Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
بين أن يكون العهد الذي لهم بذمة أو بأمان، أما لو كان بهدنة فإن عهد ذريتهم ونسائهم ينتقض لنقضه فيهم، لأن النبي ﷺ سبى ذراري بني قريظة حين نقضوا عهده.
قال: وإذا استأجر الأمير قوما يغزون مع المسلمين لمنافعهم لم يسهم لهم، وأعطوا ما استؤجروا به.
ش: ظاهر هذا أنه يصح الاستئجار على الجهاد مطلقا، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وغيره، قال في قوم استأجرهم الأمير في دار الإسلام، على أن يغزو بهم، هل يسهم لهم مع سهام المسلمين؟ فقال: لهم الأجرة التي استؤجروا بها، وليس لهم في الغنيمة شيء، ولا يسهم لهم.
٣٤٢٧ - وذلك لما روي عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذي يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم، مثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . رواه سعيد في سننه، ولأنه أمر لا
стр. 3607
يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، بدليل صحته من الكافر، فصح الاستئجار عليه كبناء المساجد، (وعن أحمد) ﵁: أنه لا يصح الاستئجار عليه مطلقا، وهو اختيار القاضي في تعليقه، وحمل كلام أحمد والخرقي على الاستئجار لخدمة الجيش، كالاحتطاب ونحوه لا للقتال، وذلك لأنه قربة وطاعة، فلا يصح الاستئجار عليه، كالأذان وصلاة الجنازة، وتوسط القاضي في غير التعليق، وأبو محمد في المقنع، فصححه بمن لا يلزمه الجهاد، كالعبد والمرأة، بخلاف من يلزمه كالرجل الحر، لأنه يتعين عليه بحضوره، فلم يصح استئجاره عليه كالحج، ومقتضى اختيار أبي محمد وأبي البركات صحة الاستئجار وإن لزمه، إلا أن يتعين عليه فلا يصح.
وعليه حمل أبو محمد إطلاق الخرقي، وهو متعين، وحيث قلنا: لا يصح الاستئجار فإن وجود الإجارة كعدمها، فللأجير السهم كما لو لم يكن إجارة، وحيث قلنا بالصحة فهل يقسم للأجير؟ فيه روايتان، (إحداهما) وهي اختيار الخرقي، وتبعه على ذلك أبو محمد في المقنع: لا يسهم له.
٣٤٢٨ - لما «روى يعلى ابن منية قال: أذن رسول الله ﷺ بالغزو وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني، وأجري له سهمه، فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما السهمان، وما يبلغ سهمي؟ فسم لي
стр. 3608
شيئا، كان السهم أو لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي ﷺ فذكرت له أمره، فقال: «ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سماها» . رواه أبو داود.
(والثانية) : وهي اختيار الخلال وصاحبه: يسهم له، لما تقدم من حديث جبير بن نفير، وقول عمر ﵁: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
٣٤٢٩ - وفي مسلم وغيره في حديث طويل «أن سلمة بن الأكوع كان أجيرا لطلحة ﵄ حين أدرك عبد الرحمن بن عيينة، لما أغار على سرح رسول الله ﷺ فأعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل» .
وقد حمل هذا على أجير يقصد مع الخدمة والجهاد، وحديث يعلى على من لم يقصد الجهاد أصلا، فعلى الرواية الأولى يعطى ما استؤجر به للجهاد، لأنه عوض على عمل وقد عمله
стр. 3609
فاستحق ما جعل له في مقابلته، وكذلك ينبغي على الثانية، غايته أنه حصل له مع العوض زيادة وهو السهم.
(تنبيه) : محل الخلاف فيمن استؤجر للجهاد، أما الغزاة الذين يدفع إليهم من الفيء فلهم السهم، لأن ذلك حق جعله الله لهم ليغزوا، لا أنه عوض عن الجهاد، وكذلك من يعطى من الصدقات، وكذلك لو دفع دافع إلى الغزاة ما يتقوون به كان له أجره ولم يكن عوضا.
٣٤٣٠ - قال ﷺ : «من جهز غازيا كان له مثل أجره» .
[حكم الغلول من الغنيمة]
قال: " ومن غل من الغنيمة حرق كل رحله، إلا المصحف وما فيه روح ".
ش: الغال: هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة، ولا يطلع عليه الإمام، وهو محرم بلا ريب.
٣٤٣١ - «فعن عمر ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل
стр. 3610
نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد. حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ : «إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة» . ثم قال رسول الله ﷺ : «يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» » . رواه أحمد ومسلم.
٣٤٣٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له: كركرة، فمات فقال رسول الله ﷺ : «هو في النار» ، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها» ، رواه أحمد والبخاري.
