Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
١٣٦٧ - وذلك لظاهر قول النبي ﷺ : «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» .
١٣٦٨ - وعن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال - يعني شوال - وقد أصبح الناس صياما، فأتيا عمر ﵁ فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال للآخر. قال: أنا صائم. قال: ما حملك على هذا؟ . قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك. ثم نودي في الناس أن اخرجوا. رواه سعيد. وهذا ظاهر في أنه أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ورفع عنه الضرب لشهادة صاحبه. وقيل: يفطر سرا، لظاهر قول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» [الحديث] ولأنه يوم تيقن أنه من شوال، أشبه الذي بعده، والله أعلم.
[حكم صيام الأسير الذي اشتبهت عليه الأشهر]
قال: وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام] .
стр. 1157
ش: قياسا على من اشتبهت عليه أدلة القبلة، فإن صلى [مع القدرة عليه] بغير اجتهاد لم يجزه لأنه ترك فرضه، وبدونها كما إذا خفيت عليه الأدلة وجهان، أصلهما إذا صلى على حسب حاله، لخفاء أدلة القبلة، والله أعلم.
قال: فإن صام شهرا يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه، وإن وافق ما قبله لم يجزئه.
ش: إذا تحرى وصام شهرا يريد به شهر رمضان، فإن لم ينكشف له الحال فلا ريب عندنا في الإجزاء، وإن تبين له الحال فإن وافق شهر رمضان فبها ونعمت، ولا يضره التردد في النية، لمكان الضرورة، وإن وافق بعده أجزأه أيضا، ولا يضره عدم نية القضاء وإن اشترطت، لمحل العذر، وإن وافق [ذلك] قبله لم يجزئه لعدم تعلق الخطاب به إذا.
وظاهر إطلاق الخرقي أنه متى وافق شهرا بعده أجزأه، وإن كان ناقصا ورمضان تام، وصرح بذلك القاضي، وصاحب التلخيص، وأورده أبو البركات مذهبا، كما لو نذر شهرا، واختار أبو محمد أنه يلزمه بعدة أيام رمضان، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، والله أعلم.
[الأيام التي يحرم صيامها]
قال: ولا يصام يوما العيدين، ولا أيام التشريق، لا عن فرض، ولا عن تطوع، فإن قصد لصيامهما كان عاصيا،
стр. 1158
ولم يجزئه عن فرض، وفي أيام التشريق عن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى: أنه يصومها للفرض.
ش: لا يجوز أن يصام يوم العيد لا الفطر ولا الأضحى عن فرض ولا عن تطوع.
١٣٦٩ - لما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم النحر، وفي لفظ للبخاري: «لا صوم في يومين» ؛ ولمسلم: «لا يصح الصوم في يومين» .
١٣٧٠ - وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فصلى، ثم انصرف فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» . متفق عليه. فإن قصد صيامهما كان عاصيا، لقصده ارتكاب ما نهى الشارع عنه، ولم يجزئه عن فرض، لارتكابه النهي المقتضي لفساد المنهي عنه، هذا هو المشهور، وهو قياس المذهب فيمن صلى في ثوب غصب، أو [في] بقعة
стр. 1159
غصب، أو حج بمال غصب، أن باع وقت النداء ونحو ذلك، والمنصوص عن أحمد - في رواية مهنا - الصحة مع التحريم. وهو قياس القول الآخر في هذه المسائل.
وقول الخرقي: ولم يجزئه عن فرض. ربما أوهم أنه يجزئه عن التطوع، وليس كذلك، وإنما المحتاج إليه في البيان [هو الفرض] ، أما التطوع فقد اقتضى كلامه أنه يعصي بقصد صومه، والحكم على صحته وفساده لا حاجة إليه. انتهى.
أما أيام التشريق فلا يجوز صيامها عن تطوع.
١٣٧١ - لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله تعالى» رواه مسلم.
١٣٧٢ - «وعن سعد بن أبي وقاص قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام منى «إنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها» يعني أيام التشريق» . رواه أحمد.
стр. 1160
و [في] جواز صومها عن الفرض روايتان: (إحداهما) - وهي التي رجع إليها [أحمد] أخيرا قال: كنت أذهب إليه، - يعني [عن] صوم المتمتع لأيام التشريق - فأما اليوم فإني أهابه، لقول النبي ﷺ : «هي أيام أكل وشرب» واختيار الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي، والشيرازي وغيرهم - لا يجوز لما تقدم.
