مالك، وبالله التوفيق.
стр. 861
كتاب الأقضية
ما جاء في الأقضية
انفرد الله ﵎ بالحكم والقضاء بين عباده في الآخرة، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨]. وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ٩٣]. وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤]. وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وصرف ﵎ الحكم والقضاء بينهم في الدنيا إلى من استخلفه في الأرض عليهم من الأنبياء، ومن بعدهم من الخلفاء وأولي الأمر من القضاة والحكام والعلماء، وفرض عليهم العدل بينهم في الحكم، وألا يتبعوا الهوى، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].
стр. 862
وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وقال: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
فصل
وفرض لهم على الناس التسليم والطاعة والانقياد، فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية. وقال تعالى:
стр. 863
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فقارن - تعالى - طاعته بطاعة رسوله ﵇ وبطاعة أولي الأمر من عباده. وقال ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني».
فصل
فمن عصى إماما أو قاضيا أو حكما من الحكام فيما أمر به من الحق أو حكم فيه بوجه العدل، فقد عصى الله ورسوله، وتعدى حدوده، وأما إن قضى بغير العدل، أو أمر بغير الحق، فطاعته غير لازمة، لقول رسول الله ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، إلا أن يخشى أن تؤدي مخالفته إلى هرج أو فساد، فتجب عليه الطاعة على كل حال.
فصل
فالحكم بين الناس بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر. قال ﵎: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال رسول الله ﷺ : «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين». وقال ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». فبدأ بالإمام العادل، وظل الله في هذا الحديث رحمته وجنته.
стр. 864
قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]، وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]؛ ومن كان في ظل الله ورحمته يوم القيامة فهو آمن من هول الموقف وشدته، سالم مما يلحق الناس فيه من الشدة والضيق، وهذه نهاية في الأجر والثواب.
فصل
والجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله : ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وقال رسول ﷺ : «إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله يوم القيامة: رجل ولاه من أمة محمد شيئا ثم لم يعدل فيهم»، وقال ﷺ : «ما من أحد أقرب من الله يوم القيامة بعد ملك مصطفى أو نبي مرسل من إمام عادل، ولا أبعد من الله من إمام جائر يأخذ بحبه» أي يحكم بهواه.
فصل
فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلي بعظيم؛ لأنه قد عرض نفسه للهلاك، إذ التخلص منه على ما ابتلي به عسير؛ روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: وددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي. وروي عن أبي
стр. 865
هريرة أنه قال: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين. وقال أبو قلابة: مثل القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق. وكتب سلمان إلى أبي الدرداء بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي، فإن كنت تبرئ، فنعما لك وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما- متطبب والله.
فصل
فالهروب عن القضاء واجب، وطلب السلامة منه لا سيما في هذا الوقت لازم؛ وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا رجلا ليوليه فأبى، فجعل يديره على الرضى فيأبى حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أي ذلك تعلم خيرا لي؟ قال: ألا تلي، قال: فاعفني. قال: قد فعلت. وقال مالك: قال لي عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء وكراهيته في وجهه، إلا قاضيين سماهما.
فصل
وطلب القضاء والحرص عليه حسرة وندامة يوم القيامة، روي عن النبي- ﵇ أنه قال: «ستحرصون على الإمارة وتكون حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة. فمن طلب القضاء وأراده وحرص عليه، وكل إليه وخيف فيه الهلاك عليه، ومن لم يسأله وامتحن به، وهو كاره له خائف على نفسه فيه، أعانه الله عليه». روي عن النبي- ﵇ أنه قال: «من طلب القضاء أو استعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولا استعان عليه،
стр. 866
أنزل الله ملكا يسدده». وقال ﷺ : «لا تسل الإمارة فإنك إن تؤتها من غير مسألة، تعن عليها، وإن تؤتها عن مسألة توكل إليها».
