Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
(أحدهما) : [أنه متى حبس بمرض، أو ذهاب نفقة، ونحوهما فإنه يحل، على ظاهر كلام الخرقي، وصاحب التلخيص فيه، وأبي البركات، وهو ظاهر الحديث، وقال القاضي في الجامع، وأبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد: إن له التحلل. فإذا لا بد من قصده.
(الثاني) : أنه متى حل بذلك أو بعذر ونحوه فلا شيء عليه من دم، ولا غيره.
(تنبيهان) : (أحدهما) : هل يكفي قصده للاشتراط تبعية للإحرام، أو لا بد من التلفظ، كالاشتراط في الوقت ونحوه؟ فيه احتمالان.
(الثاني) : «محلي» - بكسر الحاء وفتحها -، وهو موضع الحلول، والله أعلم.
قال: وإن أراد الإفراد قال: اللهم إني أريد الحج. ويشترط.
ش: الإفراد أن يحرم بالحج مفردا [قاله أبو محمد] .
وقال بعض الأصحاب أن لا يأتي في أشهر الحج بغيره. وهو أجود. ويشترط فيه كالعمرة، والله أعلم.
قال: وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد العمرة والحج. ويشترط.
стр. 1262
ش: القران أن يحرم بالعمرة والحج معا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، قبل فعل ركنها الأعظم وهو الطواف.
١٥١٢ - وفي الصحيحين عن ابن عمر، أنه أدخل الحج على العمرة عام حجة الحرورية. وذكر الحديث وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ .
١٥١٣ - وكذلك [في الصحيح» عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر عائشة بذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولو أدخل العمرة على الحج لم يصح، لعدم الأثر في ذلك، ولأنه لم يستفد به فائدة، بخلاف ما تقدم.
وظاهر كلام الخرقي أنه يستحب أن ينطق بما أحرم به من عمرة، أو حج، أو هما، وهو المشهور. وعن أبي الخطاب: لا يستحب ذكر ما أحرم به، والله أعلم.
[التلبية في الحج]
قال: فإذا استوى على راحلته لبى.
ش: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يلبي إلا إذا استوت به راحلته.
١٥١٤ - وذلك لما «روى ابن عمر ﵄ قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره» .
وفي رواية:
стр. 1263
رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حين تستوي به قائمة. متفق عليه.
والمشهور في المذهب أن الأولى أن يلبي حين يحرم.
١٥١٥ - لما روى سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب. فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنها إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجا، فلما صلى بمسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظت عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استوت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء. رواه أبو داود، وقال المنذري: وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني وهو ضعيف.
стр. 1264
(تنبيه) : «البيداء» البرية، والمراد في الحديث موضع مخصوص بين مكة والمدينة. و «الإهلال» رفع الصوت بالتلبية، وكل شيء ارتفع صوته فقد استهل، وبه سمي الهلال، لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، «أوجب» إذا باشر مقدمات الحج من [الإحرام] والتلبية. و «أرسالا» أي متتابعين، قوما بعد قوم، و «استقلت به راحلته» أي نهضت به حاملة له، والله أعلم.
قال: فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ش: لما ذكر أنه يلبي [ذكر] صفة التلبية، وهذه تلبية رسول الله ﷺ .
١٥١٦ - ففي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄ «أن تلبية رسول الله ﷺ «لبيك اللهم لبيك، [لبيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» » قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك
стр. 1265
لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
(تنبيه) : لبيك» لفظ يجاب به الداعي، وهو في تلبية الحج إجابة لدعاء الله تعالى الناس إلى الحج في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآية ومعنى هذه التثنية فيه، أي مرة بعد مرة، وهو من: ألب بالمكان. إذا أقام به، كأنه قال: إقامة على إجابتك بعد إقامة. وقيل: من قولهم: أنا ملب بين يديك. أي خاضع، وقيل غير ذلك، «وسعديك» المساعدة الطاعة أي مساعدة بعد مساعدة، قال الجرمي: ولم يسمع سعديك مفردا. و «الرغباء والرغبى» - بالفتح مع المد، والضم مع القصر -، والمعنى هنا الطلب والمسألة.
«وإن الحمد» - بالفتح، وبالكسر ورجحه بعضهم -، قال ثعلب: من قال بالكسر فقد عم، ومن قال بالفتح فقد خص، والله أعلم.
