Полный текст (4 333 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
والشيرازي، وعلى هذه الرواية قال أبو البركات: تقر في يده بالخراج، لاختصاصه بمزية، وهو السبق بالإحياء.
ومفهوم كلام الخرقي ﵀: أن ما ملك لا يملك بالإحياء، وهذا لا يخلو من ثلاثة أحوال:
(الأول) : أن يكون له مالك معصوم، وهذا لا إشكال أنه لا يملك بالإحياء، لما تقدم من حديث عائشة ﵂.
(الثاني) : أن يكون له مالك لكن غير معصوم كالحربي، فقال أبو البركات وصاحب التلخيص، وهو ظاهر كلام القاضي: إنه يملك بالإحياء إذ لا حرمة لملكه أصلا، وإذا تستثنى هذه الصورة من مفهوم كلام الخرقي، وقال أبو محمد: حكم دار الحرب حكم دار الإسلام، حتى إنه جعل فيما عرف أنه ملك ولم يعرف له مالك معين روايتين، كالمسألة التي بعده، واستدل بعموم الخبر، وبأن عامرهم إنما يملك بالقهر والغلبة.
(الثالث) : أن يعرف أنه ملك، ولكن لا يعرف له مالك، كخراب باد أهله، ولم يعرف لهم وارث - فعنه - وهو المشهور عنه - لا يملك بالإحياء، وهو مقتضى كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، والقاضي، وعامة أصحابه، كالشريف وأبي الخطاب، والشيرازي، لظاهر حديث عائشة، إذ هذه لأحد، لأنه إن كان له وارث فهي له، وإن لم يكن له وارث فهي فيء
стр. 2102
للمسلمين، وبهذا علل أحمد في رواية أبي داود.
(وعنه) : تملك بالإحياء، عملا بعموم أكثر الأحاديث.
(وعنه) : وإن تيقنت عصمة من ملكها لم تملك بالإحياء لما تقدم، وإن شك في عصمته ملكت، لأن المقتضي قد وجد، وشك في المانع، وهذا اختيار صاحب التلخيص، واستثنى أبو محمد من هذا ما به آثار ملك قديم جاهلي، كمساكن ثمود ونحوهم، فإنها تملك بالإحياء.
٢١٣٣ - لما يروى عن طاوس، عن النبي ﷺ أنه قال: «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي بعد لكم» رواه سعيد في سننه، وأبو عبيد في الأموال، ويحتاج كلام أبي محمد إلى بحث ليس هذا موضعه، والله أعلم.
قال: إلا أن تكون أرض ملح، أو ما للمسلمين فيه المنفعة، فلا يجوز أن ينفرد بها الإنسان.
ش: استثنى ﵀ مما يملك بالإحياء صورتين:
(إحداهما) : أرض الملح، أي معدن الملح، فإنه لا يملك بالإحياء.
стр. 2103
٢١٣٤ - لما روي «عن أبيض بن حمال ﵁، أنه وفد إلى النبي ﷺ استقطعه الملح، فقطع له، فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العد. قال: فانتزعه منه، قال: وسأله عما يحمي من الأراك، فقال: «ما لم تنله خفاف الإبل» رواه الترمذي وأبو داود وفي رواية له: أخفاف الإبل قال محمد بن الحسن المخزومي: يعني أن الإبل تأكل منتهى رؤوسها ويحمي ما
стр. 2104
فوقه. ولأن هذا مما يتعلق بمصالح المسلمين العامة، فلم يجز إحياؤه كطرق المسلمين ومواردهم، وفي معنى الملح جميع المعادن الظاهرة، لا تملك بالإحياء، وهي ما العمل في تحصيله لا في إظهاره، كالقار، والنفط، والبرام، والموميا، والكحل، والزرنيخ، والجص، ونحو ذلك، وكذلك الحكم في المعادن الباطنة، وهي ما كان ظهورها بالعمل عليها، كمعادن الذهب، والفضة، والحديد، والصفر، والفيروزج، ونحو ذلك مما هو مثبوت في طبقات الأرض، ذكره صاحب التلخيص، وأبو محمد، وحكى أبو محمد احتمالا فيما أظهره من المعادن الباطنة، أنه يملك بالإحياء، ويحتمله كلام أبي البركات، ولفظه: أو ما فيه معدن ظهر قبل إحيائه، ومقتضاه أنه يمنع من إحياء موات
стр. 2105
قد ظهر فيه معدن، ويستفاد منه بطريق التنبيه أنه يمنع من إحياء معدن قد ظهر، لا من إحياء معدن لم يظهر.
(الصورة الثانية) : ما فيه المنفعة للمسلمين، وهو ما قرب من العامر، وتعلق بمصالحه، من طرقه، ومسيل مائه، وطرح قمامته ونحو ذلك، وكذلك ما تعلق بمصالح القرية، كمرعى ماشيتها، ومحتطبها، ونحو ذلك، وكذلك حريم البئر والنهر، ونحو ذلك، كل ذلك لا يجوز إحياؤه.
