Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
ليصمت» متفق عليه، وكذلك الحلف باسم من أسمائه في الجملة، وقد أمر الله سبحانه النبي ﷺ أن يحلف بربه كما تقدم.
٣٦٧٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: «أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف لا ومقلب القلوب» رواه البخاري وغيره.
٣٦٧٤ - وفي النسائي والمسند أن «النبي ﷺ أمرهم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة» . ولا يناقض هذا قول
стр. 3852
النبي ﷺ «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله» إذ الحالف بجميع أسماء الله أو صفاته حالف بالله، وأسماء الله بالنسبة إلى هذا المقام تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها) : ما لا يسمى به غيره، نحو والله، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والحي الذي لا يموت، وخالق الخلق، ونحو ذلك، وكذلك والرحمن، على الصحيح، فهذا القسم به يمين مكفرة بكل حال، لاستحالة صرف ذلك إلى غير الله تعالى. (الثاني) : ما قد يسمى به غير الله، لكن إطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه، كالخلق، والرازق والرب، والمولى والرحيم، ونحو ذلك، فهذا إن نوى به اسم الله أو أطلق كان يمينا، نظرا لما يفهم منه عند ذلك، وإن نوى غير الله فليس بيمين على المذهب، لصحة إطلاقه عليه، قال الله سبحانه حكاية عن يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] وقال سبحانه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وقال عن نبيه ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وإذا نوى
стр. 3853
بلفظه ما يحتمله فينصرف إليه، وقال طلحة العاقولي: إن أتى بذلك معرفا نحو: والخالق والرازق. كان يمينا مطلقا، لأنه لا يستعمل مع التعريف إلا في اسم الله تعالى. (الثالث) : ما يسمى به الله سبحانه، لكن لا ينصرف إطلاقه إلى الله سبحانه، كالحي والعالم والموجود، والكريم، فهذا إن نوى به غير الله، أو أطلق فليس بيمين، نظرا لما يفهم منه عند الإطلاق، وإن نوى به الله تعالى فهو يمين عند الشيخين وغيرهما، لأنه قصد الحلف بما يسمى به الله سبحانه، أشبه القسم الذي قبله، وقال القاضي وابن البنا: لا يكون يمينا، لأن اليمين انعقادها لحرمة الاسم، ومع الاشتراك لا حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين، وأجيب بأن الانعقاد بالاسم المحتمل المنوي به أحد محتملاته، فيصير كالمصرح به، والله أعلم.
قال: أو بآية من القرآن.
ش: لما قال الشيخ ﵀ إن الحالف بالله تعالى أو بأسمائه تكون يمينه مكفرة، أشار إلى أن الحالف بصفاته سبحانه كذلك، كأن يحلف بكلام الله، أو بالمصحف،
стр. 3854
أو بالقرآن، أو بآية منه، أو بعزة الله، أو بعظمته، أو علمه، ونحو ذلك.
٣٦٧٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها. فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها» .
٣٦٧٦ - وفي حديثه أيضا عن النبي ﷺ «يبقى رجل بين الجنة والنار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، لا وعزتك لا أسألك غيرها» متفق عليهما.
стр. 3855
٣٦٧٧ - وفي حديث اغتسال أيوب «بلى وعزتك» ثم إن الصفات أيضا تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها) ما هو صفة لذاته سبحانه، لا يحتمل غيرها، كعزة الله، وعظمته، وكبريائه، وكلامه، ونحو ذلك، فهذا القسم به يمين بكل حال. (الثاني) : ما هو صفة لذاته لكن قد يعبر به عن غيرها مجازا، كعلم الله وقدرته، فإنها قد يراد بها معلوم الله ومقدوره، كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا. أي ما علمته فينا، ويقال: انظر إلى قدرة الله، أي مقدوره، فهذا مع الإطلاق يكون يمينا، اعتمادا على ما يفهم منه عند التخاطب، وكذلك مع قصد صفة الله تعالى بلا ريب، ومع إرادة المعلوم أو المقدور لا يكون يمينا، على قياس ما تقدم فيما إذا نوى بالرب غير الله سبحانه، والمنصوص عن أحمد أن ذلك يكون يمينا بكل حال، ولا يقبل منه فيه غير صفة الله، ولعله يريد في الحكم.
(الثالث) : ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بالنية أو بإضافته إليه لفظا، كالعهد والميثاق، ونحو ذلك، فهذا لا يكون يمينا مكفرة إلا بالنية. أو بالإضافة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال: أو بصدقة ملكه أو بالحج.
ش: أي ومن الأيمان المكفرة الحلف بصدقة ملكه
стр. 3856
أو الحج، كأن يقول: إن دخلت الدار، أو كلمت زيدا، أو نحو ذلك فعلي الحج، أو فلله علي الصدقة بمالي أو عتق عبدي، ونحو ذلك، وضابطه أن يخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئا، أو يحث به على شيء، ويسمى هذا نذر اللجاج والغضب، واختلف عن أحمد في حكمه، (فعنه) أن الواجب فيه الكفارة ليس إلا، حتى لو فعل المنذور لم يجزئه.