٣٤٣٣ - وحكمه أنه يحرق رحله لما روي عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد
стр. 3611
غل، فسأل سالما عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه» . قال: فوجدت في متاعه مصحفا، فسألت سالما عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
٣٤٣٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ حرقوا متاع الغال» رواه أبو داود، وزاد في رواية تعليقا: ومنعوه سهمه، ويختص التحريق بالمتاع الذي غل وهو معه، فلو استحدث متاعا، أو رجع إلى بلده وله فيه متاع، أحرق ما معه حال الغلول فقط، وإن انتقل المتاع عنه بهبة أو بيع
стр. 3612
ونحوهما فهل ينقض ذلك ويحرق لتعلق التحريق به قبل ذلك، أو لا، لأنه صار إلى غيره، أشبه ما لو مات فصار إلى الورثة؟ فيه احتمالان، (ويستثنى) من المتاع الذي يحرق (المصحف) لحرمته. ولما تقدم من قول سالم فيه: (وما فيه روح) ، لحرمته أيضا، ولنهي النبي ﷺ أن يعذب بالنار إلا ربها، ولم يستثن الخرقي غير هذين. (واستثنى غيره السلاح) لحاجته إليه في القتال، وآلة دابته تبعا لها، وثيابه التي عليه، حذارا من تركه عريانا، ونفقته لأنها لا تحرق عادة.
قال أبو محمد: وينبغي أن يستثنى أيضا كتب العلم والحديث، إذ نفع ذلك يعود إلى الدين، والمقصود إضراره في دنياه لا دينه.
وجميع ما استثني وكذلك ما أبقت النار من حديد ونحوه فإنه يبقى للغال. . ولأبي محمد احتمال في المصحف أن يباع ويتصدق بثمنه، اتباعا لقول سالم.
وقول الخرقي: ومن غل، يشمل الذكر والأنثى، والمسلم والذمي، وهو كذلك، وكذلك يشمل العبد والصغير، وهما مستثنيان، فالعبد، لأن متاعه لسيده، ولا يجني جان إلا على نفسه، والصبي، لأن الإحراق عقوبة، والصبي ليس من أهلها.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يحرم سهمه، وهو إحدى الروايتين، إذ أكثر الروايات ليس فيها ذلك، (والثانية) : يحرم، للرواية التي رواها أبو داود، وظاهر كلامه أيضا أن الحكم مختص بالغال، فيخرج السارق، وهو أحد الوجهين، اقتصارا على مورد النص.
(والثاني) حكم
стр. 3613
السارق حكم الغال، بجامع الخيانة فيهما.
[إقامة الحد على المسلم في أرض العدو]
قال: ولا يقام الحد على مسلم في أرض العدو.
٣٤٣٥ - ش: لما «روى بسر بن أرطاة أنه وجد رجلا سرق في الغزو، فجلده ولم يقطع يده. وقال: نهانا رسول الله ﷺ عن القطع في الغزو.» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي؛ ولأن إقامة الحد والحال هذه مما يطمع العدو في المسلمين، وربما كان المقام عليه الحد ضعيف الإيمان فيلحق بالعدو، وبذلك علل الصحابة ﵃.
стр. 3614
٣٤٣٦ - فعن علقمة قال: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁ وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم، فيطمع فيكم؟
٣٤٣٧ - وعن عمر ﵁ أنه كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية، ولا رجلا من المسلمين حرا وهو غاز، حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، رواه سعيد.
٣٤٣٨ - وعن أبي الدرداء ﵁ مثل ذلك. وقد أشعر كلام الخرقي أنه إذا رجع من أرض العدو أقيم عليه الحد، وهو كذلك، لعموم أمر الله ورسوله بإقامة الحدود، ولقصة عمر ﵁.
[قتل الأطفال النساء والرهبان والمشايخ في الحرب]
قال: وإذا فتح حصن لم يقتل من لم يحتلم، أو ينبت، أو يبلغ خمس عشرة سنة.
стр. 3615
ش: إذا ظفر الأمير بالكفار لم يقتل صبيا.
٣٤٣٩ - لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان، وفي رواية: فأنكر» . رواه الجماعة إلا النسائي، ولأن الصبي رقيق بنفس السبي، ففي قتله إتلاف مال بلا ضرورة، وإنه ممتنع والحال هذه بلا ريب.
والصبي هو من لم يبلغ، ويعرف البلوغ بواحد من ثلاثة أشياء (أحدها) : الاحتلام إجماعا، بشهادة النص بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] .
٣٤٤٠ - وقال النبي ﷺ : «لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل» .
стр. 3616
٣٤٤١ - «وقال لمعاذ ﵁: «خذ من كل حالم دينارا» .
