Полный текст (3 611 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
صَلَّى بِأَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ
ظَنِّ إقَامَةِ الْإِمَامِ ثُمَّ إفْسَادِهِ بِسَلَامِهِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَوْ مُقِيمٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِجَمَاعَةٍ انْتَهَى لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ: رَجُلٌ صَلَّى بِالْقَوْمِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فِي قَرْيَةٍ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا مُقِيمِينَ أَمْ مُسَافِرِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَإِنْ سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ انْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ لَهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُتِمُّوا ثُمَّ يَسْأَلُوهُ فَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ. وَحَدِيثُ «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدْت مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
هَذَا وَلَوْ قَامَ الْمُقْتَدِي الْمُقِيمُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَنَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ قَبْلَ سُجُودِهِ رَفَضَ ذَلِكَ وَتَابَعَ الْإِمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَجَدَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْتَحْكِمْ خُرُوجُهُ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ الْإِمَامِ. وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ بِوَاسِطَةِ التَّغَيُّرِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِدَاءُ فِيهِمَا، فَإِنْ انْفَرَدَ فَسَدَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ بَعْدَ مَا سَجَدَ الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يُتِمُّ مُنْفَرِدًا، فَلَوْ رَفَضَ وَتَابَعَ فَسَدَتْ لِاقْتِدَائِهِ حَيْثُ وَجَبَ الِانْفِرَادُ، وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ مَسْأَلَةَ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ مُقِيمًا فَارْجِعْ إلَيْهَا هُنَاكَ وَأَتْقِنْهَا. (وَهَذِهِ مَسَائِلُ لِلزِّيَادَاتِ) مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ أَمَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَمَّا شَرَعَا شَكَّا فِي الْإِمَامِ اسْتَقْبَلَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَتَى فَسَدَتْ مِنْ وَجْهٍ وَجَازَتْ مِنْ وُجُوهٍ حُكِمَ بِفَسَادِهَا، وَإِمَامَةُ الْمُقْتَدِي مُفْسِدَةٌ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُقْتَدِيًا قَائِمٌ فَتَفْسُدُ عَلَيْهِمَا.
قِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا افْتَرَقَا عَنْ مَكَانِهِمَا، أَمَّا قَبْلَهُ فَيُجْعَلُ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْآخَرِ مُقْتَدِيًا حَمْلًا عَلَى السُّنَّةِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْمُقْتَدِي عَنْ الْيَمِينِ لَيْسَ شَرْطًا لِيُجْعَلَ دَلِيلًا، وَلَوْ لَمْ يَشُكَّا حَتَّى أَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فَخَرَجَ ثُمَّ أَحْدَثَ الْآخَرُ فَخَرَجَ ثُمَّ شَكَّا فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مُقْتَدِيًا لَمَّا خَرَجَ أَوَّلًا صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْمُتَأَخِّرِ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ الثَّانِي خَلَا مَوْضِعُ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ إمَامٌ فَلَا تَعَلُّقَ لِصَلَاتِهِ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ لِيَلْزَمَ مِنْ فَسَادِ صَلَاةِ الْغَيْرِ فَسَادُهَا وَيُصَلِّي أَرْبَعًا مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا، وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَيَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْمُسَافِرِ إنْ كَانَ إمَامًا، وَعَلَى الْمُقِيمِ إنْ اقْتَدَى بِالْمُسَافِرِ وَتَحَوَّلَتْ إمَامَتُهُ إلَيْهِ، وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ ثَابِتٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ خُرُوجًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُتَقَدِّمِ فَاسِدَةٌ وَاحْتِمَالُ التَّقَدُّمِ ثَابِتٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا إنْ خَرَجَا مَعًا لِفَسَادِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي مِنْهُمَا لِخُلُوِّ مَكَانِ الْإِمَامِ وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثَابِتٌ.
وَلَوْ صَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ وَقَعَدَا وَلَمْ يُحْدِثَا ثُمَّ شَكَّا فِي الْإِمَامِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا بَلْ يَقُومُ الْمُقِيمُ وَيُتِمُّ أَرْبَعًا
стр. 562
(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي مِصْرِهِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَأَصْحَابَهُ ﵃ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَيَعُودُونَ إلَى أَوْطَانِهِمْ مُقِيمِينَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ جَدِيدٍ.
وَيُتَابِعُهُ الْمُسَافِرُ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ إنْ كَانَ إمَامًا كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْتَهَى اقْتِدَاؤُهُ إذَا قَعَدَ إمَامُهُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، وَيُتَابِعُهُ الْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَلَا تَضُرُّهُ الْمُتَابَعَةُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْقَلَبَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا، وَاحْتِمَالُ الِاقْتِدَاءِ ثَابِتٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَسَدَتْ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ لَمْ يَشُكَّا حَتَّى أَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فَخَرَجَ ثُمَّ الْآخَرُ كَذَلِكَ ثُمَّ شَكَّا بَعْدَمَا رَجَعَا مِنْ الْوُضُوءِ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ مُقِيمًا، فَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَمَا انْتَهَى اقْتِدَاؤُهُ.
وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَوَّلًا صَارَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ، فَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ بَعْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُسَافِرًا إنْ كَانَ إمَامًا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الْأَرْكَانِ فَلَمْ يَصِرْ مُقْتَدِيًا بِالْمُقِيمِ لِانْتِهَاءِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِخُرُوجِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ فَفَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا مِنْ وَجْهٍ وَجَازَتْ مِنْ وَجْهٍ فَيُحْكَمُ بِالْفَسَادِ وَالْمُتَأَخِّرُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِيَصِيرَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِيمًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَبِالِاقْتِدَاءِ يَجِبُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ الِابْتِدَاءِ ثَابِتٌ، وَإِنْ شَكَّا فِي الَّذِي خَرَجَ أَوَّلًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُتَقَدِّمِ فَاسِدَةٌ وَاحْتِمَالُ التَّقَدُّمِ فِي حَقِّ كُلٍّ ثَابِتٌ، وَإِنْ خَرَجَا مَعًا فَصَلَاةُ الْمُقِيمِ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا لَمْ تَتَحَوَّلْ إمَامَتُهُ إلَى الْمُسَافِرِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا انْتَهَى حُكْمُ الِاقْتِدَاءِ فَصَارَ مُنْفَرِدًا، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَاسِدَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا وَقَدْ خَلَا مَكَانُ إمَامِهِ، وَإِنْ شَكَّا بَعْدَمَا صَلَّيَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَلَمْ يُحْدِثَا الْقِيَاسُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُقْتَدِيًا بِالْمُسَافِرِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تَجُوزُ صَلَاتُهُمَا، وَيُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا حَمْلًا لِأَمْرِهِمَا عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ الْجَرْيُ عَلَى مُوجِبِ الشَّرْعِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكَيْنِ وَنَسِيَهُمَا، الْقِيَاسُ أَنْ تَلْزَمَهُ عُمْرَتَانِ وَحَجَّتَانِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَلْزَمُهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الْمَسْنُونِ الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْقِرَانُ.
وَكَذَلِكَ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الظُّهْرِ وَتَرَكَا الْقَعْدَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَا وَسَجَدَا لِلسَّهْوِ ثُمَّ شَكَّا فِي الْإِمَامِ يُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا، وَكَذَا لَوْ تَرَكَا الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، فَلَمَّا سَلَّمَا وَسَجَدَا لِلسَّهْوِ شَكَّا يُجْعَلُ الْمُقِيمُ إمَامًا إذَا جَعَلْنَا الْمُقِيمَ إمَامًا فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنْ أَحْدَثَ الْمُقِيمُ أَوَّلًا وَخَرَجَ ثُمَّ أَحْدَثَ الْمُسَافِرُ وَخَرَجَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُقِيمِ وَجَازَتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَإِنْ أَحْدَثَا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبًا وَخَرَجَا مَعًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ بِخُلُوِّ مَكَانِ الْإِمَامِ وَجَازَتْ صَلَاةُ الْمُقِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَإِنْ
стр. 563
(وَمَنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ ثُمَّ سَافَرَ وَدَخَلَ وَطَنَهُ الْأَوَّلَ قَصَرَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ وَطَنًا لَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَطَنَ الْأَصْلِيَّ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ دُونَ
خَرَجَا عَلَى التَّعَاقُبِ وَلَا يُعْلَمُ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا لِمَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ) قَيَّدَ بِالْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ بَلْ اسْتَوْطَنَ آخَرَ بِأَنْ اتَّخَذَ لَهُ أَهْلًا فِي الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ فِي الْأَوَّلِ كَمَا يُتِمُّ فِي الثَّانِي. (قَوْلُهُ: عَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ) هُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا حَيْثُ قَالَ «فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ». (قَوْلُهُ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) قِيلَ الْأَوْطَانُ ثَلَاثَةٌ: وَطَنٌ أَصْلِيٌّ وَهُوَ مَوْلِدُ الْإِنْسَانِ أَوْ مَوْضِعٌ تَأَهَّلَ بِهِ وَمَنْ قَصْدُهُ التَّعَيُّشُ بِهِ لَا الِارْتِحَالُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ فِي بَلَدٍ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِيهِ قِيلَ يَصِيرُ مُقِيمًا وَقِيلَ لَا.