١٣٧٣ - وعن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم خمسة أيام في السنة، يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة [أيام التشريق» . رواه الدارقطني] . (والثانية) : يجوز إذ يوم النحر أحد العيدين، فوجب أن يختص بحظر الصوم فيه دون ما بعده، دليله يوم الفطر، وابن أبي موسى خص الخلاف بالصوم عن دم المتعة، ونص أحمد بالجواز إنما هو في ذلك، نعم أومأ إلى الجواز في النذر.
١٣٧٤ - وذلك لما روي عن عائشة ﵂ وابن عمر رضي الله
стр. 1161
عنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري وأجاب القاضي عن هذا بأنه خاص مختلف فيه، والأول عام متفق عليه، فتقدم على المختلف فيه. انتهى، وفيه نظر، فعلى الأول إن صامها فهو كصيام يوم العيد على ما مر.
«تنبيه» : أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من ذي الحجة، سميت بذلك لأنهم يشرقون فيها لحوم الأضاحي، أي يقطعونها تقديدا وقيل: بل لأجل صلاة العيد وقت شروق الشمس. وقيل: بل لأن الذبح بعد الشروق، والله أعلم.
قال: وإذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة.
ش: أما بعد الزوال فللمقبلة بلا نزاع نعلمه، لقربه منها.
١٣٧٥ - ولقصة عمر ﵁، وأما قبله فعنه للماضية لقربه منها. وعنه للمقبلة، وهي المذهب.
стр. 1162
١٣٧٦ - لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية. وهذا يشمل ما قبل الزوال وبعده، (وعنه) إن كان في أول الشهر فللماضية، وفي آخره للمقبلة، احتياطا للعبادة.
«تنبيه» : هذا التعليل وكلام أبي محمد [وغيره] يقتضي أن هذا مختص برمضان، فاللام في كلام الخرقي للعهد، والله أعلم.
стр. 1163
[السحور وتعجيل الإفطار للصائم]
قال: والاختيار تأخير السحور.
ش: لا نزاع في مطلوبية السحور.
١٣٧٧ - قال النبي ﷺ : «تسحروا فإن في السحور بركة» . متفق عليه.
١٣٧٨ - وقال ﵇: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» رواه مسلم وغيره. والمستحب تأخيره.
١٣٧٩ - لما روي عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: «لا «تزال أمتي بخير ما [أخروا] السحور، وعجلوا الفطر» ، رواه أحمد.
«تنبيه» : السحور بفتح السين اسم لما يؤكل في السحر، وبالضم اسم الفعل على الأشهر، وقيل: يجوز في اسم الفعل [الفتح] أيضا، والمراد في كلام الخرقي الفعل، فيكون بالضم على الصحيح و «الأكلة» بفتح
стр. 1164
الهمزة، ورواه بعضهم بضمها، قال الحافظ زكي الدين: والوجه الفتح، فإن الأكلة بالفتح بمعنى المرة الواحدة. مع الاستيفاء، وبالضم اللقمة إذا لم يكن معها ماء، والله أعلم.
قال: وتعجيل الإفطار.
ش: أي [والاختيار تعجيل الإفطار] لما تقدم.
١٣٨٠ - وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» .
١٣٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله : إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا» رواه أحمد والترمذي، والله أعلم.
[الصيام المستحب]
[صيام ستة أيام من شوال]
قال: ومن صام شهر] رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها فكأنما صام الدهر.
١٣٨٢ - ش: لما روي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم وغيره.
стр. 1165
١٣٨٣ - وعن ثوبان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» رواه ابن ماجه.
وقوة كلام الخرقي وغيره يقتضي أن الأولى متابعتها، مبادرة للمندوب إليه، ومحافظة على «وأتبعه» [إذ المتابعة] ظاهرها التوالي، والله أعلم.
[صيام يوم عاشوراء]
قال: وصيام يوم عاشوراء، كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين.
١٣٨٤ - ش: لما روي عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
стр. 1166
«تنبيه» : عاشوراء بالمد على الأشهر، وقيل: وبالقصر وفيه [لغة] ثالثة عاشورا. وهو اليوم العاشر من المحرم.
١٣٨٥ - وعن ابن عباس: أنه التاسع ونص أحمد على استحباب صومهما، وعلى صيام ثلاثة أيام مع اشتباه أول الشهر، ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة بلا ريب، سمي بذلك قيل: [لأن الوقوف بعرفة فيه. وقيل] : لأن إبراهيم الخليل صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عرف فيه أن رؤياه حق، والله أعلم.
стр. 1167
[صيام يوم عرفة]
قال: ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصوم، ليتقوى على الدعاء.
١٣٨٦ - ش: عن أم الفضل ﵂: «أنهم شكوا في صوم النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطب الناس بعرفة» متفق عليه.