٢١٣٥ - لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له» ومفهومه أن من أحيا أرضا ميتة في حق مسلم لم تكن له، ولأن ذلك من مصالح المملوك، فأعطي حكمه، فإن قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه ففيه روايتان، أنصهما وأشهرهما عند الأصحاب أنه يملك بالإحياء، لعموم قوله: ﷺ من أحيا أرضا ميتة مع انتفاء المانع، وهو التعلق بمصالح العامر، (والثانية) : لا يملك بالإحياء، تنزيلا للضرر في المآل، منزلة الضرر في الحال،
стр. 2106
إذ هو بصدد أن يحتاج في المآل، واستثنى الأصحاب صورة ثالثة، وهي موات بلدة كفار صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فلا يملك بالإحياء، لأن مقتضى الصلح أن لا يتعرض لهم في شيء مما صولحوا عليه، قال أبو محمد: ويحتمل أن تملك بالإحياء لعموم الخبر، والله أعلم.
[ما يكون به إحياء الموات]
قال: وإحياء الأرض أن يحوط عليها حائطا.
ش: ظاهر كلام الخرقي أن التحويط إحياء للأرض مطلقا، وحكاه القاضي وغيره رواية، بل وجزم به القاضي، والشريف، وأبو الخطاب.
٢١٣٦ - لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أحاط حائطا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود، ولأحمد مثله من رواية سمرة، وعلى هذا يشترط كون الحائط منيعا، مما تجري العادة بمثله.
стр. 2107
وحكى القاضي وغيره رواية أخرى أن إحياء الأرض تعميرها العمارة العرفية لما تراد له، إذ الشارع أطلق الإحياء، فيحمل على ما يتعارفه الناس، وحديث الحائط يحمل على صورة تقتضي العرف فيها، وهذا اختيار ابن عقيل في التذكرة، فعلى هذا إن كان الإحياء للسكنى، فإحياؤها ببناء حيطانها وتسقيفها، وإن جعلها حظيرة كفى بناء حائط جرت العادة به، وإن كان للزرع فبأن يسوق إليها ماء، ويقلع أحجارها إن احتاجت إلى ذلك، أو يحبس الماء عنها، ونحو ذلك على ما جرت به العادة في مثلها، ولا يعتبر أن يزرعها ويسقيها، ولا أن يفصلها تفصيل الزرع، ويحوطها من التراب بحاجز، ولا أن يقسم البيوت إن كانت للسكنى، في أصح الروايتين وأشهرهما، والأخرى يشترط جميع ذلك، ذكرها القاضي في الخصال، وجمع أبو البركات الروايتين في أصل الإحياء، فجعلهما رواية واحدة، فقال: بأن يحوطها بحائط، أو يعمرها العمارة العرفية، وحكى في المقنع قولا آخر بأن ما يتكرر كل عام فليس بإحياء وما لا يتكرر فهو إحياء، والله أعلم.
стр. 2108
قال: أو يحفر فيها بئرا فيكون له خمس وعشرون ذراعا حواليها، وإن سبق إلى بئر عادية فحريمها خمسون ذراعا.
ش: إذا حفر في الموات بئرا للتملك، وأخرج ماءها، ملكها وملك حريمها، خمسا وعشرين ذراعا من كل جانب، وإن سبق إلى بئر عادية، ملكها بظهور يده عليها، وملك حريمها خمسين ذراعا، نص عليه أحمد، واختاره الخرقي، والقاضي في التعليق، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وابن عقيل في التذكرة، والشيخان وغيرهم.
٢١٣٧ - لما روى الدارقطني وغيره، عن النبي ﷺ أنه قال: «حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعا» .
٢١٣٨ - وروى أبو عبيد بإسناده عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعا، والبدي خمس وعشرون ذراعا. واختار أبو الخطاب في الهداية،
стр. 2109
والقاضي فيما حكاه عنه أبو محمد في المغني والكافي، أن حريم البئر قدر ما يحتاج إليه في ترقية مائها، فإن كان بدولاب فبقدر مدار الثور أو غيره، وإن كان بسانية فبقدر طول البئر، وإن كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الواقف، وعلى ذلك، إذ هذا ثبت للحاجة، فيقدر بقدرها، وقال القاضي فيما حكاه عنه في المقنع، وحكاه عنه وعن جماعة من الأصحاب صاحب التلخيص: حريم البئر قدر مد رشائها من كل جانب.
٢١٣٩ - لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «حريم البئر مد رشائها» رواه ابن ماجه، وقال القاضي في الأحكام السلطانية: له أبعد الأمرين من الحاجة أو قدر الأذرع. وقد توقف أحمد عن التقدير في رواية حرب، والمذهب الأول.