فصل
فيجب ألا يولى القضاء من أراده وطلبه، وإن تجمعت فيه شروط القضاء مخافة أن يوكل إليه فلا يقوم به ولا يقوى عليه. قال رسول الله- ﷺ : «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده»، ونظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شاب في وفد وَفَد عليه فاستحلاه وأعجبه، فإذا هو يسأله القضاء، فقال له عمر: كدت أن تغرنا من نفسك إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه.
فصل
وللقضاء خصال مشترطة في صحة الولاية، وخصال ليست مشترطة في صحة الولاية، إلا أن عدمها توجب عزل القاضي عن الولاية، وخصال ليست مشترطة في صحة الولاية ولا يوجب عدمها عزل القاضي عن الولاية إلا أنها مستحبة فيها، ويستحب بعدمها عزله عنها، فأما الخصال المشترطة في صحة الولاية، فهي أن يكون حرا مسلما بالغا ذكرا عاقلا واحدا، فهذه الستة خصال لا يصح أن يولى القضاء على مذهبنا إلا من اجتمعت فيه، فإن ولي من لم تجتمع فيه، لم تنعقد له الولاية، وإن انخرم شيء منها بعد انعقاد الولاية، سقطت الولاية، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تلي القضاء المرأة في الأموال دون القصاص، وقال محمد بن الحسن، ومحمد بن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة قاضية على كل حال؛ وأما الخصال التي ليست مشترطة في صحة الولاية إلا أن عدمها يوجب فسخ الولاية،
стр. 867
فهي أن يكون سميعا بصيرا متكلما عدلا؛ فهذه الأربع خصال لا يجوز أن يولى القضاء إلا من اجتمعت فيه؛ فإن ولي من لم تجتمع فيه، وجب أن يعزل متى عثر عليه، ويكون ما مضى من أحكامه جائزة إلا الفاسق الذي ليس بعدل، فاختلف فيما مضى من أحكامه، فقيل: إنها جائزة وهو قول أصبغ، وقيل: إنها مردودة، وهو المشهور في المذهب؛ فعلى هذا القول العدالة مشترطة في صحة الولاية كالإسلام والحرية والبلوغ والعقل والذكورة، على مذهبنا والتوحد.
وأما الخصال المستحبة فكثيرة، منها أن يكون من أهل البلد، ورعا، عالما، يسوغ له الاجتهاد غنيا ليس بمحتاج ولا مديان، معروف النسب ليس بابن لعان ولا ولد زنا، جزلا نافذا، فطنا غير مخدوع لغفلة، ولا محدود في زنا ولا قذف، ولا مقطوع في سرقة، وروي عن عمر بن عبد العزيز منها خمس خصال، وهي: أن يكون عالما بالفقه والسنة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا بالأئمة. يريد أنه يدير الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك، وقيل: باللائمة يريد أنه يقضي بالحق ولا يهابهم فيه، والأول آمن، حليما عن الخصم، مستشيرا لأولي العلم.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يصلح أن يلي القضاء إلا من كان حصيف العقل، شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، قليل الغرة، بعيد الهيبة، لا يطلع الناس منه على عورة؛ ومن الخصال المستحبة على ما يوجبه مذهبنا: ألا يكون أميا، وليس لأصحابنا في ذلك نص، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان، أحدهما: المنع، والآخر: الجواز، والأظهر عنده الجواز؛ لأن إمام المسلمين وسيد المرسلين وأفضل الحاكمين كان أميا، ومن طريق المعنى أنه لا يلزمه قراءة العقود ويجوز أن ينوب عنه في ذلك وفي تقييد المقالات غيره، وأن للمنع من ذلك وجها، لما فيه من تضييق وجوه الحكم، والنبي ﵇ ليس كغيره؛ لأنه معصوم؛ فهذه الخصال المستحبة ينبغي توخيها وبعضها آكد من بعض، فيقدم الذي يجتمع فيه منها آكرها، وقد قال مالك ﵀: لا أرى
стр. 868
خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع فيه منها خصلتان، رأيت أن يولى العلم والورع. قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع، فبالعقل يسأل وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده وإن طلب العقل لم يجده. يريد بالعقل العقل الحصيف.
