← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

دون الناسي. «الثاني» : يشترط قصد التسمية على ما يذبحه، فلو سمى على شاة وأخذ غيرها فذبحها بتلك التسمية لم يجزئه، لعدم قصدها بالتسمية، وكذلك لو رأى قطيعا فسمى وأخذ منه شاة فذبحها بالتسمية الأولى لم يجزئه، ولا يشترط أن يقصد بالتسمية صيدا معينا، فلو سمى على صيد فأصاب غيره حل، دفعا للحرج والمشقة، نعم هل يشترط قصد الآلة بالتسمية، فلو سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى بالثاني من غير تسمية لم يجزئه، لأنه لما تعذر غالبا اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على آلته، أو لا يشترط كما في الذبيحة، فإنه لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها أجزأه؟ فيه قولان، والله أعلم. قال: وإن ند بعيره فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو نحوه مما يسيل به دمه وقتله أكل. ٣٥٢٤ - ش: الأصل في ذلك ما «روى رافع بن خديج قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فند بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوه به هكذا» . رواه الجماعة، وزاد الحميدي: «وكلوه» .

стр. 3712

٣٥٢٥ - وعليه يحمل «حديث أبي العشراء، عن أبيه ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الزكاة إلا في الحلق واللبة؟ قال: «لو طعنت في فخذها لأجزأك» . رواه الخمسة. وقول الخرقي: ند بعير: تبع فيه واقعة الحديث، ويلحق به ما في معناه، ولهذا عمم النبي ﷺ الحكم فقال: «إن لهذه البهائم» . وقوله: فلم يقدر عليه. هذه صورة المسألة، وإلا لو قدر عليه وجبت ذكاته، وقوله: فرماه بسهم أو نحوه، يحترز به عما لو رماه بما لا يجرحه فقتله فإنه لا يباح، كما إذا قتل بثقل المعراض، والله أعلم.

стр. 3713

قال: وكذلك إن تردى في بئر أو نحوه فلم يقدر على تذكيته، فجرحه في أي موضع قدر عليه فقتله أكل. ش: لأنه ساوى البعير إذا ند معنى، فساواه حكما إذ المعنى فيهما عدم القدرة على الذكاة الأصلية. ٣٥٢٦ - ويروى أن بعيرا تردى في بئر فذكي من قبل شاكلته، فبيع بعشرين درهما، فأخذ ابن عمر ﵄ عشره بدرهمين، والله أعلم. قال: إلا أن يكون رأسه في الماء فلا يجوز أكله، لأن الماء يعين على قتله. ش: يعني أن المتردي في بئر أو نحوه إذا كان رأسه في الماء فلا يحل، لما علل به الخرقي من أن الماء قد أعان على قتله، وإذا حصل قتله بسبب مباح ومحرم فغلب جانب التحريم. وأيضا من شرط الحل وجود الذكاة المعتبرة أو ما يقوم مقامها، وهنا لم يعلم وجود ذلك، وبهذا فارق إذا رمى الصيد فوقع في ماء وكان جرحه موحيا، لأن ثم قد علم وجود السبب، وشك في المانع.

стр. 3714

وقد علم من كلام الخرقي هنا بطريق التنبيه أن من شرط الماء ثم أن يعين على قتل الصيد. [صيد الكتابي] قال: والمسلم والكتابي في كل ما وصفت سواء. ش: يعني في الاصطياد، فيباح ما صادوه، خلافا لمالك في منعه في صيدهم، بخلاف ذبائحهم، والحجة عليه عموم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . وفي أنه يشترط لصيدهم ما يشترط لصيد المسلمين، وكذلك يشترط لذبيحتهم التسمية حيث اشترطت في المسلمين، وقد تقدم. وعن أحمد في هذه المسألة روايتان، ثم ظاهر كلام الخرقي أن حربي أهل الكتاب كذميهم، وقد قال أحمد في ذبائح أهل الحرب: لا بأس بها. وحديث عبد الله بن مغفل في الشحم قال: إسحاق أجاد. وحكى ابن المنذر

стр. 3715

إجماع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وظاهر كلامه أيضا أن عربي أهل الكتاب كغيره، وهو إحدى الروايتين. واختيار أبي محمد، تمسكا بعموم الكتاب. (والرواية الثانية) - وهي المختارة للقاضي وأصحابه - لا تباح ذبيحة نصارى العرب، ومنهم من يحكي الخلاف في بعض العرب، وقد تقدمت هذه المسألة في النكاح. وظاهر كلامه أيضا أن العبرة بالذابح لا بأبويه، إلا أنه قد نص في النكاح على أن من أحد أبويه غير كتابي لا تؤكل ذبيحته، ولا تنكح نساؤه، وقد تقدم الكلام على ذلك، والله أعلم. [حكم أكل ما قتل بالبندق والحجر] قال: ولا يأكل ما قتل بالبندق ولا الحجر لأنه موقوذة. ش: وكذلك ما في معنى البندق والحجر مما ليس بمحدد، كالعصا والشبكة والفخ ونحو ذلك، والأصل في ذلك آية المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]- إلى قوله - ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، مع القياس على المعراض. ٣٥٢٧ - وقد قال ابن عمر ﵄ في المقتولة بالبندق: تلك الموقوذة.

