← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٨٤ - لما روى أبو هريرة ﵁ أن ثمامة بن أثال أسلم فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» رواه أحمد. ١٨٥ - وفي الصحيحين أنه اغتسل، وليس فيه أمر النبي ﷺ بذلك، وفي البخاري أنه اغتسل قبل الإسلام، وإذا الحديثان لم يتواردا على محل واحد، فاغتساله كان قبل إسلامه، وأمر النبي ﷺ بذلك كان بعد الإسلام. ١٨٦ - «وعن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، ولأنه لا يسلم غالبا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة كالنوم، وتردد أبو بكر فوافق الأصحاب في التنبيه، وخالفهم في غيره فقال: يستحب، ولا يجب، وأغرب أبو محمد في الكافي، فحكى ذلك رواية.

стр. 177

١٨٧ - لأن النبي ﷺ لم يأمر به في حديث معاذ، ولو وجب لأمر به، إذ هو أول الواجبات بعد الإسلام، ولأن ذلك يقع كثيرا، وتتوفر الدواعي على نقله، فلو وقع لاستفاض، وحديث أبي هريرة في إسناده مقال [ما] ، على أنه قد يحمل على الاستحباب، وكذلك حديث قيس، وقرينته ذكر السدر فيه، جمعا بين الأدلة (ويجاب) بأنه إنما ذكر في حديث معاذ أصول العبادات لا شرائطها، ولا نسلم عدم استفاضة ذلك، بل قضية ثمامة تقتضي استفاضته، وظاهر

стр. 178

الأمر الوجوب (فعلى الأول) إذا أجنب في حال كفره ثم أسلم تداخلا، وأنيط الحكم بغسل الإسلام، وعلى قول أبي بكر: يجب عليه الغسل للجنابة وإن اغتسل في كفره، لعدم صحة نيته. وقد شمل كلام الخرقي المرتد، ومن لم يوجد منه جنابة، وهو الأعرف فيهما، ومن اغتسل في حال كفره، وهو كذلك، وقد قيد ابن حمدان المسألة بالبالغ، والأكثرون أطلقوا، لكن قد يؤخذ من تعليلهم ما قاله، وقد يوجه الإطلاق بأن المذهب صحة إسلام من لم يبلغ، ومقتضى كلامهم أن الغسل والحال هذه شرط لصحة الصلاة، كما صرح به أبو بكر في التنبيه، وإذا يصير بمنزلة وطء الصبي، والتحقيق تعلق الغسل به كما تقدم، والله أعلم. [الطهر من الحيض والنفاس من موجبات الغسل] قال: والطهر من الحيض والنفاس. ش: لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك في الجملة، لإشارة النص وهو قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن، أوقف سبحانه حق الزوج من الوطء على الاغتسال، فدل على وجوبه. ١٨٨ - وقد صرح بذلك المبين لكتاب ربه ﷺ فقال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد سألته عن استحاضتها، فقال: «ذلك عرق

стр. 179

وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري. ١٨٩ - وقال لأم حبيبة - وسألته أيضا عن ذلك - فقال لها ﷺ : «هذا عرق، فاغتسلي وصلي» رواه مسلم، والبخاري ولفظه: «ثم اغتسلي وصلي» ودم النفاس هو دم حيض يجتمع ثم يخرج. وظاهر كلام الخرقي أن الغسل إنما يجب بالانقطاع، وهو أحد الوجهين وظاهر الأحاديث، (والثاني) - وصححه أبو البركات وغيره - يجب بالخروج، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحته اتفاقا، وفائدة الوجهين إذا استشهدت الحائض، فعلى قول الخرقي لا تغسل، إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى قول غيره تغسل للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسا، فأشبه ما لو طهرت في أثناء عادتها، وقال أبو محمد: لا يجب على الوجهين، لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له [ولم يوجد] .

стр. 180

وقد ينبني أيضا على قول الخرقي [أنه لا يجب] ، بل ولا يصح غسل ميتة مع قيام حيض ونفاس، وإن لم تكن شهيدة، وهو قويل في المذهب، لكن لا بد أن يلحظ فيه أن غسلها للجنابة قبل انقطاع دمها لا يصح، لقيام الحدث، كما هو رأي ابن عقيل في التذكرة، وإذا لا يصح غسل الموت لقيام الحدث كالجنابة، وإذا لم يصح لم يجب، حذارا من تكليف ما لا يطاق، والمذهب صحة غسلها لها قبل ذلك، فينتفي هذا البناء. واعلم أن ظاهر ترجمة الخرقي أولا يقتضي أنه لا يجب الغسل بغير تلك الخمسة المذكورة، لأنه قال: والموجب للغسل خروج المني. إلى آخره، وظاهره حصر الوجوب في هذه الخمسة دون غيرها. فلا يجب بولادة عرية عن دم، وهو أحد الوجهين أو الروايتين، على ما في الكافي، واختيار الشيخين، لعدم المقتضي لذلك، وهو النفاس أو المني، (والثاني) - واختاره ابن أبي موسى، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، وغيرهم، يجب قياما للمظنة مقام الحقيقة، ولأنه مني منعقد، ورد بخروج العلقة، فإنها لا توجب الغسل بلا

