Полный текст (4 333 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
أيضا، قال: لا يعقل له علة مستقيمة إلا إشغاره عن المهر، قال: وهو الذي يدل عليه قول أحمد، وقدماء أصحابه كالخلال، وصاحبه، وقد فسره أحمد بأنه فرج بفرج، فالفروج كما أنها لا توهب ولا تورث بنص القرآن، فلأن لا يعاوض بضع ببضع أولى، وأورد على هذا بأنه إذا ينبغي أن يصح ويجب مهر المثل، كما لو سميا فاسدا، وأجيب إذا رضيا بنكاح لا مهر فيه، فما قصداه لم يبحه الشارع، وما أباحه الشارع لم يقصداه، أما إذا سميا فاسدا فقد قصدا المهر، وأورد أيضا تزويج النبي ﷺ بغير مهر، وتزويج الرجل ابنته، والتفويض لا يسمى شغارا، وأجيب بأن الشغار فعال، فيكون من الطرفين، أي إخلاء بإخلاء، بضع ببضع، وهذا منتف في هذه المواضع، وعلل القاضي البطلان وجماعة من أتباعه بالتشريك في البضع، إذ المرأة تملك الصداق، والزوج يملك بضع المرأة، فكان بضع كل واحدة منهما مشتركا بين الزوج والمرأة، ورد بأن هذا ليس هو المقصود قطعا، وإنما كل من المرأتين رضيت بأن الزوج يستبيح بضعها بلا مهر لها، بل يكون لوليها، وهو بضع الأخرى، وعلل القاضي أيضا
стр. 2697
البطلان وأبو محمد بأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح، كبعتك ثوبي بمائة على أن تبيعني ثوبك بمائة، وأبو الخطاب جعله من تعليق كل من النكاحين بالآخر، وتعليق النكاح بالشرط لا يصح، وعلله القاضي أيضا وأبو الخطاب بأنه عقد حصل على وجه جعل المستباح فيه مهرا، فلم يصح، دليله إذا زوج عبده بحرة، وجعل رقبته صداقها لأن ما استباحته من الزوج جعل مهرا، فكذلك هنا ما استباح الزوج من الزوجة جعل مهرا، وقيل غير ذلك وجميعها مستدرك والله أعلم.
[نكاح المتعة]
قال: ولا يجوز نكاح المتعة.
ش: نكاح المتعة، أن يتزوج امرأة إلى مدة، فإذا انقضت زال النكاح، سواء كانت المدة معلومة كشهر ونحوه، أو مجهولة كنزول المطر ونحوه، وسواء وقع بلفظ النكاح وبولي وشاهدين أم لا، والمذهب المنصوص المختار للأصحاب بلا ريب بطلانه.
٢٥٥٩ - لما روى علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر» ، وفي رواية: «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية» متفق عليهما.
стр. 2698
٢٥٦٠ - «وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها» .
٢٥٦١ - «وعن سبرة الجهني ﵁ أنه غزا مع النبي ﷺ فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ » - وفي رواية أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» رواه أحمد ومسلم، وفي رواية لأحمد وأبي داود عن سبرة «أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة» . والنهي يدل على فساد المنهي عنه، لا سيما وقد عضده أمره ﷺ بالتخلية، والاستدامة أسهل من الابتداء، ولأن الأحكام المختصة بالنكاح من الطلاق والظهار واللعان والتوارث وغير ذلك لا تتعلق به، فدل على أنه ليس بنكاح، إذ هي لازمة
стр. 2699
للنكاح الصحيح، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وسأل ابن منصور الإمام أحمد عن متعة النساء: تقول إنها حرام؟ فقال: يجتنبها أحب إلي. فأثبت ذلك أبو بكر في الخلاف رواية، وأبى ذلك القاضي في خلافه، وكذلك أبو الخطاب، حاملا لها على أنه سئل: هل للعامي أن يقلد من يفتي بمتعة النساء؟ فقال: لا، يجتنبها أحب إلي. أي الأولى أن لا يقلد، وكذلك ابن عقيل، مدعيا أن أحمد رجع عنها، وأبو العباس يقول: توقف عن لفظ الحرام، ولم ينفه، وبالجملة قد استدل لهذه الرواية بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] .
فعن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن إلى أجل مسمى) .
٢٥٦٢ - «وعن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله:
стр. 2700
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] الآية» ، متفق عليه.
٢٥٦٣ - «وعن جابر ﵁ قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ » - وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث، رواه مسلم، وأجيب عن الآية بمنع ثبوت قراءة ابن مسعود ﵁ ثم نسخ الجميع، بدليل ما تقدم.
٢٥٦٤ - وقد روى ابن عدي، عن مؤمل بن إسماعيل قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال: «هدم المتعة الطلاق
стр. 2701
والعدة والميراث» قال عبد الحق: وعكرمة إنما يضعف حديثه عن يحيى بن أبي كثير.
(تنبيهان) أحدهما قد تقدم في بعض الأحاديث أن النهي كان يوم خيبر، وفي بعضها عام الفتح، وأجيب عن ذلك بأجوبة (أحدها) أن في حديث علي تقديما وتأخيرا، تقديره: «أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ونهى عن متعة النساء» ، ولم يذكر زمن النهي.
٢٥٦٥ - وقد جاء في بعض طرق الحديث «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ذكره قاسم بن أصبغ وقال: قال سفيان بن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا عن نكاح المتعة. (الثاني) أن النهي قد وقع عنها يوم خيبر وعام الفتح جميعا، فسمعه بعض عام الفتح، وبعض زمن خيبر، ورد بأنه أذن عام الفتح، نعم هذا يجاب به عن النهي عام الفتح، وعام حجة الوداع (الثالث) حمل ذلك على ظاهره، وأنها كانت مباحة، ثم
стр. 2702
نسخت يوم خيبر، ثم أبيحت ثم حرمت عام الفتح، قال الشافعي: لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه، ثم أحله ثم حرمه، إلا المتعة.
