← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

الحكم وامتنع من الكلام (وعن أحمد رواية أخرى) - واختارها ابن أبي موسى - لا يجوز القضاء على الغائب مطلقا، لما تقدم من «قول النبي ﷺ لعلي كرم الله وجهه: «إذا جلس إليك خصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء» رواه أبو داود وغيره. وأجيب بأنا نقول بموجبه، فإن هذا فيما إذا كان الخصمان حاضرين، ولقائل أن يقول: الاستدلال بما أشار إليه في التعليل - وهو أن الحاكم إذا سمع من الخصم تبين له القضاء - ومقتضاه أنه إذا لم يسمع منهما لا يتبين له القضاء، وإذا كان أحدهما غائبا لم يسمع منه، ولا ممن يقوم مقامه وهو وكيله فلم يسمع منهما. والتفريع على الأول، وعليه فلا يحكم على الغائب إلا إذا صح الحق عنده وعليه، وصحته بأن تقوم به بينة، فلو لم يكن به بينة لم يحكم، بل ولا يسمع الدعوى، لعدم فائدتها، ومع قيام البينة هل يحلفه الحاكم على بقاء حقه على الغائب، وقال ابن حمدان في رعايتيه: إنه الأصح احتياطا للغائب لجواز الاستيفاء أو الإبراء ونحو ذلك، أو لا يحلفه - وهو اختيار أبي الخطاب، والشريف والشيرازي وغيرهم، ومن ثم قال أبو محمد في المغني: إنه المشهور، لإطلاق قول النبي ﷺ : «البينة على

стр. 4062

المدعي، واليمين على من أنكر» وظاهره أنه لا شيء على المدعي غير البينة، كما أنه لا شيء على المنكر غير اليمين؟ على روايتين. ثم إذا قدم الغائب فهو على حجته، ويعتبر في الغيبة أن تكون إلى مسافة القصر فأزيد، قاله أبو محمد في الكافي، وابن حمدان في رعايتيه، وحكى في الكبرى قولا أن يكون فوق نصف يوم، والخرقي لم يحد ذلك بحد، وكذلك أبو الخطاب والشريف وأبو البركات وغيرهم، ويعتبر أيضا أن يكون في غير محل ولايته، أما لو كان غائبا بمكان في ولايته ولا حاكم فيه، فإن الحاكم يكتب إلى من يصلح للقضاء بالحكم بينهما، فإن تعذر فإلى ثقة بالصلح بينهما، فإن تعذر قال للمدعي: حقق دعواك. فإن فعل أحضر خصمه، وإن بعدت المسافة على المذهب، وقيل: يحضر من مسافة القصر فأقل، وقيل: إن جاء وعاد في يوم أحضر ولو قبل تحرير الدعوى، وحيث لم يلزم بالحضور فإنه يقضي عليه كمن في غير عمله، وإذا قضى على الغائب فإن كان في عين سلمت إلى المدعي، وفي دين يوفى من ماله إن وجد له مال. وفي أخذ كفيل بذلك من المدعي وجهان (أشهرهما) - وهو

стр. 4063

ظاهر كلام أحمد - لا، ثم قال ابن البنا وأبو محمد وابن حمدان: إنما يقضي على الغائب في حقوق الآدميين، لا في حقوق الله كالزنا والسرقة، نعم في السرقة يقضي بالمال فقط، وفي حد القذف وجهان، بناء والله أعلم على أن المغلب فيه هل هو حق لله تعالى، أو حق لآدمي، ولم يقيد الخرقي وأبو الخطاب وأبو البركات وغيرهم القضاء بذلك انتهى. وحكم المستتر في البلد والميت، والصبي والمجنون حكم الغائب فيما تقدم - من الحكم على كل واحد منهم إذا ثبت الحق عليه، ومن حلف المدعي إن قيل به، ومن كون المستتر إذا ظهر، والصبي والمجنون إذا حكم برشدهما على حججهم، ومن أخذ كفيل بالمدعي، إنه قيل بذلك - حكم الغائب، إلا أن مقتضى كلام أبي الخطاب والشيخين وغيرهم عدم جريان الخلاف فيهم، وأجراه ابن حمدان في رعايتيه في المستتر. وقول الخرقي: يحكم على الغائب. مفهومه أنه لا يحكم على الحاضر، وهو يشمل الحاضر في البلد والحاضر في مجلس الحكم، ولا نزاع في الثاني، أما الأول فقيل - وهو مقتضى كلام أبي محمد في كتبه، وأحد احتمالي أبي الخطاب -: لا يسمع البينة ولا الدعوى عليه حتى يحضر، كالحاضر مجلس الحكم، وقيل يسمعان، وهو الاحتمال الآخر لأبي الخطاب، وقيل