وأما العقل الذي يوجب التكليف، فإنما هو مشترط في صحة الولاية على ما قدمناه. قال ابن حبيب: ويكون عالما بالسنة والآثار ووجه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام. حكي ذلك عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، قالوا: ولا يصلح أن يكون صاحب رأي لا علم له بالسنة ولا بالآثار، ولا صاحب حديث ولا علم بالفقه والرأي؛ لأنه يخاف من الجهل مثل ما يخاف من الجور.
قال أصبغ: ويعزل الجاهل إلا ألا يوجد غيره، فيقر ويؤمر أن يستكثر من المشورة، ويتفقد أمره في كل حين. قال: وإذا لم يجد الإمام إلا رجلين، أحدهما عدل مأمون لا علم له بالقضاء والسنة، والآخر عالم وليس مثل الآخر في العدالة، فإن كان العالم لا بأس بحاله وعفافه، وإن كان دون الآخر، فليول هذا، وإن كان غير مرضي ولا موثوق به في عفافه وصلاحه، ولعله يقارب ما لا ينبغي، فلا يولى هذا ولا هذا إلا ألا يوجد غيرهما فإن لم يجد غيرهما ولي العدل القصير العلم، وليجتهد وليستشر، وإن وجد من يجمع العلم والعدل، فلا يولى غيره وإن لم يكن من أهل البلد؛ وقال سحنون: وإن كان الرجل العالم فقيرا وهو أعلم من بالبلد وأرضاهم، استحق القضاء، ولكن لا ينبغي أن يجلس حتى يغنى ويقضي عنه دينه، قال: ولا بأس أن يستقضى ولد الزنا ولا يحكم في الزنا، كما أن القاضي لا يحكم لابنه.
فصل
فالقضاة ثلاثة كما روي عن النبي- ﵇: «واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، وأما الذي في النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى بين الناس
стр. 869
على جهل فهو في النار»، وروي عنه- ﵇ أنه قال: «الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، حكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحكم علم فهزل - يعني جار- فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحكم علم فعدل وأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة». وروي عن ابن عمر أنه قال: بلغني «أن القضاة ثلاثة، رجل جار فهو في النار، ورجل تكلف فقضى بما لا يعلم فهو في النار، ورجل علم فاجتهد فذلك ينجو كفافا لا له ولا عليه».
وهذا يرده الحديث، قال رسول الله- ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». وقال إياس بن معاوية للحسن: بلغني أن القضاة ثلاثة، فذكر فيهم: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، فقال الحسن: إن فيما قضى الله علينا من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء الناس. يقول الله سبحانه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فأثنى على سليمان ولم يذم داود.
وقد روي في حديث معاذ بن جبل أن النبي- ﷺ «أذن له أن يجتهد رأيه فيما لم يكن في الكتاب والسنة، قال له لما بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي؟ " قال له: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، قال: ففي سنة رسوله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله».
стр. 870
فإذا اجتهد الحاكم فله أجر الاجتهاد وإن أخطأ باجتهاده. روي عن النبي- ﵇ أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».
فصل
وهذا إذا كان من أهل الاجتهاد، وأما إن لم يكن من أهل الاجتهاد، فهو آثم وإن أصاب باجتهاده لتقحمه وجرأته على الله في الحكم بغير علم.
فصل
فيحكم الحاكم بما في كتاب الله، فإن لم يكن، ففيما جاء عن رسول الله ﷺ إذا صحبته الأعمال؛ فإذا كان خبرا صحبت غيره الأعمال، قضى بما صحبته الأعمال، وهذا معلوم من أصول مالك ﵀ أن العمل مقدم على أخبار الآحاد، وكذلك القياس عنده مقدم على أخبار الآحاد، على ما ذهب إليه أبو بكر الأبهري، فإن لم يجد في السنة في ذلك شيئا، نظر في أقوال الصحابة فقضى بما اتفقوا عليه، فإن اختلفوا قضى بما صحبته الأعمال من ذلك فإن لم يصح عنده أيضا اتصال العمل بقول بعضهم، تخير من أقوالهم ولم يخالفهم جميعا.
