Полный текст (4 333 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
٢٠٩٦ - وقد روى الأثرم عن عمر، وعثمان وعلي ﵃: أنه لا شفعة للجار.
ونقل القاضي يعقوب رواية بثبوت الشفعة بالجوار، وصححه ابن الصيرفي، واختاره الحارثي فيما أظن.
٢٠٩٧ - لما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا» رواه الخمسة وقال الترمذي: حسن غريب. لكن قد تكلم فيه شعبة وغيره. وقال بعض المحققين: إنه صحيح، وإن كلامهم بلا حجة.
стр. 2032
٢٠٩٨ - وعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار» رواه النسائي، وابن حبان، وعلى المذهب لو حكم الحنفي لحنبلي بالجوار فهل له الأخذ؟ منعه القاضي، وجوزه ابن عقيل.
(الشرط الثاني) : أن يكون ذلك الشقص المشترك مما يقبل القسمة، وهذا معنى قول الخرقي: للشريك المقاسم الذي يقاسم، أي يستحق أن يقاسم، فلا تجب في الحمام الصغير، والبئر، والعراص الضيقة، ونحو ذلك، لأن الحديث: «إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق» والحدود
стр. 2033
إنما تقع فيما يقبل القسمة، فإذا تقدير الحديث: الشفعة في كل شيء يقبل القسمة ما لم يقسم.
٢٠٩٩ - وقد روى أبو عبيد في الغريب، «عن النبي ﷺ أنه قضى أن لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة، ولا ركح» .
قال أبو عبيد: المنقبة: الطريق الضيق بين الدارين، لا يمكن أن يسلكه أحد، والركح: ناحية البيت من ورائه.
стр. 2034
٢١٠٠ - واعتمد أحمد على ما رواه عن ابن إدريس، عن أبي عمارة، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر، ولا فحل، والأرف يقطع كل شفعة. قال أحمد: الأرف: الأعلام، والفحل: فحل النخل.
(الشرط الثالث) : أن يكون المبيع أرضا، فلا شفعة في غير الأرض، لأن ظاهر الحديث أنه إنما حكم بذلك في الأرض دون غيرها، إذ وقع الحدود. وتصريف الطرق، إنما هو في الأرض، لأن الأرض هي التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها، ويستثنى من غير الأرض البناء، والغراس، فإن الشفعة تجب فيهما تبعا للأرض.
٢١٠١ - وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ : «قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط، لا يحل
стр. 2035
له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» رواه مسلم وغيره، فنص على الحائط، أي حائط النخل، وهذا الشرط قد يؤخذ من كلام الخرقي، من قوله: فإذا وقعت الحدود. إذ الخرقي سبك الحديث.
(وعن أحمد) ﵀ رواية أخرى: أن الشفعة تجب في كل شيء، إلا في منقول ينقسم، فتجب على هذا في كل ما لا ينقسم، كالحمام الصغير ونحوه، وفي غير الأرض، من البناء [المنفرد] ونحوه، لعموم حديث جابر المتقدم.
٢١٠٢ - وروى عبد الله بن أحمد ﵀ في المسند، عن عبادة بن الصامت ﵁: «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور» .
٢١٠٣ - وروى الطحاوي بسنده عن جابر ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء» .
قال بعض الحذاق من المحدثين: ورواته ثقات. ولا ريب عند الأصحاب أن المذهب ما تقدم.
стр. 2036
(الشرط الرابع) : أن ينتقل الشقص بعوض مالي، وتحريره أنه إن انتقل بغير عوض - كالإرث والوصية ونحوهما - لم تثبت الشفعة عندنا بلا نزاع، وإن انتقل بعوض مالي - كالبيع، والهبة بشرط الثواب، ونحوهما - ثبتت الشفعة بلا نزاع، وإن انتقل بعوض غير مالي - كالصداق، والصلح عن دم العمد، ونحوهما - فوجهان، أشهرهما عند القاضي وأكثر أصحابه: لا.
(والثاني) - واختاره ابن حامد، وأبو الخطاب في الانتصار -: نعم، وعليه هل يأخذ الشقص بقيمته أو بالدية ومهر المثل؟ فيه وجهان، والله أعلم.
قال: ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع فلا شفعة له.
ش: إذا ثبتت الشفعة فهل حق المطالبة بها على الفور أو التراخي؟ فيه روايتان: (إحداهما) - وهي المشهورة، والمختارة عند الأصحاب -: أنه على الفور، فلو أخره من غير عذر سقطت شفعته.
стр. 2037
٢١٠٤ - لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «الشفعة لمن واثبها» ولأن ثبوته على التراخي ربما أضر بالمشتري، لعدم استقرار ملكه.