قال: ثم لا يزال يلبي إذا علا نشزا، أو هبط واديا، وإذا التقت الرفاق، وإذا غطى رأسه ناسيا، وفي دبر الصلوات المكتوبة.
ش: أما فيما عدا تغطية الرأس:
стр. 1266
١٥١٧ - فلما يروى عن جابر ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يلبي في حجته إذا لقي ركبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل» .
١٥١٨ - وعن إبراهيم: كانوا يستحبون. وذكر نحوه، إلا أنه أبدل آخر الليل: فإذا استوت به راحلته. وأما في تغطية الرأس، وما في معناه من فعل محظور ناسيا، فليبادر لما هو عليه، والإقلاع عما صدر عنه، والله أعلم.
قال: والمرأة أيضا يستحب لها أن تغتسل عند الإحرام، وإن كانت حائضا أو نفساء، لأن «النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام» .
ش: قياسا على الرجل، والحائض والنفساء كغيرهما، بل قال أبو محمد: إنه في حقهما آكد، لورود السنة فيهما.
١٥١٩ - ففي حديث جابر الصحيح: أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء
стр. 1267
بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ فقال: «اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي» .
١٥٢٠ - وفي حديثه الصحيح أيضا « [في قصة عائشة» أنها لما حاضت، وكانت قد أحرمت بعمرة قال لها: هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج» ففعلت.
١٥٢١ - وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «النفساء والحائض إذا أتتا على الميقات، يغتسلان، ويحرمان، ويقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت» رواه أبو داود، والترمذي. ولأن المقصود من غسل الإحرام، التنظيف، وهما أجدر بذلك، وهذا يؤيد أن غسل الجنابة يصح من الحائض، وأن التيمم لا مدخل له في غسل الإحرام.
(تنبيه) : «استثفري» استثفرت المرأة الحائض إذا شدت على فرجها خرقة، وعطفت طرفيها إلى شيء مشدود في وسطها، من مقدمها ومؤخرها، مأخوذ من «ثفر الدابة» وهو ما يكون تحت ذنبها، والله أعلم.
стр. 1268
قال: ومن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه.
ش: لما تقدم من حديث يعلى بن أمية، والخالع غير لابس، والله أعلم.
[أشهر الحج]
قال: وأشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. والله أعلم.
١٥٢٢ - ش: قال ابن عمر ﵄: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. رواه البخاري.
١٥٢٣ - وللدارقطني مثله عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير.
١٥٢٤ - وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : «وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: «أي يوم هذا؟» قالوا: يوم النحر. قال: «هذا يوم الحج الأكبر» رواه البخاري،
стр. 1269
وأبو داود، ونزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا. وإنما رآه في ساعة منها. انتهى.
وفائدة ذلك عندنا وعند الحنفية اليمين، وعند الشافعي عدم صحة
стр. 1270
الإحرام في غيرها، وعند مالك وجوب الدم بتأخير طواف الزيارة عنها، قال القاضي: جميع ذلك، والله أعلم.
[باب ما يتوقى المحرم وما أبيح له]
قال: ويتوقى المحرم في إحرامه ما نهاه الله عنه من الرفث - وهو الجماع - والفسوق - وهو السباب - والجدال، وهو المراء.
ش: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قرئت [المنفيات] الثلاث بالنصب والرفع، وعلى كليهما هو خبر بمعنى النهي، أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا، وهذه وإن منع الإنسان منها في غير الحج، لكن فيه أجدر، ولهذا وردت بلفظ الخبر، إشارة بأنها
стр. 1271
جديرة بأن تنفى ولا توجد ألبتة، وقرئ الأولان بالرفع، والثالث بالنصب، حملا للأوليين - والله أعلم - على النهي، أي لا يكون رفث ولا فسوق، والثالث على الخبر [المحض] بانتفاء الجدال.
١٥٢٥ - وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب، فتقف في المشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة، ويؤخرونه سنة، وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله - سبحانه - أنه قد ارتفع الجدال في الحج.
١٥٢٦ - ويؤيد هذا قول النبي ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ولم يذكر الجدال، وميل الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - للأول.
стр. 1272
١٥٢٧ - وفسر الرفث بالجماع، والفسوق بالسباب، والجدال بالمراء، تبعا في ذلك لابن عباس ﵄، ذكره عنه البخاري تعليقا.
١٥٢٨ - وحكي ذلك [أيضا] عن ابن عمر، وجماعة من التابعين وقيل: الرفث الفحش من الكلام، وأصله الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه كلفظ النيك.