وقد قيل: إن له أن يجتهد وإن خالفهم جميعا، وكذلك الحكم في إجماع التابعين بعد الصحابة، وفي كل إجماع ينعقد في كل عصر من الأعصار إلى يوم القيامة؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ولقول رسول الله- ﷺ : «لن تجتمع أمتي على ضلالة»، وأنه قال: «يد الله على الجماعة».
стр. 871
فإذا تضمن الله حفظ الجماعة، لم يجز عليها الغلط والسهو، فإن لم يجد في النازلة إجماعا، قضى فيها بما يؤديه النظر والاجتهاد في القياس على الأصول بعد مشورة أهل العلم، فإن اجتمعوا على شيء، أخذ به، وإن اختلفوا نظر إلى أحسن أقوالهم عنده، وإن رأى خلاف رأيهم قضى بما رأى، إذا كان نظيرا لهم، وإن لم يكن من نظرائهم، فليس له ذلك، قاله ابن حبيب، وهو قول فيه اعتراض.
والصحيح أنه إذا كان من أهل الاجتهاد، فله أن يقضي بما رأى، وإن كانوا أعلم منه؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بإجماع، وإنما يصح له التقليد على مذهب من يرى التقليد ويقول به ما لم يتبين له في النازلة حكم، فإنما الخلاف هل للمجتهد أن يترك النظر والاجتهاد، ويقلد من قد نظر واجتهد أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك له.
والثاني: أن ذلك ليس له.
والثالث: أن ذلك ليس له إلا أن يخاف فوات النازلة، وأما إن لم يكن من أهل الاجتهاد ففرضه المشورة والتقليد، فإن اختلف عليه العلماء، قضى بقول أعلمهم، وقيل بقول أكثرهم على ما وقع في المدونة في الحكاية عن الفقهاء السبعة، والأول أصح. وقيل: إن له أن يحكم بقول من شاء منهم، إذا تحرى الصواب بذلك ولم يقصد الهوى، وله أن يكتفي بمشورة واحد من العلماء، فإن فعل ذلك فالاختيار أن يشاور أعلمهم، فإن شاور من دونه في العلم وأخذ بقوله، فذلك جائز إذا كان المشاور أهل النظر والاجتهاد.
стр. 872
فصل
والاجتهاد بذل الوسع في طلب صواب الحكم، وهذا على مذهب من قال: إن الحق في طرف واحد، وإن المكلف إنما كلف طلب الحق ولم يكلف إدراكه، وهذا مذهب جماعة من أهل العلم؛ وقد استدل جماعة من أصحابنا على أن هذا هو مذهب مالك بقوله: - لما سئل عن اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : مخطئ ومصيب، وهذا لا دليل فيه، لاحتمال أن يريد اختلافهم فيما طريقه العلم، مثل ما وقعت بينهم فيه الحروب، أو يكون معنى قوله: إن منهم من أصاب النص، ومنهم من أخطأه باجتهاده فيما طريقه الاجتهاد، والأول أظهر - والله أعلم.
وأما عن مذهب من قال: إن كل مجتهد مصيب، فالاجتهاد عنده بذل الوسع في إدراك صواب الحكم، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀، وحكى أن هذا هو مذهب مالك واستدل على ذلك من مذهبه بأن المهدي أمره أن يجمع مذهبه في كتاب يحمل عليه الناس، فقال له مالك ﵀: إن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في البلاد، وأخذ أهل كل ناحية عمن وصل إليهم، فدع الناس وما هم عليه؛ فلولا أن مالكا ﵀ رأى أن كل مجتهد مصيب، لما رأى أن يقرهم على ما هو الخطأ عنده، وعلى هذا أصحاب الشافعي.
