← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأكثرين، الشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي وابن عقيل، وابن البنا، وابن عبدوس -: ينقض. ١٤٣ - لما روت أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» رواه ابن ماجه، والأثرم، وصححه أحمد، وأبو زرعة. والفرج اسم جنس مضاف، فيعم، وذكر الذكر لا يخصص، لأنه بعض أفراده، وفي مس المرأة فرجها، أيضا روايتان (إحداهما) : لا ينقض لما تقدم من أن أكثر الأحاديث مقيدة بالذكر، (والثانية) : وصححها أبو البركات - ينقض، لعموم «من مس فرجه فليتوضأ» وذكر الذكر لا يخصص، لما تقدم، والمفهوم غير مراد، لأن الخطاب كان جواب سؤال سائل للرجال.

стр. 142

١٤٤ - وقد روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» ولا فرق بين مس فرجها وفرج غيرها، وفي التلخيص: ينقض مس فرج المرأة، وفي مسها فرج نفسها وجهان. وفيه نظر. وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يشترط للنقض بذلك الشهوة، وهو مفرع على المذهب، وشرطها ابن أبي موسى، وهو جار على الرواية الضعيفة. (تنبيه) : المضغة، قدر اللقمة من اللحم، «والبضعة» قطعة أكبر من المضغة. والله أعلم. [القيء والدم والدود من نواقض الوضوء] قال: والقيء الفاحش، والدم الفاحش، والدود الفاحش، يخرج من الجروح. ش: قد تقدم في الثاني من النواقض أن النجاسة الخارجة من غير السبيلين تنقسم إلى بول وغائط وغيرهما [وقد تقدم الكلام على البول والغائط، والكلام هنا فيما عداه] ولا يخلو إما أن يكون فاحشا أو غير فاحش. فإن كان غير فاحش لم ينقض على المشهور من الروايتين.

стр. 143

١٤٥ - لأن عبد الله بن أبي أوفى بصق دما، فمضى في صلاته، وابن عمر عصر بثرة فخرج منها دم فلم يتوضأ، ذكرهما البخاري. ١٤٦ - وعن أبي هريرة أنه أدخل أصبعه في أنفه، فخرج عليها دم، فلم يتوضأ، ذكره أحمد وقال: قال ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشا أعاد الوضوء. وقال: الدم القليل لا أرى فيه الوضوء، لأن أصحاب رسول الله ﷺ رخصوا فيه. وغير ذلك ما عدا البول، والغائط في معناه، والرواية الثانية: ينقض لعموم ما يأتي. وإن كان فاحشا نقض على المعروف - ولا عبرة برواية أثبتها

стр. 144

بعضهم، ونفاها أبو البركات: أن القيح والصديد، والمدة لا ينقض مطلقا. ١٤٧ - لما روى معدان بن أبي طلحة، «عن أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه» . رواه أحمد والترمذي وقال: هو أصح شيء في الباب. وقال الأثرم لأحمد: اضطربوا في [هذا] الحديث. فقال: حسين المعلم يجوده. وقيل له: حديث ثوبان يثبت عندك؟ قال: نعم.

стр. 145

١٤٨ - ولابن ماجه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف فليتوضأ» فيحمل هذا والذي قبله على الفاحش عملا بالدليلين، ويؤيد ذلك قول ابن عباس المتقدم، وقد اعترض على هذا الحديث بأنه مرسل ولا يضر على قاعدتنا، على أنه قد أيد بعمل الصحابة.

стр. 146

١٤٩ - فحكى أحمد الوضوء من الرعاف عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبد البر عن عمر: ثم حديث معدان يوافقه. إذا عرف هذا فاختلف عن إمامنا في الفاحش اختلافا كثيرا، نحو عشرة أقوال أو أكثر، والمشهور منها، المعمول عليه، أنه: ما يفحش في النفس، ولا عبرة بما قطع به ابن عبدوس، وحكى عن شيخه: أن اليسير قطرتان، لما تقدم عن ابن عباس، ولا يعرف عن صحابي خلافه، ثم المعتبر في حق كل إنسان بما يستفحشه في نفسه، نص عليه، وقال الخلال: إنه الذي استقر عليه قوله، ومال إليه أبو محمد، وقال أبو العباس في شرح العمدة، إنه ظاهر المذهب، وحده أنه الأولى، إلا أنه استثنى القطرة والقطرتين، فعفى عن ذلك مطلقا، إذ العفو لدفع المشقة، فإذا لم يستفحشه شق عليه غسله وإن استفحشه هان عليه غسله، وقال ابن عقيل في

стр. 147

فصوله، وشيخه أظنه في المجرد: والمعتبر نفوس أوساط الناس، فلا عبرة بالقصابين، ولا المتوسوسين، كما رجع في يسير اللقطة إلى نفوس الأوساط، وفي الأحراز والقبوض إلى عادة الأكثر، وتبعهما على ذلك صاحب التلخيص وأبو البركات في محرره. (تنبيه) : القلس بالتحريك - وقيل بالسكون - ما خرج من الجوف، ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء. والله أعلم. [أكل لحم الجزور من نواقض الوضوء] قال: وأكل لحم الجزور. ش: السابع من النواقض أكل لحم الجزور، على المذهب، المختار لعامة الأصحاب. ١٥٠ - لما روى جابر ﵁، «أن رجلا سأل النبي ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم توضئوا من لحوم الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم» قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» رواه أحمد ومسلم، وقال ابن خزيمة: لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح، لعدالة ناقليه.