وجعل الخرقي ﵀[المعنى] في الإفطار التقوي على الدعاء المطلوب في هذا اليوم، وهو حسن، وعن أبي العباس. لأنه يوم عيد.
١٣٨٧ - ويشهد له ما روى عقبة بن عامر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي، والله أعلم.
[صيام أيام البيض]
قال: وأيام البيض التي حض رسول الله ﷺ على صيامها هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر [من كل شهر] ، والله أعلم.
стр. 1168
١٣٨٨ - ش: «ثبت أن النبي ﷺ أوصى أبا هريرة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر» .
١٣٨٩ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر» فأنزل الله تعالى: [تصديق ذلك في كتابه] : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] اليوم بعشرة» رواه ابن ماجه والترمذي. والأيام البيض هي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
١٣٩٠ - لما روي عن أبي ذر ﵁ أيضا: قال: «قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» رواه أحمد والنسائي والترمذي.
стр. 1169
وعن بعض العلماء: الثاني عشر بدل الخامس [عشر] وسميت بيضا لابيضاض ليلها كله بالقمر [أي] أيام الليالي البيض، وقيل: لأن الله تعالى تاب على آدم فيها وبيض صحيفته ذكره التميمي، والله سبحانه أعلم.
стр. 1170
[كتاب الاعتكاف]
ش: الاعتكاف في اللغة لزوم الشيء والإقبال عليه. قال سبحانه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وفي الشرع: لزوم المسجد للطاعة من مسلم عاقل، طاهر مما يوجب غسلا، وأقله أدنى لبث إن لم يشترط الصوم، مع الكف عن مفسداته، ولا يكفي العبور بكل حال، ذكره في التلخيص.
١٣٩١ - وهو مشروع، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان. حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» .
١٣٩٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاما، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين» . رواه أحمد، والترمذي وصححه. وقد أمر الله سبحانه نبيه [إبراهيم] بتطهير بيته
стр. 1171
[حكم الاعتكاف]
﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] .
قال: والاعتكاف سنة، إلا أن يكون نذرا فيلزم الوفاء به.
ش: هذا إجماع والحمد لله، وقد شهد له ما تقدم.
١٣٩٣ - وإنما لم يجب لأن النبي ﷺ لم يأمر به أصحابه، بل في الصحيحين أنه قال لهم «من أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» .
١٣٩٤ - وإنما وجب بالنذر لما روى ابن عمر ﵄ «أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك» متفق عليه وللبخاري «فاعتكف ليلة» أمره وظاهر الأمر للوجوب.
١٣٩٥ - وقال ﵇ «من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري، والله أعلم.
стр. 1172
قال: ويجوز بلا صوم إلا أن يقول في نذره: بصوم.
ش: يجوز الاعتكاف بلا صوم، على المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب، لحديث عمر المتقدم، وفيه نظر، لأن في رواية في الصحيح أيضا «أن اعتكف يوما» فدل على أنه أطلق الليلة وأراد بها اليوم، إذ الواقعة واحدة.
١٣٩٦ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» رواه الدارقطني، والحاكم، وقال بعض الحفاظ: والصحيح أنه موقوف ولأنها عبادة تصح بالليل، فلا يشترط لها الصوم كالصلاة، (والثانية) : لا يجوز إلا بصوم.
١٣٩٧ - لما روي عن عائشة ﵂ قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» . رواه أبو داود،
стр. 1173
ويجاب عنه إن صح بنفي الكمال، جمعا بين الأدلة.
فعلى الأولى يصح اعتكاف ليلة مفردة، وبعض يوم مطلقا. وعلى الثانية: لا يصح اعتكاف ليلة [مفردة] ولا بعض يوم من مفطر، أما من صائم فقطع أبو البركات بصحته، لوجود الشرط وهو الصوم، وهو احتمال لأبي محمد في المغني، والذي أورده مذهبا البطلان، نظرا إلى أن الصوم لم يقصد له، والله أعلم.
[مكان الاعتكاف]
قال: ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه.
стр. 1174
ش: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد في الجملة بلا ريب، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وصف سبحانه المعتكف بكونه في المسجد، ولأن النبي ﷺ كان يعتكف في مسجده ﷺ .