стр. 4064

يسمعان ولا يحكم عليه حتى يحضر؛ وهو اختيار أبو البركات، وقال: إن أبا طالب نقله عن أحمد، وكأنه أشار إلى رواية أبي طالب في رجل وجد غلامه عند رجل، فأقام البينة أنه غلامه، فقال الذي عنده الغلام: أودعني هذا رجل. فقال أحمد: أهل المدنية يقضون على الغائب، يقولون: إنه لهذا الذي أقام البينة، وهو مذهب حسن، وأهل البصرة يقضون على غائب يسمونه الإعذار، وهو إذا ادعى على رجل ألفا وأقام البينة، فاختفى المدعى عليه يرسل إلى بابه، فينادي الرسول ثلاثا، فإن جاء وإلا قد أعذر إليه، فهذا يقوي قول أهل المدينة، وهو معنى حسن، فلم ينكر أحمد سماع البينة ولا الدعوى، ثم إنه حكى قول أهل المدينة في القضاء على الغائب وأطلق وحسنه، وهو يشمل الغائب في البلد، وحكى قول أهل العراق في القضاء على غائب مختف، وجعله كالشاهد لقول أهل المدينة، فكأنه عنده محل وفاق. ومن هنا والله أعلم قال أبو البركات: إن الحاضر في البلد إذا امتنع من الحضور ألجئ إليه بالشرطة والتنفيذ إلى منزله مرارا، وإقعاد من يضيق عليه ببابه في دخوله وخروجه، أو ما يراه الحاكم من ذلك، فإن أصر على التغيب سمعت البينة وحكم بها عليه قولا واحدا، وتبعه ابن حمدان على ذلك فيما أظن [وفي المقنع أنه إذا امتنع من الحضور هل تسمع البينة ويحكم بها؟

стр. 4065

على روايتين] ، مع أنه قطع بجواز الحكم على الغائب وفيه نظر، وكلام القاضي وكثير من أصحابه محتمل لذلك، فإنهم قالوا واللفظ للقاضي في الجامع: يجوز القضاء على الغائب إذا أقام المدعي البينة بالحق، وكذلك إن كان حاضرا ممتنعا من حضور مجلس الحاكم في إحدى الروايتين، والأخرى لا يجوز، وهذا يحتمل أن يعود إليهما، ويحتمل عوده إلى الامتناع فقط، وعلى كل حال فهو مخالف لقول أبي البركات، والله أعلم. [حكم القسمة وكيفيتها] قال: وإذا أتاه شريكان في ربع أو نحوه فسألاه أن يقسمه بينهما قسمه وأثبت في القضية بذلك أن قسمته إياه بينهما كان عن إقرارهما، لا عن بينة شهدت لهما بملكهما. ش: الأصل في جواز القسمة في الجملة الإجماع، وقد شهد له قسم النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهما، وقسمه الغنائم، وقوله «الشفعة فيما لم يقسم» ثم الحكمة تقتضي ذلك، إذ بالشركاء حاجة إلى ذلك، ليتمكن كل منهم من التصرف، في حقه بما شاء، ويتخلص من سوء المشاركة.

стр. 4066

إذا ثبت ذلك فإذا أتى الحاكم اثنان أو أكثر فادعيا أنهما شريكان في ربع - وهو العقار من الدور ونحوها - أو نحوه، وهو ما عداه من الأموال وسألاه أن يقسمه بينهما، فإنه يقسمه بينهما وإن لم يثبت عنده ملكهما، اعتمادا على ظاهر أيديهما، ولهذا جاز شراؤه واتهابه منهما ونحو ذلك، وإذا قسمه أثبت في كتاب القسمة أن قسمته بينهما بسؤالهما، لا ببينة شهدت لهما، حذارا من أن يكون لغيرهما، وذكر الخرقي العقار لينبه على مذهب النعمان، فإن عنده أن الشريكين إذا نسبوا العقار إلى إرث لا بد وأن يثبت الموت والورثة، بخلاف غيره، والشافعي يعمم الثبوت في الجميع، والله أعلم. قال: ولو سأل أحدهما شريكه مقاسمته فامتنع الآخر أجبره الحاكم على ذلك، إذا ثبت عنده ملكهما، وكان مثله ينقسم، وينتفعان به مقسوما. ش: الأموال على ضربين (أحدهما) ما لا ضرر في قسمته ولا رد عوض، كأرض واسعة، ودكان كبيرة، وقرية وبستان، ومكيل أو موزون من جنس واحد، وإن مسته النار كدبس ونحوه، ومذروع متساوي الأجزاء والقيمة، فلا تنقص قيمته بقطعه ونحو ذلك، فهذا تجب قسمته إذا طلب أحد الشريكين ذلك، لتضمنه جلب مصلحة من تصرف كل واحد منهما في ماله بحسب اختياره، من غراس وبناء وإجارة وغير ذلك وزوال مفسدة، وهي ضرر الشركة، وإن مبنى الشريعة على ذلك.

стр. 4067

واشترط الخرقي مع ذلك أن يثبت عند الحاكم ملكهما، وأقره أبو محمد على ذلك مريدا ببينة، ومعللا بأن الإجبار على القسمة حكم على الممتنع منهما، فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه، وفي هذا نظر، فإنهما إذا أقرا بالملك فينبغي أن يلزما بمقتضى إقرارهما، فيجبر الممتنع منهما على القسمة، كما لو قامت البينة بذلك، وقد أهمل هذا الشرط أبو الخطاب وأبو البركات، وابن حمدان في الصغرى، وألحقه بخطه في الكبرى، ويحتمل أن يكون مراد الخرقي بثبوت الملك ما هو أعم من البينة أو الإقرار، ويحترز عما إذا ادعى أحدهما الشركة وأنكر الآخر، وسكت غيره عن ذلك لوضوحه. (الضرب الثاني) ما في قسمته ضرر أو رد عوض، كدار صغيرة وحمام، أو طاحون كذلك، وأرض لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة، كبئر، أو بناء أو شجر في بعضها ونحو ذلك، وكعبد وسيف، فهذا ونحوه إذا رضي الشريكان بقسمته قسم، لأن الحق لهما لا يعدوهما، وإن امتنع أحدهما لم يجبر. ٣٨٢٢ - أما مع الضرر فلقول النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه، وفي لفظ: «أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرر ولا