(والثانية) - واختارها القاضي يعقوب -: أنه على التراخي، لأنه خيار لدفع ضرر محقق، فكان على التراخي كخيار العيب.
(فعلى الأولى) : هل يتقيد بساعة العلم - وهو ظاهر كلام الخرقي، وأحمد، واختيار أبي محمد، لظاهر الحديث - أو يتقيد بمجلس العلم؛ اختاره ابن حامد، والقاضي وأصحابه، وحكاه ابن الزاغوني رواية عن أحمد، إذ حالة المجلس في حكم حالة العقد؟ فيه قولان، وعلى الفورية متى كان التأخير لعذر لم تسقط شفعته، كأن يعلم ليلا فيؤخر إلى الصبح، أو لأكل، أو شرب لجوع أو عطش به، أو ليخرج من الحمام، أو ليأتي بالصلاة وسننها، أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها، ونحو ذلك.
وقد نبه الخرقي على ذلك بقوله:
ومن كان غائبا وعلم بالبيع في وقت قدومه، فله الشفعة وإن طالت غيبته.
стр. 2038
ش: لأن الغائب معذور، إذ الحكم لا يثبت في حقه إلا بعد العلم، فإذا علم ثبت الحكم في حقه، ومثله المحبوس، والمريض، ونحوهما ممن لم يعلم بالبيع لعذر، والله أعلم.
قال: وإن علم وهو في السفر فلم يشهد على مطالبته فلا شفعة له.
ش: إذا علم وهو في السفر بالشفعة، فأشهد على الطلب بها فهو على شفعته، لأنه قد علم منه أنه غير تارك لها، بل مطالب، وكذلك إن لم يشهد لتعذر الشهود ونحو ذلك، لمقام العذر، وإن لم يشهد مع وجود من تقبل شهادته سقطت شفعته، كما لو أخر الطلب مع حضوره نعم، إن ترك الإشهاد وسار في الطلب ففيه وجهان: (السقوط) ، وهو ظاهر كلام أحمد، والخرقي؛ لأن السير يكون للطلب وغيره، فلا يتبين إلا بالإشهاد (وعدمه) لأن الظاهر أن السير للطلب، وينبغي أن يكون حكم سير وكيله حكم سيره، وإذا أشهد ثم أخر القدوم مع إمكانه بطلت شفعته عند القاضي، ولم تبطل على ظاهر كلام الخرقي، وكذلك الوجهان إن أخر الطلب بعد القدوم والإشهاد.
ومقتضى كلام الخرقي: أن الإشهاد إنما يكتفى به في السفر إناطة بالعذر، وأبو البركات جعل الشرط أحد شيئين الإشهاد، أو المضي المعتاد، والله أعلم.
стр. 2039
قال: فإن لم يعلم حتى تبايع ذلك ثلاثة فأكثر، كان له أن يطالب بالشفعة من شاء منهم، فإن طالب الأول رجع عليه الثاني بالثمن الذي أخذه منه، والثالث على الثاني.
ش: هذا تفريع على القول بالفورية كما هو المذهب، فإذا لم يعلم الشفيع بالبيع حتى تبايع ذلك الشقص اثنان، أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، فإن للشفيع أن يطالب بالشفعة من شاء منهم، لأن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد من كل واحد منهم، فإن طالب الأول فسخ عقد من بعده، وإذًا يرجع الثاني بالثمن على الأول، لأنه لم يسلم له المبيع، ويرجع الثالث على الثاني أيضا لذلك، وعلى هذا، وإن طالب الثاني أخذ بما اشتراه به، واستقر عقد الأول، وفسخ عقد الثالث، فيرجع الثالث على الثاني بالثمن لما تقدم، وإن طالب الثالث أخذ بما اشتراه به، واستقر عقد الأولين، وجعل ابن أبي موسى هذا الحكم إذا لم يكن الشقص في يد واحد منهم بعينه، أما إن كان في يد أحدهم فالمطالبة له وحده.
ومقتضى كلام الخرقي: [أن المشتري] يصح تصرفه في الشقص المبيع قبل أخذ الشفيع، أو قبل علمه، وهو صحيح، لأن قصاراه أن يكون قد ثبت فيه حق تملك،
стр. 2040
وذلك لا يمنع التصرف، بدليل الابن يتصرف في العين الموهوبة له، وإن جاز لأبيه الرجوع فيها، وقيد أبو البركات ذلك بما قبل الطلب، فلعله بنى ذلك على أن الأخذ يحصل بالطلب، وهو رأي القاضي، وأبي الخطاب، بشرط الملاءة [بالثمن] ، وعند أبي محمد لا يملكه إلا بالأخذ، أو ما يدل عليه، نحو: أخذته بالثمن، أو تملكته. وعند ابن عقيل لا يملكه إلا بدفع الثمن، وعلى رأي الجميع لا يفتقر إلى حكم حاكم، وفي التذكرة أنه يفتقر، والله أعلم.
