Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
أن يدخلا معا، أو يدخل أحدهما فيخرج بعض النصاب، ثم يدخل الآخر فيخرج باقيه، والله أعلم.
قال: ولا يقطع وإن اعترف بالسرقة أو قامت بينة، حتى يأتي مالك المسروق فيدعيه.
ش: هذا المذهب المختار للخرقي، والقاضي وأصحابه، لأن المال مما يباح بالبذل، فيحتمل أن مالكه أباحه له، أو وقفه على طائفة السارق منهم، أو أذن له في دخول حرزه ونحو ذلك، فاعتبرت المطالبة لتزول الشبهة، ويرشح هذا ما تقدم في المسألة قبل، وقال أبو بكر في الخلاف: لا تشترط المطالبة، وهو قوي، عملا بإطلاق الآية الكريمة، وعامة الأحاديث، فإنه ليس في شيء منها اشتراط المطالبة ولا ذكرها، ولو اشترطت لبين ذلك وذكرها، وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والإخلال بما الحكم متوقف عليه، وإنه لا يجوز.
(تنبيه) : وهل يفتقر إلى المطالبة في القطع بالكفن كسائر المسروقات، ويكون المطالب ورثة الميت، أو لا يفتقر، لأن
стр. 3432
الطلب شرع لاحتمال كون المسروق مملوكا للسارق. وقد يئس من ذلك هنا؟ فيه احتمالان، أظهرهما الثاني. والله أعلم.
стр. 3433
[كتاب قطاع الطرق]
ش: والأصل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] . وقد اختلف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية.
٣١٩٩ - فعن ابن عمر ﵄ «أن ناسا أغاروا على إبل رسول الله ﷺ وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمنا، فبعث في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم» ، قال: فنزلت فيهم آية المحاربة وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك ﵁ حين سأله الحجاج.
٣٢٠٠ - وعن أبي الزناد «أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله
стр. 3434
تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] » الآية، رواهما أبو داود والنسائي.
٣٢٠١ - وفي حديث أنس ﵁ في رواية لأبي داود، «في قصة العرنيين قال: فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم، فأتي بهم، قال: فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية» . وأصل الحديث متفق عليه. . فهؤلاء أخبروا أن الآية نزلت في العرنيين، وكانوا مرتدين.
٣٢٠٢ - وكذلك حكي عن سعيد بن جبير.
٣٢٠٣ - وعن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدروا
стр. 3435
عليهم لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. رواه أبو داود والنسائي، وهو قريب من قول الأولين، وقال أبو محمد: إن الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين.
٣٢٠٤ - وكأن مدرك أبي محمد في حكاية ذلك عن ابن عباس ﵄ ما روى الشافعي ﵁ في مسنده عنه ﵁، أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال؛ قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال؛ قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛ قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا؛ نفوا من الأرض.
وقد يجمع بين القولين، بأن الآية نزلت في المرتدين، كما أخبر ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وابن عباس ﵄ رأى أن نزول الآية على سبب لا يقتضي الاختصاص به، بل يتبع لفظها، ولفظها دل على أن كل محارب لله ورسوله هذا حكمه، وقطاع الطريق من المسلمين محاربون لله ولرسوله، لمخالفتهم أمره وارتكابهم نهيه.
стр. 3436
(تنبيه) : «اللقاح» : جمع لقحة، وهي ذوات اللبن من الإبل، وقيل: ذوات المخاض.
«وسملت عينه» : إذا فقئت بحديدة محماة، والله أعلم.
[المقصود بالمحاربين]
قال: والمحاربون: هم الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء، فيغصبونهم المال مجاهرة.
ش: لا نزاع أن هؤلاء محاربون، تثبت لهم أحكام المحاربة التي تذكر بعد، واختلف فيمن يفعل ذلك في المصر، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يكون محاربا، وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا، لأن الغوث يلحقه غالبا، فتزول شوكة المعتدي، ويكون في حكم المختلس، والمختلس ليس بمحارب. وقال أبو بكر: يكون محاربا، وتبعه على ذلك القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم، قال أبو محمد: إنه قول كثير من أصحابنا، وقال أبو العباس: إنه قول الأكثرين، تمسكا بعموم الآية الكريمة.
ونظرا إلى أن ذلك في المصر أعظم خوفا، وأكثر ضررا، فكان بذلك أولى. وتوسط القاضي أظنه في المجرد أو في الشرح الصغير فقال: إن كانوا في المصر مثل أن كبسوا دارا، وكان أهل الدار بحيث لو صرخوا أدركهم الغوث فليسوا بمحاربين، وللحوق الغوث عادة، وإن حصروا قرية أو بلدا ففتحوه، وغلبوا على أهله، أو محلة مفردة، بحيث
стр. 3437
لا يلحقهم الغوث فهم محاربون، لعدم لحوق الغوث لهم، وهو يرجع إلى الأول، غايته أنه نقح كلام الخرقي، وأحمد ﵀ توقف عن الجواب في المسألة.
