← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21741

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (202 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

((ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)) نعم الناس يعجبون بهذا الشخص المخادع الذي لا يُخدع يعجبون به، ما أعقله! ما أحزمه! ما أذهنه! ما أذكاه! إيش من كلام هذا؟ بينما الشخص سليم الصدر، سليم القلب، يقولون: هذا مغفل، وما يدرون ما للبله عند الله ؟ وزيادة الحرص والاهتمام، بل والذكاء في الغالب نقص في الدنيا غالباً، وفي الدين أحياناً، يعني إذا جلست مجلس يضم عشرة عشرين تجد هذا الشخص الذي يقال: ما أعقله! ما أذكاه! كم خرج من خطيئة؟ لأنه ضحك على هذا، وهمز هذا، ولمز هذا، وذاك سليم القلب، سليم الصدر، يمكن خرج سالم ما عليه شيء، فينبغي أن يكون اهتمامنا منصب لما ينفعنا في الآخرة؛ لأن الدنيا مهما طالت فانية، والله المستعان. "ولقد أتى عليّ زمان -يقول حذيفة ﵁ ولقد أتى عليّ زمانٌ ولا أبالي أيُّكم بايعت؟ " أو أيَّكم بايعت؟ ما يهم، أروح لفلان أو علان، الآن إذا طلع الولد يبي يشتري حاجة تقول: روح للمحل الفلاني، ترى المحل الفلاني يمكن يغشك، يمكن يغرك، يمكن يضحك عليك، حذيفة يقول: "ولا أبالي أيكم بايعتُ؟ لئن كان مسلماً رده علي إسلامه" المسلم الذي اعتنق الإسلام يعمل بما دعاه إليه إسلامه، يطبق الإسلام، فلا يغش، ولا يمكر ولا يخدع، "ولئن كان نصرانياً" يعني أو يهودياً أو أي شخص مأذون ببقائه "ولئن كان نصرانياً رده علي ساعيه" الوالي، يخاف من الوالي لعدله، ساعيه الذي أقيم عليه يتولى أموره مع غيره ممن ولاهم الله أمره، يقول: "وأما اليوم -يعني بعد فقد الأمانة- فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً" أفراد من الناس، يعني هم الذين لا يغشون، هم اللي .. ، والله المستعان، نعم. شرح: باب: التعرب في الفتنة: باب: التعرب في الفتنة: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج فقال: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو.

стр. 107

وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة وتزوج هناك امرأة وولدت له أولاداً فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليالٍ فنزل المدينة. حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)). يقول -رحمه الله تعالى-: "باب: التعرب في الفتنة" قبل ذلك هذا سؤال يقول: في الدرس الماضي لم تعلقوا على جملة: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) هذا وقع في آخر الدرس بعد أن تأخرنا جداً، يقول: وتحدث البعض في ذلك. الكلام واضح، "قلت: فما تأمرني؟ " بعد أن قال: ((دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)) قلتُ: يا رسول الله صفهم لنا، قال: ((هم من جلدتنا)) يعني منا ((ويتكلمون بألسنتنا)) يعني بلغتنا، "قلتُ: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) " إمامهم من ولاه الله أمرهم، لا بد من لزوم جماعة المسلمين وإمام المسلمين، ولا يجوز الخروج عليه إلا إذا رئي الكفر البواح، على ما علقت عليه النصوص، إذا رئي الكفر البواح حينئذٍ ساغ الخروج، وأيضاً: ((لا ما صلوا)) ما داموا يصلون لا يسوغ الخروج عليهم بحال، ولو ارتكبوا ما ارتكبوا من ظلم، ما لم يرَ الكفر البواح، وعلى كل حال إذا ارتكبوا من ظلم أو إيثار على ما تقدم عليك أن تؤدي الذي عليك، وتسأل الله -جل وعلا- الذي لك، فمن ولي من أمر المسلمين عليه أن يعدل، وهو مطالب بنصوصٍ كثيرة بالعدل بين الرعية، وأطرهم على الحق، لكن إذا قصر في ذلك فعلى من تحت يده السمع والطاعة ما لم يرَ الكفر البواح. هنا يقول: "باب: التعرب في الفتنة" التعرب: الإقامة في البادية مع الأعراب، التعرب: الإقامة في البادية مع الأعراب، في رواية أبي ذر: "التعزب" التعزب أو التغرب؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 108

نعم فيه رواية: "التغرب" وهذه رواية أبي ذر، وفيه أيضاً: "التعزب" وهو البعد، عزب عن بالي، يعني بعد عن بالي، والتغرب من الغربة والاغتراب، والبعد عن مواطن المدن، فالمعاني متقاربة. التعرب الإقامة في البادية مع الأعراب هذا ظاهر، وهذا أكثر الرواية عليه، التغرب والاغتراب، التغرب رواية أبي ذر، الغربة والاغتراب عن الوطن المأهول إلى مكانٍ خالٍ، وهذا في وقت الفتن، وأما التعزب فهو من البعد أيضاً مأخوذ، من عزب عن باله كذا، يعني بعد عن ذهنه، وما زالت هذه الكلمة مستعملة في سكنى البراري في أوقات الربيع، في أوقات العشب والكلى يقال: فلان عزب، أو آل فلان عزبوا، عازبين، فهي مستعملة، على كل حال أكثر الرواة على التعرب. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا قتيبة بن سعيد –البلخي- قال: حدثنا حاتم -بن إسماعيل- عن يزيد بن أبي عبيد -مولى سلمة بن الأكوع- عن سلمة بن الأكوع" هذا الحديث رباعي، الواسطة بين البخاري وبين يزيد بن أبي عبيد اثنان، وهو يروي عن يزيد بن أبي عبيد بواسطة واحد، المكي بن إبراهيم، وغالب ثلاثيات البخاري بهذا الإسناد، المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، "أنه دخل على الحجاج" المقصود به ابن يوسف الثقفي لما ولي إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير، سنة أربع وسبعين، "فقال -له-: يا ابن الأكوع ارتددت على عقبك" ارتددت على عقبيك: أي سكنت البادية تعربت؟ سكنت البادية بعد أن هاجرت إلى رسول الله ﷺ مخلصاً لوجهه تعالى، ولا شك أن التعرب بعد الهجرة مذموم، بل لا يجوز، من هاجر إلى النبي ﵊ وترك وطنه أن يرجع إليه، ولذا لا يجوز الإقامة للمهاجرين بمكة بعد أن يؤدوا منسكهم أكثر من ثلاث، الحجاج يقول: "ارتددت على عقبيك تعربت؟ قال سلمة: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو"، يعني في الإقامة معهم، أذن لي في الإقامة مع البادية، ولا شك أن هذا من جفاء الحجاج، من جفاء الحجاج يخاطب صحابي جليل بهذا الأسلوب، ارتددت يا ابن الأكوع "ارتددت على عقبيك تعربت؟ " سلمة بن الأكوع أذن له النبي ﵊ فهو مخصوص من النصوص.

стр. 109

"وعن يزيد بن أبي عبيد" بالسند السابق، يعني من طريق قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد، "قال: لما قتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع -من المدينة- إلى الربذة" الربذة كلام أهل العلم فيها قديماً وحديثاً في تحديدها وموقعها متباين تباين كبير، منهم من يقول: موضع بين مكة والمدينة، واستفاض عند كثير من العلماء أنها الأحناكية هي الربذة، لكن الذي حققه من له عناية بالبلدان ثلاثة من الكبار الذين لهم عناية بالمواطن حققوا مكانها وحُدد، والآن هناك إشارات تدل على المكان، وخط يوصل إليها، في معجم الأمكنة الواردة في صحيح البخاري تكلم على موطنها، وذكر أنه ذهب إليه مع اثنين من الكبار، وحددوه بدقة من خلال ما كتب عنها من شعرٍ ونثر، فيراجع هذا المعجم. "وتزوج هناك امرأة وولدت له أولاداً فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة" كم مكث في الربذة؟ أربعين سنة، نحو من أربعين سنة من مقتل عثمان ﵁ إلى سنة أربعة وسبعين، يقرب من أربعين سنة.