стр. 4068

إضرار» . وأما مع رد العوض فلأنه إذًا بيع، والبيع لا إجبار فيه والحال هذه، قال سبحانه ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] لا يقال: وفي عدم القسمة ضرر. لأنا نقول: يندفع ذلك بالبيع عليهما إذا طلب أحدهما ذلك، كما نص عليه أحمد ﵀ في دابة مشتركة بينهما، وعممه غير واحد من الأصحاب في كل ما في قسمته ضرر، ويرشح ذلك أيضا بأن حق الشريك في نصف القيمة، لا قيمة النصف، انتهى. واختلف في الضرر المانع من القسمة (فعنه) - وهو ظاهر كلامه في رواية الميموني - هو أن تنقص القيمة بالقسمة، إذ مثل ذلك يعد ضررا، وإنه منفي شرعا (وعنه) - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد في العمدة - هو ما يتعذر معه انتفاع أحدهما بقسمه مفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة، كدار صغيرة إذا قسمت حصل لكل واحد منهما موضع لا ينتفع به، قال أبو محمد: أو ينتفع به لا على وجه الدارية، بل على وجه المخزنية ونحو ذلك لأن كل واحد منهما دخل على الانتفاع بها

стр. 4069

على وجه الدارية. ففي العدول إلى دون ذلك ضرر، وإنه منفي شرعا (فعلى الأول) إذا نقصت القيمة بالقسمة فلا إجبار، وإن انتفع بها فيما كان ينتفع به قبل (وعلى الثاني) الاعتبار بالنفع وإن لم تنقص القيمة، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل اعتبارهما، قال: كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمتها. (فإن كان الضرر على أحدهما دون الآخر، كرجلين لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثان، يستضر صاحب الثلث بالقسمة، دون صاحب الثلثين (فعنه) - وهو ظاهر رواية حنبل المتقدمة، وبه جزم القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما والشيرازي - لا يجبر واحد منهما، إذ هذه القسمة لا تخلو من ضرر (وعنه) - وإليه ميل الشيخين - إن طلبها صاحب الثلث والحال هذه أجبر الآخر عليه، لأنه رضي بإدخال الضرر على نفسه، ولا ضرر على شريكه، وإن طلبها صاحب الثلثين لم يجبر الآخر، لما فيه من الضرر عليه، وحكي عن القاضي عكس ذلك في الصورتين وفيه بعد، انتهى. (تنبيه) حيث توقفت القسمة على التراضي فهي بيع بلا ريب، وحيث لم تتوقف عليه بل يجبر الممتنع عليها فهي إفراز، على المذهب المشهور المختار لعامة الأصحاب لأنها تنفرد عن البيع باسم وحكم، فلم تكن بيعا كسائر العقود، يحقق ذلك دخول الإجبار فيها مطلقا، وليس لنا نوع من البيع كذلك،

стр. 4070

ووقع في تعاليق أبي حفص العكبري عن شيخه ابن بطة، أنه منع قسمة الثمار التي يجري فيها الربا خرصا وأخذ من هذا أنها عنده بيع، كما أخذ من نص أحمد على جواز الخرص في هذه الصورة أنها إفراز، وذلك لأنه يبذل نصيبه من أحد السهمين، بنصيب صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة المنع. وينبني على الخلاف فوائد (منها) جواز قسمة الثمار التي يجري فيها الربا بالخرص (ومنها) جواز قسمة المكيل وزنا والموزون كيلا (ومنها) التفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض في المبيع (ومنها) إذا حلف لا يبيع فقسم أنه لا يحنث (ومنها) جواز قسمة العقار الموقوف أو بعضه، وعلى قول ابن بطة ينعكس جميع ذلك، ولو كان بعض العقار وقفا، وبعضه طلقا، واحتيج إلى رد عوض، فإنه يتوقف كما تقدم على التراضي، ثم إن كان العوض من صاحب الطلق لم يجز، لأنه يشتري بعض الوقف، وإنه ممتنع، وإن كان من رب الوقف جاز على الأصح، المقطوع به عند أبي محمد، وعلى كلا القولين لا يوجب شفعة، وينفسخ بالعيب، والله أعلم. قال: وإذا قسم طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع

стр. 4071

سهمه عليه، إلا أن يتراضيا فيكون لكل واحد منهم ما رضي به. ش: أي وإذا أريد القسم طرحت السهام، ويصير لكل واحد من الشركاء ما وقع سهمه عليه، إذ القرعة دخلت لقطع التنازع، وبيان المستحق، وقد حصلت فوجب أن يترتب حكمها عليها، فإن تراضيا على أن يأخذ كل واحد سهما بغير قرعة جاز، لأن الحق لهما لا يتجاوزهما، ويكون اللزوم هنا بالتراضي والتفرق كالبيع. وظاهر كلام الخرقي يشمل كل قاسم، ونوعي القسمة، وكذلك تبعه على هذا الإطلاق أبو الخطاب في الهداية، وأبو البركات والشيرازي وابن البنا، وأبو محمد في المقنع، وزاد أبو الخطاب ومن تبعه قولا أنها لا تلزم فيما فيه رد؛ بخروج القرعة إلا بالرضا لأنها إذا بيع بعد القرعة، وعلى مقتضى هذا التعليل جميع قسمة التراضي لا تلزم إلا بالرضا، وفصل أبو محمد في المغني والكافي فقال في قاسم الحاكم في قسمة الإجبار: تلزم القسمة بخروج القرعة، إذ قرعة قاسم الحاكم كحكمه،

стр. 4072

وفي قسمة التراضي وجهان (أحدهما) كالأول لما تقدم (والثاني) لا تلزم إلا بالتراضي، لأنها إذا بيع، وجعل حكم قاسمها حكم قاسم الحاكم إن كان بصفته، وإن كان كافرا، أو غير عارف بالقسمة ونحو ذلك لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما، كما لو قسما بأنفسهما، وتبعه على ذلك ابن حمدان، وعلى هذا التفصيل كلام الخرقي ومن تبعه محمول على قاسم الحاكم. (تنبيه) كيفما أقرع جاز إلا أن الأولى عند الأصحاب أن يكتب اسم كل شريك في رقعة ثم تدرج في بنادق شمع أو طين متساوية، قدرا ووزنا، وتطرح في حجر رجل لم يحضر ذلك، ويقال له: أخرج بندقة على هذا السهم. فمن خرج اسمه كان له، ثم الثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة، واستوت سهامهم، ولو كتب اسم كل سهم في رقعة ثم قال: أخرج بندقة لفلان، وبندقة لفلان، وبندقة لفلان جاز، ولو كانت سهام الثلاثة مختلفة كنصف وثلث وسدس، جزئ المقسوم ستة أجزاء، وأخرج الأسماء على السهام لا غير، فيكتب باسم رب النصف ثلاث رقاع، ولرب الثلث رقعتين، ولرب السدس رقعة، ثم يخرج بندقة على أول سهم، فإن خرج عليه اسم رب النصف أخذه مع الثاني والثالث، وإن خرج اسم رب الثلث أخذه مع الثاني، ثم يقرع بين الآخرين كذلك، والباقي للثالث. والله سبحانه أعلم.

стр. 4073

[كتاب الشهادات] ش: الشهادات جمع شهادة وهي الإخبار عما شوهد أو علم، ويلزم من ذلك اعتقاد ذلك، ومن ثم كذب الله المنافقين في قولهم لرسول الله ﷺ ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] لأن قلوبهم لم تواطئ ألسنتهم، والشهادة يلزم منها ذلك، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وإذا لم يصدق إطلاق نشهد. انتهى ومن ذلك قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي من حضر منكم الشهر، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] أي محيط، فالأول من الحضور، والثاني من الإحاطة بالشيء، وهو أعم من الأول، واشتقاقها قيل: من المشاهدة، لأن الشاهد يخبر عما يشاهده وقيل لأن الشاهد بخبره يجعل الحاكم كالشاهد للمشهود عليه، وتجيء الشهادة بمعنى الخبر. ٣٨٢٣ - ومنه «قول ابن عباس ﵄: شهد عندي رجال

стр. 4074

مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» ، ولا نزاع في مشروعية الشهادة والإشهاد، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . ٣٨٢٤ - وقال النبي ﷺ «ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» رواه مسلم وغيره، في عدة أحاديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم. قال: ولا يقبل في الزنا إلا أربعة.

стр. 4075

ش: هذا إجماع ولله الحمد، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] الآية، وحكم اللواط حكم الزنا، على أنه قد يدخل في اسم الزنا، وكذلك حكم من أتى البهيمة إن قلنا يحد وإن قلنا يعزر فهل يكتفى بشاهدين كبقية التعزيرات، أو لا بد من الأربعة؟ فيه وجهان. (تنبيه) حكم الشهادة على الإقرار بالزنا حكم الشهادة على المقر به وهو الزنا، لا يثبت إلا بأربعة في رواية، وفي أخرى حكم بقية الإقرارات، يثبت بشاهدين والله سبحانه أعلم. [شروط الشاهد] قال: رجال.

стр. 4076

ش: فلا مدخل للنساء في ذلك، وهو قول العامة، اعتمادا على ظاهر الآية، فإن الله سبحانه خاطب الحكام بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] أي والله أعلم من جنسكم وصفتكم، وهم الرجال المسلمون، وإلا لاكتفى بقوله: أربعة ثم الآية الكريمة تقتضي الاجتزاء بأربعة، ومن أجاز شهادة النساء فأقل ما يجزئ عنده خمسة، ثلاثة رجال وامرأتان مقام رجل، وإنه خلاف ظاهر الآية الكريمة، والله أعلم. قال: أحرار. ش: فلا تقبل شهادة العبيد في ذلك، على المشهور من المذهب، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك، والله أعلم. قال: مسلمين. ش: لما تقدم من الآية الكريمة، مع أن أبا محمد قد حكى ذلك إجماعا فقال: أجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين، عدولا ظاهرا وباطنا، وسواء كان المشهود عليه ذميا أو مسلما، ومقتضى هذا اشتراط عدالة الباطن في ذلك بلا خلاف، والله أعلم. [نصاب الشهادة] قال: ولا يقبل فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال أقل من رجلين.

