Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
بعسل النحل، وعسل القصب، والحديث محمول على ما إذا اتفق الجنس، بدليل ما تقدم (والثالثة) أنها أربعة أجناس، لحم الأنعام جنس، ولحم الوحش جنس، ولحم الطير جنس، ولحم دواب الماء جنس، وهي اختيار القاضي في روايتيه، وحمل كلام الخرقي على ذلك، لأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها، والقصد إليها، فجعل كل واحد جنسا، نظرا لذلك، فعلى الثانية لحم الإبل كله جنس واحد، وكذلك البقر، وكذلك الغنم على المشهور، ولأبي محمد احتمال بأنهما جنسان، ضأن ومعز، لتفريقه سبحانه بينهما حيث قال: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وكل ما له اسم يخصه من الوحش والطير جنس.
(تنبيهات) «أحدها» اللبن، والشحم، والأكبدة، والأطلحة، والرئات، والجلود، والأصواف، والعظام، والرؤوس، والأكارع، ونحو ذلك مما اشتمل عليه اللحم، فيجري فيهن ما يجري فيه من الخلاف، وكذلك مقلو البيض، لصيرورته موزونا، أما قبل ذلك فهو معدود، فلا يجري فيه الربا على المذهب.
стр. 1612
(الثاني) اللحم والشحم جنسان على المشهور، فيخرج [بيع أحدهما بالآخر متماثلا ومتفاضلا، وعن القاضي منع] بيع أحدهما بالآخر مطلقا.
(الثالث) اللحم الأبيض - كسمين الظهر - والأحمر جنس واحد على الأشهر، قاله القاضي، وابن البنا، وغيرهما، وقال أبو محمد: إن ظاهر كلام الخرقي أنهما جنسان، لقوله: إن اللحم لا يخلو من شحم، قال: ولو لم يكن هذا شحما لم يختلط لحم بشحم، وفرع على قوله أن كل أبيض في الحيوان يصير دهنا جنس واحد، واختار ذلك في المغني، وبنى على ذلك أن الألية والشحم جنس، والمشهور عند الأصحاب أنهما جنسان، وهو الذي قاله في المقنع.
(الرابع) هل لحم رأس شيء جنس برأسه كالقلب ونحوه، أو نوع من لحم جنسه؟ فيه وجهان.
стр. 1613
(الخامس) هل يجوز بيع اللبن باللبأ؟ فيه وجهان، حكاهما ابن البنا، وعن القاضي أنه خصهما بما إذا مست النار أحدهما، وعند أبي محمد والسامري أنهما جنس واحد، يجوز بيع أحدهما بالآخر متماثلا، لا متفاضلا ولا بعد أن تمس النار أحدهما، وعلى ما إذا مست النار أحدهما حمل السامري وجه منع ابن البنا، والله أعلم.
قال: ولا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا، ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل.
ش: لا إشكال في جواز بيع ما كان رطبا، عند تناهي جفافه، من التمر، واللحوم، وغيرهما بمثله، واختلف في بيع كل رطب بمثله رطبا، فعنه المنع مطلقا، حكاه ابن الزاغوني، واختاره أبو حفص العكبري، وحمل كلام الخرقي عليه، لنصه عليه في اللحم، لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر، مشيرا للتعليل بالنقص، وهذا موجود في الرطبين، لأنهما ينقصان، يحققه أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في باب الربا.
١٨٦٤ - بدليل «نهيه ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر» ، رواه مسلم، وهنا يجهل التساوي في
стр. 1614
ثاني الحال، وذهب جمهور الأصحاب - القاضي، وأبو الخطاب، والشيخان وغيرهم، وهو مقتضى مفهوم كلام الخرقي السابق، ونص عليه أحمد في الرطب بالرطب - إلى الجواز، لنهيه ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، والرطبان إذا بيعا مثلا بمثل قد استويا في المثلية، فدخلا في عموم المستثنى، ولأنهما استويا في الحال، على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص، فأشبها اللبن باللبن، وخرج بيع الرطب بالتمر، لانفراد أحدهما بالنقص واشتراط عدم الجهل بالتساوي [في ثاني الحال] لا نسلمه، بل المشترط عدمه في الحال، فكان مناط المسألة - والله أعلم - التساوي، هل يشترط في الحال ولا يضر الجهل به في ثاني الحال، أو يشترط حالا ومآلا؟ على قولين، إلا أنه استثنى على الثاني بيع رطب لا يجيء منه تمر، وعنب لا يجيء منه زبيب، فإنه يجوز بيعه بمثله قبل جفافه، نظرا إلى أن كمال ذلك في حال رطوبته، وفساده في حال جفافه، قاله في التلخيص.
(تنبيه) : اشترط القاضي والأكثرون في بيع اللحم بمثله نزع العظم، لتتحقق المساواة المعتبرة شرعا، وكالعسل
стр. 1615
بالعسل، لا يباع إلا بعد التصفية، ومال أبو محمد إلى عدم اشتراط ذلك، وذكر أنه ظاهر كلام الإمام، وعلله بأن العظم تابع من أصل الخلقة، فأشبه النوى في التمر، وخرج الشمع في العسل، لأنه من فعل النحل.
