Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
البصرة والكوفة والمصر المدينة «والجور» الميل عن القصد، والله أعلم.
قال: وأهل مكة إذا أرادوا العمرة فمن الحل.
ش: ميقات أهل مكة إذا أرادوا العمرة من الحل.
١٤٤٨ - لقول عائشة ﵂: «نزل رسول الله ﷺ [المحصب] فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال «اخرج بأختك [من الحرم] فلتهل بعمرة، ثم لتطف بالبيت، فإني أنتظركما هنا» مختصر، متفق عليه. وليجمع في النسك بين الحل والحرم، إذ أفعال العمرة كلها في الحرم، فلو أحرم منه لم يجمع بينهما، وهذا بخلاف الحج، إذ في الحج يخرج إلى عرفة، فيحصل الجمع، ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أمرت عائشة ﵂ والله أعلم بالإحرام من التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة. وقال أحمد في المكي: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، هي على قدر تعبها، وذكر صاحب التلخيص أن أفضل مواقيتها الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية، فلو خالف فأحرم بها من الحرم، أثم ولزمه دم. لمخالفة الميقات، ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمامها وعاد أجزأته عمرته، لوجود الجمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى أتم أفعالها فوجهان (أحدهما) : وهو المشهور يجزئه،
стр. 1227
إذ فوات الإحرام من الميقات لا يقتضي البطلان، دليله الحج.
(والثاني) : لا يجزئه، نظرا إلى أن الجمع شرط وقد فات، فعلى هذا لا يعتد بأفعاله، وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يأتي بها، والله أعلم.
قال: وإذا أرادوا الحج فمن مكة.
ش: إذا أراد أهل مكة الحج فميقاتهم من مكة، لما تقدم من حديث ابن عباس ﵁، وفي رواية «حتى أهل مكة يهلون منها» .
١٤٤٩ - «وقال جابر ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح» . رواه مسلم (وعن أحمد) فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة: يهل بالحج من الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم.
وذكر القاضي أظنه في المجرد - ونقله عن أحمد - فيمن دخل مكة محرما عن غيره بحج أو عمرة [ثم أراد أن يحرم عن نفسه، أو دخل محرما لنفسه ثم أراد أن يحرم عن غيره بحج أو عمرة] أنه يلزمه الإحرام من الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم، لأنه جاوز الميقات مريدا للنسك، والمشهور - وهو اختيار أبي محمد -
стр. 1228
الأول عملا بإطلاق الحديث، وعليه لو أحرم من الحل فقال أبو محمد: إن كان من الحل الذي يلي عرفة فهو كالمحرم دون الميقات، فيلزمه دم، وكذلك إن كان من الجانب الآخر ولم يسلك الحرم، لعدم الجمع بين الحل والحرم، وإن سلكه فهو كالمحرم قبل الميقات فلا دم عليه، وحكى أبو البركات وغيره روايتين على الإطلاق، وعلى رواية وجوب الدم لو أحرم بين مكة والحل ففي وجوب الدم - أيضا - روايتان، حكاهما في التلخيص.
(تنبيه) : أهل مكة من كان فيها، سواء كان مقيما بها أو غير مقيم، وحكم الحرم حكم مكة في [جواز] إحرام المكي منه، وقد أحرم الصحابة من الأبطح. والله أعلم.
قال: ومن كان منزله دون الميقات فميقاته من موضعه. ٥٠ ش: أي إذا كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من منزله، لما تقدم من حديث ابن عباس «ومن كان دونهن فمهله من أهله» ولو كان مسكنه قرية جاز الإحرام من أي جوانبها شاء، والأولى الإحرام من الأبعد، والله أعلم.
قال: ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم.
ش: لما تقدم من حديث عمر ﵁: انظروا حذوها من طريقكم. فإن لم يعلم حذو الميقات احتاط فأحرم
стр. 1229
قبله، إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وبعده حرام، ولا يجب الإحرام حتى يعلم المحاذاة، حذارا من الوجوب بالشك، والله أعلم.
قال: وهذه المواقيت لأهلها، ولمن مر عليها من غير أهلها، ممن أراد حجا أو عمرة.
ش: المواقيت التي تقدمت لأهلها الذين ذكرهم، ولمن مر عليها من غير أهلها، سواء كان مريدا للحج أو للعمرة فإذا حج الشامي من طريق المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، لحديث ابن عباس «هن «لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة» ، والله أعلم.
قال: والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته.
ش: لأن النبي ﷺ وأصحابه – ﵃ – لم يحرموا إلا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل والأكمل قطعا، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر أحدا أن يحرم قبل الميقات.
١٤٥٠ - وعن الحسن أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة، فبلغ ذلك عمر ﵁، فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره.