стр. 181

نزاع، وينبني على التعليلين الفطر بذلك، وتحريم الوطء قبل الاغتسال، فمن علل بالأول يلزمه ذلك، لا من علل بالثاني اهـ. ولا يجب أيضا بغسل ميت، بل يستحب، (وعنه) : يجب من تغسيل الكافر. ١٩٠ - لما روي «عن علي ﵁: أنه لما مات أبو طالب أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني» فواريته فجئته فأمرني فاغتسلت فدعا لي» . رواه أبو داود والنسائي، وقد يجب مطلقا.

стр. 182

١٩١ - لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من غسل ميتا فليغتسل» رواه أبو داود، والمذهب الأول بلا ريب، نظرا للأصل، وحملا لما تقدم على الاستحباب، لعموم «حديث صفوان: أمرنا رسول الله ﷺ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة. » ١٩٢ - وفي مالك في الموطأ أن أسماء غسلت أبا بكر ﵁ حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا. على أنه ليس في حديث علي أنه غسله، مع أن الأحاديث لم تثبت، قاله أحمد وغيره،

стр. 183

ومن ثم قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب رأسا. اهـ. ولا يجب أيضا على من أفاق من إغماء أو جنون لم يتيقن معه حلم، وإن وجد بلة على المعروف من الروايتين، لأنه معنى يزيل العقل فلا يوجب الغسل كالنوم، ولأنه مع عدم البلة يبعد احتمال الجنابة، ومع وجودها يحتمل أن ذلك لغير شهوة، ويحتمل أنه [حصل] عن المرض المزيل للعقل، فلا يجب الغسل مع الشك، (والثانية) : يجب وإن لم يجد بلة. ١٩٣ - لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء، وفعله على وجه القربة دليل على الوجوب، وتوسط أبو الخطاب فأوجبه مع البلة كالنائم. ولا يجب أيضا على من أراد الجمعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ويرد على حصر الخرقي [الموت] فإنه موجب في الجملة بلا نزاع. والله أعلم.

стр. 184

[غمس الحائض والجنب والمشرك أيديهم في الماء] قال: والحائض، والجنب، والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء فهو طاهر ش: لا إشكال أن مجرد غمس الحائض أو الجنب يده أو غيرها من أعضائه في الماء لا يزيل طهارته، لطهارة بدنيهما. ١٩٤ - لما في الصحيحين «عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه. الحديث إلى قوله: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس» . » ١٩٥ - ولمسلم من حديث حذيفة نحوه. ١٩٦ - «وعن عائشة ﵂ قالت: كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيها» . رواه مسلم وغيره، أما لو غمس الجنب أو الحائض الذي انقطع حيضها يده في الإناء قاصدا رفع الحدث عنها والماء قليل، فإن طهوريته تزول على المذهب المنصوص، ولم يرتفع حدثه على المعروف، وهل زوالها بأول جزء لاقاه، أو بأول جزء انفصل عنه؟ فيه وجهان، أشهرهما الثاني، وإن نويا الاغتراف

стр. 185

فهو باق على طهوريته، وإن غمسا بعد نية الاغتسال ذاهلين عن نية الاغتراف، وعن رفع الحدث عن اليد بالوضع فروايتان. أنصهما عن الإمام، وأصحهما عند عامة الأصحاب: زوال طهوريته، لحصول الغمس بعد نية رفع الحدث. ١٩٧ - وفي سنن سعيد عن ابن عمر: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس. (والثانية) - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي البركات - بقاء طهوريته. ١٩٨ - لأن أبا هريرة ﵁ قال: إنه يتناوله تناولا ولأنه لما قصد بأخذه استعماله خارج الإناء فقد صرف عنه النية، هذا هو التحقيق في التقسيم، وظاهر ما في المغني عن بعض الأصحاب أنه قال بالمنع أيضا فيما إذا نويا الاغتراف، وفيه نظر، ولو وضع الجنب رجله بعد نية الغسل أثر على الأصح، قاله ابن تميم، وعاكسه ابن حمدان فقال: إنه طاهر في الأصح، ولأبي محمد في المغني في إلحاق الرجل باليد منعا وتسليما.

