Полный текст (4 333 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
من فقهائنا يقولون - فذكر أحكاما وفيها -: والذي يغمى عليه فيفيق قبل الغروب، يصلي الظهر والعصر، فإن أفاق قبل طلوع الفجر صلى المغرب والعشاء، قالوا: وكذلك تفعل الحائض إذا طهرت قبل الغروب، أو قبل طلوع الفجر، ولأن الشارع نزل وقتي المجموعتين حال العذر - وهو الجمع - منزلة الوقت الواحد، وما نحن فيه أقوى الأعذار، وحكم المجنون يفيق حكم من تقدم، ويحصل الوجوب بإدراك قدر تكبيرة كما تقدم، ولا يشترط ركعة، ولا زمن يتسع للطهارة، نص عليه.
ومقتضى كلام الخرقي أن الصلاة لا تجب (على حائض) ، وهو إجماع، ولا (على كافر) أصلي أو غيره؛ أما الأصلي فواضح، إذ لا يجب عليه الأداء في حال كفره، ولا يجوز له إلا إن أتى بالشرط، و [لا] القضاء إذا أسلم اتفاقا، ومعنى خطابه بالفروع: زيادة العقاب على ذلك في الآخرة، أو كون ذلك وسيلة إلى إسلامه، إذا كان ممن يصح منه فعله في حال كفره، كما لو أعتق ونحو ذلك، أو حصول الثواب له إذا أسلم.
وأما غيره فهل تجب عليه العبادات في حال ردته فيقضيها إذا أسلم؟ فيه روايتان:
إحداهما: نعم، فتنتفي هذه المسألة، لأنه إذا لم يتجدد عليه وجوب بالإدراك، بل الوجوب موجود من أول الوقت.
стр. 387
(والثانية) - وهي ظاهر كلام الخرقي -: لا، وعليها تجيء هذه المسألة. اهـ. (ولا على) صبي مطلقا، وهو المذهب.
(وعنه) : تجب على من بلغ عشرا، وسيأتي [ذلك] إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا أيضا تنتفي هذه المسألة، والله أعلم.
[ما يقضي المغمى عليه من الصلوات]
قال: والمغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت [عليه] في إغمائه. [والله أعلم] .
ش: لأن الصلاة عبادة، فلا تسقط بالإغماء كسائر العبادات، وذلك لأن الإغماء لا ينقطع التكليف به، بدليل جوازه على الأنبياء.
٣٨٧ - م - وقد روي أن عمارا [﵁] غشي عليه أياما لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاث فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذ ثلاث. فقال: أعطوني وضوءا فتوضأ ثم صلى تلك الليلة.
٣٨٨ - وعن سمرة بن جندب [﵁] قال: المغمى عليه يترك الصلاة، يصلي مع كل صلاة مثلها. قال: قال عمران: ولكن يصليهن جميعا. رواهما الأثرم ورواه البيهقي عن عمار، ولفظه: أنه أغمي عليه في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى الأربع.
стр. 388
٣٨٩ - وما روي «عن رسول الله ﷺ في الرجل يغمى عليه، فيترك الصلاة اليومين والثلاثة، قال: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه في صلاته فيفيق وهو فيها فيصليها» .
ويدخل في كلام الخرقي [﵀] الإغماء بتناول المباح، وهو الصحيح من الوجوه.
«والثاني» : لا قضاء عليه بذلك؛ لاحتمال امتناعه منه، خوفا من مشقة القضاء فتفوت مصلحته.
«والثالث» إن تطاول الإغماء والحال ما تقدم؛ أسقط القضاء قياسا على الجنون، وإلا لم يسقط، ولا إشكال أن زوال العقل بمرض أو سكر لا يسقط القضاء. نعم قيل بسقوط القضاء مع سكر بشرط الإكراه.
وهذا كله على المذهب المقطوع به، من أن المجنون لا قضاء عليه.
٣٩٠ - اعتمادا على قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث، أما إن قيل بوجوب القضاء عليه - على رواية حنبل الضعيفة - فإن من تقدم يجب عليه القضاء بلا ريب، والله أعلم.
стр. 389
[باب الأذان]
ش: الأذان في اللغة: هو الإعلام، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: وإعلام، وأصله من الأذن، وهو الاستماع، فإنه يلقي في آذان الناس بصوته، ما إذا سمعوه علموا أنهم ندبوا لذلك.
و [هو] في الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة، بذكر مخصوص، [في وقت مخصوص] ، من شخص مخصوص، ويحصل به أيضا: الإعلام بالدعاء إلى الجماعة، [و] بإظهار شعائر الإسلام، ويطلق على الإقامة أيضا؛ لأنها إعلام بإقامة الصلاة.
٣٩١ - والأصل فيه ما روى محمد بن إسحاق، من حديث محمد بن إبراهيم التيمي، «عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، حدثني أبي، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس، يعمل ليضرب به للناس في الجمع للصلاة، أطاف [بي]- وأنا نائم - رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله،
стр. 390
أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته ما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك» . فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه وهو يؤذن به، فسمع ذلك عمر وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد» . رواه أحمد، وأبو داود.