١٣٩٨ - قالت عائشة ﵂: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» . وفعله خرج بيانا للاعتكاف المشروع، وقد تقدم قول عائشة ﵂: لا اعتكاف إلا في مسجد جامع. ومن شرط المسجد أن يجمع فيه، أي تقام فيه الجماعات، إن تضمن الاعتكاف وقت صلاة، والمعتكف ممن تجب عليه الجماعة، وهو الحر البالغ، غير المعذور، حذارا من ترك الواجب الذي هو الجماعة، أو تكرر الخروج المنافي للاعتكاف في اليوم والليلة خمس مرات، مع إمكان التحرز عن ذلك، أما إن لم يتضمن الاعتكاف وقت صلاة، أو كان المعتكف ممن لا تجب عليه الجماعة، كالصبي والعبد، - إن لم تجب عليه الجمعة - والمرأة، ونحوهم، فالمشترط المسجدية فقط، لزوال المحذور، نعم لا يصح الاعتكاف في مسجد البيت بلا ريب، لانتفاء حكم المسجدية عنه في سائر الأحكام،
стр. 1175
فكذلك هنا، ولا يشترط للمسجد إقامة الجمعة فيه لندرة الخروج منه، والله أعلم.
[ما يجوز للمعتكف]
قال: ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان.
ش: كذا في الصحيحين عن عائشة ﵂: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» ، وحاجة الإنسان البول والغائط، كني عنهما بحاجة الإنسان، وفي معنى [ذلك] الاغتسال من الجنابة والوضوء، قال أحمد: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد. وكذلك الأكل والشرب، إن لم يكن له من يناوله ذلك، وإذا خرج للبول والغائط، وثم سقاية أقرب من منزله، ولا ضرر عليه في دخولها لزمه ذلك، لزوال العذر وإن تضرر بدخولها - كمن عليه نقيصة في ذلك، أو لعدم التمكن من التنظيف، ونحو ذلك - لم يلزمه، دفعا للضرر، وله المضي إلى منزله، وإذا خرج مشى على المعتاد من غير عجلة، ولا توان، لا لأكل ولا لغيره، نعم قال ابن حامد: يأكل في بيته اليسير كلقمة ونحوها، لا جميع أكله، وقال القاضي: يتوجه أن له الأكل في بيته، والخروج إليه ابتداء، لما في الأكل في المسجد من الدناءة، ونصر أبو
стр. 1176
محمد الأول، لحديث عائشة ﵂ والله أعلم.
قال: وإلى صلاة الجمعة.
ش: أي وله الخروج من المسجد الذي اعتكف فيه إذا لم تقم فيه الجمعة، وبهذا يتبين أن قول الخرقي: يجمع فيه. أي تقام فيه الجماعة، لا أنه يجمع فيه أي تقام فيه الجمعة، لأن الخروج للجمعة كالمستثنى باللفظ، للزوم ذلك له، ولأن ذلك واجب متحتم عليه، أشبه الخروج لقضاء العدة، وإذا خرج فصلى، فإن أحب أن يتم اعتكافه في الجامع فله ذلك، وإلا استحب له الإسراع إلى معتكفه، قال أبو محمد: ويحتمل أن يخير في تعجيل الرجوع وتأخيره، لأنه مكان يصلح للاعتكاف، أشبه ما لو نوى الاعتكاف فيه، والله أعلم.
[ما لا يجوز للمعتكف]
قال: ولا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، إلا أن يشترط ذلك.
ش: أما مع عدم الشرط فلا يفعل ذلك على المشهور من الروايتين، والمجزوم عند [عامة] الأصحاب، لما تقدم من حديث عائشة ﵂: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة» ويرجحه حديث الصحيحين: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» .
стр. 1177
١٣٩٩ - وفي الصحيح عنها ﵂ – أنها قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة.
ولأن عيادة المريض مستحبة، فلا يترك لها واجب، وشهود الجنازة إن لم يتعين فكذلك، وإن تعين أمكن فعله في المسجد فلا حاجة إلى الخروج، نعم إن لم يمكن شهودها في المسجد فالخروج لواجب تعين عليه، لا لشهود جنازة.
(والرواية الثانية) : له ذلك كما له الوضوء.
١٤٠٠ - وعن علي ﵁: «إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض وليحضر الجنازة، وليأت أهله ليأمرهم بالحاجة وهو قائم» رواه الإمام أحمد وأما مع الشرط فيجوز بلا ريب.
١٤٠١ - لعموم قوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم» ونحوه ولأن مع
стр. 1178
الشرط المنذور اعتكافه حقيقة ما عدا هذه الشروط.
(تنبيه) : محل الخلاف [السابق] في الاعتكاف الواجب، أما الاعتكاف المتطوع به فله ذلك، لأن له تركه رأسا، لكن الأولى عدم الخروج اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه لم يكن يعرج على المريض، مع كون اعتكافه كان تطوعا، والله أعلم.
стр. 1179
[مفسدات الاعتكاف]
قال: ومن وطئ فقد أفسد اعتكافه.