قال: وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة.
ش: الشفعة تثبت للصبي كما تثبت للبالغ، للعمومات، ولأن ثبوتها لدفع ضرر عن المال، أشبهت خيار العيب، فعلى هذا إن كان فيها حظ فللولي الأخذ بها، بل قال أبو محمد: يجب، لأنه مصلحة من غير مفسدة، والولي عليه رعاية مصالح الصبي. وإن لم يكن فيها حظ فليس له الأخذ، فإن أخذ فهل يصح - لأن فيه دفع ضرر عن الصبي في الجملة - أو لا يصح - لمنعه من الشراء، أشبه ما لو اشترى معيبا يعلم عيبه؟ فيه روايتان، وإن ترك الولي الأخذ
стр. 2041
بها مطلقا فهل للصبي إذا بلغ الأخذ بها وهو ظاهر كلام أحمد - في رواية ابن منصور - والخرقي، لأن الأخذ حق ثبت له، فلا يسقط بترك غيره، كوكيل الغائب - (أو ليس له الأخذ) - وبه كان يفتي ابن بطة، فيما حكاه عنه أبو حفص، لأنه يملك الأخذ، فملك الترك كالمالك - (أو إن تركها) الولي والحظ فيها للصبي فله الأخذ، وإن تركها لعدم الحظ سقطت؛ وهو اختيار ابن حامد، وتبعه القاضي، وعامة أصحابه، لأنه فعل ما له فعله فينفذ، كما لو أخذ مع الحظ؟ ثلاثة أقوال، وحكم المجنون والسفيه حكم الصبي، والله أعلم.
قال: وإذا بنى المشتري أعطاه الشفيع قيمة بنائه، إلا أن يشاء المشتري أن يأخذ بناءه فله ذلك، إذا لم يكن في أخذه ضرر.
ش: إذا بنى المشتري قبل أخذ الشقص، ثم اختار الشفيع الأخذ، فله ذلك للعمومات، ويلزمه أن يدفع إلى المشتري قيمة بنائه، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، دفعا للضرر المنفي عنه شرعا، قال القاضي وأصحابه
стр. 2042
والشيخان وغيرهم: أو يقلعه ويضمن نقصه، لأنه في معنى ما تقدم، لزوال الضرر به، هذا إن لم يشأ المشتري أخذ بنائه، فإن أراد أخذ بنائه فقيل - وهو ظاهر كلام الأكثرين، بل الذي جزموا به -: له ذلك، أضر بالأرض أو لم يضر، لأنه عين ماله، ولا يلزمه طم الحفر، ولا الأرش، قاله القاضي، إذ النقص حدث في ملكه، فلا يقابل بعوض، فعلى هذا يخير الشفيع بين أخذه ناقصا بكل الثمن أو تركه، وقال أبو محمد: ظاهر كلام الخرقي أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع. قلت: وينبغي أن يزيد إذا، أو بالطم.
وظاهر كلام الخرقي: امتناع الأخذ على المشتري مع الضرر بالأرض، إذ الضرر لا يزال بالضرر، وتبعه على ذلك ابن عقيل في التذكرة، فعلى هذا يبقى التخيير السابق للشفيع، فلو امتنع منه سقط حقه، وحكم الغراس حكم البناء.
(تنبيهان) : (أحدهما) : يتصور بناء المشتري على القول بالفورية في صور، (منها) إذا أظهر المشتري زيادة في
стр. 2043
الثمن، أو أن الشقص موهوب له، أو أن الشراء لفلان فقاسمه، بناء على ذلك، أو لجهل الشفيع بثبوت الشفعة له، قاله ابن الزاغوني، أو قسم عليه لصغره مع الولي، أو لغيبته إن قلنا: الحاكم يقسم على الغائب، وغرس أو بنى ثم بان للشفيع الحال، أو قدم، أو بلغ.
(الثاني) : في كيفية تقويم البناء، قال أبو محمد: الظاهر أن الأرض تقوم وفيها البناء، ثم تقوم خالية، فما بينهما قيمة البناء، فيدفع إلى المشتري إن أحب الشفيع، أو ما نقص منه إن اختار القلع، لا قيمته مستحقا للبقاء، ولا قيمته مقلوعا، والله أعلم.
قال: وإن كان الشراء وقع بعين أو ورق أعطاه الشفيع مثل ذلك، وإن كان عرضا أعطاه قيمته.
ش: الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد.