(تنبيهان) : «أحدهما» قد تقدم أنه يملك حريم البئر بالحفر أو بالسبق، وهو ظاهر كلام أحمد، وصرح به الخرقي، والقاضي في التعليق، وغيرهما، وعلى قياسه أن ما
стр. 2110
قرب من العامر، وتعلق بمصالحه، يكون ملكا لأهل العامر، أو لجماعة المسلمين، وعن القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالإحياء، وإنما يكون أحق بها، (الثاني) : «العادية» بالتشديد القديمة، نسبة إلى عاد، إذ كل قديم ينسب إليهم لقدمهم، والله أعلم.
قال: وسواء في ذلك ما أحياه أو سبق إليه، بإذن الإمام أو غير إذنه.
ش: يعني أن الحريم المذكور يثبت له، سواء أحياه - كما إذا حفر بئرا في موات - أو سبق إليه، كما إذا سبق إلى بئر عادية، وكذا أطلق أحمد، والقاضي، وغيرهما، وعلل القاضي بأن البئر العادية مال من أموال الكفار، فتكون غنيمة بوضع اليد عليها، قلت: وينبغي على مقتضى هذا التعليل أن تكون لجماعة الغانمين، أو يكون السبق إليها لا بقوة المسلمين، فتكون له، وقال في المغني: يجب أن يحمل قول الخرقي - في ملك البئر العادية - على بئر انطمست، فجدد حفرها، أو ذهب ماؤها فاستخرجه، ليكون ذلك إحياء، أما بئر لها ماء ينتفع بها المسلمون فلا تحتجر، لأنها بمنزلة المعادن الظاهرة، وقد تقدم أن الإحياء لا يفتقر إلى إذن الإمام، والله أعلم.
стр. 2111
[كتاب الوقوف والعطايا]
(الوقوف) جمع وقف كفلس وفلوس، يقال: وقف. على الأفصح وأوقف. على لغة، ويقال: أحبس، وحبس، وحبس. ومنه قوله ﷺ لعمر: «إن شئت حبست أصلها» .
(والعطايا) جمع «عطية» كخلايا وخلية، ومعنى الوقف قال أبو محمد، وصاحب التلخيص: إنه تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وأرادا: مع شروطه المعتبرة، وحده غيرهما فأدخل الشروط في الحد، ويحتاج إلى بسط.
٢١٤٠ - والأصل في جوازه ما روى أبو هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم وغيره.
стр. 2112
٢١٤١ - وعن ابن عمر ﵄: «أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها» فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم صديقا، غير متمول - وفي لفظ: غير متأثل - مالا» : رواه الجماعة.
٢١٤٢ - وعن جابر ﵁: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدرة إلا وقف. وقال أحمد في رواية
стр. 2113
حنبل: قد وقف أصحاب رسول الله ﷺ وقوفهم بالمدينة ظاهرة، فمن رد الوقف فإنما رد السنة. وأما العطية فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
[حكم من وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ثم آخره للمساكين]
قال: ومن وقف في صحة من عقله وبدنه على قوم، وأولادهم، وعقبهم، ثم آخره للمساكين، فقد زال ملكه عنه.
ش: إذا وقف في صحة من عقله - بأن لا يكون مغلوبا على عقله بجنون، أو إغماء أو غيرهما - وفي صحة من بدنه - بأن كان غير مريض - وقفا متصلا كما ذكر الخرقي، فإن ملك الواقف يزول عن العين الموقوفة، على المشهور المعروف، المختار من الروايتين؛ لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، أشبه الهبة والبيع، (والرواية الثانية) : أنه باق على ملك الواقف، لقوله: ﷺ «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» فعلى الأول ينتقل الوقف إلى الموقوف عليه،
стр. 2114
على المشهور المختار أيضا من الروايتين، كالهبة والبيع، إلا أن يكون الموقوف عليه مما لا يملك، كالمسجد ونحوه، فإن الملك في الوقف ينتقل إلى الله تعالى، (والرواية الثانية) : يكون ملكا لله تعالى، حكاها غير واحد؛ وهي ظاهر اختيار ابن أبي موسى، قياسا على العتق، بجامع زوال الملك على وجه القربة، وفرق بزوال المالية ثم، بخلاف هنا.
