Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
محمد؛ إذ المقصود عقل الإسلام، والسن لا مدخل له في ذلك، ولأن قوله في الحديث: «حتى يعرب عنه لسانه» يقتضي أن الحكم منوط بذلك فقط.
٣٠٩٣ - وقد روى البخاري في تأريخه عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قتل علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وهذا يقتضي أنه أسلم وله نحو ست سنين، لأنه أسلم في أول المبعث، وعاشر رسول الله ﷺ بعد مبعثه ثلاثا وعشرين سنة، وعاش علي ﵁ بعد وفاته ﷺ نحو الثلاثين، (وعن أحمد) يشترط أن يكون ابن سبع، لقوله ﵇: «مروهم بالصلاة لسبع» ، فدل على أن ذلك حد لأمرهم، وظاهره صحة عباداتهم، والإسلام هو أول العبادات ورأسها، (وعنه) وهو الذي اعتمده الخرقي: يشترط أن يكون ابن عشر، لتوجه الضرب إذا، ولم يتعرض الخرقي لردته، لكنها تفهم من المسألة الآتية، وفيها أيضا روايتان، لكن الخلاف هنا أشهر، ولهذا كثير من الأصحاب
стр. 3327
جزم ثم بالصحة، وحكى الخلاف هنا، ومن ثم جمع أبو البركات كلام الأصحاب، وحكى فيها ثلاث روايات (الثالثة) يصح الإسلام دون الردة، وإليها ميل أبي محمد، نظرا إلى قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث» ، والمذهب عند الأصحاب الصحة، لحديث جابر المتقدم، ولأن من صح إسلامه صحت ردته كالبالغ.
(تنبيهان) : أحدهما إذا صححنا إسلام الصبي، أو لم نصحح ردته فلا ريب أنه يحال بينه وبين أهل الكفر، وكذلك إن لم نصحح إسلامه، أو صححنا ردته، حذارا من فتنته، ورجاء ثبوته على الإسلام، أو عوده إليه حين بلوغه.
(الثاني) : «الأطم» البناء المرتفع، «وحتى يعرب عنه لسانه» أي يبين عنه.
قال: فإن عاد وقال: لم أدر ما قلت. لم يلتفت إلى مقالته، وأجبر على الإسلام.
ش: إذا حكم بإسلام الصبي فرجع، وقال: لم أدر ما قلت. لم يلتفت إلى قوله على المشهور، وأجبر على الإسلام، لأنه عاقل صح إسلامه، فلا يلتفت إلى قوله، كالبالغ إذا أسلم ثم قال: لم أنو الإسلام على المذهب، ولأنه قد ثبت عقله للإسلام ومعرفته، فلا يبطل ذلك بمجرد دعواه كالبالغ،
стр. 3328
(وعنه) يقبل منه، فلا يجبر على الإسلام. قال أبو بكر: هذا قول محتمل، لأن الصبي في مظنة النقص، فجاز أن يكون صادقا، والدماء يحتاط لها.
قال: ولا يقتل حتى يبلغ.
ش: يعني إذا أقام على رجوعه، فإنه يصير مرتدا، لكن لا يقتل حتى يبلغ، لأن القتل عقوبة متأكدة، فلا تجب على الصبي كالحد، وحذارا من قتله بأمر محتمل.
قال: ويجاوز بعد بلوغه ثلاثة أيام، فإن ثبت على كفره قتل.
ش: قد تقرر أنه لا يقتل حتى يبلغ، فإذا حكم الردة لم يتعلق به إلا بعد البلوغ، فتكون الاستتابة بعده.
[حكم الأولاد إذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب]
قال: وإذا ارتد الزوجان فلحقا بدار الحرب، لم يجر عليهما ولا على أحد من أولادهما ممن كانوا قبل الردة رق.
ش: لا يجوز استرقاق المرتد، رجلا كان أو امرأة، وإنما ذكر الخرقي ﵀ تعالى الزوجين والله أعلم، لأجل ذكر الأولاد، وذلك لعموم ما تقدم: «من بدل دينه فاقتلوه» ، «قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه» ونحو ذلك، وإذا جاز استرقاقه وبقاؤه لم يقتل، وأدوات الشرط كما تقدم تشمل
стр. 3329
المذكر والمؤنث، وأما أولاد المرتدين فمن ولد قبل الردة لم يسترق، لأنه مسلم تبعا لأبيه، فلا يتبعه في الردة، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقد تبعوهم في الإسلام، فلا يتبعونهم في الكفر، وإذا لا يسترقون صغارا، لأنهم مسلمون، ولا كبارا لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم فواضح، وإن ارتدوا فحكمهم حكم آبائهم كما تقدم، ومن علقت به أمه بعد الردة وولدته بعدها جاز استرقاقه على ظاهر كلام الخرقي، ومنصوص أحمد في رواية الفضل بن زياد، واختيار أبي بكر في الخلاف، والقاضي وأبي الخطاب، والشريف وابن البنا والشيرازي وغيرهم، لأنه مولود بين أبوين كافرين، لم يسبق عليه حكم الإسلام، أشبه ما لو كان أبواه كافرين أصليين، واختار ابن حامد أنه لا يجوز استرقاقه، وحكاه رواية، لأنه لا يقر بالجزية، فلا يسترق كأبيه، ولعل ابن حامد إنما أخذ
стр. 3330
الرواية من عدم إقراره بالجزية، وإن علقت به في الإسلام ووضعته في الردة فعند أبي البركات وأبي محمد في الكافي حكمه حكم ما لو وضعته في الإسلام، وهو التحقيق، لانعقاده مسلما، وكلام الخرقي يوهم العكس، وقد أقره أبو محمد في المغني على ظاهره، معللا بأن أكثر الأحكام إنما تتعلق بالوضع، فكذلك هذا، وقد وقع نحو هذه العبارة للخرقي في النكاح، وقد تقدم ذلك.