стр. 110

ثم بعد هذا يقول: "حدثنا عبد الله بن يوسف" هنا التعرب مذموم في الأصل للمهاجرين، سلمة بن الأكوع أذن له، في الفتنة يأتي حديثها، هنا يقول: "حدثنا عبد الله بن يوسف -التنيسي- قال: أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه" عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة "عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك -بكسر الشين وفتحها لغةٌ رديئة أي يقرب- أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال -رؤوس الجبال- ومواقع -نزول- القطر -الذي هو المطر- يفر بدينه -يفر بسبب دينه- من الفتن)) هذا خير ما يقتنيه المسلم: غنم؛ لحاجته الضرورية إليها، لدرها ونسلها، هذا خير مال المسلم، خير ما يقتنيه المسلم في أيام الفتن، يخرج بها إلى الصحاري إلى القفار يتبع بها شعف رؤوس الجبال، يتتبع مواقع القطر، والسبب في ذلك يترك حياة الترف والدعة والإخلاد إلى الراحة إلى العراء، إلى حر الشمس، وشدة البرد، كل ذلك في سبيل حفاظه على دينه، فاراً بدينه خاشياً من الفتن، يخشى الفتنة على دينه، فدينك دينك، لحمك ودمك، هو رأس مالك، فإذا سلم الدين فالباقي مكسب، فإذا خشي الإنسان على دينه من أن يتعرض لنقصٍ أو ذهاب فالدين الدين، وما عدا ذلك من أمور الدنيا غير مأسوف عليه؛ لأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة، هذه الدنيا بما فيها وما عليها من حطام فاني، ولو رآه الناس شيئاً عظيماً، وتفاخر الناس به، وتقاتلوا من أجله فإنه لا يزن عند الله جناح بعوضة، من يدرك حقيقة هذا الأمر؟ سعيد بن المسيب لما خطبت ابنته للوليد بن عبد الملك ابن الخليفة الواسطة السفير الخطّيب يقول له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، يقول سعيد: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فماذا ترى يقص لي من هذا الجناح؟! ويش بيقص لسعيد بن المسيب من هذا الجناح؟ جاءتك الدنيا بحذافيرها، الدنيا كلها بحذافيرها لا تساوي جناح بعوضة، ويزوج هذه البنت التي طلبت لابن الخليفة يزوجها أحد طلابه فقير لا يجد شيئاً، والله المستعان، نعم. شرح: باب: التعوذ من الفتن: باب: التعوذ من الفتن:

стр. 111

حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام عن قتادة عن أنس ﵁ قال: سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد النبي ﷺ ذات يوم المنبر فقال: ((لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم)) فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: ((أبوك حذافة)) ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً، نعوذ بالله من الفتن، فقال النبي ﷺ : ((ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط)) قال: فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة]. وقال عباس النرسي: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا قتادة أن أنساً حدثهم أن النبي الله ﷺ بهذا، وقال: كل رجل لافاً رأسه في ثوبه يبكي، وقال: عائذاً بالله من سوء الفتن، أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن. وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد ومعتمر عن أبيه عن قتادة أن أنساً حدثهم عن النبي ﷺ بهذا، وقال: عائذاً بالله من شر الفتن. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "باب التعوذ من الفتن" وقد أمر المسلم أن يتعوذ من الفتن، فتن المحيا، ومن فتن الممات في كل صلاة، فيتعوذ بالله من أربع، وجمهور أهل العلم على أن ذلك مستحب، ويرى بعضهم أنه واجب، وقد أمر طاووس ابنه بإعادة الصلاة لما ترك هذا التعوذ بالله من أربع. باب: التعوذ من الفتن.

стр. 112

يقول: "حدثنا معاذ بن فضالة -البصري- قال: حدثنا هشام" يعني الدستوائي "عن قتادة عن أنس ﵁ قال: سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه" يعني ألحوا في السؤال "بالمسألة" يعني بالسؤال "فصعد النبي ﷺ ذات يوم على المنبر" وفي رواية: "المنبر" فقال: ((لا تسألوني -يعني في هذا اليوم- عن شيء إلا بينت لكم)) يعني بما يوحيه الله إليه، وإلا فهو ﵊ لا يعلم من الغيب شيء إلا ما أطلع عليه، قال أنس: "فجعلت أنظر" يعني إلى الصحابة "يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لافٌ رأسه في ثوبه يبكي" لأنهم عرفوا من هذا أن النبي ﵊ غضب، وتسببوا في غضبه ﵊ حينما ألحفوا في المسألة، وألحوا وأحفوه، "فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ -بدأ رجل هو عبد الله بن حذافة- كان إذا لاحى -خاصم أحد حصل نقاش بينه وبين أحد ونزاع وخصام- يدعى إلى غير أبيه". . . . . . . . .

стр. 113

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (٥) الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير ((في هذا اليوم، وفي هذه الساعة عن شيء إلا بينت لكم)) يعني بما يوحيه الله إليه، وإلا فهو ﵊ لا يعلم من الغيب شيء إلا ما أطلع عليه، "قال أنس: "فجعلت أنظر" يعني إلى الصحابة "يميناً وشمالاً، وكل رجلٍ رأسه في ثوبه يبكي" لأنهم عرفوا من هذا أن النبي ﵊ غضب، وتسببوا في غضبه ﵊ حينما ألحفوا في المسألة، وألحوا وأحفوه، "فإذا كل رجلٍ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ -بدأ رجل وهو عبد الله بن حذافة كان إذا لاح، خاصم أحد، حصل نقاش بينه وبين أحد ونزاع وخصام يدعى إلى غير أبيه، يشكك في نسبته إلى أبيه، يقال: أنت أبوك فلان، وليس حذافة، "فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة" يعني حذافة بن قيس، "ثم أنشأ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "رضينا بالله رباً" لما رأى الغضب في وجه النبي ﵊ قام عمر، وهو صاحب المواقف، وفي هذا منقبة له ﵁ وأرضاه-، "رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً" بما جاء به من وحي، واكتفينا بذلك عن السؤال، ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] دعوني، ((ذروني ما تركتم)) لأن بعض الأسئلة يولد إجابات تحمد عقباها فيها. . . . . . . . . فمن سأل عن شيء فحرم بسبب مسألته جاء الوعيد في حقه .... ، "نعوذ بالله من سوء الفتن" هذا من كلام عمر ﵁، "فقال النبي ﵊: ((ما رأيتُ في الخير والشر كاليوم قط)) " ما رأى في الخير فيما رآه في الجنة، حينما صورت له دون الحائط، وما رأى في الشر قط كاليوم فيما رآه في النار، حينما صورت له دون الحائط.

стр. 114

"فقال النبي ﵊: ((ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما)) " والقدرة الإلهية لكشف الحجب، وإن كثفت، وإن بعدت صالحة، ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [(٢٠) سورة البقرة] ((حتى رأيتهما دون الحائط)) يعني بيني وبين الحائط، وحصل له أن رأى النار، وهو في صلاة الكسوف وتكعكع ﵊ تأخر وتقدم، المقصود أن مثل هذه الأمور مما يجب تصديقها والتسليم بها؛ لأن هذه الأمور لو ترك المجال لعقل ابن آدم الضعيف ما استوعبها، لكن على المسلم أن يرضى ويسلم، فيما صح عن نبيه ﵊. قال قتادة يعني في السند السابق معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام عن قتادة: "يذكر هذا الحديث عند هذه الآية"، هذا الحديث يقرن بهذه الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] يعني جاء الجواب من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فجيد أن جاء الجواب مطابق لما يريده السائل، لكن لو تصور أنه قال: أبوك فلان، غير أبوه الذي ينتسب إليه، كيف يكون وقعه عليه؟ فمثل هذه الأمور التي مشت، ودرج الناس عليها، واستفاض بين الناس أن فلان هو ابن فلان، لا ينبغي التنقيب عنها، ولا التشكيك فيها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] فيذكر الحديث مع هذه الآية كالسبب لنزولها، وكالتفسير لها.

стр. 115

"وقال عباس -هو ابن الوليد- النرسي قال: حدثنا يزيد بن زريع" هذا معلق، وصله أبو نعيم في مستخرجه، "قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا قتادة أن أنساً حدثهم أن نبي الله ﷺ بهذا" يعني بما ذكر، "وقال: ((كل رجلٍ لافاً رأسه في ثوبه يبكي)) " يعني يخشى العقوبة، الذي يغضب النبي ﵊ يغضب الله، وإذا غضب الله عاقب، وقد تعجل العقوبة، وإن أجلت فالأمر أشد، يعني أجلت ليوم القيامة، وادخرت لصاحبها فالأمر أعظم، "قال كل رجلٍ منهم: عائذاً بالله من سوء الفتن، أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن" شك الراوي هل قال كل واحد اسم الفاعل عائداً، وهو يعمل عمل فعله، أو بالفعل أعوذ بالله من سوء الفتن؟ وفي بعض الروايات: "من شر الفتن"، "وقال لي خليفة بن خياط" يقول البخاري: "وقال لي" هذا معلق وإلا موصول؟ يعني لو قال البخاري: وقال خليفة بن خياط يحتمل، والخلاف معروف، لكن وقال لي ابن خياط، هذا موصول بلا شك، لكن هل هو مروي على سبيل التحديث أو على سبيل المذاكرة؟ بعضهم يقول: إنه مذاكرة، لكن لا دليل معه على ذلك، إنما العدول عن حدثنا وقال لي تفنن في العبارة.

стр. 116

"وقال لي خليفة بن خياط: حدثنا يزيد بن ذريع حدثنا سعيد أبي عروبة ومعتمر. . . . . . . . . عن أبيه" سليمان بن طرخان التيمي "عن قتادة أن أنساً حدثهم عن النبي ﷺ بهذا، وقال ﷺ : ((عائذاً بالله من شر الفتن)) " لما قالوا كل قال: عائذاً بالله من شر الفتن، قال النبي ﵊: ((عائذاً بالله من شر الفتن)) ولما قال عمر ﵁: "نعوذ بالله من شر الفتن" قال النبي ﵊: مثل ذلك، وهذا الشاهد: التعوذ من الفتن، وليس المراد بالفتن فتنة الإنسان في ماله وولده، هذه أمرها سهل تكفرها الصلوات، لكن الفتن التي هي تحطب الدين من الشرك فما دونه، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور] زيغ في أديانهم، هذا خطر عظيم، فالفتن اليسيرة فتنة الإنسان في ماله، فتنة الإنسان في ولده، فتنة الإنسان .... ، أمرها يسير تكفرها الصلوات، لكن الكلام في الفتن التي تقدح في الدين، هذه هي التي ينبغي أن يستعيذ منها الإنسان، ويحرص أشد الحرص أن لا يعرض نفسه لها، نعم. باب قول النبي ﷺ : ((الفتنة من قبل المشرق)): حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر فقال: ((الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) أو قال: ((قرن الشمس)). حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)). حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا أزهر بن سعد عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: وفي نجدنا؟ قال: ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)).

