Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
باثني عشر درهما، وزعم أنه حديث لا شك في صحته، مع أنه لم يذكر من رواه، وليس هو والله أعلم في السنن.
٣٤٧١ - فإن قيل ففي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل، «أن رسول الله ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم - يعني: محتلما - دينارا، أو عدله من المعافري» ، ثياب تكون باليمن، فظاهر هذا إجزاء الدينار في حق كل أحد؟
قيل هو محمول على أن الغالب على أهل اليمن كان الفقر، كما أشار إليه مجاهد، أو أن للإمام الزيادة والنقصان في الجزية كما هو إحدى الروايات، واختيار الخلال، قال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه عنه الجماعة، بأنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص عنه، على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع، فاستقر قوله على
стр. 3642
ذلك، اهـ.
٣٤٧٢ - وقد «روى ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والبقية في رجب، يؤدونها للمسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد ذات غدر، على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثا، أو يأكلوا الربا» . رواه أبو داود، وهذا مع الذي قبله مع فعل عمر
стр. 3643
- ﵁ يدل على أن المرجع في ذلك إلى رأي الإمام فيما يطيقونه من الزيادة والنقصان.
والرواية الثانية: لا تجوز الزيادة ولا النقص على ما تقدم من أن على الأدون اثنا عشر درهما، والمتوسط أربعة وعشرون درهما، والغني ثمانية وأربعون درهما، وهي اختيار القاضي في روايتيه، وقال: إنها اختيار الخرقي، ولا شك أنها ظاهر كلامه، وذلك لما روي عن عمر ﵁.
والرواية الثالثة: تجوز الزيادة ولا يجوز النقص، قال في رواية يعقوب بن بختان: لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد، وهذا اختيار أبي بكر، لأن عمر ﵁ لم ينقص عن الدينار، بل زاد عليه، فيقتصر على ذلك، فظاهر هذه الرواية أن الأدون لا ينقص عن الدينار، والمتوسط لا ينقص عن الدينارين، والغني عن الأربعة، ويجوز أن يزادوا على ذلك.
وقال ابن أبي موسى: لا يجوز النقص عن الدينار بحال، وتجوز الزيادة عليه، وهذا قول رابع.
(تنبيهات) أحدها: الغني هنا من عده أهل العرف غنيا، على المشهور والمقطوع به لأبي البركات، وأبي محمد في المغني وغيرهما، لأن ما لا تقدير فيه من جهة الشرع المرجع فيه إلى العرف كالقبض والحرز. (وقيل عن أحمد) : الغني: من ملك نصابا، (وقيل عنه) بل من ملك عشرة آلاف
стр. 3644
درهم، (وقيل) بل من ملك مائة ألف درهم فهو غني، ومن ملك دونها إلى عشرة آلاف فمتوسط، ومن ملك عشرة آلاف فما دون ففقير. الثاني: يقوم الدينار مقام الاثني عشر درهما.
الثالث: «عدله من المعافري» ، عدل الشيء: ما يعادله ويماثله، والمعافري: منسوب إلى معافر، بفتح الميم، موضع باليمن، وهي ثياب تكون به.
[من لا تجب عليه الجزية]
قال: ولا جزية على صبي.
ش: هذا والله أعلم اتفاق، وقد شهد له مفهوم حديث معاذ المتقدم: «خذ من كل حالم دينارا» ، مع أن الله تعالى إنما أمر بأخذ الجزية ممن يقاتل، فقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] ، إلى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، والصبي لا يقاتل.
٣٤٧٣ - وعن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية، ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا
стр. 3645
تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى. رواه سعيد وأبو عبيد.
قال: ولا زائل العقل.
ش: لأنه أسوأ حالا من الصبي، ولقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . مع أن هذا أيضا، والله أعلم، اتفاق والحمد لله.
قال: ولا امرأة.
ش: هذا أيضا والله أعلم اتفاق، لما تقدم ولأن الجزية تؤخذ حقنا للدم، كما أشعرت به الآية الكريمة، والمرأة محقون دمها، بدليل ما تقدم.
قال: ولا فقير.
ش: سواء كان معتملا أو غير معتمل، أما غير المعتمل فبالاتفاق مذهبا، لعموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، وهذا خبر، فتخصيص غيره من الإنشاءات أولى بلا ريب، لقول النبي ﷺ : «خذ من
стр. 3646
كل حالم دينارا أو نحوه» ، وأما المعتمل ففيه روايتان: (إحداهما) وبه قطع أبو محمد في كتبه، وأبو الخطاب في الهداية: تجب عليه، لعموم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] ، إلى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وقول النبي ﷺ : «خذ من كل حالم دينارا» ، أخرج منه غير المعتمل، فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم.
