← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وكلام الخرقي يشمل الأضحية الواجبة وغيرها، وهو ظاهر الحديث، لكن أبا محمد وغيره حملوا على الواجب بنذر أو بتعيين، أما ما ذبحه تطوعا فلا بدل عليه إلا أن يشاء، لأن غايته أنه قصد تطوعا فأفسده، فصار كما لو خرج بصدقة تطوع فدفعها لغير مستحقها، وحمل أبو محمد الحديث على الندب، أو على التخصيص بمن وجبت عليه. قلت: وأولى المحملين الأول، لأن النبي ﷺ حكم حكما عاما، فدعوى التخصيص لا دليل عليه. والبدل الواجب مثل المذبوح أو خير منه، قال أبو محمد: وهو بظاهره مشكل، إذ الحيوان عند الأصحاب متقوم بلا ريب، وكأن أبا محمد إنما أراد أن يشتري بقيمته مثله، وترك بيان ذلك إحالة على ما تقدم له، وقد قال هو والأصحاب فيما إذا أوجب أضحية ثم أتلفها: إنه يضمنها بقيمتها تصرف في مثلها، ثم اختلفوا هل يضمنها بقيمتها يوم الإتلاف فقط، وهو قول القاضي، وتبعه أبو الخطاب في خلافه، أو بأعلى القيمتين، وهو قول أكثر أصحاب القاضي؟ على قولين. وعلى القول الثاني: أعلى القيمتين هو من حين الإيجاب إلى حين التلف، عند ابن عقيل، وصاحب التلخيص، ومن حين التلف إلى حين جواز الذبح، عند الشريف وأبي الخطاب في الهداية، والشيرازي والشيخين وغيرهم. (تنبيه) : الشاة المذبوحة شاة لحم كما في الحديث، يصنع بها ما شاء، هذا المشهور، ولأبي محمد احتمال أن حكمها

стр. 3817

حكم الأضحية، كالهدي إذا عطب، لا يخرج عن حكم الهدي على رواية، ويكون معنى قوله ﷺ «شاة لحم» أي في فضلها وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها. [ذبح الكتابي للأضحية] قال: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم. ش: لا نزاع في ذلك، لأنها قربة وطاعة، فلا يليها غير أهل القرب، ومقتضى كلام الخرقي أنه يجوز أن يذبحها غير المسلم، ومراده بذلك الكتابي، بدليل ما تقدم له، وقد اختلف عن أحمد في ذلك، (فعنه) - وهو اختيار الخرقي وعامة الأصحاب - يجوز، لأنه يجوز له ذبح غير الأضحية، فجاز له ذبح الأضحية كالمسلم، ولأن الكافر يجوز أن يتولى ما هو قربة للمسلم كبناء المساجد ونحو ذلك، (وعنه) المنع. ٣٦٣٦ - لأن في حديث ابن عباس الطويل «ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر» . ٣٦٣٧ - وقال جابر: لا يذبح النسك إلا مسلم. وحملا على الكراهة التنزيهية، اهـ. ويشترط أن ينوي المسلم ذلك، ويكون توكيل الذمي في

стр. 3818

مجرد النحر، نعم في المعينة لا يحتاج إلى نية، نظرا للتعيين. (تنبيه) : عامة الأصحاب على حكاية الروايتين على الإطلاق، وخصهما ابن أبي موسى والشيرازي بالبقر والغنم، وجزما في الإبل بعدم الإجزاء، وقال الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما: هذا - أي جواز ذبح الكتابي - على الرواية التي تقول: الشحوم المحرمة على اليهود لا تحرم علينا، زاد الشريف: أو على كتابي نصراني، ومقتضى هذا أن محل الروايتين على القول بحل الشحوم، أما إن قلنا بتحريم الشحوم فلا يلي اليهودي بلا نزاع، وقد أشار أبو محمد إلى هذا، فإنه علل المنع بأن الشحم محرم علينا، فيكون ذلك إتلاف جزء منها، وأجاب بمنع تحريم الشحم. [استحباب أن يذبح المضحي بنفسه] قال: فإن ذبحها بيده كان أفضل. ش: اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه ﷺ ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما، ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثا وستين بدنة، ولأن فعل القرب أولى من الاستنابة فيها، فإن استناب جاز بلا نزاع، وقد استناب النبي ﷺ فيما غبر عليه من بدنه، والمستحب إذا لم يذبح بيده أن يمسك المدية بيده حال الإمرار، فإن لم فليحضر، لأن في حديث ابن عباس ﵄ الطويل «واحضروها إذا ذبحتم، فإنه يغفر

стр. 3819

لكم عند أول قطرة من دمها» والله أعلم. [النية والتسمية عند الأضحية] قال: ويقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر. ش: قد تقدم هذا، وأن النبي ﷺ سمى وكبر، والأولى أن يكون ذلك عند تحريك يده بالذبح، والله أعلم. قال: فإن نسي لم يضره. ش: إذا نسي التسمية فلا يضره، وقد تقدم ذلك والخلاف فيه، فلا حاجة إلى إعادته. قال: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن، لأن النية تجزئ. ش: لا ريب في الاكتفاء بالنية، إذ الأعمال بها، نعم إن ذكر من ضحى عنه فحسن. ٣٦٣٨ - لأن في حديث جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر» ثم ذبح» .