стр. 117

حدثنا إسحاق الواسطي قال: حدثنا خلف عن بيان عن وبرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثاً حسناً، قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة] فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان النبي ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: باب قول النبي ﷺ : ((الفتنة من قبل المشرق)) وهذا من أعلام نبوته ﵊، جميع الفتن على ممر التاريخ مصدرها من المشرق. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثني عبد الله بن محمد -وهو المسندي الجعفي- قال: حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني عن معمر بن راشد عن الزهري عن سالم عن أبيه" الزهري محمد بن شهاب عن سالم -بن عبد الله بن عمر- عن أبيه، وهذا مما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، هذا قول الإمام أحمد ﵀، يقول: إن هذا هو أصح الأسانيد. وجزم ابن حنبل بالزهري ... عن سالم أي عن أبيه البرِ

стр. 118

"عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر فقال: ((الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا)) " وأومأ بيده إلى المشرق ((من حيث يطلع قرن الشيطان)) أو قال: ((قرن الشمس)) في رواية: ((قرنا الشيطان)) بالتثنية، فقيل: إن له قرنين حقيقةً، وقيل: ناحيتا رأسه "أو قال: ((قرن الشمس)) " حاجبها، حينما يطلع حاجبها قرنها، حينما يطلع جانبها الأول، فالشيطان مقارنٌ للشمس في مطلعها وفي مغربها، فالشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، لماذا؟ ليكون سجود عبدة الشمس له؛ لأن هناك من يعبدها، ولذا جاء النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، في حديث عقبة بن عامر يقول: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي، وأن نقبر فيهن موتانا، حينما تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب" هذه الأوقات الثلاثة المضيقة النهي فيها شديد، فعلى المسلم أن لا يصلي في هذه الأوقات الثلاثة، ولا ذوات الأسباب، بقي من أوقات النهي الوقتان الموسعان: بعد طلوع الصبح إلى .... ، ومن صلاة العصر إلى قبيل الغروب، المضيق من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة، حينما تكون الشمس في كبد السماء، وحين تميل الشمس إلى الغروب، تتضيف للغروب حتى تغرب، والأوقات المنهي عنها عن الصلاة من طلوع الشمس ومن طلوعها حتى ترتفع، ولاختلاف النهي شدةً وخفة جعل أهل العلم هذين الوقتين وإلا بإمكان القائل أن يقول: لماذا لا نقول: وقت واحد من طلوع الصبح إلى أن ترتفع في وقت واحد؟ لماذا هذا؟ لأن النهي أشد، فهما وقتان، وقت وسع، والنهي فيه خفيف، ووقت مضيق، والنهي فيه شديد، ولذا يرى جمعٌ من أهل العلم كابن عبد البر مثلاً وابن رجب أن النهي عن الصلاة في الوقتين الموسعين لا لذات الوقتين، وإنما هو من باب الاحتياط إلى الوقتين المضيقين؛ لئلا يسترسل الإنسان، يصلي بعد طلوع الصبح حتى تطلع الشمس، فيقع في الحرج في الوقت المضيق، ولئلا يسترسل في الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فيقع في الوقت المضيق، لكن نهي عن الصلاة بعد الصبح، ونهي عن الصلاة بعد العصر من باب الاحتياط لهذين الوقتين

стр. 119

المضيقين؛ لأن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان، نهي عن الصلاة قبل ذلك احتياطاً، المسألة يعني بسطت في كتابات كثيرة، فنقتصر منها على هذا. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا قتيبة بن سعيد البلخي قال: حدثنا ليث عن نافع عن ابن عمر" الليث هو الإمام ابن سعد عن نافع مولى ابن عمر "عن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل" حال كونه مستقبل "المشرق" جهة المشرق؛ لأن أهله في ذلك الوقت أهل كفر، "يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) " وهذا في معنى ما سبقه.

стр. 120

ثم قال: "حدثنا علي بن عبد الله" يعني ابن المديني "حدثنا أزهر بن سعد –السمان- عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ : ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: وفي نجدنا؟ )) " ما أجاب النبي ﵊ "قال: ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)) " يقول الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض" يقول الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد: ما ارتفع من الأرض" مثل هذا الحديث يستغله ... يريد .... في هذه البلاد، وفي أهلها، وفي الدعوة المباركة، دعوة التجديد التي قامت على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بمناصرة الإمام محمد بن سعود، ولذا تجد كثير من المناوئين لهذه الدعوة يرددون مثل هذا الحديث، وأن المقصود به نجد، وأهل نجد الموجودة هذه، التي هي بهذا الاسم، أولاً: النجد كل ما ارتفع من الأرض نجد، هذا الأصل في التسمية، كل من ارتفع من الأرض يسمى نجد، ونجد التي أشار إليها النبي ﵊ في كلام الشراح قاطبة قالوا: "باديةَ العراق ونواحيها" وتجد بعض المناوئين يسمي أهل هذه البلاد بالقرنيين، نسبة إلى قرن الشيطان، ولا شك أن هذا تلبيس، يعني الاشتراك في الاسم هل يعني هذا اشتراك في الحقيقة؟ لا يلزم، لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة والحد، فالمناوئون لهذه الدعوة المباركة، ولأهل هذه البلاد، هذه الدعوة التي قامت على تجريد التوحيد وتصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، لا بد أن يشرق بها ناس عاشوا وارتزقوا على هذه البدع، فقالوا ما قالوا والله الموعد، لكن الاشتراك في الاسم لا يعني الاشتراك في الحقيقة، الخطابي هل هو من أهل هذه البلاد حينما يقول هذا الكلام؟ من بُست في أقصى المشرق، الخطابي، نعم. طالب:. . . . . . . . .

стр. 121

يعني كون النبي ﵊ يخبر عن شيء، يعني هل أهل العراق يمكن ينفون مثل هذا الكلام؟ هذا هو الواقع، الخطابي من أقصى المشرق من بست، ويقول: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده باديةَ العراق" فنجد المذكورة في هذا الحديث، وما جاء في معناه ليس المراد بها المسماة بهذا الاسم، وإن اشتهرت بهذا الاسم، وعرفت به، لكن الأصل في النجد أنه كل ما ارتفع نجد. في الدعوة التي دعاها النبي ﵊ بالبركة لأهل الشام ولأهل اليمن، لا شك أن الشام بلادٌ مباركة، وفي مطلع سورة الإسراء ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [(١) سورة الإسراء] كل ما حول المسجد الأقصى مبارك، وجاءت النصوص الكثيرة في اليمن، ومدح أهل اليمن، و ((الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية)) فمثل هؤلاء يستحقون الدعاء، وليس معنى هذا أنه إذا لم يدعُ لأحد أنها بلاد شر، لا يعني أنها بلاد شر، نعم تكون لهذه البلاد التي دعي لها مزية بالبركة، مكة والمدينة، مكة حرمها الله، والمدينة حرمها النبي ﵊، وهما أفضل البقاع، والمدينة فيها لأواء، وفيها شدة، ولا يصبر على لأوائها إلا من يسكنها ومن يصبر على لأوائها يستحق الشفاعة، على كل حال كونها في شدة وفيها لأواء، ومكة. . . . . . . . . أقدس البقاع في وادٍ غير ذي زرع، هل ينقص من قدرها أنها ليست بذات زرع؟ والزرع كله في الشمال والجنوب وغيره، بل هذه الدنيا الجمال اللي يسمونه جمال الطبيعة، الكفار بها أحق، لماذا؟ لأن هذه الدنيا هي جنة الكافر، والمسلم سجنه الدنيا، يدخر له نصيبه كامل، ولذا تجدون مثل هذه الأمور من جمال الطبيعة، وجمال الجو، وطيب الهواء تجدون أكثر من يتمتع به، ويرتع فيه غير المسلمين، ولا يضير المسلمين هذا أبداً لا يضيرهم؛ لأن أجورهم تدخر لهم يوم القيامة، يدخر لهم ذلك في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.

стр. 122

يعني كون بعض الناس إذا سافر يمين وشمال إلى بلاد الكفر، يأتي معجب ومفتون، يعني هل هذا مبرر أن الله لا يريد الخير للمسلمين؟ لا، الدنيا. . . . . . . . . يحب ومن لا يحب، لكن الدين لا يعطيه إلا من أحب، فقوله: ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) لا شك أن هذه البركة، وهذه الدعوة ظهر أثرها فيما بعد في تلك الجهات، "قالوا: وفي نجدنا؟ " وعرفنا المراد بنجد في قول الخطابي وغيره، قال: ((اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هنالك -أو هناك- الزلازل والفتن)) يعني غالباً، وإلا قد توجد الزلازل في غيرها، ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج من جهة المشرق، والدجال، وغير ذلك من العلامات الكبار للساعة، ((وبها يطلع قرن الشيطان)) لا شك أن الشمس تطلع من المشرق، وقرن الشيطان، أو قرنا الشيطان مصاحبان لطلوع الشمس.