стр. 1230
١٤٥١ - وقال إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع، وكرهه له. رواهما سعيد، والأثرم.
١٤٥٢ - وقال البخاري في صحيحه: كره عثمان أن يحرم الرجل من خراسان. ولأنه يعرض نفسه لمواقعة المحظور، وفيه مشقة على نفسه، فلم يطلب كالوصال في الصوم.
١٤٥٣ - وقد روى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ «ليستمتع أحدكم بحله [ما استطاع] فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» » .
стр. 1231
١٤٥٤ - ويرشح هذا قوله ﵇ «بعثت بالشريعة السهلة السمحة» ونحو هذا.
١٤٥٥ - وما روي عن أم سلمة – ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول «من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه أحمد، وأبو داود فمختص والله أعلم ببيت المقدس، ليجمع في الصلاة بين مسجدين في إحرام واحد، ولهذا أحرم ابن عمر منه.
١٤٥٦ - قال مالك في موطئه: عن الثقة عنده أن ابن عمر أهل بحج من إيلياء مع أن الحديث قد ضعف، قال المنذري: اختلف الرواة في متنه وفي إسناده اختلافا كثيرا.
стр. 1232
١٤٥٧ - وما يروى عن عمر، وعلي ﵄[أنهما] قالا في قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. ففسره أحمد وسفيان بأنه ينشئ لهما سفرا من بلده مقصودا لهما، ويعين هذا أن النبي ﷺ وأصحابه لم يحرموا إلا من الميقات، وإلا يلزم مخالفة الأمر، وهو منفي قطعا، ثم قد تقدم أن عمر أنكر على عمران إحرامه من مصره، فكيف ينكر المأمور، والله أعلم.
قال: فإن فعل فهو محرم.
ش: إذا ترك الاختيار، وأحرم قبل الميقات صح إحرامه بالإجماع، حكاه ابن المنذر وما تقدم عن عمر، وعثمان يدل على ذلك، إذ لم يأمرا من أحرم قبل الميقات بإعادة الإحرام، وهل يكره؟ فيه قولان المجزوم به عند أبي محمد الكراهة، تبعا لما نقل عن عثمان ﵁ وحذارا من المخالفة لما فعله سيد الأنام.
стр. 1233
قال: ومن أراد الإحرام فجاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع محرما إلى الميقات.
ش: يجب على المريد للنسك أن يحرم من الميقات، اقتداء بفعل رسول الله ﷺ ، وبقوله «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة» الحديث، ولأنه ميقات للعبادة، فلم يجز تجاوزه كميقات الصلاة، فإن أحرم فبها ونعمت، وإن جاوزه غير محرم فقد أثم إن كان عالما، ووجب عليه الرجوع إن أمكنه، ليأتي بالواجب، فإن رجع فأحرم من الميقات فلا دم عليه، وإن لم يرجع وأحرم من مكانه فعليه دم لتركه الواجب.
١٤٥٨ - وقد روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من ترك نسكا فعليه دم» روي موقوفا ومرفوعا وسواء رجع محرما إلى الميقات أو لم يرجع، إذ بالإحرام دون الميقات حصل ترك الواجب فوجب الدم، والأصل عدم سقوطه.
وقول الخرقي: ومن أراد الإحرام. مفهومه أن من لم يرد الإحرام ليس حكمه كذلك، فلا يخلو غير المريد للإحرام إما
стр. 1234
أن يريد الحرم أو دونه، فإن كان مراده دون الحرم فلا إحرام عليه بلا نزاع، لحديث ابن عباس، ولأن النبي ﷺ أتى بدرا مرتين ولم يحرم، ثم إن بدا له الإحرام أحرم من موضعه ولا شيء عليه، على ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد، اعتمادا على ظاهر حديث ابن عباس، وعن أحمد: يلزمه الرجوع إلى الميقات. انتهى.
وإن كان مراده الحرم فلا يخلو من ثلاثة أحوال:.
(أحدها) أن يكون قصده لذلك لحاجة تتكرر، كالاحتشاش والاحتطاب، ونحوهما، أو لقتال مباح، أو خوف، فيجوز له الدخول بغير إحرام، لظاهر حديث ابن عباس، ويخص القتال والخوف ونحوهما.
١٤٥٩ - بما روى جابر «أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» . رواه مسلم، والنسائي.
١٤٦٠ - وفي الصحيح «أنه ﷺ دخل مكة [عام الفتح] وعلى رأسه المغفر» ، الحديث قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرما، ويخص من تكررت حاجته لأن في وجوب الإحرام عليه إذا حرجا ومشقة، وهما منتفيان شرعا.