стр. 186

وقد دخل في كلام الخرقي - بطريق التنبيه - المحدث إذا غمس يده في الإناء أنه لا يؤثر، وهو كذلك، [إلا إذا اغترف بعد نية الطهارة، وبعد غسل وجهه، قاصدا لرفع الحدث عنها بالغمس، فإن طهوريته تزول، كما في الجنب، وكذا إن] ذهل عن رفع الحدث عنها والحال ما تقدم، على قويل، والمذهب عدم تأثير ذلك، بخلاف الجنب على الأشهر كما تقدم، نظرا إلى أن الوضوء يتكرر، فلو أثر لشق، بخلاف الجنب. ١٩٩ - ثم إن النبي ﷺ اغترف في الوضوء بعد غسل وجهه، كما ثبت في الصحيح، ولم يثبت أنه في الجنابة اغترف إلا بعد غسل يديه، إذا عرف حكم الحائض والجنب، فحكم المشرك أنه إن كان ممن تحل ذبيحته، ولم يتظاهر بشرب الخمر، وأكل الخنزير، ونحو ذلك، فإن غمسه لا يؤثر شيئا. ٢٠٠ - لأن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولأن الكفر في قلبه لا يؤثر في

стр. 187

بدنه، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ليس المراد به - والله أعلم - النجاسة الحقيقية على الأشهر الأعرف، بل الاستقذار، وفاقا لأبي عبيدة والزجاج. ٢٠١ - وعن قتادة: قيل لهم ذلك لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضئون. ومن هذه حاله جدير بأن يوصف بالتنجيس، ويمنع من قربان مسجد له على غيره شرف وتعظيم. وإن كان ممن لا تحل ذبيحته، أو ممن يتظاهر بأكل الخنزير، ونحو ذلك فيخرج في نجاسة الماء بغمسه روايتان، بناء على الروايتين فيما استعملوه هؤلاء من آنيتهم، هل تباح

стр. 188

مطلقا، أو لا تباح إلا بعد غسل، وأصلهما يعارض الأصل والغالب. (تنبيهات) : [أحدها] مراد الخرقي بالطاهر الطاهر غير المقيد، المذكور في صدر كتاب الطهارة. (الثاني) : «انخنست» [من] . انفعلت، مطاوع خنس، من (الخنوس) وهو التأخر والاختفاء، ومنه سميت الكواكب الخمسة - زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد - الخنس. في قوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] على قول بعضهم، لأنها تتأخر في رجوعها، بينا تراها في مكان من السماء، حتى تراها راجعة إلى وراء جهتها التي كانت تسير إليها، وقيل: الخنس النجوم كلها، لاختفائها نهارا. (الثالث) : المزادة بفتح الميم، التي يسميها الناس الراوية، والسطيحة أصغر منها، «وإهالة سنخة» شحم متغير. والله أعلم. [وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة] قال: ولا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء.

стр. 189

ش: معنى الخلوة أن لا يستعمل الرجل الماء معها، في إحدى الروايتين، لعموم حديث الحكم الآتي، خرج منه حالة الاستعمال. ٢٠٢ - لحديث «عائشة ﵂: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة» . فما عداه على المنع. (والثانية) : - وهي المختارة – أن لا يشاهدها حال طهارتها رجل مسلم. ٢٠٣ - لأن في الصحيح «أن النبي ﷺ توضأ بفضل وضوء ميمونة بعد فراغها» ، فيحمل على أنه كان شاهدها وقضية النهي على عدمها، جمعا بين الدليلين، وعلى هذه إن شاهدها صبي مميز، أو امرأة، أو كافر فهل يخرج عن أن تكون خالية به، كما في خلوة النكاح؟ وهو اختيار الشريف، والشيرازي، أو لا يخرج إلا بالرجل المسلم، لأن الحكم يختص به؟ وهو اختيار القاضي في المجرد، فيه وجهان، وألحق السامري المجنون بالصبي ونحوه. إذا عرف [هذا] فحيث حكم بخلوتها بالماء فهو باق على طهوريته، يجوز لها الطهارة به، على المعروف المشهور، حتى

стр. 190

قال أبو البركات: [إنه] لا خلاف في ذلك، وفي خصال ابن البنا، والمذهب لابن عبدوس: أنه طاهر غير مطهر. وحكى صاحب التلخيص، وابن حمدان المسألة على روايتين، ولقد أبعد السامري حيث اقتضى كلامه الجزم بطهارته، مع حكايته الخلاف في طهارة الرجل به: والعمل على القول بطهوريته، وإذا يجوز لها بلا ريب الطهارة به، وكذلك لامرأة أخرى على الأعرف. وهل يجوز للرجل الوضوء به؟ فيه روايتان (أشهرهما) - وهي اختيار الخرقي، وجمهور الأصحاب -: لا يجوز نص عليه. ٢٠٤ - لما روى الحكم بن عمرو الغفاري ﵁، «أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وفي رواية: وضوء المرأة» . رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.