٣٦٧٨ - لما روى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» لكنه ضعيف من قبل محمد بن الزبير.
стр. 3857
٣٦٧٩ - وروى عبد الرزاق، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ «لا نذر في غضب، ولا في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» ، وهذا وإن كان مرسلا لكنه يتقوى بالذي قبله.
٣٦٨٠ - ثم يعضد ذلك ما روى أبو داود في سننه، عن سعيد بن المسيب، أن «رجلين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني فكل مال لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر ﵁: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك،
стр. 3858
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك» » .
٣٦٨١ - ويروى نحو هذا أيضا عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة ﵃. ولا يعرف عن غيرهم خلافهم، ومثل ذلك لا يتقاصر عن تخصيص إطلاق الأمر بالوفاء بالنذر، ثم بالنظر إلى المعاني، وقد علم أن قول القائل: إن فعلت كذا فعلي الحج، ونحو ذلك ليس مقصوده الشرط ولا الجزاء، بل منع نفسه من ذلك، فهو كاليمين، فيدخل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]
стр. 3859
الآية، وهذا بخلاف قوله: إن شفى الله مريضي فعلي الحج، ونحو ذلك، فهذا المقصود فيه وجود الشرط والجزاء، والمعتبر المقاصد، (وعنه) - وهو ظاهر كلام الخرقي، والمذهب بلا ريب - يتخير بين فعل ذلك، عملا بما التزمه، وبين كفارة اليمين لما تقدم، ويحكى عن ابن عقيل في الواضح أنه قال: يفعله.
قال: أو بالعهد.
ش: أي ومن اليمين المكفرة الحلف بالعهد، وقد يشمل كلام الخرقي (ما إذا نوى بذلك صفة الله تعالى) ، وما إذا لم ينو، ولا ريب أنه إذا نوى به صفة الله تعالى أنه يكون يمينا، إذ العهد يحتمل أن يراد به كلام الله تعالى الذي أمرنا أو نهانا به، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] ولا ريب أن كلامه صفة له سبحانه، ويحتمل أن يراد به استحقاقه لما تعبدنا به، فإذا نوى بالعهد الأول فقد نوى به أحد محتمليه، بل هو الظاهر منه، فيصير كما لو صرح به، (أما إذا لم ينو) فهل هو يمين - وهو ظاهر كلام الخرقي، إذ الألف واللام بدل من المضاف، فكأنه قال: وعهد الله. ولو قال ذلك فهو يمين بلا ريب أو ليس بيمين - وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية، لتردده بين صفة الله تعالى وغيرها، والأصل براءة الذمة؟ فيه روايتان.
(تنبيه) : حكم الميثاق، والعظمة والجلال، والأمانة، حكم
стр. 3860
العهد، إن أضاف ذلك إلى الله، أو نوى به صفة الله، فهو يمين، وإن أطلق فروايتان.
قال: أو بالخروج من الإسلام.
ش: أي ومن اليمين المكفرة الحلف بالخروج من الإسلام، كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهودي، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو القرآن، أو النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام - أو يعبد الصليب، أو يستحل الزنا، أو ترك الصلاة، ونحو ذلك، (وهذا أشهر الروايتين) عن أحمد، واختيار جمهور الأصحاب القاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وابن عقيل وغيرهم، لأن التزام ذلك يقتضي الكفر، وذلك أبلغ في انتهاك الحرمة من انتهاك حرمة القسم، فكان بإيجاب الكفارة أولى.
٣٦٨٢ - وقد «روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، قال: «عليه كفارة يمين» » . رواه أبو بكر، وهذا نص إن ثبت، لكنه بعيد الثبوت، (والرواية الثانية) لا كفارة في ذلك، وهي اختيار أبي محمد، إذ الوجوب من الشرع، ولم يثبت، ولأن
стр. 3861
ذلك ليس باسم الله ولا صفته، فلا يدخل في الأيمان المشروع الحلف بها.
٣٦٨٣ - وقد قال النبي ﷺ : «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله» .
٣٦٨٤ - وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال» ولم يأمر في ذلك بكفارة، قال أبو محمد: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد ﵁ في الرواية الأولى على الندب، لأنه قال في رواية حنبل: أحب إلي أن يكفر كفارة يمين.
(قلت) : وهذا الذي أخذ القاضي منه عدم وجوب الكفارة، وقد نقل عنه حرب التوقف.