(والثانية) : وهي ظاهر كلام الخرقي، وأوردها أبو البركات مذهبا: لا يجب عليه، لأنه مال يجب بحلول الحول، فلا يلزم الفقير كالزكاة والعقل.
والرواية الأولى أسعد دليلا، ولأبي الخطاب احتمال بوجوب الجزية على الفقير غير المعتمل، ويطالب بها إذا أيسر، والمراد بالفقير هنا والله أعلم: الفقير الذي هو أحد الأصناف في الزكاة، ويدخل فيه المسكين لأنهما في غير باب الزكاة صنف واحد.
قال: ولا شيخ فان، ولا زمن ولا أعمى.
ش: لما تقدم من أن الجزية وجبت لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة، ودليل الأصل ما تقدم، وفي معنى هؤلاء الراهب ونحوه ممن لا يقتلون على ما تقدم، لحقن دمائهم، ولأبي محمد احتمال بوجوبها على الراهب، ويحتمله كلام الخرقي لعموم النصوص.
قال: ولا على سيد عبد عن عبده، إذا كان السيد مسلما.
стр. 3647
ش: هذا والله أعلم اتفاق، حذارا من إيجاب الجزية على مسلم، إذ ما يجب على العبد إنما يؤديه السيد. ومفهوم كلام الخرقي أن السيد إذا كان ذميا وجبت عليه الجزية عن عبده، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لعموم: «خذ من كل حالم دينارا» ، ونحوه مع انتفاء المحذور المتقدم.
(والرواية الثانية) : وهي اختيار أبي بكر والقاضي، وأبي محمد: لا يجب عليه أيضا، كما لو كان السيد مسلما، لأن العبد محقون الدم، فأشبه المرأة والصبي، أو لا مال له فأشبه الفقير.
٣٤٧٤ - ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا جزية على العبد» . وقد قال ابن المنذر: إن هذا مما أجمع عليه كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
[حكم إسلام من وجبت عليه الجزية]
قال: ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه.
ش: الجزية تجب بحلول الحول، فإذا أسلم الذمي بعد حلول الحول فقد وجبت عليه الجزية، فإن لم تكن أخذت منه سقطت عنه، لعموم قول الله تعالى:
стр. 3648
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
٣٤٧٥ - وقول النبي ﷺ : «الإسلام يجب ما قبله» . ويؤيد دخول ذلك في العموم أن الجزية عقوبة سببها الكفر، فسقطت بالإسلام كالقتل، وخرج بذلك الديون، فإن سببها ليس هو الكفر، فلذلك لا تسقط بالإسلام.
٣٤٧٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على مسلم جزية» . رواه الترمذي، وأبو داود وهذا لفظه، وقد فسره سفيان الثوري بما قلناه، قال: معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت عليه الجزية بطلت عنه.
٣٤٧٧ - ويروى أن ذميا أسلم، فطولب بالجزية، وقيل: إنما أسلمت تعوذا. قال: إن في الإسلام معاذا. فرفع إلى عمر ﵁ فقال عمر ﵁: إن في الإسلام معاذا. وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية، رواه أبو
стр. 3649
عبيد بنحو من هذا المعنى، وقد دل كلام الخرقي من طريق التنبيه أنه لو أسلم قبل الوجوب لا تؤخذ منه، وهو واضح.
قال: وإذا أعتق العبد لزمته الجزية لما يستقبل، سواء كان المعتق له مسلما أو كافرا.
ش: هذا هو الصحيح المشهور من الروايتين أو الروايات، إذ هو حر مكلف موسر، من أهل القتال، فدخل في عمومات النصوص. (ونقل أبو محمد) عن أحمد رواية أخرى أنه يقر بغير جزية مطلقا، لأن الولاء شعبة من الرق، وهو ثابت عليه، فلم تجب عليه الجزية، كما لو لم يعتق. ووهن الخلال هذه الرواية، وقال: هذا قول قديم رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه عنه الجماعة. وحكى أبو البركات الرواية أنه لا جزية عليه، إذا كان المعتق له مسلما، قال: وقال، أي أحمد، لأن ذمته
стр. 3650
ذمة مولاه، اهـ.
والمسلم لا يجب عليه جزية، فكذلك مولاه، ويجتمع من النقلين على هذا ثلاث روايات.
وقول الخرقي: لزمته الجزية لما يستقبل، أي: لما بقي من الحول الذي عتق فيه بالقسط، ثم لما بعده. وظاهر كلامه أنه لا يحتاج إلى عقد ذمة، بل يتبع أهل الذمة في ذلك، وهذا هو المشهور، وللقاضي في موضع أنه يخير بين التزام العقد، وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت له، وإلا ألحق بمأمنه.
- وحكم الصبي يبلغ، أو المجنون يفيق، أو الفقير يوسر في أثناء الحول، حكم العبد يعتق على ما مر، إلا أنه لا خلاف فيما أعلمه أنهم لا يقرون بغير جزية.