стр. 191

٢٠٥ - وعن عبد الله بن سرجس، عن النبي ﷺ نحوه، رواه البيهقي في السنن. ٢٠٦ - وقال أحمد: أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه. وهو أمر لا يقتضيه القياس، فالظاهر أنهم قالوه عن توقيف، (والثانية) - واختارها أبو الخطاب، وابن عقيل وإليها ميل المجد في المنتقى -: يجوز مع الكراهة.

стр. 192

٢٠٧ - لما روى عمرو بن دينار قال: علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة» . رواه مسلم. ٢٠٨ - وعن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: يا رسول الله إني كنت جنبا. فقال رسول الله ﷺ : إن الماء لا يجنب» رواه أحمد وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه هو وابن خزيمة، والحاكم، وابن حبان، لكن أحمد قال: أتقيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره، وحديث الحكم قيل عن البخاري أنه قال:

стр. 193

ليس بصحيح. وعنه في حديث ابن سرجس أنه قال: قد أخطأ من رفعه. ولمن نصر الأول أن يقول: حديث ابن عباس الأول لم يجزم عنه أبو الشعثاء، والثاني - وهو حديث سماك - قد تقدمت الإشارة من أحمد على تضعيفه، ويؤيد ذلك اختلاف ألفاظه، فرواه الثوري وقال فيه: «إن الماء لا ينجس» ثم لو صحا حملا على عدم الخلوة، جمعا بين الدليلين، ثم على تقدير التعارض يرجح الأول بأنه حاظر، ثم ناقل عن الأصل، إذ الأصل الحل اهـ. والخرقي ﵀ خص المنع بالوضوء تبعا للحديث، وغيره ممن علمت من الأصحاب يسوي بين الحدثين بمعنى أن لا فارق، فهو في معنى المنصوص، ولهم في إلحاق طهارة الخبث

стр. 194

بذلك وجهان، (الإلحاق) اختيار القاضي، وأبي البركات، وحكاه الشيرازي عن الأصحاب ما عدا ابن أبي موسى، إذ كل مائع لا يزيل الحدث لا يزيل النجاسة. (وعدمه) اختيار ابن أبي موسى، وأبي محمد، وأبي البركات في المحرر، اقتصارا على مورد النص، وقوله: لا يتوضأ الرجل. يخرجها وامرأة سواها وقد تقدم. وكذا الخنثى لعدم تحقق ذكوريته، وقد يخرج الصبي وهو مقتضى تعليل أبي البركات. وقوله: بفضل. ربما أشعر بقلة الباقي، فلو كان ما خلت به كثيرا لم تؤثر خلوتها، وهذا هو المذهب، إذ النجاسة لا تؤثر في الكثير، فهذا أولى وأحرى. وطرد ابن عقيل الحكم في اليسير والكثير، نظرا للتعبد به. وقوله: «بفضل» وهو يشمل المستحب، وهو أحد الوجهين، (ويخرج) منه ما خلت به لإزالة النجاسة، وهو أحد الوجهين أيضا، وبه قطع ابن عبدوس، إذ الطهارة تنصرف إلى طهارة الحدث، (والثاني) - وصححه أبو البركات -: حكمه حكم ما خلت به لطهارة حدث، نظرا لعموم: نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. (ويخرج) منه أيضا ما خلت به لرفع طهارة كبرى، والأصحاب على التسوية بينهما كما تقدم، ولفظ الحديث يشهد لذلك أيضا، (ويخرج) منه أيضا ما خلت به للتبريد

стр. 195

والتنظيف، وهو واضح لأن ذلك ليس بطهارة، وكذلك ما خلت به للشرب، نعم هل يكره؟ . ٢٠٩ - لأن في بعض ألفاظ الحكم بن عمرو: «أن رسول الله ﷺ نهى عن سؤر المرأة» ، أو لا يكره، وهو اختيار أبي البركات، لأن اللفظ المشتهر «وضوء المرأة، أو طهور المرأة» ؟ على روايتين، وظاهر كلام ابن تميم حكايتهما في الجواز وعدمه. وقول الخرقي: المرأة. يشمل الكافرة، وهو أحد الوجهين، ويخرج الرجل وهو واضح، وكذلك الخنثى، إذ المانع الأنوثية [ولم تتحقق] ، وقد يخرج الصغيرة، ويحتمل: إن صحت طهارتها وجهان، (التأثير) لأنها من أهل الطهارة، والحديث خرج على الغالب (وعدمه) اعتمادا على الحديث. (تنبيه) : لم يتعرض الخرقي ﵀ لعكس هذه المسألة، وهو فضل ما خلى به الرجل للنساء، وقوة كلامه يعطي أن ذلك لا يؤثر منعا، ونص أحمد على ذلك في رواية الجماعة، لمفهوم حديث الحكم، وعن بعض الأصحاب أنه منعهن من ذلك.

