Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
عن الباقين، كما إذا كان ثم جند لهم ديوان لذلك، وفيهم كفاية، أو قوم أعدوا أنفسهم لذلك وفيهم منعة للقاء العدو، ونحو ذلك. وإن غلب على الظن أن لا قائم به وجب على كل أحد القيام به.
(تنبيه) : إذا قام بفرض الكفاية طائفة، ثم قام به أخرى، فهل يقع فعل الثانية فرضا؟ فيه وجهان، وكلام ابن عقيل يقتضي أن فرضيته محل وفاق، وكلام أحمد ﵁ محتمل.
[فضل الجهاد]
قال: قال أبو عبد الله ﵀: لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد.
ش: روى ذلك عن أحمد جماعة، قال الأثرم: قال أحمد: لا نعلم شيئا من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال في رواية الفضل بن زياد: ما من أعمال البر أفضل منه، وذلك لما تقدم في فضله، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ «وقيل للنبي ﷺ : ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: «لا تستطيعونه» .
٣٢٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذبة،
стр. 3502
فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا تفعل، فإن مقام أحدكم يوما في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة» .
٣٢٩٠ - وعن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله ﷺ : «للشهيد عند الله ست خصال، يغفر الله له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» رواهما الترمذي، وقال في الثاني: حسن صحيح غريب.
стр. 3503
٣٢٩١ - وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: «رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه» قال: ثم من؟ قال: «ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه ويدع الناس من شره» .
» ٣٢٩٢ - وفيهما أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الحج المبرور» .» ٣٢٩٣ - وفيهما أيضا «عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني» .
٣٢٩٤ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ألا
стр. 3504
أخبركم بخير الناس؛ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله» . . . رواه الترمذي وحسنه.
٣٢٩٥ - وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] إلى آخرها. رواه مسلم. ولأن فيه إعلاء كلمة الله سبحانه، وبذل المهجة، ونفعه يعم جميع المسلمين.
[غزو البحر أفضل أم غزو البر]
قال: وغزو البحر أفضل من غزو البر.
٣٢٩٦ - ش: روى أنس بن مالك ﵁ «عن رسول
стр. 3505
الله ﷺ أنه كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «أناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة» مختصر رواه مسلم.
٣٢٩٧ - وعن أم حرام ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغريق له أجر شهيدين» رواه أبو داود.
٣٢٩٨ - وفي حديث رواه ابن ماجه: «شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض
стр. 3506
الأرواح، إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، يغفر لشهداء البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين» .
وقد دل كلام الخرقي على مشروعية الغزو في البحر، وقد دل عليه ما تقدم، والله أعلم.
[الغزو مع الإمام البر والفاجر]
قال: ويغزى مع كل بر وفاجر.
٣٢٩٩ - ش: روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برا كان أو فاجرا» » مختصر.
٣٣٠٠ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من أصل الإيمان، الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله، إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» رواهما أبو داود.
стр. 3507
(تنبيه) : قال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزو مع من له شفقة على المسلمين. فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه، إنما ذلك على نفسه.
٣٣٠١ - ويروى عن النبي ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» .
قال: ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو.
ش: نص أحمد على ذلك، مستدلا بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] الآية، وهذا إذا لم يكن ثم عذر، فإن كان ثم عذر بكون الأبعد أخوف، أو الأقرب مصالحا، ونحو ذلك، فلا بأس بتقديم الأبعد.
стр. 3508
[مدة الرباط في سبيل الله]
قال: وتمام الرباط أربعون يوما.
٣٣٠٢ - ش: يروى هذا عن أبي هريرة وابن عمر ﵃.
٣٣٠٣ - وروى أبو الشيخ في كتاب الثواب عن النبي ﷺ أنه قال: «تمام الرباط أربعون يوما» ، أما أقل الرباط فقال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط.
٣٣٠٤ - وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» رواه أحمد والنسائي والترمذي.
стр. 3509
٣٣٠٥ - ولأحمد عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها» .
٣٣٠٦ - وفي مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» .
стр. 3510
[إذن الوالدين في الجهاد]
قال: وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما.
٣٣٠٧ - ش: الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنه في الجهاد؟ قال: «أحي والداك» ؟ قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» » رواه الجماعة.