[حكم من نصارى بني تغلب بالنسبة للجزية والزكاة ونحوها]
قال: ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب.
ش: «تغلب» : علم منقول من تغلب مضارع غلبت، لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، وبنو تغلب هم بنو تغلب بن وائل، من العرب، من ربيعة بن نزار.
٣٤٧٨ - انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر ﵁ إلى أداء الجزية فأبوا وأنفوا، وقالوا: نحن عرب،
стр. 3651
خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر ﵁: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر ﵁ في طلبهم، فردهم وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعان، ومن كل عشرين دينارا دينار، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر، فاستقر ذلك من قول عمر ﵁ ولم ينقل أن أحدا من الصحابة خالفه، مع أن ذلك مشتهر فكان إجماعا أو بمنزلته.
стр. 3652
وظاهر كلام الخرقي أن الجزية لا تؤخذ منهم وإن بذلوها راضين بها، وفصل أبو محمد فقال: إن بذلها حربي قبلت منه، لعموم قوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية. وغيرها من الأحاديث، وإن بذلها من دخل في عقد صلحهم وذمتهم فهل تقبل منه، وهو احتمال ذكره لما تقدم، أو لا تقبل، وهو الذي أورده مذهبا، وقطع به غيره، حذارا من تغيير ما وقع عليه الصلح؟ فيه قولان.
قال: وتؤخذ الزكاة من أموالهم ومواشيهم وثمرهم مثلي ما يؤخذ من المسلمين.
ش: لما تقدم، وظاهر كلام الخرقي أنه يؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم، وكل من يؤخذ منه الزكاة، ولا تؤخذ ممن لا تؤخذ منه الزكاة وإن كان له مال، بأن يكون غير زكوي كالدور ونحوها، وعلى هذا الأصحاب، نظرا إلى أن السؤال وقع منهم على أن يأخذ منهم كما يأخذ بعضنا من بعض، فأجابهم إلى ذلك بعد الامتناع، واستقر رأيه على ذلك، والذي يأخذه بعضنا من بعض زكاة، ولأن صبيانهم ونحوهم دخلوا في حكم الصلح، فدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء، ومال أبو محمد إلى أن هذا المأخوذ جزية باسم الصدقة، فلا تؤخذ ممن لا جزية عليه كالصبيان ونحوهم، لأن النعمان بن زرعة قال لعمر ﵁: خذ منهم الجزية باسم الصدقة.
стр. 3653
٣٤٧٩ - ولهذا يروى عن عمر ﵁ أنه قال: هؤلاء حمقى، رضوا بالمعنى وأبوا الاسم، ولأن الزكاة طهرة، ولا طهرة لهم.
فعلى هذا مصرف المأخوذ منهم مصرف الجزية. وعلى المذهب: هل مصرفه مصرف الجزية، وهو اختيار القاضي وأبي محمد، نظرا للمعنى، أو مصرف الزكاة، وهو اختيار أبي الخطاب، ويحتمله كلام الخرقي، نظرا للاسم؟ فيه روايتان.
وظاهر كلام الخرقي أن هذا الحكم مختص بنصارى بني تغلب، ولا يشاركهم غيرهم ممن تهود أو تنصر أو تمجس من العرب، وهو الذي أورده أبو محمد في المقنع والمغني مذهبا.
٣٤٨٠ - وقال في المغني: نص عليه أحمد، ورواه عن الزهري، قال: نذهب إلى أن تؤخذ من مواشي بني تغلب خاصة الصدقة، وتضعف عليهم. كما فعل عمر ﵁ وذلك لعموم: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، ولأخذ النبي ﷺ الجزية من أكيدر دومة وغيره من العرب، وقد تقدم ذلك، (وعن القاضي) وأبي الخطاب حكم من
стр. 3654
تنصر من تنوخ وبهرا، أو تهود من كنانة وحمير، أو تمجس من تميم حكم بني تغلب، قياسا لهم عليهم، والمنصوص أن من كان من العرب من أهل الجزية وأباها إلا باسم الصدقة مضعفة، وله شوكة يخشى الضرر منها، فإنه يجوز مصالحتهم على مثل ما صولح عليه بنو تغلب، لأنهم إذا في معناهم، والقياس حيث فهم المعنى وهذا هو الصواب، وعليه يحمل إطلاق أحمد أولا، وإطلاق القاضي ومن تبعه، ولهذا قطع به أبو البركات، وعليه استقر قول أبي محمد في المغني، لكنه شرط مع ذلك أن يكون المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو أزيد، وهذا الشرط ليس في كلام
стр. 3655
أحمد، ولا هو مشترط في بني تغلب، ولا يشترط في غيرهم.