وَوَطَنُ إقَامَةٍ وَهُوَ مَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَوَطَنُ سُكْنَى وَهُوَ مَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ السَّفَرُ فِيهِ كَالْمَفَازَةِ، وَلِذَا تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْأَصْلِيُّ لَا يَنْتَقِضُ إلَّا بِالِانْتِقَالِ عَنْهُ وَاسْتِيطَانِ آخَرَ كَمَا قُلْنَا لَا بِالسَّفَرِ وَلَا بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ، وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ يَنْتَقِضُ بِالْأَصْلِيِّ وَوَطَنِ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ. وَتَقْدِيمُ السَّفَرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِثُبُوتِ الْأَصْلِيِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِثُبُوتِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَفِي أُخْرَى إنَّمَا يَصِيرُ الْوَطَنُ وَطَنَ إقَامَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ سَفَرٌ وَيَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ مُدَّةُ سَفَرٍ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ لَا لِقَصْدِ السَّفَرِ فَوَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ السَّفَرِ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ وَخَرَجَ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى قَرْيَةٍ مَسِيرَتُهَا مِنْ وَطَنِهِ دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا وَلَا تَصِيرُ تِلْكَ الْقَرْيَةُ وَطَنَ إقَامَةٍ.
وَالتَّخْرِيجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: بَغْدَادِيٌّ وَكُوفِيٌّ خَرَجَا مِنْ وَطَنِهِمَا يُرِيدَانِ قَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُقِيمَا بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَبَيْنَ كُوفَةَ وَبَغْدَادَ خَمْسَةُ مَرَاحِلَ وَالْقَصْرُ مُنْتَصَفُ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَاهُ خَرَجَا مِنْهُ إلَى الْكُوفَةِ لِيُقِيمَا بِهَا يَوْمًا ثُمَّ يَرْجِعَا إلَى بَغْدَادَ فَإِنَّهُمَا يُتِمَّانِ الصَّلَاةَ بِهَا إلَى الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مِنْ وَطَنِهِمَا إلَى الْقَصْرِ لَيْسَ سَفَرًا، وَكَذَا مِنْ الْقَصْرِ إلَى الْكُوفَةِ فَبَقِيَا مُقِيمَيْنِ إلَى الْكُوفَةِ، فَإِنْ خَرَجَا مِنْ الْكُوفَةِ إلَى بَغْدَادَ يَقْصُرَانِ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَصَدَ الْمُرُورَ عَلَى الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا بَغْدَادَ وَلَيْسَ لَهُمَا وَطَنٌ، أَمَّا الْكُوفِيُّ؛ فَلِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ نَقَضَ وَطَنَ الْقَصْرِ. وَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّ فَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ: يَعْنِي الزِّيَادَاتِ يَقْصُرُ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ وَطَنَ الْبَغْدَادِيِّ بِالْقَصْرِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا وَلَمْ يُوجَدْ
стр. 564
السَّفَرِ، وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ وَبِالسَّفَرِ وَبِالْأَصْلِيِّ.
(وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنًى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا فِي مَوَاضِعَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُعَرَّى عَنْهُ
مَا يَنْقُضُهَا، وَقِيَامُ وَطَنِهِ بِالْقَصْرِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ السَّفَرِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ وَطَنَ الْإِقَامَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مِنْ الْمُقِيمِ لَغْوٌ، وَلَمْ يُوجَدْ تَقْدِيمُ السَّفَرِ فَلَمْ يَصِحَّ وَطَنُهُ بِالْقَصْرِ فَصَارَ مُسَافِرًا إلَى بَغْدَادَ انْتَهَى. وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ تُبَيِّنُ أَنَّ السَّفَرَ النَّاقِضَ لِوَطَنِ الْإِقَامَةِ مَا لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ عَلَى وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْمُرُورُ فِيهِ بِهِ بَعْدَ سَيْرِ مُدَّةِ السَّفَرِ. وَمِثَالُهُ: فِي دِيَارِنَا قَاهِرِيٌّ خَرَجَ إلَى بُلْبَيْسٍ فَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الصَّالِحِيَّةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْقَاهِرَةِ وَيَمُرَّ بِبُلْبَيْسَ، فَعَلَى رِوَايَةِ اشْتِرَاطِ السَّفَرِ بِوَطَنِ الْإِقَامَةِ يَقْصُرُ إلَى الْقَاهِرَةِ، وَعَلَى الْأُخْرَى يُتِمُّ.
وَمِثَالُ انْتِقَاضِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ بِمِثْلِهِ يُبَيِّنُ مَا قُلْنَا أَيْضًا، وَهُوَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ خُرَاسَانِيٍّ قَدِمَ الْكُوفَةَ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى الْحِيرَةِ وَنَوَى الْمُقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْحِيرَةِ يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَى خُرَاسَانَ وَمَرَّ بِالْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ كَانَ وَطَنَ إقَامَةٍ، وَقَدْ انْتَقَضَ بِوَطَنِهِ بِالْحِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ وَطَنُ إقَامَةٍ مِثْلُهُ، وَكَذَا وَطَنُهُ بِالْحِيرَةِ انْتَقَضَ بِالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ وَطَنُ إقَامَةٍ فَكَمَا خَرَجَ مِنْ الْحِيرَةِ عَلَى قَصْدِ خُرَاسَانَ صَارَ مُسَافِرًا وَلَا وَطَنَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَدْخُلَ خُرَاسَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِالْحِيرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ لَمْ يَبْطُلْ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطَنٍ مِثْلِهِ وَلَا سَفَرٍ فَيَبْقَى وَطَنُهُ بِالْكُوفَةِ كَمَا كَانَ.
وَلَوْ أَنَّ الْخُرَاسَانِيَّ ارْتَحَلَ مِنْ الْكُوفَةِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَقَبْلَ أَنْ يَسِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَكَرَ حَاجَةً بِالْكُوفَةِ فَعَادَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِالْكُوفَةِ بَطَلَ بِالسَّفَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْوَطَنِ الْأَصْلِيِّ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَ إلَيْهِ وَوَطَنِهِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ يَصِيرُ مُقِيمًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ سَفَرٍ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا فَيَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ وَطَنَهُ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَرْكُ السَّفَرِ، فَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ السَّفَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي تَرْكُ السَّفَرِ إلَى جِهَةِ قَصْدِهِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَبَقِيَ مُسَافِرًا كَمَا كَانَ.
وَفِي النَّوَادِرِ: خَرَجَ مِنْ مِصْرِهِ مُسَافِرًا ثُمَّ افْتَتَحَ لِلصَّلَاةِ فَسَبَقَهُ حَدَثٌ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَنَوَى أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ صَارَ مُقِيمًا مِنْ سَاعَتِهِ دَخَلَ مِصْرَهُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الدُّخُولِ تَرْكُ السَّفَرِ فَحَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ فَصَحَّتْ، فَإِذَا دَخَلَهُ صَلَّى أَرْبَعًا، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ
стр. 565
إلَّا إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا فَيَصِيرَ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْمَرْءِ مُضَافَةٌ إلَى مَبِيتِهِ.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا)؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِحَسَبِ الْأَدَاءِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ آخِرُ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ.