стр. 1273
١٥٢٩ - ويحكى عن ابن عباس ﵄ أنه أنشد وهو محرم:
وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا
فقيل له: أرفثت؟ فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء. انتهى.
وكني به عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو منه. وقيل في الفسوق: إنه الخروج عن حدود الله تعالى، وهو أعم وأوفق للغة، والمراد بالمراء المراء مع الخدم، والرفقاء، والمكارين ونحو ذلك.
(تنبيه) «هميسا» : [المشي] اللين و «لميسا» اسم جارية لابن عباس ﵁ والله أعلم.
стр. 1274
قال: ويستحب له] قلة الكلام إلا فيما ينفع، وقد روي عن شريح ﵀ أنه كان إذا أحرم كأنه حية صماء.
ش: قلة الكلام في الجملة مستحب لكل أحد، وهو في حق المحرم آكد، لتلبسه بهذه العبادة العظيمة، وتشبهه بالقادم على ربه في يوم القيامة.
١٥٣٠ - وفي الصحيح: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
١٥٣١ - «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» .
١٥٣٢ - وقد استشهد أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على قلة الكلام في هذا
стр. 1275
بخصوصه بفعل شريح - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - – أما ما فيه نفع من الكلام - كتعليم جاهل، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، ونحو ذلك - فأمر مطلوب بلا ريب، بل قد يجب، ويتأكد في حق المحرم، فإنه كما يتأكد في [حقه] ترك المنهيات، كذلك يتأكد في حقه فعل الواجبات والمندوبات والله أعلم.
قال: ولا يتفلى المحرم ولا يقتل القمل.
ش: المحرم لا يقتل القمل في أنص الروايتين، واختيار الخرقي، لأنه مما يترفه به، فمنع منه كقطع الشعر.
١٥٣٣ - وهو ظاهر حال كعب بن عجرة.
١٥٣٤ - وفي الموطأ عن نافع أن ابن عمر قال: يكره أن ينزع المحرم حلمة أو قرادا عن بعيره.
(والثانية) : له ذلك منيطا للحكم
стр. 1276
بالأذى، قال: كل شيء من جسده لا بأس به، إذا آذى انتهى، وقياسا على البراغيث، فإنه لا نزاع في جواز قتلهن، وقال أبو محمد: وقتل القمل، وإلقاؤه على الأرض، وقتله بالزئبق ونحو ذلك سواء، نظرا لعلة المنع وهو الترفه. انتهى.
قال القاضي في الروايتين: وموضع الروايتين إذا ألقاها من بين شعر رأسه، أو بدنه، أو لحمه، أما إن ألقاها من ظاهر بدنه، أو ثيابه، أو بدون محل، أو محرم غيره، فهو جائز، ولا شيء عليه رواية واحدة. انتهى.
والتفلي وسيلة إلى قتل القمل، فإن جاز جاز وإلا منع، وحيث تفلى وقتل القمل حيث منع منه (فعنه) : لا شيء عليه لأن كعبا ﵁ قتل قملا كثيرا بحلق رأسه، ولم يؤمر إلا بفدية حلق الشعر فقط.
١٥٣٥ - وعن ابن عمر: هو أهون مقتول.
١٥٣٦ - وعن ابن عباس في محرم ألقى قملة ثم طلبها: تلك ضالة لا تبتغى (وعنه) : يتصدق بشيء ما، جبرا لما حصل منه، والله أعلم.
стр. 1277
قال: ويحك رأسه وجسده حكا رفيقا.
ش: يحك رأسه وجسده في الجملة، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
١٥٣٧ - وقد روى مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم يحك جسده؟ قالت: نعم، فليحكه وليشدد. قالت عائشة: لو ربطت يداي فلم أجد إلا رجلي لحككت.
ويكون برفق حذارا من إزالة ما منع منه من شعر أو قمل، فإن حك فوجد في يديه شعرا استحب له الفداء احتياطا، ولا يجب حتى يتيقن أنه قلعه، والله أعلم.
قال: ولا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا البرنس.
ش: هذا إجماع - والحمد لله - من أهل العلم.