ش: يحرم على المعتكف الوطء لنص الكتاب قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] والجماع مراد من الآية بلا ريب، إما عموما وإما خصوصا، وهو أظهر، فإن وطئ فقد أفسد اعتكافه، لأنه وطء حرام في العبادة، فيفسدها كالوطء في الحج والصوم، مع أن هذا إجماع في العمد حكاه ابن المنذر، انتهى.
وإطلاق الخرقي يشمل العمد وغيره وهو صحيح قياسا على الحج، والصوم. ويتخرج من الصوم عدم البطلان مع العذر كنسيان ونحوه.
ومقتضى كلامه أنه لا كفارة عليه لأجل الوطء، وهو إحدى الروايتين واختيار أبي محمد وزعم في المغني أنه ظاهر المذهب وفي الكافي أنه المذهب، إذ الوجوب من الشرع ولم يرد، ولأنها عبادة لم تجب بأصل الشرع فلم يجب بإفسادها بالوطء كفارة كالوطء في الصوم المنذور. (والرواية الثانية) - واختارها القاضي، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما - تجب الكفارة لأنها عبادة يفسدها الوطء، فوجب به كفارة كالحج، ثم هذه
стр. 1180
الكفارة كفارة يمين [عند الشريف أبي جعفر، تبعا لأبي بكر في التنبيه، لأنها كفارة نذر، وكفارة النذر كفارة يمين] وعند القاضي في الخلاف: كفارة واطئ في رمضان قياسا لها عليها، وقد حكى الشيرازي القولين روايتين ومقتضى كلامه أن المباشرة دون الفرج لا تبطل، وهو كذلك إن عريت عن الإنزال، أما مع الاقتران به فتفسد على المذهب المجزوم به عند الأكثرين كما في الصوم، وفيه احتمال لابن عبدوس والله أعلم.
قال: ولا قضاء عليه إلا أن يكون واجبا.
ش: إذا أفسد الاعتكاف بالوطء، نظرت فإن كان تطوعا لم يجب القضاء، بناء على قاعدتنا من أن النوافل ما عدا الحج والعمرة لا تلزم بالشروع، وقد تقدم ذلك في الصوم. وإن كان الاعتكاف واجبا بأن نذره وجب القضاء، لأن الذمة مشتغلة، ولم يوجد ما يبرئها فوجب براءتها، وهذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فإن كان النذر لأيام متتابعة فقد أفسده
стр. 1181
بالفطر غير المعذور فيه، فيلزمه الاستئناف بإمكان الإتيان [بالمنذور] على صفته، نعم، مع العذر إن قيل بالإفطار لا ينبغي أن ينقطع التتابع حملا على العذر، بل يقضي ويجري في الكفارة وجهان، وإن كان النذر لأيام معينة كعشر ذي الحجة ونحو ذلك فهل يبطل التتابع، كما لو اشترطه بلفظه، أو لا يبطل لأنه إنما حصل لضرورة الزمن؟ فيه وجهان، فعلى الأول يستأنف العشرة. وعلى الثاني: يتم بقية العشرة ويقضي اليوم الذي أفسده، وتلزمه الكفارة على الوجهين، بتركه عين المنذور، وينبغي أن يجري في الكفارة مع العذر وجهان والله أعلم.
قال: وإذا وقعت فتنة خاف منها ترك الاعتكاف.
ش: إذا وقعت فتنة فخاف على نفسه، أو أهله، أو ماله، منها، جاز له الخروج وترك الاعتكاف، إذ ذاك يترك له الواجب بأصل الشرع، وهو الجمعة والجماعة، فما أوجبه على نفسه أولى، وفي معنى ذلك المرض الذي يشق المقام معه ونحو ذلك والله أعلم.
قال: فإذا أمن بنى على ما مضى إذا كان نذر أياما معلومة، وقضى ما ترك، وكفر كفارة يمين.
стр. 1182
ش: إذا زال المعنى الذي جاز لأجله ترك الاعتكاف - كما إذا أمن [في] الفتنة ونحو ذلك، والاعتكاف تطوع - خير بين الرجوع وعدمه، وإن كان واجبا وجب عليه الرجوع إلى معتكفه، ليأتي بالواجب، ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) نذر أياما معلومة مطلقة، كاعتكاف عشرة أيام غير متتابعة، أو عشرة أيام وقلنا: لا يلزمه التتابع على المذهب، فإنه يتم باقيها لا غير، ولا شيء عليه، لإتيانه بالمنذور على وجهه، ويبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله، قاله أبو محمد.
