← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

قال: وما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلبه شهد به، كالشهادة على النسب والولادة. ش: هذا أحد ضربي السماع، وهو ما يحصل من جهة الاستفاضة، والشهادة بها إجماع في الجملة، إذ يتعذر العلم غالبا بدونها، فلو وقفت الشهادة على الرؤية، أو السماع من المشهود عليه، لامتنعت الشهادة على كثير من الأشياء، وفي ذلك ضياع لكثير من الحقوق، وإنه لمناف لأصل وضع الشهادة، وفيه ضرر عظيم، وإنه منفي شرعا، قال مالك ﵀: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع إذا ثبت ذلك في الجملة فمحل ذلك اختلف العلماء فيه، بعد أن حصل إجماعهم - على ما قال أبو محمد - ولله الحمد على الصورتين اللتين ذكرهما الخرقي، فخص ذلك القاضي في الجامع وأظن وفي الخلاف الكبير، وأتباعه كالشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وابن البنا في سبعة أشياء الملك المطلق، والوقف، والنكاح، والعتق، والولاء، والنسب والموت، وكأنهم أدخلوا الولادة في النسب لما تقدم من الإجماع، قال ابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وابن البنا: وما عدا ذلك فلا بد من سماعه من المشهود عليه، وحكى أبو محمد عن الأصحاب أنهم زادوا

стр. 4097

على ذلك مصرف الوقف، والولاية والعزل، ونحوه في الكافي، ومقتضى كلامه في المقنع عدم حصر ذلك، بل ضبطه بما يتعذر علمه في الغالب إلا بذلك، ومثل له بما في المغني، وزاد الخلع تبعا للهداية، ثم قال: وما أشبه ذلك. وزاد عليه أبو البركات الطلاق، وقال فيه وفي الخلع: نص عليه. وكلامه محتمل للحصر وعدمه. إذا تقرر هذا فمن شرط الشهادة بالاستفاضة على ظاهر كلام الخرقي والإمام أن يستفيض ذلك، بحيث يسمعه من عدد يقع له العلم بخبرهم، لما تقدم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقوله ﵇ على مثلها فاشهد أو دع ونحو ذلك، وقال القاضي في المجرد: يكفي أن يسمع من عدلين فصاعدا، ويسكن قلبه إلى خبرهما، لأن الحقوق تثبت باثنين، قال أبو البركات: والأصح أنه متى وثق بمن أخبره، وسكنت نفسه له فليشهد، وإلا فلا، ومقتضى هذا ولو أنه واحد، والله أعلم. [اشتراط العقل والإسلام والعدالة والبلوغ في الشاهد] قال: ومن لم يكن من الرجال والنساء عاقلا مسلما بالغا عدلا، لم تجز شهادته. ش: يشترط للشاهد - سواء كان رجلا أو امرأة - شروط (أحدها) العقل فلا تقبل شهادة منه ليس بعاقل إجماعا قاله ابن

стр. 4098

المنذر، وسواء كان عدم عقله بجنون أو سكر، أو طفولية أو غير ذلك، إذ هؤلاء لا تحصل الثقة بهم، ولا يحصل لهم علم بما يشهدون به، فمعنى الشهادة منتف فيهم (الثاني) الإسلام، وهو - والله أعلم - إجماع في الجملة، لقول الله سبحانه ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والكافر ليس بذي عدل، ولا هو من رجالنا، ولا هو ممن نرضاه، ثم من العلماء من عمم ذلك في كل شيء، ومنهم من استثنى صورة أو صورتين، ومذهبنا استثناء صورة بلا نزاع، وهي الوصية في السفر كما سيأتي، واختلف عن إمامنا في صورة ثانية وهي شهادة بعضهم على بعض، والمشهور عنه رواية الجماعة - قيل رواه عنه نحو عشرين نفسا - عدم القبول فلا استثناء لما تقدم.

стр. 4099

٣٨٣٨ - ولأن النبي ﷺ قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة» رواه أهل السنن وهم أخون الخونة، ونقل عنه حنبل: تقبل شهادة بعضهم على بعض، كما يلي بعضهم على بعض.

стр. 4100

٣٨٣٩ - ولما يروى «عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض» ، رواه ابن ماجه، وقد رد هذا لضعفه، والأول بأن مناط الولاية القرابة والشفقة، وذلك موجود فيهم، على أنا نمنع ذلك على وجه عندنا، وأجاز ذلك البرمكي في صورة خاصة للحاجة، وهي شهادة السبي بعضهم لبعض في النسب، إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه، ولا نزاع عند الأصحاب أن المذهب الأول، وإنما اختلفوا في إثبات الخلاف، فابن حامد والقاضي وأصحابه على إثباته، والخلال خطأ حنبلا في ذلك ولم يثبته رواية، بناء على قاعدته في أن ما انفرد به حنبل عن الرواة لا يحكى رواية، وكذلك خطأه صاحبه عبد العزيز، وقال: إنه غلط لا شك فيه، ومال أبو محمد إلى قولهما، وقال: الظاهر الغلط. وبالجملة على هذا القول تعتبر عدالته في دينه، مع بقية شروط الشهادة، وهل يعتبر اتحاد الملة؟ فيه وجهان.