وقد خرج من كلام الخرقي إذا قال: أنا أسرق، أو أقتل النفس التي حرم الله، أو قال: أخزاه الله، ونحو ذلك أنه لا يكون يمينا، لأنه ليس بخروج من الإسلام، وكذلك إن قال: عصيت الله في كل ما أمرني به إن فعلت كذا، عند الأصحاب، لأن المتبادر إلى الفهم من ذلك المأمور به من
стр. 3862
الفروع، واختار أبو البركات أنه من الأول، لدخول التوحيد فيه، نظرا للعموم، وكذلك عندهم في: محوت المصحف، ونص عليه أحمد، واختار ابن عقيل أنه يمين، لأن ذلك إهانة للمصحف، وإسقاط لحرمته، وإنه كفر، ولو قال: لا يراني الله في موضع كذا إن فعلت كذا، فعند القاضي - وقال: إن أحمد نص عليه - وأبي البركات، هو من الأول، وهو واضح، وخالف أبو محمد فلم يوجب في ذلك كفارة، وظاهر كلامه وإن سلم وجوب الكفارة في الأول.
(تنبيه) : حيث وجبت الكفارة فيما تقدم فإنما تجب بالحنث.
٣٦٨٥ - وفي صحيح مسلم «من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله» فجعل كفارة ما حصل منه قول لا إله إلا الله.
قال: أو بتحريم مملوكه أو شيء من ماله.
ش: أي ومن الأيمان المكفرة إذا حلف بتحريم مملوكه، أو بتحريم شيء من ماله، كأن قال: هذا العبد أو هذا الطعام علي حرام، أو الحل علي حرام. ونحو ذلك - ما عدا الزوجة - إن فعلت كذا، وفعله فعليه الكفارة. نص عليه أحمد، مستدلا بحديث العسل، وهو الذي نزل فيه على الصحيح
стр. 3863
قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فسمى سبحانه تحريم ما أحله يمينا، وفرض له تحلة وهي الكفارة، وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية.
٣٦٨٦ - ففي الصحيحين أنها نزلت في العسل لما شربه، وقال: لن أعود له أو «لا حاجة لي فيه» ثم اختلف في الحديث هل كان ذلك عند حفصة ﵂ وأن عائشة وسودة ﵄ في حديث طويل وصفية ﵂ تواصوا، وقالوا للنبي: نجد منك ريح مغافير. أو كان ذلك عند زينب بنت جحش ﵂ وأن عائشة وحفصة ﵄ تواصيا بما تقدم. وقيل نزلت في تحريمه أمة له.
٣٦٨٧ - «فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان له أمة يطؤها،
стр. 3864
فلم تزل به عائشة وحفصة رض الله عنهما حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] » . رواه النسائي، وقيل: إن هذه الأمة مارية القبطية، وأيا ما كان فهو حجة لما تقدم.
ولم يتعرض الخرقي ﵀ لما حرمه هل يحرم أم لا؟ والمذهب أنه لا يحرم، ولأبي الخطاب في الهداية احتمال بالتحريم، لكنه يزول بالكفارة، ومنشأ الخلاف أن من نظر إلى أنه تحريم لمباح ألحقه بتحريم الزوجة بالظهار، فحرمه كما تحرم هي، ومن نظر إلى أن هذا داخل بظاهر الآية في الأيمان، فيعطى حكمها، وحكمها أنها لا تحرم شيئا لم يحرمه الله. ونص الخرقي ﵀ على تحريم المملوك والمال، لتخرج الزوجة، لأن عنده أن ذلك ظهار، وقد تقدم ذلك.
قال: أو بنحر ولده.
ش: هذا ساقط في بعض النسخ، وثابت في أكثرها،
стр. 3865
وبالجملة قد ذكر فيه بعد روايتين، فلنؤخر الكلام عليه إن شاء الله تعالى إلى ثم، والله أعلم.
قال: أو يقول: أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو أعزم بالله.
ش: أي ومن اليمين المكفرة الحلف بواحد من هذه الأشياء، هذا قول عامة أهل العلم، إذ لو قال: بالله. ولم يقل: أقسم ولا أشهد. كان يمينا، بتقدير الفعل قبله، لأن الباء تتعلق بمقدر، فإذا نطق بالفعل المقدر كان أولى بثبوت الحكم، لا سيما وقد ثبت لذلك عرف الشرع والاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] .
٣٦٨٨ - «وعن عبد الرحمن بن صفوان ﵁ وكان صديقا للعباس أنه لما كان يوم الفتح جاء بأبيه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، بايعه على الهجرة، فأبى وقال: «إنها لا هجرة» فانطلق إلى العباس، فقام العباس معه، فقال: يا رسول الله، قد عرفت ما بيني وبين فلان، وأتاك بأبيه لتبايعه على الهجرة فأبيت، فقال النبي ﷺ : «إنها لا هجرة» فقال العباس: أقسمت عليك لتبايعنه: قال: فبسط رسول الله ﷺ يده فقال: «هات أبررت عمي ولا هجرة» .