١٥٣٨ - وقد شهد له ما في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم؟ فقال: «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس، ولا زعفران، ولا الخفين، إلا
стр. 1278
أن لا يجد نعلين، فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» . وفي رواية: ما يترك المحرم من الثياب؟ فتخصيصه ﷺ القميص تخصيص تمثيل، فيلحق به ما في معناه من الجبة، والدراعة ونحوهما، وكذلك العمامة يلحق بها ما في معناها، من كل ساتر معتاد، أو كل ساتر ملاصق، على اختلاف العلماء، وكذلك السراويل يلحق به التبان وما في معناه، وضابط ذلك كل شيء عمل للبدن على قدره، أو قدر عضو منه، كهذه المذكورات، وسواء كان مخيطا أو غير مخيط كلبد ونحوه، والله أعلم.
قال: فإن لم يجد الإزار لبس السراويل، فإن لم يجد النعلين لبس الخفين.
١٥٣٩ - ش: لما روى عبد الله بن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ قال: «من لم يجد إزارا فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين
стр. 1279
فليلبس الخفين» رواه الجماعة، ولفظ الترمذي: «المحرم إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين» .
١٥٤٠ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل» رواه أحمد، ومسلم والله أعلم.
قال: ولا يقطعهما ولا فداء عليه.
ش: إذا لبس المحرم الخفين لعدم النعلين جاز له لبسهما من غير قطع، على المنصوص [المشهور] المختار من الروايتين، عملا بإطلاق حديثي ابن عباس، وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، ولو وجب لبينه، لا يقال: قد بين ذلك ﷺ في حديث ابن عمر، فيحمل المطلق على المبين، جمعا بين الأدلة، لأنا نقول: يشترط في حمل المطلق على المقيد أن لا يفضي الإطلاق إلى تأخير بيان واجب، والحمل هنا مفض إلى ذلك، لأن حديث ابن عمر كان في المدينة، كذا في رواية لأحمد والدارقطني.
стр. 1280
١٥٤١ - ففي رواية أحمد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر، وفي رواية الدارقطني: أن رجلا نادى في المسجد: ماذا يترك المحرم من الثياب؟ وحديث ابن عباس كان في خطبته بعرفات، كذا في الصحيح، وهو وقت الحاجة للبيان، وقد حضره في ذلك الوقت من لم يحضره في غيره، واجتمع من الخلائق عدد لا يحصيهم إلا الله تعالى، ثم تفرقوا عنه بعد قليل، والذين حضروا قوله بالمدينة كانوا نفرا يسيرا، بحيث يقطع المنصف بأنه لا يتصور منهم البيان لكل من حضر إذ ذاك، فيلزم من ذلك أن يكون إطلاق خبر ابن عباس ناسخا للتقييد في حديث ابن عمر، دفعا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويؤيد هذا أن جملة الصحابة عملوا على ذلك.
١٥٤٢ - فعن عمر ﵁: الخفان نعلان، لمن لا نعل له.
١٥٤٣ - وعن علي ﵁: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين، ونحوه عن ابن عباس.
١٥٤٤ - ورئي على المسور بن مخرمة في رجليه خفان وهو محرم، فقيل له: ما هذا؟ قال: أمرتنا به عائشة. روى ذلك كله النجاد بإسناده، ويرشح هذا ما في القطع من إفساد المال
стр. 1281
المنهي عنه شرعا.
١٥٤٥ - على أنه قد روى ابن أبي موسى، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما.» [وكان ابن عمر يفتي بقطعهما] قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع وهذا تصريح بالنسخ.
١٥٤٦ - إلا أن الذي في سنن أبي داود عن سالم بن عبد الله، «أن عبد الله بن عمر كان يصنع ذلك - يعني يقطع الخفين - للمرأة المحرمة. ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة - رضي
стр. 1282
الله عنها - حدثتها، أن رسول الله ﷺ قد كان رخص للنساء في الخفين. فترك ذلك.»
(والرواية الثانية) : يقطعهما إلى أسفل الكعبين، فإن لبسهما من غير قطع افتدى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، حملا للمطلق على المقيد تساهلا.
قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا - يعني في قوله بعدم القطع قال: فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقل سنة لم تبلغه. قلت: والعجب كل العجب من الخطابي ﵀ في توهمه عن الإمام أحمد ﵀ مخالفة السنة أو خفاءها، وقد قال المروذي: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي ﷺ ، قلت: هو زيادة في الخبر. فقال: هذا حديث، وذاك حديث. فقد اطلع ﵀ على السنة، وإنما نظر نظرا لا ينظره إلا الفقهاء المتبصرون، وهو يدل على غايته في الفقه والنظر.