٣٤٤٢ - وقال: «رفع القلم عن ثلاثة - ذكر منها - الصبي حتى يحتلم» . رواه أبو داود. (والثاني) إنبات الشعر الخشن حول القبل.
٣٤٤٣ - لما روي عن عطية القرظي قال: «عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي» . رواه الخمسة وصححه الترمذي. وفي لفظ: فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل، ومن لا، ترك. رواه أحمد والنسائي.
(الثالث) بلوغ خمس عشرة سنة.
٣٤٤٤ - لما «روى ابن عمر ﵄ قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» . رواه الجماعة، قال نافع: فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال: هذا فصل ما بين الرجال وبين
стр. 3617
الغلمان. فمن لم يوجد فيه علامة من هذه فهو صبي، وهذه العلامات يشترك فيها الذكر والأنثى، وتزيد الأنثى بالحيض والحمل.
قال: ومن حارب من هؤلاء أو النساء أو الرهبان أو المشايخ في المعركة قتلوا.
ش: هذا والله أعلم اتفاق.
٣٤٤٥ - وقد روي «عن رباح بن ربيع ﵁ أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، وعلى مقدمته خالد بن الوليد ﵁ فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة، مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، ويعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» . فقال لأحدهم: «الحق خالدا، فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا» » . رواه أحمد وأبو داود. وهذا يدل على أن المانع من القتل عدم القتال،
стр. 3618
فمتى وجد القتال زال المانع، ولعموم: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . وفي معنى القتال إذا كان لهم رأي فيه، لأن الرأي أبلغ من القتال. قال أبو الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان
٣٤٤٦ - ولهذا قتل الصحابة ﵃ دريد بن الصمة، لأنه يدبر أمر الحرب. وقد فهم من كلام الخرقي أن النساء والرهبان والمشايخ إذا
стр. 3619
لم يقاتلوا لا يقتلون، وهو كذلك، أما في النساء فلما تقدم.
٣٤٤٧ - (وأما في الرهبان) فلما روى ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: «اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع» » . رواه أحمد.
٣٤٤٨ - (وأما في المشايخ) فلما روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «انطلقوا بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، أصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين» . رواه أبو داود، ولما تقدم في وصية أبي بكر ﵁: لا تقتلوا امرأة ولا صبيا، ولا كبيرا هرما.
стр. 3620
٣٤٤٩ - وعن راشد بن سعد قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الشيخ الذي لا حراك به» . رواه ابن حزم من طريق ابن أبي شيبة، وهو مرسل.
٣٤٥٠ - وروى أيضا من طريق حماد بن سلمة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمرائه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقتلوا صغيرا ولا امرأة ولا شيخا كبيرا» .
٣٤٥١ - وعن عمر ﵁ أنه وصى سلمة بن قيس فقال: لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا. رواه سعيد.
٣٤٥٢ - ويحمل حديث سمرة أن النبي ﷺ قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم» . رواه أبو داود والترمذي، وقيل: إنه صححه. (على الشيوخ) الذين فيهم قوة
стр. 3621
على القتال، إذ عدم القتال مختص بالشيوخ الفانين، لما تقدم من النصوص، والخاص مقدم على العام (أو على شيوخ) لهم رأي في القتال، جمعا بين الأدلة، على أنه قد ذكر عبد الحق سنده، وأنه من رواية حجاج بن أرطأة وسعيد بن بشير، وقال: إنه لا يحتج بهما؛ ثم لو تعذر الجمع من كل وجه فحديثنا أولى، لعمل الشيخين عليه، وذلك دليل على أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
وحكم الزمن والأعمى حكم الراهب ونحوه. وقد أشار النبي ﷺ في حديث رباح إلى ذلك، حيث علل بكون المرأة لم تقاتل، وكذلك المريض الميؤوس من برئه، أما لو كان ممن لو كان صحيحا لقاتل فإنه يقتل، لأنه بمنزلة الإجهاز على الجريح، قال ذلك أبو محمد، وكذلك قال في العبيد لا يقتلون لحديث رباح، وقال في الفلاحين إذا لم يقاتلوا: ينبغي أن لا يقتلوا، قياسا لهم على الشيوخ والرهبان، ولأن الصحابة ﵃ لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد، والخنثى المشكل لا يقتل
стр. 3622
لاحتمال كونه امرأة، ذكره في الكافي.
قال: وإذا خلي الأسير منا وحلف لهم أن يبعث إليهم بشيء بعينه أو يعود إليهم فلم يقدر عليه لم يرجع إليهم.