стр. 4101

(تنبيه) الحاكون لهذه الرواية يقولون فيما رأيت: (وعنه) تقبل شهادة بعضهم على بعض. ومقتضاه أن شهادة بعضهم لبعض لا تقبل بلا نزاع (الشرط الثالث) البلوغ على المشهور من الروايات، والمختار للأصحاب، متقدميهم ومتأخريهم، لظاهر قوله سبحانه ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبي ليس من الرجال، وقوله سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبي لا يرضى لعدم الثقة بقوله، إذ لا وازع له عن الكذب، وأيضا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والصبي لا يتعلق به مأثم، ولا ينهى نهي تأثيم، فدل على أنه لا مدخل له في الشهادة، ولأن من لا يقبل قوله على نفسه لا يقبل قوله على غيره كالمجنون (والرواية الثانية) يقبل ممن هو في حال أهل العدالة، لإمكان الضبط منه، ولهذا صح تحمله فأشبه البالغ، ثم إن ابن حامد على هذه الرواية استثنى الحدود والقصاص، فلم يقبل شهادته فيها احتياطا لذلك، وهل يكتفى بالعقل على هذه الرواية، وهو مقتضى نص أحمد في رواية حنبل، وقول القاضي في روايتيه،

стр. 4102

وأبي البركات أو لا بد من بلوغ عشر سنين، وهو ظاهر منصوصه، في رواية ابن إبراهيم، وقول أبي محمد في المغني والكافي؟ على قولين (والرواية الثالثة) لا يقبل إلا في الجراح. ٣٨٤٠ - لأن ذلك يروى عن علي ﵁ ولأن الحاجة داعية إلى ذلك، فأشبه شهادة النساء على الولادة، قال الشريف وأبو الخطاب: قال شيخنا: إذا جاءوا قبل أن يتفرقوا. أي عن الحالة التي تجارحوا عليها، فإن جاءوا بعد أن تفرقوا لم تقبل شهادتهم، لاحتمال أن يلقنوا، وظاهر كلام الشيخين أن هذا القيد من تمام الرواية، وقال القاضي في الجامع: أو يشهد على شهادتهم قبل أن يتفرقوا، وزاد ابن عقيل في التذكرة فيما إذا

стр. 4103

وجد الجراح في الصحراء (الشرط الرابع) العدالة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال سبحانه: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أو (فتثبتوا) فأمر سبحانه بالتبين أو التثبت عند مجيء الفاسق. ٣٨٤١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» رواه أحمد وأبو داود.

стр. 4104

وكان أبو عبيد لا يراه خص بالخائن والخائنة أمانات الناس، بل جميع ما فرض الله تعالى على العباد القيام به، وهو حسن، ويؤيده قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية ولأن الثقة لا تحصل بقوله، لارتكابه محظور الدين، والكذب من جملته. ٣٨٤٢ - وما أحسن ما يروى عن عمر ﵁ أنه قال: لا يؤسر رجل بغير العدول. ويتفرع على هذا عدم قبول شهادة

стр. 4105

الفاسق، ثم هو على قسمين (فاسق من جهة الأفعال) وهو من ارتكب كبيرة كالزنا، أو شرب الخمر، أو قتل النفس التي حرم الله تعالى بغير الحق، أو الغيبة، أو النميمة، أو ترك الصلاة ونحو ذلك، أو أدمن على صغيرة، كنظرة محرمة، وسب بغير الزنا ونحو ذلك. (وفاسق من جهة الاعتقاد) وهو الذي يعتقد البدعة، كمن يذهب مذهب الرافضة الذين يسبون الصحابة، ويزعمون في علي ﵁ أنه الأحق بالخلافة من أبي بكر الصديق ﵁، ونحو ذلك، أو مذهب الجهمية القائلين بنفي غالب الصفات، ومن جملة ذلك الاستواء اللائق بذاته ، أو مذهب المشبهة

стр. 4106

المشبهين الله تعالى بخلقه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وخرج أبو الخطاب رواية بقبول شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد، إذ لم يتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه، كالخطابية الذين يشهد بعضهم لبعض بتصديقه، من رواية قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، إذ لهم وازع عن الكذب، قال أبو محمد: وروي عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية، فكذلك الشهادة قلت: وهذا لعله لتخريج أبي الخطاب، ومن الفساق من فعل شيئا من الفروع المختلف فيها معتقدا للتحريم، كحنبلي أو شافعي نكح امرأة بغير ولي، أو شرب من النبيذ ما لم يسكره، ونحو ذلك على المذهب المنصوص، ولأبي الخطاب احتمال بقبول شهادته، لوقوع الخلاف في ذلك، أما من فعل من الفروع ما يعتقد إباحته،