أَنْ يَدْخُلَهُ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ فِعْلَ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَمْنَعُ عَنْهُ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْهُ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ أَوْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ بِمُفْسِدٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ، إنْ وَجَدَهُ فِي مَكَانِهِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ مَشَى أَمَامَهُ حَتَّى وَجَدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ لَنَا أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُتِمَّ أَرْبَعًا، فَلْنُتْمِمْ الْكَلَامَ فِيهِ بِذِكْرِ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ فَرْضُهُ إلَى الرُّبَاعِيَّةِ، إلَّا إنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا فَنَوَى الْإِقَامَةَ لِتَقَرُّرِ الْفَرْضِ رَكْعَتَيْنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا فَرَاغَ إمَامِهِ الْمُسَافِرِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ؛ لِأَنَّ اللَّاحِقَ مُقْتَدٍ حُكْمًا حَتَّى لَا يَقْرَأَ وَلَا يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، فَفَرَاغُ الْإِمَامِ كَأَنَّهُ فَرَاغُهُ وَبِهِ يَسْتَحْكِمُ الْفَرْضُ وَلَمْ يَبْقَ مُحْتَمِلًا لِلتَّغَيُّرِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ اللَّاحِقِ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَوْ نَوَاهَا بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُسَلِّمْ تَغَيَّرَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِيًا قَعَدَ أَوَّلًا فَنَوَاهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمَكْتُوبَةِ قَبْلَ النِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ؛ لِأَنَّهُمَا نَفْلٌ فَلَا يَنُوبَانِ عَنْ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَتَّى سَجَدَ لَا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى؛ لِيَكُونَ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ قَعَدَ وَبِأَرْبَعٍ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَعَدَ لِمَا عُرِفَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ عِنْدَهُمَا، وَلَا يَضُمُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِفَسَادِ أَصْلِ الصَّلَاةِ بِفَسَادِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ مُسَافِرًا صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ نَوَاهَا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ نَوَاهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ تَحَوَّلَ فَرْضُهُ أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ فَسَادِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ تَفْسُدَ لِمَا سَلَفَ لَهُ مِنْ فَسَادِهَا بِتَرْكِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ، لَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ هُنَا فَقَالَ بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ، وَإِنْ تُرِكَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِعَرَضِ أَنْ تَلْحَقَهَا مَدَدُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَيَقْضِي الْقِرَاءَةَ فِي الْبَاقِي فَلَا يَتَحَقَّقُ تَقَرُّرُ الْمُفْسِدِ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ فَجْرِ الْمُقِيمِ، وَلَا يُشْكِلُ لَوْ نَوَاهَا بَعْدَ السُّجُودِ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ نَوَاهَا بَعْدَ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ أَوْ لَا؟
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ آخِرَ الْوَقْتِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَبِيَّةِ فِي حَقِّ
стр. 566
(وَالْعَاصِي وَالْمُطِيعُ فِي سَفَرِهِمَا فِي الرُّخْصَةِ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفِيدُ الرُّخْصَةَ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ
الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ تَقَرُّرِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَصِفَةُ الدَّيْنِ تُعْتَبَرُ حَالَ تَقَرُّرِهِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ كُلِّ الْوَقْتِ إذَا خَرَجَ فِي حَقِّهِ فَلِيُثْبِتَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ إذْ الْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْمَشْرُوعَاتِ أَنْ تُطْلَبَ الْعِبَادَاتُ كَامِلَةً، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ نَقْصُهَا لِعُرُوضِ تَأْخِيرِهِ إلَى الْجُزْءِ النَّاقِضِ مَعَ تَوَجُّهِ طَلَبِهَا فِيهِ إذَا عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا قَبْلَهُ، وَبِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ إدْرَاكٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ اعْتِبَارِ وَقْتِ الْوُجُوبِ. وَقَالَ زُفَرُ: إذَا سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ السَّفَرِ يَقْضِي صَلَاةَ السَّفَرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُقِيمِ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَعِنْدَنَا تَنْتَقِلُ إلَى الَّذِي يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَرْبَعًا ثُمَّ سَافَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَرَجَعَ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِلَا طَهَارَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَصَارَتْ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَهُوَ مُسَافِرٌ فِيهِ فَصَارَتْ فِي ذِمَّتِهِ صَلَاةَ السَّفَرِ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ خَرَجَ وَقْتُهَا وَهُوَ مُقِيمٌ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْمَرِيضُ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَهَا فِي الصِّحَّةِ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِقَيْدِ الْقِيَامِ غَيْرَ أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا حَالَةَ الْعُذْرِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ إذْ ذَاكَ، فَحَيْثُ لَمْ يُؤَدِّهَا حَالَةَ الْعُذْرِ زَالَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَتَعَيَّنَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ يَفْعَلُهَا الْمَرِيضُ قَاعِدًا إذَا فَاتَتْ عَنْ زَمَنِ
стр. 567
تَخْفِيفًا فَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ أَوْ يُجَاوِرُهُ فَصَلُحَ مُتَعَلَّقُ الرُّخْصَةِ. .
الصِّحَّةِ، أَمَّا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاءً، وَمَنْشَأُ الْغَلَطِ اشْتِرَاكُ لَفْظِ الرُّخْصَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجِبُ التَّغْلِيظَ) يَعْنِي الْمَعْصِيَةَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقِتَالَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ، وَالْإِبَاقَ لِلْعَبْدِ وَعَدَمَ الْمَحْرَمِ، وَقِيَامَ الْعِدَّةِ لِلْمَرْأَةِ يُوجِبُ صَيْرُورَةَ نَقْلِ الْخَطَإِ مَعْصِيَةً فَيَمْنَعُ الرُّخْصَةَ قِيَاسًا عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا خَافُوا الْإِمَامَ وَعَلَى زَوَالِ الْعَقْلِ بِمَحْظُورِ عَدَمِ سُقُوطِ الْخِطَابِ. وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ: أَيْ نُصُوصِ الرُّخْصَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَقَالَ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُفِيدَةِ تَعْلِيقَ الْقَصْرِ عَلَى مُسَمَّى السَّفَرِ فَوَجَبَ إعْمَالُ إطْلَاقِهَا إلَّا بِمُقَيِّدٍ وَلَمْ يُوجَدْ، أَمَّا نَصُّ الْكِتَابِ؛ فَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَّ الْقِيَاسُ الَّذِي عَيَّنَهُ لَمْ يَصْلُحْ مُقَيِّدًا لَهُ عِنْدَنَا فَكَيْفَ وَلَمْ يَتِمَّ فَلَا يَصْلُحُ مُقَيِّدًا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْجَامِعِ فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الرُّخْصَةِ عَدَمُ سَبَبِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ الْخَوْفُ وَهُوَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ سَبَبٌ عَنْ نَفْسِ الْمَعْصِيَةِ: أَعْنِي قَطْعَ الطَّرِيقِ.
وَسَبَبُ السَّبَبِ سَبَبٌ، فَلَوْ ثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ أَعْنِي جَوَازَ صَلَاةِ الْخَوْفِ لَهُمْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ نَفْسُهَا هِيَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّخْفِيفِ، وَكَذَا زَوَالُ الْعَقْلِ هُوَ السَّبَبُ وَهُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ نَفْسِهَا: أَعْنِي شُرْبَ الْمُسْكِرِ إلَى آخِرِ مَا قَرَّرْنَاهُ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ السَّبَبَ السَّفَرُ وَلَيْسَ هُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الَّذِي صَيَّرَهُ مُسَافِرًا لَيْسَ قَطْعُ الطَّرِيقِ بَلْ الشُّرُوعُ فِي السَّيْرِ الْمَخْصُوصِ لَا بِاعْتِبَارِ الطَّرِيقِ أَصْلًا فَعَرِيَ السَّبَبُ فِي نَفْسِهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَكَانَتْ هِيَ مُجَاوِرَةٌ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ اعْتِبَارِ مَا جَاوَرَهُ شَرْعًا كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ مَغْصُوبٍ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ النَّظَائِرِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الْفَاعِلِيُّ لَا الْغَائِيُّ.
[فُرُوعٌ]
التَّبَعُ كَالْعَبْدِ وَالْغُلَامِ وَالْجُنْدِيِّ وَالْمَرْأَةِ إذَا وَفَّاهَا مَهْرَهَا وَالْأَجِيرِ وَالتِّلْمِيذِ وَالْأَسِيرِ وَالْمُكْرَهِ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ مِنْ مَتْبُوعِهِمْ دُونَهُمْ فَيَصِيرُونَ مُقِيمِينَ وَمُسَافِرِينَ بِنِيَّتِهِمْ، وَلَوْ نَوَى الْمَتْبُوعُ الْإِقَامَةَ وَلَا يَعْلَمُونَ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ لُزُومِهِمْ حُكْمَ الْإِقَامَةِ فَقِيلَ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، وَقِيلَ مِنْ وَقْتِ عِلْمِهِمْ كَمَا فِي تَوَجُّهِ خِطَابِ الشَّرْعِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْأَحْوَطُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ كَالْعَزْلِ الْحُكْمِيِّ فَيَقْضُونَ مَا صَلَّوْا قَصْرًا قَبْلَ عِلْمِهِمْ، وَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ، قِيلَ يُتِمُّ، وَقِيلَ يَقْصُرُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فِي الْخِدْمَةِ قَصَرَ فِي نَوْبَةِ الْمُسَافِرِ وَأَتَمَّ فِي نَوْبَةِ الْمُقِيمِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ مِنْ الْمَتْبُوعِ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَمَّ سَيِّدَهُ فِي السَّفَرِ فَنَوَى السَّيِّدُ الْإِقَامَةَ صَحَّتْ، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا.
وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ مُقِيمٍ حَالَ سَفَرِهِ وَالْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَمَّ مَعَ السَّيِّدِ غَيْرَهُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ فَنَوَى السَّيِّدُ الْإِقَامَةَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي حَقِّ
стр. 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَبْدِهِ لَا فِي حَقِّ الْقَوْمِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، فَيُقَدِّمُ الْعَبْدُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدًا مِنْ الْمُسَافِرِينَ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ ثُمَّ يَقُومُ هُوَ وَالسَّيِّدُ فَيُتِمُّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَرْبَعًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا إذَا صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُقِيمِينَ وَمُسَافِرِينَ فَأَحْدَثَ فَقُدِّمَ مُقِيمٌ لَا يَنْقَلِبُ فَرْضُ الْقَوْمِ أَرْبَعًا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ بِمَاذَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ؟ قِيلَ يَنْصِبُ الْمَوْلَى أُصْبُعَيْهِ أَوَّلًا وَيُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ يَنْصِبُ الْأَرْبَعَ وَيُشِيرُ بِهَا.
وَفِي حُكْمِ الْأَسِيرِ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْوَالِي لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلْدَةٍ، وَالْغَرِيمُ إذَا لَزِمَهُ غَرِيمُهُ أَوْ حَبَسَهُ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ وَمَنْ قَصَدَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَالنِّيَّةُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا فَنِيَّةُ الْحَابِسِ، وَلَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ مُسَافِرٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ مُسَافِرٌ اُخْتُلِفَ فِيهِمَا، فَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْفَضْلِ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَانَا مُقِيمَيْنِ، وَقِيلَ يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ، وَقِيلَ الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْكَافِرِ مُعْتَبَرَةٌ، وَلَا يَجْمَعُ عِنْدَنَا فِي سَفَرٍ بِمَعْنَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ مَعَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا وَالْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، بَلْ بِأَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا فَيَنْزِلُ فَيُصَلِّيهَا فِي آخِرِهِ وَيَفْتَتِحُ الْآتِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهَذَا جَمْعٌ فِعْلًا لَا وَقْتًا. لَنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا إلَّا بِجَمْعٍ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ الْغَدِ قَبْلَ وَقْتِهَا» يَعْنِي غَلَّسَ بِهَا فَكَانَ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ فِعْلُهَا فِيهِ مِنْهُ ﷺ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ جَمْعَ عَرَفَةَ لِشُهْرَتِهِ.
وَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» فَيُعَارِضُ مَا فِيهِمَا حَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ إذَا عَجِلَ السَّيْرُ السَّفَرَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ» وَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ فِقْهِ الرَّاوِي، وَبِأَنَّهُ أَحْوَطُ فَيُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَوْ يُحْمَلُ الشَّفَقُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْحُمْرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيَاضِ الَّذِي يَلِي أَطْرَافَهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَيْنَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَيُصَلِّيَ الْوَقْتِيَّةَ فِيهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْجَمْعِ شَيْءٌ مِنْ الِاضْطِرَابِ؛ فَفِي بَعْضِهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «جَمَعَ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» وَفِي بَعْضِهَا «جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ، وَلَمْ يَقُلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ بِجَوَازِ الْجَمْعِ لِذَلِكَ أَحَدٌ وَكَيْفَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ يُعَارِضُهُ مُعَارَضَةً ظَاهِرَةً.
стр. 569
(بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
(بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
مُنَاسَبَتُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ تَنْصِيفُ الصَّلَاةِ لِعَارِضٍ، إلَّا أَنَّ التَّنْصِيفَ هُنَا فِي خَاصٍّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الظُّهْرُ، وَفِيمَا قَبْلَهُ فِي كُلِّ رُبَاعِيَّةٍ، وَتَقْدِيمُ الْعَامِّ هُوَ الْوَجْهُ، وَلَسْنَا نَعْنِي أَنَّ الْجُمُعَةَ تَنْصِيفُ الظُّهْرِ بِعَيْنِهِ بَلْ هِيَ فَرْضُ ابْتِدَاءٍ نِسْبَتُهُ النِّصْفُ مِنْهَا. وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ مَحْكَمَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا، قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ رَتَّبَ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ لِلذِّكْرِ عَلَى النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ الصَّلَاةُ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ الْخُطْبَةَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُفِيدُ افْتِرَاضَ الْجُمُعَةِ، فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ افْتِرَاضَ السَّعْيِ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِغَيْرِهِ فَرْعُ افْتِرَاضِ ذَلِكَ الْغَيْرِ.
أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلَى الْخُطْبَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ وَهُوَ الْأَحَقُّ لِصِدْقِهِ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَقَالَ ﷺ «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ طَارِقٌ: رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا قَدْحًا فِي صُحْبَتِهِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ بَلْ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁، عَنْهُ ﷺ قَالَ «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ أَوْ مُسَافِرٍ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرَوَيْهِ، وَزَادَ فِيهِ «الْمَرْأَةُ وَالْمَرِيضُ»، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ»، وَعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُتِبَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ فَلَا يَضُرُّهُ تَضْعِيفُ جَابِرٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ جُمَعٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
وَهَذَا
стр. 570
(لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ فِي مُصَلَّى الْمِصْرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْقُرَى)
بَابٌ يَحْتَمِلُ جُزْءًا وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَكْثَرْنَا فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْإِكْثَارِ لِمَا نَسْمَعُ عَنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ أَنَّهُمْ يَنْسِبُونَ إلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمَ افْتِرَاضِهَا، وَمَنْشَأُ غَلَطِهِمْ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَنْزِلِهِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حَرُمَ عَلَيْهِ وَصَحَّتْ الظُّهْرُ، فَالْحُرْمَةُ لِتَرْكِ الْفَرْضِ وَصِحَّةِ الظُّهْرِ لِمَا سَنَذْكُرُ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا فَرْضٌ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ وَبِإِكْفَارِ جَاحِدِهَا. وَلِوُجُوبِهَا شَرَائِطُ فِي الْمُصَلِّي: الْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورَةُ وَالْإِقَامَةُ، وَالصِّحَّةُ، وَسَلَامَةُ الرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ. وَقَالَا: إذَا وَجَدَ الْأَعْمَى قَائِدًا لَزِمَتْهُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ بِنَفْسِهِ فَلَا تُعْتَبَرُ قُدْرَةُ غَيْرِهِ كَالزَّمِنِ إذَا وَجَدَ مَنْ يَحْمِلُهُ.
وَشَرَائِطُ فِي غَيْرِهِ: الْمِصْرُ، وَالْجَمَاعَةُ، وَالْخُطْبَةُ، وَالسُّلْطَانُ، وَالْوَقْتُ، وَالْإِذْنُ الْعَامُّ، حَتَّى لَوْ أَنَّ وَالِيًا أَغْلَقَ بَابَ بَلَدٍ وَجَمَعَ بِحَشَمِهِ وَخَدَمِهِ، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ لَمْ تَجُزْ أَخْذًا مِنْ إشَارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ فَإِنَّهُ أَيْ تَشْهِيرٌ (قَوْلُهُ أَوْ فِي مُصَلَّى الْمِصْرِ) أَعْنِي فِنَاءَهُ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ الدَّاخِلَ فِيهِ انْتَظَمَهُ اسْمُ الْمِصْرِ، وَفِنَاؤُهُ هُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْمِصْرِ مُتَّصِلٌ بِهِ أَوْ مُنْفَصِلٌ بِغَلْوَةِ، كَذَا قَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ، وَقِيلَ بِمِيلٍ، وَقِيلَ بِمِيلَيْنِ، وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقِيلَ إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْفِنَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَزْرَعَةٌ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَعْطَى اشْتِرَاطَ الْمُصَلَّى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ:
стр. 571
لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا فِطْرَ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَالْمِصْرُ الْجَامِعُ: كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ
وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلَّى بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُصَلًّى فِيهَا (وَقَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا جُمُعَةَ» إلَخْ) رَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ ﵁: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ أَوْ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ» صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا تَشْرِيقَ وَلَا جُمُعَةَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَكَفَى بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵄ قُدْوَةً.
وَأَمَّا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجُوَاثَا قَرْيَةٍ بِالْبَحْرَيْنِ». فَلَا يُنَافِي الْمِصْرِيَّةَ تَسْمِيَةُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ اسْمَ الْقَرْيَةِ، إذْ الْقَرْيَةُ تُقَالُ عَلَيْهِ فِي عُرْفِهِمْ وَهُوَ لُغَةُ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أَيْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَكَّةَ مِصْرٌ.
وَفِي الصِّحَاحِ أَنَّ جُوَاثَا حِصْنٌ بِالْبَحْرَيْنِ فَهِيَ مِصْرٌ، إذْ لَا يَخْلُو الْحِصْنُ عَنْ حَاكِمٍ عَلَيْهِمْ وَعَالِمٍ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّهَا مَدِينَةٌ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَكَيْفَ وَالْحِصْنُ يَكُونُ بِأَيِّ سُورٍ وَلَا يَخْلُو مَا كَانَ كَذَلِكَ عَمَّا قُلْنَا عَادَةً. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ كَعْبٌ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ تَرَحَّمَ عَلَى أَسْعَدَ بِذَلِكَ قَالَ: قُلْت كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ، فَكَانَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْجُمُعَةُ، وَبِغَيْرِ عِلْمِهِ ﷺ أَيْضًا عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلِلنُّصَّارِ يَوْمٌ، فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَنُصَلِّي، فَقَالُوا: يَوْمَ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ لِلنَّصَارَى، فَاجْعَلُوهُ يَوْمَ الْعُرُوبَةِ فَاجْتَمَعُوا إلَى مَسْجِدٍ فَصَلَّى بِهِمْ وَذَكَّرَهُمْ وَسَمَّوْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَتَذَكَّرَ عِنْدَ هَذَا تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ التَّرَاوِيحَ لَمَّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ فَتِلْكَ الْحَرَّةُ مِنْ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ وَلِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمِصْرِ فَسَلِمَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنْ الْمُعَارِضِ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ سَمَاعًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الِافْتِرَاضِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يُفِيدُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَمْكِنَةِ فَإِقْدَامُهُ عَلَى نَفْيِهَا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَمَاعٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِلْقِيَاسِ الْمُسْتَمِرِّ فِي مِثْلِهِ، وَفِي الصَّلَوَاتِ الْبَاقِيَاتِ أَيْضًا.
وَالْقَاطِعُ لِلشَّغَبِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْأُمَّةِ إذْ لَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي الْبَرَارِي إجْمَاعًا وَلَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ عِنْدَهُ، بَلْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْعَنَ أَهْلُهَا عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً، فَكَانَ خُصُوصُ الْمَكَانِ مُرَادًا فِيهَا إجْمَاعًا، فَقَدَّرَ الْقَرْيَةَ الْخَاصَّةَ وَقَدَّرْنَا الْمِصْرَ وَهُوَ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ لَوْ عُورِضَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مُعَارَضَةُ مَا ذَكَرْنَا إيَّاهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ الْمَنَابِرِ وَالْجُمَعِ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ آحَادًا، وَلَوْ مَصَّرَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا وَأَمَرَهُمْ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ جَازَ، وَلَوْ مَنَعَ أَهْلَ مِصْرٍ أَنْ يُجْمِعُوا لَمْ يُجْمِعُوا.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: إذَا نَهَى مُجْتَهِدًا لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ أَرَادَ بِهِ أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِصْرًا جَازَ، أَمَّا مُتَعَنِّتًا وَإِضْرَارًا فَلَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى مَنْ يُصَلِّي،
стр. 572
وَيُقِيمُ الْحُدُودَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ أَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ، وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلِّي بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي حَوَائِجِ أَهْلِهِ.