٢١٠٥ - لأن في بعض ألفاظ حديث جابر: «هو أحق به بالثمن» رواه الجوزجاني، ولأن الشفيع يستحق أخذ الشقص، فيستحقه
стр. 2044
بالثمن كالمشتري، إذا تقرر هذا فإذا وقع العقد على مثلي - كالدراهم، والدنانير، والمكيلات، والموزونات - أخذ بمثله لمماثلته له صورة ومعنى، وإن وقع العقد على غير مثلي - كالثياب والحيوان - أخذ بقيمته وقت العقد، لتعذر مثله، ولعل الخرقي إنما خص بالدراهم والدنانير بوجوب المثل لغلبة وقوع البيع بهما، بخلاف غيرهما من المثليات.
وقول الخرقي: وإن كان الشراء وقع بعين. . إلى آخره، يستثنى منه ما إذا وقع العقد على ثمن ثم زيد فيه أو نقص في مدة الخيارين، فإن الاعتبار بما استقر عليه العقد، لا بما وقع العقد عليه، والله أعلم.
قال: وإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري، إلا أن يكون للشفيع بينة.
ش: إذا اختلفا في الثمن، فقال المشتري: اشتريته بمائة. وقال الشفيع: بل بخمسين. مثلا، فالقول قول المشتري، إذا الشفيع يدعي الاستحقاق بالثمن الأول، والمشتري ينكره، والقول قول المنكر مع يمينه، ولأن المشتري هو
стр. 2045
العاقد، فهو أعلم بصفة العقد، فإن كانت للشفيع بينة فالقول قوله، وكذلك إن كانت للمشتري بينة، وإذا لا يمين عليه، ولو أقاما بينتين بما ادعياه، فقال الشريف: تقدم بينة الشفيع، لأنه خارج، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقيل: يتعارضان، والله أعلم.
[الشفعة بين الشركاء]
قال: وإن كانت دار بين ثلاثة، لأحدهم نصفها، وللآخر ثلثها، وللآخر سدسها، فباع أحدهم، كانت الشفعة بين النفسين على قدر سهامهما.
ش: الصحيح المشهور من الروايتين أن الشفعة تستحق على قدر الأملاك، اختاره الخرقي، وأبو بكر، وأبو حفص، والقاضي، وجمهور أصحابه، لأنه حق يستفاد بالملك، فكان في حال الاشتراك على قدره كالغلة.
(والرواية الثانية) : أنه على عدد الملاك، اختارها ابن عقيل، إذ لو انفرد كل واحد لاستحق الجميع، فإذا اجتمعوا تساووا، كالبنين في الميراث، (فعلى الأول) تنظر مخرج سهام الشركاء، وتأخذ السهم المشفوع فتقسمه على عدد سهام الشفعاء، ففي هذا المثال الذي ذكره الخرقي، مخرج السهام ستة، فإذا باع صاحب النصف فسهام الشفعاء ثلاثة، فالسهم المشفوع بينهم على ثلاثة، لصاحب الثلث سهمان،
стр. 2046
ولصاحب السدس سهم، فيصير العقار بينهم على ثلاثة، ولو باع صاحب الثلث كان نصيبه بينهم أرباعا، ولو باع صاحب السدس كان نصيبه بينهم أخماسا، وعلى القول الثاني يقسم السهم المشفوع بين الآخرين نصفين على كل حال، والله أعلم.
قال: فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر أن يأخذ إلا الكل أو يترك.
ش: إذا ترك أحد الشركاء شفعته لم يكن لبقية الشركاء أن يأخذوا إلا الكل، لما في أخذ البعض من التشقيص على المشتري، وقد حكى ذلك ابن المنذر إجماعا، فلو كان الشركاء غائبين، فقدم أحدهم، لم يكن له أيضا أن يأخذ إلا الكل أو يترك، ثم إذا أخذ الكل، فقدم آخر قاسمه أو عفى، ثم إذا قدم ثالث قاسم الأولين أو عفى، فيبقى ما كان يستحقه للأولين، والله أعلم.
قال: وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.
ش: العهدة في الأصل كتاب الشراء، ويقال: عهدته على فلان. أي ما أدرك فيه من درك فإصلاحه عليه، والمراد هنا أن الشقص إذا ظهر مستحقا أو معيبا فإن الشفيع يرجع
стр. 2047
بالثمن أو بأرش العيب على المشتري، إذ الشفيع تملكه من جهته، فرجع عليه لكونه بائعه، ثم يرجع المشتري على البائع، لما تقدم في الشفيع مع المشتري، ويستثنى من ذلك إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري، وقلنا بثبوت الشفعة، فإن العهدة إذا على البائع، لحصول الملك له من جهته، والله أعلم.
[ميراث الشفعة]
قال: والشفعة لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها.