(الثاني) هل يجب الحد فيها؟ يتلخص للأصحاب فيها وجهان، والله أعلم.
قال: ولو تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه لم ينعقد النكاح.
ش: لأنه شبيه بالمتعة، والشبيه بالشيء يعطى حكمه، بيان الشبه أنه ألزم نفسه فراقها في وقت بعينه، والمتعة النكاح يزول فيها في وقت بعينه، قال أحمد في رواية أبي داود إذا تزوجها على أن يحملها إلى خراسان، ومن رأيه إذا حملها [إلى خراسان] خلى سبيلها، قال: لا، هذا يشبه المتعة، حتى يتزوجها ما حييت، وفي هذا النص إشعار بتعليل آخر، وهو أن وضع النكاح الدوام، وهذا الشرط ينافيه، وأن النية كافية في المنع، وقال أيضا في رواية عبد الله: إذا تزوجها ومن نيته أنه
стр. 2703
يطلقها، أكرهه، هذه متعة، وعلى هذا جمهور الأصحاب، القاضي في خلافه، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، لما علل به أحمد من أن هذا في معنى المتعة، وجزم أبو محمد في مغنيه بالصحة، وقال: إنه لا بأس به، كما لو نوى إن وافقته وإلا طلقها، قال أبو العباس: ولم أر أحدا من الأصحاب صرح أنه لا بأس به، وما قاس عليه لا ريب أنه موجب العقد، بخلاف ما تقدم، فإنه ينافيه، لقصده التأقيت والله أعلم.
[نكاح التحليل]
قال: وكذلك إذا شرط عليه أن يحلها لزوج كان قبله.
ش: يعني فإذا أحلها طلقها، وهذا هو نكاح التحليل، والمذهب المنصوص والمختار بلا نزاع بطلانه.
٢٥٦٦ - لما روى ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له» . رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه.
стр. 2704
٢٥٦٧ - وللخمسة إلا النسائي عن علي مثله.
٢٥٦٨ - ولأحمد عن أبي هريرة مثله.
٢٥٦٩ - ولابن ماجه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» فلعن رسول الله ﷺ على
стр. 2705
ذلك، ولا يلعن على فعل جائز، فدل ذلك على تحريمه، وفساده وتسميته محللا لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل.
٢٥٦٩ - م - كما قال النبي ﷺ : «ما آمن بالقرآن من استحل محارمه» .
وقال تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] .
٢٥٧٠ - وعن قبيصة بن جابر: سمعت عمر يخطب الناس وهو يقول: والله إني لا أوتى بمحلل ولا بمحلل له إلا رجمتهما. رواه الأثرم.
٢٥٧١ - وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: من يخدع الله يخدعه.
стр. 2706
٢٥٧٢ - وعن ابن عمر ﵄: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة، قال: وإن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحا.
وخرج القاضي وأبو الخطاب رواية ببطلان الشرط، وصحة العقد، من مسألة اشتراط الخيار، وكذلك ابن عقيل، لكنه خرجها من الشروط الفاسدة.
فعلى الأول - وهو المذهب بلا ريب - لو نوى ذلك الزوج بقلبه، فهو كما لو شرطه بلسانه، نص عليه أحمد وعليه الأصحاب، لدخوله في عموم: «لعن الله المحلل والمحلل له» الحديث.
٢٥٧٣ - ويؤيده ما روى ابن شاهين في غرائب السنن، «عن النبي ﷺ أنه سئل عن نكاح المحلل، فقال: «لا نكاح إلا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة» » ونقل حرب عن أحمد: إذا تزوج امرأة وفي
стр. 2707
نفسه طلاقها؟ فكرهه، فأخذ من ذلك الشريف وأبو الخطاب ومن تبعهما رواية بالصحة مع الكراهة، وهو مقتضى قول شيخهما، ومنع ذلك أبو العباس، إذ رواية حرب في من نوى الطلاق، وذلك إنما يكون في من له رغبة في النكاح والمحلل لا رغبة له في النكاح أصلا، ومن هنا قال القاضي وأصحابه - كالشريف، وأبي الخطاب، الشيرازي وغيرهم -: إنه إذا نوى التطليق في وقت بعينه، هو كنية التحليل. ونص أحمد يشهد لهم كما تقدم.
وإطلاق كلام الخرقي يشمل ما إذا شرط التحليل حال العقد أو قبله، ولم يرجع عنه، وهذا ينبني على أن الشرط السابق كالمقارن، إلا أن هنا النية كافية في المنع، فغايته أنها أكدت بالشرط السابق، نعم لو شرط قبل العقد، ثم نوى في العقد نكاح الرغبة، فأبو محمد يصحح هذا.
٢٥٧٤ - ويحمل عليه حديث ذي الرقعتين، فإنه يروى عنه أنه أحل امرأة لزوجها، وبلغ ذلك عمر فلم ينكره، وأبو العباس يقول: إن
стр. 2708
الشرط المتقدم كالمقارن، فالشرط والحال هذه لا يلزم معه العقد.
وأما حديث ذي الرقعتين فقال أحمد: ليس له إسناد. وأبو عبيد أجاب بجوابين (أحدهما) أنه مرسل، فأين هو من الذين سمعوه يخطب على المنبر: لا أوتى بمحلل ولا بمحلل له إلا رجمتهما، (والثاني) كقول أبي محمد، والله أعلم.