وقول الخرقي: يعرضون للقوم السلاح، مفهومه أنهم لو عرضوا بغير سلاح لم يكونوا محاربين، وهو كذلك.
ويدخل في السلاح كل ما أتى على النفس أو الطرف، وإن لم يكن محددا، كالحجر والعصا، وقوله: فيغصبونهم المال مجاهرة؛ مفهومه أنهم لو أخذوا المال خفية، أو على وجه الخطف فليسوا بمحاربين، وهو كذلك. وأنه لو خرج الواحد والاثنان على آخر الركب فأخذوا منه شيئا فليسوا بمحاربين، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم محاربون، والله أعلم.
[عقوبة المحاربين]
قال: فمن قتل منهم وأخذ المال؛ قتل، وإن عفا صاحب المال، وصلب حتى يشتهر، ودفع إلى أهله، ومن قتل منهم ولم يأخذ المال؛ قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى في مقام واحد، ثم حسمتا وخلي.
ش: مذهب أحمد ﵀ أن قاطع الطريق إذا قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن قتل ولم يأخذ المال؛ قتل فقط، وإن أخذ المال ولم يقتل؛ قطعت يده اليمنى، ورجله
стр. 3438
اليسرى، وإن لم يأخذ المال ولم يقتل؛ نفي، لما تقدم عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄.
٣٢٠٥ - وذكر الزجاج أنه روي في التفسير أن أبا بردة الأسلمي كان عاهد النبي ﷺ أن لا يعرض لمن يريد النبي ﷺ وأن لا يمنع من ذلك، وأن النبي ﷺ لا يمنع من يريد أبا بردة، فمر قوم يريدون النبي ﷺ بأبي بردة، فعرض أصحابه لهم فقتلوهم وأخذوا المال، فأنزل الله على نبيه، وأتاه جبريل وأعلمه أن الله يأمره أن من أدركه منهم قد قتل وأخذ المال؛ قتله وصلبه، ومن قتل ولم يأخذ المال؛ قتله، ومن أخذ المال ولم يقتل؛ قطع يده لأخذ المال، ورجله لإخافته السبيل. اهـ.
وفي ثبوت هذا نظر، فإنه قد ثبت عن ابن عمر وغيره ﵃ أن الآية نزلت في غير هذا، ولا يغرنك قول أبي محمد في الكافي أن قضية أبي بردة رواها أبو داود، فقد قال هو في المغني قيل رواها أبو داود.
стр. 3439
قلت: والقطع أنها ليست في سنن أبي داود، وإلا لذكرها ابن الأثير في جامع الأصول وغيره.
والمعتمد في ذلك على قول ابن عباس ﵄، وهو إن خالف ظاهر الآية الكريمة لكن يرجحه أن قوله موافق للقاعدة الشرعية، من أن العقوبات على قدر الإجرام. ولهذا اختلف حد الزاني والسارق والقاذف وغيرهم، بخلاف ظاهر الآية الكريمة. . فإن ظاهرها أن من حارب حصل فيه هذا التخيير من القتل أو القطع، وإن لم يقتل ولا أخذ المال. وأيضا عموم قول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير الحق» . وهذا قد يعترض عليه بأنه عموم، والآية تخصه. وكون العقوبة تختلف باختلاف الجرم مسلم، ولكن الشارع رأى أن هذه المفسدة العظيمة جزاؤها هذا الجزاء، سدا للذريعة، وحسما للمادة، ثم إن صاحب الشرع لم يذكر القتل أو القطع فقط في مقابلة مجرد المحاربة، وإنما خير بين عقوبات، والأمر في ذلك موكول إلى الأئمة والحكام الذين عليهم إقامة الحدود، وتخييرهم تخيير مصلحة، لا تخيير استشفاء، فهم لا يفعلون إلا ما يرون أنه أصلح، فإذا رأوا توزيع العقوبات
стр. 3440
على قدر الإجرام وجب ذلك عليهم، وإن رأوا أن هذا المحارب وإن لم يقتل لا يندفع شره إلا بالقتل، ككبير محاربين يجمعهم قوله، ويفرقهم عدمه، ونحو ذلك وجب قتله، وما روي عن ابن عباس ﵄ فيسأل أولا عن صحة سنده، فإن صح فهو معارض بنص القرآن. اهـ.