стр. 196

٢١٠ - لما روى حميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الحميدي، وقال البيهقي: رجاله كلهم ثقات. والرجل المبهم قيل: إنه الحكم، وقيل: إنه عبد الله بن سرجس، وقيل: ابن مغفل. والله أعلم. قال: [باب الغسل من الجنابة] ش: الجنابة معروفة، وقد تقدم أن أصلها البعد، ويقال: أجنب الرجل - كما قال الخرقي -[يجنب] ، فهو جنب، وجنب يجنب، فهو مجنب، ويقال للواحد والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظ واحد، [والله أعلم] .

стр. 197

[كيفية الغسل من الجنابة] قال: وإذا أجنب الرجل] غسل ما به من أذى، وتوضأ - وضوءه للصلاة، ثم أفرغ [الماء] على رأسه ثلاثا، يروي بهن أصول الشعر، ثم يفيض الماء على سائر جسده [ثلاثا] . ش: هذا على نحو ما في الصحيحين وغيرهما. ٢١١ - فعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه بثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جلده كله. وفي رواية: قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض [الماء] على سائر جسده، ثم غسل رجليه. وفي رواية للنسائي، بعد غسل الفرج: ثم يمضمض ويستنشق. » ٢١٢ - «وعن ميمونة ﵂ قالت: وضع للنبي ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم

стр. 198

أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه، فناولته خرقة فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده» . واعلم أن مراد الخرقي بهذه الصفة صفة الكمال، كما يدل عليه كلامه بعد، وقد قال كثير من متأخري الأصحاب: إن الكمال بعشرة أشياء، النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاث حثيات، يروي بهن أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثا، ويبدأ بشقه الأيمن ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه. والخرقي ﵀ نص من ذلك على أربعة، وتقدم له غسل يديه إذا قام من نوم الليل، إدخالهما الإناء ثلاثا، وتقدم التنبيه على أنه لا فرق في أصل المسنونية بين نوم الليل ونوم النهار، وغير ذلك، وهذه الخمسة هي التي في الحديثين، ويأتي له النية والكلام عليها، وإنما لم تذكر في الحديثين لأن متعلقها القصد، وعائشة وميمونة ﵄ إنما حكيا ما شاهداه من أفعاله ﷺ .

стр. 199

وقد يؤخذ من كلام الخرقي البداءة بشقه الأيمن قبل الأيسر من قوله ثم: وغسل الميامن قبل المياسر، وفي بعض روايات حديث عائشة المتقدم أنه ﷺ بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه، وأما التسمية، والدلك فلم يتعرض الخرقي لهما نظرا للحديثين، وكذلك غسل قدميه أخيرا اعتمادا على حديث عائشة، وإنما استحب الأصحاب التسمية. ٢١٣ - لعموم «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أجذم» الحديث، وقياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى، أو نقول: الكبرى صغرى وزيادة. اهـ. والدلك لأنه أحوط، وأعون على إيصال الماء إلى جميع البشرة، وخروجا من الخلاف، إذ [قد] أوجبه بعض العلماء، مع أن كلام أحمد قد يحتمله، قال أبو داود: سأل رجل أحمد ﵀ عن إمرار اليد، فقال: إذا اغتسل بماء بارد في الشتاء أمر يده، لأن الماء ينزلق عن البدن في الشتاء، لكن تعليله يقتضي المسنونية.

стр. 200

٢١٤ - ويدل على المسنونية المبالغة في إيصال الماء إلى جميع البشرة في الجملة ما روي عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ترك موضع [شعرة] من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار» قال علي: فمن ثم عاديت شعري. وكان يجزه، رواه أحمد، وأبو داود، ومن ثم قال الأصحاب: يتعاهد معاطف بدنه، وسرته، وتحت إبطه ونحو ذلك، وما ينبو عنه الماء. اهـ. والانتقال لغسل قدميه لحديث ميمونة، وقد اختلف عن إمامنا في ذلك، فقال في رواية: أحب إلي أن يغسلهما بعد الوضوء، لحديث ميمونة، وفي أخرى قال: العمل على حديث عائشة. وفي ثالثة قال: يخير لورود الأمرين. وظاهر

