Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
٣٠٤٧ - «وعن أبي أمامة ﵁ أنه رأى رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال: كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] إلى آخر الآية. . . فقيل له: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا - حتى عد سبعا - ما حدثتكموه. .» . رواه الترمذي وحسنه.
(والثانية) لا يحكم بكفرهم.
٣٠٤٨ - لما روى أبو سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق» رواه البخاري وغيره.
قال أبو عمر بن عبد البر قوله: يتمارى في الفوق، يدل على أنه لم يكفرهم، لأنهم علقوا من الإسلام بشيء، بحيث يشك في خروجهم منه.
стр. 3292
٣٠٤٩ - ولعموم قوله ﵇: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» فعلى هذه قال أبو محمد في المغني ظاهر قول الفقهاء من أصحابنا المتأخرين أنهم بغاة، حكمهم حكمهم. وحكى ذلك في الكافي عن فقهاء الأصحاب، واختار هو أنه يجوز قتلهم ابتداء، والإجازة على جريحهم، لما تقدم من مروقهم من الدين، وأنهم كلاب النار، وأن في قتلهم أجرا لمن قتلهم.
٣٠٥٠ - وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال فيهم: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» » وهذا توسط حسن، وهو اختيار أبي العباس، بل قال: إن الذي عليه أئمة الحديث كالأوزاعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وغيرهم ﵃، الفرق بين البغاة وبين الخوارج، وأن قتال علي الخوارج كان ثابتا بالنصوص الصريحة عن النبي ﷺ وبالاتفاق، وأما القتال يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل امتنع منه أكابرهم، كسعد بن أبي وقاص، الذي لم يكن بعد علي مثله، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة رضي الله
стр. 3293
عنهم، والنبي ﷺ كان يحب الإصلاح بين الطائفتين لا القتال.
٣٠٥١ - ففي البخاري «أنه خطب الناس والحسن ﵁ معه فقال: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين» ، فأصلح الله تعالى به بين أهل العراق وأهل الشام، فنزل عن الأمر لمعاوية.
٣٠٥٢ - وقال ﷺ : «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم،
стр. 3294
والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» وذلك نحو ما وقع لأهل الجمل، وهذا ظاهر في أن الذي فعله الحسن هو الذي كان يحبه الله ورسوله، وأن الإصلاح بين الطائفتين ما أمكن أولى من القتال، وهذا بخلاف الخوارج، فإن الذي يحبه الله ورسوله كما دلت عليه الأحاديث هو قتالهم.
(الصنف الرابع) : قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرومون خلعه، لتأويل سائغ، وإن كان صوابا، وقيل: لا بد وأن يكون خطأ، ولهم منعة وشوكة، فهؤلاء البغاة المبوب لهم بلا ريب، وكلام الخرقي يقتضي أن كل من طلب موضع الإمام فإنه يحارب، وقرينة «حوربوا» تقتضي أن لهم منعة وشوكة، والله أعلم.
(تنبيه) : «جثمان إنس» ، «يريد أن يشق عصاكم» ، «المنشط» الأمر الذي تنشط له وتخف إليه، وتؤثر فعله، «والمكره» الأمر الذي تكرهه وتتثاقل عنه، «والأثرة» الاستئثار بالشيء والانفراد، والمراد في الحديث إن منعنا حقنا من الغنيمة والفيء، وأعطي غيرنا، نصبر على ذلك،
стр. 3295
«والكفر البواح» الجهار، «والبرهان» الحجة والدليل، و «الرمية» و «الفوق والقدح» .
[طرق دفع البغي]
قال: ودفعوا عن ذلك بأسهل ما يعلم أنهم يندفعون به.
ش: البغاة إذا خرجوا على الإمام فإنه يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه؟ فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، لما تقدم من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، فأمر سبحانه بالإصلاح أولا.