стр. 4077

ش: أي عدا ما تقدم وهو الزنا، وقد شمل هذا أمورا (أحدها) الحدود والقصاص، ولا نزاع عندنا فيما نعلمه أنه لا يقبل في ذلك إلا شهادة رجلين، فلا مدخل للنساء في ذلك وهو قول العامة، لأن شهادة النساء فيها شبهة، لتطرق الخطأ والنسيان إليها، كما شهد له النص في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذلك مما يندرئ بالشبهة، فوجب ألا يقبل فيه ذلك، وقد تقدم الكلام في القصاص في كتاب الجراح، وتقدم فيه رواية أخرى أنه لا يقبل فيه إلا أربعة. (الثاني) من ادعى الفقر ليأخذ من الزكاة لم يقبل منه إلا بثلاثة، نص عليه أحمد في رواية علي بن سعيد. لحديث قبيصة الذي رواه مسلم وغيره قال فيه: «ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة» الحديث، والمذهب عند القاضي الاجتزاء في ذلك بشاهدين كغيره، وهو ظاهر إطلاق الخرقي، اعتمادا على ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ونحوه قال القاضي: وحديث قبيصة في حل المسألة لا في الإعسار (الأمر الثالث) معرفة الموضحة وداء الدابة ونحوهما، يقبل فيه طبيب واحد، وبيطار واحد، إذا لم يوجد غيره، نص عليه أحمد، نظرا للحاجة، ونحو هذا ما نقل عنه في رجل يوصي ولا يحضره

стр. 4078

إلا النساء، قال: أجيز شهادة النساء، وكذلك نقل عنه أنه أجاز شهادة النساء على الجراح، وفي الحمام، وهو حسن. ٣٨٢٥ - ولعل شهادة خزيمة من هذا الباب، وعليه يحمل قول الإمام أحمد: لا يقبل أنه وصي حتى يشهد له رجلان أو رجل عدل. أي والله أعلم إذا لم يوجد غيره.

стр. 4079

وظاهر كلام الخرقي وغيره أنه لا يقبل في جميع ذلك إلا رجلان، وقد صرح بذلك القاضي في الوصية، فقال: المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين. (الرابع) ما عدا ما تقدم وما عدا المال وما يتعلق بالمال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، كالنكاح، والرجعة والولاء، والولاية والنسب، والتوكيل والإيصاء إليه في غير مال، فلا يقبل فيه على المذهب إلا رجلان، كما قال الخرقي، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] خرج منه المال ونحوه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لوروده في سياق المال، ففيما عداه يبقى على مقتضى الأمر، ولا يحسن إلحاق ما تقدم بالمال، إذ المال يسامح فيه، ما لا يسامح في النكاح ونحوه، ويكثر وقوعه بخلاف غيره، ونقل حرب عن أحمد: إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز، فإن كان معهن رجل فهو أهون. فأخذ من ذلك أبو البركات رواية أن النكاح

стр. 4080

يثبت بشاهد وامرأتين، وكذلك الرجعة لأنها في معناه، دون ما تقدم، وأخذ القاضي روايتيه من هذا النص نحوه أن كل ما لا يسقط بالشبهة هل يثبت بشاهدين، أو شاهد ويمين الطالب؟ على روايتين، وحكى عنه أبو محمد أن النكاح وحقوقه من الرجعة، والطلاق والخلع لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة، وما عدا ذلك يخرج على روايتين، وعلى هذا يتلخص في المذهب ثلاث طرائق، واتفقوا على أن المذهب أنه لا يقبل في الجميع إلا رجلان. قال: ولا يقبل في الأموال أقل من رجل وامرأتين أو رجل عدل مع يمين الطالب. ش: وذلك كالقرض والغصب، والديون كلها، وتسمية المهر، ودعوى رق مجهول النسب ونحو ذلك وذلك أما في الرجل والمرأتين فهو ولله الحمد إجماع، وقد شهد له قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. ٣٨٢٦ - وأما في الشاهد واليمين فلما روي عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد» ، رواه أحمد ومسلم، وأبو

стр. 4081

داود، وزاد: في الحقوق. ولأحمد في رواية: إنما كان ذلك في الأموال. ٣٨٢٧ - وعن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد» ، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.

стр. 4082

٣٨٢٨ - ولأحمد من حديث عمارة بن حزم، ومن حديث سعد بن عبادة مثله.