стр. 201

إحدى روايات حديث عائشة - وقد تقدمت - أنه ﷺ جمع بينهما، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. تنبيهات: (أحدها) مراد الخرقي هنا بالأذى والله أعلم. ما يستقذر وإن لم يكن نجسا، كالمني ونحوه، بخلاف مراد أبي محمد بالأذى في المجزئ كما سيأتي، فإنه النجاسة. اهـ. (الثاني) : ينوي بالوضوء المتقدم رفع الحدث، ذكره السامري، وقول الخرقي وغيره: يروي بهن أصول الشعر. ظاهره: بالغرفات الثلاث، وفي المستوعب: يروي بكل مرة. ثم ظاهر كلامه وكلام قليل من الأصحاب أن الإفاضة على سائر الجسد لا تثليث فيها، وهو ظاهر الأحاديث، واختيار أبي العباس، ولعل عامة الأصحاب استحبوا التثليث قياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى، أو اطلاع على نص بذلك وقد استحب أبو محمد زيادة على ما تقدم،

стр. 202

وهو أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء، كما في حديث عائشة، ولا ريب أنه أعون على إصابة الماء البشرة، وقد تقدم أنه ﷺ بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم جمع بينهما، فينبغي أن يعتمد [على] ذلك. (الثالث) : قول عائشة ﵂: رأى أن قد استبرأ. أي: استقصى وخلص من عهدة الغسل، وبرئ منها كما يبرأ من الدين وغيره، و «حفن» أخذ وصب، والحفنات جمع حفنة، وهو ملء الكفين من طعام أو نحوه، أصلها من الشيء اليابس كالدقيق، والرمل ونحوه، «وغرف» جمع غرفة وهو ملء الكف، وغرفة بالفتح أي مرة، والله أعلم. قال: وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق، وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركا للاختيار. ش: هذه صفة الغسل المجزئ، والأصل فيها في الجملة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] ظاهره الاجتزاء بالتطهير، وبالاغتسال من غير اشتراط وضوء ولا غيره.

стр. 203

٢١٥ - وعن جابر ﵁، «أن ناسا قدموا على رسول الله ﷺ فسألوه عن غسل الجنابة، وقالوا: إنا بأرض باردة. فقال: «إنما يكفي أحدكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات» وفي لفظ أنه قال: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا» رواهما مسلم، وظاهرهما الاجتزاء بذلك من غير وضوء. وإنما اشترطت النية المذكورة لعموم قوله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» «لا عمل إلا بالنية» . واشترط الخرقي ﵀ المضمضة والاستنشاق، لما تقدم له من أن الفم والأنف من الوجه، وقد تقدم بيان ذلك والخلاف فيه، فلا حاجة إلى إعادته وهذا هو المذهب المعروف، أعني الاجتزاء بالغسل عن الوضوء، بالشرط المذكور، لظاهر ما تقدم، (وعنه) لا بد أن يأتي بالوضوء. قال أبو الخطاب في هدايته، والسامري، وصاحب التلخيص وغيرهم: وإن لم

стр. 204

يوجد ما يقتضيه، كما إذا أوجبنا الغسل بالانتقال، وهو يلتفت لما تقدم في النواقض. تأسيا بفعله ﷺ ويجاب بأنه ﷺ فعل الكامل، بدليل الاتفاق على أنه لا يجب الوضوء قبل، وتوسط أبو بكر، والشيرازي فقالا: يتداخلان فيما يتفقان فيه، ولا يسقط ما ينفرد به الوضوء عن الغسل من الترتيب والموالاة والمسح وإن لم يقل بإجزاء الغسل عن المسح كما لا يسقط ما ينفرد به الغسل من تعميم البدن ونحوه. (تنبيه) : في معنى نية الوضوء والغسل، إذا نوى استباحة الصلاة، أو أمرا لا يباح إلا بهما، كلمس المصحف، لا قراءة القرآن. اهـ. وقد تضمن كلام الخرقي ﵀ أنه لا يشترط للغسل (ترتيب) ، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم، ولقوله ﷺ لأبي ذر «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ولم يأمره بترتيب، ولا موالاة، وهو المعروف في المذهب، لظاهر ما تقدم أيضا. ٢١٦ - وعن ابن مسعود ﵁، «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يغتسل من الجنابة، فيخطئ الماء بعض جسده؟