وقد روي عن أبي حنيفة القولان جميعا، وكذلك فقد روي عن أبي الحسن الأشعري ﵀ القولان جميعا، والصحيح عنه أن كل مجتهد مصيب- وهو الحق والصواب؛ لأن المجتهد إذا اجتهد فيما لا نص فيه ولا إجماع، فأداه اجتهاده إلى تحليل أو تحريم، يعلم قطعا أنه متعبد بما أداه اجتهاده إليه، من ذلك مأمور به، ولا يصح أن يأمره الله تعالى بشيء ويتعبده به وهو خطأ عنده، وقد استدل بعض من ذهب إلى أن الحق في واحد باختلاف المجتهدين في طلب سمت القبلة وهذا غلط بين، إذ ليس اختلاف المجتهدين في الأحكام كاختلاف المجتهدين في طلب سمت القبلة؛ لأن الكعبة في موضع واحد، فمن وافق جهتها باجتهاده فهو مصيب، ومن لم يوافق جهتها فهو مخطئ، لاستحالة كون الكعبة في موضعين، وليس كذلك ما عاد إلى
стр. 873
مسألتنا؛ لأن المجتهدين إذا اختلفا في اجتهادهما فأدى أحدهما اجتهاده إلى تحليل، والثاني إلى تحريم، فكل واحد منهما متعبد في نفسه بما أداه إليه اجتهاده، وليس في ذلك وجه من وجوه الاستحالة؛ لجواز ورود النص من عند الله تعالى به. فإذا جاز ورود النص به من عند الله لامتناع الاستحالة، وقام الدليل على أنه لا يجوز أن يأمر الله أحدا بشيء ويتعبده به- وهو خطأ عنده، وجب القول بتصويب المجتهدين وإن كان من أخطأ سمت القبلة باجتهاده فصل ى إلى تلك الناحية مخطئ الكعبة فهو مصيب عند الله- وإن وقعت صلاته إلى غير القبلة؛ لأن غرضه إنما هو الاجتهاد في طلب السمت لا إدراكه؛ فالمختلفون باجتهادهم في طلب سمت القبلة مصيبون عند الله على هذا المعنى، وهذه جملة كافية لمن بصره الله وأفهمه في بيان صحة القول بتصويب المجتهدين، وهي من المسائل القطعيات.
فصل
فإذا صح القول بتصويب المجتهدين واستحال أن الحق في واحد بقيام الأدلة على ذلك، وجب أن يتأول قول رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» على ما لا ينافي الدليل، فيقول ليس معنى قول رسول الله ﷺ في هذا الحديث: أخطأ أي أخطأ الحق عند الله؛ لأن الحق عنده في جهة ما تعبده به أو إنما معناه أخطأ النص إن كان قد ورد في ذلك نص لم يعلم به، أو أخطأ في الحكم بالمال لمن لم يجب له في باطن الأمر، وذلك ممكن مع الحكم بالنص لا بالاجتهاد، وذلك مثل أن يكون لرجل على رجل حق بشهادة شاهدين عدلين فيهبه له أو يقبضه منه- ولم يعلم الشهود بذلك، ثم يقوم عليه بحقه أو على ورثته بشهادة شهيديه، فإن الحاكم يحكم له بشهادتهما ويعديه بحقه، فيكون مصيبا في الحكم عند الله بحكمه بنص الكتاب مخطئا في دفع المال إلى من لم يجب له فيه حق في باطن الأمر، وإذا احتمل الحديث هذه الوجوه، بطل الاحتجاج به في أن الحق واحد، وكذلك سائر ما يحتجون به ينفصل عنه بوجوه كثيرة من الانفصالات، وليس هذا موضع ذكرها.
стр. 874
فصل
وحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر؛ لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر- وهو الذي تعبد به ولا ينقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من تحليل أو تحريم، قال الله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال رسول الله ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار». وهذا إجماع من أهل العلم في الأموال، واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقدها بظاهر ما يقضي به الحكم وهو خلاف الباطن، فذهب مالك ﵀ والشافعي وجمهور أهل العلم إلى أن الأموال والفروج في ذلك سواء، لأنها حقوق كلها تدخل تحت عموم قول النبي ﷺ : «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار».