стр. 4083

٣٨٢٩ - أبي داود والترمذي وغيرهما عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، نحوه. ٣٨٣٠ - ولابن ماجه عن سرق ﵁ «أن رسول الله ﷺ أجاز

стр. 4084

شهادة الرجل ويمين الطالب» . وهذه الأحاديث تنتهض لرتبة الاستفاضة، وزيادة أبي داود وأحمد في حديث ابن عباس ﵄ تخرج ذلك عن أن تكون واقعة عين، وهو ظاهر بقية الأحاديث، وإذا يخصص عموم «ولكن اليمين على المدعى عليه» لا سيما وقد دخله التخصيص بدعاوى الأمناء المقبولة، وبالقسامة بالنص، وإذا يضعف على رأيهم، على أن الأصيلي قال: إنه لا يصح رفعه، وإنما هو من قول ابن عباس ﵄، لكن الأجود ثبوت رفعه، لرفع الإمامين البخاري ومسلم له، ولا يعارض ما تقدم الآية الكريمة، إذ ليس فيها تصريح بالحصر، ولذلك يثبت المال بنكول المطلوب منه وبيمين الطالب إجماعا ثم لو سلم ذلك فذلك زيادة

стр. 4085

والزيادة على النص ليست بنسخ، على أنا نقول بموجب الآية الكريمة، إذ موجبها الأمر بمن يستشهد به في المعاملات، لا ما يقضى به عند الدعاوي والخصومات، وهذا واضح لا خفاء به. ٣٨٣١ - ويؤيد ذلك ويرشحه أن هذا يروى عن الخلفاء الراشدين. وعن أبي بن كعب، ومعاوية، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، وأنه كتب به إلى عماله.

стр. 4086

وهو مذهب الفقهاء السبعة، وغيرهم، وكذلك قال مالك، وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة، وقال أحمد: مضت السنة أن يقضى باليمين مع الشاهد الواحد.

стр. 4087

وحكم ما يقصد به المال من البيع والأجل والخيار فيه، والوصية لمعين أو الوقف عليه ونحو ذلك حكم المال، لأنه في معناه، وقد تقدم الخلاف في الجراح في الجناية الموجبة للمال فقط، كجناية الخطأ، هل تثبت بذلك أم لا تثبت إلا برجلين، وأن على القول بالثبوت ففيما إذا كان القود في بعضها كالهاشمة والمنقلة روايتان. (تنبيه) اختلف عن أحمد في العتق، والوكالة في المال، والإيصاء فيه ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه، ودعوى الأسير إسلاما سابقا لمنع رقه، هل يثبت بالشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، لأن ذلك يؤول إلى طلب دعوى مال أو التصرف فيه، أو لا يثبت إلا برجلين، نظرا للحال الراهنة؟ على روايتين. انتهى. وقول الخرقي: ويمين الطالب، يدخل فيه وإن كان كافرا أو امرأة، وهو كذلك نص عليه أحمد، ويشهد له حديث سرق، وظاهر كلامه أنه لا يشترط أن يقول فيها: وأن شاهدي صادق في شهادته، وهو المذهب من القولين، وظاهر الأحاديث، وهل تقوم المرأتان واليمين مقام الرجل واليمين

стр. 4088

لقيامهما مقامه فيما تقدم، أو لا نظرا لظاهر الأحاديث، ولأن شهادة المرأتين ضعيفة تَقَوَّتْ بالرجل، وقد عدم ذلك هنا؟ على قولين، المذهب منهما - وبه قطع أبو محمد في المغني - الثاني؛ والله أعلم. قال: ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الرضاع، والولادة، والحيض والعدة، وما أشبهها شهادة امرأة عدل. ش: ما أشبهها كالحمل، وعيوب النساء تحت الثياب ونحو ذلك. ٣٨٣٢ - وذلك لما روي «عن عقبة بن الحارث ﵁ أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما» فنهاه عنها رواه البخاري وغيره، وفي رواية أخرى «دعها عنك» .

стр. 4089

٣٨٣٣ - وروي عن علي ﵁ أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، رواه أحمد وسعيد. ونص الخرقي على الاكتفاء بامرأة واحدة، وهو إحدى الروايتين، واختيار القاضي وأبي بكر وغيرهما، لما تقدم، (والرواية الثانية) لا يكفي إلا امرأتان، لأن الرجال في غير ذلك أكمل منهن ولا يقبل منهم إلا رجلان، فكذلك النسوة. انتهى، وحكم الرجل في ذلك حكم المرأة، لأنه أكمل منها، وظاهر كلام الخرقي أن ضبط ذلك بما لا يطلع عليه الرجال، وكذا أبو البركات، وخص القاضي ذلك بخمسة أشياء. الولادة، والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب، والعدة، والله أعلم. [حكم الشهادة] قال: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك. ش: ظاهر هذا أن أداء الشهادة (فرض عين) في الجملة، وهو منصوص أحمد، قاله أبو البركات، وقال السامري: إنه ظاهر كلامه، وذلك لقوله : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]

стр. 4090

وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولأنها أمانة، فلزمه أداؤها كبقية الأمانات، ودليل القاعدة قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية وقيل: بل أداؤها (فرض كفاية) ، وهذا ظاهر ما جزم به أبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد في الكافي والمغني، وحكاه ابن المنجا رواية، مستندا للفظ المقنع، فعلى هذا إذا كان المتحمل جماعة فالأداء متعلق بالجميع، فإذا قام به من يكفي منهم سقط عن الباقين، وإذا امتنع الكل أثموا، كسائر فروض الكفايات، وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه، كما لو لم يوجد في القرية إلا مؤذن واحد ونحو ذلك، ولو كان عبدا لم يكن لسيده منعه، من ذلك، كما لا يمنعه من صلاة الفرض فإن دعي بعضهم للفعل مع وجود غيره فهل يتعين عليه ذلك، بحيث يأثم إذا امتنع، نظرا للدعاء، أو لا يأثم، كما لو لم يدع؟ فيه وجهان، حكاهما في المغني، وفي ذلك بحث، فإن أدى شاهد وأبى الآخر، وقال: احلف أنت بدلي. فهل يأثم؟