[بيع اللحم بالحيوان]
قال: ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان.
ش: لا نزاع عندنا فيما نعلمه أنه لا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، كبيع لحم بقر ببقر، ونحو ذلك.
١٨٦٥ - لما روي عن سعيد بن المسيب ﵁، «أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان» ، رواه مالك في الموطأ، وأبو داود في المراسيل.
١٨٦٦ - وعنه أيضا «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحي بالميت» . احتج به أحمد، ورواه أبو داود في المراسيل أيضا، وناهيك بمراسيل سعيد، مع أن الأول قد أسند من حديث ثابت
стр. 1616
بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ إلا أن ثابتا منكر الحديث، قاله أبو حاتم الرازي.
١٨٦٧ - وقال أبو الزناد: كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان. ولأنه مال ربوي، بيع بما فيه من جنسه، مع جهالة المقدار، أشبه السمسم بالشيرج، والزيتون بالزيت [ونحو ذلك] .
واختلف في بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، كلحم بقر بإبل، وظاهر كلام أحمد والخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي في تعليقه، وجامعه الصغير، وأبي الخطاب في خلافه الصغير، وغيرهم، أنه لا يجوز، نظرا لإطلاق ما تقدم.
стр. 1617
١٨٦٨ - وعن ابن عباس ﵄ أن جزورا نحرت، فجاء رجل بعناق، فقال أعطوني جزءا بهذا العناق. فقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا. رواه الشافعي، وقال: لا أعلم مخالفا لأبي بكر في ذلك.
واختار القاضي - فيما حكاه عنه أبو محمد - الجواز، لأنه مال ربوي بيع بغير أصله ولا جنسه فجاز، كما لو باعه بذهب أو فضة، وبعض المتأخرين بنى القولين على الخلاف في اللحم، هل هو جنس من أجناس؟ وصرح أبو الخطاب في الانتصار بأنهما على القول بأنه أجناس، وهو الصواب، ولهذا اختلف في بيع اللحم بحيوان لا يؤكل، كعبد وحمار ونحوهما، قال أبو الخطاب: ولا رواية في ذلك، فيحتمل وجهين. والجواز صرح به في خلافه الصغير، وكذا شيخه في التعليق، وابن الزاغوني، وهو ظاهر كلام أبي جعفر، وشيخه في الجامع الصغير، والمنع أورده ابن عقيل في
стр. 1618
التذكرة مذهبا، وهو احتمال له في الفصول، والصحيح عنده فيه كقول الأكثرين، ولم يطلع أبو محمد على المسألة صريحا، فقال: ظاهر كلام الأصحاب الجواز. والله أعلم.
قال: وإذا اشترى ذهبا بورق عينا بعين، فوجد أحدهما فيما اشترى عيبا فله الخيار بين أن يرد أو يقبل، ويأخذ قدر ما نقص بالعيب، إذا كان بصرف يومه، وكان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه.
ش: لما فرغ الخرقي ﵀ من بيان الربا، شرع يتكلم في الصرف، ومعنى العين بالعين أن يقول: بعتك هذه الدراهم بهذه الدنانير، ونحو ذلك، فإذا وقع العقد كذلك، فوجد أحدهما بما اشتراه عيبا فله حالتان، (إحداهما) أن يكون من غير جنس المعقود عليه، كالرصاص في الفضة،
стр. 1619
ونحو ذلك، فهنا يبطل العقد على المذهب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، (الثانية) أن يكون العيب من جنس المعقود عليه، كالسواد في الفضة، ونحو ذلك، وهذا الذي ذكره الخرقي هنا، ولا بد من بنائه على أصل، وهو أن النقود هل تتعين بالتعيين أم لا؟ فإن قلنا: لا تتعين، فحكم ذلك حكم التصارف في الذمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإن قلنا: تتعين - وهو المذهب، وعليه بنى الخرقي كلامه - فلواجد العيب - والحال ما تقدم - الخيار بين الرد والإمساك بلا خلاف نعلمه، كغير الذهب والفضة من المبيعات، فإن اختار الرد بطل العقد، ولم يكن له أخذ البدل، كما لو كان المبيع عرضا، لأن البيع تعلق بعينه، فيفوت بفواته، وإن اختار الإمساك فله ذلك بلا نزاع نعلمه أيضا، وله مع ذلك أخذ ما نقص المبيع بالعيب في الجملة، وعلى المذهب المجزوم به عند الشيخين، وصاحب التلخيص، والسامري، وهو جار
стр. 1620
على قاعدة المذهب في سائر المبيعات، من جواز أخذ الأرش مع القدرة على الرد.
وظاهر ما أورده أبو الخطاب في الهداية مذهبا - وأحد نسخ الخرقي - أنه لا يجوز أخذ الأرش مطلقا، لأن ذلك زيادة على ما وقع عليه العقد، وهذا قد يتوجه من جهة الدليل، وهو قياس الرواية الضعيفة في سائر المبيعات، لأنه لا أرش مع القدرة على الرد، فعلى الأول لا يجوز أخذ الأرش في الجنس الواحد مطلقا، كفضة بفضة، حذارا من فوات المماثلة المشترطة.