стр. 148

١٥١ - وعن البراء بن عازب قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضئوا منها» وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضئوا منها» وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين» وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا فيها، فإنها بركة» رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وصححه والذي قبله أحمد وإسحاق، وظاهر الأمر الوجوب، والوضوء إذا أطلقه الشارع حمل على الشرعي، لا سيما وقد قرنه بالصلاة، وفرق بينه وبين لحم الغنم، مع مطلوبية الوضوء اللغوي فيه، وهو غسل اليد والفم.

стр. 149

١٥٢ - وكذا فهم جابر راوي الحديث وغيره الوضوء الشرعي فقال: كنا نتمضمض من ألبان الإبل، ولا نتمضمض من ألبان الغنم، وكنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم، ذكره البيهقي في السنن. ١٥٣ - وقال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم» ، رواه ابن ماجه، وله نحوه عن ابن عمر، وكذا لأحمد من حديث أسيد بن الحضير والمعنى في ذلك إن قيل: [إنه] معلل ما أشار إليه النبي ﷺ بأنها من الشياطين، إذ كل عات متمرد شيطان، فالكلب الأسود شيطان الكلاب، والإبل شياطين الأنعام.

стр. 150

١٥٤ - وفي الحديث «على ذروة كل بعير شيطان» والأكل منها يورث حالا شيطانية، والشيطان من نار والماء يطفئها. ١٥٥ - ودعوى النسخ بقول جابر ﵁[في الصحيح] : «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» ، ودعوى النسخ مردودة بأن هذه قضية عين، ولا عموم لها، ولو سلم عمومها - كما قاله أصحابنا، أو ورد لفظ عام - لم ينسخ العام الخاص، بل الخاص يقضي على العام، ثم لو سلم اندراج المطبوخ [منه] في العموم، فإنما يدل على نفي الوضوء بسبب مس النار، لا نفي الوضوء من جهة

стр. 151

أخرى، وإذا نقول: الوضوء من المطبوخ كان لعلتين، مس النار، وكونه لحم إبل، فإذا زالت إحداهما لا يلزم زوال الأخرى. وقد شمل كلام الخرقي النيء وهو كذلك، لما تقدم. وعن أحمد (رواية أخرى) : لا ينقض مطلقا، وقد فهم دليلها [وجوابه] مما تقدم، وعنه (ثالثة) : إن طالت المدة وفحشت، كعشر سنين لم يعد، بخلاف ما إذا قصرت، وعنه (رابعة) - وقال الخلال: إن عليها استقر قوله -: يفرق بين الجاهل وغيره، لأنه خبر آحاد فيعذر بالجهل به - كما يعذر بالجهل بالزنا ونحوه - الحديث العهد بالإسلام، والجاهل هنا من لم يبلغه الحديث، قاله أبو العباس، أما من بلغه فلا يعذر، وعنه: بلى مع التأويل، وعنه: مع طول المدة. وقد خرج من كلام الخرقي ما عدا اللحم من لبنها، وسنامها، وكرشها، وكبدها، ومرقها، ونحو ذلك، وهو إحدى الروايتين في اللبن، وأحد الوجهين، أو الروايتين المخرجتين في غيره، واختيار الأكثرين فيهما، لأن الصحيح من الأحاديث ليس فيه ذكر اللبن.

стр. 152

١٥٦ - ثم في ابن ماجه عن النبي ﷺ : «مضمضوا من اللبن، فإن له دسما» وظاهره الاكتفاء بالمضمضة في كل لبن، (والقول الثاني) : يجب في جميع ذلك. ١٥٧ - لأن في بعض الأحاديث: «توضئوا من لحوم الإبل وألبانها» رواه أحمد. وغير اللبن في معناه، من السنام ونحوه، والمعتمد أن الوضوء من لحوم الإبل هل هو معلل، فيلحق به ذلك، أو غير معلل، وهو المشهور؟ على قولين. وخرج من كلامه أيضا ما عدا لحم الإبل من اللحوم، وهو المشهور من الروايتين في اللحوم المحرمة أما غير المحرمة فلا

стр. 153

تنقض اتفاقا، نعم في استحباب الوضوء مما مست النار وجهان. (تنبيه) : «مرابض الغنم» اسم لمواضع ربضها، أي إقامتها، «ومبارك» اسم لموضع البروك. [غسل الميت من نواقض الوضوء] قال: وغسل الميت. ش: (الثامن) من النواقض غسل الميت مطلقا، على المنصوص، المختار للجمهور. ١٥٨ - لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء. ١٥٩ - وقال أبو هريرة: أقل ما فيه الوضوء، وقال التميمي، وأبو محمد: لا ينقض، كما لو يممه. ١٦٠ - وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس

стр. 154

بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» رواه الدارقطني، قال بعض الحفاظ: إسناده جيد. وقد دخل في كلام الخرقي ما إذا غسله في قميصه، وهو ظاهر كلام غيره، وفيه احتمال، وخرج من كلامه ما إذا غسل بعضه، وهو أظهر الاحتمالين عند ابن حمدان، وخرج أيضا ما إذا يممه، وهو المعروف، وقيل: فيه احتمال. (تنبيه) : قيد ابن حمدان المسألة بما إذا قيل: إن مس فرجه ينقض اهـ. والغاسل من يقلبه ويباشره، لا من يصب الماء ونحوه، و «حسبكم» . أي يكفيكم. والله أعلم. قال: وملاقاة جسم المرأة لشهوة. ش: هذا خاتمة النواقض، وهو ملاقاة جسم الرجل [جسم] المرأة لشهوة، على المشهور، المعمول به من الروايات، لقول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] الآية والمفهوم منه في العرف المس المقصود منهن، وهو المس للتلذذ، أما المس لغرض آخر فلا فرق بينهن وبين غيرهن في ذلك، ولأن اللمس بشهوة هو المظنة لخروج المني والمذي، فأقيم مقامه، كالنوم مع الريح.

стр. 155

١٦١ - وعلى هذا يحمل قول ابن مسعود: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. ونحوه عن ابن عمر، أخرجهما مالك في الموطأ. ١٦٢ - وقول عمر ﵁: إن القبلة من اللمس، فتوضئوا منها. رواه البيهقي، فتخصيصه القبلة بذلك قرينة الشهوة. ١٦٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب [من] امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئا يصيب الرجل من المرأة إلا قد أصاب منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: «توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل» فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فقال معاذ: هي له خاصة، أم للمسلمين عامة؟ فقال: «بل هي للمسلمين

стр. 156

عامة» رواه أحمد والدارقطني، مع أن فيه انقطاعا، فإن راويه عن معاذ عبد الرحمن بن أبي ليلى ولم يدركه. ١٦٤ - وما روي من أنه ﷺ قبل ولم يتوضأ، إن صح أيضا محمول على التقبيل ترحما ونحوه، ولو أريد بالآية الجماع

стр. 157

لاكتفى بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] . (والثانية) : ينقض مطلقا لظاهر [إطلاق] الآية الكريمة، وما تقدم من حديث معاذ ونحوه، ويؤيد ذلك أنه قد ورد في لسان الشارع، وأريد به ذلك. ١٦٥ - قال ﷺ في حديث ماعز «لعلك قبلت أو لمست» ؟ ١٦٦ - ونهى عن بيع الملامسة وقد حكي عن أحمد أنه رجع عن هذه الرواية. (والثالثة) : لا ينقض مطلقا، وهو اختيار أبي العباس في فتاويه، وهو قول الحبر ابن عباس، حملا للآية على الجماع. ١٦٧ - قال ابن عباس ﵄: إن الله حيي كريم، يكني بما شاء عما شاء، وإن مما كنى به عن الجماع الملامسة. ويؤيد ذلك ما روي من تقبيله ﷺ وما تقدم يحمل على الاستحباب، جمعا بين الأدلة اهـ. وقد شمل كلام الخرقي الأجنبية، وذات المحرم، والعجوز، وهو كذلك، وشمل أيضا الحية والميتة، وهو اختيار القاضي

стр. 158

وابن عبدوس، وابن البنا، وصاحب التلخيص وغيرهم نظرا للعموم، وقياسا على وجوب الغسل بوطئها، وخالفهم أبو جعفر، وابن عقيل، وأبو البركات، لأنها ليست محلا للشهوة، أشبهت البهيمة، وشمل أيضا مسها بعضو زائد، ومس عضو زائد منها، لأن جسمه لاقى جسمها، وصرح به غيره. وقوله: المرأة. قد يخرج به الطفلة. وصرح به أبو البركات، مقيدا بالتي لا تشتهى، وصرح أبو محمد، وصاحب التلخيص، والسامري، وغيرهم بأنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة. وقوله: المرأة. أي لجسم المرأة، فيحتمل أن يدخل تحته الشعر والسن، والظفر، وهو قويل، والمذهب عدم النقض بذلك. وخرج من كلامه اللمس بحائل وهو المعروف المنصوص وحكي عنه النقض مع الحائل أيضا وبعدت. وقوله: ملاقاة جسم الرجل للمرأة، قد يدخل فيه ما إذا مسته المرأة ووجدت منه الشهوة، أن وضوءه ينتقض، وهذا