وفي رواية كرر التكبير أربعا، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا - يعني حديث محمد بن إبراهيم التيمي - فقال: هو عندي صحيح. وقال محمد بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في الأذان خبر أصح من هذا.
стр. 391
٣٩٢ - وفي الصحيحين، «عن ابن عمر [﵄] ، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلاة، وليس ينادي لها أحد، فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: نتخذ ناقوسا، مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أفلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال، قم فناد بالصلاة» . متفق عليه.
٣٩٣ - وروى البيهقي في سننه عن أنس، قال: «كانت الصلاة إذا حضرت على عهد رسول الله ﷺ سعى رجل في الطريق، فنادى: الصلاة، الصلاة. فاشتد ذلك على الناس، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا يا رسول الله، فقال: «ذلك للنصارى» ، فقالوا: لو اتخذنا بوقا. قال: «ذلك لليهود» ، قال: فأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» . اهـ.
وبهذا يحصل الجمع بين حديثي ابن زيد، وابن عمر، بأن يكون النداء الأول: الصلاة الصلاة. ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فأمر بلالا أن يؤذن به، واستقر العمل عليه.
стр. 392
(تنبيه) : «يتحينون» يعني: يقدرون أحيانا، ليأتوا إليها فيها، والحين: الوقت والزمان، والله أعلم.
[ألفاظ الأذان]
قال: ويذهب أبو عبد الله [﵀] إلى أذان بلال [﵁] وهو: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ش: هذا هو المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين لما تقدم، إذا هو الذي كان يفعل بحضرته ﷺ حضرا وسفرا، وعليه عمل أهل المدينة. قال الأمام أحمد: [﵀] هو آخر الأمرين، وكان بالمدينة، وقيل [له] : إن أذان أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد، لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة. فقال: أليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فأقر بلالا على أذان عبد الله بن زيد؟ .
ونقل عنه حنبل: أذان أبي محذورة أعجب إلي، وعليه عمل أهل مكة إلى اليوم، وأذان أبي محذورة يرجع فيعيد الشهادتين بعد ذكرهما، بصوت أرفع من الصوت الأول.
٣٩٤ - «قال أبو محذورة: إن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشر كلمة» ، رواه الخمسة وصححه الترمذي. وفي لفظ: ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله
стр. 393
[أشهد أن محمدا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله] والخلاف في الاختيار، ولا خلاف في جواز الأمرين من غير كراهة، على المذهب المعروف، وحكي عنه: كراهة الترجيع، والله أعلم.
[ألفاظ الإقامة]
قال: والإقامة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ش: لما تقدم من حديث عبد الله بن زيد، وقد تقدم ما يقتضي ترجيحه.
٣٩٥ - وفي الصحيحين «عن أنس بن مالك [﵁] قال: أُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» ، وإن ثنى الإقامة فلا بأس، لما تقدم من حديث أبي محذورة، والله أعلم.
[يترسل في الأذان ويحدر الإقامة]
قال: ويترسل في الأذان، ويحدر الإقامة.
ش: الترسل: التمهل والتبين، والإحدار: الإسراع.
стр. 394
٣٩٦ - وقد جاء ذلك من حديث جابر [﵁] ، «أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» مختصر، رواه الترمذي، وقال: إسناده مجهول. والبيهقي من رواية أبي هريرة، وقال: إسناده مظلم.
٣٩٧ - وعن علي [﵁] قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نرتل الأذان، ونحذف الإقامة» . رواه الدارقطني.
٣٩٨ - وروى أيضا هو والبيهقي عن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس قال: جاء عمر بن الخطاب فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر. وفي رواية: فاحذم، قال الأصمعي: الحذم قطع التطويل. وقد استنبط الشافعي ﵀ من مطلوبية رفع الصوت في الأذان - كما قد ثبت في الصحيح - ترتيل
стр. 395
الأذان. والله أعلم.
[التثويب في أذان الفجر]
قال: ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم. مرتين.
٣٩٩ - ش: في رواية لأحمد وأبي داود في حديث عبد الله بن زيد: قال: ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله ﷺ [إلى الصلاة] . قال: فجاء فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم.
[قال] : فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.
стр. 396
٤٠٠ - وعن أنس قال: «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح. قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.» رواه البيهقي في سننه، وقال: إسناده صحيح. وموضع ذلك بعد: حي على الفلاح. كما في حديث أنس، ولما يأتي في حديث أبي محذورة، وهذا والذي قبله على سبيل الاستحباب، ولهذا قال الخرقي [بعد] : وإن أذن لغير الفجر قبل دخول الوقت أعاد. وقيل: بالوجوب في التثويب.
٤٠١ - لأن في حديث أبي محذورة: أنه ﷺ علمه الأذان، وفيه [إن] كان في الصبح فقل - بعد حي على الفلاح -: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وهذا أمر. اهـ.