стр. 4107

كحنفي شرب من النبيذ ما لا يسكره، أو تزوج بلا ولي، وشافعي أخر الحج الواجب مع إمكانه، أو نكح نكاح تحليل ونحو ذلك، فهل يفسق وترد شهادته، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله في الحج، واختيار أبي بكر والشيرازي، أو لا يفسق، ولا ترد شهادته، وهو منصوصه في رواية صالح في شارب النبيذ، واختيار القاضي والشيخين؟ على قولين، ولعل مبناهما على أن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد. تنبيهات (أحدها) الكبيرة على نص أحمد ما فيها حد في الدنيا، كشرب الخمر، والزنا والسرقة، أو وعيد في الأخرى كاليمين الفاجرة، وأكل الربا، والغيبة، على الأشهر ونحو ذلك. (الثاني) بقي على الخرقي من شروط من تقبل شهادته شرطان (أحدهما) الحفظ، فلا تقبل شهادة مغفل، ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان وسيأتي (الثاني) النطق، فلا تقبل شهادة

стр. 4108

الأخرس، على المنصوص المجزوم به عند الأكثرين، وإن فهمت إشارته، لأن الشهادة يعتبر فيها التحقيق والتيقن، والإشارة فيها نوع احتمال، وقيل: - وأومأ إليه أحمد -: إنها تقبل من المفهوم إشارته، كما يصح لعانه إذا قلنا إنه شهادة ونحو ذلك، ويحتمل هذا كلام الخرقي، وتوقف الإمام فيما إذا أداها بخطه، وقال أبو بكر: لا تقبل، وهو (أحد احتمالي) القاضي، مفرقا بينهما وبين الطلاق ونحوه، بأن الطلاق له كناية فضعف، فلهذا وقع فيه بالكناية، والشهادة ليس لها إلا صريح، فقويت فلم تدخلها الكناية، (والاحتمال الثاني) - وهو اختيار أبي البركات - تقبل، إذ الكناية عندنا بمنزلة الصريح على أصح الروايتين وأشهرهما، ولذلك صح نكاح القادر على النطق بها على المذهب (الثالث) قد يقال: إن ظاهر كلام الخرقي قبول شهادة البدوي على من هو من أهل القرية كالعكس، وهذا اختيار أبي الخطاب في الهداية، وإليه ميل أبي محمد، لدخوله في العمومات، والذي قطع به القاضي في الجامع، وأظن وفي التعليق، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم عدم القبول. ٣٨٤٣ - لما روى أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ : يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» رواه أبو داود وابن

стр. 4109

ماجه، وعلل ذلك أبو عبيد بما فيه من الجفاء في حقوق الله تعالى، والله أعلم. [تعريف العدالة] قال: والعدل من لم تظهر منه ريبة. ش: من هنا أخذ القاضي وغيره أن مذهب الخرقي قبول مستور الحال، لعدم ظهور الريبة منه، وليس بالبين، لما تقدم له من أنه إذا شهد عنده من لم يعرف حاله سأل عنه، فدل على أن كلامه هنا فيمن عرف حاله. إذا تقرر هذا فالعدل هو الذي تعتدل أحواله وأقواله، وأصله في اللغة الاستقامة، والاعتدال ضد الاعوجاج، والريبة التهمة، فمتى ظهرت منه تهمة لم يعتدل، لكن قد يقال: إن ظاهر هذا أن مجرد التهمة ولو بصغيرة تخرجه عن العدالة، والمشهور خلاف هذا، وأن العدالة يعتبر لها شيئان (أحدهما) الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض - كالصلاة، والزكاة ونحو ذلك،

стр. 4110

وقد نص أحمد على رد شهادة من لم يؤد الزكاة - واجتناب المحارم، وقد ضبط ذلك بأنه لا يرتكب كبيرة - وقد تقدم تفسيرها، لأن الله سبحانه نهى أن تقبل شهادة القاذف، فيقاس على ذلك كل من ارتكب كبيرة، وقد نص أحمد على رد شهادة آكل الربا، والعاق وقاطع الرحم، ومن أخرج أسطوانة أو كنيفا في طريق المسلمين، وكذلك من ورث ذلك حتى يرد ما أخذ من الطريق - ولا يدمن على صغيرة، كإدمان نظرة محرمة ونحو ذلك، وقد اختلف عن أحمد في رد الشهادة بالكذبة الواحدة، ولعل ذلك للتردد في أنها هل هي صغيرة أو كبيرة. ٣٨٤٤ - واستدل أحمد للمنع بأن «النبي ﷺ رد شهادة رجل في كذبة» وجعل ابن حمدان الروايتين في الكذب، وأورد ذلك مذهبا، وفيه نظر، ولا يمنع مجرد وجود الصغيرة، لقول الله سبحانه ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قيل:

стр. 4111

المراد الصغائر (الشيء الثاني) المروءة، وهي اجتناب الأمور الدنيئة، التي تزري به كالأكل في السوق، كأن ينصب مائدة ويأكل عليها، ولا يضر أكل الشيء اليسير كالكسرة، ونحوها أو كأن يكشف ما جرت العادة بتغطيته من يديه، أو يمد رجليه في مجمع الناس، أو يتمسخر بما يضحك الناس به، أو يخاطب امرأته أو سريته بحضرة الناس بالخطاب الفاحش، أو يحدث الناس بمباضعته لهما، ونحو ذلك من الأفعال الدنيئة التي يجتنبها ذوو المروءات، وإنما اعتبر ذلك في الشهادة وإن لم يكن حراما، لأن مرتكبه لا تحصل الثقة بقوله، لأن من فعل ذلك لا يمتنع غالبا من الكذب ونحوه، ومن ثم قلنا: من داوم على ترك السنن الراتبة ردت شهادته لا لارتكابه محرما، بل لأن من هذه حاله لا يؤمن أن يترك شيئا من الفرائض. ٣٨٤٥ - وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» أي من لم يستح

стр. 4112

صنع ما شاء، واختلف في الصنائع الدنيئة هل مرتكبها مخل بالمروءة كالزبال، والحجام، والحائك، والحارس ونحوهم، على وجهين المشهور منهما لا، لكن لا يقبل مستور الحال منهم وإن قبل من غيرهم، وهذا المكان يحتاج إلى بسط لا يليق بهذا المختصر، والله أعلم. [شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر] قال: وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر، إذا لم يكن غيرهم. ش: الأصل في ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية وهذا ظاهر في ذلك. ٣٨٤٦ - ثم قد زاده إيضاحا بحيث صيره نصا ما روي «عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة، مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم

стр. 4113

الداري، وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما. وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] » رواه البخاري وأبو داود فقد وافق قضاء الرسول ﷺ الآية الكريمة، ثم إن الصحابة ﵃ قضوا بذلك، فدل على بقاء الحكم بعد وفاته. ٣٨٤٧ - «فعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، ولم يجد أحدا من المسلمين، يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر

стр. 4114

لم يكن بعد أن كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا، ولا بد لا ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته، وأمضى شهادتهما» . رواه أبو داود. ٣٨٤٨ - وعن ابن مسعود ﵁ أنه قضى بذلك في زمان عثمان ﵁ رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، وقد تبين بمجموع هذا (رد قول من زعم) أن المراد ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي من غير عشيرتكم، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة الحضور، كما في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ويكون المعنى فليحضر اثنان، أي يوصي إليهما في هذه الحالة، تأكيدا أو نحو ذلك، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة اليمين، كما في آية

стр. 4115

اللعان أيضا، وأبعد من هذه الأقوال (من زعم) نسخ الآية [الكريمة، إذ لا دليل على ذلك، مع أن السلف عملت عليه، ومن ثم أخذ أكثر السلف بظاهر الآية] قال ابن المنذر: به قال أكابر الماضين. والظاهر أن الأئمة لو بلغتهم الأحاديث لأكدت عندهم ظاهرا الآية، ولم يعدلوا عنها، قال أحمد: أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى، من أن يعرفونه؟ إذا تقرر هذا (فشرط الخرقي) لشهادة الكفار والحال ما تقدم أن يكونوا من أهل الكتاب، وهو المشهور من الروايتين، لأن الأحاديث التي وردت في ذلك إنما وردت في أهل الكتاب، ولا يحسن إلحاق غيرهم بهم (والرواية الثانية) لا يشترط ذلك، تمسكا بإطلاق الآية الكريمة، ونظرا لحال العذر، وقيل (يشترط) مع كونهم من أهل الكتاب أن يكون لهم ذمة وليس بشيء، (ويشترط) أيضا أن لا يوجد غيرهم، وهو كذلك كما في الأحاديث، وكما أومأت إليه الآية الكريمة (ويشترط) أيضا أن يحضر الموصي الموت، كما في الآية والأحاديث، وعموم كلامه يشمل الوصية من المسلم والكافر وهو كذلك.

стр. 4116

إذا تقرر هذا فيحلف الحاكم الشاهدين من الكفار، إذا شهدا في الوصية كما تقدم، بعد العصر: ما خانا ولا كذبا ولا حرفا، وإنها لوصية الرجل. وهل ذلك على سبيل الوجوب - وهو الأشهر - أو الاستحباب؟ على وجهين، ثم إن اطلع على أنهما استوجبا إثما لخيانتهما وأيمانهما الكاذبة، قام رجلان من أولياء الموصي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، ويقضي لهم اقتداء بالآية الكريمة والله أعلم. قال: ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك. ش: قد تقدم ذلك عن قرب، والخلاف في شهادة بعضهم على بعض، فلا حاجة إلى إعادته. [موانع قبول الشهادة] قال: ولا تقبل شهادة خصم. ش: لما فرغ الخرقي من شروط الشهادات، شرع يتكلم في موانعها وقوله: خصم. (يحتمل) : أن يريد به العدو، وهو الظاهر، فلا تقبل شهادة القاذف على من قذفه، أو من قطع عليه الطريق على القاطع، ونحو ذلك، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» والقانع الذي ينفق عليه أهل

