← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ويكون سوطه دون سوط الحر، تخفيفا للصفة كما في العدد، ولأبي محمد احتمال - وهو ظاهر إطلاق جماعة - أنه كسوط الحر، لأن التنصيف إنما يتحقق إذا كان كذلك. [حكم العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام] قال: والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلي قبل ذلك فيحرم. ش: لا ريب أن العصير إذا غلى وقذف بالزبذ أنه حرام وإن لم تأت عليه ثلاثة أيام. ٣٢٤٤ - لما «روى أبو هريرة ﵁ قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فأخذه فإذا هو ينش ويغلي فقال لي: «اضرب به الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر» رواه أبو داود والنسائي، نعم، إذا علم من شيء أنه لا يسكر فلا بأس به وإن غلى كالفقاع، إذ العلة في التحريم الإسكار، ولا إسكار فيه. ولا ريب أنه إذا لم يغل ولم يأت عليه ثلاثة أيام، أنه مباح. ٣٢٤٥ - لما روت «عائشة ﵂ قالت: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء غدوة فيشربه عشية، وعشية فيشربه غدوة، مختصر» . . . رواه أبو داود والترمذي

стр. 3467

والنسائي، واختلف فيما إذا أتت عليه ثلاثة أيام ولم يغل، فمنصوص أحمد وعليه عامة أصحابه تحريمه. ٣٢٤٦ - لما «روى ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ينبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقى الخادم، أو أمر به فصب. وفي رواية: كنا ننقع لرسول الله ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر فيسقى أو يهراق» . رواه مسلم وأحمد وأبو داود، وظاهر هذا أن هذا كان دأبه ﷺ وعادته، لا أنه فعل ذلك في شيء، الغالب أنه يتخمر بعد ذلك. ٣٢٤٧ - وقد «روى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل» . »

стр. 3468

٣٢٤٨ - وقال ابن عمر ﵄ في العصير: اشربه ما لم يأخذه شيطانه. قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في ثلاث. . . حكاه أحمد. والمعنى في ذلك أن الشدة تحصل في الثلاث كثيرا، وهي خفية تحتاج إلى ضابط، فجعلت الثلاث ضابطا لها، ولم يلتفت أبو الخطاب إلا إلى الغليان، وحمل كلام أحمد على عصير الغالب أن يتخمر في الثلاث، ولأبي محمد احتمال بكراهة ذلك من غير تحريم، لأن أحمد قال في موضع: أكرهه. [حكم النبيذ] قال: وكذلك النبيذ. ش: يعني أنه مباح ما لم يغل، أو يأت عليه ثلاثة أيام لما تقدم من حديث ابن عباس وأبي هريرة ﵃، والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء. [حكم انقلاب الخمر خلا] قال: والخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا لم تزل عن تحريمها. ش: هذا هو المذهب المشهور المجزوم به. ٣٢٤٩ - لما روي عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: «لا» . .» . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه.

стр. 3469

٣٢٥٠ - وعنه أيضا «أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: «أهرقوها» قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: «لا» » رواه أحمد وأبو داود، فنهى ﷺ عن التخليل، والنهي يقتضي الفساد، وأمر بإراقتها مع كونها لأيتام، ولو زال تحريمها بالتخليل لأرشده ﷺ إلى ذلك، حذارا من ضياع المال، لا سيما وهي لأيتام. ٣٢٥١ - وقد روي أن عمر ﵁ صعد المنبر فقال: لا تحل خمر أفسدت، حتى يكون الله تعالى هو الذي تولى إفسادها، ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يعتمد إفسادها، فعند ذلك يقع النهي. رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى، وهذا قاله بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر فكان إجماعا،

стр. 3470

وقيل: يزول تحريمها مطلقا، لأن علة التحريم الشدة المطربة، وقد زالت فيزول التحريم، وقيل - وهو احتمال لأبي محمد - إن قصد تخليلها بنقلها من الشمس إلى الفيحاء أو بالعكس حلت لما تقدم، وإن خللت بما يلقى فيها لم تحل، لنجاسة الملقى فيها، فإذا انقلبت بقي الملقى فيها على نجاسته. قال: وإن قلب الله تعالى عينها فصارت خلا فهي حلال. ش: لما تقدم عن عمر ﵁ ولزوال علة التحريم من غير فعل محرم. [الشرب في آنية الذهب والفضة] قال: والشرب في آنية الذهب والفضة حرام. ٣٢٥٢ - ش: لما روت أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه. ولمسلم: «الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب» » . ٣٢٥٣ - «وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة بالمدائن فاستسقى فسقاه مجوسي في إناء من فضة، فرماه به وقال: إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في