(وعن أحمد) رواية أخرى: أن من قتل وأخذ المال؛ يقتل لقتله، ويقطع لأخذه المال، لأن كلا منهما لو انفرد لأوجب ذلك، فإذا اجتمعا وجبا معا كالزنا والسرقة.
(وعنه) أيضا فيمن قتل ولم يأخذ المال: أنه يصلب مع القتل، والمذهب الأول.
وقول الخرقي: قتل وإن عفى صاحب المال: يعني أنه يقتل حتما، ولا يدخله العفو، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وذلك لأنه أجري مجرى الحدود، فلم يدخله العفو كبقيتها، ولهذا قلنا على إحدى الروايتين: لا يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول، بل يؤخذ الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، والأب بالابن، واعتبرناه على أخرى، نظرا إلى أن الحد فيه انحتامه، بدليل أنه لو تاب قبل القدرة سقط الانحتام، وبقي القصاص. ولعموم قول النبي ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» .
стр. 3441
فعلى هذه إذا فاتت المكافأة قطعت يده ورجله إن كان قد أخذ المال، وإلا نفي، وأغرم دية الذمي أو قيمة العبد، وهذا اختيار أبي الخطاب، والشريف والشيرازي وغيرهم، وهو أمشى على قاعدة المذهب.
وقوله: وصلب حتى يشتهر، هذا أحد الوجهين، واختيار أبي محمد، وأبي الخطاب، وشيخه في الجامع.
وقال: إنه ظاهر كلام أحمد، لأن المقصود من الردع للغير والزجر إنما يحصل بذلك.
(والثاني) وقاله أبو بكر: يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب، اعتمادا منه على أن أحمد لم يوقت الصلب. ونظرا إلى إطلاق الآية الكريمة، وظاهر كلام الخرقي أن صلبه بعد قتله، وهو كذلك، إذ هو تتمة للحد، وكمال له، ولهذا قلنا: إذا مات قبل أن يقتله، أو قتل لغير المحاربة لم يصلب على أشهر الوجهين، إذ الحد قد فات بموته، كبقية المحدودين، وإنما قطعت يمنى يدي من أخذ المال لما تقدم في السارق، وإنما قطعت يسرى رجليه لتتحقق المخالفة المأمور بها، وإنما حسمتا لما تقدم في السارق.
(تنبيه) : إذا كان القتل شبه عمد فقال أبو محمد: ظاهر كلام الخرقي أنه يقتل بذلك.
(قلت) : وفي هذا نظر، فإنه متى اعتبر إطلاق الخرقي دخل فيه قتل الخطأ، وقد جعله أصحاب الخلاف محل وفاق، قاسوا عليه إذا فاتت المكافأة، والله أعلم.
стр. 3442
قال: ولا يقطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله.
ش: لعموم قول النبي ﷺ : «لا قطع إلا في ربع دينار» . وقد يتخرج لنا عدم اشتراط ذلك، من رواية عدم اعتبار المكافأة، ومن ثم قلت: إن الأمشى على المذهب اعتبارها.
(تنبيه) : ويشترط الحرز، وانتفاء الشبهة في المال المسروق، والله أعلم.
قال: ونفيهم أن يشردوا، فلا يتركون يأوون في بلد.
ش: يعني من لم يقتل من المحاربين، ولم يأخذ المال، فإنه ينفى كما تقدم عن ابن عباس ﵄، ثم إن النفي الكلي هو التشريد.
وهذا هو المذهب المجزوم به عند القاضي وغيره، لظاهر الآية.
(وعن أحمد) : نفيهم: تعزيرهم بما يردعهم من تشريد وغيره.
(وعنه) : نفيهم: حبسهم.
وعلى الأول إذا شردوا لم يتركوا يأوون في بلد، لظاهر ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فظاهره نفيهم عن جميعها، ولا يتأتى إلا بما قلناه.
(تنبيه) : قال أبو محمد: ولم يذكر أصحابنا قدر مدرة نفيهم، فيحتمل أن يتقدر ذلك بما تظهر فيه توبتهم، ويحتمل أن
стр. 3443
يقدر بعام، كنفي الزاني، والله أعلم.
[توبة المحارب قبل القدرة عليه]
قال: فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود الله ، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها.