стр. 1235
الحال الثاني: أن يكون ممن لم يتعلق به الوجوب، كالصبي والعبد والكافر، فهؤلاء لا إحرام عليهم، لحديث ابن عباس ثم [أيضا] إن بلغ الصبي، وعتق العبد، وأرادا النسك وجب عليهما الإحرام من موضعهما، ولا شيء عليهما، لتعلق الوجوب بهما إذا، وكذلك الكافر يسلم على إحدى الروايتين، واختيار أبي محمد، نظرا إلى أن الإسلام يجب ما قبله، فحكم الخطاب إنما تعلق إذا (والرواية الثانية) : يجب عليه الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، فإن أحرم من موضعه فعليه دم، اختاره أبو بكر، والقاضي، وأبو الخطاب في خلافه الصغير وغيرهم، بناء على مخاطبته بالفروع على المذهب، ومن هنا يمتنع تخريج أبي محمد الرواية للصبي والعبد.
(الحال الثالث) من عدا ما تقدم، كالداخل لتجارة، أو زيارة ونحو ذلك، ففيه روايتان، أنصهما - وهو اختيار جمهور الأصحاب - وجوب الإحرام، لأنه من أهل فرض الحج، وحاجته لا تتكرر، أشبه مريد النسك.
والثانية: وهو ظاهر كلام الخرقي - لا إحرام عليه، وهو ظاهر النص.
١٤٦١ - وحكاه أحمد عن ابن عمر فعلى الأولى إذا دخل طاف وسعى وحلق وحل، نص عليه أحمد، والله أعلم.
стр. 1236
قال: ومن جاوز الميقات غير محرم فخشي إن رجع إلى الميقات فاته الحج أحرم من مكانه وعليه دم، والله أعلم.
ش: من جاوز الميقات ممن يلزمه الإحرام غير محرم، فخشي أنه إن رجع إلى الميقات فاته الحج، فإنه يسقط عنه الرجوع، ويحرم من موضعه، محافظة على إدراك الحج، ونظرا إلى وجوب ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما وعليه دم لتركه الواجب والله أعلم.
[باب ذكر الإحرام]
[سنن وآداب الإحرام]
«باب ذكر الإحرام»
قال: ومن أراد الحج - وقد دخل أشهر الحج - فإذا بلغ الميقات فالاختيار [له] أن يغتسل.
ش: الاختيار لمن أراد الإحرام أن يغتسل.
١٤٦٢ - لما روي عن خارجة بن زيد عن أبيه، «أن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل» . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
١٤٦٣ - وثبت «أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس لما نفست أن تغتسل وتهل» .
стр. 1237
١٤٦٤ - وكذلك أمر عائشة لما حاضت.
١٤٦٥ -[وفي الموطأ عن نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يغتسل لإحرامه] قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية بعرفة.
فإن لم يجد ماء سن له التيمم عند القاضي، لأنه قائم مقامه، فشرع كالغسل الواجب، ولم يسن له التيمم عند أبي محمد، لأنه غسل مسنون، أشبه غسل الجمعة، ولفوات المقصود منه وهو التنظيف.
стр. 1238
وقد أشعر كلام الخرقي بأن المطلوب أن لا يحرم الإنسان بالحج إلا من الميقات المكاني، وفي الميقات الزماني، أما الأول فقد تقدم، وأما الثاني فلا ريب فيه، بحيث لو أحرم قبل ذلك كره، قياسا على الميقات المكاني وخروجا من الخلاف، فإن بعض العلماء لا يصحح إحرامه بالحج قبل أشهره، وهو رواية عن أحمد ﵀، ويحتمله كلام الخرقي، لظاهر قول الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي وقت الحج أشهر معلومات، وإذا كان هذا وقته فلا يجوز تقديم شيء منه عليه كوقت الصلاة.
١٤٦٦ - «وعن ابن عباس ﵄: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» . رواه البخاري. أي الطريقة والشريعة، هذا هو الظاهر (والمذهب) المنصوص المختار للأصحاب صحة الحج قبلها، قياسا على الميقات المكاني، ولإطلاق قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ظاهره أن جميع الأهلة مواقيت الحج، وتحمل
стр. 1239
الآية الكريمة السابقة على ما عدا الإحرام من أفعال الحج، أو يقال: الإحرام مستصحب، فيكتفى بالجزء الواقع فيها، فما خرج شيء من أفعال الحج عنها، والسنة في قول ابن عباس يحتمل أنها المقابلة للواجب.