وتخصيص الخرقي ذلك بالصبح يقتضي أنه لا يطلب في غيره، وهو كذلك.
стр. 397
٤٠٢ - لما روي «عن بلال قال: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أثوب إلا في الفجر» . رواه أحمد وابن ماجه، وفيه إرسال، قاله البيهقي.
٤٠٣ - وعن مجاهد: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا فإنها بدعة. رواه أبو داود، والله أعلم.
[الأذان قبل دخول الوقت]
قال: وإن أذن لغيره الفجر قبل دخول الوقت أعاد [إذا دخل الوقت] .
стр. 398
ش: لا يعتد بالأذان قبل دخول الوقت لغير الفجر، على المذهب المعروف، لفوات المقصود منه، وهو الإعلام بدخول الوقت، ولما في ذلك من التغرير الممنوع منه شرعا، ومخالفته الأمر النبي ﷺ وما كان عليه.
٤٠٤ - ففي الصحيحين «عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان بنا [برا] رحيما رفيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» .
٤٠٥ - وفي صحيح مسلم، «عن جابر بن سمرة [﵁] قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، ثم لا يقيم حتى يرى النبي ﷺ ، فإذا رآه أقام حين يراه» .
وفي الرعاية حكاية رواية بالكراهة، وظاهرها مع الاعتداد [به] وليست بشيء، لإطباق الناس على خلافها. اهـ.
ويعتد بالأذان للفجر قبل دخول وقتها على المذهب.
٤٠٦ - لما في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر وعائشة [﵄] ، أن النبي ﷺ قال: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» .
стр. 399
٤٠٧ - وعن ابن مسعود [﵁] أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو قال: ينادي - بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم» متفق عليه أيضا. وفيه إشارة إلى علة اختصاص الفجر بذلك، وهو قيام النائم ليقضي حاجته، فيأتي الصلاة في أول الوقت، ورجوع القائم ليأتي بالعبادة على وجه النشاط.
وقاس الشيرازي على الصبح الجمعة، فأجاز الأذان لها قبل وقتها ليدركها من منزله فيه بعد ونحو ذلك، وهو أجود من قول [ابن] حمدان: وقيل: وللجمعة قبل الزوال. لعموم الأول. واستثنى ابن عبدوس مع الفجر الصلاة المجموعة، وليس بشيء لأن الوقتين صارا وقتا واحدا.
(وعنه) : رواية بالمنع في التأذين قبل الوقت بالفجر أيضا، فغيرها أحرى.
٤٠٨ - لما روي «عن ابن عمر، أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: «ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام» ثلاثا، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام» . رواه أبو داود، لكن قال ابن المديني: إنه غير محفوظ، أخطأ فيه
стр. 400
حماد.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: خبر حماد شاذ، غير واقع على القلب، [هو] خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر.
فعلى المذهب شرط الاعتداد بالأذان للفجر قبل وقتها أن يكون بعد منتصف [الليل] ، قاله طائفة من الأصحاب، لأن قبل النصف وقت يختص بالعشاء اختصاصا كليا، لكونه وقتها المختار، وما بعده بخلافه، والخرقي وجماعة من الأصحاب لم يقيدوا على ذلك، فيحتمل أنهم أحالوا على العادة. ولا إشكال أنه لا يستحب تقدم ذلك على الوقت كثيرا، قاله الشيخان وغيرهما.
стр. 401
٤٠٩ - لأنه في الصحيح من حديث عائشة: قال القاسم الراوي عنها: لم [يكن] بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا.
٤١٠ - وفي حديث رواه الطيالسي وغيره قال: «فكنا نحتبس ابن أم مكتوم عن الأذان، ونقول: كما أنت حتى نتسحر، كما أنت حتى نتسحر. ولم يكن بين أذانهم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا» . ومن ثم قال البيهقي ﵀: [مجموع] ما روي في تقديم الأذان قبل الفجر إنما هو بزمن يسير، لعله لا [يبلغ] مقدار قراءة الواقعة، بل أقل منها، ففضيلة التقديم بهذا، لا بأكثر، وأما ما يفعل في زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير، فخلاف السنة، إن سلم جوازه، ويستحب لمن أذن قبل الفجر أن يكون معه من يؤذن في الوقت، لقضية النص، وأن يتخذ ذلك عادة، لئلا يغر الناس، وفي الكافي ما يقتضي اشتراط ذلك. اهـ.
إذا تقرر أنه يعتد بالأذان للفجر قبل وقتها، ولا يعتد بالأذان لغيرها قبل الوقت على المذهب فيهما، فهل يجوز ذلك أم لا؟
стр. 402
أما لغير الفجر فلا يجوز ذلك، على المعروف من الروايات، وقد تقدم حكاية رواية بالكراهة، وظاهرها مع الجواز. وحكي رواية ثالثة بالكراهة، إلا أن يعيده بعد الوقت، وأما للفجر فهل يباح ذلك أو يسن؟ على قولين، ثم هل ذلك في جميع السنة، أو يستثنى من ذلك رمضان، فيكره الأذان فيه قبل الفجر، حذارا من منع كثير من الناس من السحور، ولعدم معرفتهم بالوقت، واعتمادهم على الأذان، فيه روايتان:
أشهرهما: عند الأصحاب الثاني، وعليه: هل ذلك مطلقا، أو إذا لم تجر عادة بذلك، نظرا للمعنى المتقدم، وحذارا من تعطيل السنة الصريحة، لورودها بذلك، وهو قول أبي البركات؟ فيه قولان.