ش: إذا أسر الكفار مسلما، وأطلقوه بشرط أن يبعث إليهم شيئا معلوما، أو يعود إليهم إن لم يقدر على ذلك، فإنه يلزمه الوفاء لهم، كما اقتضاه كلام الخرقي، لعموم: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] ، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . ولما تقدم من نهيه ﷺ عن الغدر.
٣٤٥٣ - وقال: «إنه لا يصلح في ديننا الغدر» .
٣٤٥٤ - وجعل ذلك ﷺ من علامات المنافق، ولأن في الوفاء مصلحة للأسارى، وفي تركه مفسدة، لأنهم لا
стр. 3623
يؤمنون بعده، والشارع بعث بجلب المصالح، ودرء المفاسد، ولأنه عاهدهم على مال، فلزمه الوفاء لهم، كثمن المبيع، أو كالمشروط في عقد الهدنة، فإن لم يقدر عليه، (فإن كان امرأة) لم ترجع إليهم، بل ولا يحل لها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية.
٣٤٥٥ - وفي قصة الصلح بين النبي ﷺ وقريش التي رواها البخاري وغيره من حديث أنس ﵁ قال فيها: ثم جاء نساء مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
٣٤٥٦ - وعن مروان والمسور بن مخرمة ﵄ قالا: «لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل على النبي ﷺ أنه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ
стр. 3624
وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، إلى: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] .» رواه البخاري. فمنع الله سبحانه من رجوع النساء إلى الكفار، وامتنع النبي ﷺ من ردهن.
وقد اختلف في دخول النسوة في قضية الصلح، فقيل: لم يدخلن، لقوله في القصة: على أن لا يأتيك منا رجل إلا رددته. وقيل: دخلن فيه، لقوله في رواية أخرى: ولا يأتيك منا أحد. لكن نسخ ذلك أو بين فساده بالآية اهـ. (وإن كان رجلا) فهل يرجع إليهم؟ فيه روايتان:
(إحداهما) - وهي التي ذكرها الخرقي - لا يرجع أيضا كالمرأة، ولأن تمكنهم منه والبقاء في أيديهم معصية، فلم يجز كما لو شرط قتل مسلم، أو شرب خمر.
(والثانية) : يلزمه الرجوع إليهم وفاء بالعهد، لما تقدم في بعث المال، ولأن النبي ﷺ لما عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما، وفى لهم بذلك، ولم ينهه الله سبحانه عن ذلك، وقول الخرقي: حلف. ذكره على سبيل المثال، وإلا المقصود الشرط.
стр. 3625
قال: ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ومباح له أن يهرب من ثلاثة.
ش: الأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ، إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] ، أوجب سبحانه أولا على الواحد الثبات للعشرة، ثم رحم ضعفنا وخفف عنا فأوجب ثبات الواحد للاثنين، إذ هذا خبر في معنى الأمر، أو خبر عما استقر في حكم الشرع، وهذا أحسن، أو متعين هنا، إذ لو كان خبرا بمعنى الأمر لكان التقدير: إذا كان عشرون صابرون فليغلبوا؛ فيكون التكليف إنما هو للصابر فقط، والصبر واجب على المكلف، لا شرط في التكليف، وأيضا فيكون أمرا بالغلبة وذلك ليس إليهم إنما الذي إليهم الصبر والقتال والغلبة من الله تعالى، فإذا المعنى المقرر في حكم الشرع أن المائة الصابرة تغلب مائتين فلتصبر، وحيث غلبت المائة من المائتين فلعدم صبرها.
٣٤٥٧ - وقد بين ذلك وفسره ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ، كتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين. رواه البخاري.
وله أيضا في رواية، ولأبي داود قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ،
стр. 3626
شق ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم من الصبر بقدر ما خفف عنهم.
٣٤٥٨ - ويروى عنه أيضا أنه قال: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر. وعلى هذا يحمل ما ورد من النهي المطلق عن تحريم الفرار يوم الزحف، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] الآية.
٣٤٥٩ - وقول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» . قالوا: وما هن يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» » . متفق عليه.
(ويستثنى) من تحريم الفرار من المثلين فما دون (الفرار للتحرف) لمصلحة قتال بأن ينحاز
стр. 3627
إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كما إذا كان في مقابلة الشمس، أو الريح فاستدبرهما، أو كان في وهدة أو في معطشة، فانحاز إلى علو أو إلى ماء، أو استند إلى جبل، أو نفر بين أيدي الكفار لتنتقض صفوفهم، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب، أو (الفرار للتحيز) إلى فئة من المسلمين، ليتقووا بها على عدوهم، وإن بعدت الفئة، حتى قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان، والفئة بالحجاز جاز التحيز إليها، وذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ [الأنفال: ١٦] إِلَى فِئَةٍ الآية.