١٤٦٧ - كما في قول النبي ﷺ «إن الله فرض صيام رمضان، وسننت أنا قيامه» . وعلى الرواية الأولى - ولعلها أظهر - إذا أحرم بالحج صح عمرة، لصحة الإحرام بها في كل السنة، ومجرد الإحرام يقتضي أفعالها، وهو الطواف والسعي والحلق، وما زاد على ذلك مختص بالحج، وإذا بطل الخصوص بقي العموم فهو كما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها، لكن يقال على هذا بأن اقتضاء الإحرام لأفعالها لا يقتضي أنه إذا بطل الحج أنه تحصل له
стр. 1240
عمرة، إذ العمرة نسك آخر، فهو كالعصر إذا نقلها للظهر لا تصح ظهرا، غايته أن يقال: يتحلل بعمل عمرة.
وقد يبنى الخلاف في انعقاد الحج قبل أشهره على الخلاف في الإحرام، هل هو شرط أو ركن؟ فإن قلنا إنه شرط، صح، كالوضوء يصح قبل الوقت، وإن قلنا ركن لم يصح، إذ ركن العبادة لا يصح في غير وقتها، وقد يقال: على القول بالشرطية لا يصح أيضا، لأن بالإحرام دخل في الحج، فيلزم إيقاع جزء من العبادة في غير وقتها، والانفصال عن هذا جميعه بأنا لا نسلم أن هذه الأشهر هي الوقت له، بل جميع السنة وقت له، والله تعالى أعلم.
وقد عرفت من هنا أن تقييد الخرقي مريد الحج بهذا الحكم لتخرج العمرة، فإنها تفعل في كل السنة.
١٤٦٨ - قال ابن عباس ﵄: عن النبي ﷺ «عمرة في رمضان تعدل حجة» متفق عليه.
١٤٦٩ - وعنه «أن النبي ﷺ اعتمر أربعا، إحداهن في رجب» . رواه الترمذي وصححه.
стр. 1241
١٤٧٠ - وعن عائشة ﵂ أن «النبي ﷺ اعتمر عمرتين، عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال» . رواه أبو داود، والله أعلم.
قال: ويلبس ثوبين نظيفين.
ش: أي والاختيار [للمحرم] أن يلبس ثوبين [أي] نوعين من الثياب، وهما الإزار والرداء.
١٤٧١ - لما روي عن ابن عمر في حديث له عن النبي ﷺ قال «وليحرم أحدكم في إزار ورداء، ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل [من] الكعبين» ، رواه أحمد، وقال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله
стр. 1242
- ﷺ ، (والمستحب) أن يكونا نظيفين، جديدين أو غسيلين، إذ يستحب له تنظيف بدنه، فكذلك ثيابه، والأولى أن يكونا أبيضين.
١٤٧٢ - لقوله ﵇ «خير ثيابكم البياض» ، والله أعلم.
قال: ويتطيب.
١٤٧٣ - ش: لما «روت عائشة ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف، وبسطت يديها، وفي رواية: بطيب فيه مسك. وفي أخرى: في حجة الوداع للحل والإحرام. وفي أخرى: بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيص المسك في رأسه [ولحيته] » . وفي أخرى: «قال محمد بن المنتشر: سألت
стр. 1243
عبد الله بن عمر ﵄ عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما. فقال: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلي بقطران، أحب [إلي من] أن أفعل ذلك. [فدخلت على عائشة، فأخبرتها أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلي بقطران، أحب [إلي من] أن أفعل ذلك] . فقالت عائشة ﵂: أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرما - زاد في رواية -: ينضح طيبا» متفق عليه.
١٤٧٤ - ورئي ابن عباس محرما وعلى رأسه مثل الرب من الغالية.
١٤٧٥ - وقال مسلم بن صبيح: رأيت [ابن] الزبير وهو محرم، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو [كان] لرجل اتخذ منه رأس مال.
وكلام الخرقي يشمل ما له جرم، وما لا جرم له، وصرح به غيره.
стр. 1244
١٤٧٦ - وفي سنن أبي داود «عن عائشة ﵂ قالت: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهانها.»
ويشمل أيضا الطيب في البدن والثياب، وكذلك كلام كثير من الأصحاب، إذ التنظيف مقصود فيهما، وقال أبو محمد في الكافي والمغني: يستحب في بدنه لا في ثوبه. وهو الذي أورده ابن حمدان مذهبا، لأن في بعض روايات حديث عائشة ﵂: «طيبت رسول الله ﷺ لحله وطيبته لإحرامه، طيبا لا يشبه طيبكم هذا» . تعني ليس له بقاء، رواه النسائي. وفي الثوب يبقى.
١٤٧٧ - وحديث يعلى بن أمية ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، قد أهل بعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى؟ فقال
стр. 1245
«انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة» . متفق عليه، ورواه أبو داود وقال «اغسل عنك أثر الخلوق - أو قال -: أثر الصفرة» محمول [على] أنه كان زعفرانا.