стр. 3471

آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه. فنهى، والنهي يقتضي التحريم، وأخبر أن الذي يفعل هذا تجرجر النار في بطنه، أو أنه هو يجرجرها في بطنه، وعلى كليهما لا يكون ذلك إلا بفعل محرم. (تنبيه) : «الديباج» كذا، والله أعلم. قال: وإن كان قدح عليه ضبة فضة فشرب من غير موضع الضبة فلا بأس. ش: إباحة الضبة في الجملة إجماع حكاه أبو البركات. ٣٢٥٤ - ويشهد له ما «روى أنس ﵁ أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة.» . . رواه البخاري، ولفظه: انصدع. وهذا يخصص حديث ابن عمر ﵁ -

стр. 3472

المتقدم في الآنية: «أو إناء فيه شيء من ذلك» إن صح، إلا أن البيهقي أشار للاعتراض على حديث البخاري فقال: إنه يوهم أن يكون النبي ﷺ اتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة قال: فصح بهذا السند أيضا إلى أنس وفيه: فجعلت مكان الشعب سلسلة. ٣٢٥٥ - «وروى أيضا عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس ﵁ وكان قد انصدع فسلسله بفضة» ، قلت: وإنما يجيء الوهم إذا ضبط الرواة (جعلت) مبنيا للفاعل، أما إن لم يضبطوا ذلك فيحتمل البناء للمفعول، وإذا لا يتعين أن يكون الفاعل هو أنس ﵁ بل يجوز أن يكون النبي ﷺ هو الفاعل، وهذا أولى، لموافقته رواية البخاري، ثم على البناء للفاعل ليس فيه أن ذلك كان بعد موت النبي ﷺ فيجوز أن يكون في حياته بأمره، ثم تارة أضاف الفعل إلى نفسه لأنه الفاعل حقيقة، وتارة أضافه إلى النبي ﷺ لأمره بذلك، كما يقال: بنى الأمير المدينة، ونحو ذلك.

стр. 3473

وعاصم فيه كلام، ثم قوله: فسلسله ليس فيه أن ذلك بعد موت النبي ﷺ فيجوز أن يكون في حياته، وأضاف الفعل إليه كما تقدم، وبالجملة الإجماع فيه كفاية، على أنا نقول بحجية قول الصحابي، وتخصيصه للعموم. إذا تقرر هذا، فظاهر كلام الخرقي اختصاص الجواز بضبة الفضة، وهو المذهب المنصوص اتباعا لقضية النص. (وعن أبي بكر) جواز اليسيرة من الذهب لحاجة. وظاهر كلامه أيضا أنه يشترط أن لا يباشر الضبة بالاستعمال، ولا يشرب من موضعها، وهو ظاهر كلام أحمد، واختيار ابن عقيل، وابن عبدوس، إذ الأصل التحريم تبعا للنص، ثم أبيح ما تدعو الحاجة إليه، فما عداه يبقى على الأصل، وقيل: يكره ذلك من غير تحريم.

стр. 3474

وبه قطع أبو الخطاب في الهداية، وابن البنا، وصاحب التلخيص، وأبو محمد في الكافي والمغني، ولابن تميم احتمال بالإباحة، ويحتمله كلام القاضي في تعليقه، وأبي البركات في محرره، وطائفة لسكوتهم عن ذلك. ومحل الخلاف إذا لم يحتج إلى المباشرة، أما إن احتاج إلى ذلك كلحس الطعام والشراب إذا كانت في موضعه فيباح. واختلف في شرطين آخرين (أحدهما) هل يشترط في الضبة أن تكون يسيرة، وهو المذهب، لأنها إذا تابعة في حكم العدم، أو لا يشترط، بل تجوز الكبيرة للحاجة إناطة بها - وهو اختيار ابن عقيل؟ على قولين. (الثاني) هل يشترط أن تكون مع قلتها للحاجة، وهو المنصوص، قاله أبو البركات، وقطع به أبو الخطاب في هدايته، وابن البنا، وصاحب التلخيص فيه، قصرا للحكم على مورد الأثر، أو لا يشترط، وجزم به جماعة، نظرا لاغتفار اليسير مطلقا كما تقدم؟ على قولين، ثم على الثاني هل تكره والحال هذه، وبه جزم القاضي في تعليقه، ويحتمله كلام أحمد في رواية أحمد بن نصر، وجعفر بن محمد، قال: لا بأس بالضبة، وأكره الحلقة، أو تباح، وبه قطع ابن عقيل، والشيرازي؟ على قولين أيضا. وكلام الخرقي محتمل في الشرطين، لكن لا نعرف قائلا بجواز الكبيرة لغير حاجة بل ملخص الشرطين أن الكبيرة لغير