стр. 3820

وقول الخرقي: لأن النية تجزئ. إشعار بأنه لا بد من النية، ولا إشكال أنها لا تصير أضحية إلا بالنية، بقي هل تحتاج إلى تجديد النية عند الذبح؟ قال في التلخيص: إذا قال: جعلت هذه أضحية. أغناه عن تجديد النية عند الذبح، وكذا إذا نذرها بعينها، بخلاف ما إذا نذرها في ذمته، ثم قال: جعلتها هذه. فإنه لا بد وأن ينويه وقت الذبح. قلت: وعلى هذا ففي المتطوع به لا بد وأن ينويه عند الذبح. [الاشتراك في الأضحية] قال: ويجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبقرة أو البدنة. ش: قد تقدمت هذه المسألة في أول الباب، وقد يقال: إنه إنما أعادها هاهنا لأن كلامه السابق في أن البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة، فهذا قد يقال فيما إذا ذبحها ذابح عنهم ونحو ذلك، وهذه المسألة فيما إذا اشتركوا فيها، والأجود أن يقال: إن كلامه السابق في الواجب، إذ الإجزاء مشعر بذلك، وهنا في التطوع، ونبه بذلك على مخالفة من فرق بينهما اهـ.

стр. 3821

(تنبيه) : الاعتبار أن يشترك الجميع دفعة، فلو اشترك ثلاثة في بقرة أضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية شاركناه. فجاء قوم فشاركوهم، لم تجزئ إلا عن الثلاثة، قاله الشيرازي. [حكم العقيقة] قال: والعقيقة سنة. ش: قال الأزهري: قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره: العقيقة أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت الشاة المذبوحة عند حلق شعره عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، ثم اشتهر ذلك فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة، وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، وذلك لأن أصل العق القطع، ومنه: عق والديه. إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم والمريء. والعقيقة مشروعة مطلوبة عندنا بلا ريب. ٣٦٣٩ - لما روي «عن أم كرز الكعبية ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: «نعم عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا» » . رواه أحمد، والترمذي وصححه.

стр. 3822

٣٦٤٠ - «وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا» . رواه أبو داود والنسائي، وقال: بكبشين كبشين. ٣٦٤١ - وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه

стр. 3823

أبو داود وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ قد عق عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه. واختلف أصحابنا هل تنتهي هذه المطلوبية إلى الوجوب؟ فقال أبو بكر في التنبيه بانتهائها إلى ذلك، قال أبو الخطاب: ويحتمله كلام أحمد. ٣٦٤٢ - لما روى الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى» . رواه الخمسة وصححه الترمذي. وقال الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.

стр. 3824

٣٦٤٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه والعق» . رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وقال عامة الأصحاب - وهو المعروف عن أحمد - بعدم انتهائها إلى ذلك، ووقفوا عند القول باستحبابها. ٣٦٤٤ - لما روي عن عمرو بن شعيب أيضا، عن أبيه، عن جده، قال: «سئل النبي ﷺ عن العقيقة، فقال: «لا أحب العقوق» وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن

стр. 3825

أحدنا يولد له. قال: «من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» » رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وإذا يحمل ما تقدم على تأكيد الاستحباب، جمعا بين الأدلة، ويرجحه الأمر بالتسمية يوم السابع والحلق، وليس ذلك بواجب، وإذا كانا مستحبين فكذلك الذبح، حذارا من استعمال الأمر في حقيقته ومجازه، لا لمجرد دلالة الاقتران. [على من تكون العقيقة ووقت ذبحها] قال: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. ش: لما تقدم من حديثي أم كرز، وعبد الله بن عمرو، وعق النبي ﷺ عن الحسن والحسين قد جاء فيه كبش، وجاء كبشان، مع أن رواية الكبش قد تحمل على الجواز، وعلى عدم الوجدان، وكذا نقول بجواز أن يذبح شاة واحدة إذا لم يقدر على غيرها، والأولى كون الشاتين متماثلتين، لما تقدم في الحديث «متكافيتان» قال أحمد: يعني متقاربتين