٣٣٠٨ - وعن أبي سعيد ﵁ «أن رجلا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله ﷺ فقال له: «هل لك أحد باليمن» ؟ قال: أبواي. قال: «أذنا لك؟» قال: لا. قال: «فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» » رواه أبو داود.
٣٣٠٩ - وعن معاوية بن جاهمة «أن جاهمة ﵁ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو، وقد جئت
стр. 3511
أستشيرك، فقال: «هل لك من أم» ؟ قال: نعم. قال: «فالزمها، فإن الجنة عند رجليها» » رواه النسائي. وهذا نص في المنع منه بدون إذنهما وجوازه بإذنهما. وقول الخرقي: مسلمين. وكذلك إذا كان أحدهما مسلما، إذ يجب بر الواحد منهما كما يجب برهما. وحديث جاهمة في أحدهما، وعموم كلام الخرقي يشمل وإن كانا رقيقين، ويؤيد ذلك عدم الاستفصال من رسول الله ﷺ وقيل: لا يعتبر إذنهما إذا كانا رقيقين، وبه قطع أبو البركات، لعدم ولايتهما، أشبها المجنونين، ويخرج به ما إذا كانا كافرين، وهو كذلك، لأن أبا بكر الصديق ﵁ وغيره كانوا يجاهدون بدون إذن آبائهم، وقوله: تطوعا. المراد به إذا لم يتعين عليه الجهاد، وسماه تطوعا لأن فرض الكفاية له شبه بالتطوع، لسقوطه عن البعض بفعل البعض. ويخرج منه ما إذا تعين عليه، وقد صرح به حيث قال: وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لهما.
قال: وإذا خوطب بالجهاد فلا إذن لأبويه.
ش: أي إذا خوطب به على التعيين، لأنه والحال هذه تركه
стр. 3512
معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وقد قال في حقهما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] .
٣٣١٠ - نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا ﵇ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] الآية.
قال: وكذلك كل الفرائض لا طاعة لهما في تركها.
ش: كالحج، والصلاة في الجماعة، وطلب العلم الواجب، ونحو ذلك، لمساواتها للحج معنى، فتساويا
стр. 3513
حكما وقد نص أحمد ﵀ على الحج والصلاة في الجماعة، معللا بالفرضية.
٣٣١١ - وما أحسن ما قال الحسن ﵁ وسئل عن البر والعقوق، قال: البر أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك به، ما لم يأمراك بمعصية الله، والعقوق أن تهجرهما وتحرمهما.
[قتال أهل الكتاب والمجوس قبل الدعوة للإسلام]
قال: ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، ولا يدعون، لأن الدعوة قد بلغتهم.
ش: قد ذكر الخرقي ﵀ الحكم وعلته، وهو أن الدعوة قد بلغتهم، فلا حاجة إليها ثانيا.
٣٣١٢ - وفي الصحيحين «عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث، حدثني به عبد الله بن عمر ﵄ وكان في ذلك الجيش» .
стр. 3514
[دعوة عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا]
قال: وتدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا.
٣٣١٣ - ش: لما «روى ابن عباس ﵄ قال: ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط إلا دعاهم» . رواه أحمد.
٣٣١٤ - ولمسلم وغيره «من حديث بريدة قال: «إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو ثلاث خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم» وذكر الحديث إلى آخره.
٣٣١٥ - وعن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم
стр. 3515
إلى الله تعالى» . رواه مسلم وليس هذا بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ وهذا من الخرقي ﵀ خرج على الغالب، إذ لو كان في عبدة الأوثان من بلغته الدعوة لجاز قتالهم من غير دعوة، ولو كان في أهل الكتاب ونحوهم من لم تبلغه الدعوة لدعوا قبل القتال، فالحكم منوط بالبلوغ وعدمه. قال أحمد: الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة، لم يجز قتالهم قبل الدعوة، وعن أحمد ما يدل على أن اليوم لا يجب أن يدعى أحد، وأن الدعاء كان في ابتداء الإسلام.
قال: كان النبي ﷺ يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب، حتى أظهر الله الدين وعلا الإسلام. ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد بلغتهم الدعوة، وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام، وإن دعا فلا بأس. وعلى هذا حديث
стр. 3516
ابن عمر ﵄ وإذًا تكون الدعوة مستحبة مطلقا.