٣٠٥٣ - ويروى أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، ثم أمر أصحابه أن لا يبدؤوهم بالقتال، ثم قال: إن هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة، ثم سمعهم يقولون:
стр. 3296
الله أكبر يا ثارات عثمان، فقال: اللهم أكب قتلة عثمان لوجوههم. فإن رجعوا وإلا خوفهم بالقتال، ومتى أمكن دفعهم بغير القتل لم يجز قتلهم، إذ المقصود كف شرهم، وإن لم يمكن قاتلهم، وعلى رعيته معونته، لما تقدم من حديث عرفجة وغيره، وصرح أبو محمد، والقاضي في جامعه، بأنه يجب قتالهم، وهو ظاهر حديث عرفجة، وظاهر الآية الكريمة: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] وظاهر قصة الحسن ﵁ وقول النبي ﷺ : «ستكون فتنة» ونحو ذلك يقتضي أن القتال لا يجب، وكيف يجب وقد امتنع منه مَنْ تقدم من الصحابة، وأشار الحسن على أبيه بترك القتال، وعلى هذا فللإمام أن يترك الأمر الذي في يده للذي خرج عليه إن لم يخف مفسدة، كما فعل الحسن ﵁ ويجوز له القتال، كما فعل الإمام علي ﵁ ويجب إذا على رعيته معونته بلا ريب، وعلى ذلك تحمل الآية الكريمة والحديث، فإنه متى ترك الإمام الأمر الذي في يده حصل
стр. 3297
الإصلاح، فإذًا لا حاجة إلى القتال، وإن لم يترك فهو محق وغيره متعد عليه، فيجب قتاله، وكف شره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] وقوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وحديث عرفجة وغير ذلك، والله أعلم.
قال: فإن آل ما دعوا به إلى نفوسهم فلا شيء على الدافع.
ش: يعني أنهم إذا دفعوا بالأسهل فالأسهل، فآل ما دفعوا به إلى نفوسهم فلا شيء على الدافع، من إثم ولا ضمان، لأنه فعل مأذون فيه شرعا، أشبه قتال الكفار ونحوهم، وكذلك بطريق الأولى ما أتلفه العادل على الباغي حال الحرب من المال، والله أعلم.
[حكم القتيل من أهل العدل]
قال: وإن قتل الدافع فهو شهيد.
ش: لأنه قتل في قتال مأمور به، أشبه قتيل الكفار، والله أعلم.
[الآثار المترتبة على قتال البغاة]
قال: وإذا اندفعوا لم يتبع لهم مدبر، ولم يجيزوا على جريح.
٣٠٥٤ - ش: لما روي عن مروان بن الحكم ﵁ قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن. رواه سعيد، ويروى نحوه عن عمار ﵁، ولأن
стр. 3298
المقصود كف شرهم وقد حصل، فأشبهوا الصائل، وعموم كلام الخرقي، يقتضي أنه لا فرق بين أن تكون لهم فئة ممتنعة يلجؤون إليها، أو لم تكن، وهو كذلك.
قال: ولم يقتل لهم أسير.
ش: لأن شره قد اندفع بأسره.
٣٠٥٥ - «وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا ابن أم عبد ما حكم من بغى على أمتي؟» قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: «لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم» » ، ذكره القاضي في شرحه.
стр. 3299
(تنبيه) : «ولا يجاز على جريحهم» أي لا يقتل، «ولا يذفف» .
قال: ولم يغنم لهم مال.
ش: لحديث ابن مسعود ﵁.
٣٠٥٦ - وعن أبي أمامة ﵁: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون قتيلا، ولأنهم معصومون، أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم، فيبقى ما عداه على أصل التحريم.
قال: ولم تسب لهم ذرية.
ش: لما تقدم في التي قبلها، ولأنهم كالصائل لا يستباح منهم إلا ما حصل به ضرورة دفعهم.
٣٠٥٧ - ويروى أن مما نقمت الخوارج على علي ﵁ أنهم قالوا: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن حلت له دماؤهم، فقد حلت له أموالهم، وإن حرمت عليه أموالهم، فقد حرمت عليه دماؤهم. فقال لهم ابن عباس ﵁: أتسبون أمكم يعني عائشة ﵂؟ أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: ليست أمكم فقد كفرتم، وإن قلتم: إنها أمكم واستحللتم سبيها فقد كفرتم.
стр. 3300
قال: ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه.
ش: يعني من البغاة، وذلك لأنهم مسلمون، وغايته أنهم مخطئون، فيجري عليهم حكم المسلمين.
٣٠٥٨ - وعن النبي ﷺ قال: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» قال أبو محمد: ولم يفرق أصحابنا بين الخوارج
стр. 3301
وغيرهم، وظاهر كلام أحمد أنه لا يصلى على الخوارج، قال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم، وقال: الجهمية والرافضة لا يصلى عليهم، قد ترك النبي ﷺ الصلاة بأقل من هذا.
٣٠٥٩ - وذكر أن النبي ﷺ نهى أن يقاتل في خيبر من ناحية من نواحيها، فقاتل رجل من تلك الناحية وقتل، فلم يصل عليه النبي ﷺ .
قال: وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج لم يعد عليهم.
ش: لأن عليا ﵁ لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه.