стр. 1283
وقد دل كلام الخرقي ﵀ أنه لا فدية على من لبس السراويل لعدم الإزار، ولا على من لبس الخفين لعدم النعلين، وهو واضح، لظاهر حديثي ابن عباس وجابر ﵄، والله أعلم.
قال: ويلبس الهميان، ويدخل السيور بعضها في بعض، ولا يعقدها.
ش: يلبس الهميان، قال أبو عمر بن عبد البر: على ذلك جماعة الفقهاء، متقدموهم ومتأخروهم، ويدخل السيور بعضها في بعض، لئلا تسقط، ولا يعقدها لعدم الحاجة إلى ذلك، نعم، إن احتاج إلى ذلك، كأن لا يثبت بدون العقد جاز ذلك، نص عليه أحمد.
١٥٤٧ - لقول عائشة ﵂ أوثق عليك نفقتك.
١٥٤٨ - وعلى هذا يحمل قول إبراهيم النخعي: كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم، ولا يرخصون في عقد غيره، والله أعلم.
قال: وله أن يحتجم.
стр. 1284
١٥٤٩ - ش: في الصحيحين عن عبد الله بن عباس ﵄. «قال: احتجم النبي ﷺ وهو محرم.»
١٥٥٠ - وعن أنس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، على ظهر القدم من وجع كان به» . رواه أبو داود، والله أعلم.
قال: ولا يقطع شعرا.
ش: لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإن احتاج إلى القطع فله ذلك.
١٥٥١ - لما رواه عبد الله بن مالك بن بحينة قال: «احتجم رسول الله ﷺ بلحي جمل، من طريق مكة في وسط رأسه» . متفق عليه، ومن ضرورة ذلك حلق الشعر، وتلزمه والحال هذه الفدية لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، والله أعلم.
قال: ويتقلد بالسيف عند الضرورة.
١٥٥٢ - ش: لما روى البراء بن عازب ﵄ قال: «لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا
стр. 1285
بجلبان السلاح. فسألته: ما جلبان السلاح؟ قال: القراب بما فيه.» رواه الشيخان، وأبو داود وهذا لفظه، وهذا محل حاجة، لأنه ﵇ لم يأمن أهل مكة أن ينقضوا العهد. ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يفعل ذلك لغير ضرورة، ولذلك قال أحمد: لا إلا من ضرورة.
١٥٥٣ - وذلك لأن ابن عمر ﵄ قال: لا يحمل المحرم السلاح في الحرم. قال أبو محمد: والقياس إباحة ذلك، لأنه ليس في معنى اللباس المنصوص على منعه.
(تنبيه) : «الجلبان» بضم الجيم واللام، وفتح الباء الموحدة المشددة، وبنون بعد الألف، وروي بضم الجيم وسكون اللام، مثل الجلبان من الحبوب، وصوبه جماعة، وقد فسرها هنا بالقراب وما فيه.
١٥٥٤ - وفي حديث آخر: السيف والقوس ونحوه، والله أعلم.
стр. 1286
قال: وإن طرح على كتفيه القباء والدواج فلا يدخل يديه في الكمين.
ش: لا إشكال في أنه ليس له أن يدخل يديه في كمي القباء والفرجية ونحوهما، ومن فعل ذلك افتدى، أما إن وضع ذلك على كتفيه، ولم يدخل يديه في كميه، فظاهر كلام الخرقي أن له ذلك ولا شيء عليه، وهو الذي صححه صاحب التلخيص، لأنه لم يشتمل على جميع بدنه، أشبه ما لو ارتدى بالقميص.
وظاهر كلام الإمام أحمد المنع من ذلك، قال في رواية حرب: لا يلبس الدواج ولا شيئا يدخل منكبيه فيه.
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا لبس القبا لا يدخل عاتقيه فيه. وهذا اختيار القاضي في خلافه وأبي الخطاب، وأبي البركات وغيرهم، لأنه يلبس معتادا هكذا، فمنع منه كالقميص.
١٥٥٥ - وقد روى النجاد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: من اضطر إلى لبس قباء وهو محرم، ولم يكن له غيره، فلينكس القباء وليلبسه.
стр. 1287
١٥٥٦ - وروى ابن المنذر «أن النبي ﷺ نهى عن لبس الأقبية» وعلى هذا عليه الفدية كما لو لبس القميص، والله أعلم.
قال: ولا يظلل على رأسه في المحمل.