قال: ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم في إحدى الروايتين. عن أبي عبد الله ﵀ والرواية الأخرى: تؤكل ذبائحهم وتنكح نساؤهم.
ش: الرواية الأولى هي المشهورة عند الأصحاب.
٣٤٨١ - اتباعا لعلي ﵁ فإن ذلك يروى عنه. وقال: لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر، وألحق بعض الأصحاب بهم تنوخ وبهرا، وبعضهم جميع نصارى العرب، بناء على ما تقدم لهم قبل.
والرواية الثانية: اختيار أبي محمد، وقال: إنها آخر الروايتين عن أحمد، وأن إبراهيم الحربي، قال: فكان آخر قوليه أنه لا يرى بذبائحهم بأسا، لعموم:
стр. 3656
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
٣٤٨٢ - ويروى ذلك عن ابن عباس وعمر ﵃.
[أخذ العشور من أهل الذمة]
قال: ومن اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده أخذ منه نصف العشر في السنة.
ش: من اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده يبيع فيه أو يشتري منه أخذ من تجارته نصف العشر في الجملة.
٣٤٨٣ - لما روي «عن حرب بن عبد الله عن جده أبي أمه، عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فأسلمت، فعلمني الإسلام، وعلمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت: يا رسول الله كل ما علمتني فقد حفظته إلا الصدقة، أفأعشرهم؟ قال: «إنما العشور على النصارى واليهود» . رواه أبو داود، «وفي رواية: «ليس على المسلم عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى» » .
стр. 3657
٣٤٨٤ - ولأن هذا يروى عن عمر ﵁ ولم ينكر، فكان بمنزلة الإجماع.
٣٤٨٥ - وروى الإمام أحمد عن سفيان، عن هشام، عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك إلى العشور، فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عمالك؟ قال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر. ومن أهل
стр. 3658
الذمة نصف العشر.
٣٤٨٦ - وعن لاحق بن حميد، أن عمر ﵁ بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهما درهما. رواه أبو عبيد في الأموال، وظاهر هذا كله أن هذا حكم مقرر في الشرع، لا أنه موقوف على مصالحتهم على ذلك، ولا على أخذهم منا ذلك، اهـ.
٣٤٨٧ - ولا تؤخذ منهم في السنة إلا مرة، كما ذكره الخرقي، ونص عليه أحمد، وقال: كذا روي عن إبراهيم النخعي، عن عمر ﵁ حين كتب أن لا تؤخذ في السنة إلا مرة واحدة، أن يأخذ من الذمي نصف العشر.
وروى أحمد بإسناده قال: جاء شيخ نصراني إلى عمر ﵁ فقال: إن عاملك عشرني في السنة مرتين. قال: ومن أنت؟ قال: أنا الشيخ النصراني. قال عمر ﵁: وأنا الشيخ الحنيفي. ثم كتب إلى عامله أن
стр. 3659
لا تعشروا في السنة إلا مرة.
وقول الخرقي: ومن اتجر، يدخل فيه المرأة، وهو المذهب، لعموم ما تقدم، وقال القاضي: لا يلزم المرأة إلا أن تتجر بالحجاز. وقوله: من أهل الذمة، يحتمل أن يدخل فيه التغلبي، لكونه من أهل الذمة، ويحتمل أن لا يدخل لتقدم حكم التغلبي، وفيه روايتان، فعدم التعشير لأن المشترط عليه ضعف ما على المسلمين في ماله، سواء اتجر أو لم يتجر، والتعشير لعموم: «إنما العشور على اليهود والنصارى» ولأن ما جعل عليه في مقابلة الجزية، فعلى هذا يكمل عليه العشر مضاعفة عليه، نص عليه أحمد.
٣٤٨٨ - وروى بإسناده عن زياد بن حدير أن عمر ﵁ بعثه مصدقا، فأمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر.
стр. 3660
وقال أبو محمد: إن الأقيس أن يجب عليهم ضعف ما على المسلمين، لا ضعف ما على أهل الذمة، كما في بقية أموالهم. قال: وهو ظاهر كلام الخرقي، لقوله: مثلي ما يؤخذ من المسلمين، ومقتضى حديث لاحق بن حميد.
قال: وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر.
٣٤٨٩ - ش: لأن في حديثه عن عمر ﵁ أنه بعث مصدقا، وأمره أن يأخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهما درهما، ومن أهل الحرب من كل عشرة واحدا.
٣٤٩٠ - وعلى ذلك يحمل ما روى السائب بن يزيد قال: كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة بن مسعود، في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فكنا نأخذ من النبط العشر. رواه مالك في الموطأ.
