Полный текст (4 333 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وظاهره أن واجدها لا يختص بها، بل سبيلها سبيل الأموال المضافة إلى الرب سبحانه، من الخمس وغيره، وحديث زيد بن خالد قضية في عين لا عموم لها، إذ يجوز أن النبي ﷺ رآه فقيرا، فأباح له الأخذ، أو لمصلحة أخرى، لأن الرسول ﷺ نائب الله في أمواله.
وشمل كلامه أيضا الأثمان، والعروض، والشاة، ونحوها، ولا خلاف في ملك الأثمان، لنص حديث زيد بن خالد، واختلف فيما عداها، (فعنه) لا تملك مطلقا.
٢١٩٦ - أما في الشاة ونحوها فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤوي الضالة إلا ضال» رواه أحمد، وأبو داود، والضالة اسم للحيوان، دون سائر اللقطة.
٢١٩٧ - وأما في العروض فلأن ذلك يروى عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود ﵃، ولا يصح قياسها على
стр. 2172
الأثمان، فإن الغرض يتعلق بها، بخلاف الأثمان، (وعنه) تملك مطلقا، وهي ظاهر كلام الخرقي هنا، وسينص عليها في الشاة، واختيار ابن أبي موسى، وأبي محمد، لحديث زيد بن خالد في الشاة، وهو نص في جواز التقاطها، وهو خاص، فيقدم على لا يؤوي الضالة الحديث، ولحديث عياض بن حمار من وجد لقطة مع التزام أن عموم الأشخاص، يقتضي عموم الأحوال.
٢١٩٨ - وروى الجوزجاني والأثرم قالا: حدثنا أبو نعيم، ثنا هشام بن سعد، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء، أو في قرية مسكونة؟ قال: «عرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا فشأنك به» » .
стр. 2173
٢١٩٩ - وروى الجوزجاني عن عمر وابنه ما يدل على أن العروض تملك، (وعنه) رواية ثالثة - وهي المشهورة في النقل
стр. 2174
والمذهب، عند عامة الأصحاب - أن الشاة ونحوها تملك دون العروض، وقد فهم دليلها مما تقدم. وحيث قلنا: لا تملك العروض. (فعنه) تعرف أبدا، اختارها أبو بكر في (زاد المسافر) وابن عقيل أظنه في (الفصول) ، (وعنه) - وهو المشهور عنه، واختيار الخلال، وزعم أن الأول قول أول - تباع ويتصدق بثمنها بشرط الضمان، وقال القاضي في الخصال: يخير بين تعريفها أبدا، وبين دفعها إلى الحاكم، ليرى رأيه فيها. وقال ابن عقيل في التذكرة: يدفعها إلى الحاكم. وشمل كلام الخرقي أيضا لقطة الحل والحرم، وهو إحدى الروايتين، واختيار الجمهور، لحديث زيد بن خالد، وعياض بن حمار، التزاما بأن عموم الأشخاص يتناول عموم الأحوال، إذ قوله: ﷺ من وجد لقطة عام في كل واجد، وعموم الواجدين يستلزم عموم أحوالهم.
стр. 2175
[وكذلك سؤال زيد عن لقطة الذهب، اسم جنس مضاف، فيشمل كل لقطة ذهب، ويلزم منه عموم أحوالها] (والثانية) : لا تملك لقطة الحرم بحال، بل تعرف أبدا.
٢٢٠٠ - لقوله – ﷺ في بلد مكة «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» أي لمنشد على الدوام، وإلا غير لقطة الحرم لا تحل أيضا إلا لقاصد تعريفها، وحفظها.
٢٢٠١ - ويؤيد هذا ما روى عبد الرحمن بن عثمان التيمي ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج» ، رواه مسلم. وهذا أخص من تلك فيقيد، لا سيما ويمنع: أن عموم الأشخاص (لا) يستلزم عموم الأحوال. وقول الخرقي: وإلا فهي كسائر ماله. ظاهره أنها تدخل في ملكه من غير اختياره، وكذا نص أحمد في رواية الجماعة، وعليه الجمهور، لظواهر الأحاديث السابقة.
стр. 2176
٢٢٠٢ - وفي رواية لمسلم في حديث زيد بن خالد «فإن جاء صاحبها، فعرف عفاصها، ووكاءها وعددها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك» واختار أبو الخطاب في هدايته أنه لا يملكها حتى يختار ذلك، وحكاها ابن الزاغوني رواية. ومقتضى كلامه أنه لو لم يعرفها التعريف السابق - وهو السنة - أنه لا يملكها، وهو صحيح، وكذلك لو لم يعرفها الحول، نعم، إن أخر التعريف أو بعضه في الحول الأول لعذر، من مرض، أو حبس، أو صغر، ونحو ذلك، ملكها بالتعريف في ثاني الحول في وجه، وعلى المنصوص لا كالأول، والله أعلم.