стр. 3826

أو متساويتين. قال: تذبح يوم السابع. ش: وذلك لما تقدم من حديثي سمرة وعبد الله بن عمرو، وظاهر كلام الخرقي أن جميع العقيقة تذبح يوم السابع، وقال ابن البنا: تذبح إحدى شاتي الغلام يوم ولادته، والأخرى يوم سابعه، والأول هو المعروف في النقل، وهو ظاهر الحديث، فإن فات السابع فقال الأصحاب في أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين. ٣٦٤٥ - لأن ذلك يروى عن عائشة ﵂، وهذا على سبيل الاستحباب وبعد يجزئ لحصول المقصود، وكذلك قبل بعد الولادة، إذ هو أول الوقت، فإن تجاوز إحدى وعشرين ففيه احتمالان: (أحدهما) : يستحب في كل سابع، فيذبح في ثمانية وعشرين، ثم في خمس وثلاثين، وعلى هذا قياسا على ما تقدم. (والثاني) : يفعل في كل وقت، لأن هذا قضاء، فلم يتوقت كقضاء الأضحية وغيرها.

стр. 3827

[ما يجزئ في العقيقة ومصرفها] قال: ويجتنب فيها من العيوب ما يجتنب في الأضحية. ش: يجتنب في العقيقة من العيب ما يجتنب في الأضحية، لأنها قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، شكرا على نعمته، فأشبهت الأضحية، فعلى هذا لا يعق بعوراء بين عورها، ولا عرجاء بين عرجها، ولا مريضة بين مرضها، ولا عجفاء لا تنقي، وبيان ذلك مفصلا قد تقدم. قال: وسبيلها في الأكل والصدقة والهدية سبيلها. ش: لأنها نسيكة مشروعة، أشبهت الأضحية، قال أبو محمد: وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوها فحسن. قال: إلا أنها تطبخ أجدالا. ش: يعني أن الأولى في العقيقة أن تفصل الأعضاء، فتطبخ كذلك، ولا تكسر عظامها، تفاؤلا بسلامة المولود. ٣٦٤٦ - وفي مراسيل أبي داود، عن جعفر، عن أبيه «، أن النبي ﷺ قال: في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين ﵃ «أن يبعثوا إلى بيت القابلة برجل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظما» ولهذا قال أبو بكر في التنبيه: يعطي القابلة منها فخذا. (تنبيه) : الأجدال واحدها جدل بالدال غير المعجمة وهو العضو، والله سبحانه أعلم.

стр. 3828

[كتاب السبق والرمي] ش: الأصل في مشروعية ذلك الإجماع. ٣٦٤٧ - وقد شهد له ما روى نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفيا، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بالخيل التي لم تضمر من الثنية، إلى مسجد بني زريق» ، وكان ابن عمر ﵄ فيمن سابق فيها. متفق عليه، واللفظ لمسلم، زاد البخاري قال سفيان: من الحفيا إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل. ٣٦٤٨ - وعن أنس ﵁ قال: «كانت لرسول الله ﷺ ناقة تسمى العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : إن حقا على الله أن الله تعالى لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه» رواه أحمد والبخاري، وقال

стр. 3829

الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . ٣٦٤٩ - قال «عقبة بن عامر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» رواه مسلم وغيره. ٣٦٥٠ - وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا» » . رواه أحمد ومسلم وغيره. ٣٦٥١ - وعنه أيضا عن النبي ﷺ «قال: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي

стр. 3830

به في سبيل الله» ، وقال: «ارموا واركبوا، وأن ترموا خير لكم من أن تركبوا» ، وقال: «كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثا، رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق» رواه الخمسة، والله أعلم. [ما يكون فيه السبق] قال: والسبق في الحافر والنصل والخف لا غير. ش: السبق بفتح الباء الجعل المخرج في المسابقة، وبسكونها مصدر سبقه سبقا ومسابقة، ولا نزاع في جواز المسابقة بغير عوض مطلقا، من غير تقييد بشيء معين، كالمسابقة على الأقدام والسفن والمزاريق، والطيور والفيلة ونحو ذلك، وكذلك المصارعة، ورفع الحجر ليعرف الأشد. ٣٦٥٢ - «وقد سابقت عائشة النبي ﷺ على رجليها» . رواه أبو داود.

стр. 3831

٣٦٥٣ - «وصارع النبي ﷺ ركانة فصرعه» . رواه الترمذي. ٣٦٥٤ - «ومر النبي ﷺ بقوم يربعون حجرا، أي يرفعونه ليعرفوا الأشد منهم» ، وأما المسابقة بعوض فمذهبنا أنه لا يجوز إلا

