← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21744

فتح القدير للكمال بن الهمام - ط الحلبي

الكمال بن الهمام

Полный текст (3 611 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً)؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ. (وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ يُتِمُّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ)؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ. (وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اسْتَقْبَلَ) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَاكَ فِي الْعَجْزِ الْمُتَيَقَّنِ امْتِدَادُهُ إلَى الْمَوْتِ. وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا صَحَّ الْمَرِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا فِيمَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ، كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا أَفْطَرَا فِي رَمَضَانَ وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ تَعْلِيلَ الْأَصْحَابِ فِي الْأُصُولِ وَسَيَأْتِي لِلْمَجْنُونِ يُفِيقُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، وَلَوْ سَاعَةً يَلْزَمُهُ قَضَاءُ كُلِّ الشَّهْرِ، وَكَذَا الَّذِي جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَقْضِي وَفِيمَا دُونَهَا يَقْضِي، انْقَدَحَ فِي ذِهْنِهِ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْمَرِيضِ إلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِيصَاءُ بِهِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ، وَسُقُوطُهُ إنْ زَادَ. ثُمَّ رَأَيْت عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنْ كَانَتْ الْفَوَائِتُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَجَبَ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَرَ) أَيْ الْمَرِيضُ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَنْ كَانَ مَرَضُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْهُ) الْمَنْفِيُّ اللُّزُومُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ أَوْمَأَ قَائِمًا جَازَ، إلَّا أَنَّ الْإِيمَاءَ قَاعِدًا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السُّجُودِ. وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ: يُومِئُ لِلرُّكُوعِ قَائِمًا وَلِلسُّجُودِ قَاعِدًا، ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ رُكْنِيَّةُ الْقِيَامِ لَيْسَ إلَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى السُّجُودِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا بِقَوْلِهِ: لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ التَّعْظِيمِ: أَيْ السَّجْدَةُ عَلَى وَجْهِ الِانْحِطَاطِ مِنْ الْقِيَامِ فِيهَا نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَكَانَ طَلَبُ الْقِيَامِ لِتَحْقِيقِهِ، فَإِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا وَجَبَ لَهُ. وَقَدْ يَمْنَعُ أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ لِهَذَا عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ بَلْ لَهُ وَلِمَا فِيهِ نَفْسِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ كَمَا يُشَاهَدُ فِي الشَّاهِدِ مِنْ اعْتِبَارِهِ كَذَلِكَ حَتَّى يُحِبَّهُ أَهْلُ التَّجَبُّرِ لِذَلِكَ، فَإِذَا فَاتَ أَحَدُ التَّعْظِيمَيْنِ صَارَ مَطْلُوبًا بِمَا فِيهِ نَفْسِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الدَّعْوَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا الْقِيَامِ وَجَبَ الْقُعُودُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّجُودِ عَقِيبَهُ تِلْكَ النِّهَايَةُ لِعَدَمِ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِالْقِيَامِ. (قَوْلُهُ: أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ) هُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ. وَفِي النَّوَادِرِ: إذَا صَارَ إلَى الْإِيمَاءِ بَعْدَمَا افْتَتَحَ قَادِرًا عَلَيْهِمَا فَسَدَتْ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لَهُمَا. قُلْنَا لَا بَلْ لِلْمَقْدُورِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إذْ ذَاكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَلَزِمَا فَإِذَا صَارَ الْمَقْدُورُ الْإِيمَاءَ لَزِمَ، وَأَدَاءُ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِهِمَا أَوْلَى مِنْ أَدَاءِ كُلِّهَا بِالْإِيمَاءِ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ)

стр. 527

وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، فَكَذَا الْبِنَاءُ (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الِاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ. وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا فَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ (وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) أَعْنِي الثَّلَاثَةَ، أَمَّا زُفَرُ فَيُجِيزُ بِنَاءً عَلَى إجَازَتِهِ اقْتِدَاءَ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، وَلَوْ كَانَ يُومِئُ مُضْطَجِعًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْقُعُودِ أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ. وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: لَوْ افْتَتَحَهَا بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْإِيمَاءِ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَمَا أَوْمَأَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ثُمَّ قَدَرَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ) وَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُكْرَهَ الْقُعُودُ، وَيُكْرَهَ الِاتِّكَاءُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ إسَاءَةَ أَدَبٍ دُونَ الْقُعُودِ إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يُعَدُّ إسَاءَةً، وَلِذَا كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ. صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ الِاتِّكَاءَ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقُعُودُ لَا يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. [فُرُوعٌ] رَجُلٌ بِحَلْقِهِ خُرَّاجٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ وَيَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِإِيمَاءٍ، وَكَذَا لَوْ

стр. 528

(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِعِلَّةٍ. وَلَهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ. كَانَ بِحَالٍ لَوْ سَجَدَ سَالَ جُرْحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَا يَسِيلُ لِمَا قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْمَعْذُورِ، فَإِنْ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ قَعَدَ وَأَوْمَأَ لِلسُّجُودِ جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ صَلَّى قَائِمًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا قَدَرَ عَلَيْهَا صَلَّى قَاعِدًا. مَرِيضٌ مَجْرُوحٌ تَحْتَهُ ثِيَابٌ نَجِسَةٌ وَهُوَ بِحَالٍ كُلَّمَا بُسِطَ تَحْتَهُ شَيْءٌ تَنَجَّسَ مِنْ سَاعَتِهِ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لَا يَتَنَجَّسُ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ مَرَضُهُ أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِتَحْرِيكِهِ بِأَنْ نَزَعَ الْمَاءَ مِنْ عَيْنِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. (قَوْلُهُ: وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ) فِي الِاخْتِيَارِ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ) هِيَ السَّائِرَةُ. (قَوْلُهُ: وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ ثُمَّ أَطْلَقَ فِي كَوْنِ الْمَرْبُوطَةِ كَالشَّطِّ وَهُوَ مُقَيِّدٌ بِالْمَرْبُوطَةِ بِالشَّطِّ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَرْبُوطَةً فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ فَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ الرِّيحُ يُحَرِّكُهَا شَدِيدًا فَهِيَ

стр. 529

(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀، بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالْقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ. مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ كَالسَّائِرَةِ، وَإِلَّا فَكَالْوَاقِفَةِ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالنِّهَايَةِ وَالِاخْتِيَارِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْمَرْبُوطَةِ فِي الشَّطِّ مُطْلَقًا. وَفِي الْإِيضَاحِ: فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً فِي الشَّطِّ، وَهِيَ عَلَى قَرَارِ الْأَرْضِ فَصَلَّى قَائِمًا جَازَ؛ لِأَنَّهَا إذَا اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَرْضِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً وَيُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فَهِيَ كَالدَّابَّةِ. انْتَهَى. بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَقَرَّتْ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ كَالسَّرِيرِ. (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ وَقْتَ صَلَاةٍ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ، وَاسْتَدَلَّا بِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهَا سَأَلَتْهُ ﵊ عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَقَالَ: لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ فَيُفِيقَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا» وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، فَفِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَيْلِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ: أَحَادِيثُهُ مَوْضُوعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ وَكَذَّبَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: تَرَكُوهُ. ثُمَّ بَقِيَّةُ السَّنَدِ إلَى الْحَكَمِ هَذَا مُظْلِمٌ كُلُّهُ. وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَتَوَسَّطَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَإِلَّا وَجَبَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا زَادَ عَلَى الدَّوْرَةِ سَاعَةٌ سَقَطَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلٌ سَقَطَ، وَإِلَّا لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ تَخْرِيجًا عَلَى مَا مَرَّ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ، وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَالَ هُنَاكَ بِقَوْلِهِمَا فَكُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُطَالَبٌ بِالْفَرْقِ إلَّا أَنَّهُمَا يُجِيبَانِ هُنَا بِالتَّمَسُّكِ بِالْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ

стр. 530

عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃. عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، قَالَ: يَقْضِي، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ شَهْرًا فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ. وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَفَاقَ فَلَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ وَاسْتَقْبَلَ. وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ عَنْهُ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِ، وَفِي بَعْضِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فَقَالَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَقْضِ، فَقَدْ رَأَيْت مَا هُنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشَيْءٌ مِنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزِّيَادَةِ السَّاعَاتُ إلَّا مَا يَتَخَايَلُ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكُلٌّ مِنْ رِوَايَتَيْ الشَّهْرِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يَصْلُحُ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ الْأَكْثَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ خَاصًّا مِنْ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ وَلَا عُمُومَ فِيهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى كَوْنِ الْأَكْثَرِيَّةِ بِالسَّاعَةِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ كَوْنِهَا وَقْتًا. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَلَمْ تُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَالْمَذْكُورُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا عَنْ عَمَّارٍ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَأَفَاقَ نِصْفَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُنَّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَيْسَ هَذَا بِثَابِتٍ عَنْ عَمَّارٍ، وَلَوْ ثَبَتَ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ بِأَنَّهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يَعْجِزُ بِهِ صَاحِبُ الْعَقْلِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً فَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ، بَلْ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْقُدْرَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّأْخِيرَ لَا سُقُوطَ أَصْلِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُ لِفَائِدَةِ الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ بِلَا حَرَجٍ وَلَمْ يَقَعْ بِالْإِغْمَاءِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الْجُنُونِ الْيَأْسُ عَنْ الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا إذَا امْتَدَّ امْتِدَادًا يُوقِعُ إلْزَامَ الْقَضَاءِ مَعَهُ فِي الْحَرَجِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ بِهِ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ لِظُهُورِ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ الْمُسْتَتْبِعَةِ لَهُ. هَذَا تَقْرِيرُ الْأُصُولِ وَسَيَرِدُ عَلَيْك بِأَوْفَى مِنْ هَذَا فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْقِيَاسُ السُّقُوطُ مُطْلَقًا، وَالْقِيَاسُ عَدَمُهُ مُطْلَقًا؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الْقِيَاسِ الَّذِي يُقَابِلُونَهُ بِالِاسْتِحْسَانِ هُوَ الْوَجْهُ الْمُتَبَادَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَجْهِ الْخَفِيِّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 531

بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ قَالَ (سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، والم تَنْزِيل وَص، وَحُمَّ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَإِلَّا فَالِاسْتِحْسَانُ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَبَادَرُ فَالْأَوَّلُ عِنْدَ تَجْرِيدِ النَّظَرِ إلَى زَوَالِ فَهْمِ الْخِطَابِ الثَّانِي عِنْدَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتْبَعُ تَعَلُّقَهُ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَالْخَفِيُّ هُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَخْرَجِ وَعَدَمِهِ. (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) (قَوْلُهُ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) الِاتِّفَاقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ فِي الْحَجِّ ثِنْتَيْنِ وَلَا سُجُودَ فِي ص وَنَحْنُ نُثْبِتُ سَجْدَةً فِي ص وَسَجْدَةً فِي الْحَجِّ. لَهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد «خَطَبَنَا ﵊ يَوْمًا فَقَرَأَ ص، فَلَمَّا مَرَّ بِالسُّجُودِ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ، وَقَرَأَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَّا لِلسُّجُودِ، فَلَمَّا رَآنَا قَالَ: إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ أَرَاكُمْ قَدْ اسْتَعْدَدْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا» وَتَشَزَّنَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ زَايٍ ثُمَّ نُونٍ مَعْنَاهُ تَهَيَّأَ، وَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ فِي ص وَقَالَ سَجَدَهَا نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُد تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا». قُلْنَا: غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي حَقِّ دَاوُد وَالسَّبَبَ فِي حَقِّنَا، وَكَوْنُهُ الشُّكْرَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَكُلُّ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ إنَّمَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِتَوَالِي النِّعَمِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 532

وَاقْرَأْ. كَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ فِي قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ مُخَرِّجُ مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ: كَتَبَ إلَيَّ صَالِحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي ص»، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ «رَأَيْتُ رُؤْيَا وَأَنَا أَكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّجْدَةَ رَأَيْتُ الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ يَحْضُرُنِي انْقَلَبَ سَاجِدًا، قَالَ: فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا» فَأَفَادَ أَنَّ الْأَمْرَ صَارَ إلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ لَا يَعْزِمُ عَلَيْهَا، فَظَهَرَ أَنَّ مَا رَوَاهُ إنْ تَمَّتْ دَلَالَتُهُ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ. (قَوْلُهُ: وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا)؛ لِأَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالْأَمْرِ بِالرُّكُوعِ، وَالْمَعْهُودُ فِي مِثْلِهِ مِنْ الْقُرْآنِ كَوْنُهُ مِنْ أَوَامِرِ مَا هُوَ رُكْنُ الصَّلَاةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ نَحْوَ ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ كَأَنَّهُ لِأَجْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْهُ ﵊ «فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ» وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا وَلَا يَصِحُّ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا نُقِمَ اخْتِلَاطُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَجْهُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَيْنٍ بِنُونَيْنِ وَمِيمٍ مَضْمُومَةٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي الْمُفَصَّلِ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ» وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ مُنَيْنٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَذَلِكَ لِجَهَالَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ. (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِ عُمَرَ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ) وَجْهُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ السُّجُودُ عِنْدَ يَعْبُدُونَ لَا يَضُرُّهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْآيَةِ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ لَا يَسْأَمُونَ لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ قَبْلُ مُجْزِئًا، وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ فَغَرِيبٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ

стр. 533

وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِقَوْلِهِ ﵊ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَعَلَى مَنْ تَلَاهَا» ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ فِي حم السَّجْدَةَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ وَزَادَ فِي لَفْظٍ، وَأَنَّهُ رَأَى رَجُلًا سَجَدَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ عَجِلْتَ. (قَوْلُهُ: وَالسَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ) يَعْنِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَوْ هِيَ أَوْ بَدَلِهَا فَإِنَّهُ لَوْ تَلَاهَا رَاكِبًا كَانَ الْوَاجِبُ الْإِيمَاءَ لَهَا لِمَا سَنَذْكُرُ؛ وَلِأَنَّ الْمَتْلُوَّةَ فِي الصَّلَاةِ الْتَحَقَتْ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ يَكُونُ سُجُودُهَا بِالْإِيمَاءِ، وَحَدِيثُ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» رَفْعُهُ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا " وَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، وَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ، وَهَذَا الْمُعَلَّقُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُثْمَانَ مَرَّ بِقَاصٍّ فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِيمَانِ يَرْفَعُهُ «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ». وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَكِيمَ إذَا حَكَى عَنْ غَيْرِ الْحَكِيمِ كَلَامًا وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِالْإِنْكَارِ كَانَ دَلِيلَ صِحَّتِهِ، فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّ آيَ السَّجْدَةِ تُفِيدُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ فِيهِ الْأَمْرُ الصَّرِيحُ بِهِ. وَقِسْمٌ تَضَمَّنَ حِكَايَةَ اسْتِنْكَافِ الْكَفَرَةِ حَيْثُ أُمِرُوا بِهِ. وَقِسْمٌ فِيهِ حِكَايَةُ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ السُّجُودَ. وَكُلٌّ مِنْ الِامْتِثَالِ وَالِاقْتِدَاءِ وَمُخَالَفَةِ الْكَفَرَةِ وَاجِبٌ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فِي مُعَيَّنٍ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا فِيهِ ظَنِّيَّةٌ فَكَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ لَا الْفَرْضَ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مُقَيَّدٌ بِالتِّلَاوَةِ لَا مُطْلَقًا فَلَزِمَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ بِالْإِيمَاءِ إذَا تَلَاهَا رَاكِبًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي التِّلَاوَةِ رَاكِبًا مَشْرُوعٌ كَالشَّرْعِ فِي التَّطَوُّعِ رَاكِبًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا سَبَبَا لُزُومِ السَّجْدَةِ، فَكَمَا أَوْجَبَ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا السُّجُودَ بِالْإِيمَاءِ أَوْجَبَهَا التِّلَاوَةُ كَذَلِكَ. وَإِنَّمَا أُدِّيَتْ فِي ضِمْنِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ وَالرُّكُوعِ لِمَا نَذْكُرُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتْلُوَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِمَ السَّامِعُ أَوْ لَا إذَا أُخْبِرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً، وَعِنْدَهُمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلَوْ قَرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا تَجِبُ بِكِتَابَةٍ وَلَا عَلَى أَصَمَّ أَوَّلًا بِقِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ هِجَاءً، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ» لَا يُفِيدُ نَفْيَ الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ فِي الْمُفَصَّلِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ ﵁، إذْ هُوَ وَاقِعَةُ حَالِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِلْقِرَاءَةِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ عَلَى التَّعْيِينِ مَحْمَلُ حَدِيثِ عُمَرَ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ " أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ ". وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِمَالِكٍ

стр. 534

وَهِيَ كَلِمَةُ إيجَابٍ وَهُوَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ (وَإِذَا تَلَا الْإِمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ سَجَدَهَا وَسَجَدَهَا الْمَأْمُومُ مَعَهُ) لِالْتِزَامِهِ مُتَابَعَتَهُ (وَإِذَا تَلَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ وَلَا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا إذَا فَرَغُوا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ، وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ وَضْعِ الْإِمَامَةِ مِمَّا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سَجْدَةٌ، وَمَا أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ «أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَجَدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ: الْأَعْرَافُ وَالرَّعْدُ، وَالنَّحْلُ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمُ وَالْحَجُّ، وَالْفُرْقَانُ، وَالنَّمْلُ، وَالسَّجْدَةُ، وَصِّ وَسَجْدَةُ الْحَوَامِيمِ» فَالثَّانِي ضَعِيفٌ بِعُثْمَانَ بْنِ فَائِدٍ، وَلَوْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ السَّجْدَةِ فِي الْمُفَصَّلِ، بَلْ إنَّ الْإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَيْسَ فِي هَذَا نِزَاعٌ، وَلَوْ صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ كَانَ مَعَ مَا قَبْلَهُ مُعَارَضًا بِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُهَا لَمْ أَسْجُدْ، لَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ». وَأَخْرَجُوا إلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك» وَهَذَا أَقْوَى مِمَّا قَبْلَهُ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السُّنَّةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَلَوْ تَعَارَضَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِيجَابِ. وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ أَفَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ سُجُودٍ وَهِيَ رُتْبَةُ الْوَاجِبِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ كَلِمَةُ إيجَابٍ) يَعْنِي: لَفْظَ ﴿عَلَى﴾ مِنْ صِيَغِ الْإِلْزَامِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ النَّصُّ الْمُوجِبُ لِلسَّجْدَةِ بِالسَّمَاعِ غَيْرُ مُقَيِّدٍ السَّمَاعَ بِالْقَصْدِ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ مَعَ الْقَاصِّ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ وَهُوَ تَقَيُّدُهُ بِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: لِالْتِزَامِهِ مُتَابَعَتَهُ) عَلَّلَ بِالْتِزَامِ الْمُتَابَعَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِيمَا إذَا تَلَا فِي السِّرِّيَّةِ أَمَّا إذَا تَلَا فِي الْجَهْرِيَّةِ حَتَّى سَمِعَ الْمُقْتَدِي فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إذْ السَّمَاعُ مُوجِبٌ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ) إنْ سَجَدَ الْمَأْمُومُ وَتَابَعَهُ الْإِمَامُ أَوْ التِّلَاوَةِ إنْ سَجَدَ الْإِمَامُ وَتَابَعَهُ التَّالِي الْمَأْمُومُ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ التِّلَاوَةِ أَنْ يَسْجُدَ التَّالِي وَيُتَابِعَهُ السَّامِعُ، وَلِذَا قَالَ ﷺ لِلتَّالِي الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ «كُنْتَ إمَامَنَا لَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا» وَلِذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ التَّالِي وَيَصُفَّ الْقَوْمُ خَلْفَهُ

стр. 535

أَوْ التِّلَاوَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَتَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ لَا حُكْمَ لَهُ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا عَنْ الْقِرَاءَةِ مَنْهِيَّانِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ فَيَسْجُدُونَ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: وَتَصَرُّفُ الْمَحْجُورِ إلَخْ) أَثَرُ الْحَجْرِ عَدَمُ اعْتِبَارِ فِعْلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَأَثَرُ النَّهْيِ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ لَا تَرْكُ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقًا لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ، فَالْمَحْجُورُ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفُذُ فِعْلُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ شَاءَ أَوْ أَبَى كَمَا لَوْ فَعَلَهُ هُوَ فِي حَالِ أَهْلِيَّتِهِ. وَالْمَأْمُومُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْقِرَاءَةُ حَتَّى نَفَذَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَصَارَتْ قِرَاءَةً لَهُ كَتَصَرُّفِ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ كَأَنَّهُ تَصَرُّفُهُ فَكَانَ مَحْجُورًا فَلَا تُعْتَبَرُ قِرَاءَةً لَهُ وَكَانَتْ كَعَدَمِهَا، بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَإِنَّهُمَا مَنْهِيَّانِ فَكَانَتْ مَمْنُوعَةً؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا بِعَدَمِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي السِّرِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْسَنُ قِرَاءَةُ الْمُؤْتَمِّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الِاحْتِيَاطُ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بَلْ مُجَوَّزٍ لَهُ التَّرْكُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ: أَعْنِي اسْتِحْسَانَ الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ، وَالْحَقُّ عَنْهُ خِلَافُهُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا الْوُجُوبَ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا بِتِلَاوَتِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا مِنْ غَيْرِ حَائِضٍ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ السَّبَبِ لِلصَّلَاةِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّهَا، وَالسَّجْدَةُ جُزْءُ الصَّلَاةِ لَا بِقَيْدِ الْجُزْئِيَّةِ، بَلْ نَظَرًا إلَى ذَاتِهَا اُعْتُبِرَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً، فَلَا فَرْقَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِسَبَبِهَا كَمَا لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بِسَبَبِهَا. فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَلَا قَضَاؤُهَا كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ بِالتِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ سُجُودٌ، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ مِنْهُمْ إذَا كَانَ أَهْلًا، لَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالسَّمَاعِ مِنْ مَجْنُونٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ طَيْرٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ سَمَاعُ تِلَاوَةٍ صَحِيحَةٍ، وَصِحَّةُ التِّلَاوَةِ بِالتَّمْيِيزِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ التَّفْصِيلَ فِي الصَّبِيِّ فَلْيَكُنْ هُوَ الْمُعْتَبَرَ إنْ كَانَ لَهُ تَمْيِيزٌ وَجَبَ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَفِي الْخُلَاصَةِ: إذَا سَمِعَهَا مِنْ طَيْرٍ لَا تَجِبُ هُوَ الْمُخْتَارُ

стр. 536

بِتِلَاوَتِهَا كَمَا لَا يَجِبُ بِسَمَاعِهَا؛ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ. (وَلَوْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ سَجَدَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ (وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَجْدَةً مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ هَذِهِ السَّجْدَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (وَسَجَدُوهَا بَعْدَهَا) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا (وَلَوْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِمْ)؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ. قَالَ (وَأَعَادُوهَا) لِتَقَرُّرِ سَبَبِهَا (وَلَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السَّجْدَةِ لَا يُنَافِي إحْرَامَ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّهَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَمِنْ نَائِمٍ الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجِبُ، وَإِنْ سَمِعَهَا مِنْ الصَّدَى لَا تَجِبُ، فَأَفَادَ الْخِلَافَ فِي الْأَوَّلَيْنِ. وَالتَّصْحِيحُ (قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ لَا يَسْجُدُهَا عَلَى قَوْلِهِمَا لِلْحَجْرِ بَلْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَاسْتَضْعَفَ بَعْضُهُمْ تَعْلِيلَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَجْرِ عَنْ الْقِرَاءَةِ إذْ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَى السَّامِعِ مِنْ الْمُقْتَدِي خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَعْدُوهُمْ يَدْفَعُ هَذَا الِاسْتِضْعَافَ. (قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ) فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَسْتَتْبِعَ فِعْلًا فِي الصَّلَاةِ فَتَكُونُ السَّجْدَةُ حِينَئِذٍ زِيَادَةً مِنْهَا عَنْهَا فَتَكُونُ نَاقِصَةً فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا مَا وَجَبَ كَامِلًا، ثُمَّ صَوَابُ النِّسْبَةِ فِيهِ صَلَوِيَّةٌ بِرَدِّ أَلِفِهِ وَاوًا وَحَذْفِ التَّاءِ، وَإِذَا كَانُوا قَدْ حَذَفُوهَا فِي نِسْبَةِ الْمُذَكَّرِ إلَى الْمُؤَنَّثِ كَنِسْبَةِ الرَّجُلِ إلَى بَصْرَةَ مِثْلًا فَقَالُوا بَصْرِيٌّ لَا بَصْرَتِيٌّ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ تَاءَانِ فِي نِسْبَةِ الْمُؤَنَّثِ فَيَقُولُونَ بَصْرَتِيَّةٌ فَكَيْفَ بِنِسْبَةِ الْمُؤَنَّثِ إلَى

стр. 537

وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ (فَإِنْ قَرَأَهَا الْإِمَامُ وَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ (وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَهَا سَجَدَهَا مَعَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا سَجَدَهَا مَعَهُ فَهَهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا وَحْدَهُ) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ. الْمُؤَنَّثِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا قَوْلُهُمَا: بِنَاءً عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ سَجْدَةٍ تُفْسِدُ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةُ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَا تُفْسِدُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّجْدَةَ الْمُفْرَدَةَ يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى. عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَقَدْ زَادُوا قُرْبَةً فَتُفْسِدُ. وَعِنْدَهُمَا مَا دُونَ الرَّكْعَةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ شَرْعًا إلَّا فِي مَحَلِّ النَّصِّ وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ فَلَا يَكُونُ السُّجُودُ وَحْدَهُ قُرْبَةً فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَزِيدُوا مَا هُوَ قُرْبَةٌ فَكَانَ كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ قِيَامٍ فَلَا تَفْسُدُ كَمَا لَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا) يَعْنِي دَخَلَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ، أَمَّا لَوْ دَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ؛ يُفِيدُهُ، وَالنِّيَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَجْرِي فِي الْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّهَا أَثَرُ الْقِرَاءَةِ فَالْتَحَقَتْ بِهَا عَلَى أَنَّ إدْرَاكَ جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ قَضَاؤُهُ شَرْعًا فِيهِ ضَرُورِيٌّ، وَالْقِيَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِعْلٌ، وَخَرَجَ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَالْتَحَقَتْ بِهَا فَقُضِيَتْ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ سَجَدَهَا لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ) وَكَوْنُ الصَّحِيحِ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ التِّلَاوَةُ لَا السَّمَاعُ، وَإِنَّمَا السَّمَاعُ شَرْطٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ السُّجُودِ خَارِجَ الصَّلَاةِ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْعَقِدُ سَبَبًا إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ فِي الصَّلَاةِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ

стр. 538

(وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا فِيهَا لَمْ تُقْضَ خَارِجَ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّهَا صَلَاتِيَّةٌ وَلَهَا مَزِيَّةُ الصَّلَاةِ، فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ اخْتِلَافَهُمْ فِي السَّبَبِ عَلَى السَّامِعِ أَهُوَ السَّمَاعُ أَوْ التِّلَاوَةُ يُوجِبُ الِاحْتِيَاطَ فِي السُّجُودِ عَلَى الْخَارِجِ، بِخِلَافِ السَّمَاعِ فِي الصَّلَاةِ لِتِلَاوَةِ مَنْ لَيْسَ فِيهَا، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنْ لَا يَسْجُدَ فِي الصَّلَاةِ إذْ النَّظَرُ إلَى كَوْنِ السَّبَبِ التِّلَاوَةَ يَمْنَعُهَا فِيهَا، وَإِلَى كَوْنِهِ السَّمَاعَ يُوجِبُهَا فِيهَا. وَالْوَاجِبُ صَوْنُ الصَّلَاةِ عَنْ الزَّوَائِدِ إلَّا مَا لَا شَكَّ فِي شَرْعِيَّتِهِ فِيهَا فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَسْجُدَ فِي الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ بِتِلَاوَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَلَهَا مَزِيَّةٌ) أَيْ لِلصَّلَوِيَّةِ مَزِيَّةٌ لِتَأَدِّيهَا فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، فَوُجُوبُ تَأَدِّيهَا فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ لِتَأْدِيَةِ مَا وَجَبَ؟ كَامِلًا نَاقِصًا؟، وَهُوَ عِلَّةُ عَدَمِ قَضَائِهَا خَارِجَهَا بِالتَّحْقِيقِ لَا مُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهَا صَلَوِيَّةً، وَمُقْتَضَى هَذَا جَوَازُ تَأْخِيرِهَا مِنْ رَكْعَةٍ إلَى رَكْعَةٍ بَعْدَ أَنْ لَا يُخْلِيَ الصَّلَاةَ عَنْهَا، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فِي رُكْنٍ فَسَجَدَ لَهَا لَا يُعِيدُهُ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَهَا بَعْدَ التَّذَكُّرِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ، بَلْ الْمُرَادُ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ آخِرَ الصَّلَاةِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فِي فَصْلِ بَيَانِ وَقْتِ أَدَائِهَا، وَأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا حَتَّى طَالَتْ التِّلَاوَةُ تَصِيرُ قَضَاءً وَيَأْثَمُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ صَارَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مُلْحَقَةً بِنَفْسِ التِّلَاوَةِ فَلِذَا فُعِلَتْ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ بَلْ زَائِدَةً، بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّلَوِيَّةِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ بَلْ عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَحَقَّقُ عَدَمُ السُّجُودِ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ تَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ سَجْدَةِ الصَّلَاةِ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَكَذَا تَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ الرُّكُوعِ؟ قُلْنَا: مُرَادُهُ إذَا سَجَدَ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ عَلَى الْفَوْرِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَرَكَعَ أَوْ سَجَدَ صُلْبِيَّةً يَنْوِي بِهَا التِّلَاوَةَ لَمْ تُجْزِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا فَلَا تَتَأَدَّى فِي ضِمْنِ الْغَيْرِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ سَوْقِ عِبَارَتِهِ. قَالَ: رَجُلٌ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ فِي آخِرِ السُّورَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ آخِرِهَا بَعْدَهَا آيَةٌ أَوْ آيَتَانِ إلَى آخِرِهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَكَعَ بِهَا يَنْوِي التِّلَاوَةَ، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ فَيَخْتِمُ السُّورَةَ، وَإِنْ وَصَلَ بِهَا سُورَةً أُخْرَى كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلتِّلَاوَةِ عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ لِصَلَاتِهِ تَسْقُطُ عَنْهُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقِرَاءَةِ لَا يَنْقَطِعُ الْفَوْرُ، وَلَوْ رَكَعَ لِصَلَاتِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَسَجَدَ تَسْقُطُ عَنْهُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ نَوَى فِي السَّجْدَةِ السَّجْدَةَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَلِذَا إذَا قَرَأَ بَعْدَهَا آيَتَيْنِ أَجْمَعُوا أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ تَتَأَدَّى بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّكُوعِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفِ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ: لَا بُدَّ لِلرُّكُوعِ مِنْ النِّيَّةِ حَتَّى يَنُوبَ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ قَرَأَ بَعْدَ السَّجْدَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَرَكَعَ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يَنْقَطِعُ الْفَوْرُ وَلَا يَنُوبُ الرُّكُوعُ عَنْ السَّجْدَةِ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: لَا يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَقْرَأْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَسْجُدَ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ صَرَّحُوا