قال: وحفظ وكاءها، وعفاصها، وحفظ عددها، وصفتها.
ش: هذا عطف على قوله: عرفها سنة. فيحتمل أنه واجب مطلقا كالتعريف، لظاهر حديث زيد، ويحتمل أنه مطلوب جملة، ثم عند الالتقاط مستحب، وعند تمام التعريف،
стр. 2177
وإرادة التصرف فيها أو خلطها بماله واجب، وهو ظاهر كلامه، وعليه شرح أبو محمد، وفاقا للأصحاب، لأن دفعها إلى ربها يجب بما ذكر، فلا بد من معرفته نظرا إلى أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب.
٢٢٠٣ - وفي رواية «عن أبي بن كعب أنه قال: وجدت مائة دينار، فأتيت بها النبي ﷺ فقال: «عرفها حولا» فلم تعرف، فرجعت إليه فقال: اعرف عدتها ووعاءها ووكاءها واخلطها بمالك» » .
وظاهره أن الخلط مرتب على معرفة ما تقدم، وأنه قبل التعريف لم يأمره بذلك، وهذه القرينة الصارفة لحديث زيد وغيره عن الوجوب، «والوكاء» الخيط الذي تربط به، «والعفاص» الوعاء الذي تكون فيه، من خرقة أو غيرها، وفي معنى العدد الكيل والوزن، ويبالغ في معرفة صفتها، وكل شيء تعرف به. وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب الإشهاد عليها، وهو المشهور، نظرا إلى حديث زيد وغيره، حيث لم يأمره ﷺ بالإشهاد، نعم، يستحب، لحديث عياض بن حمار، وأوجبه ابن أبي موسى، وأبو بكر في التنبيه، لظاهر الأمر، والشهود
стр. 2178
عدلان فصاعدا، ولا يشهد على الصفات، نص عليه، لاحتمال شياعه، فيعتمده المدعي الكاذب، والله أعلم.
قال: فإن جاء ربها فوصفها دفعت إليه بلا بينة.
ش: يعني إذا جاء ربها بعد الحول، وصيرورتها كسائر مال الملتقط، وهي باقية، فوصفها بالصفات السابقة، وجب دفعها إليه بلا بينة، وإن لم يغلب على ظنه صدقه.
٢٢٠٤ - لأن في حديث أبي بن كعب قال: «عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعدتها، ووعائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها» رواه أحمد، ومسلم، والترمذي.
٢٢٠٥ - وفي حديث زيد «فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» وفي رواية فيه «فإن جاء صاحبها، فعرف عفاصها، وعددها، ووكاءها، فأعطها إياه، وإلا فهي لك» .
٢٢٠٦ - ولا ينافي هذا قوله – ﷺ «البينة على المدعي» واليمين على من أنكر» . إذ هذا مع وجود منكر، ولا منكر في صورة اللقطة، فهي غير داخلة في الحديث، ولو سلم دخولها،
стр. 2179
فالتخصيص - وقد قام دليله - يخرجها، مع أنا نقول البينة ما تبين الحق وتظهره، والصفة هنا بهذه المثابة، لتعذر إقامة البينة عليها غالبا، لأنها تسقط في حال الغفلة والسهو. وظاهر كلامه أنه لو ادعاها بلا صفة لم تدفع إليه، وهو ظاهر لما تقدم، وقوة كلامه يقتضي أنه لا يجب عليه دفع زيادتها معها والحال ما تقدم، وهو أحد الوجهين، أو الروايتين، على ما في التلخيص، واختيار أبي محمد، لحدوثها في ملكه، (والثاني) : [يأخذها ربها بها، كما يأخذها بالزيادة المتصلة، وكالبائع الراجع على المفلس، أما في حول التعريف فإنها ترد بزيادتها] مطلقا، لبقائها على ملك مالكها، والله أعلم.
قال: أو مثلها إن كانت قد استهلكت.
ش: اختيار أبي محمد ﵀ أن اللقطة بعد الحول تملك بغير عوض يثبت في ذمته، وإنما يتجدد العوض بمجيء صاحبها، وعند القاضي وكثير من أصحابه لا يملكها إلا بعوض يثبت في ذمته لصاحبها، وعلى القولين يزول ملك الملتقط عنها بوجوده إن كانت باقية، ويجب عليه إذا بدلها، وهو مثلها، أو قيمتها إن كانت تالفة، لحديث زيد، فإنه أمره بإنفاقها، ثم قال: «ولتكن وديعة عندك، فإن جاء
стр. 2180
طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» فأمره – ﷺ بدفعها إلى ربها، بعد [إباحة] إنفاقها» .