стр. 3302
٣٠٦٠ - وكان ابن عمر ﵄ إذا أتاه ساعي نجدة الحروري دفع إليه زكاته، وكذلك سلمة بن الأكوع ﵁، ولأن في الرجوع عليهم تنفيرا لهم عن الرجوع إلى الطاعة، ومن ثم قلنا: لا يضمنون ما أتلفوه في حال الحرب على المذهب، وفي الرجوع على أرباب الأموال ضرر عظيم، ومشقة عظيمة، وإنهما منتفيان شرعا، وحكم الجزية حكم الخراج، ويقبل قول أرباب الصدقات في أنهم قد أخذوا الصدقة منهم بغير يمين، ولا يقبل مجرد قول أهل الذمة، لأنهم غير مأمونين، وقيل: يقبل بعد مضي الحول، إذ الظاهر أن البغاة لا يدعون الجزية لهم، فكان الظاهر معهم، وهل يقبل مجرد قول من عليه الخراج إن كان مسلما في دفع الخراج إليهم، لأنه حق على مسلم، فهو كالزكاة، أو لا يقبل، لأنه عوض فهو كالجزية؟ على وجهين.
قال: ولا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره.
ش: هذا مبني على أصل، وهو أن البغاة إذا لم يكونوا مبتدعين لا يفسقون، لأن لهم تأويلا سائغا، أشبه اختلاف الفقهاء، فعلى هذا إذا نصبوا قاضيا فحكمه حكم قاضي أهل العدل، إن حكم بما يخالف نص كتاب أو سنة أو إجماع،
стр. 3303
كأن يحكم على أهل العدل بضمان ما أتلفوه في الحرب، أو على أهل البغي بنفي ضمان ما أتلفوه في غير حال الحرب، نقض حكمه، وإن حكم بمختلف فيه لم ينقض، كأن حكم بسقوط الضمان عن أهل البغي فيما أتلفوه في الحرب، ونحو ذلك، وإن كتب إلى قاضي أهل العدل قبل كتابه لما تقدم، والأولى عند أبي محمد عدم القبول، كسرا لقلوبهم، وإن كان البغاة مبتدعين لم يجز قضاء من ولوه، لانتفاء شرط القضاء وهو العدالة، ولأبي محمد احتمال بصحة القضاء، ونفوذ الأحكام، حذارا من الضرر بفساد العقود المدة الطويلة، والله أعلم.
стр. 3304
[كتاب المرتد]
ش: المرتد في اللغة الراجع، وفي الشرع الراجع عن دين الإسلام، إلى دين الكفر، والأصل فيه قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية.
٣٠٦١ - وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من بدل دينه فاقتلوه» والله أعلم.
[استتابة المرتد]
قال: ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا، دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فإن رجع وإلا قتل.
٣٠٦٢ - ش: الأصل في قتل المرتد في الجملة ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا
стр. 3305
يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه الجماعة.
٣٠٦٣ - وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف «أن عثمان بن عفان ﵁ أشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به» ، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلوني» . . . رواه النسائي والترمذي، ولا فرق عندنا بين الرجل والمرأة لهذا.
стр. 3306
٣٠٦٤ - «وعن عكرمة قال: أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس ﵄ فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقوله رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» رواه الجماعة إلا مسلما، وللترمذي فيه: فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس، وأدوات الشرط يدخل فيها المؤنث على الصحيح.
٣٠٦٥ - وروى أبو أحمد بن عدي من «حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: ارتدت امرأة عن الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ أن يعرض عليها الإسلام فأبت أن تقبل» ، فقتلت. لكن قال: هذا يرويه عبد الله بن عطارد بن أذينة الطائي، ولا يتابع عليه، وهو منكر الحديث.
стр. 3307
٣٠٦٦ - وما في الصحيح «أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء» ، فعام في الردة وفي غيرها، وما تقدم خاص في الردة، فيخص كما خص بالثيب الزانية، وبالقاتلة، هذا إذا لم نقل من أول الأمر إنه خاص بالسبب الذي ورد عليه، وهو نساء أهل الحرب، وهو الظاهر.
٣٠٦٧ - وما في الدارقطني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقتل المرأة إذا ارتدت» فمن رواية عبد الله بن عيسى الجزري، عن عفان، وقد قال العلماء بالحديث: إنه كذاب يضع الحديث على عفان وغيره. إذا تقرر هذا فيشترط لصحة الردة التكليف، بأن يكون عاقلا بالغا، إذ غير المكلف لا يتعلق به حكم خطابي.