وَلَوْ مَصَّرَ مِصْرًا ثُمَّ نَفَرَ النَّاسُ عَنْهُ لِخَوْفٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ عَادُوا لَا يُجْمِعُونَ إلَّا بِإِذْنٍ، وَلَوْ دَخَلَ الْقَرَوِيُّ الْمِصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَنَوَى أَنْ يَمْكُثَهُ لَزِمَتْهُ، وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ قَبْلَ وَقْتِهَا لَا تَلْزَمُهُ.
قَالَ الْفَقِيهُ: إنْ نَوَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ يَوْمِهِ وَلَوْ بَعْدَهُ لَا تَلْزَمُهُ (قَوْلُهُ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ) احْتِرَازًا عَنْ الْمُحَكَّمِ، وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ قَاضِيَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهَا إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحُدُودِ عَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ إقَامَتِهَا فِي مِلْكِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ) أَيْ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمِصْرُ بَلْدَةٌ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَبِهَا رَسَاتِيقُ وَوَالٍ يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ الظَّالِمِ وَعَالِمٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِمَّا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يُفْتِي
стр. 573
(وَتَجُوزُ بِمِنًى إذَا كَانَ الْأَمِيرُ أَمِيرَ الْحِجَازِ، أَوْ كَانَ مُسَافِرًا عِنْدَهُمَا. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنًى)؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرَى
وَيُقِيمُ الْحُدُودَ أَغْنَى مِنْ التَّعَدُّدِ: وَقَدْ وَقَعَ شَكٌّ فِي بَعْضِ قُرَى مِصْرَ مِمَّا لَيْسَ فِيهَا وَالٍ وَقَاضٍ نَازِلَانِ بِهَا بَلْ لَهَا قَاضٍ يُسَمَّى قَاضِي النَّاحِيَةِ وَهُوَ قَاضٍ يُوَلَّى الْكُورَةَ بِأَصْلِهَا فَيَأْتِي الْقَرْيَةَ أَحْيَانَا فَيَفْصِلُ مَا اجْتَمَعَ فِيهَا مِنْ التَّعَلُّقَاتِ وَيَنْصَرِفُ وَوَالٍ كَذَلِكَ، هَلْ هُوَ مِصْرٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ لَهَا وَالِيًا وَقَاضِيًا أَوْ لَا نَظَرًا إلَى عَدَمِهَا مِنْهُمَا؟. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اعْتِبَارُ كَوْنِهِمَا مُقِيمَيْنِ بِهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ قَرْيَةً أَصْلًا، إذْ كُلُّ قَرْيَةٍ مَشْمُولَةٌ بِحُكْمٍ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَرْيَةٍ لَا يَأْتِيهَا حَاكِمٌ يَفْصِلُ بِهَا الْخُصُومَاتِ حَتَّى يَحْتَاجُونَ إلَى دُخُولِ مِصْرَ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ لِفَصْلِهَا، وَبَيْنَ مَا يَأْتِيهَا فَيَفْصِلُ فِيهَا، وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْإِنْسَانِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ يَنْوِي بِهَا آخِرَ فَرْضٍ أَدْرَكْتُ وَقْتَهُ وَلَمْ أُؤَدِّهِ بَعْدُ، فَإِنْ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ وَقَعَتْ ظُهْرُهُ وَإِنْ صَحَّتْ كَانَتْ نَفْلًا، وَهَلْ تَنُوبُ عَنْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ؟ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَارْجِعْ إلَيْهِ.
وَكَذَا إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ وَشَكَّ فِي أَنَّ جُمُعَتَهُ سَابِقَةٌ أَوْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ مَا قُلْنَا. وَأَصْلُهُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا رَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي مِصْرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ كَبِيرٌ حَتَّى يَكُونَ كَمِصْرَيْنِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِقَطْعِ الْجِسْرِ بِبَغْدَادَ لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْجُمُعَةُ لِمَنْ سَبَقَ، فَإِنْ صَلَّوْا مَعًا أَوْ لَمْ تُدْرَ السَّابِقَةُ فَسَدَتَا. وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ إذَا كَانَ الْمِصْرُ عَظِيمًا لَا فِي ثَلَاثَةٍ. وَعَنْ مُحَمَّدِ يَجُوزُ تَعَدُّدُهَا مُطْلَقًا.
وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِهَذَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ إقَامَتِهَا فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ مِنْ مَسْجِدَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِإِطْلَاقِ: لَا جُمُعَةَ فِي مِصْرٍ، شَرَطَ الْمِصْرَ، فَإِذَا تَحَقَّقَ تَحَقَّقَ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهَا. وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّهَا سُمِّيَتْ جُمُعَةً لِاسْتِدْعَائِهَا الْجَمَاعَاتِ فَهِيَ جَامِعَةٌ لَهَا، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ خُصُوصًا إذَا كَانَ مِصْرٌ كَبِيرٌ، فَإِنَّ فِي إلْزَامِ اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ، مَعَ أَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ مِمَّا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ، وَمَا قُلْنَا مِنْ الْكَلَامِ فِي وُقُوعِهَا عَنْ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ إذَا زَالَ الِاشْتِبَاهُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ لَتَحَقَّقَ وُقُوعُهَا
стр. 574
حَتَّى لَا يُعِيدَ بِهَا. وَلَهُمَا أَنَّهَا تَتَمَصَّرُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَعَدَمُ التَّعْيِيدِ لِلتَّخْفِيفِ، وَلَا جُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا قَضَاءٌ وَبِمِنًى أَبْنِيَةٌ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْخَلِيفَةِ وَأَمِيرِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا، أَمَّا أَمِيرُ الْمَوْسِمِ فَيَلِي أُمُورَ الْحَجِّ لَا غَيْرُ.
(وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ)
نَفْلًا، أَمَّا إذَا دَامَ الِاشْتِبَاهُ قَائِمًا فَلَا يَجْزِمُ بِكَوْنِهَا نَفْلًا؛ لِيَقَعَ النَّظَرُ فِي أَنَّهَا سُنَّةٌ أَوْ لَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا السُّنَّةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودَ الشَّرْطِ لَمْ يُحْكَمْ بِوُجُودِ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِسُقُوطِ الْفَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ كَانَ مِنْ مَكَانٍ مِنْ تَوَابِعِ الْمِصْرِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْمِصْرِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَأْتِيَ لِمِصْرٍ فَلْيُصَلِّهَا فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ يُسْمَعُ النِّدَاءُ فِيهِ مِنْ الْمِصْرِ فَهُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ كُلُّ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةٌ بِرَبَضِ الْمِصْرِ، وَغَيْرُ الْمُتَّصِلَةِ لَا، وَعَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ فِي ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْرَ مِيلٍ، وَقِيلَ قَدْرَ مِيلَيْنِ، وَقِيلَ سِتَّةَ أَمْيَالٍ. وَعَنْ مَالِكٍ سِتَّةً، وَقِيلَ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ وَيَبِيتَ بِأَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذَا حَسَنٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَنَّهَا) أَيْ مِنًى تَتَمَصَّرُ فِي الْمَوْسِمِ لِاجْتِمَاعِ مَنْ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَالْأَسْوَاقَ وَالسِّكَكَ، قِيلَ فِيهَا ثَلَاثُ سِكَكٍ، وَغَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهُ يَزُولُ تَمَصُّرُهَا بِزَوَالِ الْمَوْسِمِ، وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي مِصْرِيَّتِهَا قَبْلَهُ، إذْ مَا مِنْ مِصْرٍ إلَّا وَيَزُولُ تَمَصُّرُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَمَعَ ذَلِكَ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَوْلَى فِي الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ قُرَى مِصْرَ أَنْ لَا يَصِحَّ فِيهَا إلَّا حَالُ حُضُورِ الْمُتَوَلِّي، فَإِذَا حَضَرَ صَحَّتْ وَإِذَا ظَعَنَ امْتَنَعَتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَدَمُ التَّعْيِيدِ بِمِنًى لَا لِانْتِفَاءِ الْمِصْرِيَّةِ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ، فَإِنَّ النَّاسَ مُشْتَغِلُونَ بِالْمَنَاسِكِ وَالْعِيدُ لَازِمٌ فِيهَا فَيَحْصُلُ مَعَ إلْزَامِهِ مَعَ اشْتِغَالِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ الْحَرَجُ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ، بَلْ إنَّمَا تَتَّفِقُ فِي أَحْيَانٍ مِنْ الزَّمَانِ فَلَا حَرَجَ مَعَ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَالْعِيدُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ التَّعْلِيلِ دُونَ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ مِنًى مِنْ أَفْنِيَةِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْسَخَيْنِ، وَتَقْدِيرُ الْفِنَاءِ بِذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنًى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَصِيرُ مُقِيمًا فَعُلِمَ اعْتِبَارُهُمَا شَرْعًا مَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا) يَعْنِي أَنَّ ثُبُوتَ وِلَايَةِ الْإِقَامَةِ لِلْجُمُعَةِ هُوَ الْمُصَحَّحُ بَعْدَ كَوْنِ الْمَحَلِّ صَالِحًا لِلتَّمْصِيرِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْخَلِيفَةُ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ السَّفَرَ لِلْحَجِّ فَالسَّفَرُ إنَّمَا يُرَخَّصُ فِي التَّرْكِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا، وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ، فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْإِقَامَةِ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ الْإِذْنُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَصَدَ الطَّوْفَ فِي وِلَايَاتِهِ فَأَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُسَافِرٍ حَتَّى لَا يَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِي طَوْفِهِ كَالسَّائِحِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ غَيْرَ صَالِحٍ لِلتَّمْصِيرِ فَلِذَا قَالُوا: إذَا سَافَرَ الْخَلِيفَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْقُرَى كَالْبَرَارِيِ.