وعن القاضي أنه خرج وجها بالجواز في المجلس، نظرا إلى أن الزيادة طرأت بعد العقد، وأبو الخطاب في الهداية يخرج قولا بجواز أخذ الأرش، ويطلق، ويدخل في كلامه الجنس والجنسان، وفي المجلس وبعده، وابن عقيل يحكي ذلك رواية في صورة تلف أحد العوضين، ووجهه جعل الإمام الصنعة مقومة مع الجنس، كذلك الصفة، وهذا ليس بشيء لأن أحمد ﵀ – وإن جعل الصنعة مقومة - فإنه لا يجوز أخذ عوضها مع اتحاد الجنس بلا ريب، بل يمنع على هذا القول من بيع الصحاح بالمكسرة ونحو ذلك، وأما قول القاضي فقد رده أبو محمد بأن الأرش من العوض، بدليل أنه يخبر به في المرابحة، ويأخذ به الشفيع، وقوله: إن
стр. 1621
الأرش من العوض. ليس بجيد، كما سيأتي، مع أن هذا القول لا وجه له، لأن الأرش في المعيب عوض عن جزء من مقابله، وهو الصحيح، إذ الثمن يتقسم على المثمن، فالعيب لم يقابله شيء فيرجع بقسطه، فلو جاز أخذ الأرش في الجنس الواحد لكان صاحب الدينار الصحيح دفع دينارا [إلا جزءا - وهو الأرش الذي أخذه في مقابلة العيب - وأخذ دينارا] معيبا، وإنه عين الربا، انتهى.
ويجوز في الجنسين مطلقا، أعني قبل المجلس وبعده، على ظاهر إطلاق الخرقي، وصاحب التلخيص، وأبي البركات، والسامري، وهو الصواب، الذي لا ينبغي على المذهب غيره، لما تقدم من أن الأرش عوض عن الجزء الفائت من الثمن، فالدافع لأرش دينار ظهر معيبا بيع بعشرة دراهم، إنما يدفعه عوضا عن جزء من العشرة [دراهم] تبينا عدم استحقاقه، وإذا فالعوضان في الصرف قد قبضا بكمالهما، ومع أحدهما زيادة تبينا عدم استحقاقه لها.
وفصل أبو محمد فقال: إن كانا في المجلس جاز أخذ الأرش، إذ قصاراه تأخر قبض بعض عوض الصرف عن بعض، وإنه جائز ما داما في المجلس، وإن تفرقا لم يجز،
стр. 1622
حذارا من التفرق قبل قبض بعض الصرف، إلا أن يجعلا أرش الفضة مثلا ثوبا، نحو ذلك فيجوز، لعدم اشتراط القبض لذلك، وهذا منه يقتضي أن الأرش عوض عن الجزء الفائت من المعيب، [فكأنه من جملة العوض، وهذا ليس بشيء على المذهب، وإنما هو بدل ما قابل الجزء الفائت من المبيع بالعيب] [ويدل على ذلك قطعا نسبة الأرش إلى الثمن، ولو كان عوض الجزء الفائت من المبيع المعيب] لكان المأخوذ ما نقص بالعيب فقط، من غير نسبة إلى ثمن ولا غيره، نعم أظن أن هذا اختيار أبي العباس ثم يلزم أبا محمد أن يقول: بالتفرق بطل العقد، أو بطل في قدر ما يقابل العيب، لحصول
стр. 1623
التفرق قبل كمال الصرف، ويلزمه أيضا أن لا يجوز أخذ أرش عيب الفضة ذهبا، ولا أرش عيب الذهب فضة، حذارا من مسألة مد عجوة، وهو لم يشترط ذلك، بل هذا الإلزام وارد في سائر المبيعات، فإنا إذا أخذنا أرش ثوب بيع بعشرة دراهم درهما مثلا، كان على مقتضى قوله قد بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، مع أحدهما من غير جنسهما، فكان ينبغي أن لا يجوز ذلك، والظاهر أن الإجماع على خلافه.