٣٤٩١ - وقال: سألت ابن شهاب على أي وجه كان يأخذ عمر ﵁ من النبط العشر؟ فقال: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية، فألزمهم ذلك عمر ﵁ وقول الخرقي: أخذ منه العشر، ولم يقل في
стр. 3661
السنة، كما تقدم له في الذمي، فيحتمل أنه اكتفى بما تقدم قبل، وهذا منصوص أحمد، ويحتمل أنه أراد الإطلاق، وأنه يؤخذ منه كلما دخل إلينا، وهو قول ابن حامد.
وإطلاق كلام الخرقي يقتضي الأخذ من كل قليل وكثير من المال، وهو قول ابن حامد، ويستدل له بإطلاقات ما تقدم، والمذهب المشهور أنه إنما يؤخذ من شيء مقدر، لأن أنسا ﵁ قال: أمرني عمر ﵁ أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر، وإنما يؤخذ من المسلم إذا كان معه نصاب، فكذلك الذمي.
ثم اختلف في ذلك المقدر، (فعنه) - وهو الذي قطع به أبو محمد في المقنع، وحكاه في الهداية عن القاضي - أنه عشرة دنانير مطلقا، للذمي والحربي، لأن العشرة مال يبلغ واجبه نصف دينار، فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم.
(وعنه) اعتبار العشرين مطلقا لهما، لأن المسلم لا يجب عليه فيما دونها، فكذلك هما.
(وعنه) اعتبار العشرين للذمي، والعشرة للحربي، لأن المسلم لا يجب عليه فيما دون العشرين، فكذلك الذمي، والعشرة في حق الحربي كالعشرين في حق الذمي.
واعتبر القاضي أبو الحسين للذمي عشرة، وللحربي خمسة، إذ الخمسة في حق الحربي كالعشرة في حق الذمي.
ومقتضى كلام الخرقي أنه إنما يؤخذ من مال التجارة لا من غيره، وهو كذلك، فلو مر الذمي بنا منتقلا، ومعه
стр. 3662
أمواله لم يؤخذ منه شيء، ثم هو يشمل جميع أموال التجارة، وكذا ظاهر كلام جماعة من الأصحاب، وقال القاضي: إذا دخلوا لنقل ميرة بالناس حاجة إليها أذن لهم في الدخول بغير عشر. ومال إلى هذا أبو محمد، لكنه عمم في الكافي، فجوز للإمام الترك رأسا للمصلحة.
٣٤٩٢ - لما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵄ كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل بالمدينة، ويأخذ من القطنية العشر؛ وهذا دليل على التخفيف عنهم للمصلحة، وإذا له الترك للمصلحة.
(قلت) : وهذا والله أعلم كان في المستأمنين، إذ غيرهم يؤخذ منهم نصف العشر مطلقا.
واختلف في الخمر والخنزير المتبايع بينهم هل يعشران أو لا يعشران؟ على روايتين منصوصتين.
٣٤٩٣ - وقد اضطرب في النقل عن عمر ﵁ –
стр. 3663
وخرج أبو البركات قولا بتعشير ثمن الخمر دون الخنزير، بناء والله أعلم على أنها مال لهم دون الخنزير، ولو كان في يد التاجر منهم جارية فادعى أنها أخته أو نحو ذلك، فهل يقبل قوله، لأن الأصل عدم الملك فيها، أو لا يقبل نظرا لليد؟ فيه روايتان، ولا يقبل مجرد قوله: إن عليه دينا، نظرا للأصل، فإن ثبت ذلك فقال أبو محمد: ظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع الأخذ منه إذا كان الدين بقدر ما عليه، أو ينقص به نصابه المعتبر، قياسا على الزكاة.
[حكم من نقض عهده من المشركين]
قال: ومن نقض العهد بمخالفته شيئا مما صولحوا عليه حل دمه وماله.
ش: ينبغي للإمام عند عقد الذمة أن يشترط عليهم شروطا، كما روي في السنة ففي حديث ابن عباس ﵄ المتقدم، الذي رواه أبو داود في مصالحة النبي ﷺ أهل نجران، فقال: «ما لم تحدثوا حدثا، أو تأكلوا الربا» ، والحدث: الشيء الذي ينكر فعله.
٣٤٩٤ - وفي البخاري وسنن أبي داود: «عن ابن عمر ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ أهل خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة، وهي
стр. 3664
السلاح، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر، حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي واسمه سعية -: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من بني النضير؟» فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» ، وقد كان حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سعية إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا» ، وذكر الحديث إلى آخره.
стр. 3665
٣٤٩٥ - وروى سفيان الثوري عن مسروق، عن عبد الرحمن، قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى الشام، وشرط فيها أن لا يحدثوا في مدينتهم، ولا ما حولها ديرا ولا كنيسة، ولا قلية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزل بها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يأووا جاسوسا، ولا يكتموا غشا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتسموا بأسماء المسلمين ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا، ولا يتخذوا شيئا من سلاح، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبا، ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع أمواتهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، فإن خالفوا ما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
ورواه
стр. 3666
الخلال بنحو من هذا، وزاد عليه، وفيه قال: ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده.