فلا يحل منها القضاء الظاهر ما هو حرام في الباطن. وقال أبو يوسف وأبو حنيفة وكثير من أصحابه: إنما ذلك في الأموال خاصة؛ فلو أن رجلين تعمدا لشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده- وهما قد تعمدا الكذب أو غلطا ففرق بشهادتهما بين الرجل والمرأة، ثم اعتدت المرأة، أنه جائز لأحد الشاهدين أن يتزوجها وهو عالم بأنه كاذب في شهادته؛ لأنها لما حلت للأزواج بالحكم في الظاهر، كان الشاهد وغيره سواء؛ لأن قضاء القاضي وحكمه فرق بينها وبين زوجها وقطع العصمة بينهما؛ ولولا ذلك ما حلت لزوج غيره؛ واحتجوا بحكم اللعان وقالوا: معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه، ما فرق بينها وبين زوجها، ولحكم فيه بغير ذلك من وجوب
стр. 875
الحد عليها أو الرجم. قالوا: فلم يدخل هذا في معنى قول النبي ﵇: «من قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا». قالوا: ألا ترى أن من شهد عليه بالنكاح أو بالطلاق وقضى القاضي عليه بذلك، لم يكن له الامتناع منه وجاز الحكم بشهادة الشهود عليه. ولزمه التسليم له كانت فرقته في الظاهر فرقة عامة، فلما كان ذلك دخل فيه الشاهد وغيره، ولهم في ذلك احتجاجات كثيرة لا تصح، والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي رحمهما الله ومن قال بقولهما.
فصل
ويستحب للقاضي الجلوس للحكم في رحاب المسجد الخارجة عنه من غير تضييق عليه في جلوسه في غيرها، ليصل إليه اليهودي والنصراني والضعيف وهو أقرب للتواضع، ولا ينبغي له أن يجلس الفقهاء معه في مجلس قضائه، ولكن يتخذهم مستشارين إذا ارتفع عن مجلس قضائه؛ وهكذا كان عمر بن الخطاب يفعل بأصحاب رسول الله ﷺ . هذا قول ابن حبيب في الواضحة.
واستحب أشهب ألا يقضي إلا بحضرة أهل العلم؛ لكي إن أخطأ في حكمه رد مكانه قبل أن يفوت القضاء به، فلا يقدر على رده إلا أن يخاف الحصر من جلوسهم عنده، أو يشتغل قلبه بهم وبالحذر منهم، وهو اختيار ابن المواز؛ ولا ينبغي للقاضي أن يقضي بين الخصمين- وبه من الضجر أو الغضب أو الجوع أو الهم ما يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير، وما كان من ذلك كله خفيفا لا يضر به في فهمه، فلا بأس أن يقضي وذلك به.
فصل
ويلزم القاضي تحري العدل بين الخصمين عنده فيكون مجلسهما منه واحدا ونظره إليهما سواء، وقد تكلم الناس في آداب القضاة وما يلزمهم أن يلتزموه في أنفسهم وأعوانهم، وبسطوا ذلك في كتبهم، فأغنانا ذلك عن ذكره، وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أصل في الأحكام فيجب تحفظه والوقوف عليه، وهو: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى
стр. 876
عبد الله بن قيس؛ سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا قضيت، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا؛ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة- أمرا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى؛ المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن عليه الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته- والسلام ".
стр. 877
كتاب الشهادات
قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]- أي خيارا عدولا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فصل
وهذه الشهادة تكون في الدنيا ويوم القيامة في الأخرى- على ما أتت به الآثار عن النبي ﵇، فأما كونها في الدنيا، فبيانه: ما روي «أن رسول الله- ﷺ مر عليه بجنازة فقيل لها: خير وتتابعت الألسن بالخير، فقال رسول الله ﷺ : وجبت؛ ومر عليه بجنازة فقيل لها: شر وتتابعت الألسن بالشر؛ فقال رسول الله ﷺ : وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض»، زاد في حديث آخر: «فمن أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار»، وما روي عنه أيضا أنه قال: «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ماذا يتبعه
стр. 878
من حسن الثناء». وأما كونها يوم القيامة، فبيانه: ما روي في الحديث أن النبي ﵇ قال: «يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقال له: من يعلم ذلك؟ فيقول: محمد وأمته، فيأتون فيشهدون له بالتبليغ».