ش: إذا تاب المحاربون قبل القدرة عليهم سقطت عنهم حدود الله تعالى، كالصلب والقطع، والنفي وانحتام القتل، أما بعد القدرة فلا يسقط عنهم شيء للآية الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] الآية. أوجب سبحانه الحدود، واستثنى من تاب قبل القدرة، فمن عداه يبقى على العموم، والمعنى في ذلك أن من تاب قبل القدرة؛ الظاهر أن توبته توبة إخلاص، بخلاف من تاب بعدها، فالظاهر أنه إنما فعل ذلك تقية، أما حقوق الآدميين فلا تسقط إلا بأدائها، أو إسقاط أربابها كالضمان، ووقع في المبهج في أول باب قطاع الطريق أن توبتهم قبل القدرة لا تسقط عنهم الحدود في رواية كما بعدها، وجزم في آخر الباب بالقبول كما يقوله الجماعة، وهو الصواب، والله سبحانه أعلم.
стр. 3444
[كتاب الأشربة وغيرها] [ حد الشرب]
قال: ومن شرب مسكرا قل أو كثر جلد ثمانين جلدة، إذا شربها مختارا لشربها، وهو يعلم أن كثيرها يسكر.
ش: تحريم الخمر إجماع أو كالإجماع، وقد شهد لذلك من الكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] .
٣٢٠٦ - قال بعض المفسرين: نزل في الخمر أربع آيات، نزلت بمكة: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم «إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن ناسا منهم فشربوا وسكروا، فأم بعضهم فقرأ: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون)
стр. 3445
فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] . فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه موضحة، فشكى إلى رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فقال عمر ﵁: انتهينا يا رب» .
٣٢٠٧ - وفي السنن قريب من ذلك، فعن عمر ﵁ أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا. رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 3446
قال بعض العلماء: والتحريم في الآية من نحو عشرة أوجه، تسميتها رجسا وهو المستقذر، وجعلها من عمل الشيطان، والأمر باجتنابها، وجعل الفلاح مرتبا على اجتنابها، فمن لم يجتنبها لا يفلح، وجعلها توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، ثم طلب الانتهاء عنها بقوله سبحانه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: جدير وحقيق أن ينتهي عن شيء جمع هذه الأوصاف.
وورد في تحريمها من السنة ما يبلغ مجموعه التواتر.
٣٢٠٨ - فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» .
٣٢٠٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» رواهما الجماعة.
стр. 3447
وفي رواية لمسلم: «ومن شرب الخمر في الدنيا، ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة» .
٣٢١٠ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» . قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: «صديد أهل النار» .
٣٢١١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه» رواهما أبو داود.
والأخبار في ذلك كثيرة جدا، وسيمر بك إن شاء الله تعالى طرف منها وبالغ الصحابة ﵃ في تحريمها والمباعدة منها.
стр. 3448
٣٢١٢ - فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد، فلقيته امرأة أغوته، فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنها تدعوك لشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفق كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام. قال: فأسقيني من هذا الخمر كأسا، فسقته كأسا، فقال: زيدوني. فلم يرم حتى وقع عليها وقتل الغلام، فاجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر. . إلا يوشك أن يخرج أحدهما صاحبه. . رواه النسائي.
стр. 3449
٣٢١٣ - وعن علي ﵁ قال: لو بني مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو نبت مكانها كلأ لم أرعه.
٣٢١٤ - وما روي عن بعض الصحابة كقدامة بن مظعون، وعمرو بن معدي كرب، وأبي جندل بن سهيل، أنهم قالوا: إنها حلال تمسكا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، فتأويل منهم أخطئوا فيه، فبين لهم علماء الصحابة معنى الآية، وحدهم عمر ﵁ لشربها، فقيل إنهم رجعوا عن قولهم.
٣٢١٥ - وقد قال البراء ﵁ في هذه الآية قال: مات رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] .
стр. 3450
٣٢١٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قالوا: يا رسول الله أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر لما نزل تحريم الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، رواهما الترمذي.
٣٢١٧ - وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ في قصة تحريم الخمر قال: فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] .
إذا تقرر هذا، فالاتفاق أيضا على حد شاربها في الجملة، واختلف في مقداره، وعن إمامنا ﵁ في ذلك روايتان: (إحداهما) : أن مقداره ثمانون. اختارها الخرقي، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وغيرهم.
٣٢١٨ - لما روى ثور بن زيد الديلي أن عمر ﵁ استشار في حد الخمر، فقال له علي ﵁: أرى أنه يجلد ثمانين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فجلد عمر ﵁ في حد الخمر ثمانين. . رواه مالك في الموطأ والدارقطني.
стр. 3451
٣٢١٩ - وفي الصحيح أن عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن ﵁: أخف الحدود ثمانون. فأمر به عمر ﵁. وهذا كالإجماع من الصحابة ﵃ على الجلد ثمانين.
الرواية الثانية، وهي اختيار أبي بكر: قدره أربعون.