стр. 3832

في الثلاثة التي ذكرها الخرقي، (في النصل) ، وهو السهام من النشاب والنبل دون غيرها (والخف) وهو الإبل وحدها (والحافر) وهو الخيل وحدها، وهو تسمية الشيء باسم جزئه، أو على حذف مضاف، أي ذي خف، وذي حافر، وذي نصل، وتبع الخرقي في ذلك لفظ الحديث الذي هو المعتمد عليه في المسألة. ٣٦٥٥ - وهو ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه ابن القطان، أي لا سبق شرعي، أو لا سبق يعتبر في الشرع في غير هذه الثلاثة، وقد صرح بمعنى هذا في رواية النسائي، فقال: «لا يحل سبق إلا على خف، أو حافر، أو نصل» وإنما خصت هذه الثلاثة، والله أعلم، بتجويز العوض فيها، لأنها من آلات الحرب المأمور بتعلمها وأحكامها، ولأنها المعهودة المعتادة للنبي ﷺ وأصحابه، ولهذا قلنا: إن المراد بالنصل والخف والحافر ما تقدم، دون المزاريق، والفيلة، والبغال والحمير، نظرا للمعتاد.

стр. 3833

[أخذ العوض في المسابقة] قال: وإذا أراد أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر. ش: لا نزاع في جواز جعل العوض في المسابقة من الإمام، لما في ذلك من الحث على تعلم الجهاد، والنفع للمسلمين، وكذلك يجوز عندنا جعله من غير المتسابقين، نظرا لما فيه من المصلحة، فأشبه شراء السلاح والخيل لذلك، ويجوز أيضا عندنا جعله من أحد المتسابقين، كأن يقول مثلا من أراد الإخراج: إن سبقتني فلك عشرة، وإن سبقتك فلا شيء عليك، لما في ذلك من المصلحة، وبهذا خرج عن أن يكون قمارا، إذ المتقامران لا يخلو كل منهما من أن يكون غارما أو غانما، فكل منهما دخل على خطر، وهنا ليس كذلك، إذ أحدهما لا خطر عليه، لأنه إما أن يكون غانما، أو غير غارم، وصاحبه إما غارما أو غير غانم. (تنبيه) : وشرط العوض كونه معلوما بالمشاهدة، أو بالقدر، والصفة. قال: فإن سبق من أخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من المسبوق شيئا، فإن سبق من لم يخرج أحرز سبق صاحبه. ش: اعتمادا على الشرط السابق. قال: وإن أخرجا جميعا لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللا يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رمييهما. ش: قد تقدم أن الفاصل بين المسابقة الشرعية والقمار، أن المقامر يكون على خطر من أن يغنم أو يغرم، بخلاف المسابق، فعلى هذا إذا كان الجعل منهما، ولم يدخلا محللا لم يجز، لوجود معنى القمار فيه، وهو الخطر في كل واحد منهما.

стр. 3834

٣٦٥٦ - وقد نبه النبي ﷺ على ذلك، حيث قال فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: «من أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس به، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» . رواه أحمد واللفظ له، وأبو داود وابن ماجه، فجعله قمارا إذا أمن أن يسبق، لأن كل واحد منهما إذا على خطر من أن يغنم أو يغرم، ولم يجعله قمارا إذا لم يأمن أن يسبق، لأن كل واحد منهما إذا يجوز أن يخلو من ذلك، وإن كان الجعل منهما، وأدخلا محللا جاز للحديث، لكن بشرط أن يكون كما قال الشيخ ﵀ يكافئ، أي يماثل فرسه فرسيهما إن كانت المسابقة على الخيل، أو بعيره بعيرتهما إن كانت على الإبل. أو رميه رمييهما إن كانت على الرمي لأنه إذا كان كذلك لم يؤمن أن يسبق، فيجوز كما في الحديث، لانتفاء معنى القمار، وإن لم يكن كذلك بأن كان فرساهما

стр. 3835

جوادين، وفرسه بطيئا، فهو مأمون سبقه، فيكون وجوده كعدمه، وإذا يكون قمارا كما في الحديث. (تنبيه) : سمي الداخل بينهما محللا لأن العوض صار حلالا به، فهو السبب لحل العوض، والله أعلم. قال: فإن سبقهما أحرز سبقهما، وإن كان السابق أحدهما أحرز سبقه، وأخذ سبق صاحبه، فكان كسائر ماله، ولم يأخذ من المحلل شيئا. ش: إذا جاز إخراج السبق وهو الجعل من كل واحد منهما بالشرط السابق، فلا يخلو من خمسة أحوال: (الحال الأولى) : جاءوا جميعا، فإن كل واحد منهما يحرز سبق نفسه، ولا شيء للمحلل، لأنه لا سابق فيهم. (الثانية) : سبق المستبقان المحلل، فكذلك لتساويهما، وانتفاء سبق المحلل. (الثالثة) : سبقهما المحلل، فإنه يحرز سبقيهما لسبقه. (الرابعة) : سبق أحدهما، فإنه يحرز سبق نفسه، لأنه لا سابق له، ويأخذ سبق صاحبه لسبقه، ولا يأخذ من المحلل شيئا، إذ وضع المحلل أنه لا يدفع شيئا. (الخامسة) : سبق أحدهما مع المحلل، فإن السابق يحرز سبقه، ويكون سبق الآخر بينهما. (واعلم) أنه يشترط في المسابقة (تعيين) المركوبين والراميين، لا الراكبين والقوسين، (واتحاد) نوع القوسين والمركوبين، فلا يجوز بين قوس عربية وفارسية، ولا بين فرس عربي وهجين على المذهب، وخرج الجواز بناء على تساويهما في السهم (وتحديد) المسافة بما جرت به العادة، وقد تقدم شرط العوض.