٣٠٦٨ - وفي السنن أن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون
стр. 3308
حتى يفيق» » فعلى هذا لا تصح ردة من زال عقله بنوم أو إغماء، أو مرض أو شرب مباح، وفي السكران ونحوه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى، ولا ردة غير مميز، وفي المميز خلاف أيضا، ويشترط لقتل المرتد حيث صحت ردته أن لا يرجع إلى الإسلام، أما إن رجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل، لزوال المقتضي للقتل وهو الردة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
٣٠٦٩ - وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» وهذا قد أسلم وقد تاب، فاقتضى أن ينقطع ما قبل ذلك، ولا نزاع في هذا في غير الزنديق، ومن تكررت ردته، ومن سب الله تعالى، ورسوله ﷺ ، والساحر، أما في هؤلاء الخمسة ففيهم روايتان (إحداهما) تقبل توبتهم كغيرهم، وهي ظاهر كلام الخرقي هنا في الجميع، واختيار الخلال في الساحر، ومن تكررت ردته والزنديق، وآخر قولي أحمد في الزنديق، قال في رواية أبي طالب: أهل المدينة يقولون: يضرب عنقه ولا يستتاب، وكنت أقوله ثم هبته، ليس فيه حديث، واختيار القاضي في روايتيه فيمن تكررت ردته، وظاهر كلامه في تعليقه في ساب الله
стр. 3309
تعالى، وذلك لما تقدم.
٣٠٧٠ - وفي الموطأ «أن رجلا سار رسول الله ﷺ فلم يدر ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله ﷺ : «أليس يشهد أن لا إله إلا الله» ؟ قال: بلى ولا شهادة له. قال: «أليس يصلي» ؟ قال: بلى ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ : «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» » .
٣٠٧١ - وفي الحديث: «يقول الله تعالى: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، يجعل لي صاحبة وولدا» ، وبالاتفاق متى أسلم
стр. 3310
ذلك وتاب قبل منه.
(والثانية) لا تقبل، وهي اختيار أبي بكر، والشريف وأبي الخطاب، وابن البنا، والشيرازي في الزنديق، وقال القاضي في التعليق: إنه الذي ينصره الأصحاب، واختيار أبي الخطاب في خلافه في الساحر، وقطع به القاضي في تعليقه، والشيرازي في ساب رسول الله ﷺ والخرقي لقوله في من قذف أم النبي ﷺ : قتل مسلما كان أو كافرا.
(أما في الزنديق) فلأنه كان مظهرا للإسلام، مسرا للكفر، فإذا وقف على ذلك منه، فأظهر التوبة، لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام، ولأنه ربما أفسد عقائد المسلمين في الباطن، وفي ذلك خطر وضرر عظيم، ولقصة علي ﵁ أنه أتي بزنادقة فأحرقهم، والظاهر أنه لم يستتبهم، ويجاب بأن قصة علي ﵁ واقعة عين، مع أنه قد يكون من مذهبه أن الاستتابة لا تجب، وما تقدم ليس بقانع في إهدار دم ناطق بالشهادتين.
(وأما فيمن تكررت ردته) فلأن تكررها قرينة تكذبه في توبته، ولقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الآية.
стр. 3311
٣٠٧٢ - وروى الأثرم بإسناده أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة، فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود ﵁ فذكر ذلك له، فبعث إليهم فأتي بهم، فاستتابهم فتابوا، فخلوا سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة، قال: قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت، وأراك قد عدت فقتله، ويجاب بأن الدماء تحقن بالشبهة، لا أنها تراق بها.
٣٠٧٣ - وعن الآية بأن قتادة قال: نزلت في اليهود، آمنوا بموسى ﷺ ثم كفروا بعبادتهم العجل، ثم آمنوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد ﷺ .
стр. 3312
٣٠٧٤ - وعن مجاهد ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧] أي ماتوا عليه، فإذا هذا ليس مما نحن فيه.
٣٠٧٥ - وعن قصة ابن مسعود بأن أبا داود رواه عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله ﵁ بالكوفة فقال ما بيني وبين أحد من العرب حنة وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير، وهذا يبين أنه إنما قتله تحقيقا لقول رسول الله ﷺ : «لولا أنك رسول لقتلتك» ، فكأنه استوجب عنده ﷺ القتل، وإنما منعه الرسالة، وقد زالت.
стр. 3313
٣٠٧٦ - (وأما في الساحر) فلما روى جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حد الساحر ضربة بالسيف» ، رواه الدارقطني والترمذي، وقال: الصحيح عن جندب موقوف.