стр. 159

ينبني على أصلين: (أحدهما) : أن المرأة هل حكمها حكم الرجل إذا مسته، وهو المشهور، أم لا؟ فيه روايتان. (الثاني) : أن اللامس حيث انتقض وضوءه هل ينتقض وضوء الملموس، وهو اختيار ابن عبدوس، أو لا ينتقض، وهو اختيار أبي البركات؟ على روايتين أيضا، ثم محلها - وفاقا للشيخين - فيما إذا وجدت الشهوة من الملموس، فيكون كلام الخرقي ينبني على أن حكم المرأة حكم الرجل، وأن وضوء اللامس ينتقض إذا انتقض وضوء الملموس. واعلم أن عامة الأصحاب يعد النواقض كما عدها الخرقي، عدا التقاء الختانين كما تقدم، وزاد بعض المتأخرين: زوال عذر المستحاضة ونحوها بشرطه، وخروج وقت صلاة تيمم لها، وبطلان المسح بفراغ مدته، أو خلع حائله، ونحو ذلك، وبرء محل الجبيرة، ورؤية الماء للمتيمم العادم له ونحو ذلك، وهذا وإن [كان] مناقشا فيه، لكن الحكم متفق عليه اهـ. (تنبيه) : ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] أي ساعة بعد ساعة. واحدتها: زلفة [والله أعلم] . قال: ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو على ما تيقن منهما.

стр. 160

١٦٨ - ش: روى عبد الله بن زيد قال: «شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» متفق عليه. ١٦٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» رواه مسلم وغيره، والمعنى في ذلك أن الشيء إذا كان على حال، فانتقاله عنها يفتقر إلى زوالها، وحدوث غيرها، وبقائها، وبقاء الأولى لا يفتقر [إلا] إلى مجرد [بقائها] ويكون أولى. واعلم أن كلام الخرقي يشمل صورا، منها ما تقدم، (ومنها) إذا تيقن الطهارة والحدث، وشك في السابق منهما، فإنه على ضد حاله قبلهما، مثاله: إذا تيقن بعد الزوال مثلا أنه كان متطهرا ومحدثا، فإنه ينظر إلى ما قبل الزوال فإن كان محدثا فهو الآن متطهر، لأنه قد تيقن زوال ذلك الحدث بطهارة بعد الزوال، والحدث الموجود بعد الزوال، يحتمل أن يكون ذلك الحدث واستمر، ويحتمل أنه حدث متجدد، فهو متيقن للطهارة، شاك في الحدث، وإن كان قبل الزوال متطهرا فهو الآن محدث، وبيانه مما تقدم (ومنها) إذا تيقن فعل الطهارة والحدث، وصورته أنه تيقن بعد الزوال أنه تطهر طهارة رفع بها حدثا، وأحدث

стр. 161

حدثا نقض به طهارة، فيكون على مثل حاله قبل الزوال، فإن كان قبله متطهرا فهو الآن متطهر، لأن الطهارة التي قبل الزوال، قد تيقن زوالها بالحدث، وتيقن أيضا زوال الحدث بالطهارة التي بعد الزوال، والأصل بقاؤها، وإن كان قبل الزوال محدثا، فهو الآن محدث، وبيانه مما تقدم، والضابط كما قال الخرقي العمل بالأصل. (تنبيه) : الشك في كلام الخرقي خلاف اليقين، وإن انتهى إلى غلبة الظن، وفاقا للفقهاء واللغويين كما قاله الجوهري، وابن فارس وغيرهما، وفي اصطلاح الأصوليين هو تساوي الاحتمالين والله أعلم. قال: [باب ما يوجب الغسل] ش: قال القاضي عياض: الغسل بالفتح الماء، وبالضم الفعل، وقال ابن مالك: [الغسل] بالضم الاغتسال،

стр. 162

والماء الذي يغسل به. وقال الجوهري: غسلت الشيء غسلا. بالفتح، والاسم الغسل. بالضم، والغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره، [والله أعلم] . قال: والموجب للغسل خروج المني. ش: خروج المني في الجملة موجب للغسل اتفاقا، وقد قال [الله] تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] . ١٧٠ - وثبت أنه ﷺ قال: «إنما الماء من الماء» . ١٧١ - وفي الصحيحين «عن أم سلمة، أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء» فقالت أم سلمة: أو تحتلم المرأة؟ فقال: «تربت يداك، وبم يشبهها ولدها» ؟» ١٧٢ - وفي رواية لمسلم: «ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون الشبه منه» .

стр. 163

والألف واللام في كلام الخرقي يجوز أن تكون لمعهود ذهني وهو المني المعتاد، وهو الخارج على وجه الدفق واللذة، فلا يجب الغسل لمني خرج بغير ذلك كالخارج لمرض أو إبردة أو كسر ظهر، أو نحو ذلك، وهو المشهور المعروف. ١٧٣ - لما روي «عن علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء، فسألت النبي ﷺ قال: «إذا خذفت الماء فاغتسل، وإن لم تكن خاذفا فلا تغتسل» رواه أحمد. والخذف خروجه بسرعة، وفي رواية أبي داود: «إذا فضخت الماء فاغتسل» والفضخ قال إبراهيم الحربي: خروجه بالغلبة.