стр. 3836

قال: ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسه فرسا يحرضه على العدو، ولا يصيح به في وقت سباقه، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا جنب ولا جلب» . ش: قد ذكر الخرقي ﵀ الحكم وذكر دليله. ٣٦٥٧ - وهو ما روى عمران بن حصين، «عن النبي ﷺ قال: لا جلب ولا جنب يوم الرهان» . رواه أبو داود، والنسائي، وزاد «ولا شغار في الإسلام» وكذلك الترمذي، وزاد «ومن انتهب نهبة فليس منا» . ٣٦٥٨ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب، ولا شغار في الإسلام» . رواه أحمد، والمعروف في تفسير الحديث ما قاله الخرقي، وفسر القاضي - وكذلك ابن الأثير في جامع الأصول - الجنب بأن يجنب فرسا آخر معه، فإذا قصر المركوب ركب المجنوب،

стр. 3837

وهذا التفسير قديم، فإن ابن المنذر قال: كذا قيل، ولا أحسب هذا يصح، لأن الفرس التي يسابق بها لا بد من تعيينها، فإن كانت التي يتحول عنها فما حصل السبق بها، وإن كانت التي يتحول إليها فما حصلت المسابقة بها في جميع الحلبة. ومن شرط السباق ذلك، وعن أبي عبيد أنه فسر الجلب بأن يحشر الساعي أهل الماشية ليصدقهم، قال: فلا يفعل، ليأتيهم على مياههم فيصدقهم، وهذا يرده ظاهر الحديث، وقد يقال يوم الرهان ظرف للجلب فقط، فلا دلالة في الحديث، والله أعلم.

стр. 3838

[كتاب الأيمان والنذور] [ أولا: كتاب الأيمان] ش: الأيمان جمع يمين، وهي في أصل اللغة الحلف بمعظم في نفسه أو عند الحالف، على أمر من الأمور، بصيغ مخصوصة، كقوله: والله لأفعلن. وحياتك لأركبن، والأصل في مشروعيتها الإجماع، وقد شهد لذلك أمر الله تعالى نبيه بها، قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] الآية. ٣٦٥٩ - ومن السنة قول النبي ﷺ «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» متفق عليه. [اليمين المنعقدة] قال: ومن حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله، أو لا يفعل شيئا ففعله فعليه الكفارة. ش: الأصل في هذا في الجملة قول الله تعالى:

стр. 3839

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. ٣٦٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» رواه مسلم وغيره. ٣٦٦١ - وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» متفق عليه. في عدة أحاديث سوى هذين. وقد شمل كلام الخرقي ما كان فعله معصية، فلو حلف أن يفعل معصية فلم يفعلها فعليه الكفارة، وهذا قول العامة لما تقدم، وقيل لا كفارة في ذلك. ٣٦٦٢ - لما روي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير،

стр. 3840

فإن تركها كفارتها» رواه أبو داود والنسائي، لكن قال فيه أبو داود: الأحاديث كلها عن النبي ﷺ وليكفر عن يمينه إلا ما لا يعبأ به. وهذه إشارة إلى ضعفه وشذوذه. ٣٦٦٣ - وقد «روى الأحوص عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت ابن عم لي آتية أسأله فلا يعطيني، ولا يصلني، ثم يحتاج إلي فيأتيني فيسألني، وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله؟ فأمرني أن آتي الذي هو خير، وأكفر

стр. 3841

عن يميني» . رواه النسائي. وقول الخرقي: حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله، هذا إذا كانت يمينه مؤقتة ففات الوقت، أو كانت مطلقة ففات وقت الإمكان، وبيان ذلك له محل آخر، والله أعلم. [من شرط الحنث في اليمين التذكر] قال: فإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق. ش: لما قال ﵀ أن من حلف على ترك شيء ففعله فعليه الكفارة، قال: إن هذا مقيد بما إذا فعله ذاكرا ليمينه، أما إذا فعله ناسيا لها - واليمين بغير الطلاق والعتاق فلا شيء عليه، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . ٣٦٦٤ - وقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