٣٠٧٧ - وعن بجالة بن عبدة ﵁ قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتانا كتاب عمر ﵁ قبل موته بسنة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة وفرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين الرجل وحريمه في كتاب الله. رواه أحمد وأبو داود.
стр. 3314
٣٠٧٨ - وفي الموطأ عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ﵁ أنه بلغه أن حفصة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت وظاهر هذه الآثار القتل بكل حال.
٣٠٧٩ - ويروى أن ساحرة طافت في أصحاب النبي ﷺ وهم متوافرون، تسألهم هل لها من توبة، فما أفتاها أحد إلا ابن عباس ﵄، قال لها: إن كان أحد من أبويك حيا فبريه، وأكثري من عمل البر ما استطعت، ويجاب بأن
стр. 3315
قصة عائشة ﵂ لا يعرف من رواها، مع أن الحبر ابن عباس ﵄ قد جعل لها توبة، وغير ذلك وقائع أعيان.
(وأما في من سب الجناب) الرفيع ﷺ :
٣٠٨٠ - فلما روى الشعبي عن «علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها» ، رواه أبو داود.
٣٠٨١ - «وعن ابن عباس ﵄ أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة، جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المعول فوضعها في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس
стр. 3316
فقال: «أنشدكم الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق» قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المعول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدر» رواه أبو داود والنسائي، واحتج به أحمد في رواية عبد الله.
(وأما فيمن سب الله سبحانه) فبالقياس على ساب رسول الله ﷺ بطريق الأولى، قال أبو محمد: والخلاف في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا فلا اختلاف فيه، فإن الله تعالى قال في حق المنافقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] انتهى. واعلم أن الروايتين في ساب رسول الله ﷺ وإن كان كافرا، ويكون ذلك نقضا لعهده، فيقتل وإن أسلم، والروايتين
стр. 3317
في الساحر حيث يحكم بقتله بذلك، وإنما يحكم بقتله بالسحر حيث كفر به وكان مسلما، أما إن كان السحر مما لا يكفر به، أو يكفر به والساحر من أهل الكتاب، فإنه لا يقتل.
٣٠٨٢ - «لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله ﷺ وقالت له عائشة ﵂: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا» .
» ٣٠٨٣ - وفي البخاري «أن ابن شهاب سئل أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قد صنع له ذلك فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب» ، (وعنه) ما يدل على قتله كما تقدم عن عمر ﵁.
стр. 3318
إذا تقرر ذلك فكل موضع قلنا: لا تقبل التوبة فلا استتابة، لعدم فائدتها، وكل موضع قلنا بقبول التوبة فإنه لا يقتل حتى يستتاب، احتياطا للدماء.
٣٠٨٤ - وعن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه قال: قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في زمن خلافته رجل من أهل اليمن من قبل أبي موسى الأشعري ﵁، وكان عاملا له، فسأله عمر ﵁ عن الناس، ثم قال: «هل فيكم من مغربة خبر» قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال: فهلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله تعالى، اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. . . رواه مالك في موطئه والشافعي في مسنده. . . وهل ذلك على سبيل الاستحباب، لظاهر «من بدل دينه فاقتلوه» .
٣٠٨٥ - وفي حديث «لأبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «اذهب إلى اليمن» ثم أتبعه معاذ بن جبل ﵁ -
стр. 3319
فلما قدم عليه ألقى له وسادة، وقال: انزل؛ وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله» . . . متفق عليه، ولأحمد: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، وظاهر ذلك من غير استتابة، وإنكار عمر ﵁ يحمل على الاستحباب، لأنهم كانوا ينكرون في المستحب، أو على الوجوب، وهو المذهب عند الأصحاب، لظاهر قصة عمر، وحديث جابر الذي رواه ابن عدي، وبذلك يتقيد ما تقدم، على أن في حديث أبي موسى الأشعري في رواية أبي داود: وكان قد استتيب قبل ذلك بعشرين ليلة أو قريبا منها، فجاء معاذ: فدعاه فأبى، فضرب عنقه، إلا أن أبا داود قال: قد روي هذا الحديث من طرق، وليس فيه ذكر الاستتابة، انتهى.
стр. 3320
ويستتاب ثلاثا اتباعا، لقول عمر ﵁: هلا حبستموه ثلاثا، ويضيق عليه، لقوله أيضا: وأطعمتموه كل يوم رغيفا، والله أعلم.