(قَوْلُهُ أَوْ لِمَنْ أَمَرَهُ) فَخَرَجَ الْقَاضِي الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِإِقَامَتِهَا وَدَخَلَ الْعَبْدُ إذَا قُلِّدَ وِلَايَةَ نَاحِيَةٍ فَتَجُوزُ إقَامَتُهُ
стр. 575
لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ، وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ.
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْوَقْتُ فَتَصِحُّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا تَصِحُّ بَعْدَهُ)
وَإِنْ لَمْ تَجُزْ أَقْضِيَتُهُ وَأَنْكِحَتُهُ، وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ سُلْطَانَةً يَجُوزُ أَمْرُهَا بِالْإِقَامَةِ لَا إقَامَتُهَا، وَلِمَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، بِخِلَافِ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُمُعَةَ مُؤَقَّتَةٌ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِهَا، فَالْأَمْرُ بِإِقَامَتِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ عَرَضٌ لِلْأَعْرَاضِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّفْوِيتِ أَمْرٌ بِالِاسْتِخْلَافِ دَلَالَةً بِخِلَافِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَجَوَازُ الْإِقَامَةِ فِيمَا إذَا مَاتَ وَالِي مِصْرَ لِخَلِيفَتِهِ، وَصَاحِبُ الشُّرَطِ وَالْقَاضِي إلَى أَنْ يَصِلَ وَالٍ آخَرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَبِمَوْتِهِ لَا يَنْعَزِلُونَ كَمَا إذَا كَانَ حَيًّا فَكَانَ الْأَمْرُ مُسْتَمِرًّا لَهُمْ؛ وَلِذَا قَالُوا: إذَا مَاتَ السُّلْطَانُ وَلَهُ أُمَرَاءُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ عَلَى وِلَايَاتِهِمْ يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ اجْتَمَعَتْ الْعَامَّةُ عَلَى تَقْدِيمِ رَجُلٍ عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ الْوَالِي حَيْثُ لَا تَجُوزُ إقَامَتُهُ لِانْتِفَاءِ مَا قُلْنَا.
وَلَوْ أُمِّرَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ عَلَى مِصْرٍ فَأَسْلَمَ وَبَلَغَ لَيْسَ لَهُمَا الْإِقَامَةُ إلَّا بِأَمْرٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُمَا إذَا أَسْلَمْت أَوْ بَلَغَتْ فَصَلِّ فَأَسْلَمَ وَبَلَغَ وَجَازَ لَهُمَا الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي الْوِلَايَةِ جَائِزَةٌ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِمَا قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَأَسْلَمَ وَأَدْرَكَ جَازَ لَهُمَا الْإِقَامَةُ، كَالْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ إذَا أُمِرَا بِهِ فَبَرَأَ وَحَفِظَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيضَ وَقَعَ بَاطِلًا، وَالْمُتَغَلَّبُ الَّذِي لَا مَنْشُورَ لَهُ إنْ كَانَتْ سِيرَتُهُ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ سِيرَةَ الْأُمَرَاءِ وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ الْوُلَاةِ تَجُوزُ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَتِهِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ السَّلْطَنَةُ فَيَتِمُّ الشَّرْطُ، وَالْإِذْنُ بِالْخُطْبَةِ إذْنٌ بِالْجُمُعَةِ وَعَلَى الْقَلْبِ.
وَفِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ: إنَّ السُّلْطَانَ إذَا كَانَ يَخْطُبُ فَجَاءَ سُلْطَانٌ آخَرُ، إنْ أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ الْخُطْبَةَ يَجُوزُ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ خُطْبَةً وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِأَمْرِهِ فَصَارَ نَائِبًا عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ وَسَكَتَ فَأَتَمَّ الْأَوَّلُ فَأَرَادَ الثَّانِي أَنْ يُصَلِّيَ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مُحْتَمَلٌ، وَكَذَا إذَا حَضَرَ الثَّانِي وَقَدْ فَرَغَ الْأَوَّلُ مِنْ خُطْبَتِهِ فَصَلَّى الثَّانِي بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا خُطْبَةُ إمَامٍ مَعْزُولٍ وَلَمْ تُوجَدْ مِنْ الثَّانِي، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عَلِمَ الْأَوَّلُ حُضُورَ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَخَطَبَ وَصَلَّى وَالثَّانِي سَاكِتٌ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْزُولًا إلَّا بِالْعِلْمِ إلَّا إذَا كَتَبَ إلَيْهِ كِتَابَ الْعَزْلِ أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا فَصَارَ مَعْزُولًا، ثُمَّ إذَا صَلَّى صَاحِبُ الشُّرَطِ جَازَ؛ لِأَنَّ عُمَّالَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ إلَخْ) حَقِيقَةُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ اشْتِرَاطَ السُّلْطَانِ كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِهَا كَمَا يُفِيدُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ: أَيْ لِأَمْرِ هَذَا الْفَرْضِ أَوْ الْجَمْعِ، فَإِنَّ ثَوَرَانَ الْفِتْنَةِ يُوجِبُ تَعْطِيلَهُ، وَهُوَ مُتَوَقَّعٌ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّقَدُّمُ عَنْ أَمْرِ سُلْطَانِ تُعْتَقَدُ طَاعَتُهُ أَوْ تُخْشَى عُقُوبَتُهُ، فَإِنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ يُعَدُّ شَرَفًا وَرِفْعَةً فَيَتَسَارَعُ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ مَالَتْ هِمَّتُهُ إلَى الرِّيَاسَةِ
стр. 576
لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ» (وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِيه عَلَيْهَا) لِاخْتِلَافِهِمَا.
فَيَقَعُ التَّجَاذُبُ وَالتَّنَازُعُ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّقَاتُلِ.
وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَقَامَ بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ ﵁ مَحْصُورٌ وَاقِعَةُ حَالٍ، فَيَجُوزُ كَوْنُهُ عَنْ إذْنِهِ كَمَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِفَرِيقٍ، فَيَبْقَى قَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ تَرَكَهَا وَلَهُ إمَامٌ جَائِرٌ أَوْ عَادِلٌ، أَلَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ حَيْثُ اشْتَرَطَ فِي لُزُومِهَا الْإِمَامَ، كَمَا يُفِيدُهُ قَيْدُ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ حَالًا مَعَ مَا عَيَّنَّاهُ مِنْ الْمَعْنَى سَالِمِينَ مِنْ الْمُعَارِضِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرْبَعٌ إلَى السُّلْطَانِ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ مُقَيَّدٌ بِخُصُوصِ مَكَان وَمَخْصُوصٌ مِنْهُ كَثِيرٌ كَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِظَنِّيٍّ آخَرَ فَيُخَصُّ بِمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ» إلَخْ) وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «كَانَ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ»، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ﵁ «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ» الْحَدِيثَ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ: شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَكَانَ خُطْبَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ نَحْوَهُ، قَالَ: فَمَا رَأَيْت أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ. لَوْ صَحَّ لَمْ يَقْدَحْ فِي خُصُوصِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ ابْنِ سِيدَانَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى مُرَكَّبَةٌ مِنْ صِحَّتِهَا وَقْتَ الظُّهْرِ لَا بَعْدَهُ، فَيُرَدُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَ دَلِيلًا لِتَمَامِهَا إذَا اُعْتُبِرَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُمْ، أَوْ يَكُونُ فِيهِ إجْمَاعٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي جُزْءِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِبَقَاءِ وَقْتِهَا إلَى الْغُرُوبِ، وَالْحَنَابِلَةُ قَائِلُونَ بِجَوَازِ أَدَائِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ إذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ. وَيُجَابُ بِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْجُمُعَةِ مَقَامُ الظُّهْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ سُقُوطُ أَرْبَعٍ بِرَكْعَتَيْنِ فَتُرَاعَى الْخُصُوصِيَّاتُ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مَا لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهَا، وَلَمْ يُصَلِّهَا خَارِجَ الْوَقْتِ فِي عُمُرِهِ وَلَا بِدُونِ الْخُطْبَةِ فِيهِ فَيَثْبُتُ اشْتِرَاطُهُمَا وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ فِي الْوَقْتِ، حَتَّى لَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ لَا يَقَعُ الشَّرْطُ وَعَلَى اشْتِرَاطِ نَفْسِ الْخُطْبَةِ إجْمَاعٌ، بِخِلَافِ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ كَكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِلْسَةُ قَدْرِ مَا يَسْتَقِرُّ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِهِ يَحْمَدُ فِي الْأُولَى وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ ﷺ وَيَعِظُ النَّاسَ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَدْعُو مَكَانَ الْوَعْظِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى أَنَّهُ مِنْ
стр. 577
(وَمِنْهَا الْخُطْبَةُ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَلَّاهَا بِدُونِ الْخُطْبَةِ فِي عُمُرِهِ (وَهِيَ