стр. 3475

حاجة لا تباح، واليسيرة لحاجة تباح، وفي الكبيرة لحاجة واليسيرة لغير حاجة قولان. (تنبيه) : المراد بالحاجة هنا أن يحتاج إلى تلك الصورة، سواء كانت من حديد أو فضة، أو نحاس أو غير ذلك، لا أن يحتاج إلى كونها من فضة، بل هذه ضرورة يباح معها الذهب ولو مفردا، كما لو احتاج إلى اتخاذ أنف من ذهب ونحو ذلك، والله أعلم. [التعزير] [تعريف التعزير ومقداره] قال: ولا يبلغ بالتعزير الحد. ش: أصل التعزير في اللغة المنع، فقوله تعالى؛ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي منعوا أعداءه من الظفر به. وقول القائل: عزرت فلانا، إذا ضربته في معصية، أي منعته بضربي إياه من معاودة مثل ذنبه. وقال السعدي: عزرته، أي أدبته، وعزرته وقرته، فهو من الأضداد، وهو مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، كالوطء دون الفرج، وسرقة ما لا قطع فيه، والجناية على الناس في أموالهم أو في أبدانهم بما لا قصاص فيه. . . ونحو ذلك.

стр. 3476

٣٢٥٦ - سئل علي ﵁ عن قول الرجل للرجل: يا فاسق يا خبيث، قال: هن فواحش فيهن تعزير، وليس فيهن حد. ولا يشرع فيما فيه حد إلا على ما قاله أبو العباس في شارب الخمر، وفيما إذا أتى حدا في الحرم، فإن بعض الأصحاب قال: إن حده يغلظ، وهو نظير تغليظ الدية بالقتل في ذلك. وكذلك نص أحمد، وقاله جماعة من الأصحاب فيمن شرب الخمر في رمضان: يغلظ حده، وهل يشرع فيما فيه كفارة، كالظهار، وقتل شبه العمد ونحوهما؟ فيه وجهان. إذا تقرر هذا فلا تقدير لأقل التعزير، بل هو على قدر ما يراه الإمام، إلا في وطء جارية زوجته التي أحلتها له، فإنه لا ينقص عن مائة، بل ولا يزاد عليها للنص، ويختلف باختلاف الأشخاص والأجرام، ولا يتعين الضرب فيه، بل يجوز بالحبس والإحراق إلا في وطء جارية زوجته.

стр. 3477

قال في الكافي: والجارية المشتركة، ولا يجوز بقطع الطرف والجرح، وأخذ المال. قاله أبو محمد. وجوز أبو العباس التعزير بقطع الخير، والعزل عن الولايات. ٣٢٥٧ - مستندا لعزل عمر ﵁ بعض نوابه لما بلغه عنه أنه تمثل بأبيات في العقار. ٣٢٥٨ - وعنه أيضا ﵁ أنه عزر فيه بالنفي وحلق الرأس، واختلف في أعلاه، فروى جماعة عن أحمد أنه لا يزاد فيه على عشر جلدات. ٣٢٥٩ - اعتمادا على حديث أبي بردة هانئ بن نيار ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله » ، وفي لفظ: «لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله تعالى» رواه البخاري، وهذا عام في كل عقوبة، خرج منه بالاستثناء حدود الله تعالى. والمتيقن من ذلك الحدود المقدرة الطرفين، فما عداها يبقى على العموم. وحكى أبو الخطاب (رواية أخرى) أنه لا يزاد على تسع جلدات، ولا يظهر لي وجهها، ونقل جماعة عن أحمد في