[أحكام الزنديق]
(تنبيه) : «الزنديق» هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، وهو الذي كان يسمى منافقا في الصدر الأول، و «رجز مسيلمة» و «حنة» هنا بمعنى الأحنة، وهي العداوة، قال الجوهري: ولا تقل حنة، وقال الهروي: هي لغة رديئة، وقد جاءت «ومغربة خبر» بكسر الراء وفتحها، وأصله من الغرب وهو البعد، المعنى: هل من خبر جديد، جاء من بلد بعيد، «والموثق» المأسور المشدود في الوثاق من حبل أو قيد، و «الوسادة» المخدة.
قال: وكان ماله فيئا بعد قضاء دينه.
ش: قد تقدمت هذه المسألة في كتاب الفرائض وهو أن المرتد متى مات أو قتل على ردته فماله فيء، على المشهور من الروايات، لا لورثته ولا لأهل الدين الذي اختاره، وزاد هنا أن ذلك بعد قضاء دينه، لأنه حق واجب عليه، وأولى ما يؤخذ من ماله. واعلم أن كلام الخرقي يعتمد أصلا، وهو أن أملاك المرتد لا تزول بنفس الردة، وهذا هو المشهور من الروايتين. والمختار لعامة الأصحاب، وعليه هل لا تزول إلا بالموت، أو يتبين بالموت زوالها من حين الردة، فيكون مراعى؟ فيه روايتان
стр. 3321
أيضا، واختلف الأصحاب هنا في التصحيح، وعليها تقضى ديونه مطلقا.
(والرواية الثانية) في الأصل تزول أملاكه بنفس الردة، وهي اختيار أبي بكر، وعليها فلا تقضى ديونه، كذا قال القاضي في الجامع الصغير، وأطلق، وظاهر كلام أبي البركات أن الذي يمنع على هذه الرواية قضاء الدين المتجدد، وأما اللازم له قبل الردة فيقضى على الروايات الثلاثة. . . والله أعلم.
[استتابة تارك الصلاة]
قال: وكذلك من ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام، فإن صلى وإلا قتل، جاحدا تركها أو غير جاحد.
ش: قد تقدمت هذه المسألة بأتم من هذا اللفظ، في باب حكم من ترك الصلاة، وقد يقال إنه إنما أعادها هنا لينبه على أن الزكاة والصوم والحج ليسوا كذلك، وفيه نظر، لأنه من ترك واحدا من الثلاثة جاحدا كفر بلا ريب. نعم إذا تركها غير جاحد، فالمختار لعامة الأصحاب عدم الكفر، ثم عن أحمد في الزكاة ثلاث روايات، ثالثهن إن قاتل عليها كفر، وإلا لم يكفر، وعنه في الصوم روايتان، وللأصحاب في الحج ثلاث طرق، فأبو محمد يقول لا يكفر بحال، ومقابله أبو بكر
стр. 3322
يقول يكفر بكل حال، قال في الخلاف: من تخلف عن الإقرار بالتوحيد، مع القدرة عليه، وعن الصلاة بعد الإقرار والقدرة على عملها، وإيتاء الزكاة بعد الإقرار بوجوبها عليه، وصوم رمضان بعد الإقرار والقدرة عليه، وكذلك الحج، فعند أحمد أنه مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال أيضا: لا فرق بين الصوم والصلاة والزكاة والحج، لأن هذا كله فرض كالتوحيد، وتوسط أبو البركات فقال: إن أخره إلى وقت يغلب على ظنه موته قبله، أو عزم على تركه بالكلية كفر وإلا فلا.
[ذبيحة المرتد]
قال: وذبيحة المرتد حرام، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب.
ش: أما إذا لم تكن ردته إلى دين أهل الكتاب فاتفاق والحمد لله، وأما إذا كانت إلى دين أهل الكتاب فهو قول العامة، لأنه لا يقر على دينه، أشبه الوثني، ولأنه لا يثبت له أحكام أهل الكتاب في الجزية، ولا في النكاح، ولا في الاسترقاق، فكذلك في الذبيحة.
[الحكم بإسلام الصبي]
قال: والصبي إذا كان له عشر سنين، وعقل الإسلام فأسلم فهو مسلم.
ش: هذا هو المذهب المعروف، والمختار لعامة الأصحاب، حتى إن جماعة منهم أبو محمد في المغني وفي الكافي جزموا بذلك.
٣٠٨٦ - لعموم قول النبي ﷺ : «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» .
стр. 3323
٣٠٨٧ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . . . الحديث.
٣٠٨٨ - وفي الصحيحين «عن ابن عمر ﵁ أن عمر ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه ﵃ قِبَلَ ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: «أتشهد، أني رسول الله ﷺ » ، فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ : أتشهد أني رسول الله ﷺ ؟ فرفضه رسول الله ﷺ وقال: «آمنت بالله وبرسوله» » وذكر الحديث، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام وهو دون البلوغ، وعرضه (عليه) يقتضي صحته منه.