стр. 4091

فيه وجهان، وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر كما سيأتي بيانه، أما على الأول فيتعين على كل من المتحملين القيام بالشهادة، كما يجب على جميع المكلفين بالصلاة القيام بها، وسواء كان المشهود عليه نسيبا أو غيره، وهو الذي عبر عنه الخرقي بالقريب والبعيد، ولكن تشترط القدرة على أدائها، كما صرح به الخرقي، فلو كان عاجزا عن أدائها لحبس أو مرض ونحو ذلك لم يلزمه، إذ جميع التكاليف ملحوظ فيها القدرة، ولا بد مع ذلك أن لا يلحقه ضرر، فإن كان يلحقه بأدائها ضرر في نفسه أو ماله لم يلزمه، لقول الله سبحانه ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . على أن يكون مبنيا للمفعول. ٣٨٣٤ - كما صرح بذلك ابن عباس ﵄ في قراءته حيث قرأ (ولا يضارر) بالفتح، ولكن يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل. ٣٨٣٥ - وقد صرح بذلك عمر ﵁ فقرأ (ولا يضارر)

стр. 4092

بالكسر، فيخرج من هذا أن النهي إذا للشاهد عما يطلب منه أو عن التحريف والزيادة والنقصان، انتهى، وقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ولأن القاعدة أن الإنسان لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره، ومن ثم قلنا: إذا عجز الشاهد عن المشي فأجرة المركوب والنفقة على رب الشهادة، كما قلنا في نفقة المحرم في الحج ونحوه، أنه على المرأة، وقلنا: إنما يلزمه الأداء إذا كان فيما دون مسافة القصر، إذ مسافة القصر فما زاد يلحق الضرر بالسعي إليه قال ابن حمدان وقيل: أو ما يرجع فيه إلى منزله ليومه، قلت: وإبدال أو هنا ببل أظهر. تنبيهان (أحدهما) الأداء يختص بمجلس الحكم. (الثاني) الخرقي ﵀ لم يتعرض لحكم التحمل، وهو فرض كفاية في الجملة، لأن الحاجة العامة تدعو إليه، فهو كالقضاء ونحوه، ثم هل ذلك مطلقا، وهو ظاهر إطلاق أبي محمد وغيره، ولذلك أورده ابن حمدان مذهبا مطلقا، أو يختص بالمال، وكل حق لآدمي، وبه قطع أبو البركات؟ فيه قولان، وقد تقدم التفريع

стр. 4093

على القول بفرض الكفاية، والله أعلم. قال: وما أدركه من الفعل نظرا أو سمعه تيقنا، وإن لم ير المشهود عليه شهد به. ش: ملخص هذا أن ما عمله الشاهد شهد به، وما لا فلا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . قال علماء التفسير: من شهد بالحق وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان، وجوزوا في الاستثناء الانقطاع، على معنى: لكن من شهد بالحق. والاتصال، لأن من جملة ما يدعون من دون الله الملائكة، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] أي لا تتبع ما لا علم لك به. ٣٨٣٦ - وقد فسره ابن الحنفية بشهادة الزور.

стр. 4094

٣٨٣٧ - وقد روي عن ابن عباس ﵄ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة قال: «ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو دع» رواه الخلال. إذا تقرر هذا فمدرك العلم الذي تحصل به الشهادة الرؤية بالبصر، والسماع بالسمع دون ما عداهما من مدارك العلم، وهو اللمس، والذوق، والشم، وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك حيث قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] فخص سبحانه الثلاثة بالسؤال، لأن العلم بالفؤاد وهو القلب، ومستنده السمع والبصر، انتهى. فالرؤية تختص بالأفعال، كالقتل والغصب،

стр. 4095

والسرقة والزنا، وشرب الخمر، والصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحو ذلك، والسماع ضربان سماع من جهة الاستفاضة وسيأتي وسماع من المشهود عليه، كالإقرار والعقود، والطلاق ونحو ذلك، ولا يعتبر في ذلك عندنا رؤية المشهود عليه، بل المعتبر تيقن صوت المشهود عليه، وقد شهد لذلك جواز رواية الأعمى، ورواية من روى عن أزواج رسول الله ﷺ من غير محارمهن، وقول الخرقي: شهد به. ظاهره اللزوم وهو يرشح أن مذهبه أن الأداء فرض عين، ثم كلامه يشمل وإن كان المشهود عليه غائبا، وهو كذلك إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه، فإن لم يعرفه إلا بعينه لم يشهد عليه إلا بحضرته، نص عليه في رواية مهنا، وسأله عن رجل يشهد لرجل بحق له على رجل، وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا، إلا أنه يشهد له فقال: إذا قال: أشهد أن لهذا على هذا، وهما شاهدان جميعا فلا بأس، وإذا كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه. انتهى. وظاهر كلام أحمد الاكتفاء بمعرفة الاسم، وقد يقال إذا حصل به التمييز فلا حاجة إلى معرفة النسب والله أعلم.