стр. 205

فقال رسول الله ﷺ : «يغسل ذلك المكان، ثم يصلي» رواه البيهقي في سننه، (ولا دلك) ، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم أيضا، (ولا تسمية) ، وهو بناء على قاعدته من أن التسمية لا تجب في الوضوء، أما إن قلنا: تجب ثم. وجبت هنا، وجزم صاحب التلخيص، والسامري وغيرهما بالوجوب هنا، نظرا منهم إلى أن ذلك المذهب ثم. ومقتضى كلام الخرقي أيضا أن المجزئ لا يتوقف على إزالة ما به من أذى، وإن كان نجاسة، وهو ظاهر كلام طائفة من الأصحاب، فعلى هذا يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، وصرح بذلك ابن عقيل، ومنصوص أحمد ﵀ أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة طهرت المحل، وعلى هذا يتوقف صحة الغسل على الحكم بزوال النجاسة، وهو ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، فقال في المجزئ: يغسل ما به من أذى. والله أعلم. أي من نجاسة وينوي، لكنه يوهم زوال ما به من أذى أولا، وهذا الإيهام ظاهر ما في المستوعب، فإنه قال في المجزئ: يزيل ما به من أذى، ثم ينوي. وتبعا في ذلك - والله أعلم - أبا الخطاب في الهداية لكن لفظه في ذلك أبين من لفظيهما، وأجرى على المذهب، فإنه قال: يغسل

стр. 206

فرجه ثم ينوي. وكذلك قال ابن عبدوس في المجزئ: ينوي بعد كمال الاستنجاء، وزوال نجاسته إن كانت ثم، وقد يحمل كلام أبي محمد والسامري على ما قاله أبو الخطاب، ويكون المراد بذلك الاستنجاء بشرط تقدمه على الغسل، كالمذهب في الوضوء، لكن هذا [قد] يشكل على أبي محمد، فإن مختاره ثم أنه لا يجب تقديم الاستنجاء، وعلى الخرقي، فإن مذهبه تقديم الاستنجاء، فكان من حقه أن ينبه على ذلك. ويتلخص لي أنه يشترط لصحة الغسل تقديم الاستنجاء على الغسل إن قلنا: يشترط تقديمه ثم. وإن لم نقل ذلك، أو كانت [النجاسة] على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما، لم يشترط التقديم، ثم هل يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، أو لا يرتفع إلا مع الحكم بزوال النجاسة؟ فيه قولان، ثم محل الخلاف إذا لم تكن النجاسة كثيفة، تمنع وصول الماء، أما إن منعته فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها، وهذا واضح والله أعلم. [مقدار ماء الوضوء والغسل] قال: ويتوضأ بالمد، وهو رطل وثلث بالعراقي] ، ويغتسل بالصاع، وهو أربعة أمداد. ش: لا نزاع فيما نعلمه في صحة الوضوء والغسل بذلك.

стр. 207

٢١٧ - لما في مسلم وغيره عن سفينة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد» . ٢١٨ - وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد» . وقد تضمن كلام الخرقي ﵀ أن المد ربع الصاع، ولا نزاع في ذلك، ويقتضي أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وهو المذهب المشهور، كصاع الفطرة والزكاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (وعنه) ما يدل - واختاره القاضي، وأبو البركات - أن الصاع هنا ثمانية أرطال. ٢١٩ - لما روى أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتوضأ بماء يكون رطلين ويغتسل بالصاع» . رواه أحمد وأبو داود. ٢٢٠ - «وعن موسى الجهني قال: أتي مجاهد بقدح، حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة ﵂ أن رسول الله

стр. 208

- ﷺ كان يغتسل بمثل هذا» . رواه النسائي و «كان» في مثل هذا المقام تقتضي المداومة، والله أعلم. قال: وإن أسبغ بدونهما أجزأه. ش: الإسباغ تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحا، فإذا حصل ذلك بدون المد في الوضوء، وبدون الصاع في الغسل حصل الواجب، على المشهور، المعروف من الروايتين، لظاهر الآية. ٢٢١ - وقوله ﷺ : «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا» ونحو ذلك. ٢٢٢ - «وعن عائشة ﵂، أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك» . رواه مسلم.

стр. 209

٢٢٣ - وعن أم عمارة بنت كعب، «أن النبي ﷺ توضأ من إناء قدر ثلثي المد.» رواه أبو داود والنسائي، (والثانية) : لا يجزئ دون المد في الوضوء، ولا دون الصاع في الغسل. ٢٢٤ - لظاهر ما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد» رواه أحمد، والله أعلم.

стр. 210

قال: وتنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض، وليس عليها نقضه [لغسلها] من الجنابة، إذا روت أصوله. [والله أعلم] . ش: هذا منصوص أحمد في الصورتين، ومختار كثير من الأصحاب. ٢٢٥ - لما روي عن «عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها - وكانت حائضا - «انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجه، قال صاحب المنتقى: بإسناد صحيح. ٢٢٦ - وفي مسلم: «أن أم سلمة سألت النبي ﷺ فقالت: «أفأنقضه لغسل الجنابة» .