ش: إذا لم يطالب الشفيع بالشفعة لم تورث عنه على المنصوص المشهور، وعليه الأصحاب، لأنه نوع خيار للتمليك، أشبه خيار القبول، ولأنا لا نعلم بقاءه على شفعته، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل للورثة ما يشك في ثبوته، وخرج أبو الخطاب قولا بالإرث، بناء على رواية إرث الأجل، أما إن طالب فيورث عنه بلا نزاع، أما على رأي القاضي ومن تبعه فواضح، وأما على رأي ابن عقيل، وأبي محمد، ومن تبعهما فلأنه قد علم بمطالبته
стр. 2048
بقاؤه على شفعته واختياره.
واعلم أنه قد اختلف تعليل أحمد ﵀ في إبطال الشفعة بالموت، فقال في رواية أبي طالب: الشفعة لا تورث، لعله لم يكن يطلبها، فجعل العلة عدم العلم برغبة الميت، قال القاضي في التعليق. فعلى هذا لو علم الوارث أنه راغب فيها، كان له المطالبة وإن لم يطالب الميت، وقال في رواية ابن القاسم: إنها تجب بالطلب، وإذا تركت لم تجب، كيف تورث وأصحابها تركوها؟ ، قال القاضي: وظاهر هذا أنه جعل العلة ترك المطالبة من الميت، لأنها تسقط بتركها، قال: فعلى هذا لو مات قبل العلم بالبيع - لسفر أو غيره - كان للوارث المطالبة. انتهى وقد تحرر من هذا أنها تورث بالمطالبة بلا نزاع، وبما إذا لم يعلم الشفيع بالبيع على رواية، وعلى أخرى إذا علم منه الرغبة في الأخذ، وإذا ينبغي أن يكون القول قول الوارث في ذلك مع يمينه، والله أعلم.
قال: وإذا أذن الشريك في البيع ثم طالب بالشفعة بعد وقوع البيع فله ذلك.
ش: إذا أسقط الشريك شفعته قبل البيع، أو وجد منه ما يدل عليه، كالإذن في البيع ونحو ذلك لم تسقط شفعته، نص عليه أحمد، معللا بأن الشفعة إنما وجبت له بعد البيع، وعلى هذا الأصحاب، ونقل عنه إسماعيل بن سعيد أن القول
стр. 2049
بالإسقاط ليس ببعيد، معتمدا على الحديث المتقدم: «لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» . فظاهره أن الترك يسقط الشفعة، وقد أكده مفهوم قوله ﷺ : «فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» فمفهومه أنه إن باعه وقد آذنه فلا حق له، وهذا ظاهر، والله أعلم.
[الشفعة مع اختلاف الدين]
قال: ولا شفعة لكافر على مسلم.
ش: لأنه معنى يختص به العقار، أشبه الاستعلاء في البنيان.
٢١٠٦ - وقد روى الدارقطني في كتاب العلل، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «لا شفعة لنصراني» .
ومفهوم كلام الخرقي أن الشفعة تثبت للمسلم على الذمي، لأنها إذا ثبتت للمسلم على المسلم، فللمسلم على الكافر أولى، ومفهومه أيضا أنها تثبت
стр. 2050
للذمي على الذمي، وذلك للعمومات، وشمل كلام الخرقي من حكم بكفره من أهل البدع، فإنه لا شفعة له على مسلم.
(تنبيه) : قال أحمد في رواية حنبل: لا نرى شفعة في أرض السواد.
٢١٠٧ - وذلك لأن عمر ﵁ وقفها، وكذلك كل أرض وقفها عمر، كأرض الشام ومصر، قال أبو محمد: إلا أن يحكم ببيع ذلك حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه، فتثبت الشفعة، لأنه مختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ في المختلف فيه، والله أعلم.
стр. 2051
[كتاب المساقاة]
المساقاة مفاعلة من السقي؛ سميت بذلك لاحتياج أهل الحجاز إلى السقي من الآبار.
وهي في الاصطلاح قال أبو محمد: عبارة عن أن يدفع الرجل شجره إلى آخر، ليقوم بسقيه وما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من ثمره، وليس بجامع، لخروج ما يدفعه إليه ليغرسه ويعمل عليه، ولا بمانع، لدخول ما له ثمر غير مقصود كالصنوبر.
٢١٠٨ - والأصل في جوازها ما روى عبد الله بن عمر ﵄، قال: «عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر» ، متفق عليه.
٢١٠٩ - وقال البخاري: قال قيس بن مسلم، عن أبي جعفر ﵃ قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث أو الربع، وزارع علي، وسعد بن مالك، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل
стр. 2052
أبي بكر، وآل عمر، وآل علي قال: وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا، ومثل هذا لا يقصر عن رتبة الإجماع. والله أعلم.
стр. 2053
قال: وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم، بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر.