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ ثُمَّ رَكَعَ وَنَوَى السَّجْدَةَ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إذَا نَوَاهَا فِي السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ يُقْضَى بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فِي فَصْلِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهَا، وَسَيَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ الْحَلْوَانِيِّ هُوَ الرِّوَايَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الْفَوْرِ فِي الْبَدَائِعِ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ مِنْ ثُبُوتِ الْخِلَافِ. قَالَ: ثُمَّ إذَا رَكَعَ قَبْلَ أَنْ تَطُولَ الْقِرَاءَةُ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِقِيَامِ الرُّكُوعِ مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ؟. فَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّكْتَةِ أَنْ لَا يَحْتَاجَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَحْصِيلِ التَّعْظِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَدْ وُجِدَ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ كَالْمُعْتَكِفِ فِي رَمَضَانَ إذَا لَمْ يَنْوِ بِصِيَامِهِ عَنْ الِاعْتِكَافِ، وَاَلَّذِي دَخَلَ الْمَسْجِدَ إذَا اشْتَغَلَ بِالْفَرْضِ غَيْرَ نَاوٍ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَيَدَّعِي أَنَّ مُحَمَّدًا أَشَارَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا تَذَكَّرَ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ فِي الرُّكُوعِ يَخِرُّ سَاجِدًا فَيَسْجُدُ كَمَا تَذَكَّرَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَعُودُ إلَى الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوعُ الَّذِي تَذَكَّرَ فِيهِ عَقِيبَ التِّلَاوَةِ بِلَا فَصْلٍ أَوْ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الرُّكُوعُ مِمَّا يَنُوبُ عَنْ السَّجْدَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَكَانَ لَا يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ بَلْ قَامَ نَفْسُ الرُّكُوعِ مَقَامَ التِّلَاوَةِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ ﵀ بِدَفْعِ دَلَالَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بِمَا لَا يَقْوَى، ثُمَّ طَالَبَهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَصَوْمِ الْمُعْتَكِفِ فِي رَمَضَانَ وَالصَّلَاةِ، وَذَكَرَ جَوَابَ الْقَائِلِ عَنْهُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُنَا هُوَ السُّجُودُ، إلَّا أَنَّ الرُّكُوعَ أُقِيمَ مَقَامَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَبَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَرْقٌ، فَلِمُوَافَقَةِ الْمَعْنَى تَتَأَدَّى السَّجْدَةُ بِالرُّكُوعِ إذَا نَوَى، وَلِمُخَالَفَةِ الصُّورَةِ لَا تَتَأَدَّى إذَا لَمْ يَنْوِ، بِخِلَافِ صَوْمِ الشَّهْرِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَوْمِ الِاعْتِكَافِ مُوَافَقَةً مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَكَذَا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ هَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ إنْ كَانَ بِهَا عِبْرَةٌ فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِهِ، وَإِنْ نَوَى، فَإِنَّ مَنْ نَوَى إقَامَةَ غَيْرِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مَقَامَ مَا وَجَبَ لَا يَقُومُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا عِبْرَةٌ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى النِّيَّةِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَعُذْرُ الصَّوْمِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ مُخَالَفَةً مِنْ حَيْثُ سَبَبُ الْوُجُوبِ فَكَانَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِ بِالرُّكُوعِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَلَمْ يَقُمْ يَحْتَاجُ فِي السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ إلَى أَنْ يَنْوِيَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةً لِاخْتِلَافِ سَبَبَيْ وُجُوبِهِمَا. انْتَهَى. فَهَذَا يُصَرِّحُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي إيقَاعِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ عَنْ التِّلَاوَةِ فِيمَا إذَا لَمْ تَطُلْ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ الصُّورَةِ كَمَا نَقَلْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْمَنْقُولِ فَلَمْ يَصِحَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا تَمَامَ عِبَارَتِهِ لِإِفَادَةِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْفَوَائِدِ؛ ثُمَّ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ إذَا رَكَعَ وَسَجَدَ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ ثُمَّ رَكَعَ يَنْوِيهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا فِي الرُّكُوعِ وَنَوَاهَا فِي السُّجُودِ لَمْ تُجْزِهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لِفَوَاتِهَا عَنْ مَحِلِّهَا؛ لِأَنَّهَا لِوُجُوبِهَا بِمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْتَحَقَتْ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ شَرْعًا بِدَلِيلِ وُجُوبِ أَدَائِهَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِيهَا. وَتَحْصِيلُ مَا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا إنْ لَمْ يُوجِبْ فَسَادَهَا يُوجِبُ نُقْصَانَهَا، وَكَذَا لَا تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تُؤَدَّى إلَّا بِتَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ كَسَائِرِ أَفْعَالِهَا، وَمَبْنَى الْأَفْعَالِ أَنْ يُؤَدَّى كُلُّ فِعْلٍ فِي مَحِلِّهِ الْمَخْصُوصِ، فَكَذَا هَذِهِ فَإِذَا لَمْ تُؤَدَّ فِي مَحِلِّهَا حَتَّى فَاتَ صَارَتْ دَيْنًا، وَالدَّيْنُ يُقْضَى بِمَا لَهُ لَا بِمَا عَلَيْهِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الدَّيْنُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَصِرْ دَيْنًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ هُنَاكَ إلَى التَّعْظِيمِ عِنْدَ تِلْكَ التِّلَاوَةِ وَقَدْ وُجِدَ فِي ضِمْنِهِمَا فَكَفَى، كَدَاخِلِ الْمَسْجِدِ

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذَا صَلَّى الْفَرْضَ كَفَى عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِحُصُولِ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ، غَيْرَ أَنَّ الرُّكُوعَ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبَةً فِي الشَّرْعِ مُنْفَرِدًا عَنْ الصَّلَاةِ فَلِذَا تَتَأَدَّى بِهِ السَّجْدَةُ إذَا تَلَا فِي الصَّلَاةِ لَا خَارِجَهَا. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالُوا: إنَّ تَأَدِّيَهَا فِي ضِمْنِ الرُّكُوعِ هُوَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عَدَمُهُ، وَالْقِيَاسُ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ فَأَسْعَفَنِي بِكَشْفِ هَذَا الْمَقَامِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ مَا خَفِيَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يُنَاطُ بِهَا الْحُكْمُ وَمِنْ الْقِيَاسِ مَا كَانَ ظَاهِرًا مُتَبَادَرًا فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَا يُقَابِلُ الْقِيَاسَ الْمَحْدُودَ فِي الْأُصُولِ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، قَدْ يَكُونُ الِاسْتِحْسَانُ بِالنَّصِّ وَقَدْ يَكُونُ بِالضَّرُورَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْقِيَاسِ إذَا كَانَ لِقِيَاسٍ آخَرَ مُتَبَادَرٍ وَذَلِكَ خَفِيٌّ وَهُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، فَيُسَمَّى الْخَفِيُّ اسْتِحْسَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْمُتَبَادَرِ فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مُسَمَّى الِاسْتِحْسَانِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، وَيُسَمَّى مُقَابِلُهُ قِيَاسًا بِاعْتِبَارِ الشَّبَهِ وَبِسَبَبِ كَوْنِ الْقِيَاسِ الْمُقَابِلِ مَا ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِحْسَانِ ظَنَّ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ الصُّلْبِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا الرُّكُوعَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ تَقُومَ الصُّلْبِيَّةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَقُومُ بَلْ الرُّكُوعُ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ السَّجْدَةِ بِالسَّجْدَةِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ فَكَانَ هُوَ الْقِيَاسَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ نَفْسِهَا فَلَا تَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهَا، كَصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَقُومُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ قَضَاءِ يَوْمٍ آخَرَ، فَصَحَّ أَنَّ الْقِيَاسَ وَهُوَ الْأَمْرُ الظَّاهِرُ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، بِخِلَافِ قِيَامِ الرُّكُوعِ مَقَامَهَا وَأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ وَهُوَ الْخَفِيُّ فَكَانَ حِينَئِذٍ مِنْ تَقْدِيمِ الِاسْتِحْسَانِ لَا الْقِيَاسِ، لَكِنَّ عَامَّةَ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ هُوَ الْقَائِمُ مَقَامَهَا، كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْت فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ بِالسَّجْدَةِ نَفْسِهَا هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَالرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ وَالسَّجْدَةُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَلَاةٌ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْجُدَ، وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ وَهَذَا لَفْظُ مُحَمَّدٍ. وَجْهُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَعْنَى التَّعْظِيمِ فِيهِمَا وَاحِدٌ. فَكَانَا فِي حُصُولِ التَّعْظِيمِ فِيهِمَا جِنْسًا وَاحِدًا، وَالْحَاجَةُ إلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ إمَّا اقْتِدَاءً بِمَنْ عَظَّمَ، وَإِمَّا مُخَالَفَةً لِمَنْ اسْتَكْبَرَ، فَكَانَ الظَّاهِرُ هُوَ الْجَوَازَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّعْظِيمُ بِجِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ السُّجُودُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْكَعْ عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى طَالَتْ الْقِرَاءَةُ ثُمَّ نَوَى بِالرُّكُوعِ أَنْ يَقَعَ عَنْ السَّجْدَةِ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ أَخَذُوا بِالْقِيَاسِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا أَجَازَا أَنْ يَرْكَعَ عَنْ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافُهُ فَلِذَا قُدِّمَ الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِلْخَفِيِّ لِخَفَائِهِ وَلَا لِلظَّاهِرِ لِظُهُورِهِ، بَلْ يُرْجَعُ فِي التَّرْجِيحِ إلَى مَا اقْتَرَنَ بِهِمَا مِنْ الْمَعَانِي، فَمَتَى قَوِيَ الْخَفِيُّ أَخَذُوا بِهِ، أَوْ الظَّاهِرُ أَخَذُوا بِهِ، غَيْرَ أَنَّ اسْتِقْرَاءَهُمْ أَوْجَبَ قِلَّةَ قُوَّةِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَفِيِّ الْمُعَارِضِ لَهُ، فَلِذَا حَصَرُوا مَوَاضِعَ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ فِي بِضْعَةِ عَشَرَ مَوْضِعًا تُعْرَفُ فِي الْأُصُولِ هَذَا أَحَدُهَا وَلَا حَصْرَ لِمُقَابِلِهِ. ثُمَّ النَّصُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ السُّجُودَ بِهَا أَفْضَلُ هَكَذَا مُطْلَقًا فِي الْبَدَائِعِ، وَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ ثُمَّ قَامَ وَرَكَعَ حَصَّلَ قُرْبَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَكَعَ، وَلِأَنَّهُ بِالسُّجُودِ مُؤَدٍّ لِلْوَاجِبِ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَأَمَّا بِالرُّكُوعِ فَبِمَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ آخِرَ السُّورَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْكَعَ بِهَا، ثُمَّ إذَا سَجَدَ لَهَا، وَقَامَ فَرَكَعَ كَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ دُونَ قِرَاءَةٍ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْآيَةُ فِي وَسَطِ السُّورَةِ أَوْ خَتْمِهَا أَوْ بَقِيَ إلَى الْخَتْمِ آيَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَانِيًا الرُّكُوعَ عَلَى السُّجُودِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ ثُمَّ يَرْكَعَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي وَسَطِ السُّورَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَهَا إذَا رَفَعَ ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِنْ كَانَ خَتَمَهَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ آيَةً مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى ثُمَّ يَرْكَعَ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْهَا آيَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَسُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ وَالِانْشِقَاقِ

стр. 541

(وَمَنْ تَلَا سَجْدَةً فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فَأَعَادَهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتُتْبِعَتْ الْأُولَى. وَفِي النَّوَادِرِ يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ بِهَا فِي الْآيَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَفِي الثَّلَاثِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ لَا يُجْزِئُ الرُّكُوعُ بِهَا لِانْقِطَاعِ الْفَوْرِ بِالثَّلَاثِ، وَقِيلَ لَا يَنْقَطِعُ بِالثَّلَاثِ وَهُوَ الْأَحَقُّ. وَفِي الْبَدَائِعِ الْأَوْجَهُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ أَوْ يَعْتَبِرَ مَا يُعَدُّ طَوِيلًا عَلَى أَنْ جَعَلَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قَاطِعَةً لِلْفَوْرِ خِلَافَ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: قُلْت أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّجْدَةُ فِي آخِرِ السُّورَةِ، إلَّا آيَاتٍ بَقِيَتْ مِنْ السُّورَةِ بَعْدَ آيَةِ السَّجْدَةِ، قَالَ: هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَكَعَ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ بِهَا. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ بِهَا خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ رَكَعَ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ بِهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّجْدَةِ ثُمَّ يَقُومَ فَيَتْلُوَ مَا بَعْدَهَا مِنْ السُّورَةِ وَهُوَ آيَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ ثُمَّ يَرْكَعَ، قَالَ نَعَمْ: إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ وَصَلَ بِهَا سُورَةً أُخْرَى. وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ لَيْسَتْ قَاطِعَةً لِلْفَوْرِ وَلَا مُدْخِلَةً لِلسَّجْدَةِ فِي حَيِّزِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ لَوْ سَجَدَ بِهَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ بَاقِيَ السُّورَةِ ثُمَّ يَرْكَعَ، ثُمَّ عَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ أَفْضَلِيَّةَ وَصْلِ السُّورَةِ بِمَا يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَاقِي آيَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ خَاتِمَةِ السُّورَةِ دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ كَيْ لَا يَصِيرَ بَانِيًا لِلرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا جَعَلَهُ حُكْمًا لِهَذَا التَّعْلِيلِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ بَقِيَ إلَى الْخَتْمِ قَدْرُ آيَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ. . (قَوْلُهُ: أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَتَبَدَّلْ مَجْلِسُ