قال: ومن امتنع منهما أو من أولادهما الذين وصفت من الإسلام بعد البلوغ، استتيب ثلاثا، فإن لم يتب قتل.
ش: أما من امتنع منهما أو من أولادهما الذين حكم عليهما من الإسلام، فلا إشكال في قتلهم إذا لم يتوبوا، كبقية المرتدين، وقوله: الذين وصفت، يعني الذين ولدوا قبل الردة، وقوله: بعد البلوغ، لما تقدم من أن حكم الردة إنما يتعلق بالصبي بعد البلوغ، ومفهوم كلام الخرقي أن أولادهم الذين ولدوا بعد الردة لو امتنعوا من الإسلام لم يقتلوا، وتحت هذا صورتان (إحداهما) اختاروا كفرا لا يقر أهله عليه بالجزية، فهنا لا ريب في قتلهم.
(الثانية) اختاروا كفرا يقر أهله عليه بالجزية، فهنا روايتان، حكاهما أبو البركات، وأبو محمد في المقنع (إحداهما) وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي في روايتيه، يقرون بالجزية، لأنهم ولدوا بين كافرين، ولم يسبق لهم حكم الإسلام، فجاز إقرارهم بالجزية
стр. 3331
كأولاد الحربيين.
(والثانية) ، وهي اختيار أبي بكر، وبها قطع أبو محمد في الكافي، وأبو الخطاب في الهداية، لا يقرون بالجزية، لأنهم أولاد من لا يقر على كفره، فلا يقرون بالجزية كالولد الذي قبل الردة. ولهذا الخلاف التفات إلى أن من تهود أو تنصر بعد المبعث هل يقر بالجزية أم لا. . .؟ وسلك أبو محمد في المغني طريقة لم نرها لغيره، فقال: إذا وقع أبو الولد في الأسر بعد لحوقه بدار الحرب، فحكمه حكم سائر أهل دار الحرب، وإن بذل الجزية وهو في دار الحرب، أو وهو في دار الإسلام، لم يقر بها، لانتقاله إلى الكفر بعد نزول القرآن.
قال: ومن أسلم من الأبوين كان أولاده الأصاغر تبعا له.
٣٠٩٤ - ش: لما روي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» ، رواه البخاري وأحمد وقال فيه: «ما من رجل مسلم» ، وهو يشمل ما إذا كانوا من كافرة.
стр. 3332
٣٠٩٥ - قال البخاري وكان ابن عباس ﵄ مع أمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ومن علوه التبعية له، (وظاهر كلام الخرقي) أن هذا الحكم ثابت للصغير ما لم يبلغ، وهو المنصوص والمشهور، لحديث أنس ﵁ المتقدم، وقيل في المميز: لا يحكم بإسلامه حتى يسلم بنفسه كالبالغ، لأنه يصير مستقلا بنفسه، ولعله يلتفت إلى أن المميز يصح إسلامه، فصار كالبالغ، لكن المذهب صحة إسلام المميز، والمذهب التبعية إلى البلوغ، ومراد الخرقي بالأبوين الأبوان الأدنيان الحقيقيان، ولا يتبع الصغير جده ولا جدته في الإسلام.
قال: وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له من الميراث، وكان مسلما بموت من مات منهما.
ش: أما كون الصغير يحكم بإسلامه بموت أحد أبويه الكافرين على المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين.