стр. 164

١٧٤ - «وعنه أيضا قال: كنت رجلا مذاء، فلما رأى رسول الله ﷺ الماء قد آذاني، قال: «إنما الغسل من الماء الدافق» رواه البيهقي في سننه. ويحتمل أن تكون للجنس، أي خروج كل مني، فعلي هذا يجب الغسل وإن خرج بلا دفق وشهوة، وهو تخريج كما سيأتي، وقيل: رواية حكاها ابن عبدوس، لعموم قوله: ﷺ «إنما الماء من الماء» وقوله: ﷺ «نعم إذا رأت الماء» وقوله: «في المذي الوضوء، وفي المني الغسل» ويجاب بالقول بموجب هذه الأحاديث وأن الألف واللام لمعهوده ذهني، كما تقدم. ومقتضى كلام الخرقي أن الغسل لا يجب بالانتقال، لتعليقه الحكم على الخروج، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي محمد، والشريف فيما حكاه عنه الشيرازي، لما تقدم في النصوص، إذ الحكم في الجميع مرتب على الرؤية، (والرواية الثانية) : وهي المنصوصة المشهورة عن أحمد،

стр. 165

والمختارة لعامة أصحابه، حتى أن جمهورهم جزموا بها - يجب بذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] والجنابة أصلها البعد، قال سبحانه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] أي البعيد وسمي من جامع جنبا لبعده عن الصلاة وموضعها حتى يطهر، ومع الانتقال قد باعد الماء محله، فصدق عليه اسم الجنب، وإناطة للحكم [بالشهوة] وتعليقا له على المظنة، إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه، كما قد أشار إليه أحمد، ومحل الروايتين - وفاقا لابن حمدان - فيما إذا لم يخرج إلى قلفة الأقلف، وفرج المرأة، فعلى الأولى إذا خرج بعد ذلك وجب الغسل، وإن خرج لغير شهوة، لأن انتقاله كان لشهوة، وتترتب الأحكام المتعلقة بخروج المني، من إفساد صوم ونحوه، ويعيد ما صلى من وقت انتقاله، قاله ابن حمدان، وعلى الثانية تترتب الأحكام بمجرد الانتقال، من إفساد صوم، ووجوب بدنة في الحج، حيث وجبت بخروج المني، قاله القاضي في تعليقه التزاما، وجعله ابن حمدان وجها وبعده.

стр. 166

وهل يجب عليه - إن كان قد اغتسل - غسل ثان؟ حكمه حكم مني اغتسل له، ثم خرجت بقيته، وفيه روايات (إحداها) - وهي ظاهر كلام الخرقي، واختيار الخلال، وابن أبي موسى، وأبي البركات وغيرهم - لا غسل عليه، حذارا من أن يلزمه بمني واحد غسلان، وتبعا لعلي، وابن عباس ﵃ (والثانية) : عليه الغسل، إناطة بخروج المني، (والثالثة) - وهي اختيار القاضي في تعليقه - إن خرج قبل البول فعليه الغسل، لأنه بقية مني دافق بلذة، وإن خرج بعد البول فلا، لأن الظاهر أنه غير الأول، وقد تخلف عنه شرطه وهو الدفق واللذة، وهي اختيار القاضي في التعليق، (وعنه رابعة) : عكس الثالثة، حكاها القاضي في المجرد: إن خرج قبل البول لم يجب الغسل، لأنه بقية الأول، وقد اغتسل له، وإن خرج بعده وجب، لأنه مني جديد، ومنها خرج أبو البركات الوجوب فيما إذا خرج المني لغير شهوة. أما إن انتقل ولم يغتسل له ثم خرج بعد فإنه يغتسل بلا نزاع نعلمه. ومقتضى كلام الخرقي أيضا أن الغسل لا يجب بمجرد الاحتلام وهو المذهب بلا ريب، وقد حكاه ابن المنذر وغيره إجماعا، وأغرب ابن أبي موسى في حكايته رواية

стр. 167

بالوجوب، فعلى المذهب إن خرج بعد شهوة اغتسل له، وإلا فروايتا الانتقال، قاله ابن، حمدان والمنصوص عن أحمد الوجوب، وهو أظهر لئلا يلزم انتقال مني وخروجه من غير اغتسال، ثم ينبغي أن يقول بروايات الانتقال. ومقتضى كلام الخرقي أيضا أنه إذا وجد المني في النوم، ولم يذكر احتلاما، أن عليه الغسل، وهو كذلك. ١٧٥ - لما روي عن عائشة ﵂ قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاما؟ قال «يغتسل» : وعن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل؟ قال: «لا غسل عليه» فقالت أم سلمة: يا رسول الله فالمرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ قال: «نعم، إنما النساء شقائق الرجال» رواه أبو داود والترمذي، أما إن وجد بللا، وشك هل هو مني أم لا؟ فإن وجد سبب المني - وهو الاحتلام أنيط الحكم عليه وعمل به، وإن وجد سبب المذي - وهو الملاعبة ونحوها، أو كانت به إبردة تعلق الحكم