стр. 3866
٣٦٨٩ - وعن أبي الزاهرية، «عن عائشة ﵂: أن امرأة أهدت إليها تمرا في طبق، فأكلت بعضه وبقي بعضه، فقالت: أقسمت عليك ألا أكلت بقيته، فقال رسول الله ﷺ : «أبريها فإن الإثم على المحنث» رواهما أحمد، وإذا كان يمينا من غير ذكر اسم الله، فمع اسم الله أولى وأحرى.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق في هذه الثلاثة بين أن ينوي اليمين أو لا ينوي، وهو قول الجمهور، وخالف أبو بكر في: أعزم بالله. فقال: إن لم ينو اليمين لم يكن يمينا، زاعما بأنه
стр. 3867
لم يثبت لذلك عرف الشرع ولا الاستعمال، وللأول احتمال اليمين مع الاقتران بما يقوم مقام النية، وهو الجواب بجواب القسم، والخرقي صور المسألة فيما إذا أتى بذلك بلفظ الاستقبال مع ذكر اسم الله، فلو أتى به بلفظ الماضي، كأن قال: شهدت بالله، أو أقسمت بالله. فكذلك، لما تقدم من حديثي عائشة وعبد الرحمن، ولو لم يأت باسم الله، كأن قال: أقسم أو أقسمت، وفي حديث سليمان - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - أنه قال: «لأطوفن الليلة على سبعين امرأة» ولم يذكر اسم الله، وهو ظاهر في انعقاد اليمين وإن لم يذكر اسم الله في لفظه، أو شهدت أو أشهد، فإن نوى اليمين فهو يمين عندنا بلا خلاف نعلمه، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، وإن لم ينو اليمين فروايتان: (إحداهما) : - وهي اختيار عامة الأصحاب، الشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل، والشيرازي، والخرقي، وأبي بكر، فيما قاله أبو الخطاب في الهداية - هو يمين، (أيضا) لما تقدم من حديثي عبد الرحمن وعائشة ﵄ فإن الرسول ﷺ لم يستفصل فيهما هل نويا اليمين أم لا.
٣٦٩٠ - وكذلك في «حديث أبي بكر ﵁ لما قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت. فقال
стр. 3868
النبي ﷺ : «لا تقسم يا أبا بكر» . رواه أبو داود، (والثانية) - وهي اختيار أبي بكر - لا تكون يمينا، لاحتماله للقسم بالله وبغيره، وإذا لا بد من النية لتميز المراد وتبينه.
(تنبيهان) :
«أحدهما» : ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، وأبي البركات أن حكم: أعزم. حكم أقسم وأشهد، إن نوى به اليمين كان يمينا، وإن أطلق فروايتان، وقال أبو محمد في المغني: إذا قال: أعزم أو عزمت. لم يكن قسما، نوى به القسم أو لم ينو، لأنه لم يثبت له عرف في الشرع، ولا الاستعمال في كونه قسما. قلت: وأكثر الأصحاب لم أرهم ذكروا ذلك، وإنما ذكروا: أشهد وأقسم. وزادوا مع ذلك أحلف.
(الثاني) : لو قال: نويت بأقسمت بالله الخبر عن قسم ماض، أو بأقسم. الخبر عن قسم يأتي دين، وهل يقبل منه في الحكم، وهو اختيار أبي محمد، أو لا يقبل، وهو اختيار القاضي؟ فيه قولان.
قال: أو بأمانة الله.
ش: أي ومن الأيمان المكفرة الحلف بالأمانة، وحكم
стр. 3869
الحلف بذلك حكم الحلف بعهد الله أو ميثاقه، على ما مر إن أضافها إلى الله، أو نوى بها صفة الله تعالى فهو يمين، وإن قال: والأمانة. وأطلق فروايتان. (تنبيهان) :
«أحدهما» : قال أبو محمد: يكره الحلف بالأمانة.
٣٦٩١ - لأن في السنن أن النبي ﷺ قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» .
٣٦٩٢ - وعن عمر ﵁ أنه كان ينهى عن ذلك أشد النهي. (قلت) وظاهر الحديث والأثر التحريم.
(الثاني) : ظاهر كلام الخرقي أن ما عدا ما تقدم من الأيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وما ذكره لا يكون يمينا مكفرة، وذلك كالحلف بغير الله تعالى، سواء كان معظما أو غير معظم، أضافه إلى الله تعالى أو لم يضفه، كقوله: ومعلوم الله ومقدوره وخلقه، والكعبة، والنبي، ورأس السلطان، وزيد، ونحو ذلك، وهو كذلك، للنهي عن الحلف بذلك.
стр. 3870
٣٦٩٣ - ففي الصحيح أن النبي ﷺ قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
٣٦٩٤ - وقال: «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله» .
٣٦٩٥ - وقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» وإذا كان منهيا عن الحلف بذلك فلا يدخل في الأيمان المشروعة.
واستثنى من ذلك عامة الأصحاب الحلف برسول الله ﷺ فجعلوا الحلف به يمينا مكفرة. ونص عليه أحمد في رواية أبي طالب لأنه أحد شطري الشهادة، فأشبه الحلف بالشطر الآخر وهو اسم الله، وخالفهم أبو محمد نظرا لما تقدم، ولأنه ﷺ مخلوق، فأشبه إبراهيم ﵇ وأورد أبو البركات المذهب عدم وجوب الكفارة، وظاهر نقله أن المسألة على روايتين، وخرج على رواية وجوب الكفارة بجواز الحلف به ﷺ ، أما إن لم يجب بالحلف به كفارة فحكمه في الحلف به حكم غيره، هل يكره ذلك، وهو الذي جزم به أبو الخطاب في الهداية، وأبو علي، وابن البنا، وأورده
стр. 3871
أبو محمد مذهبا، أو يحرم وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا، وهو ظاهر الحديث؟ على قولين، (وعن أحمد) ما يحتملهما، وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يقول: وبيت الله. فكرهه، وقال: هذا حلف بغير الله، والله أعلم.