٣٠٩٦ - فلما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية. وفي رواية: «قالوا: يا رسول الله
стр. 3333
أفرأيت من يموت منهم وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» متفق عليهما. فجعل تهوده وتنصره وتمجسه بسبب أبويه، فإذا ماتا فقد فات السبب، وكذلك إذا مات أحدهما إذ لا ريب أن الشيء يفوت بفوات جزئه، ومتى فات السبب بقي على أصل الفطرة التي خلقه الله عليها، وهي الإقرار بالربوبية والوحدانية. (والرواية الثانية) : لا يحكم بإسلامه، لأنه ثبت كفره، ولم يوجد منه إسلام، ولا ممن هو تابع له، فوجب إبقاؤه على ما كان عليه، ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الإسلام لموت أبيه، مع أنه لا يخلو زمنهم من موت بعض أهل الذمة عن يتيم، والحكم في موت الأبوين كالحكم في موت أحدهما. وهل حكم المميز حكم البالغ أو حكم الطفل؟ فيه القولان السابقان.
стр. 3334
وكلام الخرقي يشمل الموت في دار الحرب ودار الإسلام، وهو قويل بعده أبو البركات، وعموم الحديث يقتضيه، والذي أورده أبو البركات مذهبا - وبه قطع أبو محمد في المغني - اختصاص الحكم بدار الإسلام، إذ قضية الدار الحكم بإسلام أهلها، خرج منه الطفل الذي له أبوان، فإذا عدما أو أحدهما؛ بقي على الأصل.
وأما كونه يقسم له من ميراث من مات من أبويه الذي جعل مسلما بموته، فلأن المانع من الإرث وهو الإسلام لم يتحقق وجوده حين الإرث، إذ بالموت انتقل الإرث وحصل الإسلام. فالمانع إنما تحقق وجوده لما انتقل الإرث، أما وقت الانتقال فلم يتحقق، لا سيما ومن قاعدتنا على المشهور أن من أسلم قبل قسم الميراث قسم له.
وقد استشكل على هذا نص أحمد في الكافر: إذا مات عن حمل منه أنه لا يرثه، والقاضي أظنه في المجرد حمل هذا على أنها وضعته بعد قسم الميراث، وجعل أنها متى وضعته قبل ذلك ورث كما في هذه المسألة. وأبو البركات جرى على المنصوص في الموضعين، وأشار للفرق بأن الحمل حكم بإسلامه قبل وضعه، والإرث لا يحكم له إلا بانفصاله، وقد يقال: الظاهر من كلام الأصحاب أنا نتبين بوضعه حيا إرثه، فالإرث حصل له أيضا من حين موت أبيه، فهو كهذه المسألة، والظاهر أن هذه شبهة القاضي، فيجاب بأنه على كل حال المانع قد تحقق قبل الحكم بإرثه، فلم يحصل شرط
стр. 3335
إرثه إلا والمانع قد تحقق، فانتفى الإرث لوجود المانع.
(تنبيه) : «الفطرة» والله أعلم.
[حكم من شهد عليه بالردة فأنكر]
قال: ومن شهد عليه بالردة فقال: ما كفرت، فإن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء.
ش: من شهد عليه بالردة فأنكر، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله لم يكشف عن شيء مما شهد عليه، ولم يكلف الإقرار بما نسب إليه.
٣٠٩٧ - لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» .
٣٠٩٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله»
стр. 3336
متفق عليهما، ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي، فكذا هذا.
وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يلتفت مع ذلك إلى ما شهد عليه به، ولو كان إنكار فرض، أو إحلال محرم، وحمل أبو محمد كلامه على من كفر بجحد الوحدانية أو الرسالة أو هما، أما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يكفي والحال ما تقدم جحده للردة، وهذا والله أعلم كأنه مقصود الخرقي من ذكر هذه المسألة، لينص على مخالفة بعض الحنفية، وذلك لأنه بالبينة قد بان كفره، فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين، كالكافر الأصلي.
٣٠٩٩ - وقد روى الأثرم بإسناده، عن علي ﵁ أنه أتي برجل عربي قد تنصر، فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله، وأتي برهط يصلون وهم زنادقة، قد قامت عليهم بذلك الشهود العدول، فجحدوا وقالوا: ليس لنا دين إلا دين الإسلام، فقتلهم ولم يستتبهم، ثم قال: تدرون لم استتبت النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه، فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا، وقد قامت عليهم البينة.
стр. 3337
ومقتضى كلام الخرقي: أن حصول الشهادتين كاف في إسلام المرتد، وهو كذلك، وكذلك كل كافر، ولا يشترط أن يقول مع ذلك: وأنا بريء من الدين الذي كنت عليه، لما تقدم.
٣١٠٠ - ولقول النبي ﷺ للغلام اليهودي: «يا غلام، قل: لا إله إلا الله، وأني رسول الله» .
٣١٠١ - «وقوله لعمه أبي طالب: «أدعوك إلى كلمة أشهد لك بها عند الله، لا إله إلا الله، وأني رسول الله» . نعم من كفر بجحد
стр. 3338
فرض، أو تحريم أو تحليل، أو نبي أو كتاب، أو رسالة نبينا محمد ﷺ إلى غير العرب ونحو ذلك، فلا بد مع الشهادتين أن يقر بالمجحود به، لأن الشهادتين كانت موجودة منه قبل ذلك.