٣٤٦٠ - ويروى أن عمر كان يوما في خطبته إذ قال: يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم الذئب من استرعاه الغنم. فأنكرها الناس، فقال علي ﵁: دعوه فلما نزل سألوه عما قال، فلم يعترف به، وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق ليغزوهم، فلما قدم ذلك الجيش أخبروا أنهم لقوا عدوهم يوم جمعة فظهر عليهم، فسمعوا صوت عمر ﵁ فتحيزوا إلى الجبل، فنجوا من عدوهم، وانتصروا عليهم.
стр. 3628
٣٤٦١ - ويروى عنه أيضا أنه قال: أنا فئة كل مسلم. وكان بالمدينة، وجيوشه بمصر والعراق والشام وخراسان. رواه سعيد.
٣٤٦٢ - «وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف؟ وبؤنا بالغضب، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: «من الفرارون؟» فقلنا: نحن الفرارون. قال: «لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين» . قال فأتيناه حتى قبلنا يده» . رواه أحمد وأبو داود. وقوله: حاصوا
стр. 3629
حيصة، أي: حادوا حيدة. ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] .
وقول الخرقي: ومباح له أن يهرب من ثلاثة. ذكره على سبيل المثال، والمراد أنه يباح للمسلمين الفرار مما زاد على مثليهم. هذا هو المعروف، واختار أبو العباس تفصيلا ملخصه: أن القتال لا يخلو إما أن يكون قتال دفع أو طلب، (فالأول) كأن يكون العدو كثيرا لا يطيقهم المسلمون، ويخافون أنهم إن انصرفوا عنهم عطفوا على من تخلف من المسلمين، قال: فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب عليهم أن يبذلوا مهجهم في الدفع حتى يسلموا، ونظير ذلك أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، والمقاتلة أقل من النصف، لكن إن انصرفوا استولوا على الحريم، (والثاني) لا يخلو إما أن يكون بعد المصافة أو قبلها، فقبلها هي مسألة الكتاب، وبعدها حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقا إلا لتحرف أو تحيز، كما دل عليه قوله سبحانه: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] . وقصة بدر مرادة منها، والمشركون إذ ذاك
стр. 3630
ثلاثة أضعاف المسلمين، مع أحاديث الفرار من الزحف، ومفهوم آية الأنفال الناسخة تحمل على ما قبل الشروع، إذ المفهوم يكتفى فيه بمطلق المخالفة، اهـ.
وظاهر كلامه أنه يباح لهم الفرار والحال هذه وإن غلب على ظنهم الظفر، وهو المعروف عن الأصحاب، عملا بإطلاق الآية الكريمة، ولأبي محمد في المغني احتمال بوجوب الثبات والحال هذه، لما فيه من المصلحة، وهو ظاهر كلامه في المقنع، وظاهر كلام الشيرازي، قال: إذا كان العدو أكثر من مثلي المسلمين، ولم يطيقوا قتالهم، لم يعص من انهزم، لأن الله تعالى جعل الرجل منا بإزاء الرجلين منهم، فإذا صاروا ثلاثة جاز للمسلم أن ينهزم منهم إذا خشي قهرهم، اهـ.
ولو غلب على ظنهم والحال هذه الهلاك فالفرار أولى، حذارا من كسر قلوب المسلمين، وإن غلب على ظنهم الهلاك في الثبات وفي الانصراف فالأولى أن يقاتلوا، ولا يفروا ولا يستأسروا، لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين، ويسلموا من تحكم الكفار عليهم، ولجواز أن
стр. 3631
يغلبوا، قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، ويجوز لهم أن يفروا لظاهر الآية، وأن يستأسروا على المشهور المختار من الروايتين فيهما.
٣٤٦٣ - لأن خبيبا الأنصاري وابن الدثنة سلما أنفسهما للأسر عند العجز والغلبة، وامتنع من ذلك عاصم بن ثابت الأنصاري في سبعة من الصحابة ﵃ أَجْمَعِينَ - حتى قتلوا، وكان الكل محمودين والقصة في البخاري وغيره.
(والرواية الثانية) : يلزمهم القتال.
٣٤٦٤ - لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من استأسر للمشركين من غير حاجة» . ذكره ابن حزم لكنه ضعيف، وهو اختيار الخرقي، قال: فإن خشي الأسر قاتل حتى يقتل.
стр. 3632
قال: ومن آجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة، فمباح له ما أخذ إن كان راجلا أو على دابة يملكها.