وتلخص أن في المسألة ثلاثة أقوال: (ملك) للموقوف عليه، وهي المذهب، (ملك) لله تعالى، (ملك) للواقف وبنيه، وللخلاف فوائد: (منها) لو كان الموقوف ماشية لم تجب زكاتها على الثانية، وكذلك على الثالثة، لضعف الملك، وهو انتقاء التصرف في الرقبة والمنفعة، ووجبت على الموقوف عليه على الأولى، على ظاهر كلام الإمام، واختيار القاضي في التعليق، وأبي البركات، وغيرهما، وقيل: لا تجب، لضعف الملك، اختاره صاحب التلخيص وغيره، (ومنها) : أرش جنايته، يلزم الموقوف عليه على الأولى، لانتفاء التعلق بالرقبة لامتناع البيع، وعلى الثانية
стр. 2115
هل يجب في بيت المال أو في الغلة؟ فيه وجهان، قلت: وعلى الثالثة يحتمل أن يجب على الواقف، ويحتمل أن يجب في الغلة، (ومنها) إذا كان أمة ملك الموقوف عليه تزويجها على الأولى، والحاكم على الثانية، لكن يشترط إذن الموقوف عليه، قاله في التلخيص، قلت: والواقف على الثالثة، لكن بإذن الموقوف عليه (ومنها) النظر حيث أطلق يكون للموقوف عليه، على الأولى، وللحاكم على الثانية، وبه جزم ابن أبي موسى، قلت: وللواقف على الثالثة (ومنها) الشفعة لا تستحق على الثانية، قلت: وكذا على الثالثة، وفي استحقاقها على الأولى وجهان (ومنها) نفقة الوقف، تجب حيث شرطت، ومع عدمه في الغلة، ومع عدمها على من الملك له، قاله في التلخيص، قلت: فعلى الثانية تجب في بيت المال، هذا في الحيوان لحرمته، أما العقار فلا تجب عمارته إلا على من يريد الانتفاع به (ومنها) إذا وطئها الموقوف عليه، فلا حد عليه للملك أو شبهه، وتصير أم ولد على الأولى، لا على الثانية والثالثة، والله أعلم.
стр. 2116
وظاهر كلام الخرقي أن ملك الواقف يزول عن الوقف وإن لم يخرجه عن يده، وهو المشهور المختار المعمول به من الروايتين، لعموم قوله – ﷺ في حديث عمر: «لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث» ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، أشبه العتق (وعنه) لا يلزم ويزول الملك عنه إلا بالإخراج عن يده، اختاره ابن أبي موسى؛ لأنه تبرع بشيء لم يخرج عن المالية أشبه الهبة، (وظاهر كلامه) أيضا أنه لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه، ولا خلاف في ذلك إن كان على غير معين كالمساكين، أو على من لا يتصور القبول منه كالمساجد، أما ما كان على آدمي
стр. 2117
معين، ففي اشتراط القبول وجهان، قال ابن حمدان في الصغرى وابن المنجا: ثم إنهما مبنيان على انتقال الملك إلى الموقوف عليه، إن قلنا: ينتقل. اشترط، وإن قلنا: لا. فلا، والظاهر أنهما على القول بالانتقال، إذ لا نزاع بين الأصحاب أن الانتقال إلى الموقوف عليه هو المذهب، مع اختلافهم في المختار هنا، وشبهة الخلاف تردده بين التمليك والتحرير، وقد تقدم ذلك، لكن الأصحاب مترددون في التعليل، وينبغي اتباع سنن واحد.
وقول الخرقي: في صحة من عقله وبدنه. احترز به عن الوقف في المرض، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وقوله على قوم. إلى آخره، يحترز به عن المنقطع، وسيأتي إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
[انتفاع الواقف بالوقف]
قال: ولا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعه.
ش: يعني أنه إذا صح الوقف كما تقدم فإن منافعه تنتقل إلى الموقوف عليه بلا نزاع لما تقدم، ولا يصير للواقف فيها حق، إذ هذا وضع الوقف، والأدلة تشعر بذلك، نعم
стр. 2118
إن وجدت فيه صفة الاستحقاق استحق كأحد المستحقين، كمن وقف مسجدا فإنه يستحق الصلاة فيه، أو مقبرة فإنه يملك الدفن فيها، أو سقاية فيملك الشرب منها، ونحو ذلك.
٢١٤٣ - وفي النسائي والترمذي - وحسنه - عن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟» «فاشتريتها بصلب مالي. والله أعلم.
стр. 2119
[الحكم فيمن وقف وقفا وشرط أن يأكل منه]
قال: إلا أن يشترط أن يأكل منه، فيكون له مقدار ما اشترط.
ش: إذا وقف وقفا وشرط أن يأكل منه، أو يسكنه مدة حياته، أو مدة معلومة صح، نص عليه.
٢١٤٤ - محتجا بما روى أن في صدقة النبي ﷺ أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر.
٢١٤٥ - ولأن في حديث عمر: «لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول» ، وكان عمر هو الوالي عليها إلى أن مات.
стр. 2120
٢١٤٦ - ويروى عن ابن عمر وزيد بن ثابت ﵄ أنهما وقفا داريهما وسكناهما مدة حياتهما. والظاهر أن ذلك عن شرط، والله أعلم.
قال: والباقي على من وقف عليه وأولاده الذكور والإناث من أولاد البنين، بينهم بالسوية، إلا أن يكون الواقف فضل بعضهم.
ش: إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم كما تقدم، وشرط الأكل منه، فإن الفاضل بعد الأكل يكون بين القوم وأولادهم، وعقبهم يشارك الآخر الأول، إذ الواو للجمع المطلق لا للترتيب، ويكون بين الذكور والإناث بالسوية، إذ هذا قضية الاشتراك، كما لو أقر لهم بشيء، ولهذا لما شرك الله بين ولد الأم في الثلث كان بينهم بالسوية، نعم إذا فضل الواقف بأن جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، أو بالعكس اعتبر تفضيله، كما لو جعله على أحدهم دون الآخر.