стр. 4117

البيت، رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والغمر الحقد، ولأن العداوة تورث تهمة شديدة، فمنعت الشهادة كالقرابة القريبة، ولا ترد قبول شهادة الكفار في الوصية، لأن الشارع استثنى ذلك للحاجة الداعية إليه، وأبو محمد أجاب بأن العداوة ثم دينية، والدين يمنع شهادة الزور، ومقتضى تعليله قبول شهادة الكفار مطلقا، ويرد عليه أن البدعي لا تقبل شهادته على السني، بخلاف العكس، وإن كانت العداوة دينية تمنع شهادة الزور. ويحتمل أن يريد كل خصم فيدخل فيه من خاصم في حق، كالوكيل أو الوصي، لا تقبل شهادته فيما هو وكيل أو وصي فيه، وكالشريك أو المضارب، لا تقبل شهادته فيما هو شريك أو مضارب فيه، وذلك لأنه يشهد لنفسه فأشبه المالك. واعلم أن إطلاق الخرقي غير مراد، إذ شهادة العدو تقبل لعدوه، لانتفاء التهمة، إنما الممتنع شهادته عليه، وكذلك شهادة الوكيل أو الوصي تقبل في غير ما هو وصي أو وكيل فيه، وكذلك الشريك والمضارب تقبل شهادتهم في غير مال الشركة والمضاربة.

стр. 4118

تنبيهان (أحدهما) شرط العداوة أن تكون ظاهرة، وأن تكون لغير الله، كذا قيده ابن حمدان (الثاني) لو كان القذف في حال الشهادة، كمن شهد على رجل بحق، وقذفه المشهود عليه، لم ترد شهادته بذلك، لئلا يتخذ ذلك وسيلة في إبطال الشهادات والحقوق، والله أعلم. قال: ولا جار إلى نفسه نفعا. ش: أي نفعا بشهادته، كشهادة الغرماء للمفلس المحجور عليه، أو للميت بمال، لأن حقوقهم تتعلق بذلك لو ثبت، وخرج قبل الحجر لأن الحق متعلق بالذمة، لا يقال: تتوجه المطالبة إذا لأنا نقول: المطالبة لليسار، مع أن ابن حمدان اختار في الكبرى الرد والحال هذه، لأن توجه المطالبة تهمة تصلح لرد الشهادة. انتهى. ومن ذلك شهادة أحد الشريكين بعفو الآخر عن شفعته، وشهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة، أو لمكاتبه، والأجير لمستأجره فيما استأجر فيه نص عليه، والوارث لمورثه بجرح قبل الاندمال، ونحو ذلك، لما في ذلك كله من التهمة المانعة من قبول الشهادة. ٣٨٤٩ - وقد روي عن الزهري قال: مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، والظنين المتهم.

стр. 4119

٣٨٥٠ - «وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: قضى رسول الله ﷺ أن لا شهادة لخصم ولا ظنين» . والاعتبار بالوارث حال الموت، كما في الوصية، وفي شهادة الوارث لمورثه في مرضه بدين وجهان، والقبول قطع به أبو محمد، وفرق بينه وبين ما تقدم، لأن منع الشهادة للجرح كان لاحتمال إفضائه إلى الموت، فتجب الدية للوارث الشاهد ابتداء، فيكون شاهدا لنفسه، وهنا الحق إنما يجب للمشهود له ثم يجوز أن ينتقل، ويجوز أن لا ينتقل، قلت: وعلى هذا الفرق ينبغي أن يخرج في الشهادة بالجرح خلاف، بناء على أن الشهادة هل تجب للمجروح ابتداء أو للورثة، انتهى. ثم على القول بالقبول متى حكم بها لم يتغير الحكم بالموت بعده، والله أعلم.

стр. 4120

قال: ولا دافع عنها. ش: أي دافع عن نفسه ضررا، كأن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود، أو العاقلة بجرح شهود قتل غير العمد، لأنهم يدفعون بذلك الدية عن أنفسهم، وقيل: إن كان الشاهد منهم فقيرا أو بعيدا قبلت شهادته، لانتفاء التهمة في الحال الراهنة، وكذلك شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق، أو الإبراء منه ونحو ذلك، لما في ذلك من التهمة المخلة بالثقة من الشاهد، والله أعلم. قال: ولا تجوز شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة. ش: قد تقدم أن هذا أحد شروط الشهادة، لأن من كان كذلك لا تحصل الثقة بقوله، ولهذا لم تقبل روايته، قال ابن حمدان: إلا في أمر جلي مع بحث الحاكم عنه. انتهى. وتقييده بكثرة الغلط يحترز عن قليله، إذ أحد لا يسلم من ذلك، وإنما تتفاوت مراتب الناس فيه، ولا شك أن كثرة غلطه تخل بغلبة ظن صدقه ومقتضى قول الخرقي وغيره أنه لو تساوى حاله أو تقارب قبل قوله، وكلام أبي محمد في المغني يحتمل خلاف هذا، لأنه قال: ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة، والله أعلم.