стр. 3842

وإن كانت اليمين بالطلاق والعتاق فإنهما يلزمانه، لترددهما بين التعليق بالشرط - لأن صورتهما صورته - وبين اليمين، لوجود معنى اليمين فيهما وهو الحث أو المنع، فغلب جانب التعليق احتياطا للفروج، ولفكاك الرقاب، وأيضا فقد تقدم أن أصل اليمين في اللغة الحلف بمعظم، والحلف بالطلاق والعتاق - كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو فعبدي حر - ليس كذلك، وإنما هو جزاء أو شرط، والأصل البقاء وعدم النقل، وتسمية ذلك حلفا إنما هو مجاز، لما فيه من الحث أو المنع، والأصل الحقيقة، وهذا هو المذهب عند الأصحاب. وفي المذهب (رواية ثانية) لا يحنث في الجميع، اعتمادا على عموم الآية والحديث، إذ الحث والمنع في اليمين بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، وقد استقر أن فاعل المنهي عنه ناسيا أو مخطئا لا يكون آثما ولا مخالفا، فكذلك من فعل المحلوف على تركه ناسيا أو جاهلا، لا يكون حانثا، ولا مخالفا ليمينه، وهذه الراوية اختيار أبي العباس، وقال: قد نظرت جوابه في هذه الرواية فوجدت الناقلين له بقدر الناقلين لجوابه في الرواية الأولى، التي هي رواية التفرقة (وعنه رواية ثالثة) يحنث في الجميع، وهي أضعفهن، لأنه فعل ما حلف عليه قاصدا لفعله، فأشبه الذاكر. (تنبيه) : وحكم جاهل المحلوف عليه - كمن حلف لا يسلم

стр. 3843

على فلان، فسلم عليه يحسبه غيره، أو أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأعطاه قدر حقه، ففارقه ظنا منه أنه قد بر فوجد ما أخذه ردئيا ونحو ذلك حكم الناسي على ما تقدم، (أما المكره) بغير الإلجاء ففيه روايتان، والذي نصره أبو محمد عدم الحنث، نظرا إلى أن الفعل لا ينسب إليه، وخرج التفرقة بين الطلاق والعتاق وغيرهما من الرواية ثم وإن كان الإكراه بالإلجاء - كمن حلف لا يدخل دارا، فحمل وأدخلها، ولم يقر على الامتناع - لم يحنث، لعدم نسبة الفعل إليه، وإن قدر على الامتناع فوجهان: (الحنث) لأن قدرته على الامتناع بمنزلة فعله (وعدمه) لانتفاء الفعل منه حقيقة، والفاعل في حال الجنون قيل كالناسي، لأن فعله قد يعتبر، بدليل صحة إيلائه، والأصح عدم حنثه مطلقا كالنائم. [اليمين الغموس] قال: من حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة عليه، لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة. ش: كذلك قال أحمد ﵁ في رواية الجماعة: هو أعظم من أن تكون فيه كفارة، وعليه الأصحاب. ٣٦٦٥ - وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل

стр. 3844

النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق» . ٣٦٦٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «اختصم إلى النبي ﷺ رجلان، فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء. قال: فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إنه كاذب، إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته» . . . رواهما أحمد، وروى الثاني أبو داود بنحوه،

стр. 3845

فأخبر النبي ﷺ في الأول أن هذه اليمين لا كفارة لها، وأخبر جبريل في الثاني أن كفارتها الشهادة، لا الكفارة التي أوجبها الله تعالى في تعقيد الأيمان، وكلامنا فيها، وأيضا فإن هذه اليمين أعظم من أن تكفر، كما قال أحمد، إذ الكفارة لا ترفع إثمها، ولا تمحو ما حصل بها، وبيان ذلك أنها كبيرة، أو من أعظم الكبائر. ٣٦٦٧ - ففي البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم عقوق الوالدين» قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس» قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب.» ٣٦٦٨ - وعن عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ قال: «من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها جناح بعوضة، إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة» رواه أبو داود،

стр. 3846

وأيضا فهي يمين غير منعقدة، فلا توجب كفارة كاللغو، وبيان عدم انعقادها أنها لا تقتضي برا، ولا يمكن فيها، واليمين المنعقدة هي التي يمكن فيها البر والحنث. ٣٦٦٩ - وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «اليمين حنث أو ندم» » فجعل اليمين مترددة بين شيئين الحنث أو الندم، وهذه حنث فقط بل وندم. (وعن أحمد) رواية أخرى تجب فيها الكفارة، لأنه وجدت منه اليمين والمخالفة مع القصد، فأوجبت الكفارة كالمستقبلة ولأن الكفارة إذا وجبت مع غير الغموس أولى، وجواب هذا قد تقدم، وهو أن هذه لعظمها قصرت الكفارة عن الدخول فيها. ٣٦٧٠ - قال ابن مسعود ﵁: كنا نعد من الأيمان التي لا كفارة فيها اليمين الغموس.