(تنبيه) : الوقت منوط بنظر المؤذن، والإقامة وقتها منوط بنظر الإمام، والله أعلم.
[ما يستحب في المؤذن]
قال: ولا يستحب أبو عبد الله أن يؤذن إلا طاهرا، فإن أذن جنبا أعاد.
ش: المستحب أن يؤذن ويقيم وهو طاهر من الحدثين.
٤١١ - لما روي عن أبي هريرة [﵁] أن النبي ﷺ قال: «لا يؤذن إلا متوضئ» رواه الترمذي، والبيهقي،
стр. 403
مرفوعا وموقوفا على أبي هريرة، وصححا الموقوف، ولأنه ذكر، فاستحبت له الطهارة، كبقية الأذكار، فإن أذن أو أقام محدثا أجزأ.
٤١٢ - قال النخعي: كانوا لا يرون بأسا أن يؤذن الرجل على غير وضوء. ذكره البيهقي، لكن يكره ذلك في الإقامة دون الأذان، نص عليه، وكرهه صاحب التلخيص، والسامري فيهما لكن الكراهة في الإقامة أشد.
وإن أذن جنبا (فعنه) - كما حكاه جماعة من الأصحاب، واختاره الخرقي، وابن عبدوس - لا يعتد به فيعاد، لأنه ذكر يختص فاعله أن يكون من أهل القرب، فلم يعتد به من الجنب كالقراءة.
(وعنه) - وهو اختيار الأكثرين، ومنصوصه في رواية حرب -: يعتد به، إذ العمومات الواردة في الأذان لم يرد في شيء منها اعتبار الطهارة من الجنابة، ولأنه أحد الحدثين فأشبه الآخر. فعلى هذا إن كان أذانه في مسجد، فإن كان مع جواز اللبث فيه، إما بوضوء على المذهب، أو بحبس، ونحو ذلك صح، ومع
стр. 404
تحريم اللبث فيه هو كالأذان والزكاة في موضع غصب، وفي ذلك قولان، المذهب منهما عند أبي البركات وطائفة: صحته لعدم اشتراطه البقعة له. والمذهب عند ابن عقيل في التذكرة: البطلان. وهو مقتضى قول ابن عبدوس، وغالى فقطع باشتراط الطهارة له، كمكان الصلاة، والله [سبحانه] أعلم.
[الصلاة بلا أذان ولا إقامة]
قال: ومن صلى [صلاة] بلا أذان ولا إقامة؛ كرهنا له ذلك، ولا يعيد.
ش: أما كراهة ذلك، فلأنه خلاف فعل النبي ﷺ وأصحابه، وأما عدم إعادة الصلاة.
٤١٣ - فلما روي عن ابن عباس [﵄] قال: «سئل النبي ﷺ عن رجل سها عن الأذان والإقامة قال: «إن الله يتجاوز لأمتي [عن] الخطأ والنسيان» .
٤١٤ - وعن معاذ بن جبل أنه قيل له: رجل نسي الإقامة والأذان؟ قال: مضت صلاته، ليس الإقامة والأذان من فروض الصلاة، إنما هو من فضل يوجد به، وشيء يدعى إليه. رواهما حرب بإسناده.
стр. 405
٤١٥ - وفي مسلم [عن ابن مسعود ﵁] أنه صلى بعلقمة والأسود في داره، بغير أذان ولا إقامة.
٤١٦ - وقد استنبط الشافعي [﵀] ذلك من الحديث الصحيح: «إذا أقيمت الصلاة فامشوا وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما فاتكم» قال: فمن أدرك آخر الصلاة فقد فاته أن يحضر أذانا وإقامة، مع أنه لم يؤذن لنفسه، ولم يقم، قال: ولم أعلم مخالفا أنه إذا جاء المسجد [وقد خرج الإمام من الصلاة] كان له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة.
هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فقول الخرقي: «ومن» عام أريد به خاص، وهو الرجال، لعدم مشروعية الأذان والإقامة للنساء، على المشهور من الروايات فضلا عن كراهة تركهما منهن.
٤١٧ - لما روي عن أسماء [﵂] قالت: قال رسول الله ﷺ : «ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة، ولا تتقدمهن امرأة، ولكن تقوم في وسطهن» .
стр. 406
رواه البيهقي في سننه وضعفه، [قال: ورويناه أيضا في الأذان والإقامة عن أنس مرفوعا ولم يصح، بل الأشبه موقوف على أنس] . اهـ.