وقول الخرقي: من أولاد البنين، نص منه على أنه إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم دخل فيه ولد البنين، ولا خلاف في هذا نعلمه، ومفهوم كلامه أنه لا يدخل فيه ولد
стр. 2121
البنات، وهو أشهر الروايات، نص عليها في: ولد ولدي لصلبي. واختاره القاضي في التعليق والجامع، والشيرازي، وأبو الخطاب في خلافه الصغير، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية، ولم يدخل فيه ولد البنات وقال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
ولأن ولد الهاشمية ليس بهاشمي، ولا ينتسب إلى أبيها شرعا ولا عرفا، وبهذا علل أحمد، فقال: لأنهم من رجل آخر، (والرواية الثانية) : يدخلون فيه، اختاره أبو الخطاب في الهداية، لأن البنات أولاده، فأولادهن أولاد أولاده حقيقة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] وهو من ولد بنته.
стр. 2122
٢١٤٧ - وفي البخاري وغيره أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» » يعني الحسن.
٢١٤٨ - وعن أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ قال لعلي: «وأما أنت يا علي فختني، وأبو ولدي» (والثالثة) يدخلون إلا أن يقول: على ولد ولدي لصلبي. فلا يدخلون، وهذه الرواية اختيار أبي بكر، وابن حامد، حكاه عنهما أبو
стр. 2123
الخطاب في الهداية، وأبو محمد في المقنع، والقاضي فيما حكاه عنه صاحب التلخيص، وفي الروايتين للقاضي، والمغني أنهما اختارا الرواية الثانية، وفي الخصال لابن البنا أن ابن حامد اختار الثانية، وأبا بكر الثالثة، وكذا في المغني القديم فيما أظن، ومحل الخلاف مع عدم القرينة أما مع القرينة فالعمل لها، ولهذا قيل في عيسى ﵇ والحسن: إنهما إنما دخلا مع الذكر، والكلام مع الإطلاق، والله أعلم.
قال: وإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين.
ش: يرجع إلى شرط الواقف في الجمع والترتيب وغير ذلك، كما يرجع إليه في شرط الوقف، ففي المسألة السابقة جمع بين القوم وأولادهم وعقبهم بواو الجمع، فقلنا: يشترك فيه الجميع، وفي الثانية رتبه بثم، فقلنا بترتيبه بعد من تقدم، ويوقف استحقاقه على انقراضهم، ويدخل الفقراء في لفظ المساكين، وكذلك كل موضع اقتصر فيه على ذكر أحد
стр. 2124
اللفظين، فإنه يتناول القسمين، أما لو جمع بين اللفظين آتيا بما يقتضي التمييز بينهما، كأن قال: وقفت على الفقراء والمساكين نصفين. ونحو ذلك. فإنه يجب التمييز بينهما وقسم الوقف بينهما نصفين، ولو قال: على] الفقراء والمساكين. ولم يقل نصفين، فالحكم كالزكاة، يجوز الدفع إليهما، والاقتصار على أحدهما على المشهور، وعلى الرواية الأخرى لا بد وأن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف، والله أعلم.
قال: وإذا لم يجعل آخره للمساكين، ولم يبق ممن وقف عليه أحد، رجع إلى ورثة الواقف في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله ﵀ والرواية الأخرى يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف.
ش: قد تضمن هذا الكلام صحة الوقف المعلوم الابتداء، المنقطع الانتهاء، وهذا مذهبنا، لأن مصرفه معلوم كما سيأتي، فصح كما لو صرح بالمصرف، إذ المطلق يحمل على العرف، وإذا صح وانقرض من وقف عليه - كما لو وقف على ولده وأولادهم [فانقرضوا]- فإنه يصرف إلى جميع ورثة الواقف، يقسم على قدر مواريثهم منه، على إحدى الروايات عن أحمد ﵀ وفي الكافي أنها ظاهر المذهب،
стр. 2125
لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس ببره، لقوله: ﷺ «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» .
٢١٤٩ - وقوله: ﷺ «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» .
٢١٥٠ - وقوله: ﷺ «صدقتك على غير رحمك صدقة، وصدقتك على رحمك صدقة وصلة» (والراوية الثانية) يختص به أقرب العصبة، لأنهم أحق أقاربه ببره.
٢١٥١ - قال ﷺ : «ابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» رواه النسائي. (والرواية الثالثة) : يجعل
стр. 2126
في بيت المال، يصرف في مصالحهم، وهي أنص الروايات عنه؛ لأنه مال لا مستحق له، أشبه مال من لا وارث له، (والرواية الرابعة) وبها قطع القاضي في الجامع الصغير، والشريف، وأبو جعفر، وإليها ميل أبي محمد - يصرف في المساكين، لأنهم أعم جهات الخير، ومصرف الصدقات، وحقوق الله تعالى، من الكفارات ونحوها.