٢٢٠٧ - وقال الأثرم: قال أحمد: أذهب إلى حديث الضحاك بن عثمان، جوده ولم يروه أحد مثل ما رواه، إن جاء صاحبها بعد سنة، وقد أنفقها ردها إليه، وحكى عنه أنه لوح إلى عدم الضمان، لحديث عياض بن حمار، لأن فيه «فهو مال الله يؤتيه من يشاء» وظاهره أنه مباح، ولما تقدم من قوله: ﷺ فهي لك وللأول أن يقول بموجبه، إذ جعلها له، وكون الله آتاه إياها، لا ينافي وجوب الضمان عليه بوجود ربها، وعلى هذا لو نقصت ضمن نقصها، وتعتبر القيمة حين التملك، قاله في التلخيص، وهو ظاهر على رأي القاضي ومتابعيه، أما على رأي أبي محمد فينبغي اعتبارها حين وجود ربها، وكذا صرح به أبو البركات، وهذا كله بعد الحول، أما قبله فهي أمانة، كبقية الأمانات، والله أعلم.
стр. 2181
قال: وإن كان الملتقط قد مات فصاحبها غريم بها.
ش: إذا مات الملتقط، بعد أن صارت اللقطة كمال الملتقط، ثم جاء ربها، فهو غريم بها، يرجع ببدلها إن اتسعت التركة، وإلا تحاص الغرماء، لما تقدم من أنه إنما يملكها مضمونة عليه، إما حين التملك، وإما حين وجود ربها، وكلام الخرقي يحتمل أن يريد ما إذا تلفت، بقرينة المسألة السابقة، وعليه شرح أبو محمد، ويحتمل أن يريد أنه غريم وإن كانت باقية، تنزيلا لانتقالها إلى الوارث منزلة الانتقال إلى الأجنبي، ولو انتقلت إلى أجنبي لم يلزم إلا بدلها، فكذلك إلى الوارث، ثم على الأول ظاهر كلام الخرقي وغيره أنه لا فرق بين أن يعلم تلفها بعد الحول أو لا، وفي المغني احتمال أنه لا يلزم عوضها إن لم يعلم تلفها بعد الحول، لاحتمال تلفها في الحول، وهي إذا أمانة، والله أعلم.
قال: وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما فله أخذه، إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل.
ش: الجعالة جائزة في الجملة، لقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .
стр. 2182
٢٢٠٨ - «وعن أبي سعيد ﵁ قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من غنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا. فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» ثم قال: «قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهما» وضحك النبي ﷺ » -. متفق عليه، واللفظ للبخاري، والحكمة تقتضي ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولا كصورتنا، فتتعذر الإجارة فيه، والحاجة تدعو إلى
стр. 2183
رده، وقد لا يجد متبرعا فاقتضت حكمة الشارع جواز ذلك. إذا تقرر هذا فإذا جعل رب اللقطة لمن وجدها شيئا معلوما، فلمن وجدها أخذه، لما تقدم، ولقوله: ﷺ «المسلمون عند شروطهم» وكما لو استأجره على بناء حائط، ونحو ذلك، لكن بشرط أن يلتقطها بعد أن بلغه الجعل، ليكون عمله في مقابلة الجعل، أما إن وجدها قبل بلوغ الجعل فلا شيء له؛ لأنه متبرع بعمله. وقد تضمن كلام الخرقي أمورا (منها) أنه لا يشترط العلم بالعمل، ولا المدة، وهو صحيح، بخلاف الإجارة، والحكمة ما تقدم، (ومنها) أنه لو قدر المدة، كأن قال: إن وجدتها في شهر ونحو ذلك. صح نظرا لإطلاق كلامه، لاحتمال الغرر فيها، بخلاف الإجارة على الصحيح، (ومنها) أنه لا يشترط تعيين العامل، للحاجة الداعية إلى ذلك، بخلاف الإجارة، (ومنها) أن العمل قائم مقام القبول؛ لأنه يدل عليه، أشبه الوكالة، (ومنها) أن الجعل لا بد وأن يكون معلوما، كالإجارة وغيرها من العقود، وحمل البعير في الآية معلوم عندهم، والقياس على العمل لا يصح، للحاجة الداعية ثم، بخلاف هنا، وفي المغني تخريج بجواز جهالة الجعل، إن لم يمنع
стр. 2184
التسليم، كقوله: من رد ضالتي فله نصفها. بخلاف: فله شيء. من قول الإمام: إذا قال الأمير في الجهاد: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس. جاز، ومن قوله: إذا جعل جعلا لمن يدله على قلعة أو طريق، من مال الكفار مجهولا، كجارية بعينها، وقد عرف من هذا ما توافق الجعالة الإجارة فيه، وما تخالفها، وتخالفها أيضا في أن الإجارة عقد لازم، والجعالة عقد جائز، وتوافقها في أن ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة جاز في الجعالة، وما لا فلا. وظاهر كلام الخرقي أن الجعل في مقابلة الوجدان، وهو ظاهر كلام أبي البركات وغيره، فعلى هذا هي بعد الوجدان كغيرها من اللقطات، لصاحبها أخذها، ولا يجب على الملتقط مئونة ردها، وقال في المغني: إذا قال: من وجد لقطتي فله دينار. فقرينة الحال تدل على اشتراط الرد، إذ هو المقصود، لا الوجدان المجرد، وإنما ذكر الوجدان لأنه سبب الرد، فكأنه قال: من وجد لقطتي فردها علي. قلت: ولعله يريد بالرد تسليم العين، أو التمكين منها، وكذلك يريد الخرقي بالوجدان الوجدان المقصود، لا
стр. 2185
مجرد الوجدان، حتى لو ضاعت بعد أو تلفت استحق الجعل، لأن هذا غير مقصود قطعا، وإذا يرتفع الخلاف. ومفهوم كلام الخرقي ﵀ كما تقدم أنه لو وجد اللقطة قبل بلوغ الجعل أنه لا شيء له، وكذلك في كل عمل عمله لغيره بغير جعل، لئلا يلزم الإنسان ما لم يتلزمه، ولم تطب نفسه به، إلا في صورة واحدة وهي رد الآبق، فإن فيه مقدرا على المشهور المعروف، والمختار للأصحاب.