ويروى أن الله تعالى إذا جمع عباده يوم القيامة، كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد بلغته جبريل؛ فيدعى جبريل فيقال له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغت الرسل، فيدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم ربنا؛ فيخلى عن جبريل، ثم يقال للرسل ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا؛ فتدعى الأمم فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق؛ فيقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك؛ فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ فتدعى أمة محمد، فيقال لها: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: نعم- ربنا- شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: - ربنا- كيف يشهد علينا من لم يدركنا؛ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك فقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا،
стр. 879
فيقول الرب: نعم صدقوا " فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فصل
وهذه شهادة صحيحة، لأنهم شهدوا بما علموا بأخبار من علموا صدقه بالأدلة الظاهرة والبراهين القاطعة، ومن هذا المعنى شهادة خزيمة بن ثابت للنبي- ﵇ على الأعرابي أنه اشترى منه الفرس ولم يحضر ولا شهد.
فصل
وكذلك كل من علم شيئا بوجه من الوجوه التي يقع بها العلم، وجب عليه الشهادة به إذا دعي إليها؛ والعلم يدرك بأربعة أشياء فلا يصح لشاهد شهادة بشيء حتى يقع له العلم ويحصل عنده بأحدها، إذ لا تصح الشهادة إلا بما يعلم ويقطع على معرفته، لا بما يشك فيه، ولا بما يغلب على الظن معرفته. قال الله : ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١].
فصل
فأحد الوجوه التي يدرك بها العلم العقل بانفراده، فإنه يدرك به بعض العلوم الضرورية، مثل أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن السماء فوقه والأرض تحته؛ ويعلم به حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره؛ وتصح بذلك شهادته على نفسه، وما أشبه ذلك.
والثاني العقل مع الحواس الخمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة
стр. 880
الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس؛ فيدرك بالعقل مع حاسة السمع الكلام وجميع الأصوات المسموعات؛ ويدرك بالعقل- مع حاسة البصر جميع الأجسام والأعراض والأشخاص المبصرات، ويدرك بالعقل مع حاسة الشم جميع الروائح المشمومات، ويدرك بالعقل مع حاسة الذوق جميع الطعوم المذوقات، ويدرك بالعقل مع حاسة اللمس جميع الملموسات- على اختلافها في اللين والخشونة، وما أشبه ذلك.
والثالث: الأخبار المتواترة، فإنه يعلم بها أخبار البلدان النائية، والقرون الماضية، وظهور النبي، ودعائه إلى الإسلام، وما أشبه ذلك.
فصل
فالعلوم المدركة من هذه الوجوه الثلاثة: علم ضرورة يلزم النفس لزوما لا يمكنها الانفصال منه ولا الشك فيه.
والوجه الرابع: الذي يدرك به العلم هو النظر والاستدلال، والنظر والاستدلال مبني على علم الضرورة، أو على ما بني على علم الضرورة، أو على ما بني على ما بني على علم الضرورة- هكذا أبدا إلى ما أمكن ضبطه، وصح وجوده؛ مثال ذلك أن الإنسان عالم بوجود نفسه- ضرورة فهذا أصل تبنى عليه العلوم الضروريات، فإذا علمت نفسي ضرورة، نظرت هل أنا محدث أو قديم؛ فلا يصح أن أنظر هذا النظر قبل علمي بوجود نفسي، فإذا نظرت، علمت أني محدث بالنظر الصحيح، فالعلم بحدثي علم نظري، مبني على العلم بوجود نفسي الذي هو ضرورة؛ ثم لما علمت أني محدث، نظرت هل لي محدث أو ليس لي محدث؛ فعلمت بالنظر الصحيح أنه لا بد لي من محدث، فهذا أيضا علم نظري مبني على علم نظري، مبني على علم ضروري؛ ثم أنظرُ بعد ذلك أيضا في محدثي: هل
следующие страницы →