ش: يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه على حفظ الغنيمة، ويباح له ما أخذ، لأنه أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة، فجاز كما لو أجر نفسه. [ليدلهم على الطريق ونحو ذلك، وهذا إذا كان راجلا أو على دابة يملكها، أما لو أجبر نفسه] على حفظ الغنيمة وأطلق، فإنه يجوز له أن يركب دابة من المغنم، حذارا من استعمال ملك الغير بغير إذن شرعي، ولا عرفي. فإن شرط في الإجارة ركوب دابة معينة، فقال الشيخان: يجوز، إذ ذاك بمنزلة الأجرة وإطلاق الخرقي يحتمل المنع. وقد فهم من كلام الخرقي بطريق التنبيه أنه لا يجوز لأحد ركوب دابة من المغنم، ولا ريب في ذلك في غير الغانمين، وكذلك في الغانمين في غير القتال، وأما في القتال فهل يجوز كما في السلاح، أو لا يجوز لتعرض الفرس للعطب غالبا بخلاف السلاح؟ على روايتين.
٣٤٦٥ - وقد روى رويفع بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتاع مغنما حتى يقسم، ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، ولا أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه» . رواه أحمد وأبو
стр. 3633
داود.
قال: ومن لقي علجا فقال له: قف أو ألق سلاحك. فقد أمنه.
ش: الخرقي ﵀ ذكر ما فيه اشتباه، إذ ذلك تنبيه على الواضح كأجرتك وأمنتك، ولا تخف ولا تذهل، ولا خوف عليك، ولا بأس عليك، ونحو ذلك مما يدل على الأمان، وقد ورد الشرع بأجرتك وأمنتك. قال النبي ﷺ لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» .
٣٤٦٦ - وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . وبقية الألفاظ في معناهما، وعند أصحابنا أن حكم: قف أو ألق
стр. 3634
سلاحك. حكم ذلك، لأن الكافر يعتقده أمانا، أشبه ما لو قال: أمنتك.
٣٤٦٧ - وقد روى مالك في موطئه عن رجل من أهل الكوفة أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل جيش كان بعثه: بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع قال رجل: مترس. يقول لا تخف؛ فإذا أدركه قتله. وإني والذي نفسي بيده لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه.
وحكى أبو محمد احتمالا ومال إليه أنه لا يكون أمانا، لأن ذلك يستعمل للإرهاب والتخويف، أشبه ما لو قال: لأقتلنك؛ ويرجع إلى القائل، فإن نوى به الأمان فهو أمان، وإلا فيسأل الكافر فإن قال: اعتقدته أمانا، رد إلى مأمنه، وإلا فليس بأمان.
[حكم السرقة من الغنيمة]
قال: ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لولده أو لسيده لم يقطع.
ش: من سرق من الغنيمة ممن له فيها حق لم يقطع، لأن له فيها شبهة، وهو حقه المتعلق به، والحد يدرأ بالشبهة، وصار كما لو سرق من مال مشترك بينه وبين
стр. 3635
غيره، وكذلك إذا سرق من غنيمة لولده فيها حق، لأن له في مال ولده حقا في الجملة، ولهذا لا يقطع بسرقته، وحق ولده متعلق بهذا المال، فصار كالذي قبله، وكذلك إذا سرق العبد من الغنيمة الذي لسيده فيها حق، لأنه لا يقطع بسرقة مال سيده، كما تقدم، فكذلك بما لسيده فيه جزء.
وقوله: ممن له فيها حق. يخرج ما إذا لم يكن له فيها حق، وله حالتان (إحداهما) : سرق قبل أن تخمس، وهو حر مسلم، فلا قطع عليه، لأن له حقا في الفيء. (الثاني) : سرق بعد أن خمست، فإنه يقطع لانتفاء الحقية.
[وطئ جارية السبي قبل قسمة الغنيمة]
قال: وإن وطئ جارية قبل أن يقسم أدب ولم يبلغ به حد الزاني.
ش: يعني ممن له في الغنيمة حق أو لولده، فإنه لا حد عليه، لأن الملك يثبت للغانمين في الغنيمة، فيكون للواطئ حق في الجارية أو لولده، فيدرأ عنه الحد لذلك للشبهة، وصار كالجارية المشتركة، وإذا انتفى الحد وجب التعزير بلا ريب، للمعصية المنتفي فيها الحد والكفارة، وقدره قد سبق بيانه فلا حاجة إلى إعادته.
وقوله: لا يبلغ به حد الزاني، يبين أن قوله ثم: لا يبلغ بالتعزير الحد، أن مراده ليس أدنى الحدود بل إما أعلاها، وإما أن كل ذنب لا يبلغ به حد جنسه.
стр. 3636
قال: وأخذ منه مهر مثلها فطرح في المغنم.