ومفهوم كلام الخرقي: أنه لا يكتفى بأشهد أن محمدا رسول الله عن كلمة التوحيد، وهو (إحدى الروايات) ، وهو مقتضى ما تقدم من الأحاديث. . . (والثانية) : يكتفى بذلك.
٣١٠٢ - لما روى أنس ﵁ «أن يهوديا قال لرسول الله ﷺ : أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله ﷺ : «صلوا على صاحبكم» ، ذكره أحمد في رواية مهنا محتجا به، ولأن الإقرار برسالة النبي ﷺ يتضمن الإقرار بوحدانية الرب سبحانه، لتصديقه الرسول فيما جاء به.
(والثالثة) : إن كان ممن يقر بالتوحيد كأكثر اليهود اكتفي بذلك، لأن بانضمام تصديقه بالرسالة إلى ما عنده من
стр. 3339
التوحيد يكمل إسلامه، وإن لم يقر بالتوحيد كالنصارى ونحوهم، لم يكتف بذلك، لأن الجاحد جحد شيئين، فلا يزول جحده لهما إلا بالإقرار بهما، وهذه الرواية اختيار أبي محمد.
ومفهوم كلام الخرقي أيضا: أنه إذا قال: أنا مؤمن أو أنا مسلم، لم يكتف بذلك، ونص القاضي وابن البنا على الاكتفاء بذلك عن الشهادتين، لتضمنهما إياها.
٣١٠٣ - وقد «روى المقداد أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها» . رواه مسلم.
قال أبو محمد: ويحتمل أن هذا فيمن كفره بغير جحد فرض، أو كتاب أو نحو ذلك، أما من كفره بذلك فلا نكتفي منه بقوله: أنا مسلم أو مؤمن، لأنه قد يعتقد أن الإسلام ما هو عليه، إذ أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون.
[حكم من أقر بالردة ثم رجع أو أنكر]
(تنبيه) : لو أقر بالردة ثم رجع، أو أنكر، قبل منه بدون تجديد إسلام، على ما قطع به ابن حمدان في رعايتيه، وأبو محمد، لما أورد عليه ذلك في أصل المسألة قال: يحتمل أن
стр. 3340
يقول فيه كمسألتنا، وإن سلمنا فالفرق أن هنا ثبت بقوله، فقبل رجوعه عنه، وثم ثبت بالبينة فلا يقبل رجوعه كالزنا، والله أعلم.
[حكم ردة السكران]
قال: ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يفيق ويتم له ثلاثة أيام من وقت ردته، فإن مات في سكره مات كافرا.
ش: هل تصح ردة السكران؟ فيه روايتان تقدمتا في طلاقه، إلا أن أبا محمد كلامه ثم يوهم عدم صحة طلاقه، وكلامه هنا بالعكس، وربما أشعر كلام الخرقي بذلك. وبالجملة متى لم تصح ردته فلا كلام. وإن صحت فلا يقتل حتى يفيق من سكره، ليكمل عقله، ويفهم ما يقال له، وتزول شبهته؛ ولأن القتل جعل للزجر، ولا يحصل الزجر في حال سكره، ويتم له ثلاثة أيام من وقت صحوه، كما قلنا في الصبي من حين بلوغه.
هذا الذي أورده أبو البركات مذهبا، والخرقي ﵀ جعل الثلاث من وقت ردته، وتبعه على ذلك أبو محمد، لأن مدة سكره لا تدوم غالبا أكثر من ثلاثة أيام، بخلاف الصبي، فعلى هذا لو استمر سكره أكثر من ثلاثة أيام، فقال أبو محمد: لا يقتل حتى يصحو ويستتاب عقيب صحوه، فإن تاب، وإلا قتل في الحال.
(تنبيه) : والحكم في إسلامه في سكره كالحكم في ردته، والله أعلم.
стр. 3341
[كتاب الحدود]
الحدود جمع حد، والحد في الأصل: المنع، ومنه قيل للبواب حدادا، لمنعه الداخل والخارج إلا بإذن، وسمي الحديد حديدا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على من يحاوله.
والحد عقوبة تمنع من الوقوع في مثله، وحدود الله محارمه. قال سبحانه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وما قدره كجعل الطلاق ثلاثا، ونحو ذلك، قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولعل تسمية المحارم حدودا، وكذلك المقدرات؛ إشارة إلى المنع من قربان ذلك، أو تجاوزه، والله أعلم.
[حد الزنا]
قال: وإذا زنى الحر المحصن أو الحرة المحصنة؛ جلدا ورجما حتى يموتا، في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله ﵀ والرواية الأخرى: يرجمان ولا يجلدان.
ش: الزنا مما علم تحريمه من دين الله بالضرورة، وقد شهد له قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ،
стр. 3342
وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
٣١٠٤ - وعده النبي ﷺ في السبع الموبقات، وجعله من أعظم الذنب.