إذا تقرر هذا فإذا شرط عليهم الإمام هذه الشروط ونحوها مما روي عن عمر ﵁ كما هو مقرر في موضعه، فخالف بعضهم شيئا منها، فظاهر كلام الخرقي أن عهده ينتقض بذلك، هو مقتضى ما تقدم، إذ في حديث ابن عباس ﵄: «ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا» ، وفي قصة خيبر أن النبي ﷺ قتل وسبى، وأخذ المال بالنكث الذي نكثوا، وفي قصة عمر ﵁: ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده، وقال: فإن خالفوا ما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد تقدم.
стр. 3667
وظاهر كلامه أيضا أن ما لم يصالحوا عليه لا ينتقض به عهدهم وإن لزمهم، لعدم دخولهم على ذلك، ولا يرد عليه بذل الجزية، والتزام أحكام الملة، لأن عقد الذمة عبارة عن هذين، فمتى زالا أو أحدهما زال عقد الذمة.
وأما حكم المذهب فملخصه أن ما لزم أهل الذمة بشرط أو غيره كما هو مقرر في موضعه ينقسم أربعة أقسام، (أحدها) : ما ينتقض به العهد بلا خلاف، وهو ما إذا امتنعوا من بذل الجزية، والتزام أحكام الملة لما تقدم، لكن قال أبو محمد في المغني: إذا حكم بها حاكم. ولم أر هذا الشرط لغيره، وكذلك قتال المسلمين، لأن إطلاق الأمان يقتضي ترك القتال، فإذا فعلوه نقضوا الأمان.
(الثاني) : ما لا ينتقض به إلا أن يشترط عليهم، كما يقوله الخرقي، وهو قذف المسلم أو إيذاؤه في تصرفاته بسحر، على المنصوص في رواية الجماعة.
٣٤٩٦ - لما روى أنس ﵁ «أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت: أردت أن أقتلك. قال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك» قالوا: ألا نقتلها؟ قال: «لا» . فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ » . رواه أحمد، والأذى بالقذف
стр. 3668
دون ذلك، وقيل ينتقض، وحكاه أبو محمد في المقنع رواية، ولعله أراد مخرجة مما سيأتي.
(والثالث) : ما ينتقض به على المنصوص والمختار للأصحاب، وإن لم يشترط عليهم، كما إذا فتن المسلم عن دينه أو قتله، أو قطع الطريق عليه، أو الزنا بمسلمة، أو التجسس للكفار، أو إيواء جاسوس، أو ذكر الله أو كتابه أو رسوله بسوء، ذكر هذه الشيخان وغيرهما، وزاد أبو محمد وغيره ذكر دين الله بسوء، وزاد جماعة أصاب مسلمة بعقد نكاح، أو الاجتماع على قتال المسلمين، ثم إن أبا الخطاب في خلافة الصغير قيد القتل بأن يكون عمدا وهو حسن، وأطلقه غيره، وقد جاء في القتل قول عمر ﵁: ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده، وجاء في سب رسول الله ﷺ ما تقدم في قتل سابه ﷺ .
٣٤٩٧ - وجاء في قتل من تجسس ما روي «عن فرات بن حيان ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بقتله، وكان عينا لأبي سفيان، وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحليفه
стр. 3669
من الأنصار، فقال: إني مسلم. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول: إنه مسلم. فقال رسول الله ﷺ : «إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان» . رواه أحمد وأبو داود، وترجمه بحكم الجاسوس الذمي.
٣٤٩٨ - وجاء في الزنا ما روي أن عمر ﵁ رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم. وأمر به فصلب في بيت المقدس. وبقية الصور في معنى ذلك، وحكى كثير من أصحاب القاضي، وتبعهم أبو محمد رواية أخرى بعدم النقض بذلك ما لم يشترط عليهم، على رأي الخرقي، وقال أبو البركات: إنهم خرجوها من نصه في القذف، واختار هو التفرقة، وتقرير النصوص على بابها.
стр. 3670
(الرابع) : ما عدا ذلك من عدم إظهار المنكر، وعدم رفع صوتهم بكتابهم، ونحو ذلك مما هو مذكور في أحكام الذمة، فهذا لا خلاف فيما أعلمه أنه إذا لم يشترط عليهم لا ينتقض به عهدهم، وأما إن شرط عليهم فقولان، اختار الخرقي النقض كما تقدم، واختيار الأكثرين عدمه.