ش: هذا هو المشهور عن أحمد، والمختار لأكثر الأصحاب، حتى أن القاضي في التعليق وفي غيره، وابن الزاغوني، وصاحب التلخيص، وجماعة لا خلاف عندهم في ذلك، لأن المحرم أشعث أغبر، وهذا تظليل مستدام فيزيلهما.
١٥٥٧ - واعتمد أحمد على قول ابن عمر - وقد رأى رجلا محرما على رحل، قد رفع ثوبه بعود يستره من حر الشمس - فقال: أضح لمن أحرمت له، رواه الأثرم، وفي لفظ أنه قال له: إن الله لا يحب الخيلاء. وفي لفظ أنه ناداه: اتق الله. رواهما النجاد.
стр. 1288
وحكى ابن أبي موسى والشيخان رواية بالجواز، وهي اختيار أبي محمد، قال: ظاهر كلام أحمد ﵀ أنه إنما كره ذلك كراهية تنزيه، وذكر رواية الأثرم عن أحمد: أكره ذلك، قيل له: فإن فعل يهريق دما؟ قال: لا، وأهل المدينة يغلظون فيه.
١٥٥٨ - وذلك لما «روت أم الحصين ﵂ قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة، وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» . رواه مسلم وغيره.
١٥٥٩ - وعن عثمان ﵁ أنه ظلل عليه وهو محرم.
стр. 1289
١٥٦٠ - وعن ابن عباس: لا بأس بالظل للمحرم. وكما لو استظل بخيمة، أو بيت ونحوهما، وقد ذكر لأحمد حديث أم الحصين فقال: هذا في الساعة، يرفع له الثوب بالعود، يرفعه بيده من حر الشمس، يعني أن هذا يسير غير مستدام، [بخلاف ظل المحمل ونحوه، فإنه مستدام] وهذا هو الجواب عن الاستظلال بالخيمة ونحوها، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس، وحمل القاضي قوله وفعل عثمان على أن ثم عذرا من حر أو برد، وهو يمشي له في فعل عثمان، لأنها واقعة عين، بخلاف قول ابن عباس. والله أعلم.
قال: فإن فعل فعليه دم.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار الخرقي، والقاضي في التعليق، لأنه ستر ممنوع منه [مستدام] أشبه ما لو ستره بعمامة ونحوها.
(والثانية) : - وإليها ميل أبي محمد - لا فدية عليه، إذ الأصل عدم الوجوب والمنع من الستر احتياطا، لاختلاف العلماء، والروايتان عند ابن أبي موسى، وأبي محمد في الكافي، وأبي البركات على الروايتين في الأصل، فإن قلنا بالجواز ثم فلا فدية، وإلا وجبت، وهما عند القاضي
стр. 1290
وموافقيه على القول بالمنع، إذ لا جواز عندهم، إلا أن القاضي يستثني اليسير فيبيحه، ولا يوجب فيه فدية، ونص أحمد على ذلك في رواية الجماعة، وبه أجاب عن [حديث] أم الحصين كما تقدم، وقال في رواية حرب - وقد سئل: هل يتخذ على رأسه فوق المحمل؟ فقال: لا إلا الشيء الخفيف.
وحكى صاحب التلخيص في الفدية ثلاث روايات، الثالثة تجب الفدية في الكثير دون اليسير، وأطلق القول بالمنع، كما أطلقه الخرقي وجماعة، وهو مردود بالحديث، وبنص أحمد، والله أعلم.
قال: ولا يقتل الصيد ولا يصيده.
ش: هذا إجماع والحمد لله [وقد شهد له] قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] . والله أعلم.
قال: ولا يشير إليه، ولا يدل عليه حلالا ولا محرما.
стр. 1291
١٥٦١ - ش: لما «روى أبو قتادة ﵁ قال: كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب رسول الله ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية [فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. قالوا: والله لا نعينك عليه بشيء. [فغضبت] فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال «هل معكم شيء» ؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم وفي رواية: فقال لهم النبي ﷺ «منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه» ؟ قالوا: لا. قال «فكلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه.
[قلت] : وظاهره أن جواز الأكل مرتب على عدم الإشارة ونحوها، وكذا فهم الصحابة ﵃ حيث قالوا: والله لا نعينك.
(تنبيه) : «خصف نعله يخصفها» إذا أطبق طاقا على طاق، وأصل الخصف الضم والجمع، و «عقرت الصيد» إذا أصبته بسهم أو غيره فقتلته، والله أعلم.