ش: تجوز المساقاة في النخل والكرم، وكل شجر له ثمر مقصود، لعموم ما تقدم من حديث ابن عمر، ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة على الشجر، فأشبه النخل والكرم، ويشترط أن يكون بجزء مشاع معلوم، كالثلث، والربع، والعشر، ونحو ذلك، للحديث، لا على صاع أو آصع، أو ثمرة نخلة بعينها، لما فيه من الغرر، إذ يحتمل أن لا يحصل إلا ذلك فيتضرر رب الأصل، ويحتمل أن يكثر الحاصل فيتضرر العامل.
стр. 2054
٢١١٠ - وفي الصحيحين «عن رافع بن خديج ﵁، قال: كنا أكثر الأنصار حقلا، فكنا نكرى الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ فأما الورق فلم ينهنا» . ولا على جزء مبهم كنصيب ونحوه، للغرر المنهي عنه شرعا.
ومقتضى كلام الخرقي: أن التسمية تكون للعامل، لأن المالك يستحق بالأصل، فلو كانت التسمية للمالك - كأن قال: لي النصف - فهل تصح، ويكون الباقي للعامل، أو لا تصح؟ فيه وجهان، ومقتضى كلامه أنها لا تصح على ما لا ثمر له، وهو صحيح، إذ ليس منصوصا عليه، ولا في معنى المنصوص عليه، وكذلك ما له ثمر غير مقصود، نعم إن قصد ورقه كالتوت، أو زهره كالورد ونحوه، فقال أبو محمد: القياس جواز المساقاة، عليه، لأنه في معنى المنصوص، وقد يقال: إن المنصوص يشمله، وقوله: الثمر «أل» بدل من المضاف إليه، أي من ثمرتها، فلو شرط له ثمرة نخل غير التي ساقاه عليها لم يصح، وكذلك لو جعل
стр. 2055
له ثمرة سنة غير السنة التي ساقاه عليها، لمخالفة ذلك لموضوع المساقاة، والله أعلم.
قال: ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم.
ش: إذا شرط له جزءا معلوما - كالربع مثلا - ومائة درهم لم يصح، لأنه في معنى شرط آصع، إذ يحتمل أنه لا يحدث من النماء ما يساوي تلك الدراهم، فيتضرر رب المال، وبطريق الأولى لو شرط له دراهم منفردة عن جزء لما تقدم، ولمخالفة موضوعها، والله أعلم.
[المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض]
قال: وتجوز المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض.
ش: المزارعة دفع الأرض إلى من يزرعها، ويعمل عليها بجزء مشاع معلوم مما يخرج منها لما تقدم من حديث ابن عمر، وقصة أبي جعفر.
٢١١١ - وعن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف» ، رواه أحمد، وابن ماجه. والله أعلم.
стр. 2056
قال: إذا كان البذر من رب الأرض.
ش: المشهور عن أحمد ﵀ كما قال الخرقي أنه يشترط كون البذر من رب الأرض، وعلى هذا عامة الأصحاب، حتى إن القاضي وكثيرا من أصحابه لم يذكروا خلافا، لأنه عقد يشترك العامل ورب المال في نمائه، فوجب أن يكون رأس المال كله من أحدهما، كالمساقاة والمضاربة.
ونقل عنه مهنا ما يدل على جواز كون البذر من العامل، واختاره أبو محمد.
٢١١٢ - لما روى ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ أعطى خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها» ، رواه البخاري، «ولمسلم وأبي داود والنسائي: دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها، على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرتها» . وقد تقدم عن عمر أنه
стр. 2057
قال: وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. والله أعلم.
قال: وإن اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي لم يجز، وكانت للمزارع أجرة مثله.
ش: إذا اتفقا على أن رب الأرض يأخذ مثل بذره ويقتسما ما بقي لم يجز، لأنه بمنزلة ما لو اشترط آصعا معلومة، إذ ربما لا تخرج هذه الأرض إلا مقدار البذر، فيذهب عمل العامل مجانا، وإذا يفسد هذا الشرط، ويفسد به العقد، لأنه يعود بجهالة نصيب كل منهما، وإذا فسد العقد كان الزرع لصاحب البذر، لأنه عين ماله، سيما والأرض أرضه، وعليه للعامل أجرة مثله، لأنه إنما دخل للعمل ولم يسلم له، والله أعلم.
قال: وكذلك تبطل إن أخرج المزارع البذر، ويصير الزرع للمزارع، وعليه أجرة الأرض.