قال: ولو حلف بهذه الأيمان على شيء واحد فحنث لزمته كفارة واحدة.
ش: كأن حلف بالله، وبالرب، وبالرحمن، وبعهد الله وميثاقه. ونحو ذلك على شيء واحد، فكفارة واحدة، لأن ذلك يمين واحدة، وإنما ذلك تأكيد ومبالغة في الحلف، فهو كما لو قال: والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب. إلى غير ذلك من تعداد الصفات، وعكس هذه المسألة في الصورة مع الاتفاق في الحكم إذا حلف يمينا واحدة على أشياء مختلفة، إناطة بأنها يمين واحدة، فلم يجب بها أكثر من كفارة واحدة.
وقول الخرقي: ولو حلف بهذه الأشياء كلها على شيء واحد. مفهومه أنه لو حلف بها على أشياء فحنث أنه يجب عليه لكل يمين كفارة، وقد اختلف فيما إذا كرر اليمين على شيء واحد، بأن قال: والله لا أكلت، والله لا أكلت، والله لا أكلت. أو على أشياء بأن قال: والله لا لبست، والله لا شربت، والله لا مشيت، ثم أكل وشرب، ولبس ومشى،
стр. 3872
(فعنه) - وهو اختيار أبي بكر والقاضي - تجزئه كفارة واحدة، نظرا إلى أن الكفارات زواجر بمنزلة الحدود، والحدود تتداخل، فكذلك الكفارات، (وعنه) يجب عليه كفارات بعدد ما حلف عليه، نظرا إلى أن كل واحدة يمين منعقدة، فأشبهت الأيمان المختلفة الكفارة، (وعنه) - وإليه ميل أبي محمد، ويحتمله كلام الخرقي - أنها إن كانت على فعل واحد - كوالله لا أكلت، ووالله لا أكلت، ووالله لا أكلت - فكفارة واحدة، نظرا إلى أن ذلك غالبا يستعمل للتأكيد، وإن كانت على أفعال - كوالله لا شربت، ووالله لا لبست، ووالله لا مشيت - فكفارات، لانتفاء التأكيد إذا، (ومحل الخلاف) في الأول إذا لم يرد التأكيد، أما إن أراد التأكيد فلا تجب إلا كفارة واحدة بلا ريب، كما قد نص عليه أحمد في رواية حرب، (ومحل الخلاف) في الثاني إذا كان ذلك قبل التكفير، أما إن حنث مثلا في اللبس فكفر عنه، ثم حنث في الشرب فإنه تجب عليه كفارة ثانية بلا ريب، لانتفاء التداخل إذا.
قال: ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفتي الكفارة لزمته في كل واحدة من اليمينين كفارتها.
ش: كأن حلف بالله وبالظهار، لانتفاء التداخل، إذ التداخل إنما يكون مع اتحاد الجنس كالحدود من جنس،
стр. 3873
والكفارات هنا جنسان، فأشبهتا حد الزنا والسرقة.
قال: ولو حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين.
ش: نص أحمد على هذا في رواية حرب وغيره.
٣٦٩٦ - وذلك لما ذكر أبو محمد بن حزم في كتاب الإعراب، قال: وروينا من طريق الحجاج بن منهال، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية منها كفارة يمين صبر، إن شاء بر وإن شاء فجر» وذكر أبو محمد بن قدامة أن الأثرم رواه عن مجاهد، عن رسول الله ﷺ فيحتمل أنه روي من طريقين.
٣٦٩٧ - وهو وإن كان مرسلا، فقد عضده أن ذلك قول ابن مسعود، ولا يعرف عن صحابي غيره خلافه، (وعنه) - وقال أبو محمد: إنه قياس المذهب - يجزئه كفارة واحدة،
стр. 3874
بناء على أن الحلف بجميع صفات الله تعالى كما تقدم لا يجب بها أكثر من كفارة واحدة، فالحلف بصفة واحدة - وهي كلامه سبحانه - أولى، قال أبو محمد: ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في الأول على الاستحباب، لأنه قال: عليه بكل آية كفارة، فإن لم يمكنه فكفارة واحدة. قلت: وهذا للوجوب أقرب منه للاستحباب، لأن أحمد إنما نقله لكفارة واحدة عند العجز، إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهو لا يطيق إلا ذلك، والحكم فيما إذا حلف بالمصحف أو بكلام الله، كالحكم فيما تقدم، لأن ذلك عبارة عن القرآن، والحكم فيما إذا حلف بسورة من القرآن كالحكم في الحلف بكله، هل يجب عليه بكل آية منها كفارة، أو لا تجب إلا كفارة واحدة؟ فيه القولان.