стр. 211

٢٢٧ - وأصرح من ذلك ما روي عن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، واغتسلت بالخطمي والأشنان، [وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقضه، ولم تغتسل بالخطمي والأشنان] » رواه البيهقي في السنن، لكن في إسناده محمد بن يونس، قال: وليس بثقة. والمعنى في ذلك أن مدة الحيض تطول، فيتلبد الشعر، فشرع النقض، طريقا موصلا إلى وصول الماء إلى أصول الشعر، بخلاف غسل الجنابة، فإنه لا يطول غالبا، فلا حاجة إلى النقض، لوصول الماء بدونه غالبا، فلذلك لم يطلب النقض رفعا لكلفته. وحكى ابن الزاغوني رواية أخرى في الحيض، أنه لا يجب النقض، وهو اختيار أبي محمد، وابن عبدوس، وابن عقيل في التذكرة. ٢٢٨ - لأن في مسلم: «أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي، أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تفرغي عليك ثلاث حفنات، ثم قد طهرت»

стр. 212

وحديث أنس لا يصح، وحديث عائشة ﵂، قضية عين فيحتمل أنه ﷺ رأى عليها ما يمنع وصول الماء، لكن ذكرها للحيض ظاهره أن العلة ذلك، والأولى حمل الحديثين على الاستحباب، جمعا بين الأدلة. وقرينة ذلك ذكر الخطمي والأشنان في حديث أنس. ولنا قول آخر بالوجوب في الجنابة، قياسا على الحيض، والنص يرده، وابن الزاغوني قيده بما إذا طالت المدة، قال: بناء على أن العلة في النقض في الحيض طول المدة أما إن جعل المناط النص تعبدا فلا. وقول الخرقي: إذا روت أصوله. فيه إشعار على أنه يشترط إيصال الماء إلى أصول الشعر والبشرة، وهو كذلك، وإن كانت كثيفة، بخلاف ما تقدم في الوضوء. ٢٢٩ - وقد شهد لذلك قوله: ﷺ «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» وإذا أوجب الخرقي ﵀ تروية

стр. 213

أصول الشعر، ويلزم من ذلك غسل البشرة، فما بالك بالشعور نفسها، فيؤخذ من ذلك وجوب غسلها وإن استرسل، وهو المذهب، وحكى أبو محمد وجها أنه لا يجب غسل المسترسل، وقال: إنه يحتمله كلام الخرقي. فلا يظهر لي وجه احتمال كلام الخرقي لذلك، والله أعلم. قال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: [باب التيمم] ش: التيمم في اللغة القصد، قال : ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي قاصدين، وقال الشاعر [العذري] : وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني

стр. 214

يقال: يممت فلانا وتيممته وأممته. إذا قصدته، وقد قرئ بالثلاثة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي لا تقصدوا الخبيث للإنفاق منه، فقرأ الجمهور (ولا تيمموا) بالفتح، وقرأ عبد الله بن مسعود ﵁ (ولا تأمموا) وابن عباس ﵄ (ولا تيمموا: بضم التاء. وهو في العرف الشرعي عبارة عن: قصد شيء مخصوص - وهو التراب الطاهر - على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين - من شخص مخصوص، وهو العادم للماء، أو من يتضرر باستعماله، وتحقيق ذلك كله له محل آخر، وقد يطلق ويراد به مسح الوجه واليدين وسمي المقصود بالتيمم تيمما. وهو جائز بالإجماع، وقد شهد له قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] الآية، وحديث عمار وغيره كما سيأتي إن شاء الله

стр. 215

تعالى، وهو من خصائص هذه الأمة ومما فضلت به على غيرها، توسعة عليها، وإحسانا إليها. ٢٣٠ - قال ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» [والله أعلم] . [التيمم في السفر] قال: ويتيمم في قصير السفر وطويله. ش: هذا هو المعروف في المذهب المقطوع به، اعتمادا على شمول الآية المتقدمة بإطلاقها لحالتي السفر، ثم شرع التيمم يقتضي ذلك، إذ السفر القصير يكثر، فيكثر عدم الماء فيه، فلو لم يجز التيمم إذا لأفضى إلي حرج ومشقة، وذلك ينافي أصل مشروعية التيمم، وقد بالغ الأصحاب في ذلك فقالوا: لو خرج من المصر إلى أرض من أعماله لحاجة: كالحراثة، والاحتطاب، والاحتشاش ونحو ذلك، ولا يمكنه حمل الماء منه، ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته، فله التيمم، ولا إعادة عليه على الأشهر، وقيل: بلى لأنه
следующие страницы →