ش: لأن ذلك بدل منفعتها ومنفعتها لجميع الغانمين، فكذلك بدلها، فعلى هذا يطرح في المغنم ليعم جميع الغانمين، وقال القاضي يسقط عنه من المهر قدر حصته منها، ويجب عليه بقيته كالجارية المشتركة. ورده أبو محمد بأن قدر حصته قد لا يمكن، لكثرة الغانمين وقلة المهر، ثم إذا أخذناه فقد لا يمكن قسمته على بقية الغانمين مفردا، وإن طرح في المغنم وقسم على الجميع أخذ سهما مما ليس له فيه حق.
قال: إلا أن تلد منه فتكون عليه قيمتها.
ش: يعني أنها إذا ولدت منه والحال هذه فإنها تصير أم ولد له، لأنه وطء لحق به النسب لشبهة الملك، أشبه وطء الأب جارية ابنه، وإذا صارت أم ولد له فعليه قيمتها تطرح في المغنم، لأنه أتلفها بفعله، أشبه ما لو قتلها، وسواء كان موسرا أو معسرا. وعن القاضي: إذا كان معسرا حسب قدر حصته من الغنيمة فصارت أم ولد، وباقيها رقيق للغانمين كالإعتاق. وفرق بأن الاستيلاد أقوى، لكونه فعلا، ولهذا نفذ من المجنون.
وظاهر كلام الخرقي أنها إذا صارت أم ولد لا مهر لها عليه، لأنه استثنى ذلك من وجوب المهر، وهو إحدى الروايتين، ولعل مبناهما على أن المهر هل يجب بمجرد
стр. 3637
الإيلاج فيجب المهر أو لا يجب إلا بتمام الوطء، وهو النزع، فلا يجب لأنه إنما تم وهي ملك له، وظاهر كلامه أيضا أنه لا تجب قيمة الولد، وهو إحدى الروايتين، لأن ملكه حصل بالعلوق ولا قيمة للولد إذا.
(والثانية) : يجب عليه قيمة الولد حين وضعه، لأنه فوته عليهم، إذ من حقه أن يصير لهم. وقد علم من كلام الخرقي أن الولد حر لاحق نسبه بالواطئ، وإلا لم تصر أم ولد، وذلك لأنه وطء سقط فيه الحد لشبهة الملك، أشبه واطئ جارية ابنه، والله أعلم.
стр. 3638
[كتاب الجزية]
ش: الجزية قال أبو محمد: الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام. وظاهر هذا التعريف أن الجزية أجرة الدار. قال: مشتقة من جزاه بمعنى قضاه، كقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] .
وقال القاضي في الأحكام السلطانية: اسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم، لأخذها منهم صغارا، أو جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا. قال أبو العباس: وهذا أصح، وهو يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة، والأصل في جوازها الإجماع. وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] ، إلى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وما تقدم من أن النبي ﷺ أخذ الجزية من نصارى نجران.
٣٤٦٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي ﷺ وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: «أريد منهم كلمة
стр. 3639
تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» . قال: كلمة واحدة؟ قال: «كلمة واحدة، قولوا: لا إله إلا الله» . قالوا: إلها واحدا؟ ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] . قال: فنزل فيهم القرآن: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] إلى قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] » . رواه أحمد والترمذي وحسنه، في أحاديث أخر.
[من تقبل منه الجزية]
قال: ولا تقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني، أو مجوسي، إذا كانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه، ومن سواهم فالإسلام أو القتل.
ش: قد تقدم أن الجزية تقبل من اليهود والنصارى والمجوس، وإن كانوا من العرب، ولا تقبل ممن سواهم على المذهب وإن كانت لهم صحف على الأشهر، ونزيد هنا بأن ظاهر كلام الخرقي أن من أحد أبويه غير كتابي فاختار دين الكتابي أنه تقبل منه الجزية. وكذلك ظاهر كلامه أن من انتقل إلى أحد هذه الأديان الثلاثة بعد مبعث سيدنا ونبينا ﷺ أنه لا تقبل منه الجزية، وهو أحد القولين في الصورتين، نظرا لعموم النص.
وشرط الخرقي لكل من تقبل منه الجزية أن يكون مقيما
стр. 3640
على ما عوهد عليه، من بذل الجزية في كل عام، لقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] . أي: يلتزموا أداءها والتزام أحكام الملة، من ضمان الأنفس والأموال وإقامة الحدود، وغير ذلك على ما هو مقرر في بابه، إعمالا لحكم الإسلام لنسخه كل ملة.
[مقدار الجزية]
قال: والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات، فيؤخذ من أدونهم: اثنا عشر درهما، ومن أوسطهم: أربعة وعشرون درهما، ومن أيسرهم: ثمانية وأربعون درهما.
ش: لأن ذلك يروى عن عمر ﵁ ولم ينكره منكر، وعمل عليه فكان إجماعا.