(الثاني) : نذر أياما متتابعة غير معينة - كعشرة أيام متتابعة ونحو ذلك - فيخير بين البناء وقضاء ما بقي منها، مع كفارة يمين، لفوات صفة المنذور، وبين الاستئناف بلا كفارة، لإتيانه بالمنذور على وجهه، وقد نبه الخرقي على هذا في النذر فقال: ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا ولم يسمه، فمرض في بعضه، فإذا عوفي بنى، وكفر كفارة يمين، وإن أحب أتى بشهر كامل متتابع، ولا كفارة عليه وكذلك إذا نذرت المرأة صيام شهر متتابع وحاضت فيه.
(الثالث) : من الأحوال: نذر أياما معينة، وهو مراد الخرقي هنا لقوله: معلومة، كعشر ذي الحجة ونحوه، فيقضي ما ترك، ليأتي بالواجب، ويكفر كفارة يمين، لترك المنذور في وقته، إذ النذر كاليمين، ولو ترك ما حلف على فعله، أو فعل ما حلف على تركه، وجبت الكفارة، وإن كان معذورا، (وعن أحمد) ما يدل على أنه لا
стр. 1183
كفارة مع العذر، حملا على العذر، إذ الكفارة زاجرة أو ماحية، وهما منتفيان معه (وعن القاضي) إن وجب الخروج، كالخروج لنفير عام، أو شهادة متعينة ونحو ذلك، فلا كفارة كالخروج للحيض، وإن لم يجب وجبت، ويقرب منه قول صاحب التلخيص، وابن عبدوس: إن كان الخروج لحق نفسه كالمرض والفتنة ونحوهما، وجبت، وإن كان لحق عليه، كأداء الشهادة، والنفير، والحيض، فلا كفارة. قال: وقيل: تجب، والله أعلم.
قال: وكذلك في النفير إذا احتيج إليه.
ش: إذا احتيج للمعتكف في الجهاد، بأن استنفره الإمام، أو حصر العدو بلده ونحو ذلك، تعين عليه ترك الاعتكاف، والخروج لذلك، وحكمه إذا زال ذلك في رجوعه إلى معتكفه، وفي القضاء والكفارة حكم ما تقدم من التفصيل، لأنه ساواه معنى، فيساويه حكما، والله أعلم.
قال: والمعتكف لا يتجر.
ش: الاعتكاف وضعه حبس النفس للطاعة، والتجارة تنافي ذلك في الجملة.
١٤٠٢ - «ولأن النبي ﷺ : نهى عن البيع والشراء في المسجد» ، رواه الترمذي وحسنه. وإذا نهي عن البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أجدر.
стр. 1184
(تنبيه) : له أن يشتري ما لا بد له منه من مأكول ونحوه، لكن خارج المسجد، والله أعلم.
قال: ولا يتكسب بالصنعة.
ش: كالخياطة ونحوها، إذ ذاك في معنى التجارة، فمنع منه كهي. ومفهوم كلام الخرقي أن له فعل الصنعة لا متكسبا، وظاهر كلام أحمد المنع، قال في رواية المروذي وقد سأله: ترى له أن يخيط؟ قال: لا ينبغي أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل.
وقرر ذلك القاضي فقال: لا يجوز أن يخيط في المسجد، وإن احتاج إليها، قلت: وقال أبو محمد: الأولى فعل ما احتاج إليه وقل، مثل أن انشق قميصه فيخيطه، ونحو ذلك، والله أعلم.
قال: ولا بأس أن يتزوج في المسجد، ويشهد النكاح.
ش: إذ النكاح طاعة، وحضوره قربة، ومدته لا تطول، أشبه رد السلام، وتشميت العاطس، والله أعلم.
стр. 1185
قال: والمتوفى عنها زوجها وهي معتكفة تخرج لقضاء العدة، وتفعل كما فعل الذي خرج لفتنة.
ش: المتوفى عنها زوجها إذا كانت معتكفة فإنها تخرج لتعتد في بيت زوجها، إذ ذاك واجب بأصل الشرع، والاعتكاف إن كان تطوعا فواضح، وإن كان واجبا فهي التي أوجبته على نفسها، ولأن الاعتكاف لا يفوت، لأنه يقضى، والعدة تفوت، لانقضائها بمضي الزمن، فإذا انقضت العدة فإنها تفعل [كما] فعل الذي خرج للفتنة، فترجع إلى معتكفها، وتقضي وتكفر، على ما مضى من التفصيل فيه، لاشتراكهما في أنه خروج لواجب، والله أعلم.
قال: والمعتكفة إذا حاضت خرجت من المسجد، وضربت خباء في الرحبة.
ش: إذا حاضت المعتكفة خرجت من المسجد، لأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، بل آكد.
١٤٠٣ - وقد قال النبي ﷺ «إني لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض» رواه أبو داود.