وإذا قلنا: يرجع إلى أقارب الواقف الجميع أو العصبة، فإنه يشمل غنيهم وفقيرهم، على ظاهر كلام الخرقي والإمام، وبه قطع أبو البركات وغيره، إذ مصرف الوقف كذلك، واختار القاضي في الروايتين أنه يختص الفقراء منهم، إذ القصد بالوقف البر والصلة، والفقراء أولى بهذا المعنى من غيرهم، ومن رجع إليه فإنه يرجع إليه وقفا، لأن الملك قد زال عنه بالوقف، فلا يعود، ملكا إلى الورثة، قطع بذلك القاضي، وأبو الخطاب، وأبو البركات، وغيرهم، وزعم في المغني أن أحمد نص عليه، وقال: ويحتمل كلام الخرقي أن يصرف إليهم إرثا، ويبطل الوقف، وقال ابن أبي موسى: إن دفع إلى جميع الورثة رجع إرثا، بخلاف الرجوع إلى العصبة، وهذا مقتضى ما في المقنع، وكلام الخرقي عكسه، وحيث قلنا، يصرف إلى الأقارب فانقرضوا، أو لم
стр. 2127
يوجد له قريب، فإنه يصرف إلى بيت المال؛ لأنه مال لا مستحق له، نص عليه أحمد في رواية ابن إبراهيم، وأبي طالب، وغيرهما، وقطع به [أبو الخطاب] وأبو البركات، وقال ابن عقيل في التذكرة، وصاحب التلخيص، وأبو محمد: يرجع إلى الفقراء، والمساكين، إذ القصد بالوقف الصدقة الدائمة، قال ﷺ : أو صدقة جارية وقال ابن أبي موسى: يباع ويجعل ثمنه للمساكين، - ثم قال ابن الزاغوني: الخلاف في الرجوع إلى الأقارب، - أو إلى بيت المال، أو إلى المساكين - مختص بما إذا مات الواقف، أما إن كان حيا فانقطعت الجهة فهل يعود الوقف إلى ملكه أو إلى عصبته وذريته؟ فيه روايتان.
[أحوال الوقف]
(تنبيه) : الوقف له أربعة أحوال (الأول) : متصل الابتداء والانتهاء، وهو الذي بدأ به الخرقي (الثاني) : منقطع الانتهاء، وهو الذي ثنى به الخرقي، ولا إشكال في صحة كليهما (الثالث، والرابع) منقطع الابتداء متصل الانتهاء،
стр. 2128
متصل الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط، كأن وقف على من لا يجوز كعبد، ثم على من يجوز كالمساكين، أو وقف على ولده، ثم عبده، ثم على المساكين، والمذهب صحتهما، وقيل بالبطلان، بناء على تفريق الصفقة، وعلى الأول هل يجعل من لا يجوز الوقف عليه كالمعدوم، فيصرف إلى من يجوز الوقف عليه، أو يعتبر فيصرف مدة وجوده مصرف المنقطع، ثم إذا انقرض لمن يجوز الوقف عليه؟ فيه وجهان، وله تقاسيم أخر ليس هذا موضع بيانها، والله أعلم.
[وقف المريض مرض الموت]
قال: ومن وقف في مرضه الذي مات فيه، أو قال: هو وقف بعد موتي. ولم يخرج من الثلث، وقف منه بقدر الثلث، إلا أن يجيز الورثة.
ش: الوقف تبرع بلا تردد، فيعتبر من الثلث، كالهبة، والعتق، فإذا وقف في مرضه المخوف المتصل بالموت، على غير وارث، نفذ منه الثلث فما دون بلا نزاع، ما لم يمنع من ذلك مانع كالدين، ووقف ما زاد على الثلث فما دون
стр. 2129
على إجازة الورثة، [كالوصية سواء، وكذلك إذا قال: هو وقف بعد موتي. ينفذ منه الثلث فما دون، ويقف الباقي على إجازة الورثة] كالتدبير.
وقد تضمن كلام الخرقي صحة الوقف المعلق بالموت، وهو اختيار أبي الخطاب في خلافه الصغير، وأبي محمد، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد.
٢١٥٢ - وأنه احتج بأن عمر ﵁ وصى، فكان في وصيته: هذا ما وصى به عبد الله أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ثمغا صدقة. رواه أبو داود، وقال القاضي - أظنه في المجرد - وأبو الخطاب في الهداية، وابن البنا في الخصال، لا يصح، إلحاقا له بالهبة. والأولون ألحقوه بالصدقة المطلقة، ثم على قولهم هل يصح الوقف المعلق على شرط في الحياة؟
стр. 2130
فيه وجهان، والمختار عند أبي محمد، وأبي الخطاب البطلان، وشبهة الخلاف تردد الوقف بين التحرير والتمليك كما تقدم، وقال ابن حمدان -: من قبله - إن قيل الملك لله تعالى صح التعليق، وإلا فلا.
وقد شمل كلام الخرقي صحة وقف الثلث في مرض الموت، أو بعد الموت، على الورثة أو بعضهم، وهو أشهر الروايتين عن أحمد ﵀ وأنصهما، واختيار القاضي في التعليق وغيره، وأكثر الأصحاب.