إذا تحققت هذا فشرط الخرقي ﵀ للتخيير المتقدم أن يكون المردود بصرف يومه أي يوم الصرف، فلو نقصت قيمته عن يوم الصرف - كأن كان الدينار بعشرة، فصار بتسعة - زال التخيير - وتعين الأرش، كذا فهم عنه ابن عقيل، وأبو محمد، وهو ظاهر كلام أحمد على ما قال أبو محمد، وقطع به السامري، حذارا من أن يرد المبيع مع تعيبه في يده، والصحيح عند أبي محمد أن التخيير بحاله، بناء على أن
стр. 1624
تغير السعر ليس بعيب، بدليل عدم ضمانه في الغصب، ثم لو سلم أنه عيب فظاهر المذهب - وهو الذي قاله الخرقي كما سيأتي إن شاء الله تعالى - أن تعيب المبيع عند المشتري لا يمنع الرد، انتهى. هذا شرح أبي محمد أو نحوه، بناء على أحد نسخ الخرقي، ولفظها: فله الخيار بين أن يرد أو يقبل إذا كان بصرف يومه، وكان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، وليس فيها ذكر الأرش، إلا أنه جعل الشرط راجعا للرد، ويلزم على قوله أن في الكلام تقديما وتأخيرا، التقدير: له الخيار بين أن يرد إذا كان بصرف يومه، وكان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، أو يقبل، والظاهر جعل الشرط راجعا للتخيير كما تقدم، حذارا من تقديم وتأخير الأصل عدمه، انتهى. ثم على هذه النسخة قد عطف على اشتراط كون المردود بصرف يومه، كون العيب من جنس المعقود عليه، فثبوت الخيار مشروط بشرطين، كون المردود على صرف يومه، وكون عيبه من
стр. 1625
جنسه، فلو كان عيبه من غير جنسه زال التخيير، وأما الحكم فيأتي، وهو أن الصرف يكون فاسدا.
وفي بعض النسخ - وعليها شرح ابن الزاغوني -: فله الخيار بين أن يرد، أو يأخذ قدر ما نقص بالعيب، وهذه واضحة، وفي أخرى: له الخيار بين أن يرد أو يقبل، إذا كان بصرف يومه، وكان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، أو يأخذ أرش ما نقص بالعيب، وعلى هذه النسخة يكون في الكلام أيضا تقديم وتأخير، أي له الخيار بين أن يرد بشرط كذا وكذا، وبين أن يقبل ويأخذ الأرش، ويكون «أو» بمعنى الواو.
وأما على النسخة التي كتبناها فالظاهر رجوع الشرط إلى الأرش، أي: له الخيار بين أن يرد أو يقبل ويأخذ الأرش،
стр. 1626
بشرط كونه على حساب يوم اصطرفا [لا على أزيد منه، كما إذا كان الدينار يوم اصطرفا] بعشرة، فصار باثني عشر، ولا على أنقص، كما إذا صار بثمانية، وما ذاك إلا أن الثمن ينقسم على المثمن يوم العقد، فالفائت بالعيب فات على حساب يوم العقد، وهذا فرع من مسألة تقويم المبيع المعيب، وقد صرحوا بأنه يقوم يوم العقد، إلا ما كان من ضمان البائع فتقويمه يوم القبض، وعلى هذا يسلم من الاعتراض السابق، ومن دعوى تقديم وتأخير الأصل عدمه، بقي أنه عطف على ذلك كون العيب من جنس المعقود [عليه] ، فلو كان من غير الجنس لم يتصور أخذ الأرض كما سيأتي.
فإن قيل: ظاهر هذا أن العيب إذا كان من غير الجنس امتنع الأرش، وله القبول، قيل: إذا حصل التصريح بخلاف
стр. 1627
ذلك فلا عبرة بالظاهر، انتهى.
وقول الخرقي: فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا. يشمل العيب في الجميع وفي البعض، وهو كذلك، إلا أنه إذا اختار إمساك الصحيح ورد العيب فهل له ذلك؟ على قولي تفريق الصفقة، والله أعلم.
قال: وإذا تبايعا ذلك بغير عينه، فوجد أحدهما [فيما اشتراه] عيبا فله البدل، إذا كان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، كالوضوح في الذهب، والسواد في الفضة.
стр. 1628
ش: هذا هو المعبر عنه بالصرف في الذمة، ومثاله: بعتك دينارا مغربيا، بعشرة دراهم ناصرية، ونحو ذلك، وهو جائز عندنا، لظاهر قوله «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» فمقتضاه جواز ما عدا ذلك، بشرط القبض في المجلس، بدليل الرواية الأخرى يدا بيد ونحو ذلك، إذا ثبت هذا فتصارفا في الذمة، ثم وجد أحدهما بما قبضه عيبا ليس من غير جنس المعقود عليه، بل من جنسه كما مثل الخرقي ﵀، فلا يخلو إما أن يجد ذلك قبل التفرق أو بعده، فإن وجده قبل التفرق فله المطالبة بالبدل الذي وقع عليه العقد وهو صحيح لا عيب فيه، وله الإمساك، إذ قصاراه الرضى بدون حقه، وله أخذ الأرش في الجنسين، لا في الجنس على المذهب فيهما، وإن وجده بعد التفرق واختار الرد فهل يبطل
стр. 1629
العقد برده، وهو اختيار أبي بكر، لوجود التفرق قبل القبض، لأن البدل إنما يأخذه عوضا عما وقع عليه العقد، أو لا يبطل وله البدل في مجلس الرد، فإن تفرقا قبله بطل العقد، وهو اختيار الخرقي والخلال، والقاضي وأصحابه، وغيرهم، لأن القبض وقع صحيحا، وإلا لبطل العقد بالتفرقة مطلقا، وبدله يقوم مقامه؟ فيه روايتان، وحكى عنه ثالثة: أن البيع قد لزم، وهي بعيدة، لأنه يلزم منها إلزام العاقد بما لم يلتزمه.
فعلى الأولى إن وجد البعض رديئا فرده بطل فيه، وفي البقية قولا تفريق الصفقة.