إذا تقرر ذلك (فالرواية الأولى) اختيار أبي بكر عبد العزيز، ونصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وصححها الشيرازي، لقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] الآية، وهذا عام في البكر والثيب، ثم قد ورد رجم المحصن في سنة رسول الله ﷺ بلا ريب، وفعله خلفاؤه من بعده، بل وفي الكتاب العزيز.
٣١٠٥ - قال ابن عباس ﵄: سمعت عمر ﵁ وهو على منبر رسول الله ﷺ يقول: إن الله بعث
стр. 3343
محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وايم الله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها. . . متفق عليه.
وإذا ورد رجم الثيب في الكتاب وفي السنة، وورد الجلد في الكتاب، وهو يعمه ويعم غيره، وجب الجمع بينهما، وقد أشار علي ﵁، والله أعلم إلى ذلك.
٣١٠٦ - ففي البخاري عن الشعبي أن عليا ﵁ حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
стр. 3344
٣١٠٧ - مع أن في صحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت ﵁، «أن رسول الله ﷺ قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، وما يعترض على هذا من أن النبي ﷺ لم يجلد ليس بنص صريح، إذ غايته أنه لم ينقل أنه جلد، وعدم النقل لا يدل على العدم.
(والرواية الثانية) : هي أشهر الروايتين عن الأثرم، واختارها ابن حامد، ونصرها الجوزجاني والأثرم في منتهاهما.
٣١٠٨ - لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية، وامرأة من جهينة، ورجلا وامرأة من اليهود، ولم ينقل - مع كثرة الروايات التي
стр. 3345
يبلغ مجموعها التواتر المعنوي - بلا ريب - أنه ﷺ جلدهم.
٣١٠٩ - وقال: « «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولم يأمر بجلدها، وهذا يبين أن هذا هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ وقد أشار إلى هذا أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة ﵁: إنه أول حد نزل، وإن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله ﷺ ولم يجلده، وعمر ﵁ رجم ولم يجلد، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد نحو هذا، والذي في الآية الكريمة يحمل على البكر.
٣١١٠ - وقد ورد في أبي داود في رواية - قال أبو السعادات: ذكرها رزين - عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما كان الزنا في الإسلام أخبر رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] ثم نزل بعد ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، ثم نزلت آية الرجم في النور، فكان الأول للبكر، ثم رفعت آية الرجم من التلاوة، وبقي الحكم بها، وهذا إن ثبت فيه جمع بين الأدلة.
стр. 3346
٣١١١ - وقد عمل على ذلك عمر وعثمان ﵁ فرجما، ولم ينقل أنهما جلدا.
وتقييد الخرقي بالحر والحرة ليخرج العبد والأمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى حدهما، وتقييد الحر بالمحصن والحرة بالمحصنة ليخرج غير المحصن كما سيأتي، ولا نزاع في أن الإحصان شرط في الرجم، وقد شهد لذلك حديث عبادة وحديث عمر ﵄.
٣١١٢ - وقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني» ، وفي رواية: «أو زنا بعد إحصان» الحديث. . . وقد تقدم ذلك.
٣١١٣ - وفي قصة ماعز أنه قال له: «أحصنت» ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم. والإحصان قد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب النكاح، فلا حاجة إلى إعادته.
стр. 3347
(تنبيه) : الزنا الفاحشة يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، أنشد ابن سيده:
أما الزناء فإني لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان
والزاني من أتى الفاحشة، وسيأتي كلام الخرقي إن شاء الله تعالى فيه، والله أعلم.
قال: ويغسلان ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان.
ش: أما التغسيل والتكفين والدفن فاتفاق، حكاه أبو محمد.
٣١١٤ - وقال أحمد: سئل علي ﵁ عن شراحة - وكان رجمها - فقال: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي ﵁ على شراحة، وأما الصلاة، فهي أيضا قول الأكثرين.
стр. 3348
٣١١٥ - لما روى عمران بن حصين ﵁، أن «امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، قال عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله ﷺ : «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله » رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
٣١١٦ - وفي مسلم أيضا وسنن أبي داود، من حديث بريدة في «قصة ماعز والغامدية قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت.»
٣١١٧ - وما في الصحيح من حديث ابن عباس، ومن حديث جابر ﵃ «أن النبي ﷺ لم يصل على ماعز» ،
стр. 3349
فقضية عين، يحتمل أن النبي ﷺ لم يحضره، أو اشتغل عنه لعارض، أو غير ذلك، ولأن عموم «صلوا على من قال لا إله إلا الله» يدخل فيه من مات بحد.
قال: وإذا زنى الحر بالبكر جلد مائة جلدة، وغرب عاما.
ش: أراد بالبكر من لم يحصن، وإنما عبر بالبكر اتباعا للفظ الحديث، وقد حصل اتفاق العلماء ولله الحمد على الجلد، بشهادة الكتاب والسنة بذلك، وجمهورهم أيضا على القول بالتغريب، لحديث عبادة بن الصامت ﵁ المتقدم.