١٤٠٤ - وفي حديث آخر: « «إن المسجد لا يحل لجنب ولا حائض»
стр. 1186
رواه ابن ماجه، وإذا خرجت فإن لم يكن للمسجد رحبة مضت إلى بيتها، وإن كانت له رحبة ضربت خباء، وأقامت فيها لأن ذلك أقرب إلى محل اعتكافها.
١٤٠٥ - وقد روى أبو حفص بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «كن [المعتكفات] إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن» . وهذا على سبيل الاستحباب قاله أبو البركات، وصاحب التلخيص، حاكيا له عن بعض الأصحاب. وكذلك
стр. 1187
قال أبو محمد: الظاهر أنه مستحب وشرط ذلك الأمن على نفسها، وإلا رجعت إلى بيتها، ولهذا قال بعضهم هذا مع سلامة الزمان، وإذا طهرت رجعت، فأتت بما بقي من اعتكافها، ولا كفارة عليها، كما أشعر به كلام الخرقي، حيث لم يجعلها كالخارجة لقضاء عدتها، وهو واضح، إذ هذا خروج معتاد أشبه الخروج للجمعة، ولأنه كالمستثنى لفظا، وقد تقدم أن صاحب التلخيص حكى قولا بوجوب الكفارة عليه [وكذلك حكاه أبو البركات، نظرا إلى أن العذر لا يمنع وجوب الكفارة] .
وقد دل كلام الخرقي على أن رحبة المسجد ليست في حكم المسجد، وعن أحمد ما يدل على روايتين، وجمع القاضي بينهما على اختلاف حالتين، فالموضع الذي قال فيه تقيم، إذا كانت محوطة وعليها باب في حكمه، وما لا فلا، والله أعلم.
قال: ومن نذر أن يعتكف شهرا بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس، والله أعلم.
ش: هذا هو المشهور من الروايتين، إذ الشهر يدخل بدخول الليل، ولهذا ترتبت الأحكام المعلقة بها من حلول الديون
стр. 1188
ونحوها بذلك، ومن ضرورة اعتكاف جميع الليل الدخول قبل غروب الشمس، نظرا إلى قاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به [فهو] واجب. (والرواية الثانية) : قبل طلوع فجر أول يوم من أوله، ولعله بناء على اشتراط الصوم له، وإذا لا يبتدئ قبل الشرط.
١٤٠٦ - واستدل بعضهم «بأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه» . متفق عليه. وهذا لا يبيح الدعوى لأن النبي ﷺ لم يدخل إلا بعد صلاة الصبح، وهم يوجبون قبل ذلك، على أن اعتكافه ﷺ كان تطوعا، والمتطوع متى شاء شرع، مع أن ابن عبد البر قال: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث. والله أعلم.
стр. 1189
[كتاب الحج] [ حكم الحج]
ش: الحج بفتح الحاء وكسرها القصد، وعن الخليل: كثرة القصد إلى من يعظمه، وفي الشرع: عبارة عن القصد إلى محل مخصوص مع عمل مخصوص.
وهو مما علم وجوبه من دين الله تعالى بالضرورة، بشهادة الكتاب، والسنة، والإجماع قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
١٤٠٧ - وقال النبي ﷺ «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» وأجمع المسلمون على ذلك والله أعلم.
[شروط وجوب الحج]
قال: ومن ملك زادا وراحلة، وهو عاقل بالغ، لزمه الحج والعمرة.
стр. 1190
ش: يشترط لوجوب الحج شروط:
(أحدها) الاستطاعة، لأن الخطاب إنما ورد للمستطيع، إذ (من) بدل من (الناس) فتقدير الكلام: ولله على المستطيع. ولانتفاء تكليف ما لا يطاق شرعا، بل وعقلا، والاستطاعة عندنا أن يملك زادا وراحلة.
١٤٠٨ - لما روي عن أنس ﵁، «عن النبي ﷺ ، في قوله ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: قيل يا رسول: ما السبيل؟ قال «الزاد والراحلة» رواه الدارقطني.
١٤٠٩ - «وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «الزاد والراحلة» يعني قوله ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] » رواه ابن ماجه.
стр. 1191
١٤١٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: ما يوجب الحج؟ قال «الزاد والراحلة» رواه الترمذي وقال: وعليه العمل عند أهل العلم، ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة، فكانت الاستطاعة فيها شرط ذلك، دليله الجهاد، وكون القوة قد يحصل بها الاستطاعة يتخلف في غالب الناس، والحكم إنما يناط بالأعم الأغلب.