стр. 168

بذلك، وعمل عليه وإن لم يوجد واحد منهما فهل يحكم بأنه مني - وهو المشهور وبه قطع بعضهم، لظاهر حديث عائشة، ولانتفاء سبب صالح لغيره، أو للمذي لأن الأصل عدم وجوب الغسل، وإلى هذا ميل أبي محمد؟ فيه روايتان، فعلى الأول: يتوضأ مرتبا متواليا، ويغسل يديه وثوبه احتياطا، وعلى الثاني: يستحب [الغسل احتياطا] . وقد شمل كلام الخرقي - إذا جعل الألف واللام للجنس - إذا وطئ دون الفرج، فدب منيه فدخل فرج المرأة ثم خرج، أو وطئ في الفرج، ثم خرج منيه من فرجها بعد غسلها، أو خرج ما استدخلته [من مني] بقطنة، ولم يخرج منيها، وهو وجيه في الكل، والمنصوص المقطوع به عدم الغسل على المرأة والحال هذه، ولا نزاع فيما نعلمه أن الغسل لا يجب بخروج المني من غير مخرجه، وإن وجد شرطه. (تنبيه) : قد تقدم بيان الخذف والفضخ، «وتربت يداك» أي افتقرت، في الصحاح: ترب الشيء. بالكسر إذا أصاب التراب، ومنه ترب الرجل. إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب، وأترب، إذا استغنى، كأنه صار ماله - من الكثرة - بقدر التراب، وتأول مالك، وعيسى بن دينار ﵄ الحديث على الاستغناء والمقام يأباه.

стр. 169

وقال الأصمعي: معناه الحظ على تعلم مثل هذا، كما يقال: أنج ثكلتك أمك. وذهب أبو عبيد والمحققون إلى أن هذا اللفظ وشبهه يجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء، فينظر في القول وقائله، فإن كان وليا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن، ولقد أحسن بعضهم في قوله: قد يوحش اللفظ وكله ود، ويكره الشيء وما من فعله بد، هذه العرب تقول: لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتلك الله. لا يريدون به الذم، وويل أمه. للأمر إذا تم. ١٧٦ - ثم على تقدير كونه ﷺ أراد بذلك أصله من الدعاء عليها فهو لها قربة ورحمة، كما جاء في الحديث. «والمني» مشدد، وفعله رباعي على الأشهر، وبهما جاء القرآن، قال سبحانه: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]

стр. 170

وحكي فيه التخفيف على وزن العمي، وفعله «منى» بالتخفيف، «ومنى» بالتشديد، وسمى بذلك لأنه يمنى أي يصب «والمذي» مخفف بمعجمة، على الأفصح فيهما، وحكي فيه التشديد والإهمال، ومن يحذف لامه كيد، وقالوا في فعله: مذي وأمذى ومذى. بالتشديد، «وشقائق» . جمع شقيقة، تأنيث: شقيق، وهو المثل والنظير، كأنه اشتق هو ونظيره من شيء واحد، فهذا شق وهذا شق، ومنه قيل للأخ شقيق، والله أعلم. [التقاء الختانين من موجبات الغسل] قال: والتقاء الختانين. ش: الختانان واحدهما ختان، والختان في الأصل قطع جلدة حشفة الذكر، وفي المرأة: قطع بعض جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج، ثم عبر بذلك عن موضع الختن، والتقاؤهما تقابلهما وتحاذيهما، ولما كان الموجب هو التقاء الختانين لا المس، وكان ذلك لا ينفك عن تغييب الحشفة أو قدرها، جعل ذلك هو الضابط، فقال الفقهاء، تغييب الحشفة. ١٧٧ - إذا عرف هذا فالأصل في وجوب الغسل بذلك في الجملة ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها - وفي لفظ - ثم اجتهد - فقد وجب الغسل» متفق عليه.

стр. 171

وفي لفظ لأحمد ومسلم: «وإن لم ينزل» . ١٧٨ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدافق، أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: فقلت أنا أشفيكم. فقمت فاستأذنت على عائشة فأذنت لي، فقلت لها: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحييك. فقالت: لا تستحي أن تسألني عن ما كنت سائلا عنه أمك. فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل» رواه أحمد ومسلم.