стр. 3716

٣٥٢٨ - وعن عبد الله بن المغفل ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين» ، متفق عليه. ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر وإن خرق، حتى لو قطع الحجر رأس الطائر وذهب به فإنه لا يحل، وهو كذلك، لإطلاق ما تقدم. ٣٥٢٩ - وعن إبراهيم عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رميت فسميت فخزق فكل، وإن لم يخزق فلا تأكل، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت» . رواه أحمد، وهو مرسل، لأن إبراهيم لم يلق عديا. واعلم أن كلام الخرقي محمول على حجر لا حد له، أما ما له حد فحكمه حكم سائر المحددات إن أصابت بحدها أبيح وبغيره لم يبح. [حكم صيد المجوسي] قال: ولا يؤكل صيد المجوسي إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له. ش: أما صيد المجوسي - عدا ما لا ذكاة له كما سيأتي

стр. 3717

إن شاء الله تعالى - فإن عدم إباحته إجماع أو كالإجماع، قال أحمد: لا أعلم أحدا قال بخلافه إلا أن يكون صاحب بدعة، وقال أيضا: ها هنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبي ثور، وقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، فقد حكى هذا الإمام أن أبا ثور خرق الإجماع، مع أن خلاف الواحد في الاعتداد به نزاع. وقد دل مفهوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، على أن طعام غير أهل الكتاب ليس حلا لنا، وقد دللنا على أن المجوس لا كتاب لهم في النكاح بما فيه كفاية فلينظر ثم. وأما ما لا يشترط له ذكاة كالسمك، وما لا يعيش إلا في الماء، وكذلك الجراد على المذهب فإن صيد المجوس لا يضره، لأن قصاراه أنه ميتة، وميتة ذلك حلال. ٣٥٣٠ - فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» . رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني لكنه ضعيف، وهذا والله أعلم السبب في ذكر الخرقي الحوت.

стр. 3718

وقد تقدم قول النبي ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . قال أحمد: هذا خير من مائة حديث. ٣٥٣١ - وقال ابن عباس ﵄: كل من صيد البحر صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي. ذكره البخاري في صحيحه. (تنبيه) : حكم من لا كتاب له كعبدة الأوثان ونحوهم حكم المجوس بطريق الأولى، وإنما نص الخرقي على المجوس لوقوع الخلاف فيهم، وإن كان الخلاف شاذا. قال: وكذلك كل ما مات من الحيتان في الماء. ش: هذا معطوف على قوله: إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له. أي فيؤكل، وكذلك كل ما مات من الحيتان

стр. 3719

في الماء فإنه يؤكل، وذلك لما تقدم من حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵃ والخرقي نص على الحيتان اتباعا للحديث، فيلحق بذلك كل ما في معناه مما يسمى سمكا، أو مما لا يعيش إلا في البحر، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم. [حكم أكل السمك الطافي] قال: وإن طفا. ش: يعني وإن طاف ما مات من الحيتان، أي: علا على وجه الماء، وإنما ذكر الخرقي ذلك لأن بعض السلف كرهه، والمذهب عندنا بلا ريب حله. قال أحمد: الطافي يؤكل، وما جزر عنه الماء أجود، والسمك الذي نبذه البحر لم يختلف الناس فيه، وإنما اختلفوا في الطافي، وليس به بأس، وذلك لعموم ما تقدم. ٣٥٣٢ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: الطافي حلال. ٣٥٣٣ - وعن عمر ﵁ في قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] . قال: صيده: ما أصيد، وطعامه:

стр. 3720

ما رمى به، ذكرهما البخاري في صحيحه، وخرج أبو البركات فيه قولا أنه لا يباح منه ما مات بلا سبب، من رواية ضعيفة في الجراد. ٣٥٣٤ - ووجه ذلك في الجملة ما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» . رواه أبو داود. وهذا نص، إلا أن الصحيح وقفه على جابر، قال أبو داود: رواه الثقات فأوقفوه على جابر، وقد أسند من وجه ضعيف. (تنبيه) على المذهب: هل يكره أكل الطافي؟ ظاهر كلام أبي محمد الكراهة، لأنه قال في حديث جابر: إن صح نحمله