стр. 3478

الرجل يطأ جارية بينه وبين شريكه: يجلد مائة إلا سوطا. ٣٢٦٠ - قال: كذا قال سعيد بن المسيب، قال الراوي: وذهب إلى حديث عمر ﵁ ونص أيضا فيما إذا وطئ جارية زوجته وقد أحلتها له أنه يجلد مائة. ٣٢٦١ - لحديث النعمان بن بشير ﵁ أنه رفع إليه رجل غشي جارية زوجته، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن كانت لم تحلها لك رجمتك. رواه الخمسة، فاستثنى القاضي في الروايتين هاتين الصورتين. وقال: المذهب عندي أنه لا يزاد على عشر جلدات إلا في هاتين الصورتين، لقضية النص. وقال: هو في خلافه، وعامة أصحابه وغيرهم: إنه يؤخذ من هذا أن كل ما كان سببه الوطء كوطء الجارية المشتركة والمزوجة، والمحرمة برضاع، ووطء الأجنبية دون الفرج،

стр. 3479

وإذا كان مع امرأة في لحاف، ووطء الأب جارية ابنه، ووطء البهيمة حيث قيل بالتعزير فيهما: يجوز أن يزاد فيه على عشر جلدات، ما لم يبلغ به الحد في ذلك الجنس، فيجوز أن يضرب الحر مائة، ولا ينفي، وبعضهم يقول مائة إلا سوطا، أو مائة بلا نفي. وبعض الأصحاب اعتمد نص أحمد كما تقدم، ففي المشتركة مائة إلا سوطا، وفي أمة الزوجة مائة، ونص أيضا فيما إذا وطئ دون الفرج أنه يضرب مائة. ٣٢٦٢ - وقد نقل عن الخلفاء الراشدين في رجل وامرأة وجدا في لحاف يضربان مائة، وفرع أبو البركات على هذا في أن العبد يضرب خمسين إلا سوطا، قال ابن حمدان: وقيل خمسون، ومن قال بهذا وهم الأكثرون قالوا: إن في ما عدا الوطء يجوز أن يزاد فيه على عشر جلدات، ولا يبلغ به أدنى الحدود. ٣٢٦٣ - أخذا بما روى صالح قال: حدثني أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عطاء بن أبي مروان أن عليا ﵁ ضرب النجاشي ثمانين، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: هذا لتجريك على الله، وإفطارك في رمضان. قال

стр. 3480

أبي: أذهب إليه، وظاهر كلام الخرقي أن جميع التعزيرات يجوز أن يزاد فيها على العشر، ولا يبلغ به أدنى الحدود، كذا فهم عنه القاضي وغيره. ثم أكثر الأصحاب يقولون: لا يبلغ بالحر أدنى حده وهو الأربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أدنى حده، وهو عشرون أو أربعون. وقيل: لا يبلغ بكليهما حد العبد. وقال أبو محمد: إن كلام أحمد في وطء الأمة المشتركة ونحوها، وكلام الخرقي يحتمل أن لا يبلغ بالتعزير في الذنب حد جنسه، ويجوز أن يزيد على حد جنس آخر، وإلى هذا ميل أبي العباس، وهو أقعد من جهة الدليل. ٣٢٦٤ - لما روي عن عمر ﵁ أن رجلا نقش على خاتمه، وأخذ من بيت المال، فضربه مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وهذا كله دون حد جنسه وهو القطع، وحديث النعمان لم يبلغ به الحد

стр. 3481

في جنسه، لأن حد واطئ جارية امرأته الرجم لإحصانه. وكذلك قصة عمر والخلفاء ﵃ في الأمة المشتركة، وفيمن وجد مع امرأة في لحاف، ويحمل حديث أبي بردة ﵁ على أن أحدا لا يؤدب فوق عشرة أسواط، والتأديبات تكون في غير محرم، وقوله: «إلا في حد من حدود الله تعالى» فالمراد به في المحرمات التي حرمها الله سبحانه، كما في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وذلك يشمل الحدود المقدرة وغيرها، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. [الصيال] [حكم دفع الصائل] قال: وإذا حمل عليه جمل صائل، فلم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه، فضربه فقتله فلا ضمان عليه. ش: إذا صالت عليه بهيمة فلم يقدر على التخلص منها إلا بضربها، فله ذلك إجماعا، ولا ضمان عليه، لأنه حيوان جاز إتلافه، فلم يضمنه كالآدمي المكلف، ولأنه قتله لدفع شره، فأشبه العبد، وفارق المضطر إلى طعام الغير، حيث يضمنه فإن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته. قال: ولو دخل رجل منزله بسلاح، فأمره بالخروج فلم يفعل، فله ضربه بأسهل ما يخرجه به، فإن علم أنه يخرج بضرب عصا لم يجز أن يضربه بحديدة. ش: إذا دخل رجل منزل غيره بغير إذنه فلصاحب المنزل