стр. 4121

قال: وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت. ش: لعموم: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونحو ذلك، وكما في روايته وفي شهادته بالاستفاضة، مع أنه لا بد أن يسمعها من عدلين، ولا بد من معرفتهما، ليعرف عدالتهما، ودعوى عدم تيقن الصوت ممنوع، إذ قد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت صحبته له، فيعرف صوته يقينا. ٣٨٥١ - ولهذا قال قتادة: للسمع قيافة كقيافة البصر. وقد أشعر كلام الخرقي أنه لا تجوز شهادة الأعمى على الأفعال، وهو كذلك، لعدم آلة ذلك منه، نعم لو تحمل الشهادة على ذلك قبل العمى جاز أن يشهد به بعده، إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه، وكذلك إن لم يعرفه بذلك، بل تيقن صوته، قاله في المغني فإن لم يعرفه إلا بعينه فوصفه فهل تقبل لقيام الصفة مقام المشاهدة، وهو قول القاضي، أو لا تقبل لعدم ضبط ذلك غالبا؟ فيه وجهان، ولعل لهما التفاتا إلى القولين في السلم

стр. 4122

في الحيوان وقد تقدم، والله أعلم. قال: ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل. ش: وسواء في ذلك ولد البنين، وولد البنات، لما في ذلك من التهمة المانعة كما تقدم ولأن بينهما بعضية، فكأنه شهد لنفسه. ٣٨٥٢ - قال: ﷺ «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها» ولأنه إذا شهد له في المال ونحوه كأنه شهد لنفسه، لأن ماله كماله، بدليل قوله ﵇ «أنت ومالك لأبيك» (وفي المذهب) رواية أخرى بالقبول، قال الجمهور: فيما لا يجر به نفعا غالبا، نحو أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح، أو قذف، قال القاضي وأصحابه، وأبو محمد في المغني: أو مال، وهو مستغن عنه، لانتفاء التهمة غالبا، وأطلق القبول في الكافي، فإن ثبت الإطلاق فمستنده العمومات، ولا ريب أن المذهب على كل حال الأول.

стр. 4123

قال: ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا. ش: الخلاف في شهادة الولد لهما كالخلاف في شهادتهما له، والمذهب هنا كالمذهب ثم، إلا أن التهمة في شهادة الولد للوالد أخف من العكس، فلهذا (عن أحمد رواية ثالثة) تقبل شهادة الولد لهما، ولا تقبل شهادتهما له، وعللها بأن مال الابن لأبيه، بخلاف مال الأب، فإنه لا يضاف إلى ابنه، وقول الخرقي: ولا تجوز شهادة الوالدين إلى آخره، مقتضاه أن شهادة أحدهما على صاحبه تقبل، وهو المذهب بلا ريب، حتى إن أبا البركات جزم بذلك، إذ شهادته له إنما ردت للتهمة، ولا تهمة في شهادته عليه، وقد قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فأمر سبحانه بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما كان في الشهادة عليهم فائدة، وحكى القاضي في المجرد رواية أخرى - وقال في الروايتين: نقلها مهنا - لا تقبل كما في الشهادة له، جعلا له كالفاسق. تنبيه: الولد هنا والوالد المراد بهما من النسب، لا من الرضاع والزنا، والله أعلم. قال: ولا السيد لعبده. ش: لأن العبد له، فشهادته له شهادة لنفسه في الحقيقة.

стр. 4124

قال: ولا العبد لسيده. ش: لأنه متهم، وقد دخل في كلامه المكاتب لا تجوز شهادته لسيده، لأنه عبد له. قال: ولا الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها. ش: هذا هو المذهب المشهور، المجزوم به عند الأكثرين، لتبسط كل منهما في مال الآخر عادة، فأشبه الولد مع الوالد وبالعكس، ولهذا أضيف مال أحدهما إلى الآخر، قال ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقال ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فأضاف البيوت إليهن تارة، وإلى النبي ﷺ أخرى، (وعن أحمد) ﵀ رواية أخرى: تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، تمسكا بالعمومات، وقد خرج من كلام الخرقي شهادة أحدهما على صاحبه، فتقبل بلا خلاف، وهو أمثل الطريقتين، والطريقة الثانية في ذلك الخلاف أيضا، والله أعلم. قال: وشهادة الأخ لأخيه جائزة. ش: للعمومات، ولا يصح إلحاقه بالوالد والولد،

стр. 4125

لضعف التهمة في حقه أو انتفائها، وقد علم من كلام الخرقي قبول شهادة كل قريب ما عدا الوالدين والمولودين بطريق الأولى، وكذلك الأجنبي، وإن كان صديقا ملاطفا، على الأشهر المقطوع به عند الشيخين وغيرهما. قال: وتجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود. ش: مذهبنا قبول شهادة العبد في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص، لأنه منا ومن رجالنا، وممن نرضاه، ومن ذوي العدل، فدخل في الآيات الكريمات، وكما في روايته وفتياه، وأخباره الدينية. ٣٨٥٣ - وفي الصحيح «عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كيف وقد زعمت» وفي رواية: فنهاه عنها، وفي رواية «دعها عنك» ودعوى أنه لا مروءة له ممنوع، بل هو كالحر، ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له، وقد كان كثير من سلف هذه الأمة وعلمائها وصالحيها موالي، ولم يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تحدث علما ولا