стр. 3721

على نهي الكراهة، لأنه إذا مات رسب، فإذا انتن طفا فكره لنتنه لا لتحريمه. ٣٥٣٥ - قلت: وقد جاء عن ابن عباس ﵄ نحو هذا، فقال في قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] . طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. ذكره البخاري في صحيحه، وكلام أحمد السابق محتمل الكراهة وعدمها، والله أعلم. [ذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام] قال: وذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في الحلق واللبة. ش: قد تقدم حكم غير المقدور عليه منهما، أما المقدور عليه منهما فإن ذكاته في الحلق واللبة والذكاة هي الذبح والنحر، فالذبح في الحلق، والنحر في اللبة، وهي الوهدة التي في أصل العنق والصدر، وهذا والله أعلم إجماع. ٣٥٣٦ - وقد شهد له ما روى الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ : بديل بن الورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى

стр. 3722

أيام أكل وشرب وبعال» . ٣٥٣٧ - وعن عمر ﵁ أيضا أنه نادى: إن النحر في الحلق واللبة لمن قدر، وحديث أبي العشراء المتقدم يقتضي أن المعروف عندهم ذلك. وظاهر كلام الخرقي أنه يكتفي بقطع الحلقوم وهو مجرى النفس، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي الخطاب في خلافه الصغير، لظاهر ما تقدم، ولأنه قطع في محل الذكاة ما لا تبقى الحياة معه، أشبه ما لو قطع مع ذلك الودجين. (والرواية الثانية) : يشترط مع ذلك قطع الودجين، اختارها أبو بكر وابن البنا. ٣٥٣٨ - لما روي عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ قالا: «نهى رسول الله ﷺ : عن شريطة الشيطان، زاد ابن

стр. 3723

عيسى: وهي التي تذبح فيقطع منها الجلد، ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت» ، رواه أبو داود. ٣٥٣٩ - وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: ما فرى الأوداج فكله. رواه مالك في الموطأ، واجتزأ في الكافي بقطع أحد الودجين عنهما، وحكى الرواية على ذلك، والمعروف في النقل الأول.

стр. 3724

(تنبيه) «شريطة الشيطان» : هي الناقة ونحوها التي شرطت أي أثر في حلقها أثر يسير، كشرط الحجام، من غير قطع الأوداج ولا إجراء الدم، وكان هذا من فعل الجاهلية، وأضيفت إلى الشيطان فإنه حملهم على ذلك، والفري القطع، والأوداج جمع ودج، وهو عرق في العنق، وهما ودجان في جانبي العنق. قال: ويستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه من الأنعام. ش: هذا اتفاق والحمد لله وقد قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] . ٣٥٤٠ - قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح، ولأن النبي ﷺ بعث في قوم ماشيتهم الإبل، وبنو إسرائيل ماشيتهم البقر.

стр. 3725

٣٥٤١ - وفي الصحيح «أن رسول الله ﷺ نحر بدنه، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» . قال: فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح فجائز. ٣٥٤٢ - ش: هذا هو المذهب المعروف لما في الصحيحين «من حديث أسماء ﵂ قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ : فأكلناه.» متفق عليه. والظاهر أن مثل هدا لا يخفى على النبي ﷺ ثم حكايتها ذلك تدل على أن هذا كان أمرا مشتهرا بينهم. قال: وإذا ذبح فأتت على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو وطئ عليها شيء لم تؤكل. ش: هذه المسألة نظير مسألة ما إذا رمى الصيد فوقع في ماء، أو تردى من جبل، والكلام فيها كالكلام ثم نقلا ودليلا، ولا بد أن يلحظ أن الماء والوطء يقتل مثله غالبا، وقد تقدم نحو ذلك.

стр. 3726

قال: فإن ذبحها من قفاها وهو مخطئ، فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت. ش: فسر القاضي الخطأ بأن تلتوي الذبيحة عليه، فتأتي السكين على القفا، لأنها مع التوائها معجوز عن ذبحها، فيسقط اعتبار المحل، المتردية في بئر، أما مع عدم الالتواء فلا تباح، إذ الجرح في القفا سبب للزهوق، وهو في غير محل الذبح، فإذا اجتمع مع الذبح منع الحل، لخروج الروح بجائز وممنوع منه، وإذا يغلب جانب المنع. وقد روي عن أحمد ما يعضد هذا التفسير، فقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله عن ذبح القفا، قال: عامدا أو غير عامد؟ قلت: عامدا. قال: لا يؤكل، فإذا كان غير عامد كأن التوى عليه فلا بأس. ففسر غير العمد بالالتواء، وأبدل أبو البركات لفظ الخطأ بالسهو، وهو أعم من كلام القاضي، لدخول غير الالتواء فيه، ويقرب من كلام الخرقي، إلا أن إطلاق الخرقي يدخل فيه حال الجهل، اهـ. ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا فعل ذلك عمدا أنها لا تؤكل، وهو منصوص أحمد المتقدم، لخروج الروح بسبب مباح ومحرم، فغلب جانب التحريم.