قال: وقد روي عن أبي عبد الله ﵀ فيمن حلف بنحر ولده روايتان: إحداهما كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشا.
стр. 3875
ش: هذا أولا مبني على قاعدة تأتي للخرقي ﵀ وهو أن نذر المعصية ينعقد موجبا لكفارة يمين، إذ ذبح الولد معصية، بل من أعظم المعاصي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .
٣٦٩٨ - «وقال النبي ﷺ : «أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قيل: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» » وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده أمر مختص به، لا يتعداه إلى غيره، ثم قد نسخ ذلك بالفداء بالكبش.
إذا تقرر هذا فمن أوجب كفارة يمين جرى على القاعدة في نذر المعصية، إذ الواجب فيه كفارة يمين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى هذا ميل أبي محمد، وقال أبو الخطاب في خلافه: إنه الأقوى. ومن أوجب ذبح كبش، قال: لأنه الذي أوجبه الله تعالى على إبراهيم ﵇ بدلا عما أوجبه الله تعالى عليه من ذبح ولده، إذ مقتضى النذر أن يلزم ذبح
стр. 3876
الولد، لكن لما منعنا الله من ذلك كان بمنزلة منع إبراهيم من ذبح ولده، ثم إبراهيم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أوجب الله عليه ذبح كبش بدلا عن ذبح الولد، فكذلك نحن.
٣٦٩٩ - وقد اختلف عن الحبر ابن عباس ﵄ على قولين، كالروايتين السابقتين، وأنصهما عنه ذبح كبش، كما هو أنص الروايتين عن أحمد، وهو اختيار القاضي، ونصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما.
والخرقي ﵀ صور المسألة فيمن حلف بنحر
стр. 3877
ولده، كأن قال: إن فعلت كذا فلله علي نحر ولدي. أو: ولدي نحير إن فعلت كذا، وكذلك الحكم فيما إذا نذر وأطلق، كأن قال: لله علي نحر ولدي، والحكم في نذر نحر نفسه أو نحر أجنبي كذلك، قاله القاضي وأبو محمد، وقد نص عليه أحمد في ذبح نفسه، في رواية ابن منصور، وأشار إليه في ذبح الأجنبي، في رواية أبي طالب.
وقول الخرقي: فيمن حلف بنحر ولده، هذه العبارة تشمل ما إذا كان له ولد واحد أو أولاد، لكن مراده والله أعلم إذا لم يكن له إلا ولد واحد، لأن أحمد نص في الثانية أن الكبش يتعدد بتعدد الأولاد، وهو جار على قاعدته، ومنصوصه في الطلاق وغيره من أن المفرد المضاف يعم.
وقوة كلام الخرقي يقتضي أنه لا تجب عليه الكفارة إلا إذا حنث، ونص عليه أحمد فيمن نذر أن ينحر نفسه يفدي نفسه إذا حنث، وقوله: يذبح كبشا، كذا قال بعضهم، وبعضهم قال شاة، وأحمد قد أجاب تارة بهذا، وتارة بهذا.
[الحلف بالعتق]
قال: ومن حلف بعتق ما يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك من عبيده، وإمائه، ومدبريه، وأمهات أولاده، ومكاتبيه وشقص يملكه من مملوك.
ش: صورة هذه المسألة إذا قال: إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر، أو كل مملوك لي عتيق إن فعلت كذا، فإذا فعل ذلك فقد وجد الشرط فيعمل بمقتضاه، وهو عتق من تقدم، كما لو قال: إن فعلت كذا، فكل زوجة لي طالق، ونحو ذلك، وما ذاك إلا أن هذا صورته صورة الشرط
стр. 3878
حقيقة، وكذلك معناه، إذ ليس فيه التزام حتى يشبه اليمين، كما في نذر اللجاج: إن فعلت كذا فلله علي عتق عبيدي، ونحو ذلك، وإنما عتق عليه عبيده وإماؤه لأن ملكه عليهم تام بلا ريب، وإنما عتق مكاتبوه ومدبروه وأمهات أولاده لبقاء ملكه عليهم، فيدخلون فيما يملك، وكذلك أيضا عتق الشقص الذي يملكه، لدخوله فيما يملكه، (وقيل عن أحمد) رواية أخرى لا يعتق الشقص إلا أن ينويه، لأن ذلك لا يخطر ببال الحالف غالبا، فلا يتعلق به اليمين، والله أعلم.
[كفارة اليمين قبل الحنث أم بعده]
قال: ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث أو بعده، وسواء كانت الكفارة صوما أو غيره، إلا في الظهار والحرام، فعليه الكفارة قبل الحنث.
ش: قد تقدم أن مذهب الخرقي أن الحرام ظهار، فحكمه حكمه، وإنما عطفه عليه لتغاير لفظيهما كما في قوله:
فألفيت قولها كذبا ومينا.