٣٣١٦ - وقد «روى سهل بن سعد أنه سمع النبي ﷺ يوم خيبر قال: «أين علي» ؟ فقيل: إنه يشتكي عينيه فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرئ مكانه حتى كأن لم يكن به شيء، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» متفق عليه، وأهل خيبر كانت الدعوة قد بلغتهم.
قال: ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ش: أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، ومن اتخذ التوراة والإنجيل كتابا، كالسامرة والأفرنج ونحوهم، والمجوس عباد الشمس والقمر، فهؤلاء يقاتلون على أحد شيئين الإسلام أو الجزية. . . وهذا والله أعلم اتفاق، وقد شهد له (أما
стр. 3517
في أهل الكتاب) ومن دان بدينهم، فقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
٣٣١٧ - وعن ابن شهاب قال: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران وكانوا نصارى. رواه أبو عبيد في الأموال.
٣٣١٨ - (وأما في المجوس) فلما «روى بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية، عم الأحنف بن قيس، فأتى كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: فرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس، ولم يكن عمر ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر» . رواه البخاري وغيره.
٣٣١٩ - وعن جعفر بن محمد عن أبيه «، أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في
стр. 3518
أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» رواه مالك في موطئه والشافعي في مسنده.
٣٣٢٠ - «وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لعامل كسرى: أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية» ، رواه أحمد والبخاري. ومقتضى كلام الخرقي أن المجوس ليسوا أهل كتاب، لعطفهم على أهل الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة، وهو كذلك، ويدل عليه قوله: ﷺ «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» فدل على أنهم غيرهم. وقال الله سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] فدل على أن الكتاب إنما أنزل على طائفتين فقط، وهم اليهود والنصارى، ومما يرشح ذلك توقف عمر ﵁ في أخذ الجزية منهم، ولو كان لهم كتاب لما توقف، لدخولهم في الذين أوتوا الكتاب، المأمور بأخذ الجزية منهم.
стр. 3519
٣٣٢١ - وما يروى عن علي ﵁ أن لهم كتابا، فقال أبو عبيد: لا أحسبه محفوظا، ثم عموم كلام الخرقي يشمل أهل الكتاب والمجوس من العرب وغيرهم، وهو كذلك لما تقدم أن النبي ﷺ أخذ الجزية من أهل نجران وهم من العرب.
٣٣٢٢ - وعن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى أكيدر دومة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية» . رواه أبو
стр. 3520
داود، وهو عربي من غسان.
٣٣٢٣ - ولا يغرنك ما روى أبو داود في المراسيل عن الحسن، قال: أمر النبي ﷺ أن يقاتل العرب على الإسلام، ولا يقبل منهم غيره، وأمر أن يقاتل أهل الكتاب على الإسلام، فإن أبوا فالجزية؛ إذ مراسيل الحسن عند أهل العلم بالحديث من أضعفها، وقول الخرقي: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. تبع فيه لفظ الآية. قال أبو الخطاب: يمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم، وتجر أيديهم.
قال: ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا.
ش: هذا هو المذهب المعروف، لعموم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ونحو ذلك. وقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الحديث،
стр. 3521
خرج من ذلك أهل الكتاب والمجوس بالآية الكريمة وبالحديث، فيبقى فيما عداه على العموم، ثم في قول النبي ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» دليل على أن أهل الكتاب هم المختصون ببذل الجزية وإلا فليس للتخصيص فائدة. ومما يرشح ذلك أيضا توقف عمر ﵁ فيهم حتى أخبره عبد الرحمن بما أخبره، ولو جاز أخذ الجزية من كل كافر لم يكن لتوقفه معنى. (وعن أحمد) رواية أخرى: يقبل من جميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب، لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فأقروا بالجزية كالمجوس. وقد دخل في كلام الخرقي أهل الصحف، كصحف إبراهيم وشيث ونحو ذلك، وهو المذهب بلا ريب، لعدم دخولهم في الكتاب إذا أطلق، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] الآية، ولأنها مواعظ، لا أحكام فيها، وقيل: يقر أهلها بالجزية، لأنه يصدق أنه نزل لهم كتاب.
стр. 3522
قال: وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا.
ش: هذا أحد الصور الثلاث التي يتعين الجهاد فيها، وهو ما إذا نزل العدو بالبلد، وقد تقدم ذلك، والدليل عليه، ونزيد هنا بأنه لا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إليه لحفظ البلد، ومن يمنعه الأمير من الخروج، أو من لا قدرة له على الخروج أو القتال، ونحو ذلك.