стр. 3727

٣٥٤٣ - وعن ابن عباس وابن عمر وأنس ﵃: إذا قطع الرأس مع ابتداء الذبح من الحلق فلا بأس، ولا يتعمد، فإن ذبح من القفا لم تؤكل، سواء قطع الرأس أو لم يقطع. (وحكى القاضي) والشيرازي وغيرهما رواية أخرى بالإباحة بشرطه، وهو اختيار القاضي، والشيرازي، وأبي محمد وغيرهم، لأن الذبح إذا أتى على ما فيه حياة مستقرة أحله، دليله المتردية، وأكيلة السبع، ونحوهما. وشرط الحل حيث قلنا به أن تأتي السكين على موضع الذبح وفيه حياة مستقرة، ويعلم ذلك بوجود الحركة القوية قاله القاضي، ولم يعتبر أبو البركات القوة، وقوة كلام الخرقي وغيره يقتضي أنه لا بد من علم ذلك، وقال أبو محمد: إن لم يعلم ذلك فإن كان الغالب البقاء لحدة الآلة

стр. 3728

وسرعة القطع، فالأولى الإباحة، وإن كانت الآلة كالة، وأبطأ القطع لم يبح، والله أعلم. [الحكم لو ذبح الشاة وفي بطنها جنين] قال: وإذا ذبح الشاة وفي بطنها جنين أكلا، لأن ذكاتها ذكاة جنينها. ٣٥٤٤ - ش: لما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه» . رواه أبو داود. ٣٥٤٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ مثله رواه الترمذي، ورواه أبو داود، ولفظه قال: «قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة في بطنها الجنين؟ قال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» . وهذا ظاهره جواز الأكل مطلقا، وبين ﷺ علة ذلك،

стр. 3729

وهو كون ذكاته ذكاة أمه، وهو يبعد رواية من روى: «ذكاة أمه» ، بالنصب، على تقدير: يذكى تذكية مثل تذكية أمه، ثم حذف المصدر وصفته، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو التقدير كذكاة أمه، فحذف الجار ونصب، وتترجح رواية الرفع من وجه آخر، وهو أنه لا تقدير فيها، ورواية النصب لا بد فيها من تقدير، ثم إن ابن المنذر قد قال: لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذبح غير ما روي عن النعمان، (واعلم) أن شرط كون ذكاته ذكاة أمه أن

стр. 3730

يخرج ميتا، أو متحركا كحركة المذبوح، أما إن كانت فيه حياة مستقرة فإنه كالمنخنقة، قاله أبو البركات، وقال أحمد: إن خرج حيا فلا بد من ذكاته، لأنه نفس أخرى. (وعنه) رواية (أخرى) : إن مات بالقرب حل. قال: أشعر أو لم يشعر. ش: يعني أن ذكاة الأم عين ذكاة جنينها، أشعر الجنين - أي: نبت عليه الشعر - أو لم يشعر، أي: لم ينبت عليه الشعر. ٣٥٤٦ - وإنما ذكر الخرقي ذلك لأن ابن عمر ﵄ وجماعة من التابعين والأئمة ﵃ قالوا: إن أشعر فذكاته ذكاة أمه، وإن لم يشعر فلا، فنبه الخرقي على عدم التفرقة، اتباعا لإطلاق الحديث. قال: ولا يقطع عضوا مما ذكي حتى تزهق نفسه. ش: لما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق» .

стр. 3731

٣٥٤٧ - وعن عمر ﵁ كذلك، ولأن فيه تعذيبا للحيوان وإنه منهي عنه. وظاهر إطلاق الخرقي أن هذا النهي على سبيل التحريم، وإذا قد يقال: لا يحل أكله على قياس قوله: إذا ذبح فأتى على المقاتل، ثم وقعت في ماء، أو وطئ عليها شيء أنها لا تؤكل؛ إذ الزهوق حصل من مباح وممنوع منه. وظاهر كلام أبي محمد الكراهة، لأنه قال: كره ذلك أهل العلم، ثم قال في العضو: أن الظاهر إباحته. [ذبيحة الأعمى والأقلف والأخرس] قال: وذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب حلال. ش: هذا والله أعلم مما لا نزاع فيه، وقد قال أبو محمد: لا نعلم فيه خلافا، وقد دخل فيه البصير والأعمى، والعدل والفاسق، والمجبوب والأقلف على المذهب.