وحيث لم ينتقض العهد فإنه يلزمه موجب ما فعله من حد أو قصاص وإلا يعزر، قال أبو محمد: وفعل به ما ينكف به أمثاله عن فعله، وحيث انتقض العهد به فإن كان بسب الرسول ﷺ تعين قتله كما تقدم، وإن أسلم على المذهب، وإن كان بغير ذلك فظاهر كلام الخرقي تعين قتله، وهو المنصوص، وظاهر قصة فرات بن حيان، وقطع فيه أبو محمد بالتخيير كالأسير الحربي، وهو اختيار القاضي.
ومن انتقض عهده في نفسه انتقض عهده في ماله، على ما قاله الخرقي، وهو ظاهر كلام الإمام، واختيار أبي البركات فيكون فيئا، لأن المال لا حرمة له في نفسه، إنما هو تابع لمالكه حقيقة، وقد انتقض عهد المالك في نفسه، فكذلك في ماله. (وقال أبو بكر) : لا ينتقض العهد في ماله، كما لا ينتقض في نسائه وذريته، على ما تقدم، فعلى هذا يدفع إليه إن طلبه، وإن مات فهو لورثته، فإن لم يكن له وارث فهو فيء.
стр. 3671
قال: ومن هرب إلى دار الحرب من ذمتنا ناقضا للعهد عاد حربا لنا.
ش: يعني أنه يصير حكمه حكم الحربي الأصلي، فيخير الإمام فيه إذا قدر عليه كالأسير الحربي، وينتقض عهد ماله إعمالا لحكم الدار، ولا خلاف فيما أعلمه في التخيير، أما انتقاض عهد ماله ففيه الخلاف، فإذا قيل بعدم النقض فيه فقد تقدم أنه يعطاه إن طلبه، وإن مات فهو لورثته، ولو لم يمت حتى أسر واسترق فقيل يوقف ماله، ثم إن عتق رد إليه وإن مات رقيقا ففي كونه فيئا أو لورثته لو كان حرا وجهان، واختار أبو البركات أنه يصير فيئا بمجرد استرقاقه، والله أعلم.
стр. 3672
[كتاب الصيد والذبائح]
ش: الصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدا فهو صائد، ثم أطلق على المصيد، تسمية للمفعول بالمصدر، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] . والصيد: قال ابن أبي الفتح: ما كان ممتنعا حلالا لا مالك له. والأجود قول بعضهم: ما كان متوحشا طبعا، غير مقدور عليه، مأكولا بنوعه.
والأصل في إباحته في الجملة الإجماع، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] ، الآية. وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ، الآية. وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] . ومن السنة فكثير، وسيأتي طرف من ذلك إن شاء الله تعالى.
[شروط الصيد بالحيوان]
قال: ومن سمى فأرسل كلبه أو فهده المعلم، فاصطاد وقتل ولم يأكل منه، جاز أكله.
стр. 3673
ش: وذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ، أي: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وقرينة ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ، ولو لم يقدر ذلك لزم أن يحل ما علمنا من الجوارح كالكلب ونحوه، ولا قائل بذلك، إذ القائل بحل الكلب لا يخصه بالمعلم.
٣٤٩٩ - وقد «روى أبو ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي غير معلم، فما يصلح لي؟ فقال: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» » .
٣٥٠٠ - «وعن عدي بن حاتم ﵁ «قال: قلت يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي، وأذكر اسم
стр. 3674
الله؛ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» . قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» . قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ قال: «إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» . متفق عليهما.
إذا تقرر هذا فيشترط لإباحة الصيد شروط.
(أحدها) : التسمية عند إرسال الجارح، على المشهور والمختار للأصحاب من الروايات، لما تقدم من الآية الكريمة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، الآية، أمر سبحانه بالتسمية ونهى عن أكل ما لم يسم عليه، والأمر ظاهر في الوجوب، كما أن النهي ظاهر في التحريم، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم ﵄ فإنه ﷺ وقف حل الأكل على التسمية، فقال: «وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل» . وفي رواية في الصحيح: «واذكر اسم الله» ، بصيغة الأمر.
(والرواية الثانية) : لا تشترط التسمية
стр. 3675
مطلقا [وإنما تسن، حملا لهذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو حال المسلم عنه] وفي لفظ في الصحيح أيضا «في حديث عدي: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» . وهو لا يخلو حال المسلم عنه، إذ معنى ذلك القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه، وأصل ذلك أن الذكر هو التنبه بالقلب للمذكور. ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .
٣٥٠١ - وقوله: ﷺ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . ثم يسمى القول الدال على الذكر ذكرا.
٣٥٠٢ - وقد روى أبو داود في المراسيل، وأسنده الدارقطني قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله» .
٣٥٠٣ - «وعن أبي هريرة ﵁ فيمن نسي التسمية،
стр. 3676
قال: قال رسول الله ﷺ : «اسم الله على فم كل مسلم» . رواه الدارقطني. وقد قال الزجاج في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، أي: ما لم يخلصوا ذبحه لله ونحوه. قال أحمد: في معنى الميتة.