стр. 1292
قال: ولا يأكله إذا صاده الحلال لأجله.
ش: لا يأكل المحرم الصيد الذي صاده الحلال من أجله.
١٥٦٢ - لما روى جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وقال الشافعي: وهو أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. انتهى.
وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث، فإن النبي ﷺ قد ثبت عنه في الصحيح أنه أكل مما صاده أبو قتادة، فيحمل على أنه علم أو ظن أنه لم يصده لأجله.
١٥٦٣ - مع أنه قد ورد في حديث أبي قتادة: وإني إنما صدته لك. فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا، ولم يأكل حين أخبرته أني اصطدته له. رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني، قال
стр. 1293
بعض الحفاظ: بإسناد جيد. وقال الدارقطني: قال أبو بكر - يعني النيسابوري -: قوله: اصطدته لك. وقوله: ولم يأكل منه. لا أعلم أحدا ذكره في الحديث غير معمر، وهذا إن ثبت فهو كحديث جابر، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى.
ويحمل ما في الصحيح أنه أكل على أنه ﷺ أكل ظانا أنه لم يصده له، فلما أخبره بالحال امتنع.
١٥٦٤ - ويحمل «حديث الصعب بن جثامة. وهو أنه أهدى إلى النبي ﷺ حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» متفق عليه. [على أنه علم أنه صيد من أجله] .
وقد فهم من [كلام الخرقي أن المحرم يأكل مما صاده الحلال لا من أجله] ، وهو واضح لما تقدم، وفهم من كلامه بطريق التنبيه أنه لا يأكل ما صاده محرم مطلقا، ولا ما صاده هو بطريق الأولى، وكذلك ما أعان عليه، أو أشار إليه.
стр. 1294
وفهم من كلامه [أيضا] أن للمحل أكل ما صاده الحلال لأجل المحرم، وهو كذلك، لأن النبي ﷺ لما رد على الصعب بن جثامة الحمار الوحشي علل بكونه حرما، ولم ينهه عن أكله، وهل للمحرم غير الذي صيد لأجله أكله؟ فيه احتمالان، والله أعلم.
قال: ولا يتطيب المحرم.
١٥٦٥ - ش: هذا إجماع، وقد شهد له قوله ﵇: في المحرم «لا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ، فمنع من تطييبه، وعلل بكونه يبعث يوم القيامة ملبيا، فدل على أن المنع لأجل الإحرام، والطيب ما تطيب رائحته، ويتخذ للشم، كالمسك، والكافور، والعنبر، والغالية، والزعفران، وماء الورد، ودهن البنفسج، ونحو ذلك، وفي النباتات الطيبة الريح - كالريحان، والورد، والبنفسج ونحوها - ثلاثة أقوال، ثالثها - وهو اختيار أبي محمد - يباح [شم] الريحان ونحوه مما لا يتخذ منه طيب، دون الورد، والبنفسج، ونحوه مما يتخذ منه طيب، والله أعلم.
قال: ولا يلبس ثوبا مسه ورس، ولا زعفران ولا طيب] .
ش: لما تقدم من حديث ابن عمر «ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران» وغيرهما من الطيب مقيس عليهما.
стр. 1295
(تنبيه) : «الورس» نبت أصفر يكون باليمن، تصبغ به الثياب، يخرج على الرمث، بين الشتاء والصيف، والرمث - براء مهملة مكسورة، وميم وثاء مثلثة - مرعى من مراعي الإبل، والله أعلم.
قال: ولا بأس بما صبغ بالعصفر.
١٥٦٦ - ش: لما «روى ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر، أو خز، أو حلي أو سراويل، أو قميص، أو خف» . رواه أبو داود.
١٥٦٧ - وعن عائشة بنت سعد ﵂ قالت: كن أزواج النبي ﷺ يحرمن في المعصفرات. رواه الإمام أحمد في المناسك وفارق الورس والزعفران، فإنه ليس بطيب، بخلافهما، والله أعلم.
стр. 1296
قال: ولا يقطع شعرا من رأسه ولا جسده.
ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا فرق بين قطع الشعر بالموسى أو بغير ذلك، أو زواله بنتف ونحوه، ولا بين شعر الرأس والبدن، لما في ذلك من الرفاهية التي حال المحرم ينافيها، والله أعلم.
قال: ولا يقطع ظفرا إلا أن ينكسر.