стр. 3732

٣٥٤٨ - (وعنه) لا تصح ذكاة الأقلف، اعتمادا في ذلك على ابن عباس ﵄ والطاهر والجنب، والناطق والأخرس، وسيأتيان، والرجل والمرأة، والبالغ والصبي، وقد حكاه ابن المنذر فيهما إجماع كل من يحفظ عنه من أهل العلم. ٣٥٤٩ - وفي صحيح البخاري وغيره «عن نافع أنه سمع ابنا لكعب بن مالك يخبر ابن عمر ﵄ أن أباه أخبره، أن جارية لهم كانت ترعى غنما بالجبيل الذي بالسوق وهو بسلع، فأبصرت بشاة منها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها، فقال لأهله: لا تأكلوا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله أو أرسل إليه من يسأله، فسأل رسول الله ﷺ فأمره بأكلها والحر والعبد سواء في الاعتبار» ، اهـ.

стр. 3733

ويشترط مع الإطاقة للذبح العقل، فلا تصح ذكاة مجنون ولا طفل ولا سكران، لانتفاء القصد منهم المعتبر في الذكاة شرعا. قال: إذا سموا أو نسوا التسمية. ش: قد تقدم هذا، وأن مذهب الخرقي اشتراط التسمية في العمد دون السهو، وإنما نص الخرقي على ذلك ليصرح بأن حكم أهل الكتاب حكم المسلمين في اشتراط التسمية، وقد تقدم هذا أيضا والخلاف فيه، وإن كان الأليق ذكره هنا. (تنبيه) : إذا لم يعلم أسمى الذابح أم لا، أو ذكر اسم غير الله أم لا؟ فالذبيحة حلال، لعدم الوقوف من ذلك على كل ذابح. ٣٥٥٠ - «وعن عائشة ﵂ قالت: إن قوما قالوا لرسول الله ﷺ : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سموا عليه أنتم وكلوه» . قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر» . رواه البخاري، وأبو داود

стр. 3734

ولفظه قالوا: يا رسول الله إن قوما حديث عهد بكفر، وذكره بمعناه. قال: فإن كان أخرس أومأ إلى السماء. ش: قد دل هذا على حل ذبيحة الأخرس. وقد حكاه ابن المنذر إجماع كل من يحفظ عنه من أهل العلم ويشترط له ما يشترط للناطق من التسمية، إلا أنه لما تعذر النطق في حقه أقيمت إشارته مقام نطقه، كما أقيمت مقام ذلك في سائر تصرفاته. وظاهر كلام الخرقي وغيره أنه لا بد من الإشارة إلى السماء، لأن ذلك علم على قصد تسمية الباري . ٣٥٥١ - وهذا كما «قال النبي ﷺ للجارية: «أين الله» ؟ فأشارت إلى السماء، فقال: «من أنا» ؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء، أي أنت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أعتقها فإنها مؤمنة» .»

стр. 3735

فجعل رسول الله ﷺ إشارتها إلى السماء علما على الوحدانية، وإلى رسالته، وحكم بإيمانها، قال أبو محمد: ولو أشار الأخرس إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا. قلت: وهذا يقتضي أن التنبيه السابق في حال الغيبة، أما في حال الحضور فلا بد من العلم أو الظن بوجود التسمية. [ذبيحة الجنب] قال: وإن كان جنبا جاز أن يسمي ويذبح. ش: لبقاء أهليته، إذ الجنابة لا تخرجه عن الإسلام، وقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا منع من ذلك. ويسمي كما يسمي عند اغتساله، لأن الذي منع منه هو قراءة القرآن، وليس المقصود بالتسمية على الذبيحة القراءة.

стр. 3736

قال: والمحرم من الحيوان ما نص الله عليه في كتابه. ش: الذي نص الله عليه في كتابه هو قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] . إلى آخرها. ولا نزاع في تحريم هذه الأشياء في الجملة، (أما لحم الخنزير) فلا ريب في تحريمه، وكذلك بقية أجزائه، اعتمادا على الإجماع، أو أن الشحم ونحوه داخل في مسمى ذكر اللحم لكونه صفة له، بدليل قولهم: لحم سمين، أي: لحم شحيم، أو أن ذكر اللحم خرج مخرج الغالب، لأنه معظم ما يقصد، مع ما فيه من مراغمة الكفار الذين يتدينون بأكل لحمه. (وأما الميتة) فيستثني منها ما استثناه المبين لكتاب ربه ﷺ وهو الحوت والجراد، ويلحق بالحوت ما في معناه مما يسمى سمكا، أو مما لا يعيش إلا في البحر، أو مما مات فيه - على ما تقدم - نعم بقي النظر في الطافي فإن عموم الآية يقتضي تحريمه. ٣٥٥٢ - وعموم قوله ﷺ : لما سئل عن التوضؤ بماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . يقتضي إباحته، فلا بد من