١٤٧٨ - والنبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل، وإذا نهى عن ذلك في غير الإحرام ففيه أحذر، ثم حديث عائشة متأخر، لأنه في حجة الوداع، في السنة العاشرة، وهذا الحديث بالجعرانة سنة ثمان، والعمل بالمتأخر أولى، ودعوى اختصاصه ﷺ بالتطيب لهذا الحديث، مردود «بقول عائشة المتقدم: كنا نخرج مع رسول الله ﷺ [إلى مكة] فنضمد جباهنا» . الحديث. ثم هو في مقام البيان، وقد قال «خذوا عني مناسككم» فكيف لا يبين الخصوصية.
(تنبيه) : اللام في «لحله» لام الوقت، أي لوقت حله، كما في قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]
стр. 1246
و «وبيص الطيب» بريقه ولمعانه، يقال: وبص الشيء يبص وبيصا، وبص يبص بصيصا، و «ينضح» يفوح، وأصله الرشح، فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح، والرواية - بالحاء المهملة -، وجاء في بعض نسخ مسلم: «ينضخ» - بخاء معجمة -، فقيل: هما سيان في المعنى، وقيل: بل النضخ - بالمعجمة - أكثر من النضخ بالمهملة، وقيل غير ذلك. و «نضمد» يقال: ضمدت الجرح. إذا جعلت عليه الدواء، وضمدته بالزعفران ونحوه إذا لطخته.
و «السك» نوع من الطيب، و «الجعرانة» في الحل بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، وتخفف وتشدد، والتخفيف أكثر، قال المنذري: [وهو الذي قيده] المتقنون والله أعلم.
قال: فإن حضر وقت صلاة مكتوبة صلاها، وإلا صلى ركعتين.
ش: المستحب أن يحرم عقب صلاة، إما فريضة أو نافلة.
١٤٧٩ - لما روي عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر» . رواه النسائي.
стр. 1247
١٤٨٠ - وفي حديث ابن عباس ﵄: «خرج رسول الله ﷺ حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه» . والله أعلم.
[أنواع النسك]
قال: فإن أراد التمتع - وهو اختيار أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيقول: اللهم إني أريد العمرة.
ش: الأنساك ثلاثة، التمتع، والإفراد، والقران، ولا خلاف بين الأئمة والحمد لله في جواز كل منها.
١٤٨١ -[وقد شهد لذلك «قول عائشة ﵂: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل] ، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل» قالت: وأهل رسول الله ﷺ بالحج، وأهل به ناس معه، وأهل معه ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بالعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة» . متفق عليه.
واختلف الأئمة في الأولى - منها -[والأفضل] فذهب إمامنا ﵀ في نفر كثير من الصحابة وغيرهم إلى أن التمتع
стр. 1248
أفضل، وذهب أبو حنيفة ﵁ وجماعة إلى أن القران أفضل، وذهب مالك ونفر من الصحابة وغيرهم، وهو ظاهر مذهب الشافعي إلى أن الإفراد أفضل.
واختلفوا في إحرام رسول الله ﷺ ، فادعى كل أنه أحرم كمختاره، واختلافهم لاختلاف الأحاديث، فقد تقدم عن – عائشة ﵂ أنه أهل بالحج، وفي رواية عنها: أنه أفرد الحج.
١٤٨٢ - وكذا في مسلم وغيره عن ابن عمر، «أن رسول الله ﷺ أحرم بالحج مفردا» .
١٤٨٣ - «وروى أنس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا. وفي رواية: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لبيك حجا وعمرة» » .
١٤٨٤ - وعن جابر «أن رسول الله ﷺ : قرن الحج والعمرة» . رواه الترمذي، والنسائي.
стр. 1249
١٤٨٥ - «وعن ابن عمر أنه قرن الحج والعمرة، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله» . رواه النسائي.
١٤٨٦ - وجاء في رواية في الصحيح أنه أدخل الحج على العمرة، وأنه طاف لهما طوافا واحدا وقال: كذلك فعل رسول الله ﷺ .
١٤٨٧ - وعن علي نحو ذلك.
١٤٨٨ - «وعن عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق يقول «أتاني الليلة آت [من ربي] فقال: صل في هذا
стр. 1250
الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وفي رواية: وقل عمرة وحجة» .
١٤٨٩ - «وقال عمر ﵁ للصبي بن معبد - لما أخبره أنه أهل بهما -: هديت لسنة نبيك» ، رواه النسائي وغيره.
١٤٩٠ - «وقال سراقة بن مالك ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: وقرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع» . رواه أحمد، انتهى.