٢٢٠٩ - لأنه يروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃ ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفا.
стр. 2186
٢٢١٠ - وعن النبي ﷺ أنه جعل في رد الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا، ولأن
المصلحة
تقتضي ذلك، لئلا يلحقوا بدار الحرب ويرجعوا عن دينهم، وبذلك فارقوا غيرهم، وتوقف في رواية ابن منصور فقال: لا أدري، قد تكلم الناس فيه، لم يكن عنده فيه حديث صحيح، فأخذ من ذلك أبو محمد رواية بأنه لا شيء فيه، وقال: وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله: وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى ربه ما أنفق عليه، ولم يذكر جعلا، وأقرب إلى الصحة، قياسا على غيرهم، لأن الأصل عدم الوجوب، والحديث مرسل، وفيه مقال، ولهذا قال ابن منصور عن الإمام: لم يكن عنده فيه حديث صحيح. وفي أخذ رواية من هذا نظر، لأن الواقف لا ينسب له قول، وكونه ظاهر قول الخرقي ينازع فيه أيضا، لأن الخرقي ذكر هذا في النفقات،
стр. 2187
وهو بصدد بيانها، لا بيان الجعل، وعلى كل حال فالمذهب الأول. وعليه اختلف في قدر الجعل، واتفق الأصحاب فيما علمته أنه إن رده من خارج المصر ففيه روايتان (إحداهما) - واختارها الخلال - أن الواجب له أربعون درهما.
٢٢١١ - اعتمادا على أن ذلك قول ابن مسعود ﵁. (والثانية) أنه دينار أو اثنا عشر درهما.
٢٢١٢ - نظرا إلى أنه يروى عن عمر وعلي ﵄ واختلف نقل الأصحاب فيما إذا رده من المصر، ففي الهداية، والمقنع، والمحرر، أن الواجب له دينار، أو اثنا عشر درهما، وفي الخصال لابن البنا، وكتاب الروايتين، أنه عشرة دراهم، وبالغ القاضي في ذلك فقال: إن الرواية لا تختلف في ذلك، وفي المغني أنه دينار أو عشرة دراهم، وفي الكافي أنه دينار، أو اثنا عشر درهما في رواية، وفي أخرى دينار، وفي خلاف الشريف، وأبي الخطاب، والجامع الصغير، أنه دينار أو اثنا عشر درهما في رواية، وفي أخرى عشرة دراهم، وجمع الطرق أنه دينار أو اثنا عشر درهما في رواية، وفي أخرى دينار أو عشرة دراهم، وفي ثالثة دينار، وفي رابعة عشرة دراهم، وقد نقل ابن هانئ عن
стр. 2188
أحمد فيمن عمر قناة قوم أنه يرجع عليهم، ذكر ذلك القاضي في الغصب، من كتاب التعليق، وذكره من رواية محمد بن أبي حرب الجرجاني، وعلله بأن الآثار بمنزلة الأعيان، فكما أن يرجع بالأعيان، كذلك يرجع بالآثار، قلت: وهذا التعليل إنما يقتضي الرجوع فيما عمله، بأن يزيله، كما يرجع في الأعيان، لا أنه يرجع ببدل ذلك على مالك العين، والله أعلم.
قال: وإن كان الذي وجد اللقطة سفيها أو طفلا قام وليه بتعريفها، فإن تمت السنة ضمها إلى مال واجدها.
ش: إذا وجد اللقطة سفيه أو طفل قام وليه بالتعريف، لأن واجدها ليس أهلا للتعريف، والولي قائم مقامه، ونائب منابه، فإذا تم التعريف ضمها الولي إلى مال واجدها، وصارت كسائر ماله، لأنها من أكسابه، أشبه
стр. 2189
اصطياده، ونحو ذلك، وقد تضمن كلام الخرقي صحة التقاط الصبي والسفيه، وهو صحيح. لعموم قوله: ﷺ من وجد لقطة ونحو ذلك، وكما يصح احتطابه وغيره، والله أعلم.