السُّنَنِ أَوْ الْوَاجِبَاتِ لَا شَرْطَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْخُطْبَةُ) بِقَيْدِ كَوْنِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْ الْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ تَقْصِيرُهَا وَتَطْوِيلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ الْمَوْعِظَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ وَكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قَدْرُهُمَا قَدْرُ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ إلَى آخِرِهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا وَجْهُ اشْتِرَاطِهَا، وَتُعَادُ عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ لَوْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ فَائِتَةً فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْوِتْرَ حَتَّى فَسَدَتْ الْجُمُعَةُ لِذَلِكَ فَاشْتَغَلَ بِقَضَائِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ أَفْسَدَ الْجُمُعَةَ فَاحْتَاجَ إلَى إعَادَتِهَا أَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْخُطْبَةَ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إذَا خَطَبَ جُنُبًا، وَيَكْفِي لِوُقُوعِهَا الشَّرْطَ حُضُورُ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ شَرْحُ الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانُوا صُمًّا أَوْ نِيَامًا انْتَهَى. أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْشِئُ التَّحْرِيمَةَ لِلْجُمُعَةِ لَا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ صَلَّاهَا، وَاشْتُرِطَ حُضُورُ الْوَاحِدِ أَوْ الْجَمْعِ؛ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ التَّسَبُّبَاتِ، فَعَنْ هَذَا قَالُوا: لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ بَانٍ تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تِلْكَ الْمُنْشَأَةِ. وَالْخُطْبَةُ شَرْطُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْشِئُ التَّحْرِيمَةَ فَقَطْ، أَلَا تَرَى إلَى صِحَّتِهَا مِنْ الْمُقْتَدِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ، فَعَلَى هَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِيمَا لَوْ
стр. 578
قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ) بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ (وَيُخْطَبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ) بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ (وَيَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى طَهَارَةٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِمَا مُتَوَارَثٌ، ثُمَّ هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الطَّهَارَةُ كَالْأَذَانِ
أَفْسَدَ هَذَا الْخَلِيفَةُ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ، لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا جَوَازَ اسْتِقْبَالِهِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ الْتَحَقَ بِهِ حُكْمًا، وَلَوْ أَفْسَدَ الْأَوَّلُ اسْتَقْبَلَ بِهِمْ فَكَذَا الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْدَثَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَقَدَّمَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْخُطْبَةَ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَدَّمَ هَذَا الْمُقَدَّمُ غَيْرَهُ مِمَّنْ شَهِدَهَا قِيلَ يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ الِاسْتِخْلَافُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْأَوَّلُ جُنُبًا شَهِدَهَا فَقَدَّمَ هَذَا الْجُنُبُ طَاهِرًا شَهِدَهَا حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ الشَّاهِدَ مِنْ أَهْلِ الْإِقَامَةِ بِوَاسِطَةِ الِاغْتِسَالِ فَيَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِخْلَافُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْأَوَّلُ صَبِيًّا أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ كَافِرًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ مِمَّنْ شَهِدَهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِحَّ اسْتِخْلَافُهُمْ فَلَمْ يَصِرْ أَحَدُهُمْ خَلِيفَةً فَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِخْلَافَ، فَالْمُتَقَدِّم عَنْ اسْتِخْلَافِ أَحَدِهِمْ مُتَقَدِّمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ وَإِنْ جَازَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِاشْتِرَاطِ إذْنِ السُّلْطَانِ لِلْمُتَقَدِّمِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً فِيهَا كَمَا قَدَّمْنَا دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا دَلَالَةَ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسْتَخْلَفُ تَحَقَّقَ بِوَصْفِ الْخَلِيفَةِ شَرْعًا وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ كَذَلِكَ.
أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِ الْكَافِرِ فَلِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ اكْتِسَابِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ، وَأَمَّا فِي الْكَافِرِ فَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَهُوَ يَعْتَمِدُ وِلَايَةَ السَّلْطَنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْكَافِرِ وِلَايَةُ السَّلْطَنَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ الْأَوَّلُ مُسَافِرًا أَوْ عَبْدًا حَيْثُ يَجُوزُ خِلَافًا لِزُفَرَ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَلَوْ لَمْ يُقَدِّمْ الْأَوَّلُ أَحَدًا فَتَقَدَّمَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ أَوْ الْقَاضِي جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ قَلَّدَهُمَا الْإِمَامُ مَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الْعَامَّةِ فَنَزَلَا مَنْزِلَتَهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْإِمَامِ لِدَفْعِ التَّنَازُعِ فِي التَّقَدُّمِ وَذَا يَحْصُلُ بِتَقَدُّمِهِمَا لِوُجُودِ دَلِيلِ اخْتِصَاصِهِمَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَهُوَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَائِبًا لِلسُّلْطَانِ وَمِنْ عُمَّالِهِ.
فَلَوْ قَدَّمَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا شَهِدَ الْخُطْبَةَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وِلَايَةُ التَّقَدُّمِ فَلَهُ وِلَايَةُ التَّقَدُّمِ (قَوْلُهُ ثُمَّ هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ إلَخْ) هَذَا صُورَةُ قِيَاسٍ عِلَّةُ الْحُكْمِ فِي أَصْلِهِ كَوْنُهُ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ لَكِنَّهُ مَفْقُودٌ فِي الْأَصْلِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَوْجُودًا غَيْرَ عِلَّةٍ، إذْ الْأَذَانُ لَيْسَ شَرْطًا، فَالْأَوْلَى مَا عَيَّنَهُ فِي الْكَافِي جَامِعًا وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ: أَيْ فِي حُدُودِهِ لِكَرَاهَةِ الْأَذَانِ فِي دَاخِلِهِ، وَيُزَادُ أَيْضًا فَيُقَالُ ذِكْرٌ فِي الْمَسْجِدِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَقْتُ فَتُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ فِيهِ وَتُعَادُ اسْتِحْبَابًا إذَا
стр. 579
(وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَارُثَ وَلِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً)؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ، وَالتَّسْبِيحَةُ أَوْ التَّحْمِيدَةُ لَا تُسَمَّى خُطْبَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ حَتَّى يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْمُتَعَارَفِ.
وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:
كَانَ جُنُبًا كَالْأَذَانِ (قَوْلُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ الذِّكْرُ وَالْمَوْعِظَةُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ اشْتِرَاطِهَا جَعْلُهَا مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ تَحْصِيلًا لِفَائِدَتِهَا مَعَ التَّخْفِيفِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهَا مَعَ الْإِتْمَامِ، وَقَدْ أُثِرَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ ﵂ إنَّمَا قُصِرَتْ لِمَكَانِ الْخُطْبَةِ وَهَذَا حَاصِلٌ مَعَ الْقُعُودِ وَمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِيُشْتَرَطَ لَهَا مَا اُشْتُرِطَ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا ظَنَّ الشَّافِعِيُّ ﵁؛ أَلَا تَرَى إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهَا وَعَدَمِ الْكَلَامِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقِيَامَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ إذْ كَانَ أَنْشَرَ لِلصَّوْتِ فَكَانَ مُخَالَفَتُهُ مَكْرُوهًا.
وَدَخَلَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَابْنُ أُمِّ حَكِيمٍ يَخْطُبُ قَاعِدًا فَقَالَ: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَحْكُمْ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ بِفَسَادِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ) قِيلَ أَقَلُّهُ عِنْدَهُمَا قَدْرُ التَّشَهُّدِ قَوْلُهُ: وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ ذِكْرًا طَوِيلًا يُسَمَّى خُطْبَةً أَوْ ذِكْرًا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً فَكَانَ الشَّرْطُ الذِّكْرُ الْأَعَمُّ
стр. 580
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ فَنَزَلَ وَصَلَّى.
(وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْجَمَاعَةُ)؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهَا (وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ، وَقَالَا: اثْنَانِ سِوَاهُ) قَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ. لَهُ أَنَّ فِي الْمُثَنَّى مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ هِيَ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ إنَّمَا هُوَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ تَسْمِيَةٍ وَمَعْنًى، وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ عَلَى
بِالْقَطْعِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَأْثُورَ عَنْهُ ﷺ اخْتِيَارُ أَحَدِ الْفَرْدَيْنِ: أَعْنِي الذِّكْرَ الْمُسَمَّى بِالْخُطْبَةِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً، لَا أَنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إذْ لَا يَكُونُ بَيِّنًا؛ لِعَدَمِ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ الذِّكْرِ، وَقَدْ عُلِمَ وُجُوبُ تَنْزِيلِ الْمَشْرُوعَاتِ عَلَى حَسَبِ أَدِلَّتِهَا، فَهَذَا الْوَجْهُ يُغْنِي عَنْ قِصَّةِ عُثْمَانَ فَإِنَّهَا لَمْ تُعْرَفْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بَلْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ وَلِيَ الْخِلَافَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَعُدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا وَأَنْتُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ، وَسَتَأْتِيكُمْ الْخُطَبُ بَعْدُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَنَزَلَ وَصَلَّى بِهِمْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، إمَّا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا.