ش: هذا تصريح منه بالبطلان في المسألة السابقة، وإنما بطلت المزارعة هنا - إذا أخرج المزارع البذر - لما مر من أن شرط صحة المزارعة كون البذر من رب الأرض، فإذا فات الشرط؛ فات المشروط، وإذا يصير الزرع للمزارع،
стр. 2058
لأنه عين ماله، وعليه أجرة الأرض، لأن ربها إنما بذلها بعوض ولم يسلم له، والله سبحانه أعلم.
стр. 2059
[كتاب الإجارة]
قال في المغني: إنها مشتقة من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرا، وحدها في الوجيز بأنها: عوض معلوم، في منفعة معلومة، من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو في عمل معلوم. وليس بمانع، لدخول الممر وعلو بيت ونحوه، والمنافع المحرمة.
والأصل في جوازها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقَوْله تَعَالَى حكاية عن صاحب موسى:
стр. 2060
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] الآية.
٢١١٣ - قال ﷺ : «إن موسى ﵇ أجر نفسه ثماني حجج أو عشرا، على عفة فرجه، وطعام بطنه» . رواه أحمد وابن ماجه.
٢١١٤ - وعن عائشة ﵂ في حديث الهجرة قالت: «واستأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلا هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - وهو على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا
стр. 2061
إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» . رواه أحمد والبخاري.
٢١١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» . رواه أحمد والبخاري، والإجماع على ذلك إلا ما حكي عن الأصم ولا عبرة به، والله أعلم.
стр. 2062
[معلومية الأجرة والمدة في عقد الإجارة]
قال: وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة، بأجرة معلومة؛ فقد ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد، إلا أن يشترطا أجلا.
ش: الإجارة على ضربين: (أحدهما) : أن تقع على عين موصوفة أو معينة، مدة معلومة، كأجرتك هذه الدار شهرا، ونحو ذلك.
(والثاني) : أن تقع على عمل معلوم، كبناء حائط، وخياطة ثوب، وحمل إلى موضع معين، ونحو ذلك، والمقصود هنا هو الأول.
واعلم أن الإجارة لها ثلاثة أركان:
(الركن الأول) : العاقد، ولم يذكره الخرقي لوضوحه، إذ شرط العاقد في جميع العقود كونه جائز التصرف.
(الثاني) : المعقود عليه، وهو المنفعة والأجرة؛ (أما المنفعة) : فمن شرطها أن تكون معلومة، فإذا كانت على مدة كما قال الخرقي اشترط كونها
стр. 2063
معلومة، كشهر كذا ونحو ذلك، بلا خلاف نعلمه، ولو علقها على ما يقع اسمه على شيئين؛ كالعيد، وجمادى، فهل يصح وينصرف إلى الأول منهما - وهو رأي أبي محمد - أو لا يصح حتى يعين ذلك؛ وهو رأي القاضي؟ فيه وجهان.
وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يشترط في المدة أن تلي العقد وهو صحيح، وإذًا لا بد من ذكر الابتداء كالانتهاء، فلو أطلق فقال: أجرتك هذه الدار شهرا، فهل يصح، ويكون ابتداؤه من حين العقد - وهو اختيار أبي محمد - أو لا يصح حتى يسمي الشهر - وهو منصوص أحمد، وبه قطع القاضي وكثيرون؟ فيه قولان.
وظاهر كلامه أيضا: أنه لا تقدير لأكثر مدة الإجارة، فتجوز إجارة العين مائة سنة وأكثر، إذا غلب على الظن بقاؤها فيها، وهذا المذهب، وقد نص أحمد على جواز عشر
стр. 2064
سنين، وقيل - واختاره ابن حامد -: يتقيد ذلك بسنة، فلا يجوز أكثر منها، وقيل: بل بثلاثين سنة.
(وأما الأجرة) : فمن شرطها أيضا أن تكون معلومة كالثمن في المبيع.
٢١١٦ - وقد روي عن أبي سعيد ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» . رواه أحمد، ثم هل يشترط العلم بقدر رأس المال وصفته، أو تكفي مشاهدته؟ فيه وجهان.
(الركن الثالث) : المعقود به وهو الصيغة، وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء، وكذا ما في معناهما على الصحيح، وهل
стр. 2065
تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان، أصلهما هل هي نوع من البيع أو شبيهة بالبيع.
إذا تقرر هذا وصحت الإجارة فقال الخرقي: فقد ملك المستأجر المنافع. ولا ريب في هذا.
٢١١٧ - وقد نص عليه أحمد، محتجا بأن ابن عمر ﵄ اكترى جمالا ثم صارف الجمال، ولو لم يكن قد ملكها لم تصح مصارفته، فظاهر احتجاجه إنما هو في الأجرة، لأنها أحد العوضين، فإذا ملكت ملك الأجر، وأيضا فإن المؤجر يملك التصرف في هذه المنفعة كما يتصرف في العين، فإذا أجرها ملك المستأجر منها ما كان يملك المؤجر، وإذا ملك المستأجر المنافع حين العقد ملك المؤجر جميع الأجرة إذا، لأنها أحد العوضين فيملك بما يملك به الآخر. [إذ المعارضة مبناها المعادلة، فإذا ملك المستأجر المنفعة ملك المؤجر الأجرة] .