стр. 3847

(تنبيه) اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهي يمين الصبر، وأصل الصبر الحبس، فيمين صبر أي يمين حبس، لأنها تحبس صاحبها. [اليمين اللغو] قال: والكفارة إنما تلزم من حلف وهو يريد عقد اليمين. ش: الكفارة إنما تلزم من حلف وهو قاصد لعقد اليمين، فلو مرت اليمين على لسانه من غير قصد إليها، كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه، فلا كفارة عليه، لأنه من لغو اليمين. ٣٦٧١ - قالت عائشة ﵂ أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في قول الرجل: لا والله وبلى والله. أخرجه البخاري وأبو داود، وقال بعض المحدثين: وطريقة البخاري في صحيحه تقتضي أن نحو هذا من باب المرفوع، قلت: وكذلك جاء مصرحا به في

стр. 3848

رواية أخرى لأبي داود، قال: اللغو في اليمين قالت عائشة ﵂: «قال رسول الله ﷺ : «هو قول الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله» » . وكذلك قال أهل اللغة: اللغو ما اطرح ولم يعقد عليه، وإذا كان من اللغو فلا كفارة فيه بدليل الآية الكريمة، فإن الله سبحانه نفى المؤاخذة فيه، وجعل المؤاخذة والكفارة فيما عقدنا من الأيمان، وكلام الخرقي يشمل الماضي والمستقبل، وهو ظاهر قول عائشة ﵂ (وفي المذهب رواية أخرى) في المستقبل أنه ليس من اللغو، فيجب فيه الكفارة. وقد خرج من كلام الخرقي من لا قصد له أصلا، كالنائم والطفل، والمجنون، ونحوهم، وفي معنى ذلك السكران، لانتفاء القصد منه، وأبو محمد يجري فيه القولين من الروايتين في طلاقه. ومما يلحق بذلك المكره، لأن قصده كلا قصد، وكذلك الصبي، لأنه وإن كان له قصد إلا أن الشارع رفع القلم عنه، ورفع القلم يقتضي أن لا تلزمه كفارة.

стр. 3849

ودخل في كلامه الكافر فتصح يمينه، وتلزمه الكفارة، وإن حنث في كفره، لأنه مكلف، ولأن النبي ﷺ أمر عمر بالوفاء بنذر الاعتكاف الذي نذره في الجاهلية والنذر حلف. قال: ومن حلف على شيء وهو يرى أنه كما حلف عليه فلم يكن فلا كفارة عليه، لأنه من لغو اليمين. ش: اليمين على الماضي إما صادقا فيها فهو بار إجماعا، وإما كاذبا فيها متعمدا فهي اليمين الغموس، وقد تقدمت، وإما مخطئا معتقدا أن الأمر كما حلف عليه، فهذه صورة الخرقي، وهي عنده من لغو اليمين وإذا كانت من لغو اليمين فلا كفارة فيها، وبيان أنها من لغو اليمين أن المؤاخذة منتفية فيها، إذ المؤاخذة إنما تكون مع قصد المخالفة ولا مخالفة، ولهذا لا يأثم الحالف والحال هذه، وقيل عن أحمد (رواية أخرى) : إن هذا ليس من لغو اليمين، وتجب به الكفارة، نظرا لظاهر حديث عائشة ﵂ فإن ظاهره حصر اللغو في الأول، ولأن اليمين بالله وجدت مع المخالفة، فأوجبت الكفارة، كاليمين على مستقبل. (تنبيه) : الخرقي ﵀ يجعل لغو اليمين شيئين: (أحدهما) : أن لا يقصد عقد اليمين، كقوله: لا والله وبلى والله، سواء كان ذلك في الماضي أو في المستقبل. (والثاني) : أن يحلف على شيء فيتبين بخلافه، وهذه طريقة ابن أبي موسى

стр. 3850

وغيره، وهي في الجملة ظاهر المذهب، والقاضي يجعل الماضي لغوا قولا واحدا، وفي سبق اللسان في المستقبل روايتان، وأبو محمد عكسه يجعل سبق اللسان في المستقبل لغوا قولا واحدا وفي الماضي روايتان، ومن الأصحاب من يحكي روايتين في الصورتين، ويجعل اللغو في إحدى الروايتين هذا دون هذا، وفي الأخرى هذا دون هذا، وجمع أبو البركات بين طريقتي القاضي وأبي محمد، فحكى المسألة على ثلاث روايات، فإذا سبق على لسانه في الماضي: لا والله، وبلى والله. في اليمين معتقدا أن الأمر كما حلف عليه فهذا لغو اتفاقا، وإن سبق على لسانه اليمين في المستقبل، أو تعمد اليمين على أمر يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه، فثلاث روايات (كلاهما لغو) وهو المذهب (الحنث) في الماضي دون ما يسبق على لسانه (وعكسه) وقد تلخص لك في المسألة خمس طرق، والمذهب منها في الجملة قول الخرقي. [اليمين المكفرة] قال: واليمين المكفرة أن يحلف بالله ، أو باسم من أسمائه. ش: لا نزاع أن الحلف بالله يمين مكفرة. ٣٦٧٢ - وقد قال رسول الله ﷺ «من كان حالفا فليحلف بالله أو