стр. 3482

أمره بالخروج، لتعديه بالدخول، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] الآية. ٣٢٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي، قال: «فأنشده بالله» قال: فإن أبوا علي؟ قال: «فقاتل، فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار» رواه النسائي. فإن خرج بالأمر لم يكن له ضربه لظاهر الحديث، ولزوال تعديه وإن لم يخرج بالأمر فله ضربه، دفعا للضرر الحاصل له بتسليط الغير عليه. وللحديث، ويضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به، لأن الزائد لا حاجة به إليه، إذ المقصود الدفع، ولهذا قلنا في البغاة لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، وقد أشار في الحديث إلى هذا حيث أمر بالإنشاد أولا، ويتفرع على هذا أنه إذا علم أنه يندفع بعصا لم يجز أن يضربه بحديدة، وكذلك لو غلب على ظنه أنه يندفع بقطع بعض أعضائه لم يكن له قتله، فلو قتله والحال هذه ضمنه، وكذلك لو ضربه فقطع يده فولى، لم يكن له ضربه ثانيا، فإن فعل فقطع رجله ضمنها فقط، وعلى هذا.

стр. 3483

٣٢٦٦ - وقد يستشكل هذا بالحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . والأمر باللسان أسهل على المنكر عليه من التغيير باليد بكسر أو إتلاف ونحو ذلك. ٣٢٦٧ - وقد روي أن ابن عمر ﵄ رأى لصا فأصلت عليه السيف، قال: فلو تركناه لقتله. وحمل أبو محمد فعل ابن عمر على قصد الترهيب، وقد يحمل على أنه خشي إن لم يبادره بذلك بادره اللص بالقتل. وفي هذه الصورة يجوز بدأته بالقتل. (تنبيه) الخرقي ذكر الحكم فيما إذا كان مع الداخل سلاح، وأبو محمد قال في المغني: وإن لم يكن معه سلاح، ولعل كلام الخرقي أصوب إذ المسألة مفروضة عند كثير من الأصحاب فيمن دخل متلصصا أو صائلا، والغالب من حال هذين أن معهما سلاحا، أما إن دخل إنسان على غير هاتين الحالتين، فظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجرى

стр. 3484

عليه هذا الحكم. نعم يؤمر بالخروج قطعا، فإن لم يخرج فينبغي أن يخرج بالشرط ونحو ذلك. قال: فإن آل الضرب إلى نفسه فلا شيء عليه. ش: يعني إذا آل الضرب إلى نفس الداخل فلا شيء على الضارب، لأنه تلف لدفع شره فلم يضمنه كالباغي. ٣٢٦٨ - وقد روي أن رجلا أضاف إنسانا من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر، فقتلته فقال عمر ﵁: والله لا يودى أبدا. ٣٢٦٩ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ السابق في رواية مسلم قال: «يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» . »

стр. 3485

قال: وإن قتل صاحب الدار كان شهيدا. ش: لأنه قتل لدفع ظالم فكان شهيدا كالعادل يقتله الباغي، ولحديث أبي هريرة ﵁. ٣٢٧٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. . . ٣٢٧١ - وقد روي من حديث بريدة رواه النسائي، ومن حديث

стр. 3486

سعيد بن زيد رواه الترمذي، وأبو داود والنسائي، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» . [ضمان جناية الدواب وما أفسدته من الزروع] قال: وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها، وما أفسدت من ذلك نهارا لم يضمنوه. ش: كذا قال جماعة من الأصحاب، منهم القاضي في الجامع الصغير، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وابن البنا، وابن عقيل في التذكرة، وغيرهم. ٣٢٧٢ - لما «روى حرام بن محيصة ﵄ أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فقضى نبي الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. قال ابن عبد البر: هذا وإن كان مرسلا فهو مشهور، حدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء

стр. 3487

الحجاز بالقبول. ولأن عادة أهل المواشي إرسالها نهارا، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا لا ليلا، فإذا أتلفت ليلا فالتفريط من أهلها لتركهم حفظها، وإن أتلفت نهارا فالتفريط من أرباب الحوائط، لعدم حفظها، ومن التفريط منه الغرم عليه. وحكى أبو البركات رواية، وأوردها مذهبا، وقطع بها أبو الحسين في فروعه، أن الضمان إنما يجب على أرباب البهائم في الليل إذا لم يحفظوها عن الخروج فيه، لتفريطهم إذا، بخلاف ما إذا حفظوها فأفسدت، كما إذا انفلتت من الربط، أو سقط الحائط أو فتح اللص الباب ونحو ذلك، فخرجت فأفسدت فلا ضمان، لانتفاء التفريط ولعموم «العجماء

стр. 3488

جبار» نعم في صورة ما إذا فتح الباب لص ونحوه الضمان على الفاتح، قاله في الكافي، واستثنى أبو البركات من عدم الضمان في النهار ما إذا أرسلت عمدا بقرب ما تفسده عادة، لقصد التعدي والحال هذه، ونحو هذا قول القاضي في موضع قال: المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراعٍ، أما القرى العامرة التي لا يرعى فيها إلا بين قراحين كساقية وطريق، وطرق زرع، فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع، فإن فعل فعليه الضمان لتفريطه. والخرقي ﵀ نص على الزرع، فقد يوهم كلامه أن غير الزرع لا ضمان فيه على أربابها مطلقا، وصرح بذلك أبو محمد. ٣٢٧٣ - مستندا لقول النبي ﷺ : «العجماء جبار» ، ولم يفرق القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وأبو البركات وغيرهم بين الزرع، وغيره، ويرشحه حديث ناقة البراء ﵁، فإن الحوائط البساتين. (تنبيه) : «العجماء» الدابة، «والجبار» الهدر الذي لا شيء فيه.

стр. 3489

قال: وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها ما أصابت من نفس أو جرح أو مال، وكذلك إن قادها أو ساقها. ش: لإمكان حفظها والحال هذه عن الجناية، فإذا لم يحفظها الراكب أو السائق أو القائد فقد فرط، والمفرط عليه الضمان. ٣٢٧٤ - وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرجل جبار» رواه أبو داود، فمفهومه أن غير الرجل ليس بجبار، فيحمل على ما إذا كان معها راكب أو سائق أو قائد، وتحمل روايته في الصحيحين: «العجماء جرحها جبار» ، على ما إذا لم يكن معها أحد، وحكم ما أتلفته بفمها حكم ما أتلفته بيدها، وكلام الخرقي يشمل الليل والنهار وهو كذلك، وعلم من ذلك أن المسألة السابقة فيما إذا لم تكن في يد أحد.

стр. 3490

قال: وما جنت برجلها فلا ضمان عليه. ش: يعني راكبها، وهذا إحدى الروايتين، وبه قطع الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، لعموم الحديث السابق. ٣٢٧٥ - وفي «رواية ذكرها رزين أن رسول الله ﷺ قضى في الدابة تنفح برجلها أنه جبار» . (والثانية) عليه الضمان في الحال التي يضمن فيها اليد أو الفم، قياسا للرجل عليهما، وفصل أبو البركات فجعل وطأها يضمنه من معها من راكب أو سائق أو قائد، لإمكان حفظها إذا بخلاف نفحها ابتداء، فإنه لا يضمنه، لعدم إمكان حفظها، ونحو ذلك، قاله ابن البنا قال: إن نفحت برجلها وهو يسير عليها فلا ضمان، وإن كان سائقا لها ضمن ما جنت برجلها. واتفق الشيخان على أنه يضمن نفحها لكبحها باللجام ونحوه، قال أبو البركات: ولو أنه لمصلحته، لأنه السبب في جنايتها، ومن ثم قيل: إذا كان السبب من غيره كأن نخسها ونحو ذلك، فالضمان على ذلك الغير.

стр. 3491

(تنبيه) : لو أوقفها في طريق فإنه يضمن جنايتها بيدها أو رجلها، وإن لم يكن معها، قاله ابن عقيل وابن البنا، إن كان الطريق ضيقا، وإن كان واسعا فروايتان، حكاهما ابن البنا. ٣٢٧٦ - ومنشأهما حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن» رواه الدارقطني، فهل يؤخذ بعمومه مطلقا، أو يحمل على ما إذا وقفها في طريق ضيق، أو حيث يضر بالمارة، لتعديه إذا بخلاف الطريق الواسع. [الحكم لو تصادم فارسان أو رجلان فمات الرجلان أو الدابتان] قال: وإذا تصادم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر. ش: لأن كلا منهما ماتت دابة الآخر بصدمته، فكان عليه ضمانها كما لو أتلفها من غير صدم، وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها. قال: وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا فتلفت الدابتان، فعلى السائر قيمة دابة الواقف.