قال: المقل منهم والمكثر.
ش: يعني أن العدو إذا نزل بالبلد وجب على كل أحد الخروج إليه، سواء كان غنيا يقدر على الزاد، أو فقيرا لا يقدر على ذلك، إذ العدو نازل على البلد، فلا حاجة إلى ذلك، فإن كان قريبا من البلد دون مسافة القصر اشترط الزاد، ولم تشترط الراحلة.
قال: ولا يخرجون إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه، فلا يمكنهم أن يستأذنوه.
ش: لا يجوز الخروج إلى العدو إلا بإذن الأمير، إذ أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلته ومكامنه، فاتبع رأيه في ذلك، إلا أن يتعذر استئذانه، كطلوع عدو غالب عليهم بغتة، ويخافون شره إن استأذنوه فإن إذنه إذًا يسقط، ارتكابا لأدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.
٣٣٢٤ - «وقد أغار الكفار على لقاح النبي ﷺ فصادفهم سلمة
стр. 3523
بن الأكوع خارجا من المدينة، فتبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي ﷺ وقال: «خير رجالنا سلمة بن الأكوع» وأعطاه سهم فارس وراجل» .
(تنبيه) لا يكون الإذن العام كالنفير مثلا إذنا لمن منعه الإمام قبل ذلك. وقال: لا تصحبني، نص عليه أحمد.
[دخول النساء مع المسلمين إلى أرض العدو]
قال: ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا امرأة طاعنة في السن، لسقي الماء ومعالجة الجرحى، كما فعل النبي ﷺ .
ش: لا تدخل النساء مع المسلمين أرض العدو، حذارا من ظفر العدو بهن، واستحلال ما حرم الله منهن مع أنهن لسن من أهل القتال، إذ الغالب عليهن الجبن والخور.
٣٣٢٥ - وقد روى البخاري «عن عائشة ﵂ قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج» ويجوز دخول المرأة الكبيرة لسقي الماء، ومعالجة الجرحى.
стр. 3524
٣٣٢٦ - «لما روي عن أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، وأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى» .
٣٣٢٧ - وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين الجرحى» . رواه أحمد ومسلم. وظاهر كلام الخرقي أن المنع من ذلك على سبيل التحريم، وهو ظاهر كلام أبي البركات، قال: يلزم الإمام أن يمنع المخذل والمرجف والنساء. وجعله في المغني مكروها، وجوز للأمير خاصة أن يدخل بالمرأة الواحدة إذا احتاج إليها، كما كان النبي ﷺ يقرع بين نسائه فتخرج معه من تقع عليها القرعة.
стр. 3525
[ما يجب على الجند تجاه الأمير في الجهاد]
قال: وإذا غزا الأمير بالناس لم يجز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب، ولا يبارز علجا، ولا يخرج من العسكر ولا يحدث حدثا إلا بإذنه.
ش: لأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو، ومكامنهم وقوتهم، فإذا خرج إنسان أو بارز بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو فيأخذوه، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك، أو يكون ضعيفا لا يقوى على المبارزة فيظفر العدو به، فتنكسر قلوب المسلمين. بخلاف ما إذا أذن، فإنه لا يأذن إلا إذا انتفت المفسدة، وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك حيث قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] الآية. وقد فهم من كلام الخرقي جواز المبارزة بإذن الأمير، وهو قول العامة، وقد شاع وذاع مبارزة الصحابة في زمن النبي ﷺ ومن بعده.
٣٣٢٨ - قال قيس بن عباد: سمعت أبا ذر ﵁ يقسم قسما أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. . . متفق عليه.
стр. 3526
٣٣٢٩ - وكذلك قال علي ﵁: نزلت هذه الآية في مبارزتنا يوم بدر ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] رواه البخاري.
٣٣٣٠ - ويروى عن علي ﵁ أنه قال: قتلت تسعة وتسعين رئيسا من المشركين مبارزة، سوى من شاركت فيه. وقد صرح الخرقي بأن المبارزة بدون إذن حرام، وظاهر كلام أبي محمد في المغني الكراهة، قال: ينبغي أن يستأذن الأمير في المبارزة إذا أمكن.