١٤٩١ - وروى ابن عباس ﵄ قال: «تمتع رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من نهى [عنها] معاوية» . رواه الترمذي، والنسائي.
стр. 1251
١٤٩٢ - «وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد تمتعنا مع رسول الله ﷺ » -. رواه مسلم وفي رواية النسائي وغيره: صنعناها مع رسول الله ﷺ بأمره، وصنعها هو ﷺ .
١٤٩٣ - «وعن ابن عباس ﵄ سمعت عمر ﵁ يقول: والله لا أنهاكم عن المتعة، فإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله ﷺ [يعني العمرة في الحج» . رواه النسائي.
١٤٩٤ - وسأل رجل ابن عمر ﵄ عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ ] أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ . [فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ ] رواه الترمذي.
стр. 1252
١٤٩٥ - وفي الصحيحين في رواية «عن عمران بن حصين: تمتع نبي الله ﷺ وتمتعنا معه.»
١٤٩٦ - وفي الصحيحين أيضا عن ابن عمر: «تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج» ، وروي غير ذلك.
وقيل: إنه ﷺ أحرم مطلقا، بدليل حديث عمر المتقدم، والمحققون على أنه ﷺ كان نسكه قرانا، والظاهر أنه ﷺ أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج، كما تقدم في الصحيح عن ابن عمر ﵄ أنه فعل ذلك، وأنه أخبر أن رسول الله ﷺ فعله.
١٤٩٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «أهل رسول الله ﷺ بعمرة، وأهل أصحابه بالحج» . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
١٤٩٨ - وفي الصحيحين من «حديث حفصة أنها قالت: يا رسول الله: ما شأن الناس حلوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» » أي والله أعلم من عمرتك التي ابتدأت بها الإحرام.
стр. 1253
وبهذا يحصل - وبالله التوفيق - الجمع بين الأحاديث، فمن أخبر أنه أفرد الحج فلأنه أحرم به مفردا، حيث أدخله على العمرة، ومن أخبر أنه قرن فلأن نسكه كان قرانا فأخبر بما آل إليه الحال، ومن أخبر أنه تمتع فلأنه لم يفرد الحج [بسفرة] ، والعمرة بسفرة، بل جمع بينهما في نسك واحد، فقول الراوي: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج. أي [تمتع] بالعمرة موصلا بها إلى الحج، وعلى هذا فالآية الكريمة، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] قد يقال: إنه يشمل القران والتمتع.
وإنما اختار إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - المتعة ليس - والله أعلم - لأن إحرام النبي ﷺ كان تمتعا، ولكن لأمره أصحابه ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة، وقد ثبت ذلك عنه ثبوتا لا ريب فيه، وسيأتي طرف منه - إن شاء الله تعالى -، ولم يكن ﷺ لينقلهم إلى المفضول ويترك الأفضل، وإنما منعه ﷺ من الفسخ سوق الهدي، كما صرح به ﷺ .
١٤٩٩ - ففي حديث عائشة في رواية لأبي داود أنه قال ﷺ : «من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل، ولولا أني أهديت لأهللت بعمرة» .
стр. 1254
١٥٠٠ - وعنها أيضا أن رسول الله ﷺ قال « «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي» رواه أبو داود، والبخاري بنحوه.
١٥٠١ - وفي حديث جابر لما أمر أصحابه بجعل نسكهم عمرة قال «إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت [ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» متفق عليه.
١٥٠٢ - وفي حديث أنس «لو استقبلت من أمري] ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي، وقرنت بين الحج والعمرة» رواه أحمد فأخبر ﵇ أنه إنما منعه من الإحرام بالعمرة سوق الهدي، وأنه لولا سوقه لفسخ إحرامه إلى العمرة، وتأسف على ذلك، ولم يكن ليندم إلا على الأفضل والأولى، ثم إن التمتع مذكور في كتاب الله تعالى، بخلاف غيره، ويجتمع له العمرة والحج في أشهر الحج، مع كمالهما وكمال أفعالهما، مع سهولة، وزيادة نسك، [وهو الدم] يرشح هذا حديث أبي أيوب المتقدم. «ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» وأيضا فإن عمرة التمتع تجزئ بلا خلاف،
стр. 1255
بخلاف عمرة القران، والعمرة من التنعيم بعد الحج، فإن فيهما خلافا.
ثم من العلماء من أوجب التمتع.
١٥٠٣ - كما يحكى عن ابن عباس ﵄ وهو قول الظاهرية، بخلاف النسكين الآخرين، فإنه لا يعلم قائل بوجوبهما.
١٥٠٤ - وما يحكى عن عمر , وعثمان من نهيهما عن ذلك، فقد خالفهما غيرهما.