стр. 3492

ش: هذا الذي أورده أبو البركات مذهبا، ونص عليه أحمد، قاله أبو محمد، لأن السائر والحال هذه هو الصادم المتلف، فوجب عليه الضمان، واختار أبو محمد أنه إن كان الواقف في طريق ضيق فلا ضمان على السائر، لتعدي الواقف إذا بخلاف السائر، ويشهد لهذا حديث النعمان وقد تقدم. ومقتضى كلام الخرقي أن الواقف لا يضمن السائر مطلقا، وهو منصوص أحمد، لأنه هو المتلف لنفسه أو ماله بصدمته، وقيل يضمنه مطلقا، لأنه لولاه ما تلف. وقيل: يضمنه مع ضيق الطريق، لتعديه بالوقوف إذا دون سعته، لعدم تعديه، وهو مختار أبي محمد، ومقتضى حديث النعمان ﵁. قال: وإذا تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وفي مال كل واحد منهما عتق رقبة. ش: لأن كل واحد منهما مات من صدمة الآخر، ووجوب الدية على عاقلتيهما، لأن ذلك إما خطأ أو شبه عمد، لأنهما وإن تعمدا ذلك فالصدمة لا تقتل غالبا، ولا فرق بين البصيرين والأعميين، والبصير والأعمى والله أعلم. قال: وإذا وقعت السفينة المنحدرة على الصاعدة، فغرقتا فعلى المنحدرة قيمة السفينة الصاعدة، أو أرش ما نقصت إذا

стр. 3493

أخرجت، إلا أن تكون المنحدرة غلبتها الريح فلم يقدر على ضبطها. ش: أما كون السفينة المنحدرة إذا وقعت على المصعدة على قيم المنحدرة قيمة السفينة المصعدة إن غرقت، أو أرش ما نقصت إن خرجت من الغرق، لأن المنحدرة تنزل عليها من علو فتكون بمنزلة السائر، والمصعدة بمنزلة الواقف، وأما كونه يستثنى من ذلك إذا غلب المنحدرة ريح فلم يقدر على ضبطها، لأنه والحال هذه لا ينسب للقيم تفريط ألبتة، بخلاف ما تقدم. ومقتضى كلام الخرقي أنه لو غرقت المنحدرة أنه لا شيء على قيم المصعدة، وهو كذلك كالسائر مع الواقف، نعم، يستثنى من ذلك إذا كان قيم المصعدة مفرطا بأن كان يمكنه العدول بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فإن الضمان على المصعد، إناطة بالتفريط. . . ولهذه المسألة التفات إلى مسألة السائر مع الواقف، والله أعلم.

стр. 3494

[كتاب الجهاد] ش: لا ريب في مشروعية الجهاد والحث عليه. ٣٢٧٧ - وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» متفق عليه. ٣٢٧٨ - وعن أبي عبس الحارثي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» رواه البخاري والترمذي والنسائي.

стр. 3495

٣٢٧٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» رواه أحمد والترمذي. ٣٢٨٠ - وعن ابن أبي أوفى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجنة تحت ظلال السيوف» رواه أحمد والبخاري. . . ٣٢٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قيل للنبي ﷺ : ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا تستطيعونه» قال في الثالثة: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» رواه مسلم.

стр. 3496

٣٢٨٢ - وللبخاري من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» مختصر. والأحاديث في فضله كثيرة جدا، وكيف لا وبه قيام الدين. [حكم الجهاد] قال: والجهاد فرض على الكفاية. ش: هذا قول عامة أهل العلم، لقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] إلى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] الآية. وهذا يدل على أن القاعد بلا ضرر غير آثم مع جهاد غيره.