[نكاح المحرم]
قال: وإذا عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره، أو عقد أحد نكاحا لمحرم، أو على محرمة فالنكاح فاسد.
ش: لا يصح أن يعقد المحرم نكاحا لنفسه. بلا نزاع نعلمه عندنا.
٢٥٧٥ - لما روى عثمان بن عفان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح» وفي رواية ولا يخطب رواه الجماعة إلا البخاري (فإن قيل) :
стр. 2709
٢٥٧٦ - فقد روى ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم» ، رواه البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وإذا فيحمل نهيه ﷺ على الكراهة، جمعا بين الدليلين.
٢٥٧٧ - قيل: هذا معارض بما روى يزيد بن الأصم، «عن ميمونة ﵄، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف؛» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
٢٥٧٨ - «وعن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما» . رواه أحمد والترمذي وحسنه، وإذا تعارضت الروايتان طلب الترجيح،
стр. 2710
ولا ريب أن من روى أنه ﷺ تزوجها وهو حلال، يترجح بأمور (أحدها) بكثرة رواته، قال أبو عمر النمري: الرواية «أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال» ، متواترة عن ميمونة، وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها انتهى، ولا ريب أن الحمل على الفرد، أولى من الحمل على الجماعة.
٢٥٧٩ - وقد قال أبو داود قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس ﵄، وقال أحمد في رواية أبي الحارث: هذا الحديث خطأ، يعني حديث ابن عباس (الثاني) أن ميمونة هي صاحبة القصة، وأبا رافع هو الرسول بينهما، ولا يخفى أنهما أعرف وأخبر بالواقعة من غيرهما، وقد أشار أحمد إلى
стр. 2711
ذلك في رواية المروذي، لا سيما وابن عباس ﵁ صغير، لا يحضر مثله الوقائع، فلعله روى عن غيره.
٢٥٨٠ - مع أنه قد قيل: إن من مذهب ابن عباس ﵄ أن من قلد الهدي صار محرما، فلعله رأى النبي ﷺ قلد الهدي، فاعتقد أنه محرم (الثالث) أن رواية ميمونة توافق رواية عثمان بن عفان ﵁، وعمل الصحابة ﵃.
٢٥٨١ - فعن عمر ﵁ أنه فرق في ذلك، رواه مالك الموطأ.
٢٥٨٢ - وعن ابنه ﵁ أنه نهى عن ذلك وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك. رواه أحمد، وهو قول زيد بن ثابت ﵁ (الرابع) أنه متى تعارض دليلا الحظر والإباحة
стр. 2712
كان دليل الحظر مقدما، ثم لو قدر التعارض في فعله ﷺ ، فيسلم نهيه ﷺ في رواية عثمان وابن عمر ﵃، ثم لو سلم ترجيح رواية ابن عباس ﵄ فهي فعله، وذاك قوله، والقول مقدم على الفعل، لا سيما وهو ﷺ قد اختص في النكاح بخصائص لم يشاركه فيها غيره، فلعل هذا منها، ثم لو سلم عدم الاختصاص فلعل فعله ﷺ وارد على مباح الأصل، ولا يلزم نسخ قوله، ودعوى أن المراد بالنهي الكراهة مخالف لظاهر النهي، ولعمل الصحابة، ويلزم منه أنه ﷺ يفعل المكروه، ولا يقال فعله لتبيين الجواز، لأنا نقول تبيينه ﷺ بقوله، ولا يقال: المراد بلا ينكح لا يطأ، ولا ينكح لا يمكن من الوطء، لأنا نقول: غالبا استعمال الشرع للعقد، فيحمل عليه، مع أن قوله في الحديث «ولا يخطب» قرينة على ذلك.
٢٥٨٣ - ثم في الدارقطني عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا
стр. 2713
يتزوج المحرم ولا يزوج» وهذا نص ويؤيده أن الصحابة فهمت ذلك.
٢٥٨٤ - ففي الموطأ عن أبي غطفان المري أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر ﵁ نكاحه.
٢٥٨٥ - وعن علي ﵁ أنه قال: من تزوج وهو محرم نزعناها منه، ولم نجز نكاحه.
٢٥٨٦ - وعن مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم، ففرق زيد ﵁ بينهما، رواهما أبو بكر النيسابوري. والله أعلم.
وهل له أن ينكح لغيره، كما إذا كان وليا أو وكيلا في النكاح؟ فيه روايتان، أشهرهما لا، لعموم الحديث (والثانية) نعم، اختارها أبو بكر، كما لو حلق المرحم رأس حلال ونحوه، وقيل: إن أصل هذه الرواية من قول أحمد: إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح. وقيل: هذا لا يثبت به رواية، لاحتمال أنه منع الفسخ للاختلاف فيه، ولهذا قال: هو والإمام مالك ﵄: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. انتهى.
стр. 2714
فعلى المذهب إذا أحرم الإمام الأعظم منع من تزويج أقاربه، وهل يمنع من التزويج بالولاية العامة؟ فيه احتمالان، (المنع) نظرا للعموم، فعلى هذا يزوج خلفاؤه، قاله القاضي، دفعا للحرج، ولأنهم لا ينعزلون بموته على الأشهر (والجواز) واختاره ابن عقيل، لأن ولاية الحكم يجوز فيها ما لا يجوز بولاية النسب، بدليل الكافرة يزوجها الإمام، لا وليها المناسب المسلم، واعلم أن القاضي قال: إنه لا يعرف الرواية عن أصحابنا في هذا الفرع، إذ إحرامه بالنسبة إلى النكاح كموته، انتهى، وإذا عقد أحد سواء كان حلالا أو محرما نكاحا لمحرم، أو على محرمة، فالنكاح فاسد، لأنه يصدق على المحرم أنه نكح وتزوج، فيدخل في الحديث.