стр. 3677
وقيل: إن الآية المراد بها ذبائح المشركين. وعلى هذه الرواية تسن خروجا من الخلاف.
(والرواية الثالثة) : تشترط في العمد، ولا تشترط في السهو.
٣٥٠٤ -[لعموم قول النبي ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» . الحديث.
ولا نزاع أن المذهب هو الأول، وحمل التسمية على ذكر الله بالقلب خلاف ظاهر اللفظ، ثم لا تخصيص للصيد بذلك إذ جميع ما يفعله المكلف يجب أن يذكر اسم الله تعالى فيه بأن يفعله على الوجه الذي ذكره سبحانه. ثم قول النبي ﷺ : «فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» ، ظاهر في إبطال هذا التأويل، وحديثا: «ذبيحة المسلم حلال» ، «واسم الله على فم كل مسلم» ، ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث، والعفو في النسيان عن الإثم، ثم قصارى النسيان أن يجعل الموجود كالمعدوم، كالأكل في الصوم، والكلام في الصلاة، ونحو ذلك، لا أنه يجعل المعدوم كالموجود، بدليل أن من نسي الطهارة أو الستارة ونحوهما
стр. 3678
لا تصح صلاته، وقد خطأ الخلال حنبلا في التفرقة هنا بين العمد والسهو، وقال: إن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل.
إذا تقرر هذا فصفة التسمية المعتبر: (بسم الله) .
٣٥٠٥ - وقد «ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: «بسم الله والله أكبر» ، فإن كبر أو هلل، أو سبح بدلا عنها لم يجزئه. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب في التكبير والتحميد، نظر إلى أن النبي ﷺ بين ذلك بقوله: «بسم الله» ، فيقتصر عليه، وللشيخين احتمال بالإجزاء، لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، فيدخل في الآية والحديث.
ولا نزاع أنه لو قال: اللهم اغفر لي، أنه لا يجزئه، إذ ذلك طلب حاجة، ولو سمى بغير العربية وهو يحسنها فقولان، نظرا إلى ما تقدم من أن المقصود المعنى أو اللفظ، وأبو محمد جزم هنا بالجواز، وهو موافق لاحتماله ثم، والقاضي بالمنع، وقال: إنه المنصوص،
стр. 3679
وأظنه أراد رواية أبي طالب.
ومحل التسمية عند الإرسال، لأنه الفعل الموجود من المرسل، فاعتبرت التسمية عنده، كما تعتبر عند الذبح من الذابح، ولا يضر التقديم اليسير كالنية في العبادات، وكذلك التأخير اليسير على إطلاق أحمد، قال: إذا أرسل ثم سمى فانزجر، أو أرسل فسمى. فالمعنى قريب من السواء، وصرح بذلك أبو بكر في التنبيه، وكذلك في التأخر الكثير، بشرط أن يزجره فينزجر، كما دل عليه كلام أحمد، وقاله أبو محمد والشيرازي، نظرا إلى أن الإرسال بدون تسمية وجوده كعدمه، لفقدان شرطه، فتعلق الحكم بالزجر، ومنع ذلك القاضي، نظرا إلى أن الحكم تعلق بالإرسال الأول.
(تنبيه) : عموم كلام الخرقي يشمل الكتابي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لإطلاق: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] . ولعله الحكمة في عدم التصريح بالفاعل، وقياسا على المسلم.
(والرواية الثانية) :
стр. 3680
لا تشترط التسمية في حق الكتابي، بخلاف المسلم، لإطلاق: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
٣٥٠٦ - قال ابن عباس ﵄ وغيره، أي: ذبائحهم. وهي من آخر ما نزل، ونصوص السنة، وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ، الخطاب فيه للمسلم.
(الشرط الثاني) : أن يرسل الجارح قاصدا للصيد، لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل» ، فعلق الحل على ذكر اسم الله مع إرسال كلبه المعلم. (وأفعل) فعل الفاعل، فلا بد أن يوجد منه فعل، وعلى هذا لو استرسل الكلب أو الفهد بنفسه لم يبح، نعم لو استرسل بنفسه فزجره فزاد في طلب الصيد فإنه يباح، لأن زجره لما أثر في عدوه صار بمنزلة إرساله له، إذ فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره أنيط الحكم بالإنسان، بدليل ما لو صال كلب على آدمي فأغراه آخر تعلق الضمان عليه به. (ويحتمل) كلام الخرقي المنع، لأنه إنما علق الحكم بالإرسال.
(الشرط الثالث) : أن يكون الجارح معلما بلا نزاع، للآية الكريمة، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم - رضي الله
следующие страницы →