٣١١٨ - وعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄، قالا: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وهو جالس، فقال: يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال النبي ﷺ : «قل» ، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني
стр. 3350
الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت» ، أخرجه الجماعة. والدلالة منه من وجهين: (أحدهما) - وهو العمدة - قوله ﵊: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» .
(والثاني) : قوله: سألت أهل العلم، وأهل العلم هم جلة الصحابة ﵃، وهذا يدل على أن هذا كان معروفا مشهورا عندهم، وقد تأكد قوله ﵇ بفعله.
٣١١٩ - فعن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ ضرب وغرب» ، وأن أبا بكر ﵁ ضرب وغرب، وأن عمر ﵁ ضرب وغرب، رواه النسائي. لكن قال النسائي: الصواب في هذا الحديث أن أبا بكر ﵁، وليس فيه أن النبي ﷺ ودعوى أن هذا زيادة على
стр. 3351
النص، وهو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الآية، والزيادة على النص نسخ، والكتاب لا ينسخ بالسنة - ممنوع؛ أما (أولا) : فلأن النص ليس فيه تعرض لنفي التغريب إلا من جهة المفهوم، والحنفي لا يقول به، وبالاتفاق متى عارض المفهوم نص قدم عليه.
وأما (ثانيا) : فإنا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، كما هو مقرر في موضعه.
وأما (ثالثا) : فإنا لا نسلم أيضا أن النسخ لا يحصل بالسنة، بل يحصل بالسنة، وإن كانت آحادا، على رواية اختارها فحل الفقهاء أبو الوفاء ابن عقيل، والله أعلم.
قال: وكذلك المرأة.
ش: يعني أنها تجلد، ولا نزاع في ذلك، لنص الكتاب، وتغرب، وهو أيضا قول الأكثرين ممن قال بالتغريب، ثم وعليه
стр. 3352
المعول في المذهب، لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁، ولأن ما كان حدا في حق الرجل كان حدا في حق المرأة كسائر الحدود، واختار أبو محمد في مغنيه أنها لا تغرب، كقول مالك، وله في كتبه الثلاثة احتمال بسقوطه إذا لم تجد محرما.
٣١٢٠ - ومدركهما قوله ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» ؛ ولأن تغريبها بدون محرم تضييع لها، ومعه يفضي إلى نفي من لا ذنب له، وإن كلفت بأجرته فذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به.
(تنبيه) : شرط التغريب أن يكون إلى مسافة القصر في الجملة، إذ ما دونها في حكم المقيم، قال أبو محمد: ويحتمل كلام أحمد في رواية الأثرم أنه لا يشترط ذلك، لقوله: ينفى من عمله إلى عمل غيره. ولا تفريع على هذا، أما على المذهب فالرجل ينفى إلى مسافة القصر بلا ريب، وكذلك المرأة إذا كان معها محرمها، ومع تعذره هل تنفى إلى مسافة القصر لما تقدم، أو إلى ما دونها، لحديث: «لا تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» ؟ على روايتين، هذه طريقة القاضي في
стр. 3353
الروايتين، وأبي محمد في المغني، وجعل أبو الخطاب في الهداية الروايتين فيها مطلقا، سواء نفيت مع محرمها أو بدونه، وتبعه على ذلك أبو محمد في الكافي والمقنع، وعكس أبو البركات طريقة المغني، فجعل الروايتين فيها فيما إذا نفيت مع محرمها، أما بدونه فإلى ما دونها قولا واحدا، كما اقتضاه كلامه.
قال: وإذا زنى العبد أو الأمة جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا.
٣١٢١ - ش: أما جلدهما فلما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: «سئل النبي ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» » ، متفق عليه.
٣١٢٢ - وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «خطب علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أيها الناس أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت اتركها حتى
стр. 3354
تماثل» » رواه مسلم وأبو داود والترمذي، لكن قال فيه: «وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» جعله من لفظ الرسول، والعبد في معنى الأمة، وبهذين يضعف دليل خطاب ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] .
٣١٢٣ - على أنه نقل عن ابن مسعود ﵁ أن المراد بالإحصان الإسلام. وأما كونه خمسين جلدة، فلقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]
стр. 3355
والعذاب الذي في كتاب الله هو جلد مائة جلدة، ولهذا عرفه.
٣١٢٤ - وعن عبد الله بن عياش قال: أمرني عمر بن الخطاب ﵁ أن أجلد ولائد للإمارة، أنا وفتية من قريش خمسين خمسين في الزنا. أخرجه مالك في الموطأ.
٣١٢٥ - «وعن علي ﵁ قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى أمة له سوداء زنت، لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فقال لي: «إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين» ، رواه عبد الله بن أحمد في المسند.