قال: ومن أعطي شيئا يستعين به في غزاته فما فضل فهو له، فإن لم يعط لغزاة بعينها رد ما فضل في الغزو.
ش: من أعطي شيئا ليستعين به في الغزاة فله حالتان (إحداهما) أن يعطى لغزوة بعينها، فهذا إذا غزا وفضلت فضلة فهي له، لأن المقصود أن يغزو هذا المعين هذه الغزوة، والدفع على سبيل المعاونة، أشبه ما لو وصى أن يحج عنه فلان بألف.
стр. 3527
٣٣٣١ - وكان ابن عمر ﵄ إذا أعطى شيئا للغزو يقول لصاحبه: إذا بلغت وادي القرى فشأنك به. (الثانية) أن يعطى للغزو مطلقا، أو للنفقة في سبيل الله، فهذا إذا غزا وفضلت منه فضلة أنفقه في غزاة أخرى، لأن الدفع لجهة قربة، فلزم صرف جميعه فيها، كما إذا أوصى أن يحج عنه بألف، وهذه المسألة غير مسألة الدفع في الزكاة.
قال: وإذا حمل الرجل على دابة فإذا رجع من الغزو فهي له، إلا أن يقول: هي حبيس فلا يجوز بيعها إلا أن تصير في حال لا تصلح للغزو، فتباع وتجعل في حبيس آخر.
ش: إذا حمل الرجل على دابة للغزو، فإذا رجع من الغزو فالدابة له، كالنفقة المدفوعة إليه.
٣٣٣٢ - «وقال عمر: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه صاحبه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله ﷺ فقال: «لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في
стр. 3528
صدقته كالعائد في قيئه» متفق عليه. وهذا يدل على ملكه له، ولولا ذلك لما باعه، ولم يفرق الخرقي هنا بين أن يدفعه ليغزو عليه غزوة معينة، أو للغزو وأطلق، وقياس ما تقدم التفرقة، وهذا كله مع الإطلاق، أما لو صرح له بالعارية أو بالحبسية، ونحو ذلك فإنه يعمل على ذلك، ففي العارية يرد إلى مالكه، وفي الحبسية يجعل في الحبس، ولا يجوز بيعه، لما تقدم في الوقف من أنه لا يجوز بيع العين الموقوفة إلا أن يئول الفرس إلى حال لا يصلح للغزو، فإنه يباع ويجعل في حبيس آخر، وقد تقدم ذلك في الوقف.
قال: وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله، أو كان في مكان لا يصلى فيه، جاز أن يباع ويصير في مكان ينتفع به.
ش: يعني وكذلك المسجد إذا ضاق بأهله، أو كان في مكان لا ينتفع به، كأن ينتقل أهل القرية عنه، أو يخاف في الذهاب إليه من اللصوص ونحو ذلك، فإنه يجوز بيعه على المذهب المشهور، قال أحمد في رواية صالح: يحول المسجد خوفا من اللصوص، وإذا كان موضعه قذرا، قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه. ونص على بيع عرصته في رواية عبد الله، وذلك لما تقدم في جواز بيع الوقف،
стр. 3529
وبيع الفرس الحبيس، وقد بالغ أحمد في رواية أبي داود، فقال في مسجد أراد أهله رفعه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، فامتنع بعضهم من ذلك، فقال: ينظر إلى قول أكثرهم، وقد أخذ القاضي بظاهر اللفظ، وأن أهل المسجد لهم رفعه، وجعل سقاية تحته، لحاجتهم إلى ذلك، وأبى ذلك ابن حامد، وحمل كلام أحمد على مسجد أراد أهله إنشاءه ابتداء، واختلفوا كيف يعمل، وفي هذا التأويل بعد من اللفظ. (وعن أحمد) رواية أخرى في أصل المسألة أن المساجد لا تباع، ولكن تنقل آلتها إلى مسجد آخر، لإمكان بقاء العين مع صرفه في جهة المسجدية، ولذلك قلنا على المذهب أنه إذا لم يمكن إنشاء مسجد بالثمن صرف في شقص مسجد. (تنبيه) يكون البائع لذلك الإمام أو نائبه، نص عليه، وكذلك المشتري بالثمن، وكذلك كل وقف لا ناظر له.
قال: وكذلك الأضحية إذا أبدلها بخير منها.
ش: سيأتي الكلام على الأضحية إن شاء الله تعالى في بابها.