٤١٨ - كذلك يروى عن ابن عمر [وابن عباس] وعن علي: المرأة لا تؤم، ولا تؤذن، ولا تنكح، ولا تشهد النكاح.
стр. 407
وقال حرب: قال إسحاق: مضت السنة من النبي ﷺ أنه ليس على النساء أذان، ولا إقامة في حضر ولا سفر.
(والثانية) : إن أذن وأقمن فلا بأس، وإن لم يفعلن فجائز.
٤١٩ - لما روى الشافعي في مسنده عن عائشة [﵂] أنها كانت تؤذن، وتقيم وتؤم النساء، وتقوم وسطهن.
(والثالثة) : يستحب لهن الإقامة، ويروى عن جابر [﵁] وحيث شرع ذلك للمرأة فإنها تخفض صوتها، وحكم الخنثى مثلها. اهـ.
وقوله: ومن صلى صلاة. يريد [به] نوعا من الصلاة، وهي صلاة الخمس، لأن الأذان لا يشرع لغيرهن، نعم كلام ابن حمدان، كما سيأتي يقتضي مشروعيته للمنذورة، تشبيها لها بالواجب بأصل الشرع، وصرح الشيرازي - وهو ظاهر كلام غيره - أنه لا يشرع لها.
ويسن أن ينادى للعيد، والكسوف، والاستسقاء: «الصلاة جامعة» على المذهب المعروف.
стр. 408
٤٢٠ - لثبوت ذلك في الكسوف، ووروده مرسلا في العيد والاستسقاء، في معناهما. وألحق القاضي بهن التراويح، والمنصوص: أنه لا ينادى لها أصلا، كصلاة الجنازة [على المعروف] . اهـ.
وقوله: كرهنا له ذلك. قد يؤخذ منه أن الأذان والإقامة سنتان؛ سنة في السفر، والحضر، لإطلاقه الكراهة على تاركها، والظاهر: أن مراده كراهة تنزيه، [وذلك] لما تقدم من أن تاركهما لا يعيد الصلاة، ولأنه دعاء إلى الصلاة فلم يجب، كقوله: «الصلاة جامعة» وهذا إحدى الروايات.
(والثانية) - وهي المشهورة وعليها أكثر الأصحاب -: أنهما سنتان للمسافرين.
٤٢١ - لما ذكره ابن المنذر، والبيهقي عن علي [﵁] في المسافر: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء أقام.
стр. 409
٤٢٢ - وعن ابن عمر أنه كان لا يزيد على الإقامة في السفر في صلاة، إلا في صلاة الصبح، ويقول: إنما الأذان للأمام الذي يجتمع إليه الناس. رواه مالك في موطئه، وسعيد في سننه، فرضا كفاية على المقيمين، لما تقدم من حديث [مالك] بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم» .
٤٢٣ - وعن أبي الدرداء [﵁] : سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية لا يؤذن، ولا تقام فيها الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان» . رواه أحمد.
(والثالثة) - وهو ظاهر إطلاق طائفة من الأصحاب -: أنهما فرض كفاية مطلقا، لأنهما من أعلام الدين الظاهر، فأشبها الجهاد.
٤٢٤ - وفي الصحيح «عن مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي ﷺ أنا وابن عم لي، فقال: «إذا سافرتما فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما» . ولا نزاع فيما نعلمه في وجوبهما للجمعة، لاشتراط الجماعة لها، فكذلك النداء لها، ولا في
стр. 410
أنهما ليسا بشرط لصحة الصلاة كما تقدم.
(واختلف) - إذا قيل بفرضيتهما - هل يجري ذلك في القضاء والمنفرد، والمنذورة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن حمدان. ثم إذا قيل بالفرضية فاتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الأمام، وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبا أجزأ عن الكل، وإن كان واحدا، قلت: وينبغي أن يأثم أهل البلد كلهم إن تركوهما. اهـ. .
وقول الخرقي: ومن صلى صلاة بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ذلك. يشمل حالتي الحضر والسفر، والجماعة والانفراد، والمؤداة والمقضية، وغير ذلك وقد استثنى من ذلك أبو محمد ما إذا دخل مسجدا قد صلي فيه، فإنه يخير؛ إن شاء أذن وأقام، وإن شاء تركهما من غير كراهة، وحكى ابن حمدان ذلك قولا.
ثم إن الخرقي [﵀] إنما حكم بالكراهة على من تركهما، فلو أتى بأحدهما فهو مسكوت عنه في كلامه، وقد صرح أبو البركات بأن المنفرد والمسافر إذا اقتصرا على الإقامة من غير أذان، فإنه يجوز من غير كراهة، نص عليه أحمد. اهـ.
وكذلك الثانية من المجموعتين، وما عدا الأولى من المقضيات، إن شاء أذن لها، وإن شاء لم يؤذن، بل صرح ابن عقيل، والشيرازي بأنه: لا يشرع أذان والحال هذه، ويقتصر على الإقامة، والله أعلم.
стр. 411
قال: ويجعل أصابعه مضمومة على أذنيه.