وأما كون ذلك بلا تغريب؛ فلأن ما تقدم جميعه ليس فيه تغريب، ولو وجب لذكر، وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والعذاب كما تقدم والله أعلم المراد به الذي في الكتاب، ولا تغريب فيه، ثم إن التغريب في حق العبد في الحقيقة عقوبة لسيده دونه، لما يفوته من خدمته، وما يحتاجه
стр. 3356
من حفظه ونفقته، والعبد غريب أينما كان، والعقوبة لا تشرع على غير الزاني، والله أعلم.
[الموضع الذي يجب فيه الحد في الزنا]
قال: والزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر.
ش: مقصود الخرقي بهذا والله أعلم، أن الموضع الذي يجب فيه الحد في القبل يجب فيه في الدبر، فلا فرق بين القبل والدبر، وذلك لأنه فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، فأشبه القبل، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الآية، ثم بين النبي ﷺ ذلك بقوله: «قد جعل الله لهن سبيلا» الحديث، والفاحشة تشمل الوطء في القبل والدبر، وقد سمى الله الوطء في الدبر فاحشة فقال لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] أي: الوطء في دبر الرجل، ثم إن الخرقي ﵀ أشار إلى تعريف الزاني الذي يترتب عليه الحد السابق بما ذكره.
وفي قوله (الفاحشة) إشعار بأن شرط الإتيان في القبل أو الدبر أن يكون حراما محضا، فيخرج بالأول الوطء الحلال، ووطء الشبهة، كمن وطئ امرأته في دبرها أو أمته الوثنية، أو أمة لبيت المال وهو حر مسلم، أو من ظنها زوجته، أو بنكاح
стр. 3357
باطل اعتقد صحته، أو لم يعلم بالتحريم لقرب عهده بالإسلام ونحو ذلك، وقد تضعف الشبهة فيجري الخلاف، كمن وطئ أمته وهي مزوجة، أو مؤبدة التحريم، أو أمة والده، مع علمه بالتحريم، أو وطئ في نكاح أو ملك مختلف في صحته مع علمه بالتحريم، ونحو ذلك، وبيان ذلك وشرحه على ما ينبغي له محل آخر، إلا أنه لا بد أن يطأ بفرج أصلي، في فرج أصلي، وأن يغيب الحشفة أو قدرها، فلو جامع الخنثى بذكره، أو جامع في قبله فلا حد، وقد فهم من كلام الخرقي أنه لا حد بالإتيان دون الفرج، ولا بإتيان المرأة المرأة، وهو كذلك والله أعلم.
[حكم اللواط]
قال: ومن تلوط قتل بكرا كان أو ثيبا، في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى، حكمه حكم الزاني.
ش: (الرواية الأولى) اختيار الشريف.
٣١٢٦ - لما روي أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» رواه الخمسة إلا النسائي، قال الترمذي: وكذا روي عن أبي هريرة ﵁ -
стр. 3358
وهو شامل للبكر والثيب، لكن الحديث من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وقد اختلف في عمرو بن أبي عمرو، فعن ابن معين ومالك: تضعيفه، وعن أحمد وأبي حاتم وغيرهما: ليس به بأس.
٣١٢٧ - ورواه أبو أحمد ابن عدي من رواية عباد بن منصور، عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ولفظه: «في الذي يعمل عمل قوم لوط، وفي الذي يؤتي في نفسه، وفي الذي يقع على ذات محرم، وفي الذي يأتي
стр. 3359
البهيمة يقتل» ، وقد اختلف أيضا في الاحتجاج بعباد بن منصور.
٣١٢٨ - وقد روى أبو أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموه الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعا» لكنه ضعفه، وبالجملة هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، إذ ليس فيها متهم بكذب وسوء الحفظ يزول بتتابعها، مع أن الجارحين لم يبينوا سبب الجرح، وقد قال يحيى بن سعيد: عباد بن منصور ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، وهذا يدل على أن تضعيفهم له كان بسبب خطئه في رأيه، ويقوي الحديث عمل راويه عليه.
стр. 3360
٣١٢٩ - فعن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس ﵄ في البكر يؤخذ على اللوطية يرجم. رواه أبو داود، ثم عمل الصحابة على ذلك.
٣١٣٠ - فعن ابن عباس ﵄ أن عليا أحرقهما، وأبا بكر هدم عليهما حائطا، ذكر ذلك أبو السعادات في جامع الأصول، ولذلك احتج أحمد بقول علي ﵁، وقيل: إن الصحابة أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته.
(ووجه الرواية الثانية) أنه فاحشة، فكان كالفاحشة بين الرجل والمرأة.
٣١٣١ - ويروى عن النبي ﷺ : «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان» ، وإذا كان زنا دخل في عموم الآية، والأخبار السابقة والأحاديث السابقة لم تثبت.