واعلم أن الأجرة وإن ملكت بالعقد، فإنها لا تستقر إلا بمضي المدة، ولا يستحق تسليمها إلا بعد تسليم المعقود
стр. 2066
عليه، فإذا كانت على عين إلى مدة - وهو الذي ذكره الخرقي - فلا يجب تسليم الأجرة إلا بعد تسليم العين، وإن كانت على عمل في الذمة فلا يجب تسليم أجرته إلا بعد تسليم العمل، وعلى هذا وردت النصوص، نحو قوله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فإن الإرضاع عمل في الذمة، فإذا سلمته وجب إيتاؤها أجرتها.
٢١١٨ - وما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» . رواه أحمد والبخاري.
٢١١٩ - وروى أيضا في حديث له «عن النبي ﷺ أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: «لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» رواه أحمد. فهذه النصوص ظاهرها أنها على عمل في الذمة.
стр. 2067
هذا كله إن لم يوجد شرط لفظي أو عرفي يقتضي التأخير أو التعجيل، فإنه يعمل بمقتضاه، فلو أجره داره شهرا بمائة درهم تحل في آخره، أو أجره على خياطة ثوب بدرهم الآن، عمل على ذلك، وعلى هذا يحمل قول ابن أبي موسى، وإن استؤجر كل يوم بأجر معلوم، فله أجر كل يوم عند تمامه، إذ عرف الناس المطرد في ذلك، أنهم إذا استأجروا إنسانا شهرا كل يوم بكذا، فإنهم يعطونه الأجرة في آخر كل يوم، فيجري هذا مجرى الشرط، ولو لم يحمل على هذا لكان ظاهره مخالفا لقول الخرقي والأصحاب، كما أن ظاهر قول الخرقي: وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد، إلا أن يشترطا أجلا. يقتضي أن الأجرة المؤجلة لا تملك حين العقد، وفيه نظر، إذ صرح القاضي في تعليقه في الجنايات بأن الدين في الذمة غير مؤجل، بل ثابت في الحال، وإن تأخرت المطالبة به، وإذا ينبغي أن يكون تقدير
стр. 2068
كلامه: وملكت عليه الأجرة، ووجب تسليمها إن سلمت العين، إلا أن يشترطا أجلا فلا يجب التسليم، فيكون الاستثناء من مقدر، والله أعلم.
قال: وإذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم، لم يكن لواحد منهما الفسخ إلا عند تقضي كل شهر.
ش: قد تضمن كلام الخرقي ﵀ صحة نحو هذه الإجارة، وهو المنصوص من الروايتين، واختيار القاضي، وعامة أصحابه، والشيخين.
٢١٢٠ - لما روي عن علي ﵁ قال: جعت مرة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرا، فظننتها تريد بله، فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا، حتى مجلت يداي، ثم أتيتها فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها. رواه أحمد، ووزان هذا
стр. 2069
إذا باعه الصبرة كل قفيز بدرهم، فالعلم بالثمن يتبع العلم بالمثمن، كذلك هنا، العلم بالأجر يتبع العلم بالمنفعة.
(والرواية الثانية) - واختارها أبو بكر، وابن حامد وفي الكافي أبو بكر، وجماعة من أصحابنا -: بطلان ذلك،
стр. 2070
نظرا إلى أن المدة مجهولة، إذ «كل» اسم للعدد، فإذا لم يقدره كان مجهولا، فعلى الأولى الإجارة تلزم في الشهر الأول وتكون فيما بعده مراعاة، فلكل واحد منهما أن يفسخ عند رأس كل شهر، بأن يقول: فسخت الإجارة في الشهر المستقبل. ونحو ذلك، فلو لم يفسخ حتى دخل الشهر الثاني لزم العقد فيه، وكذلك الثالث، هذا مقتضى كلام الخرقي، وأبي الخطاب في الهداية، وابن عقيل في التذكرة، وأبي محمد في كتبه، وقد صرح بذلك ابن الزاغوني فقال: تلزم بقية الشهور إذا شرع في أول الجزء من ذلك الشهر، وقال القاضي: له الفسخ في جميع اليوم الأول من الشهر الثاني، وبه قطع أبو البركات، وأورده ابن حمدان مذهبا، والله أعلم.
[فسخ عقد الإجارة قبل انقضاء المدة]
قال: ومن استأجر عقارا مدة بعينها فبدا له قبل تقضيها
следующие страницы →