[ما يجوز التقاطه وما لا يجوز]
قال: وإذا وجد الشاة بمصر أو بمهلكة فهي لقطة.
ش: يعني فله أخذها، وهذا (إحدى الروايتين) وأشهرهما، لما تقدم من «قوله ﵇ في حديث زيد بن خالد فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» (والرواية الثانية) لا يلتقطها إلا الإمام، لقوله: ﷺ «لا يأوي الضالة إلا ضال» وعلى الأولى - وهي المذهب - هل يملكها بالتعريف؟ فيه روايتان قد تقدمتا، وحكم كل ما لا يمتنع من صغار السباع - الثعلب، وابن آوى، والذئب، ونحو ذلك - كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والأوز، والدجاج، ونحوها - حكم الشاة فيما ذكرنا. وقد دل مفهوم كلام الخرقي على ذلك فيما بعد.
стр. 2190
وظاهر كلام الخرقي أنها تعرف كغيرها من اللقطات، وهو مقتضى كلام صاحب التلخيص وأبي البركات، وغيرهما، وزعم أبو محمد أن الأصحاب لم يذكروا لها تعريفا، ثم قال أبو محمد: إن واجدها يخير بين ثلاثة أشياء: (أكلها) وعليه قيمتها، (وبيعها) وحفظ ثمنها، (وحفظها) والإنفاق عليها من ماله، وهل يرجع به إن لم ينو التبرع؟ فيه روايتان، وظاهر كلام صاحب التلخيص يخالفه في الأخير؛ لأنه قال: لا يبيع بعض الحيوان للنفقة عليه؛ لأنه يفضي إلى بيع كله.
ونبه الخرقي بقوله: بمصر أو بمهلكة. على قول مالك ومن وافقه، من أنه إن وجدها بمصر أخذها وذبحها، وبمهلكة يحفظها إلى أن يجيء ربها.
(واعلم) أنها إنما تكون لقطة بالمهلكة إذا لم يعلم أن صاحبها تركها، أما لو تركها صاحبها بالمهلكة ترك الإياس منها، فليست بلقطة، وهي لمن أحياها، نص عليه، والله أعلم.
стр. 2191
قال: ولا يتعرض لبعير، ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه.
ش: لا يتعرض لبعير، لنص حديث زيد، ولا لما فيه قوة يمنع نفسه عن صغار السباع، كالخيل، والبغال، والبقر، لما علل به ﷺ من قوله: «دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها» «وقال في الشاة: خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» فعلل جواز أخذ الشاة بكونها معرضة للذئب، ومنع من أخذ البعير؛ لكونه معه حذاؤه فيرعى، «وسقاؤه» وهو ما يوعي في بطنه من الماء، وهو لكبر جثته لا يقدر عليه الذئب ونحوه، فيؤمن من تلفه غالبا.
٢٢١٣ - وقد روى منذر بن جرير ﵄، قال: كنت مع أبي جرير، بالبوازيج في السواد، فراحت البقر، فرأى بقرة أنكرها فقال: ما هذه البقرة؟ قالوا: بقرة لحقت بالبقر.
стр. 2192
فأمر بها فطردت حتى توارت، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يؤوي الضالة إلا ضال» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وألحق الأصحاب بذلك الحمر، نظرا إلى صورتها، وألحقها أبو محمد بالشاة، نظرا إلى مشاركتها في علتها، وهو تعرضها للذئب، ومفارقتها للإبل في عدم صبرها على الماء، وحكم ما يمتنع من صغار السباع بطيرانه كالطيور كلها، أو بسرعته، كالظباء ونحوها، أو بنابه، كالفهد والكلب - على وجه - حكم الإبل ونحوها، نعم إن كانت الصيود متوحشة، إذا تركت ذهبت إلى الصحراء، وعجز عنها صاحبها جاز التقاطها، قاله أبو محمد، ويلحق بالإبل من غير الحيوان ما يتحفظ بنفسه كأحجار الطواحين وكبير الخشب، ونحو ذلك بطريق الأولى؛ لأن الإبل متعرضة للتلف في الجملة، بخلاف هذه.
стр. 2193
وقوله: ولا يتعرض لبعير. هذا في غير الإمام أو نائبه، أما الإمام أو نائبه فله أخذها ليحفظها لمالكها، لا ليتملكها.
٢٢١٤ - لما روى مالك في موطئه عن ابن شهاب قال: كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب ﵁ إبلا مؤبلة تتناتج، ولا يمسها أحد، حتى إذا كان عثمان أمر بمعرفتها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. والله أعلم.