وعلى الثانية: له بدل المردود في مجلس الرد. انتهى، وإن اختار الإمساك فله ذلك بلا ريب، لكن إن طلب مع ذلك
стр. 1630
الأرش فقال أبو محمد - بناء على ما تقدم -: له ذلك على الثانية لا الأولى، وأما على المحقق - وقد تقدم - فله ذلك في الجنسين على الروايتين، إذ الذي يأخذه عوض عن جزء فات من الثمن، ولا يجوز في الجنس الواحد مطلقا حذارا مما تقدم، والله أعلم.
قال: فأما إن كان عيب ذلك دخيلا عليه من غير جنسه، كان الصرف فيه فاسدا.
ش: لما فرغ الخرقي ﵀ من بيان العيب إذا كان من الجنس شرع في بيانه إذا كان من غير الجنس، ثم إنه فصل
стр. 1631
بين ما إذا تصارفا عينا بعين وبين ما إذا تصارفا في الذمة، وهنا أطلق فشمل كلامه المسألتين، ثم كلامه أيضا شامل لما قبل التفرق وبعده، وعلى ذلك جرى السامري مصرحا به، وزاعما أن أحمد ﵀ نص عليه، وذكره الخرقي، والظاهر أن مستنده من كلام أحمد إطلاق، كما هو في كلام الخرقي، وكذلك تبعه أبو العباس، حتى أنه وهم جده في قوله: وعنه أنها لا تتعين فتبدل مع الغصب والعيب بكل حال، لشمول كلامه للعيب من الجنس ومن غيره، وفي توهيمه بهذا الإطلاق نظر، لأنه قد تقدم له قبل ذلك بأسطر أن المتصارفين إذا تفرقا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا من غير الجنس بطل الصرف، فيحمل كلامه هنا على غير الصرف، توفيقا بين كلاميه.
وإذا عرف هذا فلا بد من التعرض للتفصيل، وبيان محل الوفاق من محل الخلاف، فنقول: إذا تصارفا مثلا ذهبا بفضة عينا بعين ثم وجدا أو أحدهما عيبا من غير جنس المعقود عليه - مثل أن ظهرت الدراهم أو بعضها رصاصا، أو الدنانير نحاسا، ونحو ذلك - فلا يخلو إما أن نقول: إن النقود تتعين بالتعيين، أم لا، فإن قلنا، لا تتعين. فكما لو تصارفا في
стр. 1632
الذمة على ما سيأتي، وإن قلنا: تتعين - وهو المذهب كما تقدم - فإنا نتبين فساد الصرف على المعروف المجزوم به لعامة الأصحاب، لأن البدل متعذر، لتعلق البيع بالعين، وكذلك الرضى بالموجود، لأنه غير ما وقع عليه العقد، فهو كما لو قال: بعتك هذه البغلة. فإذا هي حمار، ونحو ذلك، وقيل عنه: يلزم العقد والحال هذه، تغليبا للإشارة، ولا معول عليه، فعلى المذهب إن ظهر البعض معيبا بطل فيه، وهل يبطل في غيره؟ قولا تفريق الصفقة، وإن تصارفا في الذمة ثم وجدا أو أحدهما العيب السابق، فإن كان قبل التفرق رد وأخذ بدله، والصرف صحيح، وفاقا لابن عقيل، والشيرازي وصاحب التلخيص، وأبي محمد، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب، إذ المقبوض تبين أنه غير الذي وقع عليه العقد، وظاهر إطلاق
стр. 1633
الخرقي - وهو الذي قاله السامري وأبو العباس - فساده كما بعد التفرق.
وإن كان بعد التفرق - وعليه عندي يحمل كلام الخرقي، نظرا للغالب فإنا نتبين فساد الصرف على المذهب المحقق، لأنهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه فيما شرط له القبض، ولا قبض ما يصلح أن يكون عوضا عنه، وبهذا خرج إذا كان العيب من الجنس، لصلاحية المقبوض للعوضية عن ذلك، ولا أرش قبل التفرق ولا بعده لما قلناه من أن المقبوض لا يصلح
стр. 1634
أن يكون عوضا، وأجرى أبو محمد في الكافي وصاحب التلخيص فيه هنا - والحال هذه - الروايتين اللتين فيما إذا كان العيب من الجنس، إحداهما أن العقد يبطل برده، والثانية لا يبطل، وبدله في مجلس الرد يقوم مقامه، فمجرد وجود العيب من غير الجنس عندهما بعد التفرق لا يبطل قولا واحدا، عكس المذهب، وليس بشيء، فعلى ما اختاره أبو محمد وغيره إن وجد العيب في البعض فقبل التفرق يبدل، وبعده يبطل فيه، وفي غير المعيب قولا تفريق الصفقة.
واعلم أن كلام الأصحاب في هذه المسألة فيه اضطراب كثير، وقد تقدم أن أبا العباس وهم جده فيها، مع أن في توهيمه ما فيه، وناهيك بهما، وقد بالغت في تحريره على غاية الضعف وبالله المستعان.