стр. 123

ثم قال ﵀: "حدثنا إسحاق الواسطي" في رواية إيش؟ ابن عساكر: "حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال: حدثنا خلف" هذه رواية، وفي كثيرٍ من الروايات: خالد، ولعله هو الصواب، والمراد به خالد بن عبد الله الطحان، "عن بيان -بن بشر- عن وبرة بن عبد الرحمن -الحارثي- عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثاً حسناً" يعني فيه ما يدخل السرور من بشارة، تسرنا، حسنة، "قال: فبادرنا إليه رجل" جاءت تسميته بأنه حكيم، "فقال: يا أبا عبد الرحمن -هذه كنية ابن عمر- حدثنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة] " هذا الرجل ساق هذه الآية ليحتج بها على مشروعية القتال في الفتنة، رداً على من ترك ذلك، واعتزل في الفتن كابن عمر وسعد بن أبي وقاص، وجمع من الصحابة اعتزل، فأراد أن يحتج هذا الرجل على ابن عمر لماذا تعتزل، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [(١٩٣) سورة البقرة]؟ فقال ابن عمر: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ ثكلتك أمك: يعني عدمتك أمك، وهذه كلمة يدعى بها على الشخص، ولا يقصد بها الدعاء، وإلا قد جاء من قوله ﵊: ((ثكلتك أمك يا معاذ)) الدعاء على معاذ، "ثكلتك أمك، إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين" وهنا القتال الدائر في الفتنة بين مسلمين، "إنما كان محمد ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة" يفتنون ويعذبون ليرتدوا عن دينهم هذه هي الفتنة، الفتنة الشرك، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [(١٩١) سورة البقرة] الفتنة التي هي الردة أشد من القتل، يقول: "وكان الدخول في دينهم فتنة" نتيجة التعذيب يرتدوا عن دينهم، هذه هي الفتنة، وحينئذٍ: قاتلوا المشركين حتى لا تكون فتنة بحيث يعذبون المسلمين فيردوهم إلى دينهم، يقول ابن عمر: "وليس كقتالكم على الملك" يعني ابن عمر ترجح عنده أن يعتزل؛ لأنه قتال بين مسلمين، وعلى ملك، على الدنيا، هذا فيما ظهر لابن عمر، وظهر لسعد بن أبي وقاص، وفي العزلة مندوحة، لكن إذا ظهر رجحان الكفة، وترجح الحق مع

стр. 124

طائفة، وإن كانت الطائفة الأخرى. . . . . . . . .، لكن نصيبها من الحق أقل، ماذا يسمون في عرف الشرع؟ الطائفة المرجوحة، ((عمار تقتله الفئة الباغية)) إذا ترجح عندك بحيث لا يحصل عندك أدنى شك أن الحق مع فلان، هل يسوغ للناس كلهم أن يعتزلوا، ويترك الناس يتطاحنون ويتقاتلون؟ لا، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] لا بد من السعي إلى الصلح، لا بد أن يكون السعي إلى الصلح أولاً، إن لم يفد الصلح، وما رضي أحد من الأطراف في التنازل ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [(٩) سورة الحجرات] لا بد من قتال البغاة، ولو ترك البغاة وشأنهم، وقيل: هذه فتنة نعتزل، نعم إذا اشتبه عليك الأمر فالسلامة لا يعدلها شيء، إذا ترجح عندك بالأدلة الشرعية أن الحق مع هذه الفئة، وأن الفئة الثانية باغية، عليك نصر الفئة الأقرب إلى الحق، يعني نفترض المسألة في علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع- أيهما أقرب إلى الحق عند أهل السنة والجماعة؟ علي ﵁، والأدلة التي تدل على ذلك كثيرة جداً، والخوارج يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق، أو أولى الطائفتين بالحق، و ((عمار تقتله الفئة الباغية)) إذاً الرجحان رجحان الكفة مع علي، لا بد من نصر من رجحت كفته، وإلا لو ترك الأمر بين الناس يقتتلون، وكل واحد قال: أنا أعتزل الفتنة، تزداد الفتن، ولا ينقطع دابر الشر، من لم يتبين له الأمر، ولم يترجح لديه هذا ولا هذا، فسعد بن أبي وقاص اعتزل، عبد الله بن عمر اعتزل، يعني خيار الصحابة، مع أن الأمة مأمورة بأن تقف مع صاحب الحق بالآية، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] نعم القتل والقتال ليس بهدف شرعي، لا بد من الصلح، لا بد من المساعي السلمية، لوقف هذا القتل والاقتتال، لكن إذا لم تنجح المسائل السلمية ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [(٩) سورة الحجرات] حتى ترجع إلى أمر الله، ولذا يقول: "ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمدٌ ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في

стр. 125

دينهم فتنة" يعني هذه الآية نزلت فيمن تعرض لأن يفتن في دينه فيكفر، هذه فتنة، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [(١٩١) سورة البقرة] كون الإنسان يعرض نفسه لمثل هذا خوفاً على دينه أن يفتن، وأن يقتل، الفتنة أشد من القتل، لكن في ديننا سعة، ولله الحمد. إذا أكره الإنسان على الكفر وإلا يقتل؟ جاء في حقه ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [(١٠٦) سورة النحل] يجيب إلى ما يطلبون، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، فالإكراه وما ينطق به مما لو كان في حال السعة يكفر به، هو في مثل هذه الحالة في حال الإكراه هو معذور، يقول: "وليس كقتالكم على الملك" هذا رأي ابن عمر أنه رأى أن هذا القتال بين علي ومعاوية، وأنصار علي وأنصار معاوية إنما هو من أجل الملك، ومن أجل الدنيا، ومعروف أن ابن عمر وعزوفه عن الدنيا، وسعد بن أبي وقاص لما جاءه ولده، وهو في قصرٍ له بالعقيق، قال له: الناس يقتسمون الدنيا، وأنت جالس هنا؟! بما أجاب؟ أجاب بالحديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) السلامة لا يعدلها شيء، لكن مثل ما قلنا: إنه إذا ترجحت كفة أحد الطرفين فقاتلوا التي تبغي، الفئة الباغية لا بد من .. ، الصلح هذا أول ما يبدأ به الصلح ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] إن لم تنجع المساعي السلمية والصلح، حينئذٍ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [(٩) سورة الحجرات] كم باقي من الوقت؟ انتهى، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الدرس الثاني: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب الفتنة التي تموج كموج البحر" وقال ابن عيينة عن خلف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن.

стр. 126

"باب الفتنة التي تموج كموج البحر" يعني تضطرب كاضطراب البحر عند هيجانه، "وقال ابن عيينة –سفيان- عن خلف بن حوشب –الكوفي-: كانوا -يعني السلف- يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن" يعني عند نزولها وحدوثها، "قال امرؤ القيس" بن عابس الكندي، كذا جزم المؤلف ﵀، وجزم المبرد في الكامل، والسهيلي في الروض وشرح السيرة أن الأبيات لعمرو بن معدِ كرب: "الحرب أول ما تكون فتية" الحرب مؤنثة، وقد تذكر، "أول ما تكون فتية" شابةً قوية، "تسعى بزبنتها لكل جهول" في رواية سيبويه: "ببزتها" أي لباسها الجيد، جاء زيد في بزةٍ، يعني في لباسٍ حسن وجيد. الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزبنتها لكلِّ جهولِ الجهول: هو الغمر الذي يمكن أن يخدع، ويؤثر عليه، فهذه الحرب وهذه الفتن تستشرف أمثال هؤلاء، ثم إذا كثر هؤلاء، وتأثر بعضهم ببعض دخل فيها من غير اختيار كل من حولها. الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزبنتها لكلِّ جهولِ "حتى إذا اشتعلت" هاجت "وشب ضرامها" ارتفع اشتعالها، تشبيهاً لها بالنار، وبين الحرب والفتن والنار ارتباط وثيق، فالحروب توقد لها النيران، حتى إذا اشتعلت هذه الفتنة والرحب، وأشعلت النيران من أجلها، وشب ضرامها، ارتفع اشتعالها في الجو "ولت" إذا اشتعلت واشتبك الناس "ولت عجوزاً غير ذات حليلِ" مقبلة شابة فتية، ثم إذا اشتبك الناس وتورطوا "ولت عجوزاً غير ذات حليلِ" لا يرغب أحدٌ في الزواج بها، ليست بذات حليل؛ لأن من يوقد النيران، ويشعل فتيل الحرب، ويؤجج الفتن بين المسلمين هذا لا يرغب فيه أحد؛ لأنه يكون سبباً للمصائب والحوادث والكوارث، مثل هذا شبهه الشاعر بالعجوز التي ليست بذات حليل، وذات زوج؛ لأنه لا يرغب فيها، لكن لما كانت مقبلة شابة استهوت الجهال، فاقتحموا غمراتها، فلما التحم الجهال وكثروا دخل فيهم من غير اختيار، أقحم فيها واقتحم من ليسوا من الجهال، فعمت الجميع، فلما تورطت الناس واشتبكوا ولت وأدبرت عنهم، لا أحد يرغب فيها؛ لأنها عجوزٌ شمطاء. ولت عجوزاً غير ذات حليلِ ... شمطاء. . . . . . . . .