стр. 3530
[ما يفعله الإمام بالأسرى]
قال: وإذا سبى الإمام فهو مخير إن رأى قتلهم، وإن رأى من عليهم وأطلقهم بلا عوض، وإن رأى فادى بهم، وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم، وإن رأى استرقهم، أي ذلك رأى أن فيه نكاية للعدو وحظا للمسلمين فعل.
ش: يخير الإمام في الأسرى بين أربعة أشياء في الجملة، القتل، والمن، والفداء، والاسترقاق، أما القتل فلعموم: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ولأن النبي ﷺ قتل رجال بني قريظة، وهم بين الستمائة والسبعمائة، وقتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وفيه تقول أخته:
стр. 3531
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
٣٣٣٣ - فقال رسول الله ﷺ : «لو سمعت شعرها لما قتلته» . (وأما المن والفداء) فلقوله سبحانه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] .
٣٣٣٤ - «وعن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ وأصحابه من جبال التنعيم، عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم النبي ﷺ سلما فأعتقهم، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] إلى آخر الآية» رواه مسلم وغيره.
стр. 3532
٣٣٣٥ - وعن جبير بن مطعم «أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» رواه البخاري وغيره.
٣٣٣٦ - وثبت في الصحيحين «أن النبي ﷺ من على ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة» .
٣٣٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.»
стр. 3533
٣٣٣٨ - وعن «عائشة ﵂ قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة. وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها» ؟ قالوا: نعم» . رواهما أبو داود.
٣٣٣٩ - وعن عمران بن حصين ﵁ «أن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل» ، رواه أحمد والترمذي وصححه.
٣٣٤٠ - (وأما الاسترقاق) فلما روي «عن أبي هريرة ﵁ قال: لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ يقولها فيهم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم أشد أمتي على الدجال» ، قال: وجاءت صدقاتهم
стр. 3534
فقال النبي ﷺ : «هذه صدقات قومنا» قال: وكان سبية منهم عند عائشة ﵂، فقال رسول الله ﷺ : «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» » متفق عليه.
٣٣٤١ - وعنها أيضا ﵂ قالت: «لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت حلوة ملاحة، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فجئتك أستعينك على كتابتي؛ قال: «فهل لك في خير من ذلك» ؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي كتابتك، وأتزوجك» ؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: «قد فعلت» قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها» . رواه أحمد واحتج به، وهذا التخيير تخيير مصلحة واجتهاد، لا تخيير تشهي فمتى رأى الإمام المصلحة في خصلة تعينت عليه، لأنه ناظر للمسلمين،
стр. 3535
فوجب عليه فعل الأصلح كولي اليتيم، ومتى تردد فقال أبو محمد: القتل أولى. (وقوله) : فادى بهم، أي بمسلم، ولا نزاع في جواز ذلك، لما تقدم من حديث عمران بن حصين ﵁، (وقوله) : وإن رأى أطلقهم على مال يأخذه منهم. هذا هو المذهب المجزوم به عند القاضي، وأبي البركات، وأبي محمد في المغني، وغيرهم، لأن النبي ﷺ فادى أهل بدر بالمال بلا ريب. وحكى أبو محمد في المقنع رواية أنه لا تجوز المفاداة بمال، وحكاها أبو الخطاب في هدايته وجها، لأن الله سبحانه عاتب نبيه ﷺ على ذلك ونزل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية.
٣٣٤٢ - «قال ابن عباس ﵄: لما أسروا الأسارى - يعني يوم بدر - قال النبي ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: «ما ترون في هؤلاء الأسارى» ؟ قال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «ما ترى يا ابن الخطاب» ؟ قال: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنني أرى أن تمكنني فنضرب أعناقهم، فتمكن
стр. 3536
عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : «أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء؛ لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة» شجرة قريبة منه، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] ، فأحل الله لهم الغنيمة» . رواه أحمد ومسلم. (وأجيب) بأن العقاب كان على أخذ المال ابتداء، ثم إن الله سبحانه أقر ما فعله ﷺ وأحل لهم الغنيمة كما في الحديث.