стр. 3497

٣٢٨٣ - وفي الصحيحين عن البراء ﵁ قال: «لما نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله تعالى) قال النبي ﷺ : «ادعوا فلانا» فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية. » ٣٢٨٤ - قال ابن عباس ﵄ في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] ، و ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] قال: نسختها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . . . رواه أبو داود. ولأن النبي ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه. وعلى هذا تحمل

стр. 3498

الأوامر المطلقة؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، وقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] ونحو ذلك. ٣٢٨٥ - وقول النبي ﷺ : «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا» رواه أبو داود. ٣٢٨٦ - وقوله: ﷺ «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» رواه أبو داود والنسائي. ٣٢٨٧ - وقوله ﵇: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» رواه مسلم وغيره.

стр. 3499

وابن المبارك يقول في هذا الحديث: نرى أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ . (تنبيه) : يتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: (أحدها) إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] ، وقَوْله تَعَالَى؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] إلى قوله: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] . (الثاني) إذا استنفره الإمام، لقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] إلى قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] . ٣٢٨٨ - وفي الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . (الثالث)

стр. 3500

إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم، والنفير إليهم، لأنهم في معنى حاضري الصف فتعين عليهم كما يتعين عليه لعموم: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] الآية. . . ولم يذكر أبو محمد في الكافي والمقنع تعينه إلا في موضعين، إذا حضر الصف، وإذا حضر العدو بلدة، وكلام ابن المنجا يقتضي أن «حصر» بالصاد المهملة، لأنه قال: ولأن البلد إذا حصر قرب شبه من فيه بمن حضر الصف، وإنما هو بالمعجمة، فإن عبارته في الكافي والمغني كما تقدم. قال: إذا قام به قوم سقط عن الباقين. ش: هذا تفسير لفرض الكفاية، وهو يشترك وفرض العين أن الجميع مخاطبون به على الصحيح، وأن الكل إذا تركوه أثموا وقوتلوا عليه، كما في فرض العين سواء، ويخالفه في أنه إذا قام البعض به سقط عن الباقين، بخلاف فرض العين كالصلاة ونحوها، فإنه لا يسقط عن البعض بفعل البعض، قال أحمد في رواية حنبل: الغزو واجب على الناس كلهم، فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم، والفرض في ذلك موقوف على غلبة الظن، فإذا غلب على الظن أن الغير يقوم بذلك سقط

стр. 3501

عن الباقين، كما إذا كان ثم جند لهم ديوان لذلك، وفيهم كفاية، أو قوم أعدوا أنفسهم لذلك وفيهم منعة للقاء العدو، ونحو ذلك. وإن غلب على الظن أن لا قائم به وجب على كل أحد القيام به. (تنبيه) : إذا قام بفرض الكفاية طائفة، ثم قام به أخرى، فهل يقع فعل الثانية فرضا؟ فيه وجهان، وكلام ابن عقيل يقتضي أن فرضيته محل وفاق، وكلام أحمد ﵁ محتمل. [فضل الجهاد] قال: قال أبو عبد الله ﵀: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد. ش: روى ذلك عن أحمد جماعة، قال الأثرم: قال أحمد: لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال في رواية الفضل بن زياد: ما من أعمال البر أفضل منه، وذلك لما تقدم في فضله، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ «وقيل للنبي ﷺ : ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» . ٣٢٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة،

стр. 3502

فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا تفعل، فإن مقام أحدكم يوما في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» . ٣٢٩٠ - وعن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ست خصال، يغفر الله له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» رواهما الترمذي، وقال في الثاني: حسن صحيح غريب.

стр. 3503

٣٢٩١ - وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: «رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه» قال: ثم من؟ قال: «ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه ويدع الناس من شره» . » ٣٢٩٢ - وفيهما أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الحج المبرور» .» ٣٢٩٣ - وفيهما أيضا «عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني» . ٣٢٩٤ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ألا

стр. 3504

أخبركم بخير الناس؛ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله» . . . رواه الترمذي وحسنه. ٣٢٩٥ - وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] إلى آخرها. رواه مسلم. ولأن فيه إعلاء كلمة الله سبحانه، وبذل المهجة، ونفعه يعم جميع المسلمين. [غزو البحر أفضل أم غزو البر] قال: وغزو البحر أفضل من غزو البر. ٣٢٩٦ - ش: روى أنس بن مالك ﵁ «عن رسول

стр. 3505

الله ﷺ أنه كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «أناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة» مختصر رواه مسلم. ٣٢٩٧ - وعن أم حرام ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغريق له أجر شهيدين» رواه أبو داود. ٣٢٩٨ - وفي حديث رواه ابن ماجه: «شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض
следующие страницы →