стр. 127

والشمط: اختلاف أو اختلاط الشعر الأبيض بالأسود، اختلاط الشعر الأبيض بالأسود، "شمطاء ينكر لونها وتغيرت" أي تبدل حسنها قبحاً، "مكروهة للشم والتقبيلِ" ولذا لا يرغب فيها أحد؛ لأنها عجوز شمطاء، قبيحة المنظر، قبيحة الرائحة، مكروهة للشم والتقبيل، من يريدها مثل هذه؟ وهذا مطابق لهذه الفتن، وهذه الحروب لا شك أنها تقبل فتية نشيطة، يستشرف لها الجهال والأغمار، ثم يدخل فيها غيرهم، ثم إذا اشتبكت والتحمت ولت شمطاء، وقد يكون وجه التشبيه من وجهٍ آخر أن الناس فيهم قوة وشباب وحماس ونشاط في أول الحرب، ثم إذا طال أمد هذه الحرب تركتهم الحرب، وقد صاروا في وضعٍ يشبه هذه الشمطاء، تبعثرت أحوالهم، وتفرق اجتماعهم، فلا يرغب أحدٌ في السكنى معهم؛ لأن هذه الحروب أخذت مأخذها منهم. ثم قال الإمام ﵀: "حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي -حفص بن غياث- قال: حدثنا الأعمش -سليمان بن مهران- قال: حدثنا شقيق -وهو ابن سلمة أبو وائل- سمعت حذيفة بن اليمان يقول: "بينا نحن جلوس عند عمر" حديث حذيفة في الفتن ... ، على كل حال الأبيات الثلاثة التي فاتت الفائدة منها، ومن التمثل بها في أوقاتِ الفتن، الفائدة من ذلك الحذر من الدخول في هذه الفتن، والاغترار فيها، والمشاركة فيها؛ ليكون الإنسان على ذكرٍ من نهايتها، هي في بدايتها تستهوي الأغرار والجهال، ومن لديه حب الاستطلاع، ومعرفة ما سيؤول إليه الأمر، هؤلاء تستهويهم، فيذكر الإنسان بالعواقب قبل الدخول في أوائلها؛ لأنه إذا دخل في أولها، وتورط فيها فالنتيجة حتمية، ومعلومٌ أن مثل هذا يكون في الفتن التي بين المسلمين مما لا يترجح فيه إحدى الكفتين.

стр. 128

ثم بعد ذلك حديث حذيفة: "بينا نحن جلوسٌ عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟ " الفتنة، الابتلاء، الامتحان، الاختبار، قال حذيفة في علامات النبوة من الكتاب: قال رسول الله ﷺ هنا قال حذيفة الضمير يعود إلى حذيفة قال، وفي علامات النبوة من الكتاب فيما تقدم قال رسول الله ﷺ فهو مرفوعٌ إلى النبي ﵊، وإن أوقف على حذيفة: ((فتنة الرجل في أهله)) وتكون بالميل إليهم بحيث يأتي بسبب ذلك بعض ما لا يحل له، يفتتن بأهله، يميل إليهم، يحبهم، وهذه المحبة قد تورث في بعض الأحوال تقديم طاعتهم، وتحقيق رغبتهم فيما لا يرضي الله ، هذه فتنة، ((وماله)) بحيث يستهويه الطمع في الكسب إلى أن يكتسب المال من غير حله، فيأخذه من غير حله أو يصرفه في غير مصرفه الشرعي، هذه فتنة، فتنة المال، المال ورود وصدور، إيرادات ومصروفات، فتنة المال تكون في إيراده من غير وجوهه الشرعية، وفتنة المصرف في أن يصرف في غير ما أباحه الله ، ((وولده)) بحيث يحمله فرط محبته لولده على التراخي عن كثيرٍ من أعمال الخير، أو مزاولة بعض ما لا يحل، فالولد مبخلة، مجبنة، قد يبخل بما أوجب الله عليه ملاحظة لولده، قد يطلب منه ولده شيئاً فلا يستطيع الحصول عليه إلا من وجوهٍ غير مشروعة، هذه فتنة، فهذه فتن، فتنة الرجل في أهله، وفي ماله، وفي ولده، فتنته أيضاً في جاره، في سوء الجوار مع جاره، في حسد جاره، المفاخرة مع جاره، هذه الفتن تهون عن الفتن التي تموج كموج البحر، تهون، قال: "هذه تكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" الصلاة ((الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، العمرة إلى العمرة، رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن)) شريطة أن تجتنب الكبائر، فالتي تكفرها الصلاة ورمضان، والعمرة، والأمر والنهي هذه الصغائر، وأما الكبائر فلا بد من التوبة منها، ولذا جاء القيد: ((ما اجتنبت الكبائر)) ((ما لم تغشَ كبيرة)) ما اجتنبت الكبائر، وما لم تغشَ كبيرة، فهذه الأعمال الصالحة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [(١١٤) سورة هود] والمراد بذلك عند أهل

стр. 129

العلم: الصغائر، كما في القيود التي ذكرنا ما اجتنبت الكبائر، وما لم تغشَ كبيرة، هذا واضح في أن المراد من السيئات الصغائر. في قوله -جل وعلا-: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [(٣١) سورة النساء] مجرد اجتناب الكبائر كفيل بتكفير الصغائر، فقد يقول قائل: هذه الصغائر كفارتها الصلاة، فماذا بقي لرمضان؟ وماذا بقي للعمرة؟ وماذا بقي لاجتناب الكبائر؟ قد يقول قائل: ارتكب صغيرة، وصلى وانتهى، نقول: هذه الأعمال الجليلة تكفر الصغائر، فإذا أتت على الصغائر كلها خففت من الكبائر، لكنها لا تكفرها بحيث تذهب أثرها بالكلية، وقد يرفع له للعامل بها درجات، إذا لم توجد الصغائر، لكن لا يكاد ينفك من يغشَ الكبائر من الصغائر، فمن عمل كبيرة واحدة، وأصر على كبيرة، أو على كبائر لا بد أن توجد عنده الصغائر بكثرة، فهذا الكلام وإن كان افتراضي إلا أن هذا جوابه، هو افتراضي لكنه في الواقع الذي يزاول الكبائر لن ينفك عن الصغائر؛ لأنه بها يبدأ، والشيطان يستدرجه أولاً بالإكثار من المباح، ثم يوقعه في المكروهات، إذا استرسل في المباحات، ثم بعد ذلكم يبدأ بصغائر الذنوب، الشيطان لن يتركه حتى يخرج من دينه إن استطاع، فهو إذا استرسل معه في ذلك حمله على الكبائر، بعد أن يتجاوز مرحلة الصغائر، ولا شك أن من غشى كبيرة مرة في عمره مثلاً، وهو محافظ دينه بحيث لا يغشى الصغائر مثل هذا في الغالب أنه يوفق لتوبة، أن مثل هذا يوفق لتوبة نصوح؛ لأن الذي يعوق عن التوبة هو الاسترسال في المعاصي، والاعتماد على سعة رحمة الله، والأمن من مكر الله، فإذا تاب التوبة تهدم ما كان قبلها، فعلى كل حال هذه الأعمال جاءت بهذا السياق للحث عليها، الحث على الصلوات والصدقة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورمضان، والعمرة، وغير ذلك من الأعمال الصالحة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [(١١٤) سورة هود].

стр. 130

"قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن أسألك عن الفتنة التي -تضطرب- تموج كموج البحر" واضطرابه عند هيجانه، هذه الفتنة التي ينبغي أن يهتم بها، وإلا الفتن التي ذكرت في أهله وماله وولده وجاره، هذه ينبغي للإنسان أن يحتاط فيها، لكن المسألة أولويات، ينبغي أن يهتم بما هو أعظم منها، ثم يلتفت إليها، فيحتاط للأعظم قبل أن يحتاط للأسهل، والدين لا شك أنه وإن كان الكل شرعٌ من عند الله إلا أن فيه كبائر، فيه موبقات، وفيه صغائر، فيه فسوق، فيه عصيان، وهي متفاوتة، نعم إذا نظرنا إلى جانب من عصي وهو الله فانتهاك أمره ونهيه كبير من هذه الحيثية، لكن جاءت النصوص على أن الذنوب متفاوتة، فعلى الإنسان أن يحرص على اجتناب الكبائر، يحرص أشد الحرص على كبائر الذنوب والموبقات فلا يقربها، ثم بعد ذلكم يلتفت إلى هذه الصغائر. طيب، لو واحد عنده تجارة ووقع في شيء من الشبهات في هذه التجارة، فجاءه شخص يعرضه، يا أخي هذه الشبهات ما لك ولها، أنت الآن كراعٍ يرعى حول الحمى، يمكن أن يرد عليه يقول: هذه فتنة مال، الأمر سهل، المشكلة في الفتن التي تموج موج البحر؟ لا، لكن في هذا الظرف الذي فيه السؤال، القصد من السؤال بيان الفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر، وليس معنى هذا أن الإنسان إذا ذكر بما يحصل منه بسبب أهله وماله وولده يقول: الأمر سهل، هذه تكفرها الصلوات، الإشكال والله في الفتنة التي تموج .. ، وإلا أليست هذه معاصي؟ إذا كانت معاصي أنت مأمور باجتنابها، لكن الآن الحديث بصدد شيء محدد، يعني شخص أشكل عليه مسألة في الزكاة، فتأتي تحدثه عن الصيام، يقول لك: دعنا الآن من الصيام أنا عندي مشكلة قائمة الآن في الزكاة، هل معنى هذا التقليل من شأن الصيام؟ ليس معناه، إنما هو بصدد السؤال عن الفتنة التي تموج موج البحر؛ لأهميتها ولشدة الخوف والحذر منها، وليس معنى هذا التقليل من شأن فتنة المال، أو فتنة الأهل والولد والجار.