стр. 2194
[كتاب اللقيط]
ش: اللقيط فعيل بمعنى مفعول، كجريح، وطريح وقتيل، ونحو ذلك، وهو الذي يوجد مرميا على الطرق، لا يعرف أبوه، ولا أمه، بشرط أن لا يبلغ سن التميز، أو بلغها ولم يبلغ على المذهب، وهو من فروض الكفايات، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولأن فيه إحياء نسمة، أشبه إنجاءه من الغرق، والله أعلم.
[حرية اللقيط]
قال: واللقيط حر.
ش: نظرا إلى الأصل، لأن الله خلق آدم وذريته أحرارا، والرق عارض.
٢٢١٥ - وعن سنين أبي جميلة أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب ﵁، قال: فجئت به إلى عمر فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح.
стр. 2195
فقال: كذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. رواه مالك. والله أعلم.
[النفقة على اللقيط]
قال: وينفق عليه من بيت المال، إن لم يوجد معه شيء ينفق عليه منه.
ش: ينفق على اللقيط من بيت المال، إن لم يوجد معه ما ينفق عليه، لما تقدم عن عمر ﵁، ولأن بيت المال وارثه، فكان نفقته عليه كقرابته، فإن تعذر ذلك،
стр. 2196
فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه، حذارا من هلاكه، كإنجائه من الغرق، أما إن وجد معه شيء فإنه ينفق عليه منه؛ لأنه محكوم له به؛ لأنه يملك، وله يد صحيحة، بدليل أنه يرث، ويورث، ويملك أن يشتري له وليه، ونحو ذلك، أشبه البالغ وإذا ينفق عليه من ماله كغيره، ويتولى الإنفاق عليه من يحضنه على المشهور، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختاره ابن حامد، وابن الزاغوني، وابن البنا، وصاحب النهاية، وغيرهم، لأن له ولاية عليه، أشبه وصي اليتيم، ولأن هذا من الأمر بالمعروف، فلا يفتقر إلى حاكم، كإراقة الخمر، وقيل عنه ما يدل على وجوب استئذانه، ونازع أبو محمد في دلالة ذلك، وعليها إن أنفق بدون إذنه ضمن. وقد أشعر كلام الخرقي بأن ما وجد مع اللقيط يكون له، وهو صحيح، كالذي يوجد في يده من نقد وغيره، أو عليه من ثياب ونحوها، أو تحته من فراش ونحوه، أو مشدودا بثيابه، قال أبو محمد: أو ما جعل فيه كخيمة أو دار، وظاهر كلام أبي البركات مخالفته، أو ما طرح قريبا منه، في وجه قطع به أبو البركات، وأبو محمد في الكافي،
стр. 2197
وصححه في المغني، عملا بالظاهر، وفي آخر - وأورده أبو الخطاب مذهبا - لا يكون له كالبعيد، أو دفن تحته، على احتمال في الهداية، كالطرح بقربه، وعلى ما أورده فيها مذهبا، وقطع به ابن البنا لا يكون له، كالبالغ فإنه لو كان تحته دفين لم يكن له، وتوسط أبو البركات، متابعة لابن عقيل، فجعله له بشرط طراوة الدفن، اعتمادا على القرينة، والله أعلم.
[ولاء اللقيط]
قال: وولاؤه لسائر المسلمين.
ش: يعني ميراثه، شبهه بالرقيق لعدم معرفة نسبه، وأراد «بسائر» جميع، جريا على قاعدته، وإنما كان كذلك لأنهم يرثون مال من مات ولا وارث له، واللقيط كذلك، وقد دل كلام الخرقي على أن ولاءه لا يكون لملتقطه، وهو صحيح.
٢٢١٦ - لقوله: ﷺ «إنما الولاء لمن أعتق» وحديث عمر قيل: أراد بالولاء الولاية عليه، جمعا بين الأدلة.
٢٢١٧ - وحديث «تحوز المرأة ثلاثة مواريث، عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه. قال ابن المنذر: لا يثبت. والله أعلم.
стр. 2198
قال: وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به.
ش: إذا لم يكن الذي وجد اللقيط أمينا - كأن كان فاسقا - منع من السفر به، حذارا من ادعاء رقه أو بيعه، ونحو ذلك، وكذلك إن كان مستور الحال، في وجه اختاره في الكافي، احتياطا ونظرا لجانب اللقيط، لأنا لا نأمن خيانته، وفي آخر يجوز أن يسافر به كما يقر في يده، إذ الظاهر من حال المسلم الأمانة، وقد اقتضى كلام الخرقي أنه يقر في يد الفاسق في الحضر، وهو أحد الوجهين؛ لأنه قد سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فيكون أحق به، ولأنه أهل للحفظ في الجملة، بدليل صحة إيصائه، (والثاني) - واختاره القاضي، وأبو البركات وغيرهما - لا يقر في يده؛ لأنه نوع ولاية، وليس من أهلها، وعلى الأول قال أبو محمد: يضم إليه أمين يشارفه، ويشهد عليه، ويشيع
стр. 2199
أمره، ليؤمن التفريط فيه، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط شيء من ذلك، وكذلك أجراه صاحب التلخيص وغيره على ظاهره.