٣٢٢٠ - لما روى أنس ﵁ «أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين. وفي رواية: أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلده بجريد نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان
стр. 3452
عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر ﵁» . متفق عليه.
٣٢٢١ - وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن حضين بن المنذر، قال: شهدت عثمان بن عفان ﵁ أتي بالوليد قد صلى الصبح، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان؛ أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأها. فقال عثمان ﵁: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي ﵁: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ﵁: ولّ حارها من تولى قارها؛ فكأنه وجد عليه. فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده؛ فجلده، وعلي ﵁ يعد حتى بلغ أربعين. فقال: أمسك ثم قال: «جلد النبي ﷺ أربعين» ، وأبو بكر ﵁ أربعين، وعمر ﵁ ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. ورواه أبو داود أيضا مختصرا قال: فقال علي ﵁: «جلد رسول الله ﷺ في الخمر» وأبو بكر ﵁ أربعين، وكملها عمر ﵁ ثمانين، وكل سنة. وفعل كل أحد بل وقوله المخالف لفعل رسول الله -
стр. 3453
- ﷺ ملغى، واعلم أن عامة الأصحاب يحكون الروايتين كما تقدم، وأبو العباس يحكي الرواية الثانية أن الواجب أربعون، وأن الزيادة على الأربعين يفعلها الإمام عند الحاجة، إذا أدمن الناس الخمر. أو كان الشارب لا يرتدع بدونها، قال: وهذا أوجه القولين. قلت: ولا ريب أن هذا القول هو الذي يقوم عليه الدليل؛ إذ النبي ﷺ ضرب نحوا من أربعين، ولم يوقت فيه مقدارا معينا.
٣٢٢٢ - قال علي ﵁: ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فأجد في نفسي شيئا، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه، متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: فإن رسول الله ﷺ لم يسن فيه شيئا، إنما هو شيء قلناه نحن.
٣٢٢٣ - وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ لم يوقت في الخمر حدا» ، رواه أبو داود.
стр. 3454
وإذا كان رسول الله ﷺ لم يوقت فيه قدرا معينا، وضرب نحوا من أربعين، وجب اتباع فعله، وكذلك فعل أبي بكر الصديق ﵁، وعمر ﵁ في صدر خلافته. ولما رأى ﵁ عتو الناس وازديادهم؛ ضرب ثمانين.
٣٢٢٤ - قال السائب بن يزيد ﵁: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ فإمرة أبي بكر ﵁ وصدر من خلافة عمر ﵁، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا، وفشوا؛ جلد ثمانين. . رواه البخاري، ووافقه الصحابة على ذلك، بل وأشاروا عليه كما تقدم.
٣٢٢٥ - ولما كان عثمان ﵁ جلد الحدين كليهما ثمانين وأربعين كما في أبي داود، وعلي ﵁ -
стр. 3455
جلد أربعين، وقال: إن الكل سنة. وقد جاء عن عمر ﵁ أنه زاد فيه النفي وحلق الرأس لما كثر الشرب، مبالغة في الزجر. وهذا كله يدل على جواز الزيادة على الأربعين. اهـ.
وقول الخرقي: (ومن) ، يدخل فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد، وسيأتي الكلام على العبد، والمسلم والكافر، ولا يخلو الكافر إما أن يكون ملتزما أو غير ملتزم، فغير الملتزم كالحربي لا حد عليه، والملتزم كالذمي والمستأمن فيه روايتان، أصحهما عند أبي محمد وأبي الخطاب في الهداية: لا حد عليه؛ لأنا صالحناهم على أن لا نتعرض لهم فيما لا ضرر علينا فيه.
(والثانية) : عليه الحد، لأنه مكلف، فجرى عليه الحد كالمسلم. وقد تنبني الروايتان على تكليفهم بالفروع، لكن المذهب ثم قطعا تكليفهم بها.
واختار أبو البركات هنا أنه إن سكر؛ حد، وإلا فلا، إناطة باعتقاده التحريم وعدمه.
وقوله (شرب) خرج على الغالب، وكذلك الحكم لو ثرد الخمر أو اصطبغ به، أو لت به سويقا، أو خلطه بطعام فأكله أو
стр. 3456
استعط به، أو احتقن به، نص أحمد على أكثر ذلك، وأومأ إلى بقيتها، وكذلك إن طبخ به لحما فأكل من مرقته، قاله أبو محمد. أما إن عجن به دقيقا وخبزه فإنه لا يحد بأكله، لأن النار أكلت أجزاء الخمر، ولم يبق إلا أثره. وكذلك مختار أبي محمد في الاحتقان، كما لو داوى به جرحه، وكلامه يوهم أن ذلك رواية، ووقع في كلام أحمد أنه لو تمضمض به وجب الحد.
فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه في الرجل يستعط بالخمر، أو يحتقن به، أو يتمضمض أرى عليه الحد، فهم يقولون: لو أن رجلا لت سويقا بخمر، أو صب على خمر ماء كثيرا، ثم شربه؛ لم يحد، ذكر هذا النص القاضي في التعليق، وهو محمول على أن المضمضة وصلت إلى حلقه.
قال ابن حمدان في الكبرى: وكذا قيل في المضمضة به، يعني يحد. قال: وهو بعيد. اهـ.
وقوله: مسكرا قل أو كثر، يخرج به غير المسكر، وهو واضح، ويعم كل مسكر وإن قل ولم يسكر به. وهذا مذهبنا لما تقدم من حديث عائشة ﵂: «كل شراب أسكر فهو حرام» وحديث ابن عمر
стр. 3457
- ﵄: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» ، وحديث ابن عباس: «كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام» وإذا كان كل مسكر خمرا فقد دخل في آية التحريم، مع أن الرسول ﷺ نص على تحريمه.
٣٢٢٦ - ودخل في وجوب الحد، بقوله ﵇: «من شرب الخمر فاجلدوه» ، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من رواية معاوية وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم ﵃.
стр. 3458
٣٢٢٧ - وعن جابر ﵁ «أن رجلا قدم من جيشان، وجيشان من اليمن، فسأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المزر، فقال رسول الله ﷺ : «أومسكر هو» ؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وإن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» . قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» رواه مسلم والنسائي.
٣٢٢٨ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «خطب رسول الله ﷺ فذكر آية الخمر، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت المزر؟ قال: «وما المزر» ؟ قال: حبة تصنع باليمن، قال: «تسكر» ؟ قال: نعم، قال: «كل مسكر حرام» . وفي رواية قال: «المسكر قليله وكثيره حرام» .
٣٢٢٩ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر وكثيره» ، رواه النسائي.
стр. 3459
٣٢٣٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن البتع، وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام» متفق عليه.
٣٢٣١ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام» .
٣٢٣٢ - وعن عائشة ﵂ أيضا قالت: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» . رواهما أبو داود والترمذي.
والأحاديث في الباب كثيرة، وقد صنف الإمام أحمد في ذلك كتابا كبيرا وافيا بالمقصود، وقد اختلف الناس في الحشيش: هل يحد بها، أو لا يحد؟
ومختار أبي العباس: وجوب الحد بها.
стр. 3460
وقول الخرقي: وهو مختار لشربها، يعلم أن كثيرها يسكر. يعني أنه يشترط لوجوب الحد شرطان: (أحدهما) : أن يكون مختارا، فإن كان مكرها فلا حد عليه، هذا هو المذهب المعروف، والمختار من الروايتين.
٣٢٣٣ - لقول النبي ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» الحديث.
قال أبو محمد: وسواء أكره بالوعيد، أو بالضرب أو ألجئ إلى شربها بأن فتح فوه وصب فيه.
(والرواية الثانية) : يحد، حملا للحديث على الإكراه على الأقوال، والأفعال تؤثر ما تؤثر الأقوال، ولا نزاع أنه يجوز أن يدفع بها لقمة غص بها، إذا لم يجد مائعا سواها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
(الثاني) أن يعلم أن كثيرها يسكر، لأنه إذا لم يعلم ذلك لم يقصد ارتكاب المعصية، فهو كمن زفت إليه غير زوجته، وفي معنى ذلك من لم يعلم بالتحريم لما تقدم.
٣٢٣٤ - وعن عمر وعثمان ﵄: لا حد إلا على من علمه. نعم مدعي ذلك إن نشأ بين المسلمين لم تقبل
стр. 3461
دعواه، وإلا قبل، ولا تقبل دعوى الجهل بالحد، قاله ابن حمدان.
[موت شارب الخمر أثناء الحد]
قال: فإن مات في جلده فالحق قتله.
ش: لأنه مأذون في جلده من جهة الحق سبحانه، فإذا مات في ذلك من غير اعتداء فقتله منسوب إلى البارئ سبحانه، ولأنه حد وجب لله، فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود.
وما تقدم عن علي ﵁ في شارب الخمر من قوله: لو مات وديته، محمول على التورع؛ لأن الرسول ﷺ لم ينص عليه بلفظه، وليس فيه أنه يديه من بيت المال، وقد قال هو: «إن النبي ﷺ جلد أربعين» ، وحصل الإجماع على ذلك، فهو كبقية الحدود، ولا فرق بين أن يموت في الأربعين أو بعد الأربعين، وإن قلنا: الزيادة عليها تعزير، إذ التعزير واجب فهو كالحد.