стр. 131

شاع على ألسنة بعض الناس وبعض الكتاب أن الدين فيه قشور، وفيه لباب، وفيه كذا، لا، الدين كله لبٌ خالص، كله لب، فما أمرت به فعليك أن تفعل، على تفاوت في الأوامر، أنت تؤمر أمر استحباب، وتؤمر أمر وجوب، هذا لا يقاوم هذا، فتقدم فعل الواجب، تنهى نهي تنزيه، وتنهى نهي تحريم، اجتنب الجميع، لكن إذا كان الخيار إما هذا وهذا فاجتنب الأشد. "ولكن أسألك عن الفتنة التي تضطرب كاضطراب البحر عند هيجانه، فتموج كموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين" حذيفة صاحب سر النبي ﵊، أفضى إليه ببعض الأشياء فاهتم وعني بأحاديث الفتن، وسمى له النبي ﷺ بعض المنافقين، فأخبر وطمأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه ليس عليه منها بأس، وهذا مما تلقاه من النبي ﵊، أمين السر، إيش يسمونه الآن؟ الأمين عموماً، إيش يسمونه؟ سكرتير يسمونه، المقصود أن هذا مما أفضى به النبي ﵊ لحذيفة.

стр. 132

"قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً" أي لا يخرج منها شيء في حياتك، "إن بينك وبينها باباً مغلقاً فلا يخرج منها شيء في حياتك" ولم يفصل، إيثاراً لحفظ السر، فلم يصرح لعمر بما سأله عنه، وإنما كنى عنه كناية، "إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ " ما قال: يا عمر أنت الباب الحائل بين الفتن وبين الأمة، كنى كناية، قال: "بينك وبينها باب مغلق، فقال له عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر" وهذا عمر، وكسره قتله ﵁ وأرضاه-، "قال عمر: إذاً لا يغلق" الفتن إذا بدأت لا تنتهي، إذا كسر الباب خلاص، "قلت: أجل، قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أعلم أن دون غد ليلة" أي أعلم ذلك علماً ضرورياً، يعلم ذلك علماً ضرورياً، يقطع به، كما أقطع بأن دون الغد ليلة، "وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط" يعني ما هو بتوقعات، أو تحليلات صحفية، مبنية على ظنون وأوهام، حدثونا عن المستقبل بناءً على ما فهم من حديث تحدث به فلان أو علان، هذا عمن لا ينطق عن الهوى، الحديث ليس بالأغاليط، ليس بالأحاجي، وليس بالتوقعات ولا بالأوهام، "فهِبنا" من الذي يقوله؟ أبو وائل، ومن معه، بينا نحن جلوس عند عمر "فهبنا أن نسأله من الباب؟ فأمرنا مسروقاً فسأله"، فهبنا أن نسأله، نسأل حذيفة من الباب؟ "فأمرنا مسروقاً" بن الأجدع المعروف "فسأله فقال: من الباب يا حذيفة؟ فقال: عمر ﵁" وبقتله بدأت الفتن في زمن عثمان ﵁، حتى استشرت هذه الفتن واشتعلت، وماجت، واضطربت، ووقع الخلاف بين الصحابة في زمن عثمان إلى أن قتل عثمان ﵁، الخليفة الراشد، العابد الأواه، الصائم القائم، المشهود له بالجنة، ثالث الخلفاء، زوج بنتي الرسول ﵊، مناقبه وفضائله لا يمكن إحصائها، وقد أجرى بعض المعاصرين حساب لما أنفقه في سبيل الله بأرقامنا أو أعدادنا فقال: إنه يقرب من المليار، خليفة راشد ((وما على عثمان ما فعل بعد اليوم)) ويقتل في داره بين أهله، صائم، يقرأ القرآن، كبير السن، فوق الثمانين، فتنة، الفتن أول ما تكون يستشرب لها الناس إلى أن تصل

стр. 133

إلى هذا الحد، ويصعب على أهله الدفاع عنه، وعلى من حوله من الصحابة في بلد الخلافة، مع قرب العهد بالنبوة، يعني ربع قرن، خمسة وعشرين سنة بعد النبي ﵊، ويصعب دفنه مع أصحابه في البقيع، ويؤجل دفنه أيام ﵁ وأرضاه- هذه نتائج الفتن، قد يقول قائل: نحن سمعنا حروب تطحن يمين ويسار، وقبل هذا الزمن وأزمان على مدى التاريخ، يا أخي هذه إزهاق أرواح، أين العقول؟ من أجل حطام الدنيا تزهق الأرواح؟ نعم، إذا بدأت الفتنة لا تنتهي حتى تأتي على الرطب واليابس.

стр. 134

ثم قال الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا سعيد بن أبي مريم -سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي- قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى الأشعري قال: خرج النبي ﷺ إلى حائط من حوائط المدينة" هو بستان أريس الذي فيه البئر، الذي سقط فيه خاتم النبي ﵊ من أصبع عثمان ﵁، قريبٌ من قباء، يقول أبو موسى: "وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه" يعني على باب الحائط، "وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي ﵊" حاجب للنبي ﵊، "ولم يأمرني" يعني تطوع من أبي موسى، تبرع، حفظاً للنبي ﵊، هذه طريقة الصحابة -رضوان الله عليهم- معه ﵊، فيكون بواباً، سبق في مناقب عثمان ﵁ أنه ﷺ يعني أمر أبا موسى بذلك، بأن يكون حارساً، بواباً، حاجباً، فالاحتمال للتوفيق بين الروايتين: أنه فعل ذلك تبرعاًَ من غير أمر، ثم أمره النبي ﵊، "فذهب النبي ﷺ وقضى حاجته، وجلس على قُفِّ البئر" يعني على حافة البئر، أو الدكة التي حول البئر، "فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر" كشف النبي ﵊ عن ساقيه ودلاهما في البئر، "فجاء أبو بكر يستأذن" في الدخول على النبي ﵊، "فقلت، يقول أبو موسى فقلت له: اثبت، وقف مكانك "كما أنت حتى أستأذن لك، فوقف" أبو بكر ﵁، هذا التصرف، ما دام باب عليه حاجب لا بد من الاستئذان، ما قال: أنا أقرب منك إلى الرسول ﵊، أنا بنتي مع الرسول، أنا صحبت النبي، أنا أول الصحابة، أنا أفضل الصحابة، لا، وقف حتى استأذن له، "فوقف فجئت إلى النبي ﷺ فقلت له: يا نبي الله أبو بكر يستأذن عليك" وهذا يؤيد أن نهاية أمره في الحجابة أنه مأمور، وإلا لو وقف من تلقاء نفسه تبرع، هل يستطيع أن يمنع أحد؟ تبرع من عنده، فلعله تبرع أولاً من غير أمر النبي ﵊ خشية أن يهجم

стр. 135

على النبي ﵊ ما يؤذيه من عدوٍ، أو سبع، أو ما أشبه ذلك، أما أن يحجب مثل أبي بكر وعمر لا بد أن يكون بأمره ﵊، "فدخل فجاء عن يمين النبي ﷺ فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر -اقتداءً بالنبي ﷺ ، فجاء عمر يستأذن ليدخل على النبي ﵊، فقلت: كما أنت" اثبت، كما أنت في مكانك، قف في مكانك حتى أستأذن لك النبي ﵊، "فقال النبي ﵊: ((ائذن له وبشره بالجنة)) " قد قال في حق أبي بكر: ((ائذن له وبشره بالجنة)) فقال له ذلك أبو موسى، وأذن له إلى آخره.