стр. 542

لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا. قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ الْمَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ بِهَا (وَإِنْ تَلَاهَا فَسَجَدَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُسْتَتْبِعَةُ وَلَا وَجْهَ إلَى إلْحَاقِهَا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَبْقِ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ (وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِي مَجْلِسِهِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَرَأَهَا سَجَدَهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَجَدَ لِلْأُولَى فَعَلَيْهِ السَّجْدَتَانِ) فَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ التِّلَاوَةِ مَعَ مَجْلِسِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ تَبَدَّلَ فَلِكُلٍّ سَجْدَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إمَّا مُنْدَرِجَةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ أَنَّ تَكْرِيرَ تِلَاوَةِ سَجْدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يُوجِبُ سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْآتِيَةِ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَهَا فِي مَجْلِسٍ كَفَتْهُ سَجْدَةٌ سَوَاءٌ قَدَّمَهَا أَوْ وَسَّطَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ التِّلَاوَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ بِالصَّلَاةِ كَمَا بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكْفِيَهُ إلَّا سَجْدَتَانِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ مَوْضُوعَهَا مِنْ حُكْمِ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِمْ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِيهَا عَمَلٌ قَلِيلٌ، لَكِنْ خُصَّ مَوْضُوعُهَا مِنْ حُكْمِ ذَلِكَ الْعَامِّ، فَفُصِلَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ لِلْأُولَى فَلَا يُغْنِي عَنْ السُّجُودِ لِلصَّلَوِيَّةِ أَوْ لِلصَّلَوِيَّةِ فَيُغْنِي عَنْ الْأُولَى، أَوْ لَا يَسْجُدُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَيَسْقُطَانِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّدَاخُلُ فِي هَذِهِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ الثَّانِيَةُ مُسْتَتْبِعَةً لِلْأُولَى إنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ يُوجِبُ التَّدَاخُلَ، وَكَوْنُ الثَّانِيَةِ قَوِيَّةً بِسَبَبِ قُوَّةِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ التِّلَاوَةُ الْفَرِيضَةُ، وَتَفَاوُتُ الْمُسَبِّبَاتِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَسْبَابِ مَنَعَ مِنْ جَعْلِ الْأُولَى مُسْتَتْبِعَةً، إذْ اسْتِتْبَاعُ الضَّعِيفِ الْقَوِيَّ عَكْسُ الْمَعْقُولِ، وَنَقْضُ الْأُصُولِ فَوَجَبَ التَّدَاخُلُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. وَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ لِلصَّلَوِيَّةِ وَقَدْ صَارَتْ تِلَاوَةُ الْأُولَى مُنْدَرِجَةً فِيهَا سَقَطَتَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ كُلَّ سَجْدَةٍ وَجَبَتْ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا امْتَنَعَ قَضَاؤُهَا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ إلَخْ) انْدَرَجَ بَعْضُ شَرْحِهَا فِيمَا ذَكَرْنَا قَبْلَهَا،

стр. 543

دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَهُوَ تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا بَيَانُ أَنَّ الْأَلْيَقَ فِي الْعِبَادَاتِ عِنْدَ ثُبُوتِ التَّدَاخُلِ كَوْنُهُ فِي السَّبَبِ وَبَيَانُ وَجْهِ ثُبُوتِهِ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ. أَمَّا الثَّانِي فَبِالنَّصِّ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ جِبْرِيلَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَقْرَؤُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَلَا يَسْجُدُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَرِّرُ حَدِيثَهُ ثَلَاثًا لِيُعْقَلَ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِالْقُرْآنِ وَبِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ السَّمِيعَ إذَا قَرَأَهَا لَا تَجِبُ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ وَكُلٌّ سَبَبٌ عَلَى حِدَتِهِ حَتَّى يَجِبَ بِالسَّمَاعِ وَحْدَهُ وَبِالتِّلَاوَةِ وَحْدَهَا إذَا كَانَ التَّالِي أَصَمَّ. وَالْمَعْقُولُ وَهُوَ أَنَّ تَكْرَارَ الْقِرَاءَةِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلْحِفْظِ وَالتَّعْلِيمِ وَالِاعْتِبَارِ، فَلَوْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ لَحَرَجَ النَّاسَ زِيَادَةَ حَرَجٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَحْفَظُ مِنْ عَشْرِ مَرَّاتٍ بَلْ أَكْثَرَ فَيَلْزَمُ الْحَرَجُ مِنْ جِهَةِ إلْزَامِ الْحُكْمِ كَذَلِكَ، وَفِي حِفْظِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ جِدًّا، وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالتَّدَاخُلِ، وَلَمَّا كَانَ مُثِيرُ ذَلِكَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ هُوَ الْحَرَجُ اللَّازِمُ بِتَقْدِيرِ إيجَابِ التَّكْرَارِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّدَاخُلِ كَوْنُهُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ ثَبَتَ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ لِكُلِّ سَبَبٍ حُكْمًا فَيَلِيقُ بِالْأَحْكَامِ لَا بِالْأَسْبَابِ؛ لِثُبُوتِ الْأَسْبَابِ حِسًّا بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ، وَاعْتِبَارُ الثَّابِتِ حِسًّا غَيْرَ ثَابِتٍ أَبْعَدُ مِنْ اعْتِبَارِهِ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسِ، لَكِنَّا لَوْ قُلْنَا بِهِ فِي الْحُكْمِ فِي الْعِبَادَاتِ لَبَطَلَ التَّدَاخُلُ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَسْبَابِ يَتَعَدَّدُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ يَتَّحِدُ فَيَتَعَدَّدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَارَتْ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالسُّقُوطِ ثَبَتَتْ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّكْثِيرِ؛ لِأَنَّا خُلِقْنَا لَهَا، بِخِلَافِ الْعُقُوبَاتِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الدَّرْءِ وَالْعَفْوِ حَتَّى إذَا دَارَتْ كَذَلِكَ سَقَطَتْ، وَلِأَنَّ الْمُتَحَقَّقَ تَأْثِيرُ الْمَجْلِسِ فِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ لَا الْأَحْكَامِ عَلَى مَا فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّدَاخُلُ تَقْيِيدٌ بِالْمَجْلِسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي السَّبَبِ. وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ زَنَى فَحُدَّ ثُمَّ زَنَى يُحَدُّ ثَانِيًا، وَلَوْ تَلَا فَسَجَدَ ثُمَّ تَلَا لَا يَجِبُ السُّجُودُ ثَانِيًا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ هُوَ الْمُبْطِلُ هُنَاكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ خُيِّرَتْ قَائِمَةً فَقَعَدَتْ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا. فَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ يَحْصُلُ بِالْقِيَامِ خَرَجَ إذْ لَا فَرْقَ، فَعُلِمَ أَنَّ خُرُوجَهُ فِي الْقِيَامِ لِلْإِعْرَاضِ لَا لِلْقِيَامِ، وَلَيْسَ فِي الْقُعُودِ عَنْ قِيَامٍ إعْرَاضٌ بَلْ هُوَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ، ثُمَّ تَبَدُّلُ الْمَجْلِسِ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ، إلَّا فِي الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ مَجْلِسٌ وَاحِدٌ، فَلَوْ انْتَقَلَ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ فِي الْبَيْتِ أَوْ الْمَسْجِدِ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَكَذَا السَّفِينَةُ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً لَا يُوجِبُ سَيْرُهَا اخْتِلَافَ الْمَكَانِ، وَالْمَجْلِسُ وَالدَّابَّةُ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ رَاكِبٌ كَالسَّفِينَةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ شَرْعًا اعْتِبَارٌ لِلْأَمْكِنَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ مَكَانًا، بِخِلَافِ الْمَشْيِ بِالْقَدَمِ فَإِنَّهُ لَا مُوجِبَ لِاعْتِبَارِ الْأَمْكِنَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِيهِ مَكَانًا، إذْ لَمْ تُجَوَّزْ صَلَاةُ الْمَاشِي، وَلِذَا قَالُوا: لَوْ كَانَ خَلْفَهُ غُلَامٌ يَمْشِي وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ رَاكِبًا وَكَرَّرَهَا تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَى الْغُلَامِ دُونَ الرَّاكِبِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ سَائِرَةٌ فَيَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ. وَقِيلَ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا يَخْتَلِفُ الْمَسْجِدُ، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمًا بِأَنْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ لُقْمَتَيْنِ فِي غَيْرِ مَكَانِ التِّلَاوَةِ أَوْ تَكَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَكَحَ أَوْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ أَرْضَعَتْ وَلَدًا أَوْ أَخَذَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ عَمَلٍ يُعْرَفُ بِهِ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ لَا إنْ كَانَ يَسِيرًا. وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ، فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ فِيهَا مِنْ رَكْعَةٍ إلَى أُخْرَى اخْتِلَافُ الْمَجْلِسِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا، فَلَوْ قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ ثُمَّ كَرَّرَهَا فِي أُخْرَى وَجَبَتْ

стр. 544

وَالثَّانِي بِالْعُقُوبَاتِ وَإِمْكَانُ التَّدَاخُلِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ جَامِعًا، لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِذَا اخْتَلَفَ عَادَ الْحُكْمُ إلَى الْأَصْلِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ وَهُوَ الْمُبْطِلُ هُنَالِكَ. أُخْرَى عِنْدَهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. لَهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّدَاخُلِ يُؤَدِّي إلَى إخْلَاءِ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَيَفْسُدُ. قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِالِاتِّحَادِ فِي حَقِّ حُكْمٍ بُطْلَانُ الْعَدَدِ فِي حَقِّ حُكْمٍ آخَرَ فَقُلْنَا بِالْعَدَدِ فِي حُكْمٍ هُوَ جَوَازُ الصَّلَاةِ وَبِالِاتِّحَادِ فِيمَا قُلْنَا. وَقَدْ أَفَادَ تَعْلِيلُ مُحَمَّدٍ أَنَّ التَّكْرَارَ فِيمَا إذَا كَرَّرَهَا فِي النَّفْلِ أَوْ الْوِتْرِ مُطْلَقًا وَفِي الْفَرْضِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا لَوْ كَرَّرَهَا بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكْفِيَهُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّدَاخُلِ مُنْتَفٍ حِينَئِذٍ

стр. 545

وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَفِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا فِي الدِّيَاسَةِ لِلِاحْتِيَاطِ (وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ (وَكَذَا إذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التَّالِي دُونَ السَّامِعِ) عَلَى مَا قِيلَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ لِمَا قُلْنَا. (وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ) اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي. (قَوْلُهُ: وَفِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَفِي الْمُنْتَقِلِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الدِّيَاسَةِ كَذَلِكَ) فِي النِّهَايَةِ: هَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي الْأَخِيرَيْنِ لَا فِي التَّسْدِيَةِ، لَكِنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ أَيْضًا، قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ وَالدِّيَاسَةِ وَاَلَّذِي يَدُورُ حَوْلَ الرَّحَى وَاَلَّذِي يَسْبَحُ فِي الْمَاءِ وَاَلَّذِي تَلَا فِي غُصْنٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ، وَالْأَصَحُّ الْإِيجَابُ لِتَبَدُّلِ الْمَجْلِسِ، وَلِذَا يُعْتَبَرُ مُخْتَلَفًا فِي الْغُصْنَيْنِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، حَتَّى أَنَّ الْحَالَّ لَوْ رَمَى صَيْدًا عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَالْغُصْنُ فِي الْحَرَمِ يَجِبُ الْجَزَاءُ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَكَرُّرَ الْوُجُوبِ فِي التَّسْدِيَةِ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَادِ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ أَنَّهَا أَنْ يَغْرِسَ الْحَائِكُ خَشَبَاتٍ يُسَوِّي فِيهَا السَّدَى ذَاهِبًا وَجَائِيًا، أَمَّا عَلَى مَا هِيَ بِبِلَادِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَغَيْرِهَا بِأَنْ يُدِيرَهُ عَلَى دَائِرَةٍ عُظْمَى وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ دُونَ التَّالِي يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ) عَلَى السَّامِعِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إذَا تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التَّالِي دُونَ السَّامِعِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَى السَّامِعِ أَيْضًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ السَّبَبَ فِي السَّمَاعِ السَّمَاعُ وَلَمْ يَتَبَدَّلْ مَجْلِسُهُ فِيهِ، وَظَاهِرُ الْكَافِي تَرْجِيحُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ، قَالَ: الْأَصْلُ أَنَّ التِّلَاوَةَ سَبَبٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ السَّجْدَةَ تُضَافُ إلَيْهَا وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، وَفِي السَّمَاعِ خِلَافٌ قِيلَ: إنَّهُ سَبَبٌ لِمَا رَوَيْنَا: يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا» إلَى آخِرِهِ، وَالصَّحِيحُ السَّبَبُ فِي حَقِّ السَّامِعِ التِّلَاوَةُ، وَالسَّمَاعُ شَرْطُ عَمَلِ التِّلَاوَةِ فِي حَقِّهِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَتَكَرَّرُ إجْمَاعًا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ فَلِأَنَّ السَّبَبَ السَّمَاعُ وَمَجْلِسُ السَّمَاعِ مُتَعَدِّدٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَلِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ أَبْطَلَ الْعَدَدَ فِي حَقِّ التَّالِي فَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ لَا الشَّرْطِ، وَقِيلَ لَا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ)