وقد خرج من كلام الخرقي ما إذا وكل المحرم حلالا، فلم يعقد له النكاح حتى حل أنه يصح، ودخل في كلامه ما إذا وكله وهو حلال، فلم يعقد له حتى أحرم أن النكاح لا يصح، وهو صحيح، صرح به أبو محمد، فالاعتبار بحال العقد وهو المشهور، والله أعلم.
[العيوب التي توجب الخيار في النكاح]
قال: وأي الزوجين وجد بصاحبه جنونا أو جذاما، أو برصا أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء، أو فتقاء، أو الرجل
стр. 2715
مجبوبا، فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح.
ش: أما ثبوت الخيار بالجنون والجذام والبرص لكل من الزوجين.
٢٥٨٧ - فلما روي عن عمر ﵁ أنه قال: أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غره، رواه مالك في الموطأ والدارقطني، وفي لفظ للدارقطني قضى عمر في البرصاء، والجذماء، والمجنونة، إذا دخل بها فرق بينهما، ولها الصداق بمسيسه إياها وهوله عليها.
٢٥٨٨ - وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: أربع لا يجري في بيع ولا نكاح، المجنونة، والمجذومة، والبرصاء، والقلفاء، رواه الدارقطني.
٢٥٨٩ - وفي المسند عن كعب بن زيد أو زيد بن كعب «أن رسول الله
стр. 2716
- ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها ووضع ثوبه، وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا، فانحاز عن الفراش، ثم قال: «خذي عليك ثيابك» ولم يأخذ مما آتاها شيئا» ، ورواه سعيد في سننه عن زيد بن كعب بن عجرة، ولم يشك، ورده ﷺ لها فسخ للنكاح، لا يقال: يحتمل أنه طلقها أو كنى بالرد عن الطلاق، لأنا نقول: لم ينقل في الحديث طلاق، والرد صريح في الفسخ، فالحمل عليه أولى، وإذا ثبت هذا في أحد الزوجين ثبت في الآخر، والمعنى في ذلك أن الجنون تنفر النفس منه، وتخاف جنايته، والجذام والبرص يخشى تعديهما إلى الولد وإلى النفس، ويثيران نفرة تمنع القربان، وأما ثبوت الخيار للرجل إذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء، فلأن ذلك يمنع معظم المعقود عليه في النكاح، وهو
стр. 2717
الاستمتاع فأثبت الخيار كالعنة، إذ المرأة أحد الزوجين، فيثبت الخيار بالعيب فيها كالرجل، وأما ثبوت الخيار للمرأة إذا كان الرجل مجبوبا، فلأن ذلك يمنع المقصود من النكاح وهو الاستمتاع، أشبه العنة بل أولى للإياس من زواله، بخلاف العنة، ودليل الأصل قول الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -.
وقد دخل في كلام الخرقي ما إذا وجد أحدهما بصاحبه عيبا به مثله، كأن كان مجذوما وهي جذماء ونحوه، وهو أحد الوجهين، نظرا إلى أن الإنسان يعاف عيب غيره، ولا يعاف عيب نفسه (والثاني) لا يثبت خيار والحال هذه، لتساويهما، ويدخل في كلامه أيضا ما إذا حدث العيب بعد العقد، وكذا حكاه عنه القاضي، معتمدا على قوله بعد: فإن جب قبل الدخول فلها الخيار في وقتها، وهذا اختيار القاضي في تعليقه الجديد، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، لأنه معنى يثبت به الخيار مقارنا، فيثبت به طارئا، كالإعسار بالنفقة وكالرق، واختار أبو بكر في الخلاف، وابن حامد، والقاضي في التعليق القديم، والمجرد، وابن البنا أن الخيار لا يثبت والحال هذه، لأنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، فلم يثبت الخيار، كالحادث بالمبيع المعين
стр. 2718
بعد البيع، وفرق بأن النكاح يستوفى شيئا فشيئا، فهو في معنى الإجازة، بخلاف المبيع.
وظاهر كلام الخرقي أن الخيار لا يثبت بغير هذه، فلا يثبت بالبخر في الفم، ولا في الفرج، ولا بالقروح السيالة في الفرج، ولا بالباسور ولا بالناصور، ولا بالاستحاضة، ولا باستطلاق البول أو النجو، ولا بالخصاء، وهو قطع الخصيتين، ولا بالوجاء وهو رضهما، ولا بالسل وهو سلهما، ولا بكون أحدهما خنثى غير مشكل، وهو أحد الوجهين في الجميع، ولا يثبت الخيار بما عدا ذلك كالعمى، والعرج، وقطع اليد، أو الرجل، وكون المرأة نضوة الخلق يخاف عليها الجناية بالجماع، وكون الذكر كبيرا والفرج صغيرا ونحو ذلك، على المذهب بلا ريب، واختار ابن عقيل ثبوت الخيار بنضو الخلق كالرتق، واختار ابن حمدان في كبر الذكر وصغر الفرج ثبوت الخيار، وعن أبي البقاء العكبري ثبوت الخيار بكل عيب يرد به في البيع وهو غريب.