стр. 172

١٧٩ - «وعن رافع بن خديج قال: ناداني النبي ﷺ وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته فقال: «لا عليك، الماء من الماء» قال رافع: ثم أمرنا رسول الله ﷺ بالغسل» ، رواه أحمد، وبهذا يعلم نسخ ما تقدم من قوله: ﷺ «إنما الماء من الماء» ونحوه، وقد صرح بذلك رافع بن خديج [كما تقدم] . ١٨٠ - وكذلك سهل بن سعد فقال: حدثني أبي أن الفتيا التي كانوا يفتون: «إن الماء من الماء» رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك، رواه أبو داود، وفي لفظ: ثم أمرنا. وصرح بذلك جماعة من العلماء، ويعلم وهم من ظن أنها تخصيص عموم مفهوم «إنما الماء من الماء» حذارا من النسخ، إذ ذاك إنما يتمشى له قبل العمل، أما بعد العمل فيتعين النسخ، ورد قول من قال: إنه من باب تعليق

стр. 173

الحكم على المظنة، بعد تعليقه على الجملة لخفائها، إذ لا ريب أن الإنزال ليس بخاف. ١٨١ - ثم في سنن أبي داود من حديث أبي أن رسول الله ﷺ جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمرنا بالغسل، ونهى عن ذلك. فذكر أن السبب قلة الثياب. ١٨٢ - وابن عباس ﵄ يؤول: «إنما الماء من الماء» على الحلم في المنام، من غير رؤية ماء، لكن عامة الصحابة على خلاف ذلك. إذا تقرر هذا فاعلم أنا قد أنطنا الحكم بتغييب الحشفة في الفرج أو قدرها، ولا بد من كونهما أصليين، فلو أولج الخنثى المشكل حشفته، ولم ينزل في فرج أصلي، أو أولج غير الخنثى ذكره في قبل الخنثى، فلا غسل على واحد منهما، لاحتمال كون الحشفة أو القبل خلقة زائدة. ثم بعد ذلك هو شامل لكل واطئ وموطوءة، ولو مع إكراه ونوم، أو كانت المرأة ميتة، نص عليه، أو كانا غير بالغين، نص عليه أيضا، واستدل على أنه لا يشترط البلوغ باغتسال عائشة.

стр. 174

١٨٣ - وفي مسلم عنها «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل - وعائشة جالسة - فقال رسول الله ﷺ : «إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» وعن القاضي منع الوجوب مع الصغر، نظرا إلى عدم تكليف الصغير، وكأن الخلاف لفظي، إذ مراد القاضي - والله أعلم - بعدم الوجوب انتفاء تحتم الغسل على الصغير، وإلزامه بذلك، ومراد أحمد - والله أعلم - بالوجوب اشتراطه للصلاة ونحوها، لا التأثيم بالتأخير، وهذا متعين، إذ التكاليف الخطابية لا تتعلق بغير بالغ، والصلاة ونحوها لا تصح بلا طهارة، وقد أشار القاضي إلى ذلك في تعليقه فقال: إن الصبي والمجنون إذا أولجا في الفرج وجب الغسل عليهما بعد البلوغ والإفاقة، إذا أراد الصلاة، فإن ماتا قبل وجوب الصلاة عليهما وجب غسلهما، وكان عن الجنابة والموت. إذا عرف هذا فشرط تعلق الغسل بغير البالغ أن تكون ممن يوطأ مثلها على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن إبراهيم، قال - وقد سئل عن الجارية متى يجب عليها الغسل؟ . قال -: إذا كان مثلها يوطأ. وأصرح منه ما حكي عنه أنه قال: إذا

стр. 175

وطئ جارية لا يوطأ مثلها فلا غسل عليه، حذارا من أن تكون جنابة، وصرح بذلك ابن عقيل، وصاحب التلخيص فيه، أبو البركات في الشرح، والسامري مقيدا الجارية ببنت تسع سنين، والغلام بابن عشر، وظاهر إطلاق كثيرين عدم الاشتراط، ومن ثم أورده ابن حمدان مذهبا. وشامل أيضا للوطء في كل فرج أصلي كما تقدم وإن كان دبرا، أو لميتة، وحيوان بهيم، حتى السمكة، ذكرها القاضي في التعليق. (تنبيه) : «شعبها الأربع» بين رجليها وشفريها، الخطابي: أسكتيها وفخذيها. عياض: نواحي الفرج. وقيل: رجليها ويديها. «وجهدها» قيل: أتعبها. وقيل: بلغ جهده منها. وهو يوافق رواية: «ثم اجتهد» والجهد الطاقة والإشارة بذلك - والله أعلم - إلى الحركة، ويمكن صورة العمل، وهو قريب من قول الخطابي: حفرها. قال: والجهد اسم من أسماء النكاح، وعلى هذا معناه: ثم نكحها. و «على الخبير سقطت» . أي صادفت مخبرا يخبرك بحقيقة ما سألت عنه، حاذقا فيه و «يكسل» مضارع أكسل. إذا جامع ولم ينزل. والله أعلم. [إسلام الكافر من موجبات الغسل] قال: وإذا أسلم الكافر. ش: هذا هو المنصوص المختار لعامة الأصحاب.