стр. 3737

مرجح، (فقد يقال) بترجيح عموم الكتاب لقوته، ولهذا قيل: إن عموم الكتاب لا يتخصص بالسنة، وبما تقدم من حديث جابر ﵁: «وما مات فيه وطفا فلا تقربوه» . » ٣٥٥٣ - وبما روي عن علي ﵁ أنه قال: ما طفا من صيد البحر فلا تأكله. (وقد يقال) بترجيح عموم السنة، لأن عموم الكتاب قد دخله التخصيص ولا بد، بخلاف عموم السنة فإنه قد شك في تخصيصه، والأصل عدم التخصيص، وبما تقدم من قول أبي بكر ﵁: الطافي حلال. ٣٥٥٤ - وقول عمر ﵁ في قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] ، قال: صيده ما أصيد، وطعامه ما رمى به. وهذا تفسير من عمر ﵁ وإذا يكون مخصصا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، وتكون السنة عاضدة لهذا التفسير، وما روي عن علي

стр. 3738

- ﵁ فلا يعرف أصله، وحديث جابر الصحيح وقفه عليه، وقد قال بعضهم: إن الآية الكريمة لا تخصيص فيها، بل وردت على ما يتعارفه الناس في العادة، والعرف في السمك أنه لا يطلق عليه ميتة، ولهذا إذا قيل: أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، وكذلك إذا قال: أكل دما، لم يسبق إلى الكبد والطحال. وقد أدخل بعضهم في الآية الكريمة الأجنة، وقد تقدم الاعتماد على رواية الرفع، وأن ذكاته عين ذكاة أمه، وإذا هي مذكاة لا ميتة على أن رواية النصب تخرج الحديث عن كثير فائدة، إذ الجنين إذا خرج حيا حياة مستقرة فلا يخفى حكم الذكاة في حقه، لأنه نفس أخرى. ومما قيل بدخوله في الميتة: جلدها، ولبنها، وشعرها، وعظمها، والكلام على تسليم ذلك أولا، وعلى خروجه بالتخصيص ليس هذا محله. وأما الدم فالمراد به ما عدا الكبد والطحال، إما بالخطاب العرفي، أو ببيان النبي ﷺ وقيل: إن ذلك خرج بقوله في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إذ الكبد والطحال لا يمكن سفحهما فلا يدخلان في الدم المحرم. (ومما قيل) أنه خرج بقوله سبحانه: ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]

стр. 3739

ما على العروق، وما يبقى على اللحم من الدم. (ومما قيل) أيضا بخروجه الذباب ونحوه مما لا دم له سائل، ولذلك قيل بطهارة ميتته على المذهب، وبحله في رواية، وتحريم الخنافس ونحوها للخبث. وأما ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، أي: الذي رفع عليه الصوت بتسمية غير الله، كأن يسمى عليه اسم المسيح - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - أو اسم صنم، ونحو ذلك كما كانوا في الجاهلية يذبحون فيقولون: باسم اللات والعزى؛ وقد اختلف في حل ما ذبح كذلك، على قولين للعلماء هما روايتان عن إمامنا: (إحداهما) - وبها قطع أبو محمد، وحكاه عن القاضي، وصححها أبو البركات -: التحريم، لذلك. ٣٥٥٥ - ولما في صحيح مسلم وغيره عن علي ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله» . و (الثانية) - ويحكى ذلك عن الشافعية -: الحل،

стр. 3740

لقوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . وقد علم أنهم يذكرون اسم المسيح، فيكون المراد بالآية الأولى: من عدا أهل الكتاب. وأما (المنخنقة) : فهي التي اختنقت بحبل أو غيره. (والمتردية) : التي تردت من جبل أو نحوه. (والنطيحة) : التي تنطح أو تنطح فتموت. (والموقوذة) : التي تقتل ضربا، يقال: وقذتها أقذها وقذا. وأوقذتها أوقذها إيقاذا: إذا أثخنتها ضربا. (وما أكل السبع) : التي أكل منها السبع، والعرب تسمي ما قتله السبع، وما أكل منه وبقيت منه بقية: أكيلة السبع، وهي فريسته. والحكم في هذه الأربعة أنها إذا أدرك ذبحها على التمام حلت وإلا فلا، وبيان ذلك أن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إنما يرجع إلى ما تمكن ذكاته، وهو المنخنقة وما بعدها، أما الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فلا يتصور فيه ذكاة، والمعنى: إلا الشيء الذي أدركت ذكاته من هذه الأربعة، وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، ومنه: الذكاء في السن والفهم تمامهما، فتمام السن: النهاية في الشباب، فقبل ذلك أو بعده لا يسمى ذكاء، وتمام الفهم: سرعة القبول، وذكيت النار: أتممت إشعالها،