стр. 1256
١٥٠٥ - قال سعيد بن المسيب: اجتمع عثمان وعلي بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى الناس عنه؟ فقال [له عثمان] : دعنا عنك. قال: إني لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى ذلك أهل بهما جميعا. متفق عليه وقد تقدم الإشارة من ابن عمر إلى الإنكار على أبيه.
١٥٠٦ - مع أن في الصحيحين في حديث لأبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة في زمن أبي بكر، وشطرا من خلافة عمر، وأنه قيل له: اتئد في فتياك، إنك لا تدري ما يحدث أمير المؤمنين في شأن النسك [وأنه جاء إلى عمر فقال: ما هذا الذي بلغني أنك أحدثت في شأن النسك] فقال عمر: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فقد قال «خذوا عني مناسككم» «فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي» . وفي رواية لمسلم: قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا
стр. 1257
معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون إلى الحج تقطر رءوسهم.
فهذا في الحقيقة ليس بمخالفة، فإن عثمان لم يبين [حجة] ، بل أذعن لذلك، وعمر بين عذره في ذلك، وهو الأمر بإتمام الحج والعمرة، ومراده في ذلك والله أعلم أن يأتي بكل من النسكين في سفرة، كما روي عنه أنه يحرم بهما من دويرة أهله، ولا نزاع بين أهل العلم أن هذا الصورة أفضل بلا نزاع، واعتذر أيضا بأن رسول الله ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي، وقد بين الرسول ﵇ المانع له من الحل، واعتذر أيضا بأنه [كره] أن يظلوا معرسين إلى آخره.
١٥٠٧ - وقد ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقالوا: كيف ننطلق إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا؟ فغضب رسول الله ﷺ ، ودخل على عائشة ﵂ فقالت: من أغضبك أغضبه الله؟ قال: «كيف لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع» رواه أحمد، وابن ماجه انتهى.
стр. 1258
وعن أحمد ﵀ رواية أخرى - واختارها أبو العباس فيما أظن - أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، لأنه الذي اختاره الله لنبيه، وأمره به، كما تقدم في حديث عمر، ولقوله ﵇: «لولا أن معي الهدي لأحللت بعمرة» .
وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة، وهي تحتمل أكثر من هذا، وحالنا وحال الكتاب يقتضي الاقتصار على هذا وبالله التوفيق.
إذا تقرر هذا فصفة التمتع [أن يحرم] بالعمرة [في أشهر الحج] ثم يحج من عامه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي تمتع [بالعمرة] موصلا بها إلى الحج، وقد أشار [إلى هذا]
стр. 1259
الشيخان أبو البركات، وأبو محمد في المغني، عند [ذكر] شروط وجوب الدم على المتمتع، قال: حقيقة التمتع ... وذكر ما قلناه، ولا يغرنك ما وقع في كلام أبي محمد وغيره من أن التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج [من مكة] إلى آخره، فإن هذا التمتع الموجب للدم [ومن] هنا قلنا: إن تمتع حاضري المسجد الحرام صحيح على المذهب، وقال ابن أبي موسى: لا متعة لهم. ويحكى ذلك رواية، وقد تعرض أبو محمد لها فقال: نقل عن أحمد: ليس على أهل مكة متعة، ومعناه ليس عليهم دم متعة، لأن المتعة له لا عليه، انتهى.
(قلت) : وقد يقال: إن هذا من الإمام بناء على أن العمرة لا تجب عليهم، فلا متعة عليهم، أي الحج كافيهم، لعدم وجوب العمرة [عليهم] فلا حاجة لهم إلى المتعة.
وقول الخرقي: يقول: اللهم إني أريد العمرة. أراد به الاستحباب، وإلا فالمشترط قصد ذلك، والله أعلم.
[الاشتراط في الإحرام]
قال: ويشترط فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن حبس حل من الموضع الذي حبس فيه، ولا شيء عليه.
ش: الاشتراط عندنا في الإحرام جائز بل مستحب.
١٥٠٨ - لما روى ابن عباس ﵄ «أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني [أريد] الحج أشترط؟ قال: «نعم» قالت: كيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي [من الأرض]
стр. 1260
حيث حبستني» رواه الجماعة إلا البخاري، وهذا لفظ أبي داود. وفي رواية للنسائي: «فإن [لك] على ربك ما استثنيت» .
١٥٠٩ - وهو للشيخين من رواية عائشة ﵂.
١٥١٠ - ورواه أحمد عن عكرمة، «عن ضباعة قالت: قال رسول الله ﷺ «أحرمي وقولي: إن محلي حيث حبستني، فإن حبست أو مرضت فقد حللت من ذلك، بشرطك على ربك » وصفته كما في الحديث وما في معناه، لأن المعنى هو المقصود.