стр. 3879
وقد تقدم أيضا أن كفارة الظهار يجب إخراجها قبل الحنث، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، والكلام الآن في كفارة اليمن، ومذهبنا ومذهب جمهور السلف أن الحالف إذا أراد الحنث في الجملة فهو مخير إن شاء أخرج الكفارة قبل الحنث، وإن شاء بعده.
٣٧٠٠ - لما روي «عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك. وائت الذي هو خير» . متفق عليه. وهذا أمر، وأقل أحواله الجواز، وللبخاري «فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» ، وفي لفظ «إذا حلفت علي يمن، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير» رواه أبو داود، والنسائي، وهذا أصرح من الذي قبله.
٣٧٠١ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من
стр. 3880
حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» رواه مسلم وغيره.
٣٧٠٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» ، أو قال: «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني» هذا لفظ أبي داود، وعند النسائي في رواية «إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» وهو في الصحيحين بنحو ذلك أيضا.
وظاهر كلام الخرقي أن التكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وهو اختيار أبي محمد، لورود الأحاديث بهذا تارة، وبهذا أخرى، فدل على استواء الأمرين، وقال ابن أبي موسى: بعده أفضل عند أحمد، للخروج من الخلاف، وإذا ينبغي براءة الذمة، إذ عند الحنفي لا يجزئ الإخراج إلا بعد الحنث، وكذلك عند الشافعي في الصوم فقط، وهذا المقتضي لتنصيص الخرقي على التسوية بين الصوم وغيره، وعورض الخروج من الخلاف بتعجيل النفع للفقراء.
стр. 3881
وظاهر كلام الخرقي أن التخيير جار وإن كان الحنث محظورا، وهو أحد الوجهين، إناطة بوجود السبب، (والوجه الثاني) : لا يجزئه، لأن النبي ﷺ قال: «إذا حلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» والإتيان هنا ليس بخير، فلا يتناوله الأمر بالتقديم، على أن الملحوظ في التقديم الرخصة، والرخص لا تباح بالمعاصي.
(تنبيه) : الكفارة قبل الحنث محللة لليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وبعد الحنث مكفرة، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال بعضهم: أي فحنثتم.
[الاستثناء في اليمين]
قال: وإذا حلف بيمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام.
ش: إذا حلف فقال مثلا: والله لأدخلن الدار إن شاء الله. فهو مخير في الجملة بين الفعل والترك، فإن ترك لم يحنث إجماعا.
٣٧٠٣ - وقد شهد له ما روي عن ابن عمر ﵄، أن رسول
стр. 3882
الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
٣٧٠٤ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من
стр. 3883
حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث» رواه الترمذي والنسائي.
٣٧٠٥ - وفي الصحيحين أيضا من حديثه «قال سليمان بن داود - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك، قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، وطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان» قال النبي ﷺ : «لو قال إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا لحاجته» .
إذا تقرر هذا فشرط صحة الاستثناء الاتصال المعتاد على
стр. 3884
المذهب المعروف، فلو سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ونحو ذلك بطل استثناؤه، ولا يضر السكوت لعارض من تنفس أو عطاس، ونحو ذلك، إذ الاستثناء أحد المخصصات، فاعتبر اتصاله كبقية المخصصات، من الشرط والصفة وغيرهما.
٣٧٠٦ - وفي حديث ابن عمر ﵄ من رواية أبي داود وغيره «من حلف علي يمين فاستثنى» فظاهره أن الاستثناء يكون عقب الحلف، وقال أحمد: حديث النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك» ولم يقل: واستثن. قلت: والظاهر أن النبي ﷺ إنما حكم على اليمين التي يحنث بتركها، ولهذا لم يقل له ولم يستثن، (وعن أحمد) رواية أخرى: لا يضر الفصل اليسير، بشرط أن لا يخلط كلامه بغيره.
٣٧٠٧ - لما روي عن عكرمة أن النبي ﷺ قال يوما: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا» ثم قال: «إن شاء الله» » ، وفي رواية عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ وفي رواية عن عكرمة يرفعه أنه قال: «والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله» زاد فيه بعض الرواة: ثم لم يغزهم. رواه
стр. 3885
أبو داود، واحتج به أحمد، فقال: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «والله لأغزون قريشا» ثم سكت ثم قال: إنما هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، اهـ.
٣٧٠٨ - وفي الصحيحين «أن النبي ﷺ قال في مكة: لا يختلى خلاها الحديث، فقال له العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» فأثر الاستثناء وهو منفصل.