стр. 176

١٨٤ - لما روى أبو هريرة ﵁ أن ثمامة بن أثال أسلم فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» رواه أحمد. ١٨٥ - وفي الصحيحين أنه اغتسل، وليس فيه أمر النبي ﷺ بذلك، وفي البخاري أنه اغتسل قبل الإسلام، وإذا الحديثان لم يتواردا على محل واحد، فاغتساله كان قبل إسلامه، وأمر النبي ﷺ بذلك كان بعد الإسلام. ١٨٦ - «وعن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، ولأنه لا يسلم غالبا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة كالنوم، وتردد أبو بكر فوافق الأصحاب في التنبيه، وخالفهم في غيره فقال: يستحب، ولا يجب، وأغرب أبو محمد في الكافي، فحكى ذلك رواية.

стр. 177

١٨٧ - لأن النبي ﷺ لم يأمر به في حديث معاذ، ولو وجب لأمر به، إذ هو أول الواجبات بعد الإسلام، ولأن ذلك يقع كثيرا، وتتوفر الدواعي على نقله، فلو وقع لاستفاض، وحديث أبي هريرة في إسناده مقال [ما] ، على أنه قد يحمل على الاستحباب، وكذلك حديث قيس، وقرينته ذكر السدر فيه، جمعا بين الأدلة (ويجاب) بأنه إنما ذكر في حديث معاذ أصول العبادات لا شرائطها، ولا نسلم عدم استفاضة ذلك، بل قضية ثمامة تقتضي استفاضته، وظاهر

стр. 178

الأمر الوجوب (فعلى الأول) إذا أجنب في حال كفره ثم أسلم تداخلا، وأنيط الحكم بغسل الإسلام، وعلى قول أبي بكر: يجب عليه الغسل للجنابة وإن اغتسل في كفره، لعدم صحة نيته. وقد شمل كلام الخرقي المرتد، ومن لم يوجد منه جنابة، وهو الأعرف فيهما، ومن اغتسل في حال كفره، وهو كذلك، وقد قيد ابن حمدان المسألة بالبالغ، والأكثرون أطلقوا، لكن قد يؤخذ من تعليلهم ما قاله، وقد يوجه الإطلاق بأن المذهب صحة إسلام من لم يبلغ، ومقتضى كلامهم أن الغسل والحال هذه شرط لصحة الصلاة، كما صرح به أبو بكر في التنبيه، وإذا يصير بمنزلة وطء الصبي، والتحقيق تعلق الغسل به كما تقدم، والله أعلم. [الطهر من الحيض والنفاس من موجبات الغسل] قال: والطهر من الحيض والنفاس. ش: لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك في الجملة، لإشارة النص وهو قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن، أوقف سبحانه حق الزوج من الوطء على الاغتسال، فدل على وجوبه. ١٨٨ - وقد صرح بذلك المبين لكتاب ربه ﷺ فقال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد سألته عن استحاضتها، فقال: «ذلك عرق

стр. 179

وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري. ١٨٩ - وقال لأم حبيبة - وسألته أيضا عن ذلك - فقال لها ﷺ : «هذا عرق، فاغتسلي وصلي» رواه مسلم، والبخاري ولفظه: «ثم اغتسلي وصلي» ودم النفاس هو دم حيض يجتمع ثم يخرج. وظاهر كلام الخرقي أن الغسل إنما يجب بالانقطاع، وهو أحد الوجهين وظاهر الأحاديث، (والثاني) - وصححه أبو البركات وغيره - يجب بالخروج، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحته اتفاقا، وفائدة الوجهين إذا استشهدت الحائض، فعلى قول الخرقي لا تغسل، إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى قول غيره تغسل للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسا، فأشبه ما لو طهرت في أثناء عادتها، وقال أبو محمد: لا يجب على الوجهين، لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له [ولم يوجد] .

стр. 180

وقد ينبني أيضا على قول الخرقي [أنه لا يجب] ، بل ولا يصح غسل ميتة مع قيام حيض ونفاس، وإن لم تكن شهيدة، وهو قويل في المذهب، لكن لا بد أن يلحظ فيه أن غسلها للجنابة قبل انقطاع دمها لا يصح، لقيام الحدث، كما هو رأي ابن عقيل في التذكرة، وإذا لا يصح غسل الموت لقيام الحدث كالجنابة، وإذا لم يصح لم يجب، حذارا من تكليف ما لا يطاق، والمذهب صحة غسلها لها قبل ذلك، فينتفي هذا البناء. واعلم أن ظاهر ترجمة الخرقي أولا يقتضي أنه لا يجب الغسل بغير تلك الخمسة المذكورة، لأنه قال: والموجب للغسل خروج المني. إلى آخره، وظاهره حصر الوجوب في هذه الخمسة دون غيرها. فلا يجب بولادة عرية عن دم، وهو أحد الوجهين أو الروايتين، على ما في الكافي، واختيار الشيخين، لعدم المقتضي لذلك، وهو النفاس أو المني، (والثاني) - واختاره ابن أبي موسى، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، وغيرهم، يجب قياما للمظنة مقام الحقيقة، ولأنه مني منعقد، ورد بخروج العلقة، فإنها لا توجب الغسل بلا
следующие страницы →