ويشترط في الزاد والراحلة أن يكونا صالحين لمثله، لمدة ذهابه وإيابه، وأن يكون ذلك فاضلا عن نفقة نفسه، وعياله
стр. 1192
وحوائجه الأصلية، وبيان ذلك له موضع آخر إن شاء الله، وإنما يشترط الراحلة لمن بينه وبين مكة مسافة القصر، أما من كان دون ذلك، ويمكنه المشي، فلا تشترط له الراحلة.
وقول الخرقي: من ملك. مقتضاه [أنه] لو بذل له ذلك لم يصر مستطيعا، وإن كان الباذل ابنه، وهو صحيح لما تقدم، إذ قوله ﵇ في جواب ما يوجب الحج؟ قال «الزاد والراحلة» [أي ملك الزاد والراحلة] انتهى.
(الثاني والثالث) : العقل والبلوغ فلا يجب الحج على مجنون ولا صبي.
١٤١١ - لما روى ابن عباس قال: أتي عمر ﵁ بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها أن ترجم. فقال: ارجعوا بها. فقال: يا أمير المؤمنين إن القلم مرفوع عن ثلاثة، عن المجنون حتى يبرأ، وفي رواية حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل. فقال: بلى. قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء. قال: [فأرسلها] . فأرسلها عمر قال: فجعل يكبر، وفي رواية قال له: أوما تذكر أن رسول الله ﷺ قال. . وذكر الحديث وفيه: وقال: «عن الصبي حتى يحتلم» رواه أبو داود.
стр. 1193
(الشرط الرابع) : الحرية، ويأتي في كلام الخرقي إن شاء الله تعالى.
(الشرط الخامس) : الإسلام، وكأن الخرقي إنما ترك هذا الشرط لوضوحه، إذ جميع العبادة لا يجب على كافر أداؤها، ولا قضاؤها إذا أسلم، وإنما معنى توجه الخطاب إليه ترتب ذلك في ذمته فيسلم ويفعل، وفائدة ذلك العقاب في الآخرة، نعم اختلف فيما إذا وجد المرتد الاستطاعة في زمن الردة، ثم أسلم وفقدت، هل يجب عليه الحج بناء [على أنه] في حكم المسلم حيث التزم حكم الإسلام، أو لا يجب عليه، بناء [على أنه] في حكم الكافر الأصلي، والإسلام يجب ما قبله؟ فيه روايتان أشهرهما الثاني، انتهى.
فظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط لوجوب الحج غير ما ذكر، وهذا إحدى الروايتين، وإليها ميل أبي محمد، لظاهر إطلاق الكتاب والسنة، وهو قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية، وقول النبي ﷺ «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» وأصرح من هذا لما سئل النبي ﷺ عن ما يوجب الحج قال «الزاد والراحلة» ولأن إمكان الأداء على قاعدتنا ليس بشرط في وجوب العبادة، بدليل ما إذا طهرت
стр. 1194
الحائض، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن الأداء فيه.
(والرواية الثانية) : وهي ظاهر كلام ابن أبي موسى، والقاضي في الجامع: يشترط لوجوب الحج شرطان آخران، سعة الوقت، وأمن الطريق، إذ بدونهما يتعذر فعل الحج، فاشترطا كالزاد والراحلة، فعلى الأولى هما شرطان للزوم الأداء، وفائدة الروايتين إذا مات قبل الفعل، فعلى الأولى يخرج من تركته للوجوب، وعلى الثانية لا، لعدمه، ومعنى سعة الوقت أن يمكنه المسير على العادة في وقت جرت العادة به، ومعنى تخلية الطريق أن يكون آمنا مما يخاف في النفس، والبضع، والمال، سالما من خفارة وإن كانت يسيرة، اختاره القاضي وغيره، حذارا من الرشوة في العبادة، وعن ابن حامد: يجب بذل الخفارة اليسيرة، هذا نقل أبي البركات، وأبي محمد في الكافي، وفي المقنع والمغني والتلخيص: إن لم يجحف بماله لزمه البذل، لأن ذلك مما يتسامح بمثله.
وحيث وجب الحج فهل تجب العمرة؟ فيه ثلاث روايات: (أشهرها) وبه جزم جمهور الأصحاب: نعم.
١٤١٢ - لما روي «عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج
стр. 1195
والعمرة» رواه أحمد، وابن ماجه، قال بعض الحفاظ: ورواته ثقات.
١٤١٣ - «وعن أبي رزين العقيلي ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن، فقال «حج عن أبيك واعتمر» رواه الخمسة وصححه الترمذي، وقال الإمام أحمد: لا أعلم في وجوب العمرة حديثا أجود من هذا، ولا أصح.
١٤١٤ - «وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا محمد ما الإسلام؟ فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان» وذكر باقي
следующие страницы →