стр. 4126

دينا، واختلف في الحدود والقصاص (فعنه) تقبل فيهما أيضا، وهو اختيار القاضي يعقوب، وإليه ميل ابن عقيل في التذكرة، فإنه قال: لي عن أحمد منع في الحدود، وذلك لما تقدم من العمومات (وعنه) لا تقبل، لما في شهادته من الخلاف، إذ كثير من الفقهاء أو أكثرهم لا يقبلها، وذلك شبهة، والحدود والقصاص تندرئ بالشبهة، وقيل: يقبل في القصاص، لأنه حق لآدمي، مبني على الشح والضيق، لا الحدود، لأنها حق لله تعالى، وحقوق الله سبحانه مبنية على المساهلة والمسامحة، وهو ظاهر كلام الخرقي. قال: وتجوز شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء. ش: أي الأحرار، لدخولها في ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، مع حديث عقبة المتقدم. (تنبيه) حكم المكاتب والمدبر، وأم الولد حكم القن في ذلك، وكذلك المعتق بعضه، قاله أبو محمد في المغني، ولا معنى لقول ابن حمدان في الكبرى: قلت: وكذا المعتق بعضه.

стр. 4127

قال: وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره. ش: لعموم الآيات، ولأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا، فيقبل في الزنا كغيره. قال: وإذا تاب القاذف قبلت شهادته. ٣٨٥٤ - ش: لعموم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . ٣٨٥٥ - «التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله» أي يقطع ما

стр. 4128

قبله، وإذا يصير كمن لم يقذف، ولأنه تائب من ذنبه، فقبلت شهادته كالتائب من الزنا، أو قتل النفس، بل أولى، لأنها أعظم من القذف، وأما قوله : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فمعناه إن لم يتوبوا، بدليل آخر الآية، بناء عندنا على أن الاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها، ما لم يمنع منه مانع، وبيان ذلك له موضع آخر. ٣٨٥٦ - ويدل عليه هنا ما يروى عن عمر ﵁ أنه كان يقول لأبي بكرة ﵁ حين شهد على المغيرة به شعبة ﵁: لست أقبل شهادتك. ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا.

стр. 4129

٣٨٥٧ - قال: سعيد بن المسيب: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، ونكل زياد، فجلد عمر ﵁ الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم. فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته، وكان قد عاد مثل النصل من العبادة. ٣٨٥٨ - وما رواه ابن ماجه بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام» فقال ابن عبد البر: لم يرفعه من روايته حجة. ثم يدل على ضعفه قبول شهادة كل محدود تائب في غير القذف، انتهى. واللام في القاذف للعهد، أي القاذف بالزنا، ويحتمل أنها للجنس، فيدخل فيه القذف

стр. 4130

بالشتم ونحوه، وهو أمشى على ما قال أبو محمد، فإنه أي القاذف بالشتم ترد شهادته وروايته، وهذا يدل على أن القذف بالشتم ونحوه عنده كبيرة، وإلا كان اعتبر تكرر ذلك، وإطلاق الخرقي يقتضي: وإن لم يجلد، وهو كذلك عندنا، لأن الله سبحانه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء، الجلد، وانتفاء الشهادة، والفسق، فيتبين بمجرد الرمي. (تنبيه) إذا جاء القاذف مجيء الشاهد كما في قصة الذين شهدوا على المغيرة، فإن شهادته ترد دون روايته، بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة ﵄، مع أنه مقبول الرواية بلا تردد، بخلاف من قصد الشتم والقذف، فإن شهادته وخبره وفتياه لا يقبلن حتى يتوب. قال: وتوبته بأن يكذب نفسه. ش: هذا هو المشهور من المذهب، جزم به القاضي في الجامع الصغير، وأظن وفي التعليق الكبير، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة وغيرهم. ٣٨٥٩ - لأنه يروى عن عمر ﵁ «عن النبي ﷺ أنه قال في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥]

стр. 4131

قال: «توبته إكذاب نفسه» » . وهذا نص إن ثبت، ولأن عرض المقذوف تلوث بالقذف، والإكذاب يزيل ذلك التلوث، فيصير كأن لم يوجد قذف وهو المقصود، وفرق القاضي أظنه في المجرد، وزعم أنه المذهب، فقال إن كان قذفه بالسب والشتم فكما تقدم، وإن كان بالشهادة فتوبته أن يقول: القذف حرام باطل، ولن أعود إلى ما قلت. حذارا من أن يكون صادقا، فلا يؤمر بالكذب، ونحو هذا قال السامري، ولفظه: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه. قال: ولا يقول: ولا أعود إلى ما كان مني. لما فيه من منع الشهادة، واختار أبو محمد في المغني أنه إن لم يعلم صدق نفسه فكالأول، وإن علم صدقه فتوبته الاستغفار والإقرار ببطلان ما قاله، وتحريمه، وأنه لا يعود إلى مثله، وعلله بأنه قد يكون كاذبا في الشهادة، صادقا في السب، ونحو هذا جزم به في