(تنبيهان) أحدهما (الجنون) معروف وهو زوال العقل، ولا فرق فيه بين المطبق أي الدائم، والخانق أي الذي يخنق
стр. 2719
في وقت دون وقت، فإن زال العقل بمرض فهو إغماء، لا يثبت به خيار، فإن دام بعد المرض فهو جنون، (والجذام والبرص) داآن معروفان، نسأل الله العافية منهما ومن كل داء، فإن ظهر أمرهما فواضح، وإن أشكل كأن يتفرق شعر الحاجب، أو يكون به بياض يحتمل أنه برص أو بهق، فمع الاتفاق من الزوجين لا كلام، ومع الاختلاف القول قول المنكر، نظرا للأصل، فإن أقام المدعي بما ادعاه شاهدين حكم بذلك، وخرج قبول واحد كالموضحة، فإن أقام كل منهما بينة بدعواه تعارضتا ولا فسخ، (والجب) القطع، والحكم هنا مرتب على قطع الذكر، أو على قطع بعضه بحيث لا يمكن الجماع بالباقي (والرتق) بفتح الراء والتاء مصدر رتقت بكسر التاء، ترتق رتقا، بفتح التاء فيهما - التحام الفرج، قاله الجوهري (والقرن) مصدر قرنت المرأة بكسر الراء تقرن قرنا بفتحها فيهما، إذا كان في فرجها قرن بسكون الراء، وهو عظم أو غدة تمنع من ولوج الذكر، (والعفل) نتنة تخرج في فرج المرأة وحيا الناقة شبيه بالأدرة التي للرجال في الخصية، والقاضي في الخلاف جعل هذه الثلاثة لحما
стр. 2720
ينبت في الفرج، وفي المجرد جعل الرتق السد، والقرن والعفل اللحم، وتبعه على ذلك أبو الخطاب وابن عقيل، وأبو حفص فسر العفل برغوة في الفرج كزبد البعير، وإذا في ثبوت الخيار به وجهان (والفتق) انخراق ما بين السبيلين، وقيل انخراق ما بين مخرج البول والمني، وإذا في ثبوت الخيار به وجهان.
(الثاني) يفتقر الفسخ في هذه إلى حكم حاكم، لأنه أمر مختلف فيه، فاحتاج إلى حاكم، كالفسخ للإعسار بالنفقة، وفارق خيار المعتقة، للاتفاق عليه، ولا يرد خيار المعتقة بعد ثلاث، والمعتقة تحت حر، وخيارات البيع، فإنها وإن اختلف فيها فإن أصلها متفق عليه، والمراد بحكم الحاكم أن يحكم بالفسخ، أو يأذن فيه أو يفسخ، ولا يختار إلا بطلب من له الفسخ، وحيث يقع الفسخ كان فسخا وليس بطلاق، نص عليه، والله أعلم.
قال: وإذا فسخ قبل المسيس فلا مهر.
ش: سواء كان الفاسخ الزوج أو المرأة، لأنها إن كانت هي الفاسخة فالفرقة من جهتها، أشبه ما لو أرضعت زوجة له أخرى، وإن كان هو الفاسخ فهو بسببها، إذ هو لعيبها، فإن قيل: فهلا جعل فسخها لعيبه كأنه منه، لأنه بسببه؟ قيل: أجاب عنه أبو محمد بأن العوض من الزوج في مقابلة
стр. 2721
بضعها، فإذا اختارت الفسخ مع سلامة المعقود عليه رجع العوض إلى العاقد، وليس من جهتها عوض في مقابلة بضع الزوج، وإنما يثبت لها الخيار دفعا للضرر اللاحق بها، لا لتعذر ما استحقت في مقابلته عوضا، والله أعلم.
قال: فإن كان بعده وادعى أنه ما علم وحلف، كان له أن يفسخ، وعليه المهر يرجع به على من غره.
ش: شرط ثبوت الخيار فيما تقدم من العيوب أن لا يعلم بها وقت العقد، ولا بعده ويرضى، أما إن علم بها وقت العقد، أو بعده فرضي، أو وجد منه ما يدل على الرضى فلا خيار له، لأنه قد دخل على بصيرة، أو أسقط حقه، أشبه مشتري المعيب إذا علم بالعيب وقت البيع، أو بعده فرضي، فعلى هذا إن تصادقا على عدم العلم بالعيب، وأنكرته المرأة فالقول قوله، إذ الأصل عدم العلم، وعليه اليمين، لأن ما ادعي عليه محتمل، ولا فرق في ذلك كله بين قبل الدخول وبعده، وإن كان كلام الخرقي ﵀ يوهم خلاف ذلك، إذا تقرر هذا وفسخ بعد الدخول كان عليه المهر بما استحل من فرجها.
وظاهر كلام الخرقي أنه المسمى لتعريفه المهر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الشيخين وغيرهما، لظاهر ما تقدم عن عمر ﵁ وعليه اعتمد أحمد، قال: إذا
стр. 2722
تزوجها جذماء برصاء مجنونة أو بكرا فخرجت ثيبا، يقول عمر: يلزمهم المهر الذي أعطاهم (والرواية الأخرى) الواجب مهر المثل، إذ الزوج إنما بذل المسمى مع تمام النكاح، فإذا فسخ لم يرض ببذل إنما رضيت بالمسمى لرجل سليم، وإذا فات الرضى رجع إلى مهر المثل، وبنى القاضي في المجرد، وابن عقيل في الفصول هاتين الروايتين على الروايتين في النكاح الفاسد، هل الواجب فيه المسمى أو مهر المثل؟ لأن الفسخ لمعنى قارن العقد، فإنه لم ينعقد، وقيد أبو البركات رواية مهر المثل بما إذا كان الفاسخ الزوج، لشرط أو عيب قديم، لأنه إنما رضي بالمسمى في مقابلة عين صحيحة، أو بشرط وقد فات ذلك، فيفوت الرضى بالمسمى، وإذا يرجع إلى مهر المثل، أما إن حدث العيب بها بعد العقد فالمسيس قابل عينا صحيحة فيجب، وكذلك إن كانت هي الفاسخة لعيب فيه، أو لفوات شرط، لأن ما بذل فيه المسمى قد وجد فيستقر، لكن قد يقال: ينبغي أن يجب لها مهر المثل إن كان أزيد، إذ رضاها منوط بالشرط وبسليم، وقد يجاب بأن مهر المثل لا يختلف بخلقة الرجل وصفاته، وفيه شيء، ومن رأينا كلامه من الأصحاب على إطلاق هذه الرواية، ولهذا جعل ابن حمدان
стр. 2723
تقييد المجد قولا.