ومفهوم كلامه أنه إذا كان من التقطه أمينا أقر في يده، وسافر به، أما الإقرار في يده، فلا نزاع فيه، لحديث عمر، لكن يشترط كونه حرا، مكلفا، مسلما، رشيدا، فلا يقر في يد عبد، وإن كان مكاتبا، لعدم تفرغه للحضانة، ولا في يد صبي، ولا مجنون، لأنهم مولى عليهم، لا أن لهم ولاية، ولا في يد كافر وإن أقر في يد الفاسق، لأن خطر الدين عظيم. نعم حيث حكم بكفر اللقيط أقر في يده، لزوال المانع، ولا في يد مبذر، وإن لم يكن فاسقا، قاله في التلخيص؛ لأنه ليس بأهل للأمانات الشرعية، وأما السفر به فيجوز للأمن عليه، لكن إن أراد السفر للنقلى، فإن كان من بدو إلى حضر جاز؛ لأنه أرفه له، وأومن عليه، وإن كان من حضر إلى بدو منع، حذارا من المشقة، والخوف عليه، وإن كان من حضر إلى حضر فوجهان، الجواز للاستواء، والمنع لأن ظهور نسبه في محل التقاطه أغلب، ولم يعارض ذلك ما يرجح عليه من رفاهيته، والأمن عليه، والله أعلم.
стр. 2200
[ادعى اللقيط مسلم وكافر]
قال: وإذا ادعى اللقيط مسلم وكافر، أري القافة، فبأيهما ألحقوه لحق.
ش: إذا ادعى اللقيط مسلم وكافر، أو حر وعبد، أي ادعوا نسبه، فهما سواء في الدعوى، كما تضمنه كلام الخرقي، ونص عليه أحمد، وعليه الجمهور، لأن كل واحد منهما لو انفرد صحت دعواه، فإذا تنازعوا تساووا بالدعوى، كالأحرار المسلمين، وحكى ابن أبي موسى وجها أن الكافر والحال هذه لا يلتفت إلى دعواه إلا ببينة، ثم إن كان لأحدهما بينة حكم له، وإن تساووا في البينة أو عدمها أري القافة معهما، فأيهما ألحقته به لحق.
٢٢١٨ - لما «روت عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تريْ أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» رواه الجماعة، وفي رواية لمسلم وغيره «قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما» وفي لفظ: قالت «دخل قائف والنبي ﷺ شاهد، وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام
стр. 2201
بعضها من بعض. فسر بذلك النبي ﷺ وأعجبه، وأخبر به عائشة» ، متفق عليه.
٢٢١٩ - قال أبو داود: وكان أسامة أسود، وكان زيد أبيض. فسروره ﷺ بذلك، وإخباره به، دليل الاعتماد عليه، ولأنه يحصل غلبة الظن، أشبه البينة، ويؤيد ذلك أن عمر ﵁ حكم بذلك في خلافته كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولم ينكره منكر.
وقد نبه الخرقي بذكر هذه المسألة على تساوي المسلم والكافر في الدعوى، خلافا لأبي حنيفة ﵀ في تقديمه المسلم، وعلى أن القافة تعتبر، خلافا للشافعي، واقتصاره على الاثنين يحتمل لأنه يجوز أن يلحق بهما، ولا يلحق بأكثر منهما، وهو قول ابن حامد، قصرا على مورد النص.
стр. 2202
٢٢٢٠ - وهو ما روي عن عمر ﵁، في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما.
٢٢٢١ - وعن علي: هو ابنهما، وهما أبواه، يرثهما ويرثانه. رواهما سعيد، وقال أحمد: حديث قتادة، عن سعيد، عن
стр. 2203
عمر: جعله بينهما وقابوس، عن أبيه، عن علي: جعله بينهما. ونص أحمد في رواية مهنا أنه يلحق بثلاثة، فاقتصر القاضي على ذلك، ومال الشيخان إلى إلحاقه بما زاد على الثلاثة؛ لأنه إذا جاز أن يخلق من اثنين، كما شهد به قضاء الصحابة، جاز أن يخلق من ثلاثة وأكثر.
(تنبيه) : يعتبر للقائف الذكورية، والعدالة لأنه إما بمنزلة الشاهد، أو الحاكم والمعنيان معتبران فيهما، وأن يكون مجربا في الإصابة، ليحصل الظن بقوله، وهل يكفي قائف واحد، ومجرد خبره، تنزيلا له منزلة الحاكم، أو لا بد من
стр. 2204
اثنين، ولفظ الشهادة، تنزيلا لهما منزلة الشاهدين؟ فيه روايتان، وفي اعتبار الحرية وجهان، بناء على الأصلين، والله أعلم.