стр. 4132

الكافي، وفيه نظر، فإن الكذب مخالفة الواقع، والصادق لم يخالف الواقع، فكيف يقر ببطلان ما قاله، ثم كيف يكون كاذبا في الشهادة، مع أنه صادق فيما لفظ به، نعم الشرع منعه من الشهادة حيث لم يكمل النصاب ونحو ذلك، فإن قيل: إن الله سبحانه جعله عنده - أي في حكمه - كاذبا مطلقا، قلنا: فإذا يتوجه إطلاق الخرقي والأكثرين، ويكون تكذيبه نفسه راجعا لما في حكم الله سبحانه، وحكى في المقنع قولا ظاهره أنه رابع أنه إن علم صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمت على ما قلت، ولا أعود إلى مثله، وأنا تائب إلى الله تعالى منه. وهو حسن. وظاهر كلام الخرقي أنه لا يعتبر مع توبة القاذف إصلاح العمل، وجزم به كثير من الأصحاب، وظاهر كلام أبي محمد في المقنع - وتبعه ابن حمدان - أن فيه الخلاف الآتي، ومقتضى ما في المغني نفي الخلاف من القاذف بلفظ الشهادة، أما غير القاذف فهل يكتفى بمجرد توبته، أو لا بد من إصلاح عمله سنة؟ فيه روايتان مشهورتان، المشهور منهما الأول، ولأبي محمد في الكافي احتمال أنه يعتبر مضي مدة نعلم

стр. 4133

توبته فيها، من غير توقيت، والقاضي يجعل محل الخلاف في غير المبتدع، أما المبتدع فيعتبر له مضي سنة، وهو مقتضى كلام السامري. (تنبيه) : هل من إصلاحه مجانبة من كان يواليه في ذلك أم لا؟ على روايتين. والله أعلم. قال: ومن شهد وهو عدل بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه لم تقبل منه في حال عدالته. ش: هذا هو المذهب المعروف، المجزوم به عند الأكثرين، لأنه يتهم بأدائها، لما لحقه بردها من الغضاضة والمعيرة، فيحتمل أنه أظهر العدالة ليزول عنه ما حصل له من ذلك، ولا يرد ما إذا ردت لكفره أو صغره، أو جنونه أو رقه، أو حرابته ثم أعيدت بعد زوال ذلك، فإنها تقبل على الأصح، لانتفاء التهمة في ذلك غالبا أو قطعا، وأيضا الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد، وكذلك العدالة، وإذا نقول شهادة مردودة بالاجتهاد، فلا تقبل بالاجتهاد، حذارا من نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ومن ثم قيل - وصححه أبو

стр. 4134

البركات، وقال أبو محمد في الكافي: إنه الأولى - فيما إذا ردت لتهمة رحم، أو زوجية، أو عداوة، أو جلب نفع، أو دفع ضرر، ثم زال ذلك: إنها لا تقبل لذلك، وقيل - وقال في المغني: إنه الأشبه بالصحة - يقبل نظرا للتعليل الأول، إذ لا عار على الشاهد في الرد بذلك، بخلاف الرد بالفسق، والله أعلم. قال: وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت منه. ش: إذ العدالة - وكذلك البلوغ والإسلام والحرية - إنما تعتبر حال الأداء، لأنه حال ترتب الحكم، بخلاف ما قبل ذلك، ولذلك قبلت رواية من كان صبيا في زمن النبي ﷺ ، كابن عباس، والنعمان بن بشير، وغيرهما ﵃ من صبيان الصحابة، وقد أجمع الناس على إحضار الصبيان مجالس السماع، وفائدته ذلك، والله أعلم. قال: ومن شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها.

стр. 4135

ش: لأن حدوث ذلك يورث تهمة حال الشهادة، لأن كثيرا من الناس يستر الفسق، ويظهر العدالة، وخرج ما إذا شهد ثم خرس أو عمي، أو صم أو جن أو مات، فإن ذلك لا يمنع الحكم، لأن ذلك لا يورث تهمة، لأنه لا يحتمل أنه كان موجودا حال الشهادة. [حكم الشهادة على الشهادة] قال: وشهادة العدل على شهادة العدل جائزة في كل شيء إلا في الحدود، إذا كان الشاهد الأول ميتا أو غائبا. ش: الشهادة على الشهادة جائزة في الجملة بالإجماع، قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال، وللحاجة الداعية إلى ذلك، إذ قد يتأخر إثبات الوقوف ونحوها عند الحاكم، ثم يموت شهود ذلك، فلو لم تقبل لأفضى ذلك إلى ضرر كثير، وإنه منفي شرعا، ومحل قبولها الأموال بلا ريب، للإجماع والمعنى المتقدمين، لا الحدود بلا نزاع عندنا، لانتفاء المعنى المتقدم وهو الحاجة، إذ الستر فيه أولى، ولأن الحدود تندرئ بالشبهة، والشهادة على الشهادة فيها نوع شبهة، لتطرق السهو والغفلة والكذب إلى كلا الفريقين، شاهدي الأصل، وشاهدي الفرع، واختلف عن إمامنا فيما عدا ذلك (فعنه) -
следующие страницы →