وفي المذهب (قول ثالث) في أصل المسألة في الزوج إذا اطلع على عيب، أو فاته شرط، ينسب قدر نقص مهر المثل لأجل العيب أو الشرط، إلى مهر المثل كاملا، فيحط عنه من المسمى بنسبة النقص إلى المهرين، سواء فسخ أو أمضى، وهو قياس البيع، مثاله أن يقال: كم مهر هذه بهذا العيب أو مع هذا الشرط؟ فيقال: ثمانون مثلا. وبلا عيب ولا شرط مائة، فنسبة ما بينهما الخمس، فيرجع من المسمى بالخمس، وهذا قول ابن عقيل وأبي بكر، قالاه فيما إذا شرطها بكرا فبانت ثيبا، ووافق أبو بكر الأصحاب في أن الواجب المسمى في الفسخ لعيبها، وإذا (هذا قول رابع) انتهى.
ويرجع الزوج بما غرمه على من غره على المشهور المختار من الروايتين، لما تقدم عن عمر ﵁.
٢٥٩٠ - (والرواية الثانية) لا يرجع بشيء، اختارها أبو بكر في الخلاف، وهو قول علي ﵁، وذلك لأنه ضمن ما استوفى بدله، فلم يرجع به على غيره، كالمبيع المعيب، إذا أكله ثم علم عيبه، وقد روي عن أحمد أنه رجع عن هذه الرواية، قال في رواية ابن الحكم: كنت أذهب إلى قول علي رضي الله
стр. 2724
عنه، ثم هبته فملت إلى قول عمر ﵁، قال عمر: إذا تزوجها فرأى جذاما أو برصا فلها المهر بمسيسه، ووليها ضامن للصداق.
وقول الخرقي يشمل الولي والوكيل والمرأة، وصرح به غيره فعلى هذا أيهم انفرد بالغرور ضمن، فلو أنكر الولي علمه بذلك ولا بينة فثلاثة أوجه، (أحدها) القول قوله مع يمينه، اختاره أبو محمد، إذ الأصل عدم علمه بذلك (والثاني) القول قول الزوج إلا في عيوب الفرج، إذ الظاهر أن الولي لا يخفى عليه ذلك أما عيوب الفرج فلا اطلاع له عليها «والثالث» إن كان مما يخفى عليه أمرها كأباعد العصبات فكالأول، وإلا فكالثاني، قاله القاضي وابن عقيل، أما الوكيل فينبغي أن يكون القول قوله بلا خلاف.
وشرط تضمين المرأة أن تكون عاقلة، قاله ابن عقيل، ليوجد قصد الغرور منها وشرط مع ذلك أبو عبد الله ابن تيمية بلوغها، ليوجد تغرير محرم، فعلى هذا حكمها إذا ادعت عدم العلم بعيب نفسها واحتمل ذلك، حكم الولي على ما تقدم، ولو وجد الغرور من المرأة والولي فالضمان على الولي، على مقتضى قول القاضي وابن عقيل وأبي محمد وغيرهم، لأنه المباشر، وقال أبو محمد فيما إذا كان الغرور من المرأة والوكيل الضمان
стр. 2725
عليهما نصفان، فيكون في كل من الولي والوكيل قولان، والله أعلم.
قال: ولا سكنى لها ولا نفقة، لأن السكنى والنفقة لمن يجب لزوجها عليها الرجعة.
ش: لا نفقة للمفسوخ نكاحها، لأنها بائن، أشبهت البائن بطلاق ثلاث، وهو قسم من أقسام البائن فلا نفقة لها ولا سكنى لها على المشهور، هذا إن كانت حائلا، فإن كانت حاملا فلها النفقة عند أبي محمد، لأنها بائن من نكاح صحيح في حال حملها، أشبهت المختلعة، وفي السكنى روايتان، وقال القاضي وابن عقيل إن قلنا: إن النفقة للحمل، وجبت لها، وإن قلنا لها من أجله لم تجب، كالمعتدة من نكاح فاسد، ولعل هذا أوفق لقول الخرقي، لأنه هنا لم يستثن الحامل، وثم استثناها، وأصل ذلك والدليل عليه يأتي إن شاء الله في النفقات، والله أعلم.
[تخيير العبد والأمة المزوجين حال الرق]
قال: وإذا أعتقت الأمة وزوجها عبد فلها الخيار في فسخ النكاح.
ش: هذا إجماع، حكاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما.
٢٥٩١ - وقد «قالت عائشة ﵂: كان في بريرة ثلاث سنن، خيرت على زوجها حين عتقت» . مختصر، متفق عليه.
стр. 2726
٢٥٩٢ - وعن القاسم بن محمد، «عن عائشة ﵂ أن بريرة خيرها النبي ﷺ وكان زوجها عبدا» . رواه مسلم وأبو داود، والنسائي.
٢٥٩٣ - وعن عروة «عن عائشة في قصة بريرة قالت: كان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حرا لم يخيرها» . رواه مسلم، وأبو داود والترمذي، والنسائي.