وقول الخرقي: وجد. أي ظهر، فيخرج منه ما إذا علم حال العقد، والحكم فيه أن العيب إن كان من الجنس فالعقد لازم ولا كلام.
стр. 1635
نعم إن كان الصرف في جنس، والعيب في البعض، فقد يبطله من يمنع بيع النوعين بنوع منه، وإن كان العيب من غير الجنس والصرف في جنسين انبنى على إنفاق [المغشوشة] ، وفيه روايتان، المختار منهما الجواز، وأبو محمد يحمل رواية الجواز على ما ظهر غشه، واصطلح عليه ورواية المنع على ما خفي غشه، ويقع في اللبس، ونحو ذلك قال ابن عقيل في الفصول.
وإن كان الصرف في جنسين، فإن كان العيب في أحد العوضين، ويخل بالمماثلة، ولا قيمة له، لم يجز، لإفضائه إلى عدم التماثل المشترط شرعا، وإن كان له قيمة خرج على مسألة مد عجوة، وإن كان العيب في العوضين وتساوى العيبان فقولان، أظهرهما عند أبي محمد الجواز، وقطع ابن عقيل في الفصول، والسامري بالمنع.
ثم اعلم أنا قد ذكرنا أصلا بنينا عليه ما تقدم، وهو: أن النقود هل تتعين بالتعيين أم لا؟ فنشير إلى بيان ذلك فنقول: المذهب المنصوص في رواية الجماعة، والمعمول عليه عند الأصحاب كافة، أن النقود تتعين بالتعيين كالعروض بالاتفاق، لأن ذلك عوض مشار إليه في العقد، فوجب أن يتعين
стр. 1636
كالعروض، ولأن ما تعين في الغصب والوديعة تعين بالعقد كالعروض، ومعنى تعين ذلك في الغصب أنه لو طولب بذلك لزمه تسليمه بعينه، ولا يجوز العدول عنه.
١٨٦٩ - ومما استدل به على ذلك أيضا حديث عبادة بن الصامت ﵁: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين» .
ولو كان الذهب والفضة في الذمة لم يكن عينا بعين، وإنما يكون عينا بعين إذا ملكت عين كل واحد منهما، وفيه نظر، إذ يلزم منه أن لا يباع الذهب بمثله إلا عينا بعين، وقد حكي الإجماع على خلافه، والذي يظهر أن المراد من الحديث والله أعلم حضور الطرفين المصطرف عليهما، كما يحكى عن مالك أو تعيينهما بإقباضهما، وحضورهما في المجلس،
стр. 1637
وكونهما حالين، كما يقوله أصحابنا وغيرهم، بدليل أن في رواية أخرى في هذا الحديث يدا بيد بدل عينا بعين وكذا في رواية أخرى يدا بيد وفي وراية أخرى «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وقول القاضي وأبي الخطاب وغيرهما: إن رواية عبادة «يدا بيد، عينا بعين» وإن يدا بيد أن لا يكون نسيئة «وعينا بعين» تعينهما بالتعيين، لم أرهما مجموعين في روايته، ولا في رواية غيره، مع أنه معترض بما تقدم، انتهى.
ونقل أبو داود عن أحمد - وسأله عن عبد دفع إلى رجل مالا، وأمره أن يشتريه فاشتراه به فأعتقه - قال: يرد الدراهم على المولى، ويؤخذ المشتري بالثمن، والعبد حر. فظاهر هذا أنه لم يحكم بتعيينه، وإلا لبطل العقد، ولم تقع الحرية، وتأول القاضي ذلك في تعليقه على أن قوله: اشتراه به. أي نقده في ثمنه، واشترى في ذمته، توفيقا بين نصوصه، وأبى ذلك أبو الخطاب والجمهور، نظرا للظاهر، ووجه ذلك أنه لا غرض في أعيان الدراهم والدنانير، وإنما الغرض في مقدارها، فإذا عينت كان تعيينها كالمكيال والميزان، وكما لو استأجر أرضا ليزرعها حنطة، فإن الحنطة لا تتعين، بل له أن يزرع ما
стр. 1638
هو مثلها ضررا، ولأن الفراء قال في قوله سبحانه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] الآية: الثمن ما يثبت في الذمة. فجعل من صفة الثمن ثبوته في الذمة، ومن قال بالتعيين لم يجعلها تثبت في الذمة، وهي ثمن قطعا، ونقض الأول بالغصوب والعواري، فإنها لا تبدل وإن كان المعنى واحدا، وبما إذا باع قفيزا معينا من صبرة، لم يكن للبائع إبداله بمثله من تلك الصبرة، وإن لم يتعلق به غرض، على أنا نمنع أن التعيين لا غرض فيه، إذ قد يكون فيه غرض، وهو اعتقاد حلها ونحو ذلك، وقول الفراء لا يقبل في الأحكام، وإنما يقبل في ما طريقه اللغة، والتعيين وعدمه حكم شرعي.