стр. 136

"فجاء عن يسار النبي ﵊" جلس أبو بكر عن يمين النبي ﵊ وعمر عن يسار النبي ﵊ "فكشف عن ساقيه" كما فعل النبي ﵊ وأبو بكر، "فدلاهما في البئر فامتلأ القُف" حافة البئر امتلأت، ما تستوعب أكثر من الثلاثة، امتلأت بالنبي ﵊، وصاحبيه، "فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك" يعني قف كما أنت كما قال لصاحبيه حتى أستأذن لك، "فقال النبي ﷺ : ((ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه)) " ما قال لعمر: معها بلاء، مع أنه مقتول، لكن ليست الظروف التي احتفت بقتل عمر مثل الظروف التي احتفت بقتل عثمان، عمر يصلي فجاء عدو فطعنه، وهذه نهايته ﵁، كما لو مات على فراشه، لكنه فاز بالشهادة، لكن يختلف عن هذا عما احتف بمقتل عثمان ﵁، شيء يعتصر القلب، يدمي القلب، قتل في داره، امتحن، وسلط عليه سفهاء أوباش، لا قدم لهم ثابتة في الإسلام، بمحضر المهاجرين والأنصار، بدار الهجرة، في بيته، مصحفه في حجره، صائم، سلط عليه هؤلاء السفهاء، وأعانهم من أعانهم ممن دخل في الفتنة، ومطلبهم وما نقموا عليه إلا أنه ولى بعض الولايات لأقاربه ﵁ وأرضاه-، هذا الذي ينقم على عثمان، ولى بعض أقاربه بعض الولايات، فنقموا عليه ذلك، الناس مأمورون عند الجور الواضح، والظلم الظاهر مأمورون بالصبر والاحتمال، وعدم شق عصا الطاعة ((أدوا الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم)) بس لمجرد أنه ولى بعض أقاربه، ولى بعض أقاربه يقتل في بيته صائم يقتل، هم طلبوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسب إليه، لكنه ولي بإجماع الصحابة، ولم يثبت عنه، أو لم يقترف ما يعزل من أجله، وأهل العلم يختلفون في الإمام إذا تم اختياره من قبل المسلمين، هل له أن يخلع نفسه؟ أو هذه أمانة تحملها لا بد من القيام بها؟ وحينئذٍ تكون تعينت عليه، هي تعينت عليه، فجمعٌ من أهل العلم عندهم أنه لا يجوز أن يخلع نفسه، وعثمان ﵁ راعى المصلحة، يعني ماذا يتصور المدينة تغلو، تغلي غليان، وتضطرب، وتموج بالفتنة والإمام قائم، فكيف لو

стр. 137

تنحى الإمام؟ ماذا سيكون؟ " ((معها بلاءٌ يصيبه)) فدخل فلم يجد معهم مجلساً، فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلاهما في البئر، فجعلت أتمنى أخا لي -أبو موسى؛ لأنه كل من استأذن قال: ((بشره بالجنة)) - فكنت أتمنى أخاً لي، وأدعو الله أن يأتي" لكي يصيب هذه الدعوة ((بشره بالجنة))، يصيب هذه البشارة، أخوه أبو بردة، اسمه عامر، أو أبو رهم، المقصود أنه نصح ﵁ وأرضاه- لأخيه، وتمنى لأخيه ما يسعد به في الدنيا والآخرة، لكن هو القدر، ما أراد الله -جل وعلا- أن يحضر مع هؤلاء، من يذكر أنصح شخص لأخيه، أبر شخص بأخيه؟ موسى ﵇، الذي سأل لأخيه النبوة، والآن يتقاتل الإخوة على لا شيء، على شيء يسير من حطام الدنيا، يتهاجر الإخوة علشان كلمة، والله المستعان، ناس ينتسبون إلى العلم، كلاهما من أهل العلم، يتقاطعون ويتهاجرون سنين طويلة، لا شك أن هذا من كيد الشيطان وتلبيسه، يزين له هذا، ويبرر له هذا، مع ما جبلت عليه النفوس من عدم التنازل، لو تنازل هذا عن شيء يسير، وذاك عن شيء يسير التقت القلوب، وصفت، والله المستعان. "قال ابن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم" فتأولت ذلك، أي اجتماع الصاحبين بالنبي ﵊ وانفراد عثمان، "تأولت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا -يعني في الحجرة- وانفرد عثمان ﵁" بالبقيع. ثم قال ﵀: "حدثنا بشر بن خالد اليشكري"، المقصود أن البخاري ساق هذه القصة، لما فيها من الإشارة إلى الفتنة والبلاء الذي يصيب عثمان ﵁، ولا شك أنها ماجت كموج البحر في المدينة، واضطرمت، واشتعلت، واضطربت كاضطراب البحر، ثم توالت الفتن والمحن على الأمة بين المسلمين أنفسهم في كثيرٍ من بقاع الأرض، في عصورٍ متتابعة إلى قيام الساعة؛ لأن الباب كسر. ثم قال: "حدثني بشر بن خالد اليشكري قال: أخبرنا محمد بن جعفر -غندر- عن شعبة" إيش علاقة محمد بن جعفر بشعبة؟ هو من أخص الآخذين عن شعبة، لماذا؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 138

ما هو بربيبه؟ شعبة ما هو بزوج أم غندر، إذاً له خصوصية تمكنه من الاختلاط، وليس فيه خصوصية النسب التي تزهده فيه، وإلا أخص الناس بالعالم أهله، وهذه سنة إلهية، أزهد الناس بالعالم، أزهد الناس بالعالم أهله وجيرانه، والسبب ظاهر؛ لأن الناس يرون هذا العالم محتشم ما يخرج إليهم إلا بمظهرٍ لائق ويراه أولاده وأهله على أوضاعٍ قد .. ، وفي أحوال وظروف، يعني المخالطة والمجالسة تجعل الإنسان يزهد بصاحبه، وأيضاً لئلا يقول هذا العالم أو يخيل لهذا العالم: أنه نفع أولاده، أو يستطيع أن ينفع، أو يستطيع .. ، لا تستطيع إلا بأمر الله ، لو كانت المسألة استطاعة لكان أولى الناس بنفعك أولادك وأهلك.

стр. 139

"عن شعبة بن الحجاج عن سليمان بن مهران الأعمش قال: سمعت أبا وائل -شقيق بن سلمة- قال: قيل لأسامة بن زيد: ألا تكلم هذا؟ يعني عثمان ﵁ فيما أنكر الناس عليه من تولية أقاربه، "قال: قيل لأسامة بن زيد: ألا تكلم هذا؟ " قيل: ألا تكلم هذا؟ يعني الخليفة، فيما أنكر عليه، أنكره الناس عليه من توليته أقاربه، "قال: قد كلمته" إيش معنى: قد كلمته؟ يعني هل قال: كلمته لكن ما ينفع ما يفيد ما يسمع؟ لا، كلمه سراً بينه وبينه، ونصحه وأدى ما عليه، دون أن يفتح باباً للغوغاء والأوباش، يعني كلم الخليفة سراً، ما دون أن يفتح باباً، يكون أول من يفتحه، يعني من باب الإنكار العلني الذي يوغل صدر الخليفة، ولا يجدي شيئاً، بل كلمه بأدبٍ سراً دون أن يفتح باب شر بالجهر بالإنكار، "وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميراً على رجلين: أنت خير" من الناس، يعني منهج لا ينكر علناً، ويشنع ويؤجج ويؤلب ولا يمدح، يقول: "وما أنا بالذي أقول لرجلٍ بعد أن يكون أميراً على رجلين أنت خيرٌ" يعني خير من الناس، الخليفة تحمل أمانة عظيمة، عليه واجبٌ عظيم أمام الله ، بل صرح جمعٌ من أهل العلم أن من غش ولي الأمر الكيل، كيل المدح والثناء، نعم النصيحة ينبغي أن تكون سراً، وينبغي أن يتابع عليه النصح، و ((الدين النصيحة)) ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) لا بد من النصح، لكن بالطرق المناسبة المجدية، التي لا يترتب عليها آثار أعظم مما وقع فيه، وأيضاً كما قال أسامة حب رسول الله ﷺ وابن حبه: "وما أنا بالذي أقول لرجلٍ بعد أن يكون أميراً على رجلين أنت خير" يعني أنت خير الناس، لا، بل غاية هذا الأمير أن ينجو كفافاً، لا له ولا عليه، هذا إذا احتاط، كما قال عبد الله بن عمر لعبد الله بن عامر، لما دخل عليه يعوده، قال: ادعُ الله لي، قال: لا يقبل الله صلاةً بغير طهور ....

стр. 140

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (٦) شرح قول المصنف: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل ... " و"باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: ((إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) وبابٌ: "إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه" وبابٌ: لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور. الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير قال: ادعُ الله لي، قال: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنتَ على البصرة، كنتَ أمير على البصرة، شوف "ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة" لأن الأمير بصدد أنه لا حسيب عليه ولا رقيب احتمال يدخل في ذمته شيء بقصدٍ أو بغير قصد، فأنت عسى أن تنجو كفافاً. في حديث عبادة بن الصامت ﵁ حديث البيعة: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره" يعني على جميع الأحوال، ما هو بالإنسان يبايع فيما يحلو له ويرضيه، ويتخلف إذا كان الأمر لا يحلو له ولا يرضيه، إن أعطي وفّى وإن لم يعطَ غدر لا، ونقض، "على أن نقول أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم" يعني هذا لا يعارض هذا، بل لا بد من نصيحة ولي الأمر، ولا بد من الإذعان والطاعة والسمع على جميع الأحوال، والحد المحدد في الشرع: ((ما لم تروا كفراً بواحاً)) معروف. بعدما سمعت من رسول الله ﷺ قال: ((يُجاء برجل فيطرح في النار فيَطحن فيها)) وفي رواية: ((فيُطحن فيها كطحن الحمار برحاه)) يطحن، يدور مثل دوران الحمار بالرحى ((فيطيف به أهل النار)) يتعجبون يستغربون كيف يأتي هذا؟ يجتمعون عليه، كيف؟ كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إيش اللي جابك هنا؟! ((فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان)) ما شأنك، ما الذي أتى بك ((ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول لهم: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله)) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا﴾ [(٣) سورة الصف] إيش؟. طالب:. . . . . . . . .