ش: نقل ابن بطة أنه سأل الخرقي عن صفة ذلك، فضم أصابعه على راحتيه، ثم جعلهما على أذنيه، وهذا إحدى الروايات واختيار ابن عبدوس، وابن البنا، وصاحب البلغة فيها.
٤٢٥ - لأن ذلك يروى عن ابن عمر [﵄] .
(والثانية) : يجعل أصابعه مضمومة، مبسوطة على أذنيه.
٤٢٦ - لأن ذلك يروى عن أبي محذورة، حكاه عنه أحمد.
(والثالثة) - وهي اختيار ابن عقيل والشيخين -: يجعلهما في أذنيه.
٤٢٧ - لما روى «أبو جحيفة قال: رأيت بلالا يؤذن، وإصبعاه في أذنيه، ورسول الله ﷺ في قبة له حمراء» . رواه [أحمد] ، والترمذي وصححه.
стр. 412
٤٢٨ - وعن عبد الرحمن بن سعد، عن أبيه عن جده، «أن رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يدخل أصبعيه في أذنيه» . رواه البيهقي في سننه، والله أعلم.
قال: ويدير وجهه عن يمينه إذا قال: حي على الصلاة. وعن يساره إذا قال: حي على الفلاح، ولا يزيل قدميه.
٤٢٩ - ش - «روى أبو جحيفة [﵁] قال: أتيت النبي ﷺ وهو في قبة له حمراء من أدم، فخرج وتوضأ، فأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة، حي على الفلاح» . متفق عليه.
وفي رواية أبي داود: لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر، وكلام الخرقي يشمل الأذان في المنارة وغيرها، وهو إحدى الروايتين.
(والثانية) : له أن يدور في المنارة الواسعة، والصومعة الكبيرة ونحو ذلك، لأنه أبلغ في سماع الصوت، وهو المقصود الأصلي بالأذان.
٤٣٠ - وقد روى البيهقي في سننه، بسنده في حديث أبي جحيفة، أن بلالا استدار، لكنه من رواية الحجاج بن أرطأة، ولا يحتج
стр. 413
به، على أنه يحمل على أنه أراد بالاستدارة التفاته، توفيقا بين ألفاظ الحديث، والله أعلم.
[ما يستحب لمن سمع الأذان]
قال: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول.
٤٣١ - ش: في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري [﵁] ، قال: قال رسول لله ﷺ «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» [المؤذن] ، ويجعل موضع الحيعلة الحولقة: «لا حول ولا قوة إلا بالله» قاله غير واحد من الأصحاب.
٤٣٢ - لما روى عمر بن الخطاب [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. [ثم] قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: أشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال: حي على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله
стр. 414
أكبر، [الله أكبر] . قال: الله أكبر [الله أكبر] . ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله. من قبله؛ دخل الجنة» رواه أحمد، ومسلم وأبو داود.
٤٣٣ - ونحوه روي من حديث معاذ، ورافع بن خديج [﵄] وقال بعض الأصحاب يجمع [بين] الحولقة والحيعلة، ليأتي بمجموع الأحاديث، والأول المذهب.
(تنبيه) : يقول في الإقامة: أقامها الله وأدامها، اتباعا.
٤٣٤ - لما في سنن أبي داود، «أن بلالا أخذ في الإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة. قال النبي ﷺ «أقامها الله وأدامها» . قال بعض الأصحاب: ويقول في التثويب:
стр. 415
صدقت وبررت. قياسا على ما تقدم، ويسن جميع ذلك للمؤذن خفية، وكذلك غير المؤذن يخفيه. والله سبحانه أعلم.
[باب استقبال القبلة في الصلاة]
باب استقبال القبلة ش: استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة في الجملة، لقول الله سبحانه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: نحوه.
٤٣٥ - وعن أنس [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» . رواه البخاري، والله أعلم.
[استقبال القبلة في صلاة الخوف]
قال: وإذا اشتد الخوف وهو مطلوب ابتدأ الصلاة إلى القبلة، وصلى إلى غيرها راجلا أو راكبا، يومئ إيماء على قدر الطاقة، [ويجعل سجوده أخفض من ركوعه] .
стр. 416
ش: استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة كما تقدم، إلا في موضعين:
(أحدهما) : حال المسايفة، وهو حال اشتداد الخوف، وما في معناه؛ كالخوف من سبع، أو سيل، أو هرب مباح من عدو، ونحو ذلك، فله أن يصلي على قدر طاقته؛ راجلا، أو راكبا، إلى القبلة إن أمكن، وإلى غيرها إن عجز، بركوع وسجود مع القدرة، وبالإيماء مع عدمها، على قدر الطاقة، ليأتي بما استطاع، وإن عجز عن الإيماء سقط، وإن احتاج إلى الكر والفر والضرب والطعن؛ فعل، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] .
٤٣٦ - «وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف [هو] أشد من ذلك صلوا رجالا، قياما على أقدامهم، مستقبلي القبلة وغير مستقبلها» .
قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . رواه البخاري، وعن أحمد رواية أخرى بالتخيير بين الفعل والتأخير إلى الأمن وإن خرج الوقت.
٤٣٧ - لما في الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» . فصلى قوم في الطريق، وقالوا: لم يرد بنا تفويت الصلاة، وأخر قوم الصلاة، حتى وصلوا إلى بني قريظة وقد فاتتهم الصلاة، فلم
стр. 417
يعب النبي ﷺ واحدة من الطائفتين، وجه ذلك أن النبي ﷺ أقرهم على التأخير، لمصلحة الجهاد» . وأظن عن أحمد رواية أخرى بالتأخير.
استدلالا بتأخير النبي ﷺ يوم الخندق، والمذهب الأول، وما تقدم قيل: منسوخ بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ونحوه، (وعلى الأول) ظاهر كلام الخرقي أنه يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة إن أمكنه ذلك، وهو إحدى الروايتين.
٤٣٩ - لما روى أنس بن مالك [﵁] ، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا، استقبل القبلة، فكبر للصلاة، ثم خلى عن راحلته، فيصلي حيث [ما] توجهت به» . رواه أحمد، وأبو داود.
(والثانية) : لا يلزمه، اختارها أبو بكر، لأنه جزء من أجزاء الصلاة، أشبه بقية أجزائها، والله أعلم.
стр. 418
قال: وسواء كان مطلوبا أو طالبا يخشى فوات العدو، وعن أبي عبد الله [﵀] رواية أخرى، أنه إذا كان طالبا فلا يجزئه أن يصلي إلا صلاة أمن.
ش: حكم الطالب لعدو يخشى فواته حكم المطلوب في إحدى الروايتين، لأن فوات الكافر ربما أدى إلى ضرر عظيم، فأشبه المطلوب.
٤٤٠ - «وعن عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرفة أو عرفات، قال: «اذهب فاقتله» فرأيته وحضرت الصلاة، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء، فلما دنوت منه قال [لي] : من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك لذلك، [فقال] : إني لعلى ذلك. فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد» .
والظاهر أنه أخبر النبي ﷺ أو علم جواز ذلك.
والرواية (الثانية) - واختارها القاضي -: لا يجوز له أن
стр. 419
يصلي إلا صلاة أمن، لأن الله تعالى شرط لهذه الصلاة الخوف، وهذا ليس بخائف. والله أعلم.
[صلاة التطوع في السفر على الراحلة]
قال: وله أن يتطوع في السفر على الراحلة، على ما وصفنا من صلاة الخوف.
ش: هذه الحال الثانية [التي] لا يشترط لها الاستقبال، وهي التطوع في السفر [في الجملة] بالإجماع.
٤٤١ - وسنده ما روى ابن عمر [﵁] «أن النبي ﷺ كان يسبح على [ظهر] راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه» ، وكان ابن عمر يفعله. وفي رواية: وكان يوتر على بعيره. ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. متفق عليه، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
٤٤٢ - قال ابن عمر: نزلت في التطوع في السفر. رواه مسلم وغيره.
إذا تقرر هذا فكلام الخرقي يشمل قصير السفر وطويله، وهو صحيح، لعموم ما تقدم.
وظاهر كلامه اختصاص الحكم بالمسافر، وهو المذهب من الروايتين، لما تقدم من الآية الكريمة. و (قد) قال ابن عمر: إنها في السفر.
стр. 420
٤٤٣ - وعن أنس [﵁] «أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر، ثم صلى حيث كان وجهة ركابه» . رواه أحمد، وأبو داود، فقيد ذلك بالسفر.
(والرواية الثانية) : يجوز ذلك للمقيم السائر في مصره، لأنها رخصة تجوز في قصر السفر، فشرعت في المصر، كالتيمم، وأكل الميتة.
وظاهر كلام الخرقي [أيضا] أن الحكم يختص بمن هو على الراحلة، فلا يجوز ذلك للماشي، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، ونصبها أبو محمد للخلاف، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك إلا في حال الركوب، وليس الماشي في معناه، لاحتياجه إلى عمل كثير، ويعضده عموم ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
(والرواية الثانية) : يجوز ذلك للماشي كالراكب، وبها قطع أبو الخطاب في الهداية، ونصبها أبو البركات، لعموم ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] الآية، ولأنه مسافر سائر، أشبه الراكب، وعلى هذا يستقبل القبلة في الافتتاح، وفي الركوع، وفي السجود، ويسجد بالأرض لتيسر ذلك عليه، ويفعل ما عدا ذلك إلى جهة مسيره، اختاره القاضي، واختار أبو البركات
стр. 421
والآمدي: جواز الإيماء بالكوع والسجود إلى جهة سيره، دفعا لمشقة التوجه، يكررها في كل ركعة.
وحكم الصلاة في السفر حكم صلاة الخوف، في أنه إن شق عليه استقبال القبلة كمن جمله مقطور، أو من يعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو الركوع والسجود، سقط ذلك عنه، وأومأ كما تقدم.