стр. 3886
٣٧٠٩ - وفي حديث سليمان ﵇ أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل، وظاهره أنه قال له ذلك بعد الفراغ من اليمين. وقد قال ﵇: «لو قال: إن شاء الله - يعني وقت قال له الملك - لم يحنث» (وحكى ابن أبي موسى) عن بعض الأصحاب أن المشترط المجلس، لأن حالة المجلس كحالة الكلام، وينبغي أن يقيد هذا أيضا بما قيد به الذي قبله، من أنه لا يخلط كلامه بغيره، وكلام الخرقي ﵀ محتمل للقولين الأولين، (واشترط) القاضي، وأبو البركات وغيرهما مع ما تقدم أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، لأن المخرج بالاستثناء غير مراد بالحكم عليه، وإلا لزم أن يكون مرادا غير مراد، وهو متناقض، فيلزم منه رفع ما أوقعه، وظاهر بحث أبي محمد أن المشترط قصد الاستثناء فقط، حتى لو نوى عند تمام يمينه صح استثناؤه، وفيه نظر، وظاهر إطلاق الخرقي عدم الاشتراط أصلا، وهو وجه حكاه ابن البنا، وبناه على أن لغو اليمين عندنا صحيح، وهي ما كان على الماضي، وإن لم يقصده، وهو ظاهر حديث الإذخر وحديث سليمان.
وقول الخرقي: وإذا حلف، يشمل كل حلف، وكذلك ظاهر الحديث، وقد استثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا يصير ملخص الأمر أن كل يمين تدخلها الكفارة، كاليمين بالله تعالى، والنذر والظهار يدخلها الاستثناء، وقد نص أحمد على ذلك.
стр. 3887
وقوله: فقال. ظاهره أنه لا ينفعه الاستثناء بقلبه، وهو كذلك لظاهر الحديث، ولأن الاستثناء كالجزء من اليمين، واليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، وعن أحمد في المظلوم يستثنى في نفسه: أرجو أن يجوز إذا خاف على نفسه، وكأنه ﵁ نظر إلى أن ذلك تأويل، والمظلوم ينفعه تأويله.
[الاستثناء في العتق والطلاق]
قال: وإذا استثنى في الطلاق والعتاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله ﵀ أنه توقف عن الجواب، وقد قطع في موضع أنه لا ينفعه الاستثناء.
ش: وذلك كأن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله. أو لعبده: أنت حر إن شاء الله. وتوقف أحمد عن الجواب في ذلك، لاختلاف الناس فيه، مع عدم نص قاطع في ذلك، وحظر ذلك، وهو الحكم بحل فرج أو تحريمه، والذي استقر عليه قوله أنه لا ينفعه الاستثناء، معللا ذلك في رواية حنبل بأنهما ليسا من الأيمان، وإذا لم يكونا من الأيمان فلا يدخلان في قول النبي ﷺ «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث» ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في أول الباب، وأن المغلب فيهما التعليق على شرط، وإذا هذا الشرط الذي قد علق عليه الطلاق - وهو مشيئة الله تعالى - أمر لا سبيل إلى علمه، فهو كالتعليق على مستحيل، أو أمر يفضي
стр. 3888
اعتباره إلى رفع الطلاق بالكلية، أشبه ما لو قال: أنت طالق طلقة لا تلزمك. ونحو ذلك.
٣٧١٠ - وعن ابن عباس ﵄: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله. هي طالق. رواه أبو حفص بسنده، وعن أبي بردة نحوه.
٣٧١١ - وعن ابن عمر ﵄، وأبي سعيد ﵁، قالوا: كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في العتاق والطلاق. ذكره أبو
стр. 3889
الخطاب (وحكى أبو محمد رواية أخرى) عن أحمد ﵁ بصحة الاستثناء في الطلاق والعتاق، بناء على أنهما من الأيمان، فيدخلان في عموم من حلف على يمين إذ ذلك نكرة في سياق الشرط، فتشمل كل يمين، ونظرا إلى أن التعليق يحصل على مشيئة لم يعلم وجودها، أشبه ما لو علقه على مشيئة زيد، وأجيب بأن مشيئة الله تعالى قد علمت بمباشرة الآدمي سبب ذلك، وهو النطق بالطلاق، ونقل الشيخ أبو حامد الاسفرائيني ومن تبعه عن إمامنا رواية بالتفرقة بين الطلاق العتاق، وقطع أبو البركات وغيره بأن ذلك غلط على الإمام، وسبب الغلط - والله أعلم - أن أحمد قال فيمن قال: إن ملكت فلانا فهو حر إن شاء الله، فملكه صار حرا، وقال فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق إن شاء الله، فتزوجها لم تطلق، ففرق بين التعليقين،
стр. 3890
وذلك أن من أصله أن العتق يصح أن يعلق بالملك، بخلاف الطلاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ففرق أحمد لأجل هذا، لا لأجل الاستثناء بالمشيئة، وللمسألة فروع أخر ليس هذا موضعها، والله أعلم.
[حكم تعليق العتق والطلاق على شرط]
قال: وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، لم تطلق إن تزوج بها، وإن قال: إن ملكت فلانا فهو حر، فملكه صار حرا.
ش: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في هاتين المسألتين على ثلاث روايات: (إحداهن) صحة التعليق فيهما، فيقع العتق والطلاق، (والثانية) عدم الصحة فيهما فلا يقعان، وهي اختيار أبي محمد، وأبي الخطاب.
٣٧١٢ - ومدركهما أن قول النبي ﷺ : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.
٣٧١٣ - وقول النبي ﷺ : «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك»
следующие страницы →