٢١٥٣ - والأصل في ذلك ما روي أن عمر ﵁ وقف على ورثته. وعلى هذا اعتمد أحمد، وعلى أنهم لا يبيعون ذلك، ولا يهبونه، وإنما ينتفعون به، قلت: فكأنه عتق الوارث (وعنه) ما يدل على منع ذلك، وإذا يقف على إجازة الورثة، كالوقف على غيرهم، وهذا اختيار أبي حفص العكبري، قال القاضي: فيما وجدته معلقا عنه، واختيار أبي
стр. 2131
محمد إلحاقا له بالهبة، وادعى أبو محمد أن وقف عمر كان على جميع الورثة، قال: والنزاع في الوقف على البعض، قال: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ذلك، قلت: ونص أحمد في رواية الحسن بن محمد الترمذي وغيره صريح بخلاف ذلك، والله أعلم.
[خراب الوقف]
قال: وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف، وجعل وقفا كالأول.
ش: إذا تعطل الوقف، وصار بحيث لا يرد شيئا، أو يرد شيئا لا عبرة به، ولم يوجد ما يعمر به، فإن الناظر فيه يبيعه، ويشتري بثمنه ما فيه منفعة، يرد على أهل الوقف، نص عليه أحمد، وعليه الأصحاب.
٢١٥٤ - لما اشتهر عن عمر ﵁ أنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال بالمسجد مصل. وهذا بمحضر من الصحابة، ولم يظهر
стр. 2132
خلافه، فيكون إجماعا، ولأنه تجب المحافظة على صورة الوقف ومعناه، فلما تعذر إبقاء صورته، وجبت المحافظة على معناه.
٢١٥٥ - نظرا إلى قوله ﷺ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ويشهد له إذا عطب الهدي دون محله، فإنه يذبح تحصيلا لما أمكن. وحكى في التلخيص عن أبي الخطاب أنه لا يجوز بيع الوقف مطلقا، وهو غريب لا يعرف في كتبه.
وقول الخرقي: وجعل وقفا. مقتضاه [أنه] لا يصير وقفا بمجرد الشراء، بل لا بد من إيقاف الناظر له، ولم أر المسألة مصرحا بها، وقيل: إن فيها وجهين.
ومقتضى كلامه أنه لو بقي فيه نفع لم يجز بيع، وإن كان غيره أجود منه، وصرح به أبو محمد وغيره، إذ الأصل
стр. 2133
المنع، قال ﷺ : لا يباع أصلها ترك ذلك حيث خيف من ضياعه وفواته رأسا، نعم إن كان النفع لا يعد نفعا فوجوده كالعدم.
وظاهر كلامه أنه لا يشترط أن يشتري من جنس الوقف، وهو كذلك، إذ القصد النفع، نعم يتعين صرف المنفعة في المصلحة التي كانت الأولى تصرف فيها، ومن هنا الفرس الحبيس إذا بيع اشتري بثمنه ما يصلح للجهاد.
وقد علم من كلام الخرقي أنه لا يجوز بيع الوقف إذا لم يخرب، وهو كذلك بلا ريب.
٢١٥٦ - قال ابن عمر: «إن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها «فتصدق بها عمر على أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها
стр. 2134
أن يأكل منها بالمعروف ويطعم، غير متمول» . رواه الجماعة، والله أعلم.
[الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو]
قال: وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو، بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد.
ش: حكم الفرس الحبيس إذا صار لا يصلح إلا للطحن ونحو ذلك أنه يباع ويشترى بثمنه ما يصلح للغزو، أو يعان به في فرس، نص عليه أحمد لما تقدم، (وعنه) أنه يصرف ثمنه في مثله أو يصرف على الدواب الحبيس، قال: لا يباع الفرس الحبيس إلا من علة، إذا عطب يصير للطحن، ويصير ثمنه في مثله، أو ينفق ثمنه على الدواب الحبيس. وظاهره التخيير بين الأمرين، وقد يحمل قوله: ينفق الثمن على الحبيس. على ما إذا تعذر شراء المثل، وكذلك رأيت صاحب التلخيص حكى النص فقال: إنه نص على أن الفرس الحبيس إذا هرم يباع، وإذا أمكن أن يشترى بثمنه فرس اشتري، وجعل حبيسا، وإلا جعله في ثمن دابة حبيس، والله أعلم.
قال: وإذا حصل في يد بعض أهل الوقف خمسة أوسق ففيه الزكاة، وإذا صار الوقف للمساكين فلا زكاة فيه.