стр. 3361
وقول الخرقي: بكرا كان أو ثيبا، أي محصنا كان أو غير محصن، وإنما أراد لفظ حديث عبادة، والله أعلم.
[إتيان البهيمة]
قال: ومن أتى بهيمة أدب وأحسن أدبه.
ش: هذا منصوص أحمد في رواية ابن منصور، واختيار الخرقي، وأبي بكر، لأنه أتى محرما لا حد فيه ولا كفارة، وذلك مقتضى للتأيب.
وقوله: وأحسن أدبه، أي يبالغ فيه لشدة تحريمه، إذ قد اختلف في قتل فاعل ذلك، وورد فيه ما يدل على ذلك، وذلك يقتضي المبالغة في تحريمه، وإنما لم يحد لأن الحديث الذي ورد فيه قد تكلم فيه، وقياسه على الوطء في فرج المرأة متعذر، إذ ليس بمقصود، يحتاج في الزجر عنه إلى حد، بل يكتفى بالباعث الطبعي، إذ النفوس الشريفة بل وغيرها تنفر من ذلك.
(ونقل عنه) حنبل: يحد حد الزاني، كذا حكى القاضي في روايتيه، والشيخان وغيرهما يحكون الرواية: أن حده حد اللوطي، يعني هل يرجم مطلقا، أو يحد
стр. 3362
حد الزاني، وهذه اختيار القاضي والشيرازي، وأبي الخطاب والشريف في خلافيهما.
٣١٣٢ - لما روى ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها» رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وراويه عمرو بن أبي عمرو راوي حديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط» الحديث، فهذا لازم للقائل ثم بالقتل.
٣١٣٣ - إلا أنه هنا قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس على الذي يأتي البهيمة حد، رواه أبو داود والترمذي، وذلك يوهن روايتيه مع ما فيهما، والله أعلم.
стр. 3363
قال: وقتلت البهيمة.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار الخرقي، وبه قطع أبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد في الكافي، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، لما تقدم من الحديث، وهو وإن تكلم فيه فذلك لا يبلغ اطراحه بالكلية، بل هو صالح لأن يؤثر شبهة في درء الحد الذي يندرئ بالشبهة، ولا يؤثر في غيره لعدم درئه بالشبهة.
(والرواية الثانية) : لا تقتل، لأن المعتمد في ذلك على الحديث، والحديث لم يثبت، والنبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، فيدخل في عمومه،
стр. 3364
وظاهر كلام أبي البركات، أن قتلها لا يشرع على هذه الرواية، وعن أبي بكر أنه توسط فقال: الاختيار قتلها، وإن تركها فلا بأس، (ومحل هاتين الروايتين) إذا قلنا بتعزير الفاعل، أما إذا قلنا بحده حد اللوطي؛ فإنها تقتل بلا نزاع، كذا ذكره أبو البركات وهو واضح، لأنا إذا اعتمدنا على الحديث، وهو أخص من النهي عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، وكلام الخرقي يشمل المملوكة والمأكولة وغيرهما، وهو كذلك ولم يتعرض الخرقي ﵀ لأكلها إن كانت مأكولة، وأحمد كره ذلك، فخرج لأصحابه فيه وجهان:
(أحدهما) - ويحتمله كلام الخرقي -: الجواز، لعموم: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] وغير ذلك.
(والثاني) - وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا، وقطع به الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وشيخهما في الجامع، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي -: المنع، لأنه حيوان مأمور بقتله، وكل ما أمر بقتله لا يجوز أكله، كما هو مقرر في موضعه، ولعل الخلاف في ذلك مبني على علة قتلها، فقيل: لئلا يعير فاعلها لذكره برؤيتها.
٣١٣٤ - فروى ابن بطة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة» قالوا: يا رسول الله
стр. 3365
ما بال البهيمة؟ قال: «لئلا يقال هذه وهذه» ، وقيل: لئلا تلد خلقا مشوها، وبه علل ابن عقيل، وعلى هذين يباح الأكل، وقيل القتل لئلا تؤكل.
٣١٣٥ - «قيل لابن عباس ﵄ لما ذكر الحديث: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئا، ولكن أراه كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها، وقد فعل بها ذلك» . . رواه أبو داود والترمذي، واعلم أن محل الخلاف حيث شرعنا قتلها، أما إن لم نشرعه فلا ريب في جواز أكلها، والله أعلم.
[ما يثبت به حد الزنا]
قال: والذي يجب عليه الحد ممن ذكرت من أقر بالزنا أربع مرات، وهو بالغ صحيح عاقل، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، أو يشهد عليه أربعة رجال من أحرار المسلمين عدول، يصفون الزنا.
ش: ملخص ذلك أن الحد لا يجب إلا بأحد شيئين؛ إقرار أو بينة، فإن ثبت بإقرار اشترط أن يقر أربع مرات، فلو أقر دونها لم يجب الحد.
следующие страницы →