стр. 546

(وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ. قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَدَعَ مَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّهُ مُبَادَرَةٌ إلَيْهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ وَاسْتَحْسَنُوا إخْفَاءَهَا شَفَقَةً عَلَى السَّامِعِينَ. يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَتَيْنِ مَنْدُوبَتَانِ لَا وَاجِبَتَانِ فَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، وَلَا تُحَرَّمَ، وَإِنْ اُشْتُرِطَ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَيَقُولُ فِي السَّجْدَةِ مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ بِذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا صَحَّحَ عَلَى عُمُومٍ، فَإِنْ كَانَتْ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقُولُ فِيهَا مَا يُقَالُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، أَوْ نَفْلًا قَالَ مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ كَسَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ إلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي عِنْدَك بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك زُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ كُلَّ مَا أُثِرَ مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ، وَعَنْهُ يُكَبِّرُ عِنْدَهُ لَا فِي الِانْتِهَاءِ. وَقِيلَ يُكَبِّرُ فِي الِابْتِدَاءِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الِانْتِهَاءِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ نَعَمْ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِلِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ فَيَسْجُدَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ؛ وَلِأَنَّ الْخُرُورَ الَّذِي مُدِحَ بِهِ أُولَئِكَ فِيهِ . (قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ مُحَمَّدٌ إلَى آخِرِهِ. (قَوْلُهُ: دَفْعًا لِوَهْمِ التَّفْضِيلِ) أَيْ تَفْضِيلِ آيِ السَّجْدَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْكُلُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُتْبَةٍ، وَإِنْ كَانَ لِبَعْضِهَا بِسَبَبِ اشْتِمَالِهِ عَلَى ذِكْرِ صِفَاتِ الْحَقِّ ﷻ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ لَا بِاعْتِبَارِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قُرْآنٌ. وَفِي الْكَافِي قِيلَ مَنْ قَرَأَ آيَ السَّجْدَةِ كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَسَجَدَ لِكُلٍّ مِنْهَا كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ. وَمَا ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ فِي كَرَاهَةِ تَرْكِ آيَةٍ مِنْ السَّجْدَةِ سُورَةً يَقْرَؤُهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعًا لِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَتَغْيِيرًا لِتَأْلِيفِهِ، وَاتِّبَاعُ النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ مَأْمُورٌ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أَيْ تَأْلِيفَهُ، فَكَانَ التَّغْيِيرُ مَكْرُوهًا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ بَيْنِ السُّورَةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا آيَاتٍ؛ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى مُرَادِ الْآيَةِ؛ وَلِيَحْصُلَ بِحَقِّ الْقِرَاءَةِ لَا بِحَقِّ إيجَابِ السَّجْدَةِ، إذْ الْقِرَاءَةُ لِلسُّجُودِ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَبَّةٍ فَيَقْرَأُ مَعَهَا آيَاتٍ؛ لِيَكُونَ قَصْدُهُ إلَى التِّلَاوَةِ لَا إلَى إيجَابِ السُّجُودِ. اهـ. (قَوْلُهُ: شَفَقَةً عَلَى السَّامِعِينَ) وَقِيلَ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ عَدَمُ الْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ جَهَرَ حَثًّا لَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ

стр. 547

بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ السَّفَرُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِنْسَانُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا (فُرُوعٌ) إذَا تَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ سَجَدَ وَيَسْجُدُونَ مَعَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ تَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ» وَقَدَّمْنَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي أَدَائِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ التَّالِي وَيَصُفَّ السَّامِعُونَ خَلْفَهُ، وَلَيْسَ هَذَا اقْتِدَاءً حَقِيقَةً بَلْ صُورَةً، وَلِذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْبِقُوهُ بِالْوَضْعِ وَلَا بِالرَّفْعِ، فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةَ ائْتِمَامٍ لَوَجَبَ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَوْ فَسَدَتْ سَجْدَةُ التَّالِي بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْبَاقِينَ، إذَا تَلَا رَاكِبًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَجْزَأَهُ الْإِيمَاءُ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ، وَلَوْ نَزَلَ الرَّاكِبُ فَسَجَدَ كَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، فَلَوْ نَزَلَ فَلَمْ يَسْجُدْ ثُمَّ رَكِبَ فَأَوْمَأَ لَهَا جَازَ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ هُوَ يَقُولُ لَمَّا نَزَلَ وَجَبَ أَدَاؤُهَا عَلَى الْأَرْضِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَلَاهَا عَلَى الْأَرْضِ. قُلْنَا: لَوْ أَدَّاهَا قَبْلَ نُزُولِهِ جَازَ فَكَذَا بَعْدَمَا نَزَلَ وَرَكِبَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّيهَا بِالْإِيمَاءِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ وَجَبَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَيُشْتَرَطُ لِلسَّجْدَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ سِوَى التَّحْرِيمَةِ مِنْ النِّيَّةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالسَّتْرِ، وَيُجْزِي إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَإِذَا تَلَا فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ لَا يُجْزِيهِ السُّجُودُ فِي مَكْرُوهٍ، أَوْ فِي مَكْرُوهٍ فَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى جَاءَ وَقْتٌ آخَرُ مَكْرُوهٌ فَسَجَدَ لَهَا فِيهِ، قِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَقَدَّمْنَاهَا فِي فَصْلِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيُفْسِدُهَا مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ مِنْ الْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْكَلَامِ وَالْقَهْقَهَةِ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا. وَقِيلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُ لِتَمَامِ الرُّكْنِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَلَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ حَصَلَ الْوَضْعُ قَبْلَ هَذِهِ الْعَوَارِضِ وَبِهِ يَتِمُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ بِالْقَهْقَهَةِ اتِّفَاقًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ. (بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ) السَّفَرُ عَارِضٌ مُكْتَسَبٌ كَالتِّلَاوَةِ إلَّا أَنَّ التِّلَاوَةَ عَارِضٌ هُوَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا بِعَارِضٍ، بِخِلَافِ السَّفَرِ فَلِذَا أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَنْ ذَاكَ وَالسَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَلَيْسَ كُلُّ قَطْعٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ جَوَازِ الْإِفْطَارِ وَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ وَمَسْحِ ثَلَاثَةِ

стр. 548

سَيْرَ الْإِبِلِ وَمَشْيَ الْأَقْدَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ كَمَالَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» عَمَّ بِالرُّخْصَةِ الْجِنْسَ. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ وَقَدَّرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا عَلَى الْخُفِّ فَبَيَّنَ ذَلِكَ السَّفَرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ تَغَيُّرُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَأَخَذَ فِيهِ مَعَ الْمِقْدَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَصْدَ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ طَافَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى قَطْعِ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَتَرَخَّصُ وَعَلَى هَذَا قَالُوا: أَمِيرٌ خَرَجَ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْإِقَامَةِ فِي الذَّهَابِ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَكَذَا الْمُكْثُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَمَّا فِي الرُّجُوعِ فَإِنْ كَانَ مُدَّةَ سَفَرٍ قَصَرُوا وَلَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ فَعَلِمَ بِهِ أَهْلُ دَارِهِ فَهَرَبَ مِنْهُمْ يُرِيدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَصِرْ مُسَافِرًا؟، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ أَوْ عَلِمُوا وَلَمْ يَخْشَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ عَلَى إقَامَتِهِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ تَفَرَّعَ فِي صَبِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ خَرَجَا قَاصِدَيْنِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَفِي أَثْنَائِهَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ يَقْصُرُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيمَا بَقِيَ وَيُتِمُّ الَّذِي بَلَغَ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ حِينَ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِخِلَافِ النَّصْرَانِيِّ، وَالْبَاقِي بَعْدَ صِحَّةِ النِّيَّةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (قَوْلُهُ: عَمَّ) أَيْ الرَّسُولُ ﷺ بِالرُّخْصَةِ وَهِيَ مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ الْجِنْسَ: أَيْ جِنْسَ الْمُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمُسَافِرِ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ. وَمِنْ ضَرُورَةِ عُمُومِ الرُّخْصَةِ لِلْجِنْسِ حَتَّى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ مُسَافِرٍ مِنْ مَسْحِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عُمُومُ التَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ مُسَافِرٍ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَثَبَتَ مُسَافِرٌ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَدْ كَانَ كُلُّ مُسَافِرٍ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ

стр. 549

وَالشَّافِعِيُّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي قَوْلٍ، وَكَفَى بِالسُّنَّةِ حُجَّةً عَلَيْهِمَا مُنْتَفِيَةً بِيَقِينٍ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَيَقُّنِ مَا هُوَ سَفَرٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إذَا كَانَ سَفَرُهُ يَسْتَوْعِبُهَا فَصَاعِدًا. لَا يُقَالُ: إنَّهُ احْتِمَالٌ يُخَالِفُهُ الظَّاهِرُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ صَارُوا إلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَشَى إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ حَتَّى بَلَغَ الْمَرْحَلَةَ فَنَزَلَ بِهَا لِلِاسْتِرَاحَةِ وَبَاتَ فِيهَا ثُمَّ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَشَى إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ ثُمَّ بَكَّرَ فِي الثَّالِثِ وَمَشَى إلَى الزَّوَالِ فَبَلَغَ الْمَقْصِدَ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا عِنْدَ النِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا خَرَجَ الْحَدِيثُ إلَى غَيْرِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ قَالُوا بَقِيَّةُ كُلِّ يَوْمٍ مُلْحَقَةٌ بِالْمُنْقَضِي مِنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَخَلُّلِ الِاسْتِرَاحَاتِ؛ لِتَعَذُّرِ مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ أَنَّ مُسَافِرًا مَسَحَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّ عَصْرَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَمْسَحُ فِيهِ فَلَيْسَ تَمَامُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مُلْحَقًا بِأَوَّلِهِ شَرْعًا حَيْثُ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ رُخْصَةُ السَّفَرِ وَلَا هُوَ سَفَرٌ حَقِيقَةً، فَظَهَرَ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ شَرْعًا إذَا كَانَ سَفَرُهُ ثَلَاثَةً، وَهُوَ عَيْنُ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْمُسَافِرِينَ لَا يَمْسَحُهَا وَآلَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِمَنْعِ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَاخْتِيَارِ مُقَابِلِهِ، وَإِنْ صَحَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَعَلَى هَذَا

стр. 550

(وَالسَّيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْوَسَطُ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّقْدِيرُ بِالْمَرَاحِلِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَرَاسِخِ هُوَ الصَّحِيحُ (وَلَا يُعْتَبَرُ السَّيْرُ فِي الْمَاءِ) مَعْنَاهُ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ السَّيْرُ فِي الْبَرِّ، فَأَمَّا الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَحْرِ نَقُولُ: لَا يَقْصُرُ هَذَا الْمُسَافِرُ، وَأَنَا لَا أَقُولُ بِاخْتِيَارِ مُقَابِلِهِ بَلْ إنَّهُ لَا مُخَلِّصَ مِنْ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ إلَّا بِهِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ لُزُومَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي السَّفَرِ هُوَ عَلَى تَقْدِيرِهَا ظَرْفًا لِيَمْسَحَ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ كَوْنُهَا ظَرْفًا لِمُسَافِرٍ، وَالْمَعْنَى الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَمْسَحُ، وَإِنَّهُ لَا يَنْفِي تَحَقُّقُ مُسَافِرٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَيَقْصُرُ مُسَافِرُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ مَنَاطَ رُخْصَةِ الْقَصْرِ السَّفَرُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ نَقْلٌ فِيهِ، وَلَا إجْرَاءُ حُكْمِ الرُّخْصَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ لِمُسَافِرِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْهُ ﷺ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْقَصْرَ فِي الْأَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَأُجِيبَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِضَعْفِ رَاوِيهِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ فَبَقِيَ قَصْرُ الْأَقَلِّ بِلَا دَلِيلٍ. وَلَوْ سَلِمَ فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَفْهُومِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ أَوْ أَكْثَرَ إذَا كَانَ قَطْعُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ إنَّمَا ثَبَتَ بِمَفْهُومِ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ بُرُدٍ. فَإِنْ قِيلَ: لَازَمَ جَعْلَهُ ظَرْفًا لِمُسَافِرٍ كَمَا هُوَ جَوَازُ مَسْحِ الْأَقَلِّ كَذَلِكَ هُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ مَسْحِ الْمُسَافِرِ دَائِمًا مَا دَامَ مُسَافِرًا. فَإِنْ تَمَّ مَا ذُكِرَ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ اللَّازِمِ بَقِيَ هَذَا مُحْتَاجًا إلَى الْجَوَابِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ لَمَّا كَانَ أَنَّ الْمُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَطَلَ كَوْنُهَا ظَرْفًا لِلْمُسَافِرِ، وَإِلَّا لَزِمَ اتِّحَادُ حُكْمِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهِيَ صُورَةُ مُسَافِرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَهُوَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ لِلْعِلْمِ بِفَرْقِ الشَّرْعِ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ ظَرْفًا؛ لِيَمْسَحَ أَنَّ السَّوْقَ لَيْسَ إلَّا لِبَيَانِ كَمِّيَّةِ مَسْحِ الْمُسَافِرِ لَا لِإِطْلَاقِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الظَّرْفِ لِمُسَافِرٍ يَكُونُ يَمْسَحُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ. (قَوْلُهُ: وَالسَّيْرُ الْمَذْكُورُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى سَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ، فَيَدْخُلُ سَيْرُ الْبَقَرِ يَجُرُّ الْعَجَلَةَ وَنَحْوُهُ. (قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ يُقَدَّرُ بِهَا فَقِيلَ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا، وَقِيلَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَكُلُّ مَنْ قَدَّرَ بِقَدْرِ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّحِيحُ أَنْ لَا تُقَدَّرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ وَعْرًا بِحَيْثُ يَقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا قَصَرَ بِالنَّصِّ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ بِأَحَدِ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ لَا يَقْصُرُ فَيُعَارِضُ النَّصَّ فَلَا يُعْتَبَرُ سِوَى سَيْرِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ سَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِمَشْيِ الْأَقْدَامِ لَوْ سَارَهَا مُسْتَعْجِلٌ كَالْبَرِيدِ فِي يَوْمٍ قَصَرَ فِيهِ وَأَفْطَرَ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ وَهُوَ قَطْعُ مَسَافَةِ ثَلَاثَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَمَشْيِ الْأَقْدَامِ، كَذَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا يُقَوِّي الْإِشْكَالَ الَّذِي قُلْنَاهُ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ قَصْرُ مُسَافِرِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَطَعَ فِيهِ مَسِيرَةَ أَيَّامٍ، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَصْرُ لَوْ قَطَعَهَا فِي سَاعَةٍ صَغِيرَةٍ كَقَدْرِ دَرَجَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ صَاحِبَ كَرَامَةِ الطَّيِّ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ مَسَافَةَ ثَلَاثَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ وَهُوَ بَعِيدُ الِانْتِفَاءِ مَظِنَّةَ الْمَشَقَّةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ: أَعْنِي التَّقْدِيرَ بِسَيْرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرِهَا؛ لِأَنَّهَا