стр. 2135
ش: إذا كان الوقف شجرا فأثمر، أو أرضا فزرعت. وكان الوقف على قوم بأعيانهم، فحصل لبعضهم من الثمرة أو الحب نصاب ففيه الزكاة، لعموم قوله: ﷺ «فيما سقت السماء العشر» ونحوه، ولأن الملك تام في الثمرة والحب، وهو متعلق الزكاة، وإن حصل في يده دون نصاب فلا شيء عليه، نعم إن حصل في يد الجميع نصاب وجبت الزكاة. على رواية تأثير الخلطة في غير الماشية، وإن كان الوقف على قوم غير معينين كالمساكين فلا زكاة، إذ شرط وجوبها الملك حين الوجوب، والمسكين إنما يملك بالدفع، نعم على رواية تأثير الخلطة في نحو ذلك ينبغي أن تجب الزكاة والله أعلم.
[ما يجوز وقفه وما لا يجوز]
قال: وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف - مثل الذهب والورق والمأكول والمشروب - فوقفه غير جائز.
ش: من شرط ما يوقف أن يكون عينا يجوز بيعها، ويدوم نفعها مع بقائها، فلا يصح الوقف في الذمة كعبد ودار، ولا ما لا يجوز بيعه، إذ الوقف يعتمد نقل الملك، فلا بد
стр. 2136
وأن يكون الموقوف مما يقبل النقل، فلا يجوز وقف الكلب، وأم الولد، ووقف الحر نفسه، وإن جازت إجارته، ولا وقف الموصى له بخدمة عبد ذلك العبد، لعدم الملك له في الرقبة، ولا وقف أحد هذين العبدين، وفيه احتمال كالعتق، ولا ما لا يدوم نفعه كالرياحين ونحوها، وبطريق الأولى ما لا منفعة فيه كالعين المستأجرة، إذ الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وفي الأول لا تحبيس، وفي الثاني [لا منفعة] ، نعم إن وقفها بعد مدة الإجارة [إذا انقضت] ، صح إن قيل يصح تعليق الوقف على شرط في الحياة، ولا ما يذهب بالانتفاع به، كالمأكول، والمشروب، والشموع، والدراهم، والدنانير للتصرف فيها، أو مطلقا، أما لو وقفها للوزن فقال في التلخيص:
стр. 2137
يصح كإجارتها لذلك. وقال أبو محمد: لا يصح، لأن ذلك ليس من المرافق العامة. ويصح وقف الحلي عند العامة؛ لأنه من المقاصد المهمة.
٢١٥٧ - وقد روي أن حفصة ﵂ ابتاعت حليا بعشرين ألفا فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته. قال أبو الخطاب [في الهداية] : ونقل الأثرم وحنبل: لا يصح. قال في المغني: وأنكر حديث حفصة. قال في التلخيص: وهو محمول على رواية منع وقف المنقول. قلت: ذكر القاضي في التعليق رواية الأثرم وحنبل، ولفظها: لا أعرف الوقف في المال. فإن لم يكن في الرواية غير هذا ففي أخذ المنع منه نظر، والله أعلم.
قال: ويصح الوقف فيما عدا ذلك.
ش: يصح [الوقف] فيما عدا ما ذكرناه، من العقار، والحيوان، والأثاث، والسلاح، [ونحو ذلك] ، على المذهب المعروف، وقد تقدم حديث عمر ﵁ في وقف العقار.
стр. 2138
٢١٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا، فإن شبعه، وروثه، وبوله، في ميزانه يوم القيامة حسنات» رواه أحمد والبخاري.
٢١٥٩ - وقال ﷺ في حق خالد: «قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» «ونقل حنبل والأثرم عنه: إنما الوقف للدور والأرضين، على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ . قال ابن عقيل: وظاهر هذا حصره على العقار، إعمالا لمقتضى «إنما» وذلك هو الذي يتأبد حقيقة، بخلاف غيره، والله أعلم.
[وقف المشاع]
قال: ويصح وقف المشاع.
стр. 2139
٢١٦٠ - ش: في النسائي وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: «قال عمر للنبي ﷺ : إن المائة سهم التي بخيبر، لم أصب مالا قط أعجب إلي منها، قد أردت أن أتصدق بها. فقال النبي ﷺ : احبس أصلها وسبل ثمرتها» . والله أعلم.
стр. 2140
[الوقف على ما ليس بقربة]
قال: وإذا لم يكن الوقف على معروف أو بر فهو باطل.
ش: من شرط الموقوف إذا كان على جهة أن يكون معروفا، كالمساكين، والمساجد، والقناطر، والمارين بالكنائس ونحو ذلك، أو برا كالأقارب، مسلمين كانوا أو ذمة، نظرا لمعنى الوقف، إذ وضعه ليتقرب به إلى الله تعالى، وفي قصة عمر ﵄ يشعر بذلك، فلا يصح فيما ليس بقربة، سواء كان مأثما كالكنائس، والبيع، وكتابة التوراة والإنجيل، وإن كان الواقف ذميا، والمغنين، ونحو ذلك، أو غير مأثم، كالأغنياء، ولهذا جعل الله الفيء مقسوما بين ذي القربى، واليتامى، ومن سماه الله سبحانه، حذارا من أن تتداوله الأغنياء، قال سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وقيل المشترط أن لا يكون معصية، ولا يشترط القربة، فيصح على الأغنياء.
следующие страницы →