стр. 3741

فقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: ما أدركتم ذبحه على التمام. واختلف في الذبح على التمام ما هو في هذه الآية، (وعن إمامنا) في ذلك ثلاث روايات. (إحداهن) : بأن يكون في ذلك حياة يمكن أن تزيد على حركة المذبوح، أو تتحرك كحركة المذبوح عند الذبح، ولو بيد أو رجل أو طرف عين ونحو ذلك. (الثانية) : أن ما يمكن أن يبقى معظم اليوم يحل، وما يعلم موته لأقل منه في حكم الميت. (والثالثة) : ما تيقن أنه يموت من السبب في حكم الميت مطلقا، اختارها ابن أبي موسى. واختار أبو محمد قولا رابعا أنها إن تيقن موتها بالسبب، كأن تعيش زمنا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح، وإن كانت مما لا يتيقن موتها فكالمريضة، متى تحركت وسال دمها حلت وإلا فلا. وتوجيه هذه الأقوال، والاتساع في الآية الكريمة يحتاج إلى بسط لا يليق بهذا الشرح. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . أي: الحجارة التي كانت لهم يعبدونها، واحدها: نصاب، و (على) ، قيل: بمعنى اللام، أي: وما ذبح لأجل الأصنام، والذابح للأصنام هم عبادها، فالمنع هنا للشرك، وعلى هذا يحل ما ذبحه الكتابي لعيده أو لكنيسته ونحو ذلك، وهو مذهبنا، لعموم:

стр. 3742

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . نعم يكره ذلك على الصحيح، وعلى هذا تستوي هذه الآية، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] إن قيل: المراد بها ذبائح المشركين، وظاهر هذه، أن المنع إنما كان لأجل الذبح للصنم، وإذا فالذبح للكنيسة ونحوها في معناه. ٣٥٥٦ - ويؤيده حديث علي ﵁ «لعن الله من ذبح لغير الله» . وقد قيل: إن الذبح لهذه الأشياء يدخل أيضا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وإذا هذا من ذكر الخاص بعد العام. [ما تستطيبه العرب وما تستخبثه من الدواب] قال: وما كانت العرب تسميه طيبا فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثا فهو محرم، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ش: يعني أن الله نص على تحريم أشياء وقد تقدمت، وأجمل حل أشياء وتحريم أشياء، وترك بيان ذلك إحالة على عرف من وقع الخطاب لهم وهم العرب، والمراد بهم: أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب، ولا عبرة بأهل البوادي، لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولو وجد شيء لا يعرفه أهل الحجاز، رد إلى أقرب الأشياء شبها به في الحجاز، فإن تعذر شبهه بشيء منها فهو مباح، كذا قاله الشيخان، لدخوله

стр. 3743

في قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] . الآية. ٣٥٥٧ - وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الجبن والسمن والفراء، فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه» » . رواه ابن ماجه، والترمذي. قلت: وقد يستشكل هذا، يعني أن الأصل في الأطعمة الحل، وظاهره مخالف لما هو مقرر في الأصول من أن الأصل في الأعيان (هل هو الحظر) كما هو اختيار ابن حامد والقاضي والحلواني، (أو الإباحة) كما هو اختيار أبي الحسين الخرزي وأبي الخطاب، (أو الوقف) كما هو اختيار ابن عقيل وأبي محمد على ثلاثة أقوال، وبنوا على ذلك أن من حرم

стр. 3744

شيئا أو أباحه، وقال: طلبت دليل الشرع فلم أجد، فبقيت على حكم الأصل من حظر أو إباحة، فهل يصح ذلك أم لا؟ وكذلك من كان في برية لا يعرف شيئا من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة، فهل تكون في حقه على الإباحة أو الحظر؟ وبسط ذلك يحتاج إلى طول. إذا علم هذا فمن السمتخبثات: الحشرات، كالديدان، وبنات وردان، والخنافس، والفأر، والأوزاغ، والجراذين، والعقارب، والحيات، ونحو ذلك، وكذلك القنفذ. ٣٥٥٨ - لما في السنن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «ذكر القنفذ لرسول الله ﷺ فقال: «هو خبيثة من الخبائث» » . [المحرم من الحيوان] قال: وبسنة رسول الله ﷺ الحمر الأهلية. ش: أي: والمحرم من الحيوان بسنة رسول الله ﷺ أشياء منها الحمر الأهلية. ٣٥٥٩ - وذلك لما روى البراء بن عازب ﵁ قال:

стр. 3745

«نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيئا» . ٣٥٦٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية» . ٣٥٦١ - وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: «حرم رسول الله ﷺ الحمر الأهلية» ، متفق عليهن. قال ابن عبد البر: روى عن النبي ﷺ تحريم الحمر الأهلية: علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي ﵃ بأسانيد صحاح حسان. قال: ولا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها، وقال أحمد: خمسة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ : كرهوها. والله أعلم.