стр. 551

فَمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ كَمَا فِي الْجَبَلِ. . قَالَ (وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَتَانِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَرْضُهُ الْأَرْبَعُ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ اعْتِبَارًا بِالصَّوْمِ. وَلَنَا أَنَّ الشَّفْعَ الثَّانِيَ لَا يُقْضَى وَلَا يُؤْثَمُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهَذَا آيَةُ النَّافِلَةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى الْمَجْعُولَةُ مَظِنَّةً لِلْحُكْمِ بِالنَّصِّ الْمُقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَسْحِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ يُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَرْعُ وَهُوَ مَا إذَا وَصَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ إلَى الْمَقْصِدِ، فَلَوْ صَحَّ تَفْرِيعُهُمْ جَوَازَ التَّرَخُّصِ مَعَ سَيْرِ يَوْمٍ وَاحِدٍ إذَا قَطَعَ فِيهِ قَدْرَ ثَلَاثَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ بَطَلَ الدَّلِيلُ، وَلَا دَلِيلَ غَيْرُهُ فِي تَقْدِيرِهِمْ أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ فَيَبْطُلُ أَصْلُ الْحُكْمِ: أَعْنِي تَقْدِيرَهُمْ أَدْنَى السَّفَرِ الَّذِي يَتَرَخَّصُ فِيهِ بِثَلَاثَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: فِيمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ) وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ ثَلَاثَةٍ فِيهِ إذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ مُعْتَدِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَسَافَةُ بِحَيْثُ تُقْطَعُ فِي الْبَرِّ بِيَوْمٍ كَمَا فِي الْجَبَلِ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَبَلِ بِالسَّيْرِ الْوَسَطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَتْ تُقْطَعُ مِنْ طَرِيقِ السَّهْلِ بِيَوْمٍ فَالْحَاصِلُ أَنْ تُعْتَبَرَ الْمُدَّةُ فِي أَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا آيَةُ النَّافِلَةِ) يَعْنِي لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الْفِعْلِ فَرْضًا إلَّا كَوْنَهُ مَطْلُوبًا أَلْبَتَّةَ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا عَلَى الْخِلَافِ الِاصْطِلَاحِيِّ، فَإِثْبَاتُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَدَائِهِ وَتَرْكِهِ رُخْصَةٌ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ

стр. 552

(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَجْزَأَتْهُ الْأُولَيَانِ عَنْ الْفَرْضِ وَالْأُخْرَيَاتُ لَهُ نَافِلَةٌ) اعْتِبَارًا بِالْفَجْرِ، وَيَصِيرُ مُسِيئًا لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ (وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَهَا بَطَلَتْ)؛ لِاخْتِلَاطِ النَّافِلَةِ بِهَا قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِهَا. لَيْسَ حَقِيقَتُهُ إلَّا نَفْيَ افْتِرَاضِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الْفَرْضِ، فَيَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ثُبُوتَ التَّرَخُّصِ مَعَ قِيَامِ الِافْتِرَاضِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي التَّأْخِيرِ وَنَحْوِهِ مِنْ عَدَمِ إلْزَامِ بَعْضِ الْكَيْفِيَّاتِ الَّتِي عُهِدَتْ لَازِمَةً فِي الْفَرْضِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَطْعِيٌّ فِي الْإِسْقَاطِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْفَرْضِ مَا بَقِيَ، بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا حَجَّ حَيْثُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ إنْ لَمْ يَنْوِ النَّفَلَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ حِينَ صَارَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ. وَأَمَّا وُقُوعُ الزَّائِدِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَسْنُونَةِ فَرْضًا لَا نَفْلًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا فَجَوَابُهُ مَا سَلَفَ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَارْجِعْ إلَيْهِ، هَذَا وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ» وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى» زَادَ فِي لَفْظٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْت لِعُرْوَةِ: فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ قَالَ: إنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، فَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأَوَّلِ» ذَكَرَهُ فِي بَابِ مِنْ أَيْنَ أَرَّخُوا التَّارِيخَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ زِيَادَةَ صَلَاةِ الْحَضَرِ كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى السَّمَاعِ؛ لِأَنَّ أَعْدَادَ الرَّكَعَاتِ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا بِالرَّأْيِ، وَكَوْنُ عَائِشَةَ تُتِمُّ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا: إذْ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْفَرْضَ كَمْ هُوَ لَا فِي جَوَازِ إتْمَامِ أَرْبَعٍ فَإِنَّا نَقُولُ: إذَا أَتَمَّ كَانَتْ الْأُخْرَيَانِ نَافِلَةً، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي النَّفْلِ عَدَمُ بِنَائِهِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ، فَلَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ ﵂ تُوَاظِبُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ فِي السَّفَرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ وَصْلَهَا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ وُقُوعِ الْكُلِّ فَرْضًا فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ حَدَثَ لَهَا تَرَدُّدٌ أَوْ ظَنٌّ فِي أَنَّ جَعْلَهَا رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ مُقَيَّدٌ بِحَرَجِهِ بِالْإِتْمَامِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَوْ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، فَقُلْت لَهَا لَوْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ " وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ: إنَّهَا تَأَوَّلَتْ: أَيْ تَأَوَّلَتْ أَنَّ الْإِسْقَاطَ مَعَ الْحَرَجِ، لَا أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالتَّرْكِ مَعَ بَقَاءِ الِافْتِرَاضِ فِي الْمُخَيَّرِ فِي أَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ. هَذَا مَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَعُدُّ نَفْسَهَا مُسَافِرَةً بَلْ حَيْثُ حَلَّتْ كَانَتْ مُقِيمَةً، وَنُقِلَ قَوْلُهَا " أَنَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَلْت فَهُوَ دَارِي " لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَبَعِيدٌ، وَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ لَهَا سَفَرٌ أَبَدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَا كَانَ الْمَرْوِيُّ عَنْ

стр. 553

(وَإِذَا فَارَقَ الْمُسَافِرُ بُيُوتَ الْمِصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تَتَعَلَّقُ بِدُخُولِهَا فَيَتَعَلَّقُ السَّفَرُ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا. وَفِيهِ الْأَثَرُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَقَصَرْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقَصْرِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾». انْتَهَى. وَهُوَ مُعَارِضٌ لِلْمَرْوِيِّ مِنْ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُتِمُّ، وَالتَّوْفِيقُ أَنَّ إتْمَامَهُ الْمَرْوِيَّ كَانَ حِينَ قَامَ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ السَّفَرِ مُنْسَحِبٌ عَلَى إقَامَةِ أَيَّامِ مِنًى فَسَاغَ إطْلَاقُ أَنَّهُ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ مَا مَضَى الصَّدْرُ مِنْ خِلَافَتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» مَعَ أَنَّ فِي الْبَابِ مَا هُوَ مَرْفُوعٌ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» وَهَذَا رَفْعٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ «افْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ كَمَا افْتَرَضَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا». وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ » وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَإِعْلَالُهُ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ مَدْفُوعٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ حَكَمَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ الْمَعْنَى الْمُفِيدِ لِنَفْلِيَّةِ الرَّكْعَتَيْنِ كِفَايَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ يَحْكِي خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ، وَيَنْقُلُ اخْتِلَافَ عِبَارَتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ رُخْصَةٌ عَنَى رُخْصَةَ الْإِسْقَاطِ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ، وَتَسْمِيَتُهَا رُخْصَةً مَجَازٌ وَهَذَا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ . (قَوْلُهُ: وَإِذَا فَارَقَ) بَيَانٌ لِمَبْدَإِ الْقَصْرِ، وَيَدْخُلُ فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ رَبَضُهُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ «أَنَّهُ قَصَرَ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ». وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ: إنَّا لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ يَتَحَقَّقُ مَبْدَأُ الْفِنَاءِ إذْ هُوَ مُقَدَّرٌ بِغَلْوَةٍ فِي الْمُخْتَارِ. وَقِيلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، وَالْفِنَاءُ مُلْحَقٌ بِالْمِصْرِ شَرْعًا حَتَّى جَازَتْ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يَقْصُرَ بِمُجَرَّدِ الْمُفَارَقَةِ لِلْبُيُوتِ بَلْ إذَا جَاوَزَ الْفِنَاءَ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُلْحِقَ بِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَوَائِجِ أَهْلِهِ الْمُقِيمِينَ فِيهِ لَا مُطْلَقًا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ الْجُمُعَةَ فِيهِ إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: فَصْلٌ فِي الْفِنَاءِ، فَقَالَ: إنْ

стр. 554

(وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مُدَّةٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ غَلْوَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ يَعْتَبِرُ مُجَاوَزَةَ الْفِنَاءِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ أَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ قَدْرَ غَلْوَةٍ يَعْتَبِرُ مُجَاوَزَةَ عُمْرَانِ الْمِصْرِ هَذَا، وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةً أَوْ قُرًى مُتَّصِلَةً بِرَبَضِ الْمِصْرِ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا. وَفِي الْفَتَاوَى أَيْضًا إنْ كَانَ فِي الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَحَلَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمِصْرِ وَفِي الْقَدِيمِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمِصْرِ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ تِلْكَ الْمَحَلَّةَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ الْمِصْرِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ، فَفِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ إرْسَالٌ غَيْرُ وَاقِعٍ؛ وَلَوْ ادَّعَيْنَا أَنَّ بُيُوتَ تِلْكَ الْقُرَى دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى بُيُوتِ الْمِصْرِ انْدَفَعَ هَذَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ ظَاهِرٌ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ بُيُوتِ الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، فَلَوْ جَاوَزَهَا وَتُحَاذِيهِ بُيُوتٌ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ جَازَ الْقَصْرُ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ إلَخْ) ظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى يَدْخُلَ قَرْيَةً أَوْ بَلَدًا فَيَنْوِيَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِالْقَرْيَةِ وَالْبَلَدِ مُتَحَقِّقَةٌ حَالَ سَفَرِهِ إلَيْهَا قَبْلَ دُخُولِهَا لَكِنَّ تَرْكَهُ لِظُهُورِهِ وَلِاسْتِفَادَتِهِ مِنْ تَعْلِيلِ مَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تَتَعَلَّقُ بِدُخُولِهَا، وَفِيهِ أَثَرُ عَلِيٍّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا: وَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَصَرَ وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الْكُوفَةُ قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا، يُرِيدُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْكُوفَةُ بِمَرْأًى مِنْهُمْ فَقِيلَ لَهُ إلَخْ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ وَفَاءِ بْنِ إيَاسٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إلَى الْكُوفَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعْنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى الْقَرْيَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: أَلَا تُصَلِّي أَرْبَعًا؟ قَالَ: لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا. ثُمَّ بَقَاءُ حُكْمِ السَّفَرِ مِنْ حِينِ الْمُفَارَقَةِ نَاوِيًا لِلسَّفَرِ إلَى غَايَةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي بَلَدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ السَّفَرِ وَبِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ مِنْ الْعَسْكَرِ قَبْلَ الْفَتْحِ. وَأَيْضًا اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ مُطْلَقًا فِي ثُبُوتِ الْإِقَامَةِ لَيْسَ وَاقِعًا، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِصْرَهُ صَارَ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ بِلَا نِيَّةٍ. وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّابِطِ لَا يَزَالُ مُسَافِرًا حَتَّى يَعْزِمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ، أَوْ يَدْخُلَهَا بَعْدَ الِاسْتِكْمَالِ، أَوْ يَدْخُلَ غَيْرَهَا فَيَنْوِيَ الْإِقَامَةَ بِهَا وَحْدَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا وَلَيْسَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مِنْ الْعَسْكَرِ الدَّاخِلِينَ، وَالْمَفَاهِيمُ الْمُخَالِفَةُ لِلْقُيُودِ كُلُّهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ مَسَائِلَ مُسْتَقِلَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَسْأَلَةَ الْعَزْمِ عَلَى الرُّجُوعِ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ السَّفَرِ بِالْمُفَارَقَةِ نَاوِيًا لِلسَّفَرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا فَرَجَعَ صَارَ مُقِيمًا فِي الْمَفَازَةِ حَتَّى أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَقِيَاسُهُ أَنْ لَا يَحِلَّ فِطْرُهُ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ يَوْمَانِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَضَ السَّفَرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ لِاحْتِمَالِهِ النَّقْضَ إذْ لَمْ يَسْتَحْكِمُ إذَا لَمْ يَتِمَّ عِلَّةً، وَكَانَتْ الْإِقَامَةُ نَقْضًا لِلْعَارِضِ لَا ابْتِدَاءَ عِلَّةِ الْإِتْمَامِ. وَلَوْ قِيلَ الْعِلَّةُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ قَاصِدًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ

стр. 555

لِأَنَّ السَّفَرَ يُجَامِعُهُ اللُّبْثُ فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالْخَبَرِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَلْدَةِ وَالْقَرْيَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي الْمَفَازَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَا اسْتِكْمَالُ سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ السَّفَرِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ الْعِلَّةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عِلَّةُ حُكْمِ الْإِقَامَةِ احْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ السَّفَرَ يُجَامِعُهُ اللُّبْثُ) يَعْنِي حَقِيقَةَ اللُّبْثِ مَعَ قِيَامِ حَقِيقَةِ السَّفَرِ يُوجَدُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مُطْلَقِهِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمَا قَالَا: إذَا قَدِمْت بَلْدَةً وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَفِي نَفْسِك أَنْ تُقِيمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلْ الصَّلَاةَ بِهَا،، وَإِنْ كُنْت لَا تَدْرِي مَتَى تَظْعَنُ فَاقْصُرْهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَجْمَعَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا كُنْت مُسَافِرًا فَوَطَّنْتَ نَفْسَك عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَتْمِمْ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي مَتَى تَظْعَنُ فَاقْصُرْ. (قَوْلُهُ: وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالْخَبَرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ) احْتِرَازٌ عَمَّا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: فَقَدَّرْنَاهَا بِمُدَّةِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ، فَهَذَا قِيَاسُ أَصْلِهِ مُدَّةَ الطُّهْرِ، وَالْعِلَّةُ كَوْنُهَا مُوجِبَةً مَا كَانَ سَاقِطًا وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَهِيَ الْفَرْعُ فَاعْتُبِرَتْ كَمِّيَّتُهَا بِهَا وَهُوَ الْحُكْمُ، وَإِصْلَاحُهُ بِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّقْدِيرِ بِالْخَبَرِ وَجَدْنَاهُ عَلَى وَفْقِ صُورَةِ قِيَاسٍ ظَاهِرٍ فَرَجَّحْنَا بِهِ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ

стр. 556

(وَلَوْ دَخَلَ مِصْرًا عَلَى عَزْمِ أَنْ يَخْرُجَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ وَلَمْ يَنْوِ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِثْلُ ذَلِكَ. (وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَنَوَوْا الْإِقَامَةَ بِهَا قَصَرُوا وَكَذَا إذَا حَاصَرُوا فِيهَا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا)؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ بَيْنَ أَنْ يُهْزَمَ فَيَقِرَّ وَبَيْنَ أَنْ يَنْهَزِمَ فَيَفِرَّ فَلَمْ تَكُنْ دَارَ إقَامَةٍ السِّتَّةُ عَنْ أَنَسٍ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ قِيلَ: كَمْ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا» وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُمْ عَزَمُوا قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، غَيْرُ أَنَّهُمْ اتَّفَقَ لَهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَمَرُّوا إلَى عَشْرٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمْ نَوَوْا الْإِقَامَةَ حَتَّى يَقْضُوا النُّسُكَ. نَعَمْ كَانَ يَسْتَقِيمُ هَذَا لَوْ كَانَ فِي قِصَّةِ الْفَتْحِ، لَكِنَّ الْكَائِنَ فِيهَا «أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ، «فَإِنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ، وَبَاتَ بِالْمُحَصَّبِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ وَفِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مِنْ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ طَافَ ﷺ طَوَافَ الْوَدَاعِ سَحَرًا قَبْلَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَخَرَجَ صَبِيحَتَهُ وَهُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ فَتَمَّتْ لَهُ عَشْرُ لَيَالٍ». وَلَوْ قِيلَ: تِلْكَ وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَجُوزُ كَوْنُ الْإِقَامَةِ فِيهَا كَانَتْ مَنْوِيَّةً مِنْهُ ﷺ فِي مَكَّةَ وَمِنًى فَلَا يَصِيرُ لَهُ بِذَلِكَ حُكْمُ الْإِقَامَةِ عَلَى رَأْيِكُمْ. قُلْنَا: مَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى صَبِيحَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ فَيَكُونُ عَزْمُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إلَى حِينَئِذٍ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ كَوَامِلُ، فَيَنْتَفِي بِهِ قَوْلُكُمْ: إنَّ أَرْبَعَةً أَقَلُّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ . (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ) بِالذَّالِ السَّاكِنَةِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَ هَمْزَةٍ وَالْبَاءُ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا الْيَاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ تَحْتٍ قَرْيَةٌ، رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: ارْتَجَّ عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي غَزَاةٍ، فَكُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَقَيَّدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِبَعْضِ بِلَادِ فَارِسَ سِنِينَ، فَكَانَ لَا يَجْمَعُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِّ شَهْرَيْنِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: فَلَمْ تَكُنْ دَارَ إقَامَةٍ) وَمُجَرَّدُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ لَا تَتِمُّ عِلَّةً فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِقَامَةِ كَمَا فِي الْمَفَازَةِ، فَكَانَتْ الْبَلَدُ مِنْ دَارِ

стр. 557

(وَكَذَا إذَا حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مِصْرٍ أَوْ حَاصَرُوهُمْ فِي الْبَحْرِ)؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀: يَصِحُّ فِي الْوَجْهَيْنِ إذَا كَانَ الشَّوْكَةُ لَهُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْقَرَارِ ظَاهِرًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَصِحُّ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ الْمَدَرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةٍ. (وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَأِ وَهُمْ أَهْلُ الْأَخْبِيَةِ، قِيلَ لَا تَصِحُّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى الْحَرْبِ قَبْلَ الْفَتْحِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَالْمَفَازَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ إقَامَةٍ قَبْلَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ أَنْ يَهْزِمُوا فَيَقِرُّوا أَوْ يُهْزَمُوا فَيَفِرُّوا، فَحَالَتُهُمْ هَذِهِ مُبْطِلَةٌ عَزِيمَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ تِلْكَ الْعَزِيمَةِ مُوَطَّنُونَ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ هُزِمُوا قَبْلَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ أَمْرٌ مُجَوَّزٌ لَمْ يُقِيمُوا، وَهَذَا مَعْنَى قِيَامِ التَّرَدُّدِ فِي الْإِقَامَةِ فَلَمْ تُقْطَعْ النِّيَّةُ عَلَيْهَا، وَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ النِّيَّةِ مِنْ قَطْعِ الْقَصْدِ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُصُولِ الْمَدَدِ لِلْعَدُوِّ، وَوُجُودَ مَكِيدَةٍ مِنْ الْقَلِيلِ يَهْزِمُ بِهَا الْكَثِيرَ قَائِمٌ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَطْعَ الْقَصْدِ، وَبِهَذَا يُضَعَّفُ تَعْلِيلُ أَبِي يُوسُفَ الصِّحَّةَ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ الْمَدَرِ لَا إنْ كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ بُيُوتِ الْمَدَرِ لَيْسَ عِلَّةَ ثُبُوتِ الْإِقَامَةِ بَلْ مَعَ النِّيَّةِ وَلَمْ تُقْطَعْ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ دَخَلَ مِصْرًا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَ غَيْرَ وَنَوَى الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يُتِمُّ، وَفِي أَسِيرٍ انْفَلَتَ مِنْهُمْ وَوَطَّنَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي غَارٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَصِرْ مُقِيمًا. (قَوْلُهُ: فَلَا يَبْطُلُ بِانْتِقَالٍ مَنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى) يَعْنِي هُمْ لَا يَقْصِدُونَ سَفَرًا بَلْ الِانْتِقَالَ مِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ الْمُقَامُ فِي الْمَفَاوِزِ فَكَانَتْ فِي حَقِّهِمْ كَالْقُرَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْقُرَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرِّعَاءَ إذَا كَانُوا فِي تَرْحَالٍ فِي الْمَفَاوِزِ مِنْ مَسَاقِطَ إلَى مَسَاقِطِ الْغَيْثِ وَمَعَهُمْ رِحَالُهُمْ وَأَثْقَالُهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ حَيْثُ نَزَلُوا مَرْعًى كَثِيرَ الْكَلَإِ وَالْمَاءِ وَاِتَّخَذُوا الْمَخَابِزَ وَالْمَعَالِفَ وَالْأَوَارِيَ وَالْخِيَامَ وَعَزَمُوا عَلَى إقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ يَكْفِيهِمْ، فَإِنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنْ أَجْعَلَهُمْ مُقِيمِينَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ سَفَرِهِمْ

стр. 558

(وَإِنْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ أَتَمَّ أَرْبَعًا)؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى أَرْبَعٍ لِلتَّبَعِيَّةِ كَمَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ لِاتِّصَالِ الْمُغَيَّرِ بِالسَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ بِذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدُوا فِي الِابْتِدَاءِ مَوْضِعًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى يَنْتَقِضَ بِهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ، بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ هَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ. أَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بَلْ هُوَ مُسَافِرٌ فَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَرْعًى أَوْ جَزِيرَةٍ. (قَوْلُهُ: لِاتِّصَالِ الْمُغَيَّرِ) وَهُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالسَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ، وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ قَابِلٌ لِلتَّغْيِيرِ حَالَ قِيَامِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهِ تَغَيَّرَ إلَى أَرْبَعٍ. فَبَعْدَ قَبُولِهِ لِلتَّغَيُّرِ تَوَقَّفَ تَحَقُّقُ التَّغَيُّرِ عَلَى مُجَرَّدِ سَبَبٍ وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ الِاقْتِدَاءُ. فَإِنْ قِيلَ: انْعِقَادُ الِاقْتِدَاءِ سَبَبًا لِلتَّغَيُّرِ مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ وَصِحَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى تَغَيُّرِ فَرْضِهِ إذْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَزِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعَدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ فَقَدْ تَوَقَّفَ التَّغَيُّرُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ وَصِحَّتُهُ عَلَى التَّغَيُّرِ وَهُوَ دَوْرٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ لَا دَوْرُ تَرَتُّبٍ بِأَنْ تَثْبُتَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّغَيُّرِ مَعًا إلَّا أَنَّهُ فِي الْمُلَاحَظَةِ يَكُونُ ثُبُوتُ التَّغَيُّرِ لِتَصْحِيحِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ وَلَا مَانِعَ إلَّا عَدَمُ التَّغَيُّرِ، وَهُوَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِفَرْضِ ثُبُوتِ التَّغَيُّرِ بِمَا يَصْلُحُ سَبَبًا لَهُ فَلْيَكُنْ طَلَبُ الشَّرْعِ تَصْحِيحَ الِاقْتِدَاءِ سَبَبًا لَهُ أَيْضًا فَيَثْبُتُ عِنْدَ الِاقْتِدَاءِ فَتَثْبُتُ الصِّحَّةُ مَعَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَقْبَلُهَا لِتَقَرُّرِهِ فِي الذِّمَّةِ رَكْعَتَيْنِ فَيَصِيرُ كَالصُّبْحِ فَلَا يُمْكِنُ فَلَا يَصِحُّ، وَهَذَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ. أَمَّا إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ الْفَرَاغِ فَلَا يَفْسُدُ وَلَا يَبْطُلُ اقْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اقْتَدَى صَارَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا لِلتَّبَعِيَّةِ كَالْمُقِيمِ وَصَلَاةُ الْمُقِيمِ لَا تَصِيرُ رَكْعَتَيْنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَذَا لَوْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَانْتَبَهَ بِطَرِيقٍ أَوْلَى: أَعْنِي يُتِمُّ أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ تَغَيُّرُهُ ضَرُورَةَ الِاقْتِدَاءِ فَلَوْ أَفْسَدَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِزَوَالِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ فِي فَرْضِهِ يَنْوِي النَّفَلَ حَيْثُ يُصَلِّي أَرْبَعًا إذَا أَفْسَدَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُنَا لَمْ يَقْصِدْ سِوَى إسْقَاطِ فَرْضِهِ غَيْرَ أَنَّهُ تَغَيُّرُ ضَرُورَةِ الْمُتَابَعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَدَى الْمُقِيمُ بِالْمُسَافِرِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ الْمُقِيمَ لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ إلَى الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّهُ صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْخَلِيفَةِ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْتَمُّ خَلِيفَةً عَنْ الْمُسَافِرِ كَانَ الْمُسَافِرُ كَأَنَّهُ الْإِمَامُ فَيَأْخُذُ الْخَلِيفَةُ صِفَةَ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ مِنْ الْمُسَافِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ. وَلَوْ أَمَّ مُسَافِرٌ مُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ تَكَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَوْ قَامَ فَذَهَبَ ثُمَّ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَرْبَعًا لِوُجُودِ الْمُغَيِّرِ فِي مَحَلِّهِ، وَصَلَاةُ مَنْ تَكَلَّمَ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي وَقْتٍ لَوْ تَكَلَّمَ إمَامُهُ لَمْ تَفْسُدْ فَكَذَا صَلَاةُ

стр. 559

(وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي فَائِتَةٍ لَمْ تُجْزِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْوَقْتِ لِانْقِضَاءِ السَّبَبِ، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَيَكُونُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعَدَةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ. (وَإِنْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِينَ رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ وَأَتَمَّ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ) الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا ثُمَّ تَكَلَّمَ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْمُسَافِرِينَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ لِلتَّبَعِيَّةِ وَقَدْ زَالَتْ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي فَائِتَةٍ) أَيْ فِي فَائِتَةٍ عَلَى الْمَأْمُومِ الْمُسَافِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِتَةً عَلَى الْإِمَامِ الْمُقِيمِ أَوْ لَا بِأَنْ صَلَّى الْمُقِيمُ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فَاقْتَدَى بِهِ مُسَافِرٌ فِي الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ فَائِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ. (قَوْلُهُ: اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي حَقِّ الْقَعَدَةِ الْأَوْلَى) إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسَافِرِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ فَرْضُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ اسْمَ النَّفْلِ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّلَاةِ بِالتَّرْكِ أَوْ الْقِرَاءَةِ إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِ

стр. 560

لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ الْتَزَمَ الْمُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُ فِي الْبَاقِي كَالْمَسْبُوقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَدٍ تَحْرِيمَةً لَا فِعْلًا وَالْفَرْضُ صَارَ مُؤَدًّى فَيَتْرُكُهَا احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةً نَافِلَةً فَلَمْ يَتَأَدَّ الْفَرْضُ فَكَانَ الْإِتْيَانُ أَوْلَى، قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذْ سَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَهُ حِينَ نَفْلٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ هَذِهِ تَلْتَحِقُ بِالْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ يَجِبُ جَعْلُهُ فِيهِمَا فَيَخْلُو الثَّانِي عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ يَقْرَءُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ، وَلِهَذَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِمْ إذَا سَهَوْا. (قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا) فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الِاقْتِدَاءِ: تَحْرِيمَةُ حِينَ أَدْرَكُوا أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ تَحْرِيمًا، وَبِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِهِ فِعْلًا إذْ لَمْ يَفُتْهُمْ مَعَ الْإِمَامِ مَا يَقْضُونَ وَقَدْ أَدْرَكُوا فَرْضَ الْقِرَاءَةِ تُسْتَحَبُّ، وَإِذَا دَارَ الْفِعْلُ بَيْنَ وُقُوعِهِ مُسْتَحَبًّا أَوْ مُحَرَّمًا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ أَدْرَكَ قِرَاءَةَ نَافِلَةٍ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تُلْتَحَقُ بِهِمَا وَيَخْلُو الشَّفْعُ الثَّانِي كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يُدْرِكْ قِرَاءَةً أَصْلًا حُكْمًا إذْ ذَاكَ فَدَارَتْ قِرَاءَتُهُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً تَحْرِيمًا أَوْ رُكْنًا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، فَالِاحْتِيَاطُ فِي حَقِّهِ الْقِرَاءَةُ؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ تَرْكِ الْفَرْضِ أَشَدُّ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا. (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا سَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ إلَخْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ بِالْإِمَامِ قَبْلَ ذَهَابِهِ فَيَحْكُمُ حِينَئِذٍ بِفَسَادِ صَلَاةِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى

стр. 561

صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ ظَنِّ إقَامَةِ الْإِمَامِ ثُمَّ إفْسَادِهِ بِسَلَامِهِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَوْ مُقِيمٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِجَمَاعَةٍ انْتَهَى لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ: رَجُلٌ صَلَّى بِالْقَوْمِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فِي قَرْيَةٍ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا مُقِيمِينَ أَمْ مُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَإِنْ سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ انْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُتِمُّوا ثُمَّ يَسْأَلُوهُ فَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ. وَحَدِيثُ «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدْت مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. هَذَا وَلَوْ قَامَ الْمُقْتَدِي الْمُقِيمُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَنَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ رَفَضَ ذَلِكَ وَتَابَعَ الْإِمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَجَدَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْتَحْكِمْ خُرُوجُهُ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ الْإِمَامِ. وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ بِوَاسِطَةِ التَّغَيُّرِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِمَا، فَإِنْ انْفَرَدَ فَسَدَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ بَعْدَ مَا سَجَدَ الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يُتِمُّ مُنْفَرِدًا، فَلَوْ رَفَضَ وَتَابَعَ فَسَدَتْ لِاقْتِدَائِهِ حَيْثُ وَجَبَ الِانْفِرَادُ، وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ مَسْأَلَةَ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ مُقِيمًا فَارْجِعْ إلَيْهَا هُنَاكَ وَأَتْقِنْهَا. (وَهَذِهِ مَسَائِلُ لِلزِّيَادَاتِ) مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ أَمَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَمَّا شَرَعَا شَكَّا فِي الْإِمَامِ اسْتَقْبَلَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى فَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ وَجَازَتْ مِنْ وُجُوهٍ حُكِمَ بِفَسَادِهَا، وَإِمَامَةُ الْمُقْتَدِي مُفْسِدَةٌ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُقْتَدِيًا قَائِمٌ فَتَفْسُدُ عَلَيْهِمَا. قِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا افْتَرَقَا عَنْ مَكَانِهِمَا، أَمَّا قَبْلَهُ فَيُجْعَلُ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْآخَرِ مُقْتَدِيًا حَمْلًا عَلَى السُّنَّةِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُقْتَدِي عَنْ الْيَمِينِ لَيْسَ شَرْطًا لِيُجْعَلَ دَلِيلًا، وَلَوْ لَمْ يَشُكَّا حَتَّى أَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فَخَرَجَ ثُمَّ أَحْدَثَ الْآخَرُ فَخَرَجَ ثُمَّ شَكَّا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا لَمَّا خَرَجَ أَوَّلًا صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْمُتَأَخِّرِ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ الثَّانِي خَلَا مَوْضِعُ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ إمَامٌ فَلَا تَعَلُّقَ لِصَلَاتِهِ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ لِيَلْزَمَ مِنْ فَسَادِ صَلَاةِ الْغَيْرِ فَسَادُهَا وَيُصَلِّي أَرْبَعًا مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْمُسَافِرِ إنْ كَانَ إمَامًا، وَعَلَى الْمُقِيمِ إنْ اقْتَدَى بِالْمُسَافِرِ وَتَحَوَّلَتْ إمَامَتُهُ إلَيْهِ، وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ ثَابِتٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ خُرُوجًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُتَقَدِّمِ فَاسِدَةٌ وَاحْتِمَالُ التَّقَدُّمِ ثَابِتٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا إنْ خَرَجَا مَعًا لِفَسَادِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي مِنْهُمَا لِخُلُوِّ مَكَانِ الْإِمَامِ وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثَابِتٌ. وَلَوْ صَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ وَقَعَدَا وَلَمْ يُحْدِثَا ثُمَّ شَكَّا فِي الْإِمَامِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا بَلْ يَقُومُ الْمُقِيمُ وَيُتِمُّ أَرْبَعًا