стр. 3851

ليصمت» متفق عليه، وكذلك الحلف باسم من أسمائه في الجملة، وقد أمر الله سبحانه النبي ﷺ أن يحلف بربه كما تقدم. ٣٦٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف لا ومقلب القلوب» رواه البخاري وغيره. ٣٦٧٤ - وفي النسائي والمسند أن «النبي ﷺ أمرهم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة» . ولا يناقض هذا قول

стр. 3852

النبي ﷺ «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله» إذ الحالف بجميع أسماء الله أو صفاته حالف بالله، وأسماء الله بالنسبة إلى هذا المقام تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها) : ما لا يسمى به غيره، نحو والله، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والحي الذي لا يموت، وخالق الخلق، ونحو ذلك، وكذلك والرحمن، على الصحيح، فهذا القسم به يمين مكفرة بكل حال، لاستحالة صرف ذلك إلى غير الله تعالى. (الثاني) : ما قد يسمى به غير الله، لكن إطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه، كالخلق، والرازق والرب، والمولى والرحيم، ونحو ذلك، فهذا إن نوى به اسم الله أو أطلق كان يمينا، نظرا لما يفهم منه عند ذلك، وإن نوى غير الله فليس بيمين على المذهب، لصحة إطلاقه عليه، قال الله سبحانه حكاية عن يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وقال سبحانه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وقال عن نبيه ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وإذا نوى

стр. 3853

بلفظه ما يحتمله فينصرف إليه، وقال طلحة العاقولي: إن أتى بذلك معرفا نحو: والخالق والرازق. كان يمينا مطلقا، لأنه لا يستعمل مع التعريف إلا في اسم الله تعالى. (الثالث) : ما يسمى به الله سبحانه، لكن لا ينصرف إطلاقه إلى الله سبحانه، كالحي والعالم والموجود، والكريم، فهذا إن نوى به غير الله، أو أطلق فليس بيمين، نظرا لما يفهم منه عند الإطلاق، وإن نوى به الله تعالى فهو يمين عند الشيخين وغيرهما، لأنه قصد الحلف بما يسمى به الله سبحانه، أشبه القسم الذي قبله، وقال القاضي وابن البنا: لا يكون يمينا، لأن اليمين انعقادها لحرمة الاسم، ومع الاشتراك لا حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين، وأجيب بأن الانعقاد بالاسم المحتمل المنوي به أحد محتملاته، فيصير كالمصرح به، والله أعلم. قال: أو بآية من القرآن. ش: لما قال الشيخ ﵀ إن الحالف بالله تعالى أو بأسمائه تكون يمينه مكفرة، أشار إلى أن الحالف بصفاته سبحانه كذلك، كأن يحلف بكلام الله، أو بالمصحف،

стр. 3854

أو بالقرآن، أو بآية منه، أو بعزة الله، أو بعظمته، أو علمه، ونحو ذلك. ٣٦٧٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها. فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها» . ٣٦٧٦ - وفي حديثه أيضا عن النبي ﷺ «يبقى رجل بين الجنة والنار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، لا وعزتك لا أسألك غيرها» متفق عليهما.

стр. 3855

٣٦٧٧ - وفي حديث اغتسال أيوب «بلى وعزتك» ثم إن الصفات أيضا تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها) ما هو صفة لذاته سبحانه، لا يحتمل غيرها، كعزة الله، وعظمته، وكبريائه، وكلامه، ونحو ذلك، فهذا القسم به يمين بكل حال. (الثاني) : ما هو صفة لذاته لكن قد يعبر به عن غيرها مجازا، كعلم الله وقدرته، فإنها قد يراد بها معلوم الله ومقدوره، كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا. أي ما علمته فينا، ويقال: انظر إلى قدرة الله، أي مقدوره، فهذا مع الإطلاق يكون يمينا، اعتمادا على ما يفهم منه عند التخاطب، وكذلك مع قصد صفة الله تعالى بلا ريب، ومع إرادة المعلوم أو المقدور لا يكون يمينا، على قياس ما تقدم فيما إذا نوى بالرب غير الله سبحانه، والمنصوص عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال، ولا يقبل منه فيه غير صفة الله، ولعله يريد في الحكم. (الثالث) : ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بالنية أو بإضافته إليه لفظا، كالعهد والميثاق، ونحو ذلك، فهذا لا يكون يمينا مكفرة إلا بالنية. أو بالإضافة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال: أو بصدقة ملكه أو بالحج. ش: أي ومن الأيمان المكفرة الحلف بصدقة ملكه
следующие страницы →