٢٥٩٤ - «وعن ابن عباس ﵄ أن زوج بريرة كان عبدا أسود، يسمى مغيثا، فخيرها يعني النبي ﷺ وأمرها أن تعتد» . رواه أبو داود، والترمذي والنسائي والبخاري مختصرا.
ومفهوم كلام الخرقي أنها إذا عتقت وزوجها حر فلا خيار لها، وهو المذهب المنصوص والمختار بلا ريب، لما تقدم، إذ الأصل لزوم النكاح إلا حيث قام الدليل على جوازه، ونقل عن
стр. 2727
أحمد فيمن زوج أم ولده ثم مات فقد عتقت وتخير، فأخذ من ذلك أبو الخطاب رواية بثبوت الخيار لمن زوجها حر، لإطلاق أحمد.
٢٥٩٥ - وذلك لما روى الأسود «عن عائشة ﵂ أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت، وأنها خيرت فقالت: ما أحب أن أكون معه، وإن كان لي كذا وكذا» . رواه الجماعة إلا مسلما، وتحمل رواية العبدية على أنه كان عبدا، جمعا بينهما، ورجح الأول بأمور (أحدها) بأن قوله: كان حرا. هو من قول الأسود، وقع مدرجا في الحديث، كذا جاء مفسرا.
٢٥٩٦ - فروى ابن المنذر عن إبراهيم أنه قال: فقال الأسود: وكان زوجها حرا. وقال البخاري: قول الأسود منقطع.
٢٥٩٧ - (الثاني) أنه قد روي عن الأسود عن عائشة ﵂ أن
стр. 2728
زوجها كان عبدا، فإذا تتعارض روايتا الأسود، وتسلم رواية غيره (الثالث) لو سلم اتصال رواية الحرية وترجيحها، فقد عارضها رواية الجم الغفير عن عائشة ﵂ أنه كان عبدا.
٢٥٩٨ - فروى القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وعمرة بنت عبد الرحمن، كلهم عن عائشة ﵂ أنه كان عبدا، والقاسم هو ابن أخي عائشة ﵂ وعروة هو ابن أختها، وكانا يدخلان عليها بلا حجاب، وعمرة كانت في حجرها، ولا ريب أن رواية الجم الغفير الخصيص، أولى من الفرد البعيد.
٢٥٩٩ - قال إبراهيم بن أبي طالب خالف الأسود الناس في زوج بريرة، فقال: إنه حر، وقال الناس: إنه عبد.
٢٦٠٠ - ويؤيد هذا أن مذهب عائشة أنه لا يثبت الخيار تحت الحر، ثم لو قدر تساوي روايته لرواية غيره فتتعارض روايتا عائشة ﵂، وتسلم رواية ابن عباس ﵁، ودعوى أنه كان عبدا مجاز، والأصل الحقيقة.
стр. 2729
٢٦٠١ - مع أنه قد روى الإمام أحمد في المسند عن القاسم عن عائشة ﵂ «أن بريرة كانت تحت عبد، فلما أعتقتها قال لها رسول الله ﷺ : «اختاري، فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه» » قال بعض الحفاظ: وإسناده جيد. وهذا تصريح بعبوديته في الحال.
ومفهوم كلام الخرقي أيضا أنهما إذا عتقا معا أنه لا خيار لها أيضا، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي بكر والشيخين وغيرهما، وقال القاضي في بعض كتبه: إنها قياس المذهب، لنص أحمد على أن عتقه قبل اختيارها يسقط خيارها، فأولى أن لا يثبت لها إذا عتقا معا وذلك لأن السبب المقتضي للفسخ قارنه ما يقتضي إلغاءه، وهو حرية الزوج، فمنع إعماله (والرواية الثانية) - وهي أنصهما، وصححها القاضي في الروايتين - يثبت لها الخيار، لأنها كملت بالحرية تحت من لم تسبق له حرية، فملكت الفسخ، كما لو عتقت قبل الزوج.
٢٦٠٢ - وقد روى أبو داود والنسائي «عن عائشة ﵂، أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها زوج، قال: فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة» ، والظاهر أن ذلك حذارا من ثبوت
стр. 2730
الخيار لها بعتقهما معا، وأجيب بأن الأمر بذلك خشية أن تبدأ بعتق المرأة.
(تنبيه) ولا يفتقر الفسخ هنا إلى حكم حاكم، لأنه مجمع عليه، والله أعلم.
قال: فإن أعتق قبل أن تختار أو وطئها بطل خيارها، علمت أن لها الخيار أو لم تعلم.
ش: أما بطلان خيارها بعتقه قبل أن تختار فلأن الخيار لدفع الضرر بالرق، وقد زال فيسقط كالمبيع إذا زال عيبه وكما لو تزوجته وبه جنون ونحوه، فزال قبل أن تختار، وقيل: إنه وقع للقاضي وابن عقيل ما يقتضي أنه لا يسقط، كما لو عتقا معا، والأول المذهب المصرح به عند القاضي وغيره، وعليه لو أعتق بعضه فالخيار بحاله، كما هو مقتضى كلام الخرقي.
٢٦٠٣ - وأما بطلان خيارها بوطئها في الجملة فلما روت عائشة ﵂ «أن بريرة ﵂ أعتقت وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيرها رسول الله ﷺ وقال لها: «إن قربك فلا خيار لك» » رواه أبو داود، ولا فرق في بطلان خيارها بالوطء بين أن
стр. 2731
تعلم أن لها الخيار أو لم تعلم، وهو أنص الروايتين، واختيار الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي في الجامع والمجرد، لعموم الحديث، ولأن الجهل بالأحكام لا يعذر به، إذ يلزمه السؤال والتعلم. (والرواية الثانية) : لا يبطل خيارها والحال هذه، حكاها أبو محمد في المغني عن القاضي وأصحابه، وفي الكافي عن القاضي وأبي الخطاب، إذ بطلان الخيار يعتمد الرضى، ومع عدم العلم بثبوت الخيار لا رضى، فعلى هذا تقبل دعواها الجهل، قاله أبو محمد، إذ لا يعرف ذلك إلا الخواص، وقيده ابن عقيل بأن يكون مثلها يجهله، أما المتفقهة فلا تقبل دعواها، وحكم مباشرته لها حكم وطئها، وكذلك تقبيلها له، إذ مناط المسألة ما يدل على الرضى.