٣٠٨٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا» ، رواه أحمد والإعراب
стр. 3324
منه يحصل قبل البلوغ، وقد جعله إذا إما شاكرا وإما كفورا ولأن عليا ﵁ أسلم صغيرا.
٣٠٩٠ - قال عروة: أسلم علي ﵁ وهو ابن ثمان سنين. . . أخرجه البخاري في تاريخه، فاعتبر ذلك الصحابة ومن بعدهم ﵃ وعد من السابقين.
٣٠٩١ - فعن ابن عباس ﵄: كان علي ﵁ أول من أسلم من الناس بعد خديجة ﵂، رواه أحمد.
٣٠٩٢ - وعن عمرو بن مرة عن أبي حمزة، عن رجل من الأنصار، قال: سمعت زيد بن أرقم ﵁ يقول: أول من أسلم علي؛ قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله
стр. 3325
عنه. . . رواه أحمد والترمذي وصححه، وجمع العلماء بين الأقوال فقالوا: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال ﵃. وحكى أبو محمد في المقنع، وأبو البركات رواية بعدم صحة إسلام الصبي، لأنه ليس بمكلف، أشبه الطفل، أو قول يثبت به حكم، فلم يصح منه كالهبة، ولحديث: «رفع القلم عن ثلاث» وأجيب بأن الطفل لا يعقل بخلاف هذا، وعدم صحة الهبة ونحوها حذارا من لحوق الضرر به، وهذا محض مصلحة، ولهذا قلنا على الصحيح: تصح وصيته، والحديث ظاهره أنه لا يكتب عليه شيء، والإسلام يكتب له لا عليه، (فعلى المذهب) شرطه أن يعقل الإسلام قطعا، بأن يعلم أن الله ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، إذ من لا يعقل كلامه لا يدل على شيء، وهل يحد مع ذلك بسن. حكى ابن المنذر عن أحمد أنه لا يحد، وإليه ميل أبي
стр. 3326
محمد؛ إذ المقصود عقل الإسلام، والسن لا مدخل له في ذلك، ولأن قوله في الحديث: «حتى يعرب عنه لسانه» يقتضي أن الحكم منوط بذلك فقط.
٣٠٩٣ - وقد روى البخاري في تأريخه عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وهذا يقتضي أنه أسلم وله نحو ست سنين، لأنه أسلم في أول المبعث، وعاشر رسول الله ﷺ بعد مبعثه ثلاثا وعشرين سنة، وعاش علي ﵁ بعد وفاته ﷺ نحو الثلاثين، (وعن أحمد) يشترط أن يكون ابن سبع، لقوله ﵇: «مروهم بالصلاة لسبع» ، فدل على أن ذلك حد لأمرهم، وظاهره صحة عباداتهم، والإسلام هو أول العبادات ورأسها، (وعنه) وهو الذي اعتمده الخرقي: يشترط أن يكون ابن عشر، لتوجه الضرب إذا، ولم يتعرض الخرقي لردته، لكنها تفهم من المسألة الآتية، وفيها أيضا روايتان، لكن الخلاف هنا أشهر، ولهذا كثير من الأصحاب
стр. 3327
جزم ثم بالصحة، وحكى الخلاف هنا، ومن ثم جمع أبو البركات كلام الأصحاب، وحكى فيها ثلاث روايات (الثالثة) يصح الإسلام دون الردة، وإليها ميل أبي محمد، نظرا إلى قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث» ، والمذهب عند الأصحاب الصحة، لحديث جابر المتقدم، ولأن من صح إسلامه صحت ردته كالبالغ.
(تنبيهان) : أحدهما إذا صححنا إسلام الصبي، أو لم نصحح ردته فلا ريب أنه يحال بينه وبين أهل الكفر، وكذلك إن لم نصحح إسلامه، أو صححنا ردته، حذارا من فتنته، ورجاء ثبوته على الإسلام، أو عوده إليه حين بلوغه.
(الثاني) : «الأطم» البناء المرتفع، «وحتى يعرب عنه لسانه» أي يبين عنه.
قال: فإن عاد وقال: لم أدر ما قلت. لم يلتفت إلى مقالته، وأجبر على الإسلام.