٣٣٤٣ - قال عمر ﵁ «لما كان يوم بدر وأخذ - يعني النبي ﷺ الفداء - فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى
стр. 3537
قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] من الفداء عذاب عظيم ثم أحل لهم الغنائم» . . . رواه أبو داود. إذا تقرر هذا، فاعلم أن هذا التخيير الذي ذكره الخرقي هو في الأحرار المقاتلة، أما الأرقاء فإن الإمام يخير بين قتلهم إن رأى ذلك لمضرة بقائهم ونحو ذلك، أو تركهم غنيمة كالبهائم، وأما النساء والصبيان فيصيرون أرقاء بنفس السبي، لأن النبي ﷺ نهى عن قتلهم، وكان النبي ﷺ يسترقهم إذا سباهم، وأما من يحرم قتله غير النساء والصبيان - كالشيخ الفاني، والراهب، والزمن، والأعمى - فقال أبو محمد في الكافي والمغني: لا يجوز سبيهم لتحريم قتلهم، وعدم النفع في اقتنائهم. (وحكى عنه) ابن المنجا أنه قال في المغني: يجوز استرقاق الشيخ والزمن، ولعل هذا في المغني القديم، وحكى أيضا عن الأصحاب أنهم قالوا: كل من لا يقتل - كالأعمى ونحوه - يرق بنفس
стр. 3538
السبي، وأما أبو البركات فجعل من فيه نفع من هؤلاء حكمه حكم النساء والصبيان، وظاهر كلامه أن من لا نفع فيه لا يسبى، وهذا هو أعدل الأقوال.
(تنبيه) : إذا أسلم الأسير تعين رقه، نص عليه أحمد، وعليه الأصحاب، لأنه أسير يحرم قتله، أشبه المرأة، وقال أبو محمد في الكافي: يسقط القتل، ويخير فيه بين الثلاثة الأخر، لأن القتل امتنع لمانع، وهو «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ونحوه، فيبقى ما عداه على الأصل.
٣٣٤٤ - وفي مسلم وغيره «عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، فقال: يا محمد، فأتاه قال: «ما شأنك» فقال: بما أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ يعني العضباء، فقال: «أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف» ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد يا محمد، قال: «ما شأنك» ؟ قال: إني مسلم. قال: «لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح» ثم انصرف عنه فناداه: يا محمد يا محمد، فأتاه فقال؛ «ما شأنك» ؟ فقال: إني جائع وظمآن فأسقني. قال: «هذه حاجتك» ففدي بعد
стр. 3539
بالرجلين» . (وأجاب) القاضي بأن النبي ﷺ يحتمل أنه علم من حاله أنه كان منافقا، وفيه نظر، وأجاب أبو محمد في المغني بأن هذا لا ينافي رقه، فإن رقيق المسلمين يجوز أن يفادى بهم، ويعترض على هذا بأنه إذا صار رقيقا فكيف ترك موثوقا، ثم إنه إنما تجوز المفاداة برقيق المسلمين بإذنهم على قوله، وليس في الحديث إذن، ويجاب بأن ترك ذكر الإذن في الحديث لا يدل على عدمها، ثم لو ثبت أنه لم يستأذنهم فذلك لعلمه ﷺ أنهم راضون بما يفعله.
قال: وسبيل من استرق منهم وما أخذ منهم على إطلاقهم سبيل تلك الغنيمة.
ش: طريق من استرق منهم، والمال الذي أخذ منهم على إطلاقهم طريق الغنيمة، في أنه يخمس، ثم تقسم أربعة أخماسه بين الغانمين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لأنه مال غنمه المسلمون، أشبه الخيل والسلاح.
قال: وإنما يكون له استرقاقهم، إذا كانوا من أهل الكتاب، أو مجوسا، فأما من سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من
стр. 3540
بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء.
ش: يعني أن الذين يجري عليهم الاسترقاق هم الذين يقرون بالجزية، وهم أهل الكتاب والمجوس. أما من عداهم من مشركي العرب والعجم، فالمنصوص عن أحمد - في رواية محمد بن الحكم وإليه ميل أبي محمد، وهو الصواب - جواز استرقاقهم، واحتج بحديث جويرية وقد تقدم.
٣٣٤٥ - وقال: لا أذهب إلى قول عمر ﵁: ليس على عربي ملك. قد سبى النبي ﷺ العرب في غير حديث. وأبو بكر وعلي ﵄ حين سبى بني ناجية.
٣٣٤٦ - ونقل عنه ابن منصور، وقد سئل عن قول عمر رضي
следующие страницы →