٣٤٦٩ - ففي البخاري عن ابن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: فعل ذلك من قبل اليسار.
٣٤٧٠ - وفي الموطأ عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، ومع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام، لكن مقتضى هذا أن عمر ﵁ قابل الدينار بعشرة دراهم، وأبو محمد نقل عنه أنه قابله
стр. 3641
باثني عشر درهما، وزعم أنه حديث لا شك في صحته، مع أنه لم يذكر من رواه، وليس هو والله أعلم في السنن.
٣٤٧١ - فإن قيل ففي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل، «أن رسول الله ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم - يعني: محتلما - دينارا، أو عدله من المعافري» ، ثياب تكون باليمن، فظاهر هذا إجزاء الدينار في حق كل أحد؟
قيل هو محمول على أن الغالب على أهل اليمن كان الفقر، كما أشار إليه مجاهد، أو أن للإمام الزيادة والنقصان في الجزية كما هو إحدى الروايات، واختيار الخلال، قال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه عنه الجماعة، بأنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص عنه، على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع، فاستقر قوله على
стр. 3642
ذلك، اهـ.
٣٤٧٢ - وقد «روى ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والبقية في رجب، يؤدونها للمسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد ذات غدر، على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم يحدثوا حدثا، أو يأكلوا الربا» . رواه أبو داود، وهذا مع الذي قبله مع فعل عمر
стр. 3643
- ﵁ يدل على أن المرجع في ذلك إلى رأي الإمام فيما يطيقونه من الزيادة والنقصان.
والرواية الثانية: لا تجوز الزيادة ولا النقص على ما تقدم من أن على الأدون اثنا عشر درهما، والمتوسط أربعة وعشرون درهما، والغني ثمانية وأربعون درهما، وهي اختيار القاضي في روايتيه، وقال: إنها اختيار الخرقي، ولا شك أنها ظاهر كلامه، وذلك لما روي عن عمر ﵁.
والرواية الثالثة: تجوز الزيادة ولا يجوز النقص، قال في رواية يعقوب بن بختان: لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد، وهذا اختيار أبي بكر، لأن عمر ﵁ لم ينقص عن الدينار، بل زاد عليه، فيقتصر على ذلك، فظاهر هذه الرواية أن الأدون لا ينقص عن الدينار، والمتوسط لا ينقص عن الدينارين، والغني عن الأربعة، ويجوز أن يزادوا على ذلك.
وقال ابن أبي موسى: لا يجوز النقص عن الدينار بحال، وتجوز الزيادة عليه، وهذا قول رابع.
(تنبيهات) أحدها: الغني هنا من عده أهل العرف غنيا، على المشهور والمقطوع به لأبي البركات، وأبي محمد في المغني وغيرهما، لأن ما لا تقدير فيه من جهة الشرع المرجع فيه إلى العرف كالقبض والحرز. (وقيل عن أحمد) : الغني: من ملك نصابا، (وقيل عنه) بل من ملك عشرة آلاف
стр. 3644
درهم، (وقيل) بل من ملك مائة ألف درهم فهو غني، ومن ملك دونها إلى عشرة آلاف فمتوسط، ومن ملك عشرة آلاف فما دون ففقير. الثاني: يقوم الدينار مقام الاثني عشر درهما.
الثالث: «عدله من المعافري» ، عدل الشيء: ما يعادله ويماثله، والمعافري: منسوب إلى معافر، بفتح الميم، موضع باليمن، وهي ثياب تكون به.
[من لا تجب عليه الجزية]
قال: ولا جزية على صبي.
ش: هذا والله أعلم اتفاق، وقد شهد له مفهوم حديث معاذ المتقدم: «خذ من كل حالم دينارا» ، مع أن الله تعالى إنما أمر بأخذ الجزية ممن يقاتل، فقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] ، إلى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، والصبي لا يقاتل.
٣٤٧٣ - وعن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن اضربوا الجزية، ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا
стр. 3645
تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى. رواه سعيد وأبو عبيد.
قال: ولا زائل العقل.
ش: لأنه أسوأ حالا من الصبي، ولقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» . مع أن هذا أيضا، والله أعلم، اتفاق والحمد لله.
قال: ولا امرأة.
ش: هذا أيضا والله أعلم اتفاق، لما تقدم ولأن الجزية تؤخذ حقنا للدم، كما أشعرت به الآية الكريمة، والمرأة محقون دمها، بدليل ما تقدم.
قال: ولا فقير.
ش: سواء كان معتملا أو غير معتمل، أما غير المعتمل فبالاتفاق مذهبا، لعموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، وهذا خبر، فتخصيص غيره من الإنشاءات أولى بلا ريب، لقول النبي ﷺ : «خذ من
следующие страницы →