٤٤٤ - «قال جابر: بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو الشرق، السجود أخفض من الركوع» . رواه أبو داود.
وإن تيسر عليه الاستقبال لزمه في ظاهر كلام الخرقي، وبه قطع أبو الخطاب، وقال أبو البركات: إنه ظاهر المذهب، لما سبق من حديث أنس [﵁] ، وخرج أبو محمد رواية بعدم اللزوم، من المسألة السابقة، واختاره أبو بكر، لما تقدم من أنه جزء من أجزائها، أشبه بقيتها، ثم يتم إلى جهة سيره، لأنها قبلته، وكذلك إن تيسر عليه الركوع والسجود على ظهر المركوب لزمه ذلك، كما إذا
стр. 422
تمكن من الاستقبال في جميع الصلاة، كالراكب في المحفة الواسعة ونحو ذلك، قال الآمدي: ويحتمل أن لا يلزم شيء في ذلك [لأن] الرخصة تعم، والله أعلم.
قال: ولا يصلي في غير هاتين الحالتين فرضا ولا نافلة إلا متوجها إلى الكعبة، فإن كان يعاينها فبالصواب، وإن كان غائبا عنها فبالاجتهاد بالصواب إلى جهتها.
ش: قد تقدم أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في الحالين السابقين، ثم إن كان يعاينها ففرضه إصابة عينها، لقدرته على ذلك، فيحاذيها بجميع بدنه، بحيث لا يخرج شيء منه عنها، وحكم من كان بمسجد النبي ﷺ حكم من كان بمكة، لأن قبلته [متيقنة] الصحة، وإن كان غائبا عن الكعبة [أو عن مسجد الرسول ﷺ ففرضه الاجتهاد إلى جهة الكعبة] على المشهور من الروايتين، واختاره الخرقي، والشيخان وغيرهما.
стр. 423
٤٤٥ - لما روى أبو هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
٤٤٦ - وصح عنه ﷺ أنه قال: «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» وهذا يدل على أن ما بينهما قبلة.
(والرواية الثانية) : يجب الاجتهاد إلى عين الكعبة. اختاره أبو الخطاب في الهداية.
٤٤٧ - لما روي عن ابن عباس «أن النبي ﷺ دخل البيت ثم خرج، فركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هذه القبلة» متفق [عليه] .
فعلى هذه الرواية من تيامن أو تياسر عن سو اجتهاده بطلت صلاته.
وعلى الثانية: لا يضر ذلك ما لم يخرج عنها.
ويستثنى من قوله: وإن كان غائبا [عنها] إذا كان بالقرب
стр. 424
منها، كمن بمكة أو قريب منها، والحائل بينهما [حادث] ، كالدور ونحوها، فإن فرضه [تيقن] إصابة عينها إما بنفسه، كمن نشأ بمكة، أو بخبر عالم بذلك كغيره، والله أعلم.
[الاختلاف في تحديد القبلة]
قال: وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه.
ش: لأن كلا منهما يعتقد خطأ الآخر، أشبها العالمين المجتهدين في الحادثة إذا اختلفا، ولذلك لا يجوز لمن يجتهد منهما اتباع من اجتهد، نعم: إن ضاق الوقت ففيه وجهان. والله أعلم.
[تقليد الأعمى والعامي في استقبال القبلة]
قال: ويتبع الأعمى [والعامي] أوثقهما في نفسه.
ش: هذا المذهب المشهور، لأن الأوثق أقرب وأظهر إصابة في نظره، ولا مشقة عليه في اتباعه، وقد كلف الإنسان في ذلك بغلبة ظنه، وخرج [بعض] الأصحاب [رواية] بتقليد أيهما شاء، بناء على تخيير العامي بين أحد المجتهدين، وفرق أبو البركات بأن لزوم تقليد الأعلم يفضي إلى كلفة ومشقة، بخلاف ما تقدم، ومتى أمكن [الأعمى] الاجتهاد - كأن يعرف مهب الرياح، أو بالشمس ونحو ذلك - فإنه يجتهد ولا يقلد. وحكم البصير [وهو] جاهل بأدلة القبلة -
стр. 425
وإن شرحت له - حكم أعمى البصر. أما إن أمكن الجاهل التعلم والوقت متسع، فإنه يلزمه ذلك، ولا يجوز له التقليد ما لم يضق الوقت، والله أعلم.
[الحكم لو صلى إلى جهة ثم تبين خطؤها]
قال: وإذا صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم [علم] أنه قد أخطأ القبلة، لم يكن عليه إعادة.
ش: لأنه تعذر عليه الوصول إلى جهة الكعبة، أشبه حال المسايفة.
٤٤٨ - وأهل قباء، [فإنهم] لما بلغهم النسخ في صلاة الصبح استداروا إلى الكعبة، وبنوا على فعلهم، لانتفاء علمهم بالنسخ.
٤٤٩ - وقد روى «عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] » رواه ابن ماجه، والترمذي وحسنه، والله أعلم.
следующие страницы →