وفائدة الخلاف - على ما قال أبو الخطاب في الانتصار - أن على المذهب لا يجوز للمشتري إبدالها، وإذا خرجت مستحقة بطل العقد، وإذا وجد البائع بها عيبا كان له الفسخ، وإذا تلفت قبل القبض تلفت من مال البائع، بناء على المذهب من أن المتعين، لا يفتقر إلى قبض.
وعلى المرجوح للمشتري إبدالها، ولا يبطل العقد بكونها مستحقة، ولا يفسخ البائع بالعيب فيها، ويجب إبدالها، وإذا تلفت كانت من مال المشتري، ما لم يقبض البائع.
стр. 1639
(تنبيه) : في نسخة من التلخيص بخط الموفق المصري فيما أظن: الثمن إن عين تعين بالتعيين، في البيع وغيره من عقود المعاوضات، في أصح الروايتين، وينفسخ العقد بتلفه قبل القبض في كل معاوضة محضة، كالإجارة، والصلح بمعنى البيع، وإن لم يتمحض لم ينفسخ بتلفه كالمهر، وهذا سبق قلم منه أو من الناسخ، لأنه إذا تعين تلف من مال البائع كما تقدم، واستقر الملك فيه، أما إن لم يتعين فيتلف من مال المشتري، وينفسخ العقد فيه، والله أعلم.
قال: ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما.
ش: الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض كما تقدم، والقبض في المجلس شرط لصحة العقد، نص عليه القاضي، وابن عقيل، والشيخان، وغير واحد، مع أن ابن المنذر قد حكاه إجماعا، فقال: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، وقد شهد لذلك النصوص السابقة «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» وغير ذلك، والمجلس هنا مجلس الخيار في البيع، فلا يضر طوله مع تلازمهما، فلو مشيا ولو يوما ونحوه إلى منزل أحدهما مصطحبين صح، وقبض الوكيل يقوم مقام قبض موكله، بشرط قبضه قبل مفارقة موكله المجلس، فإن
стр. 1640
فارق الموكل المجلس فسد الصرف، وإن قبض الوكيل في المجلس، وموت أحد المتصارفين قبل القبض يفسد الصرف، لعدم تمام العقد، فإن قبض البعض دون البعض فلا بيع بينهما فيما لم يقبض، وفيما قبض قولا تفريق الصفقة.
واعلم أن عبارة الخرقي هنا أجود من عبارة من قال: بطل الصرف. فإنه يوهم وجود عقد ثم بطلانه، وليس كذلك، إذ هنا القبض بمنزلة القبول، لا يتم العقد إلا به، والله سبحانه أعلم.
[بيع العرايا]
قال: والعرايا التي رخص رسول الله ﷺ فيها هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها تمرا، لمن يأكلها رطبا.
١٨٧٠ - ش: الرخصة التي رخصها رسول الله ﷺ هي ما قال زيد بن ثابت ﵁: «إن رسول الله ﷺ رخص [لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر، وفي رواية: رخص] في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها يأكلونها رطبا» .
١٨٧١ - وعن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ﵄ «أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم» .
стр. 1641
١٨٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ نحوهما، متفق عليهن.
إذا عرف هذا فقد اختلف في العرية لغة، فقيل: إنها نوع من العطية، خصت باسم كالنحلة، لا بيع، قال الجوهري: العرية النخلة يعريها رجلا محتاجا، فيجعل تمرها
стр. 1642
له عاما، فعيلة، بمعنى مفعولة وأنشد لسويد بن الصامت:
وليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
وقال غيره: إنه من عراه يعروه، إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه أي أعطاه إياها، كما يقال: سألني فأسألته. وهو نحو الأول، وعن أبي عبيد: العرية اسم لكل ما أفرد عن جملة، سواء كان للهبة، أو للبيع، أو للأكل. ونحو
стр. 1643
ذلك قال أبو بكر وغيره من أصحابنا، قال بعضهم: سميت بذلك هنا لأنها معرية من البيع المحرم، أي مخرجة منه.
واختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم في العرية التي وقع الترخيص فيها شرعا، على نحو اختلاف أهل اللغة، فظاهر كلام الخرقي وتبعه صاحب التلخيص - تخصيصها بالهبة، وهو ظاهر كلام أحمد، قال أيضا في رواية سندي، وابن القاسم: العرية أن يهب الرجل للجار أو ابن العم النخلة والنخلتين، ما لا تجب فيه الزكاة، فللموهوب له أن يبيعها بخرصها تمرا للمرفق.
ومختار القاضي وجمهور الأصحاب عدم اختصاصها بالهبة، بل هي عندهم [في الجملة] شراء الرطب على رؤوس النخل، سواء كان ذلك موهوبا أو غير موهوب.
١٨٧٣ - وقد روي «عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطبا، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلونه رطبا» ، وهذا بظاهره - إن صح - يدل لما قاله الجمهور.
стр. 1644
١٨٧٤ - ويرشحه ما في الصحيح من حديث سهل «أنه ﷺ رخص في بيع العرية أن تباع بخرصها تمرا، يأكلها أهلها رطبا» ، وقد يقال: إنه لا دليل في كليهما، إذ فيهما أنه رخص في بيع] العرايا، وليس في الحديث بيان العرايا ما هي.