стр. 2205
[كتاب الوصايا]
ش: الوصايا جمع وصية، كالعطايا جمع عطية، قال الأزهري: سميت الوصية وصية لأن الميت لما أوصى وصل ما كان فيه من أيام حياته، بما بعده من أيام مماته، والأصل فيها قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
٢٢٢٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» رواه الجماعة.
٢٢٢٣ - وعن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم، عند وفاتكم زيادة في حسناتكم، ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم» رواه الدارقطني.
стр. 2206
[الوصية للوارث]
قال: ولا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك الورثة.
٢٢٢٤ - ش: عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» رواه الخمسة إلا النسائي، وحسنه الترمذي.
стр. 2207
٢٢٢٥ - وعن عمرو بن خارجة ﵁ مثله، رواه الخمسة إلا أبا داود، وصححه الترمذي.
٢٢٢٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» .
٢٢٢٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ﵃ أن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» رواهما الدارقطني.
стр. 2208
وقول الخرقي: ولا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة. ظاهره أن الوصية صحيحة، موقوفة على إجازة الورثة، فتكون إجازتهم تنفيذا، وهذا هو المشهور المنصور في المذهب، حتى إن القاضي في التعليق، وأبا الخطاب في خلافه الصغير، وأبا البركات، وجماعة لم يذكروا في المسألة خلافا، اعتمادا على حديثي ابن عباس وعبد الله بن عمرو، فإن مقتضاهما أن الوصية للوارث صحيحة، إذا أجازت الورثة، (وعنه) ما يدل على أن الوصية باطلة، أخذا من إطلاقه في رواية حنبل: لا وصية لوارث. وفيه نظر، فإذا إجازة الورثة ابتداء عطية، اعتمادا على أن
стр. 2209
الصحيح في الرواية كما تقدم «لا وصية لوارث» وظاهره نفي الوصية مطلقا، وللخلاف فوائد، (منها) إذا قلنا: إنها تنفيذ. لزمت بدون القبول والقبض، وإن اعتبرنا القبض في الهبة، وتصح مع جهالة المجاز، ومع كون المجاز وقفا على المجيز، وإن قلنا: وقف الإنسان على نفسه لا يصح. ولو كان المجاز عتقا، كما لو تأخر العتق عن وصايا استغرقت الثلث، وقلنا: يبدأ بالأول فالأول على المذهب. فإن ولاءه للموصي؛ لأنه المعتق، فتختص به عصبته، ولو كان المجيز والد المجاز له، كما لو وهب ثلث ماله، ثم وصى لأخيه بماله، فأجاز ذلك الأب، لم يكن له الرجوع في المجاز به؛ لأنه ليس بهبة منه، وهو إنما يرجع فيما وهبه لولده، ولو جاوز المجاز الثلث زاحم ما لم يجاوزه، كما لو كان ثلثه مثلا خمسين، فأوصى لرجل بمائة درهم، ولآخر بخمسين، ولآخر بخمسين، وأجاز الورثة الجميع، فإن المال - وهو المائة وخمسون - يقسم بينهم أرباعا، لأن الوصية صحت في الجميع. وعلى الرواية الأخرى تنعكس هذه الأحكام، فلا بد من القبول والقبض في المجاز، حيث اعتبرنا القبض في الهبة،
стр. 2210
لافتقارها إليهما، ويشترط كون المجاز معلوما، إذ العلم شرط في صحة الهبة، ولو كان المجاز وقفا على المجيز، كما لو وقف داره على ورثته، وهما ابناه، فأجازا ذلك، لم يصح إن لم يصح وقف الإنسان على نفسه، لأن الوقف حصل منهما، ولو كان المجاز عتقا كان ولاؤه للمجيز؛ لأنه المعتق حقيقة لا للموصي، ولو كان المجيز والد المجاز له، جاز له الرجوع فيما أجازه له؛ لأنه هبة منه، ولو جاوز المجاز الثلث لم يزاحم ما لم يجاوزه، ففي الصورة التي ذكرناها ثم، يقسم المال بين المجاز لهم أثلاثا، لأن لصاحب المائة منها خمسون، والخمسون الزائدة على الثلث هبة مبتدأة من المجيزين، ولم يحصل لهم شيء يهبونه، وقد يقال: إن عدم المزاحمة إنما هو في الثلثين، لأن الهبة تختص بهما، والمجيز يشرك بينهما فيهما، أما الثلث فيقسم بينهم على قدر أنصابهم.
وعلى الروايتين يعتبر إجازة المجيز في مرضه من ثلثه، أما على الرواية الثانية فواضح، وأما على الأولى فلأنه تمكن من أخذ المال، وقد وجد سببه في حقه، فتسببه في إسقاطه بمنزلة
следующие страницы →