стр. 141

نعم، هذا خطير عظيم كون الإنسان يأمر وينهى ويوجه وينصح وهو أبعد الناس عما يقول، لكن أهل العلم بل جمهورهم على أنه لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون غير متلبس بمعصية، بل عندهم أن الجهة منفكة، عليك أن تؤدي ما أمرت به من أمر، وما كلفتَ به من إنكار ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) ومع ذلك أنت مؤاخذ بما تفعل من المنكرات، وإلا لو اشترطت العصمة لتعطل هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، شعيرة من شعائر الإسلام، على حد تعبيرات المعاصرين يقولون: الأمر والنهي صمام الأمان، وبه يدفع الله -جل وعلا- الشرور؛ لأن المنكر إذا ظهر ولا يوجد من ينكره عمت العقوبة الجميع، لكن إذا وجد من ينكره ارتفعت هذه العقوبة، وليس هذا بمبرر مثل هذا الكلام؛ لأن يقع الناس في أهل الحسبة، يقول: ها شف يطحن في النار وهو يأمر وينهى، ما كل من يأمر وينهى صادق، صحيح ما كل من يأمر وينهى صادق، لكن الأمر والنهي لا بد منه، وليسوا بمعصومين، وليست أخطاؤهم بأكثر من أخطاء غيرهم؛ لأنه قد يقول قائل من السفهاء الذين يكتبون: ها شوف يأمر وينهى من أهل الحسبة ويطحن في النار كما يطحن .. ، لو جلس في بيته أفضل له، لا يأمر ولا ينهى، نقول: لا ما هو بصحيح، عليه أن يأمر، وعليه أن ينهى، وعلى المأمور أن يأتمر، وعلى المنهي أن ينتهي، وحساب الجميع على الله . شرح قوله: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل ... " ثم قال -رحمه الله تعالى-: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم" البصري مؤذنها، "قال: حدثنا عوف" ابن أبي جميلة الأعرابي "عن الحسن" البصري "عن أبي بكرة" نفيع بن الحارث "قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل" التي كانت بين علي وفاطمة -رضي الله عن الجميع- وكانت فاطمة على جمل فنسبت الوقعة إليها. طالب:. . . . . . . . .

стр. 142

وعائشة نعم، كانت بين علي وعائشة ﵃، يقول: "لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل" الجمل هذا جمل عائشة، كانت على جملٍ فنسبت الوقعة إليها "لما بلغ النبي ﷺ أن فارساً" فارس الدولة دولة فارس، بلاد فارس، "ملكوا ابنة كسرى"، لما بلغ النبي ﷺ أن فارساً ملكوا ابنة كسرى بعد موته اسمها بوران، وكسرى اسمه شيرويه بن أبرويز بن هرمز لما ولوا ابنته "قال النبي ﵊: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) بأن كانت والياً عليهم، أو في حكم الوالي مما يحكم بين الناس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم كالقاضي، لن يفلحوا إذا فعلوا ذلك، هذا خبرٌ عمن لا ينطق عن الهوى متضمن حكم شرعي وهو أنه لا يجوز أن تولى المرأة، والمقصود بها كالولايات العامة، لا يقال: ليش تصير مديرة مدرسة؟ ليش تصير ربة بيت؟ نقول: تصدير، المقصود بذلك الولايات العامة، فلا يجوز للمرأة أن تتولى ما فيه فصلٌ بين الناس كالإمارة والقضاء ونحو ذلك، واستدل به أبو بكرة أن أصحاب الجمل لن يفلحوا، وهي أم المؤمنين، فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، "من أحب إليك يا رسول الله؟ قال: ((عائشة)) قيل: ومن الرجال؟ قال: ((أبوها)) ومع ذلك استدلالاً بعموم الحديث: ((لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)) لن يفلح أصحاب الجمل، وهذا الكلام يقوله النبي ﵊، وهو ثابتٌ عنه بما لا شك فيه ولا ارتياب، في أصح الكتب ويأتي من يأتي إلى ممن ينتسب إلى العلم والدعوة مع الأسف الشديد ويقول: إن الحديث ليس بصحيح، لماذا؟ قال: لأن الواقع يرده، كيف الواقع يرده؟ غاندي حكمت الهنود، وتاتشر ضبطت الإنجليز، وجلود مائير هزمت العرب، وترد النصوص بهذه الطريقة، ومن قال لك: إن أولئك أفلحوا؟ وما معنى الفلاح في نظرك؟ فتنة، هذا مفتون نسأل الله العافية، الذي يرد النصوص الصريحة الصحيحة بهذه التوجيهات هذا مفتون، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 143

المقصود أنا عرفنا وجهة نظر أبي بكرة واستنباطه من الحديث أن أصحاب الجمل لن يفلحوا، وإن كان فيهم من فيهم من خيار الصحابة، طلحة والزبير وعائشة من خيار الأمة، ومع ذلكم الفتن إذا بدأت توقع خيار الناس شاءوا أم أبوا. شرح قوله: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا أبو حصين حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي، قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ... " قال ﵀: "حدثنا عبد الله بن محمد" المسندي، قال: "حدثنا يحيى بن آدم" الكوفي، قال: "حدثنا أبو بكر بن عياش" قال: "حدثنا أبو حصين" عثمان بن عاصم الأسدي، قال: "حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي، قال: لما سار طلحة" ابن عبيد الله "والزبير" ابن العوام وقد كانا بايعا علياً ﵁ بمشورة عائشة، ما هي المسألة شخص مختلف في بيعته، لا، "لما سار طلحة" ابن عبيد الله "والزبير" ابن العوام "وعائشة إلى البصرة" سبب المسير الأمر المهول الذي صار سبباً في مقتل عثمان ﵁، نعم علي بويع حتى من قبل هؤلاء الذين خرجوا عليه، وهم من خيار الناس، لكن حصل أمرٌ عظيم طالبوا به، طلباً لدم عثمان ﵁، خرجوا في ثلاثة آلاف، وانضم إليهم في طريقهم، خرجوا من مكة والمدينة بثلاثة آلاف، وانضم إليهم جموع من الناس، فلما نزلت عائشة ﵂ ببعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أيّ ماءٍ هذا؟ قالوا: الحوأب، فقالت: إن النبي ﵊ قال لنا ذات يومٍ: ((كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟ )) علم من أعلام النبوة. وعند البزار من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لنسائه: ((أيتكن صاحبت الجمل الأدبب؟ تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير، وتنجو بعدما كادت؟ )) يعني كادت أن تقتل.

стр. 144

يا الإخوان هؤلاء لا ينقصهم دين، بل هم خيار الأمة، ولا ينقصهم علم، ولا ينقصهم عقل، لكنها الفتن، فإذا بدأت الفتن صار الحليم حيران، صاحب العقل الراجح والدين المتين لا شك أنه تغطي عليه بعض عقله وعلمه وحلمه هذه الفتن، إذا ماجت الفتن، فعلى كل مستطيع في إطفاء نار الفتنة يجب عليه وجوب أن يسعى بقدر استطاعته لإطفائها وإخمادها، وعلى من يثيرها ويؤججها ويبدأها كفل عظيم ممن يذهب بسببها، وليس معنى هذا أنه يخرج من الدين، هؤلاء خرجوا وبقوا هم خيار الناس، طلحة بن عبيد الله من أهل الجنة، الزبير بن العوام مشهودٌ له بالجنة، وعائشة زوجته في الدنيا والآخرة ﵊، لا يعني هذا أنهم يخرجون من الدين، لا، لكنها الفتن، نسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 145

"لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث عليٌ عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه" قال أبو مريم: "فسمعت عماراً يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة" هذا إنصاف مع الخصم، اعتراف بما له وما عليه، عدلٌ في الحكم، وإنصافٌ في الرأي، "ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة" ما قال: هذه خارجية خرجت على ولي الأمر، لا، لا شك أن رأيها مرجوح، وإن بنت ذلك على اجتهاد، لكن الكفة مع علي ﵁ وأرضاه-، "ووالله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم" اختبركم بها، وهذا من إنصاف عمار حيث أنها وإن خرجت على الإمام لم تخرج عن دائرة الإسلام، "ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي؟ " هل تطيعون الله بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم أو تطيعونها؟، يعني تزداد الفتنة إذا كان الطرفان متقاربان تزداد الفتنة، أما إذا كان طرف في السماء وطرف في الأرض ما هي فتنة، الأمر يعني ما يشتبه على أحد، لكن إذا صار في الأطراف مثل هؤلاء فتنة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم أم هي؟ هي خرجت بتأويل سائغ، خرجت بتأويل ما خرجت عناد، وطلحة والزبير بايعا وخرجا بهذا التأويل، لا شك أنه يحز في نفس كل مسلم أن يقتل مثل عثمان على وضع عثمان، وهو إمامُ المسلمين ولا أحد ينتصر له، ولا يستطيع المهاجرون والأنصار أن يخلصوه، هذه فتنة، ويحز في كل نفس تجعل تغطي هذه الفتنة ما عند الإنسان من علم وعقل وحلم، لكن يبقى أن الحكم الشرعي ثابت لا تغيره مثل هذه الأمور وإن عظمت، تلزم جماعة المسلمين وإمامهم هذا الحال، إلى أي حد نلزم جماعة المسلمين إلى أن ترى الكفر البواح، المسألة ما هي بفوضى، المسألة مضبوطة بضوابط شرعية.
следующие страницы →