ش: لا يقطع ظفرا إجماعا، لأنه يترفه به، فمنع منه كإزالة الشعر، فإن انكسر فله قطع ما انكسر بالإجماع أيضا، لأنه يؤذيه ويؤلمه، أشبه الصيد الصائل عليه، والله أعلم.
قال: ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء.
ش: لا ينظر في المرآة لإصلاح شيء زينة كتسوية شعر ونحوه، قال أحمد؛ لا بأس [أن ينظر] في المرآة، ولا يزيل شعثا، ولا ينفض عنه غبارا، وذلك لزوال الشعثة والغبرة اللتين هما من صفات المحرم.
стр. 1297
١٥٦٨ - وفي الترمذي عن ابن عمر ﵁ «أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : من الحاج؟ قال: «الشعث التفل» قال: وأي الحج أفضل؟ قال: «العج والثج» قال: وما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» وله أن ينظر في المرآة لا لزينة.
١٥٦٩ - وقد روى مالك في الموطأ أن ابن عمر نظر في المرآة لشكوى بعينه وهو محرم.
١٥٧٠ - وعن ابن عباس أيضا أنه أباح ذلك، رواه البخاري وعلى كل حال فالمنع من ذلك منع أدب، لا فدية فيه قاله أبو محمد.
стр. 1298
(تنبيه) : «الشعث» البعيد العهد بتسريح شعره وغسله.
«التفل» التارك للطيب واستعماله، و «العج» رفع الصوت بالتلبية] . و «الثج» سيلان دماء الهدي، والله أعلم.
قال: ولا يأكل من الزعفران ما يجد ريحه.
ش: إذ المقصود من الطيب ريحه، وهو موجود، فلا فرق بين ما مسته النار وغيره، لوجود المقتضي للمنع وهو الرائحة، وذكر الزعفران على سبيل التمثيل، فيساويه كل مأكول فيه طيب وجد ريحه، والله أعلم.
قال: ولا يدهن بما فيه طيب.
ش: كدهن البنفسج والورد ونحوهما، لوجود الطيب الممنوع منه شرعا، والله أعلم.
قال: ولا ما لا طيب فيه.
ش: لا يدهن بما لا طيب فيه، كالزيت، والشيرج، ونحوهما، على أنص الروايتين، واختيار الخرقي، لأنه يزيل الشعثة والغبرة، وعلى هذا اعتمد أحمد ﵀ قال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه. فذكرت له حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ ادهن بزيت غير مقتت؛» فسمعته يقول: الأشعث الأغبر. (والرواية
стр. 1299
الثانية) : يجوز ذلك، سأله الأثرم: يدهن بالزيت والشيرج؟ قال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه. وذلك لما استدل به أبو داود ﵀ على أحمد.
١٥٧١ - وهو ما روى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يدهن بدهن غير مقتت» ، يعني غير مطيب، وفي رواية: «كان يدهن بالزيت - وهو محرم - غير المقتت» . رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخي، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد، وقد روى عنه الناس.
١٥٧٢ - وعن ابن عباس قال: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل بالزيت والسم، رواه البخاري. وهنا
стр. 1300
شيئان «أحدهما» منع أحمد إنما هو في الرأس، فلذلك خص أبو محمد في مقنعه ومغنيه الروايتين بذلك، أما البدن فيجوز عنده دهنه بلا نزاع، وجعل ذلك في الكافي احتمالا، وقدم إجراء الروايتين فيهما، وهذه طريقة الأكثرين، القاضي في تعليقه، وأبي الخطاب وصاحب التلخيص، وأبي البركات وغيرهم، فلعلهم نظروا إلى تعليل أحمد بالشعث، وذلك موجود في البدن، وإن كان في الرأس أكثر.
(الثاني) : حيث قيل بالمنع فإن الفدية تجب كغيره، على ظاهر كلام عامة الأصحاب، ولذلك قال القاضي في تعليقه: إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، لأنه منع منه، وهو اختيار الخرقي انتهى. ولم يوجب أبو محمد الفدية على الروايتين، وقد ذكر ذلك أيضا القاضي في تعليقه لكنه جعل المنع بمعنى الكراهة، فقال: ويحتمل أن يكون منع على طريق الكراهة من غير فدية.
(تنبيه) : «المقتت» المطيب بالقت، وهو الذي تطبخ فيه الرياحين حتى يطيب والله أعلم.
следующие страницы →