١٥١١ - وعن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي، وإلا فلا حرج علي. ويفيد هذا الشرط شيئين:
стр. 1261
(أحدهما) : [أنه متى حبس بمرض، أو ذهاب نفقة، ونحوهما فإنه يحل، على ظاهر كلام الخرقي، وصاحب التلخيص فيه، وأبي البركات، وهو ظاهر الحديث، وقال القاضي في الجامع، وأبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد: إن له التحلل. فإذا لا بد من قصده.
(الثاني) : أنه متى حل بذلك أو بعذر ونحوه فلا شيء عليه من دم، ولا غيره.
(تنبيهان) : (أحدهما) : هل يكفي قصده للاشتراط تبعية للإحرام، أو لا بد من التلفظ، كالاشتراط في الوقت ونحوه؟ فيه احتمالان.
(الثاني) : «محلي» - بكسر الحاء وفتحها -، وهو موضع الحلول، والله أعلم.
قال: وإن أراد الإفراد قال: اللهم إني أريد الحج. ويشترط.
ش: الإفراد أن يحرم بالحج مفردا [قاله أبو محمد] .
وقال بعض الأصحاب أن لا يأتي في أشهر الحج بغيره. وهو أجود. ويشترط فيه كالعمرة، والله أعلم.
قال: وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد العمرة والحج. ويشترط.
стр. 1262
ش: القران أن يحرم بالعمرة والحج معا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، قبل فعل ركنها الأعظم وهو الطواف.
١٥١٢ - وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه أدخل الحج على العمرة عام حجة الحرورية. وذكر الحديث وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ .
١٥١٣ - وكذلك [في الصحيح» عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر عائشة بذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولو أدخل العمرة على الحج لم يصح، لعدم الأثر في ذلك، ولأنه لم يستفد به فائدة، بخلاف ما تقدم.
وظاهر كلام الخرقي أنه يستحب أن ينطق بما أحرم به من عمرة، أو حج، أو هما، وهو المشهور. وعن أبي الخطاب: لا يستحب ذكر ما أحرم به، والله أعلم.
[التلبية في الحج]
قال: فإذا استوى على راحلته لبى.
ش: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يلبي إلا إذا استوت به راحلته.
١٥١٤ - وذلك لما «روى ابن عمر ﵄ قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره» .
وفي رواية:
стр. 1263
رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حين تستوي به قائمة. متفق عليه.
والمشهور في المذهب أن الأولى أن يلبي حين يحرم.
١٥١٥ - لما روى سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب. فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنها إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجا، فلما صلى بمسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظت عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استوت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء. رواه أبو داود، وقال المنذري: وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني وهو ضعيف.
стр. 1264
(تنبيه) : «البيداء» البرية، والمراد في الحديث موضع مخصوص بين مكة والمدينة. و «الإهلال» رفع الصوت بالتلبية، وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل، وبه سمي الهلال، لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، «أوجب» إذا باشر مقدمات الحج من [الإحرام] والتلبية. و «أرسالا» أي متتابعين، قوما بعد قوم، و «استقلت به راحلته» أي نهضت به حاملة له، والله أعلم.
قال: فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ش: لما ذكر أنه يلبي [ذكر] صفة التلبية، وهذه تلبية رسول الله ﷺ .
١٥١٦ - ففي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄ «أن تلبية رسول الله ﷺ «لبيك اللهم لبيك، [لبيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» » قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك
стр. 1265
لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
(تنبيه) : لبيك» لفظ يجاب به الداعي، وهو في تلبية الحج إجابة لدعاء الله تعالى الناس إلى الحج في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية ومعنى هذه التثنية فيه، أي مرة بعد مرة، وهو من: ألب بالمكان. إذا أقام به، كأنه قال: إقامة على إجابتك بعد إقامة. وقيل: من قولهم: أنا ملب بين يديك. أي خاضع، وقيل غير ذلك، «وسعديك» المساعدة الطاعة أي مساعدة بعد مساعدة، قال الجرمي: ولم يسمع سعديك مفردا. و «الرغباء والرغبى» - بالفتح مع المد، والضم مع القصر -، والمعنى هنا الطلب والمسألة.
«وإن الحمد» - بالفتح، وبالكسر ورجحه بعضهم -، قال ثعلب: من قال بالكسر فقد عم، ومن قال بالفتح فقد خص، والله أعلم.
قال: ثم لا يزال يلبي إذا علا نشزا، أو هبط واديا، وإذا التقت الرفاق، وإذا غطى رأسه ناسيا، وفي دبر الصلوات المكتوبة.
ش: أما فيما عدا تغطية الرأس:
следующие страницы →