[كيفية إقامة الحدود]
قال: ويضرب الرجل في سائر الحدود قائما.
ش: هذا هو أشهر الروايتين.
стр. 3462
٣٢٣٥ - لأنه يروى عن علي ﵁ أنه قال: لكل موضع من الجسد حظ. يعني في الحد إلا الوجه والفرج، وقال للجلاد: اضرب وأوجع، واتق الرأس والوجه، وقيامه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب.
(والرواية الثانية) : يضرب جالسا، لأن الله تعالى لم يأمر بالقيام، واستعمل الخرقي «سائر» بمعنى جميع على قاعدته، ومراده الحدود التي فيها ضرب.
قال: بسوط.
ش: يعني أن الضرب يكون بسوط، لا بعصا ولا بغيرها، إذ الجلد إذا أطلق إنما يفهم منه الضرب بالسوط.
٣٢٣٦ - وقد روى زيد بن أسلم «أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: «فوق هذا» فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال: «بين هذين» فأتي بسوط قد لان وركب به فأمر به فجلد» ، وهذا بيان للجلد المأمور به في الآية الكريمة.
стр. 3463
وقد دخل في كلام الخرقي حد الخمر، ولا ريب عندنا أنه يجوز الجلد فيه بالسوط لما تقدم.
٣٢٣٧ - وقد جاء عن عمر ﵁ أنه جلد قدامة بن مظعون بسوط، ولا يتعين ذلك، بل للإمام أن يضربه بالجريد والنعال إذا رأى ذلك، لما تقدم. قاله أبو الخطاب في الهداية، وأبو البركات وابن حمدان. وعموم كلام الخرقي يقتضي تعين ذلك، وتبعه على ذلك أبو محمد في المغني، فأورده مذهبا، وهو ظاهر كلامه في الكافي، وكلام القاضي في الجامع الصغير، والشريف والشيرازي وابن عقيل وغيرهم، قالوا: يضرب بسوط. وأجاب أبو محمد عما تقدم بأنه كان في بدء الإسلام، ويرده حديث السائب بن يزيد وقد تقدم.
قال: لا جديد ولا خلق.
ش: لما تقدم عن زيد بن أسلم، ولأنه إن كان خلقا قل ألمه، وإن كان جديدا جرح، والمقصود ردعه لا قتله.
٣٢٣٨ - وعن علي ﵁ أنه قال: ضرب بين ضربين، وسوط بين سوطين. ومن ثم قال أحمد: لا يبدي إبطه في
стр. 3464
شيء من الحدود، أي لا يبالغ في رفع يده فيبالغ في الألم، وربما قتله، وقال الأصحاب: يضرب وعليه القميص والقميصان لا الفراء ونحوها.
قال: ولا يمد ولا يربط.
ش: لأن ذلك لم ينقل عن الخلفاء الراشدين ﵃.
٣٢٣٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: ليس في ديننا مد، ولا قيد، ولا تجريد.
٣٢٤٠ - وفي مسلم في قصة ماعز قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له.
قال: ويتقي وجهه.
٣٢٤١ - ش: لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه» رواه أبو داود، واقتصر الخرقي على الوجه لهذا الحديث، وزاد غيره (الرأس) لما تقدم عن علي ﵁ (والمقاتل) حذارا من قتله، ويفرق الضرب على جميع أعضائه.
стр. 3465
وهذا على رواية أنه يضرب قائما، وعلى الأخرى يضرب الظهر وما قاربه.
قال: وتضرب المرأة جالسة.
ش: لأن المرأة عورة، وجلوسها أستر لها.
٣٢٤٢ - وعن علي ﵁ قال: تضرب المرأة جالسة والرجل قائما.
قال: وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها لئلا تنكشف.
ش: ذكر الخرقي الحكم ودليله، وهو خشية تكشفها وهي عورة.
قال: ويجلد العبد والأمة أربعين بدون سوط الحر.
ش: يجلد العبد والأمة نصف جلد الحر، وذلك أربعون على اختيار الخرقي، وعشرون على اختيار أبي بكر.
٣٢٤٣ - لأن ابن شهاب ﵁ سئل عن حد العبد في الخمر فقال: بلغني أن عليه نصف حد الحر في الخمر وكان عمر وعثمان وابن عمر ﵃ يجلدون عبيدهم في الخمر نصف حد الحر. . . رواه مالك في الموطأ،
стр. 3466
ويكون سوطه دون سوط الحر، تخفيفا للصفة كما في العدد، ولأبي محمد احتمال - وهو ظاهر إطلاق جماعة - أنه كسوط الحر، لأن التنصيف إنما يتحقق إذا كان كذلك.