стр. 562

(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي مِصْرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إلَى أَوْطَانِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ جَدِيدٍ. وَيُتَابِعُهُ الْمُسَافِرُ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ إنْ كَانَ إمَامًا كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْتَهَى اقْتِدَاؤُهُ إذَا قَعَدَ إمَامُهُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَيُتَابِعُهُ الْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَلَا تَضُرُّهُ الْمُتَابَعَةُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْقَلَبَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا، وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ ثَابِتٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَسَدَتْ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ لَمْ يَشُكَّا حَتَّى أَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فَخَرَجَ ثُمَّ الْآخَرُ كَذَلِكَ ثُمَّ شَكَّا بَعْدَمَا رَجَعَا مِنْ الْوُضُوءِ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ مُقِيمًا، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَمَا انْتَهَى اقْتِدَاؤُهُ. وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَوَّلًا صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ، فَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ بَعْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُسَافِرًا إنْ كَانَ إمَامًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الْأَرْكَانِ فَلَمْ يَصِرْ مُقْتَدِيًا بِالْمُقِيمِ لِانْتِهَاءِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِخُرُوجِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ فَفَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا مِنْ وَجْهٍ وَجَازَتْ مِنْ وَجْهٍ فَيُحْكَمُ بِالْفَسَادِ وَالْمُتَأَخِّرُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِيَصِيرَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِيمًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَبِالِاقْتِدَاءِ يَجِبُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ الِابْتِدَاءِ ثَابِتٌ، وَإِنْ شَكَّا فِي الَّذِي خَرَجَ أَوَّلًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُتَقَدِّمِ فَاسِدَةٌ وَاحْتِمَالُ التَّقَدُّمِ فِي حَقِّ كُلٍّ ثَابِتٌ، وَإِنْ خَرَجَا مَعًا فَصَلَاةُ الْمُقِيمِ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا لَمْ تَتَحَوَّلْ إمَامَتُهُ إلَى الْمُسَافِرِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْتَهَى حُكْمُ الِاقْتِدَاءِ فَصَارَ مُنْفَرِدًا، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَاسِدَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا وَقَدْ خَلَا مَكَانُ إمَامِهِ، وَإِنْ شَكَّا بَعْدَمَا صَلَّيَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَلَمْ يُحْدِثَا الْقِيَاسُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تَجُوزُ صَلَاتُهُمَا، وَيُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا حَمْلًا لِأَمْرِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ الْجَرْيُ عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكَيْنِ وَنَسِيَهُمَا، الْقِيَاسُ أَنْ تَلْزَمَهُ عُمْرَتَانِ وَحَجَّتَانِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَلْزَمُهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الْمَسْنُونِ الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْقِرَانُ. وَكَذَلِكَ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الظُّهْرِ وَتَرَكَا الْقَعْدَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَا وَسَجَدَا لِلسَّهْوِ ثُمَّ شَكَّا فِي الْإِمَامِ يُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا، وَكَذَا لَوْ تَرَكَا الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، فَلَمَّا سَلَّمَا وَسَجَدَا لِلسَّهْوِ شَكَّا يُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا إذَا جَعَلْنَا الْمُقِيمَ إمَامًا فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنْ أَحْدَثَ الْمُقِيمُ أَوَّلًا وَخَرَجَ ثُمَّ أَحْدَثَ الْمُسَافِرُ وَخَرَجَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقِيمِ وَجَازَتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَإِنْ أَحْدَثَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا وَخَرَجَا مَعًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ بِخُلُوِّ مَكَانِ الْإِمَامِ وَجَازَتْ صَلَاةُ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَإِنْ

стр. 563

(وَمَنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ ثُمَّ سَافَرَ وَدَخَلَ وَطَنَهُ الْأَوَّلَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَطَنًا لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَطَنَ الْأَصْلِيَّ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ دُونَ خَرَجَا عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَا يُعْلَمُ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا لِمَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ) قَيَّدَ بِالْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ بَلْ اسْتَوْطَنَ آخَرَ بِأَنْ اتَّخَذَ لَهُ أَهْلًا فِي الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِي الْأَوَّلِ كَمَا يُتِمُّ فِي الثَّانِي. (قَوْلُهُ: عَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ) هُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا حَيْثُ قَالَ «فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ». (قَوْلُهُ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) قِيلَ الْأَوْطَانُ ثَلَاثَةٌ: وَطَنٌ أَصْلِيٌّ وَهُوَ مَوْلِدُ الْإِنْسَانِ أَوْ مَوْضِعٌ تَأَهَّلَ بِهِ وَمَنْ قَصْدُهُ التَّعَيُّشُ بِهِ لَا الِارْتِحَالُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ فِي بَلَدٍ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِيهِ قِيلَ يَصِيرُ مُقِيمًا وَقِيلَ لَا. وَوَطَنُ إقَامَةٍ وَهُوَ مَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَوَطَنُ سُكْنَى وَهُوَ مَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ السَّفَرُ فِيهِ كَالْمَفَازَةِ، وَلِذَا تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْأَصْلِيُّ لَا يَنْتَقِضُ إلَّا بِالِانْتِقَالِ عَنْهُ وَاسْتِيطَانِ آخَرَ كَمَا قُلْنَا لَا بِالسَّفَرِ وَلَا بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ، وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ يَنْتَقِضُ بِالْأَصْلِيِّ وَوَطَنِ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ. وَتَقْدِيمُ السَّفَرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الْأَصْلِيِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِثُبُوتِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي أُخْرَى إنَّمَا يَصِيرُ الْوَطَنُ وَطَنَ إقَامَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ وَيَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ مُدَّةُ سَفَرٍ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ لَا لِقَصْدِ السَّفَرِ فَوَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَخَرَجَ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ مَسِيرَتُهَا مِنْ وَطَنِهِ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا وَلَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ. وَالتَّخْرِيجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: بَغْدَادِيٌّ وَكُوفِيٌّ خَرَجَا مِنْ وَطَنِهِمَا يُرِيدَانِ قَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُقِيمَا بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَبَيْنَ كُوفَةَ وَبَغْدَادَ خَمْسَةُ مَرَاحِلَ وَالْقَصْرُ مُنْتَصَفُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَاهُ خَرَجَا مِنْهُ إلَى الْكُوفَةِ لِيُقِيمَا بِهَا يَوْمًا ثُمَّ يَرْجِعَا إلَى بَغْدَادَ فَإِنَّهُمَا يُتِمَّانِ الصَّلَاةَ بِهَا إلَى الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مِنْ وَطَنِهِمَا إلَى الْقَصْرِ لَيْسَ سَفَرًا، وَكَذَا مِنْ الْقَصْرِ إلَى الْكُوفَةِ فَبَقِيَا مُقِيمَيْنِ إلَى الْكُوفَةِ، فَإِنْ خَرَجَا مِنْ الْكُوفَةِ إلَى بَغْدَادَ يَقْصُرَانِ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَصَدَ الْمُرُورَ عَلَى الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا بَغْدَادَ وَلَيْسَ لَهُمَا وَطَنٌ، أَمَّا الْكُوفِيُّ؛ فَلِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ نَقَضَ وَطَنَ الْقَصْرِ. وَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّ فَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ: يَعْنِي الزِّيَادَاتِ يَقْصُرُ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ وَطَنَ الْبَغْدَادِيِّ بِالْقَصْرِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا وَلَمْ يُوجَدْ

стр. 564

السَّفَرِ، وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ وَبِالسَّفَرِ وَبِالْأَصْلِيِّ. (وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنًى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُعَرَّى عَنْهُ مَا يَنْقُضُهَا، وَقِيَامُ وَطَنِهِ بِالْقَصْرِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ السَّفَرِ. وَجْهُ رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ وَطَنَ الْإِقَامَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مِنْ الْمُقِيمِ لَغْوٌ، وَلَمْ يُوجَدْ تَقْدِيمُ السَّفَرِ فَلَمْ يَصِحَّ وَطَنُهُ بِالْقَصْرِ فَصَارَ مُسَافِرًا إلَى بَغْدَادَ انْتَهَى. وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ تُبَيِّنُ أَنَّ السَّفَرَ النَّاقِضَ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ بِهِ بَعْدَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ. وَمِثَالُهُ: فِي دِيَارِنَا قَاهِرِيٌّ خَرَجَ إلَى بُلْبَيْسٍ فَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الصَّالِحِيَّةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَاهِرَةِ وَيَمُرَّ بِبُلْبَيْسَ، فَعَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ السَّفَرِ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ يَقْصُرُ إلَى الْقَاهِرَةِ، وَعَلَى الْأُخْرَى يُتِمُّ. وَمِثَالُ انْتِقَاضِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ يُبَيِّنُ مَا قُلْنَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ خُرَاسَانِيٍّ قَدِمَ الْكُوفَةَ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ وَنَوَى الْمُقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْحِيرَةِ يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَى خُرَاسَانَ وَمَرَّ بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنَ إقَامَةٍ، وَقَدْ انْتَقَضَ بِوَطَنِهِ بِالْحِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ وَطَنُ إقَامَةٍ مِثْلُهُ، وَكَذَا وَطَنُهُ بِالْحِيرَةِ انْتَقَضَ بِالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ وَطَنُ إقَامَةٍ فَكَمَا خَرَجَ مِنْ الْحِيرَةِ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ صَارَ مُسَافِرًا وَلَا وَطَنَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَدْخُلَ خُرَاسَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِالْحِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ لَمْ يَبْطُلْ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطَنٍ مِثْلِهِ وَلَا سَفَرٍ فَيَبْقَى وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ كَمَا كَانَ. وَلَوْ أَنَّ الْخُرَاسَانِيَّ ارْتَحَلَ مِنْ الْكُوفَةِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَقَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَكَرَ حَاجَةً بِالْكُوفَةِ فَعَادَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ بَطَلَ بِالسَّفَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَ إلَيْهِ وَوَطَنِهِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ يَصِيرُ مُقِيمًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا فَيَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ وَطَنَهُ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَرْكُ السَّفَرِ، فَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ السَّفَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي تَرْكُ السَّفَرِ إلَى جِهَةِ قَصْدِهِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَبَقِيَ مُسَافِرًا كَمَا كَانَ. وَفِي النَّوَادِرِ: خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ مُسَافِرًا ثُمَّ افْتَتَحَ لِلصَّلَاةِ فَسَبَقَهُ حَدَثٌ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَنَوَى أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ صَارَ مُقِيمًا مِنْ سَاعَتِهِ دَخَلَ مِصْرَهُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الدُّخُولِ تَرْكُ السَّفَرِ فَحَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ فَصَحَّتْ، فَإِذَا دَخَلَهُ صَلَّى أَرْبَعًا، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ

стр. 565

إلَّا إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا فَيَصِيرَ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمَرْءِ مُضَافَةٌ إلَى مَبِيتِهِ. (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا)؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِحَسَبِ الْأَدَاءِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ آخِرُ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ. أَنْ يَدْخُلَهُ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ فِعْلَ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَمْنَعُ عَنْهُ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْهُ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ أَوْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ بِمُفْسِدٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ، إنْ وَجَدَهُ فِي مَكَانِهِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ مَشَى أَمَامَهُ حَتَّى وَجَدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ لَنَا أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ أَرْبَعًا، فَلْنُتْمِمْ الْكَلَامَ فِيهِ بِذِكْرِ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ إلَى الرُّبَاعِيَّةِ، إلَّا إنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا فَنَوَى الْإِقَامَةَ لِتَقَرُّرِ الْفَرْضِ رَكْعَتَيْنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا فَرَاغَ إمَامِهِ الْمُسَافِرِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّ اللَّاحِقَ مُقْتَدٍ حُكْمًا حَتَّى لَا يَقْرَأَ وَلَا يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، فَفَرَاغُ الْإِمَامِ كَأَنَّهُ فَرَاغُهُ وَبِهِ يَسْتَحْكِمُ الْفَرْضُ وَلَمْ يَبْقَ مُحْتَمِلًا لِلتَّغَيُّرِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ اللَّاحِقِ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَوْ نَوَاهَا بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُسَلِّمْ تَغَيَّرَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِيًا قَعَدَ أَوَّلًا فَنَوَاهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمَكْتُوبَةِ قَبْلَ النِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّهُمَا نَفْلٌ فَلَا يَنُوبَانِ عَنْ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَتَّى سَجَدَ لَا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى؛ لِيَكُونَ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ قَعَدَ وَبِأَرْبَعٍ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَعَدَ لِمَا عُرِفَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عِنْدَهُمَا، وَلَا يَضُمُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِفَسَادِ أَصْلِ الصَّلَاةِ بِفَسَادِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ نَوَاهَا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ نَوَاهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ تَحَوَّلَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تَفْسُدَ لِمَا سَلَفَ لَهُ مِنْ فَسَادِهَا بِتَرْكِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ، لَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ هُنَا فَقَالَ بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ، وَإِنْ تُرِكَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرَضِ أَنْ تَلْحَقَهَا مَدَدُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَيَقْضِي الْقِرَاءَةَ فِي الْبَاقِي فَلَا يَتَحَقَّقُ تَقَرُّرُ الْمُفْسِدِ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ، وَلَا يُشْكِلُ لَوْ نَوَاهَا بَعْدَ السُّجُودِ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ نَوَاهَا بَعْدَ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ أَوْ لَا؟ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ آخِرَ الْوَقْتِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ فِي حَقِّ
следующие страницы →