стр. 4096

قال: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة. ش: هذا أحد ضربي السماع، وهو ما يحصل من جهة الاستفاضة، والشهادة بها إجماع في الجملة، إذ يتعذر العلم غالبا بدونها، فلو وقفت الشهادة على الرؤية، أو السماع من المشهود عليه، لامتنعت الشهادة على كثير من الأشياء، وفي ذلك ضياع لكثير من الحقوق، وإنه لمناف لأصل وضع الشهادة، وفيه ضرر عظيم، وإنه منفي شرعا، قال مالك ﵀: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع إذا ثبت ذلك في الجملة فمحل ذلك اختلف العلماء فيه، بعد أن حصل إجماعهم - على ما قال أبو محمد - ولله الحمد على الصورتين اللتين ذكرهما الخرقي، فخص ذلك القاضي في الجامع وأظن وفي الخلاف الكبير، وأتباعه كالشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وابن البنا في سبعة أشياء الملك المطلق، والوقف، والنكاح، والعتق، والولاء، والنسب والموت، وكأنهم أدخلوا الولادة في النسب لما تقدم من الإجماع، قال ابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وابن البنا: وما عدا ذلك فلا بد من سماعه من المشهود عليه، وحكى أبو محمد عن الأصحاب أنهم زادوا

стр. 4097

على ذلك مصرف الوقف، والولاية والعزل، ونحوه في الكافي، ومقتضى كلامه في المقنع عدم حصر ذلك، بل ضبطه بما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك، ومثل له بما في المغني، وزاد الخلع تبعا للهداية، ثم قال: وما أشبه ذلك. وزاد عليه أبو البركات الطلاق، وقال فيه وفي الخلع: نص عليه. وكلامه محتمل للحصر وعدمه. إذا تقرر هذا فمن شرط الشهادة بالاستفاضة على ظاهر كلام الخرقي والإمام أن يستفيض ذلك، بحيث يسمعه من عدد يقع له العلم بخبرهم، لما تقدم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقوله ﵇ على مثلها فاشهد أو دع ونحو ذلك، وقال القاضي في المجرد: يكفي أن يسمع من عدلين فصاعدا، ويسكن قلبه إلى خبرهما، لأن الحقوق تثبت باثنين، قال أبو البركات: والأصح أنه متى وثق بمن أخبره، وسكنت نفسه له فليشهد، وإلا فلا، ومقتضى هذا ولو أنه واحد، والله أعلم. [اشتراط العقل والإسلام والعدالة والبلوغ في الشاهد] قال: ومن لم يكن من الرجال والنساء عاقلا مسلما بالغا عدلا، لم تجز شهادته. ش: يشترط للشاهد - سواء كان رجلا أو امرأة - شروط (أحدها) العقل فلا تقبل شهادة منه ليس بعاقل إجماعا قاله ابن

стр. 4098

المنذر، وسواء كان عدم عقله بجنون أو سكر، أو طفولية أو غير ذلك، إذ هؤلاء لا تحصل الثقة بهم، ولا يحصل لهم علم بما يشهدون به، فمعنى الشهادة منتف فيهم (الثاني) الإسلام، وهو - والله أعلم - إجماع في الجملة، لقول الله سبحانه ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والكافر ليس بذي عدل، ولا هو من رجالنا، ولا هو ممن نرضاه، ثم من العلماء من عمم ذلك في كل شيء، ومنهم من استثنى صورة أو صورتين، ومذهبنا استثناء صورة بلا نزاع، وهي الوصية في السفر كما سيأتي، واختلف عن إمامنا في صورة ثانية وهي شهادة بعضهم على بعض، والمشهور عنه رواية الجماعة - قيل رواه عنه نحو عشرين نفسا - عدم القبول فلا استثناء لما تقدم.

стр. 4099

٣٨٣٨ - ولأن النبي ﷺ قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة» رواه أهل السنن وهم أخون الخونة، ونقل عنه حنبل: تقبل شهادة بعضهم على بعض، كما يلي بعضهم على بعض.

стр. 4100

٣٨٣٩ - ولما يروى «عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض» ، رواه ابن ماجه، وقد رد هذا لضعفه، والأول بأن مناط الولاية القرابة والشفقة، وذلك موجود فيهم، على أنا نمنع ذلك على وجه عندنا، وأجاز ذلك البرمكي في صورة خاصة للحاجة، وهي شهادة السبي بعضهم لبعض في النسب، إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه، ولا نزاع عند الأصحاب أن المذهب الأول، وإنما اختلفوا في إثبات الخلاف، فابن حامد والقاضي وأصحابه على إثباته، والخلال خطأ حنبلا في ذلك ولم يثبته رواية، بناء على قاعدته في أن ما انفرد به حنبل عن الرواة لا يحكى رواية، وكذلك خطأه صاحبه عبد العزيز، وقال: إنه غلط لا شك فيه، ومال أبو محمد إلى قولهما، وقال: الظاهر الغلط. وبالجملة على هذا القول تعتبر عدالته في دينه، مع بقية شروط الشهادة، وهل يعتبر اتحاد الملة؟ فيه وجهان.
следующие страницы →