(تنبيه) تقبل دعواها الجهل بالعتق فيما إذا وطئها، نظرا للأصل وهو عدم العلم، وإذا لا رضى، فالخيار بحاله، هذا هو المذهب المشهور المختار لعامة الأصحاب، وعن القاضي في الجامع الكبير: يبطل خيارها، لعموم الحديث، فعلى الأول شرط القبول أن يكون مما يخفى عليها، كأن يكون العتق في غير
стр. 2732
بلدها ونحو ذلك، أما إن كان في بلدها ولا يخفى عليها لاشتهاره، أو لكونه في داره ونحو ذلك، لم يقبل قولها، لأن قرينة الحال تكذبها، انتهى ولم يعتبر الأصحاب العلم بأن الوطء مبطل، فلو علمت العتق وعلمت ثبوت الخيار به، ومكنت جاهلة بحكم الوطء، بطل خيارها والله أعلم.
قال: وإن كانت لنفسين فأعتق أحدهما فلا خيار لها إذا كان المعتق معسرا.
ش: إذا كانت الأمة لنفسين، فأعتق أحدهما نصيبه وهو معسر، فلا خيار لها، على المختار من الروايتين، اختارها ابن أبي موسى والقاضي وأبو محمد وغيرهم، لأنه لا نص فيها، ولا يصح قياسها على المنصوص، لأن كاملة الحرية أكمل من ناقصتها، وعلله أحمد بأن النكاح صحيح، فلا يفسخ بالمختلف، (والرواية الثانية) لها الخيار، اختارها أبو بكر في الخلاف، لأنها قد صارت أكمل منه، فيثبت لها الخيار، كما لو عتق جميعها، وقوله: إذا كان معسرا. يحترز عما إذا كان موسرا، فإن العتق يسري، ويثبت لها الخيار بلا ريب، وقد علم من هذا أن هذا الخلاف على قولنا
стр. 2733
بعدم الاستسعاء، أما إن قلنا به، وأن العتق يتنجز فيثبت لها الخيار، والله أعلم.
قال: وإن اختارت المقام معه قبل الدخول أو بعده فالمهر للسيد.
ش: أما قبل الدخول فلأنه قد وجب للسيد بالعقد، ولم يوجد له مسقط، وكذلك بعد الدخول بل أولى، لاستقراره بذلك، والله أعلم.
قال: وإن اختارت الفسخ قبل الدخول فلا مهر.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار أبي محمد وغيره، نظرا إلى أن الفرقة جاءت من جهتها، أشبه ما لو ارتدت (والثانية) : يجب لسيدها نصف المهر، اختارها أبو بكر، نظرا إلى أن المهر وجب للسيد، فلا يسقط بفعل غيره، وأجاب أبو محمد بأنه وإن وجب له لكن بواسطتها، ويرد بالأمة الزانية على المذهب، وقيل عنه: يجب كله. وبعد، انتهى، فلو كانت مفوضة فلا متعة على الأول، وعلى الثاني تجب للسيد، والله أعلم.
قال: وإن اختارته بعد الدخول فالمهر للسيد.
ش: إذا اختارت الفسخ بعد الدخول فالمهر للسيد، لما تقدم من استقرار المهر بالدخول، والله أعلم.
стр. 2734
[باب أجل العنين والخصي غير المجبوب]
ش: العنين العاجز عند الوطء، وربما اشتهاه ولا يمكنه، مشتق من عن الشيء، إذا عرض، وقيل: الذي له ذكر لا ينتشر، والخصي من قطعت خصيتاه، وفي معناه الموجوء، وهو المرضوض والمسلول وهو الذي سلت بيضتاه، أما المجبوب فهو الذي قطع ذكره، وقد تقدم حكمه.
قال: وإذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها أجل سنة منذ ترافعه إلى الحاكم فإن لم يصبها فيها خيرت في المقام معه أو فراقه، فإن اختارت فراقه كان ذلك فسخا بلا طلاق.
ش: إذا ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إلى جماعها، فإن اعترف الزوج بذلك أجل سنة على المذهب المنصوص، والمختار لعامة الأصحاب.
٢٦٠٤ - لما روي عن سعيد بن المسيب عن عمر ﵁ أنه أجل العنين سنة.
٢٦٠٥ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: يؤجل سنة، فإن أتاها وإلا فرق بينهما. رواهما الدارقطني.
стр. 2735
٢٦٠٦ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁: العنين يؤجل سنة، ولأن عجزه عن الوصول إليها يحتمل أن يكون لمرض، فيضرب له سنة، لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن كان من يبس زال في زمن الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في زمن الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في زمن الاعتدال، فإذا مضت الفصول ولم يزل علم أنه خلقة وجبلة، واختار أبو بكر وأبو البركات أنه لا يؤجل، ويفسخ في الحال، كالجب، ولأن المقتضي للفسخ قد وجد، وزواله محتمل، والأصل والظاهر عدمه، وإن لم يعترف الزوج بذلك، ولم يدع وطأ فهل القول قوله، قاله أبو الخطاب في
следующие страницы →