ش: إذا حكم بإسلام الصبي فرجع، وقال: لم أدر ما قلت. لم يلتفت إلى قوله على المشهور، وأجبر على الإسلام، لأنه عاقل صح إسلامه، فلا يلتفت إلى قوله، كالبالغ إذا أسلم ثم قال: لم أنو الإسلام على المذهب، ولأنه قد ثبت عقله للإسلام ومعرفته، فلا يبطل ذلك بمجرد دعواه كالبالغ،
стр. 3328
(وعنه) يقبل منه، فلا يجبر على الإسلام. قال أبو بكر: هذا قول محتمل، لأن الصبي في مظنة النقص، فجاز أن يكون صادقا، والدماء يحتاط لها.
قال: ولا يقتل حتى يبلغ.
ش: يعني إذا أقام على رجوعه، فإنه يصير مرتدا، لكن لا يقتل حتى يبلغ، لأن القتل عقوبة متأكدة، فلا تجب على الصبي كالحد، وحذارا من قتله بأمر محتمل.
قال: ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام، فإن ثبت على كفره قتل.
ش: قد تقرر أنه لا يقتل حتى يبلغ، فإذا حكم الردة لم يتعلق به إلا بعد البلوغ، فتكون الاستتابة بعده.
[حكم الأولاد إذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب]
قال: وإذا ارتد الزوجان فلحقا بدار الحرب، لم يجر عليهما ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق.
ش: لا يجوز استرقاق المرتد، رجلا كان أو امرأة، وإنما ذكر الخرقي ﵀ تعالى الزوجين والله أعلم، لأجل ذكر الأولاد، وذلك لعموم ما تقدم: «من بدل دينه فاقتلوه» ، «قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه» ونحو ذلك، وإذا جاز استرقاقه وبقاؤه لم يقتل، وأدوات الشرط كما تقدم تشمل
стр. 3329
المذكر والمؤنث، وأما أولاد المرتدين فمن ولد قبل الردة لم يسترق، لأنه مسلم تبعا لأبيه، فلا يتبعه في الردة، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقد تبعوهم في الإسلام، فلا يتبعونهم في الكفر، وإذا لا يسترقون صغارا، لأنهم مسلمون، ولا كبارا لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم فواضح، وإن ارتدوا فحكمهم حكم آبائهم كما تقدم، ومن علقت به أمه بعد الردة وولدته بعدها جاز استرقاقه على ظاهر كلام الخرقي، ومنصوص أحمد في رواية الفضل بن زياد، واختيار أبي بكر في الخلاف، والقاضي وأبي الخطاب، والشريف وابن البنا والشيرازي وغيرهم، لأنه مولود بين أبوين كافرين، لم يسبق عليه حكم الإسلام، أشبه ما لو كان أبواه كافرين أصليين، واختار ابن حامد أنه لا يجوز استرقاقه، وحكاه رواية، لأنه لا يقر بالجزية، فلا يسترق كأبيه، ولعل ابن حامد إنما أخذ
стр. 3330
الرواية من عدم إقراره بالجزية، وإن علقت به في الإسلام ووضعته في الردة فعند أبي البركات وأبي محمد في الكافي حكمه حكم ما لو وضعته في الإسلام، وهو التحقيق، لانعقاده مسلما، وكلام الخرقي يوهم العكس، وقد أقره أبو محمد في المغني على ظاهره، معللا بأن أكثر الأحكام إنما تتعلق بالوضع، فكذلك هذا، وقد وقع نحو هذه العبارة للخرقي في النكاح، وقد تقدم ذلك.
قال: ومن امتنع منهما أو من أولادهما الذين وصفت من الإسلام بعد البلوغ، استتيب ثلاثا، فإن لم يتب قتل.
ش: أما من امتنع منهما أو من أولادهما الذين حكم عليهما من الإسلام، فلا إشكال في قتلهم إذا لم يتوبوا، كبقية المرتدين، وقوله: الذين وصفت، يعني الذين ولدوا قبل الردة، وقوله: بعد البلوغ، لما تقدم من أن حكم الردة إنما يتعلق بالصبي بعد البلوغ، ومفهوم كلام الخرقي أن أولادهم الذين ولدوا بعد الردة لو امتنعوا من الإسلام لم يقتلوا، وتحت هذا صورتان (إحداهما) اختاروا كفرا لا يقر أهله عليه بالجزية، فهنا لا ريب في قتلهم.
(الثانية) اختاروا كفرا يقر أهله عليه بالجزية، فهنا روايتان، حكاهما أبو البركات، وأبو محمد في المقنع (إحداهما) وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي في روايتيه، يقرون بالجزية، لأنهم ولدوا بين كافرين، ولم يسبق لهم حكم الإسلام، فجاز إقرارهم بالجزية
следующие страницы →