[حكم العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام]
قال: والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلي قبل ذلك فيحرم.
ش: لا ريب أن العصير إذا غلى وقذف بالزبذ أنه حرام وإن لم تأت عليه ثلاثة أيام.
٣٢٤٤ - لما «روى أبو هريرة ﵁ قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فأخذه فإذا هو ينش ويغلي فقال لي: «اضرب به الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر» رواه أبو داود والنسائي، نعم، إذا علم من شيء أنه لا يسكر فلا بأس به وإن غلى كالفقاع، إذ العلة في التحريم الإسكار، ولا إسكار فيه. ولا ريب أنه إذا لم يغل ولم يأت عليه ثلاثة أيام، أنه مباح.
٣٢٤٥ - لما روت «عائشة ﵂ قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء غدوة فيشربه عشية، وعشية فيشربه غدوة، مختصر» . . . رواه أبو داود والترمذي
стр. 3467
والنسائي، واختلف فيما إذا أتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل، فمنصوص أحمد وعليه عامة أصحابه تحريمه.
٣٢٤٦ - لما «روى ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقى الخادم، أو أمر به فصب. وفي رواية: كنا ننقع لرسول الله ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر فيسقى أو يهراق» . رواه مسلم وأحمد وأبو داود، وظاهر هذا أن هذا كان دأبه ﷺ وعادته، لا أنه فعل ذلك في شيء، الغالب أنه يتخمر بعد ذلك.
٣٢٤٧ - وقد «روى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل» .
»
стр. 3468
٣٢٤٨ - وقال ابن عمر ﵄ في العصير: اشربه ما لم يأخذه شيطانه. قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث. . . حكاه أحمد. والمعنى في ذلك أن الشدة تحصل في الثلاث كثيرا، وهي خفية تحتاج إلى ضابط، فجعلت الثلاث ضابطا لها، ولم يلتفت أبو الخطاب إلا إلى الغليان، وحمل كلام أحمد على عصير الغالب أن يتخمر في الثلاث، ولأبي محمد احتمال بكراهة ذلك من غير تحريم، لأن أحمد قال في موضع: أكرهه.
[حكم النبيذ]
قال: وكذلك النبيذ.
ش: يعني أنه مباح ما لم يغل، أو يأت عليه ثلاثة أيام لما تقدم من حديث ابن عباس وأبي هريرة ﵃، والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء.
[حكم انقلاب الخمر خلا]
قال: والخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا لم تزل عن تحريمها.
ش: هذا هو المذهب المشهور المجزوم به.
٣٢٤٩ - لما روي عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: «لا» . .» . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه.
стр. 3469
٣٢٥٠ - وعنه أيضا «أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: «أهرقوها» قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: «لا» » رواه أحمد وأبو داود، فنهى ﷺ عن التخليل، والنهي يقتضي الفساد، وأمر بإراقتها مع كونها لأيتام، ولو زال تحريمها بالتخليل لأرشده ﷺ إلى ذلك، حذارا من ضياع المال، لا سيما وهي لأيتام.
٣٢٥١ - وقد روي أن عمر ﵁ صعد المنبر فقال: لا تحل خمر أفسدت، حتى يكون الله تعالى هو الذي تولى إفسادها، ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يعتمد إفسادها، فعند ذلك يقع النهي. رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى، وهذا قاله بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر فكان إجماعا،
стр. 3470
وقيل: يزول تحريمها مطلقا، لأن علة التحريم الشدة المطربة، وقد زالت فيزول التحريم، وقيل - وهو احتمال لأبي محمد - إن قصد تخليلها بنقلها من الشمس إلى الفيحاء أو بالعكس حلت لما تقدم، وإن خللت بما يلقى فيها لم تحل، لنجاسة الملقى فيها، فإذا انقلبت بقي الملقى فيها على نجاسته.
قال: وإن قلب الله تعالى عينها فصارت خلا فهي حلال.
ش: لما تقدم عن عمر ﵁ ولزوال علة التحريم من غير فعل محرم.
[الشرب في آنية الذهب والفضة]
قال: والشرب في آنية الذهب والفضة حرام.
٣٢٥٢ - ش: لما روت أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه. ولمسلم: «الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب» » .
٣٢٥٣ - «وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة بالمدائن فاستسقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة، فرماه به وقال: إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في
следующие страницы →