стр. 3746

قال: وكل ذي ناب من السباع. ش: أي: ومن المحرم بسنة رسول الله ﷺ كل ذي ناب من السباع. ٣٥٦٢ - وذلك لما روى أبو ثعلبة الخشني ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع» . رواه الجماعة. ٣٥٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع حرام» . رواه مسلم وغيره، وهذا نص في أن المراد بالنهي: التحريم، كما هو ظاهره، ولا يعارض هذا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، الآية، لأن سورة الأنعام مكية نزلت قبل الهجرة، وكان القصد بالآية الكريمة الرد على الجاهلية في تحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولم

стр. 3747

يكن في ذلك الوقت محرم إلا ما ذكر في الآية، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة؛ كالحمر والبغال وغير ذلك، والله أعلم. قال: وهي التي تضرب بأنيابها الشيء وتفرس بها. ش: هذا تبيين وتوضيح لصاحب الناب من السباع، والأنياب: مما يلي الرباعيات من الأسنان، ويدخل في هذا الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والخنزير، والفيل، وابن آوى، وابن عرس، والنمس. وسئل أحمد عن ابن آوى وابن عرس فقال: كل شيء ينهش بنابه فهو من السباع. فكأنه لم يتحقق عنده حالهما، كما لم يتحقق عنده كال الدب، فقال: إن لم يكن له ناب فلا بأس به، وكذلك قال أبو محمد: ينظر فيه فإن كان ذا ناب يفرس به حرم وإلا أبيح، وقطع أبو بكر بتحريمه، وقطع أبو محمد في ابن آوى وابن عرس والنمس بأنها من السباع فتحرم. واختلفت

стр. 3748

الرواية عن أحمد في الثعلب وسنور البر هل هما محرمان أو مباحان؟ على روايتين، للتردد في كون لهما نابان يفرسان به أم لا. والشيخ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - علل التحريم بكونهما من السباع، والإباحة بكونهما يفديان في الحرم والإحرام، ولا يفدى إلا المأكول، وقد يقال: الفداء للتردد فيهما احتياطا. وكذلك اختلف الأصحاب في السنجاب فرآه القاضي مما له ناب فحرمه، ولم يتحقق ذلك لأبي محمد، فحكى فيه احتمالا بالإباحة، ورجحه اعتمادا على الأصل. قال: وكل ذي مخلب من الطير. ش: هذا عطف على ما تقدم. ٣٥٦٤ - وذلك لما روى ابن عباس ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» . رواه مسلم وغيره.

стр. 3749

٣٥٦٥ - وعن جابر ﵁ قال: «حرم رسول الله ﷺ يعني: يوم خيبر - لحوم الحمر الأهلية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» . رواه أحمد والترمذي. قال: وهي التي تعلق بمخاليبها (الشيء) وتصيد بها. ش: كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والحدأة، والبومة، ونحو ذلك. [حكم أكل المضطر] قال: ومن اضطر إلى أكل الميتة فلا يأكل منها إلا ما يأمن معه الموت. ش: أي: الميتة التي نص الله تعالى على تحريمها في الآية الكريمة، وإباحتها في حالة الاضطرار في الجملة إجماع والحمد لله، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وفي آية المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]

стр. 3750

ولا نزاع في إباحة ما يؤمن معه الموت، كما أنه لا نزاع في تحريم ما زاد على الشبع، لانتفاء الاضطرار المبيح إذا، وفي الشبع روايتان أنصهما - وهي ظاهر كلام الخرقي، واختيار عامة الأصحاب -: ليس له ذلك، لأن الله سبحانه حرم الميتة أولا، ثم أباح ما اضطررنا إليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وفي آية أخرى ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، ومع أمن الموت لا اضطرار، ويؤيده ذلك قوله سبحانه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، أي: ولا عاد سد لجوعه. (والثانية) - وهي اختيار أبي بكر فيما حكاه عنه الشيخ وغيره، والذي رأيته في التنبيه ظاهره الرواية الأولى -: له ذلك. ٣٥٦٦ - لما روى جابر بن سمرة ﵁ «أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت، فإن وجدتها فأمسكها. فوجدها فلم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته: انحرها. فأبى، فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدد حتى شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله فقال: «هل عندك غنى يغنيك؟» قال: لا. قال: «فكلوه» . قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.» رواه أبو داود، فأطلق رسول الله ﷺ الأكل، ولم يقيده بما يسد الرمق.
следующие страницы →