١٨٧٥ - ومما استدل به أيضا لقول القاضي ومن وافقه تفسير يحيى بن سعيد، أحد رواة الحديث، فإنه قال: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات، لطعام أهله رطبا، بخرصها تمرا.
١٨٧٦ - وعورض بتفسير ابن إسحاق، فإنه فسرها بالهبة، كذا نقل عنه أبو داود، مع أن كليهما غير صحابي، فلا حجة في
стр. 1645
تفسيرهما.
وبالجملة يشترط لجوازها على كلا القولين شروط (أحدها) كونه رطبا على رؤوس النخل، لما تقدم، أما الرطب على وجه الأرض فلا يجوز بتمر، لنهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، خرج منه ما تقدم بحكم الأخذ شيئا فشيئا، لحاجة التفكه كما دلت عليه قصة محمود بن لبيد، وهذا المعنى مفقود في الرطب المجذوذ، فيبقى فيه على المنع.
(الثاني) : كونها فيما دون خمسة أوسق.
١٨٧٧ - لما روى أبو هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا بخرصها، فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق» . متفق عليه، شك داود بن الحصين، أحد الرواة، وهذا يخص ما تقدم من حديث زيد، ورافع
стр. 1646
وسهل، وغيرهم، ويقضي عليها، فلا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، على المذهب المعروف، المجزوم به، وبعض الأصحاب يقول: رواية واحدة، وأغرب ابن الزاغوني في
стр. 1647
وجيزه فلم يشترط الأوسق أصلا فيما إذا كان المشتري هو الواهب، بأن شق عليه دخول الموهوب له وخروجه في بستانه، أو كره الموهوب له دخول بستان غيره، ولا نظير لهذا.
أما على المذهب ففي الخمسة (روايتان) المختار منهما عند الأصحاب المنع، لأن النهي عن المزابنة مطلق، خرج منه ما دون الخمسة بيقين، ووقع الشك في الخمسة بيقين، فيبقى على مقتضى الأصل من المنع، (والثانية) الجواز، نظرا إلى عموم أحاديث الرخصة، خرج منها ما زاد على الخمسة بيقين، فما عداه يبقى على مقتضى الترخيص.
(الثالث) : كون ذلك بخرصه لا جزافا، لما تقدم من الأحاديث، وأيضا فالشارع أقام الخرص للحاجة مقام الكيل، فلا يجوز العدول عنه، كما لا يعدل عن الكيل فيما يشترط فيه الكيل، ثم هل الخرص على ما يؤول إليه عند الجفاف، وهو اختيار القاضي، وأبي محمد، وصاحب التلخيص، ارتكابا لأخف المفسدتين - وهو الجهل بالتساوي - دون أعظمهما - وهو العلم بالتفاضل - أو
стр. 1648
على ما هو عليه إذا نظرا للتساوي في الحال، ولعله ظاهر الأحاديث وقيل: إنه المنصوص هنا؟ على روايتين.
(الرابع) : كون البيع بتمر، فلا يجوز بيعها بخرصها رطبا، لما تقدم من حديثي زيد وسهل، نعم لا إشكال في جواز البيع بنقد أو بعرض، لانتفاء المزابنة رأسا، ويشترط في التمر المشترى به (أن يكون) كيلا لا جزافا.
١٨٧٨ - لأن في البخاري عن ابن عمر عن زيد مرفوعا: «ورخص في العرايا [أن تباع بخرصها كيلا» ، ولأن الأصل كما تقدم اعتبار الكيل من الجانبين، سقط في أحدهما، وأقيم الخرص مقامه للحاجة، ففي الآخر يبقى على مقتضى الأصل، (وأن يكون) التمر مثل ما حصل به الخرص، لا أزيد ولا أنقص.
١٨٧٩ - لأن في الترمذي في حديث زيد: «أذن لأهل العرايا] أن يبيعوها بمثل خرصها» .
стр. 1649
(السادس) اشتراط الحلول والقبض من الطرفين في مجلس العقد، نص عليه، لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه جميع شروطه، عدا ما استثناه الشارع، وقبض كل منهما بحسبه، ففي النخلة بالتخلية، وفي التمر باكتياله، فإن سلم أحدهما ثم مشى الآخر فسلم جاز. (السابع) اعتبار الحاجة،
стр. 1650
لما تقدم من قصة محمود بن لبيد، وذكر الرخصة يؤذن بذلك. ثم الحاجة [تارة] تكون للمشتري، بأن يحتاج إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه إلا التمر، وهذا الذي في قصة محمود بن لبيد، وهو الذي قاله الخرقي، (وتارة) تكون للبائع، بأن يحتاج إلى أكل [التمر] ، ولا ثمن معه إلا الرطب، وهذه الصورة لم يذكرها الخرقي وطائفة من الأصحاب، ونص عليها أبو بكر، وأبو البركات، وغيرهما، وجوازها بطريق التنبيه، لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه فلحاجة الاقتيات أولى، وهذا يعتمد أصلا، وهو جواز القياس على الرخصة، وعليه المعول، إن فهمت
следующие страницы →