وَإِمَّا عَلَى كَوْنِ نَحْوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَحْوِهَا تُسَمَّى خُطْبَةً لُغَةً وَإِنْ لَمْ تُسَمَّ بِهِ عُرْفًا، وَلِهَذَا «قَالَ ﷺ لِلَّذِي قَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ» فَسَمَّاهُ خَطِيبًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْكَلَامِ، وَالْخِطَابُ الْقُرْآنِيُّ إنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ بِلُغَتِهِمْ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْعُرْفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى غَرَضِهِمْ، فَأَمَّا فِي أَمْرٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ تَعَالَى فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ لُغَةً، ثُمَّ يَشْتَرِطُ عِنْدَهُ فِي التَّسْبِيحَةِ وَالتَّحْمِيدَةِ أَنْ تُقَالَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ، فَلَوْ حَمِدَ لِعُطَاسٍ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْضُرَهُ أَحَدٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهَذَا الْكَلَامُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ مَا يَتَفَرَّغُ عَنْهُ، وَفِي الْأَصْلِ قَالَ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَلْيَكُنْ الْمُعْتَبَرُ إحْدَاهُمَا الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَى الْأُخْرَى لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ وَاحِدٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا تُجْزِئُ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ وَتُجْزِئُ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ صُمٌّ أَوْ نِيَامٌ أَوْ لَا يَسْمَعُونَ لِبُعْدِهِمْ وَلَوْ عَبِيدًا أَوْ مُسَافِرِينَ.
[فَرْعٌ] يُكْرَهُ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِلْإِخْلَالِ بِالنَّظْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ لِقِصَّةِ عُمَرَ مَعَ عُثْمَانَ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.
(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ) وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ، وَقَالَا اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَرْبَعُونَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي حَدِيثِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ، كَمَا لَا حُجَّةَ لِمَنْ نَفَى اشْتِرَاطَ الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ يَوْمَ النُّفُورِ بَقِيَ مَعَهُ ﷺ اثْنَا عَشَرَ. أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ اتِّفَاقَ كَوْنِ عَدَدِهِمْ أَرْبَعِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَقْتَضِي تَعَيُّنَ ذَلِكَ الْعَدَدِ شَرْعًا، وَمَا رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إمَامًا وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَهُ جُمُعَةً وَأَضْحَى وَفِطْرًا ضَعِيفٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ
стр. 581
حِدَةٍ، وَكَذَا الْإِمَامُ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْهُمْ.
(وَإِنْ نَفَرَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ وَيَسْجُدَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إذَا نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ صَلَّى الْجُمُعَةَ، فَإِنْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَمَا رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً بَنَى عَلَى الْجُمُعَةِ) خِلَافًا لِزُفَرَ. وَهُوَ يَقُولُ: إنَّهَا شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا كَالْوَقْتِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْخُطْبَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِانْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِتَمَامِ
الْبَاقِي اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ قَابَلَهُ رِوَايَةُ كَوْنِ الْبَاقِي أَرْبَعِينَ الْكُلُّ أَقْوَالٌ مَنْقُولَةٌ فِي الْبَاقِي، وَتَصْحِيحُ مُتَعَيَّنٍ مِنْهَا بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَثْبُتْ لَنَا.
وَأَيْضًا بَقَاءُ أُولَئِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الشُّرُوعَ بِهِمْ لِجَوَازِ شُرُوعِهِ بِأَكْثَرَ بِأَنْ رَجَعُوا أَوْ جَاءَ غَيْرُهُمْ فَصَارَ الْمُتَحَقَّقُ كَوْنَ الشَّرْطِ الْجَمَاعَةَ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مُسَمَّى الْجَمَاعَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي الِاثْنَيْنِ وَكَوْنُ الْجَمْعِ الصِّيغِيِّ أَقَلُّ مَدْلُولِهِ ثَلَاثَةٌ لَا يَمَسُّ مَا نَحْنُ فِيهِ، إذْ الشَّرْطُ لَيْسَ جَمَاعَةً تَكُونُ مَدْلُولُ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهُمَا قَالَا بَلْ الشَّرْطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فَقَدْ طَلَبَ الْحُضُورَ مُعَلَّقًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْوَاوُ إلَى ذِكْرٍ يَسْتَلْزِمُ ذَاكِرًا فَلَزِمَ الشَّرْطُ جَمْعًا هُوَ مُسَمَّى لَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ) يَعْنِي مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِزُفَرَ) فَعِنْدَهُ إذَا نَفَرُوا قَبْلَ الْقَعْدَةِ بَطَلَتْ، وَحَاصِلُ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهِهِ
стр. 582
الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا إلَيْهَا بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهَا تُنَافِي الصَّلَاةَ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ، وَكَذَا الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَلَا تَتِمُّ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ.
(وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مَرِيضٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا أَعْمَى)؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَخْرُجُ فِي الْحُضُورِ، وَكَذَا الْمَرِيضُ وَالْأَعْمَى، وَالْعَبْدُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، وَالْمَرْأَةُ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ فَعُذِرُوا
دَفْعًا
لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ (فَإِنْ حَضَرُوا وَصَلَّوْا مَعَ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ)؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ فَصَارُوا كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ.
(وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ رُخْصَةٌ، فَإِذَا حَضَرُوا يَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ،
وَوَجْهِهِمْ مُعَارَضَةُ قِيَاسِهِ عَلَى الْوَقْتِ بِقِيَاسِهِمْ عَلَى الْخُطْبَةِ، ثُمَّ نَقَضَ قِيَاسَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَالْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ، وَكَمَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ لَكِنَّ انْعِقَادَ الصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّي تَحَقُّقُ تَمَامِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ تَمَامِ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ بِدُخُولِ جَمِيعِ أَرْكَانِهِ، فَمَا لَمْ يَسْجُدْ لَا يَصِيرُ مُصَلِّيًا بَلْ مُفْتَتِحًا الرُّكْنَ بِرُكْنٍ، فَكَانَ ذَهَابُ الْجَمَاعَةِ قَبْلَ السُّجُودِ كَذَهَابِهِمْ قَبْلَ التَّكْبِيرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَدِمَ الْجَمَاعَةَ قَبْلَ تَحَقُّقِ مُسَمَّى الصَّلَاةِ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ مُوَافَقَتُهُ إيَّاهَا فِي إلْحَاقِ الْجَمَاعَةِ بِالْخُطْبَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهَا إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَالَفَهُمَا فِي الِاكْتِفَاءِ بِوُجُودِهَا حَالَ الِافْتِتَاحِ فَلِذَا قُلْنَا حَاصِلُ الْمَذْكُورِ مِنْ وَجْهِهِ: أَيْ وَجْهِ زُفَرَ وَوَجْهِهِمْ وَلَمْ نَقُلْ وَجْهَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ إلَخْ) الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي ضَعُفَ مُلْحَقٌ بِالْمَرِيضِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَأُطْلِقَ فِي الْعَبْدِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْعَبْدِ الَّذِي حَضَرَ مَعَ مَوْلَاهُ بَابَ الْمَسْجِدِ لِحِفْظِ الدَّابَّةِ إذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْحِفْظِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي الْخِلَافُ فِي مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا كَانَ يَسْعَى، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي يُؤَدِّي الضَّرِيبَةَ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَ الْأَجِيرَ عَنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَفْصٍ. وَقَالَ الدَّقَّاقُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا لَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَسْقُطُ عَنْهُ بِقَدْرِ اشْتِغَالِهِ، فَإِنْ قَالَ الْأَجِيرُ: حُطَّ عَنِّي الرُّبُعَ بِقَدْرِ اشْتِغَالِي بِالصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَالْمَطَرُ الشَّدِيدُ وَالِاخْتِفَاءُ مِنْ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ مُسْقِطٌ، وَفِي الْكَافِي صَحَّ أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ مُسَافِرًا.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا إلَخْ فَيَقَعُ فَرْضًا فَصَارَ كَمُسَافِرٍ إذَا صَامَ رَمَضَانَ يَقَعُ فَرْضًا.
стр. 583
أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَحُوا لِلْإِمَامَةِ فَيَصْلُحُونَ لِلِاقْتِدَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
(وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْجُمُعَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ أَصَالَةً. وَالظُّهْرُ كَالْبَدَلِ عَنْهَا، وَلَا مَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ. وَلَنَا أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ
قَوْلُهُ: كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ إلَخْ) لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَصَحَّتْ الظُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفَرْضَ الْقَطْعِيَّ بِاتِّفَاقِهِمْ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُرْتَكِبًا مُحَرَّمًا، غَيْرَ أَنَّ الظُّهْرَ تَقَعُ صَحِيحَةً وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي حَقِّهِ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ مُعَاقَبٌ بِتَرْكِهَا، وَمَنْهِيٌّ عَنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ مَأْمُورٌ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا هُوَ صُورَةُ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ.
قُلْنَا: بَلْ فَرْضُ الْوَقْتِ الظُّهْرُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ مُطْلَقًا فِي الْأَيَّامِ» وَدَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ الظُّهْرَ لِمَا نَوَى الْقَضَاءَ، وَالْمَعْقُولُ إذْ أَصْلُ الْفَرْضِ فِي حَقِّ الْكُلِّ مَا يَتَمَكَّنُ كُلٌّ مِنْ أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ، فَمَا قَرُبَ إلَى وُسْعِهِ فَهُوَ أَحَقُّ وَالظُّهْرُ أَقْرَبُ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ؛ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الشَّرَائِطِ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَتِلْكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا بِاخْتِيَارِ آخَرِينَ كَاخْتِيَارِ السُّلْطَانِ وَقُدْرَتِهِ فِي الْأَمْرِ، وَاخْتِيَارِ آخَرَ وَآخَرَ لِيَحْصُلَ بِهِ مَعَهُمَا الْجَمَاعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَ الظُّهْرُ أَوْلَى بِالْأَصْلِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ مُفَادُهُ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ ظُهْرٍ يَدْخُلُ حِينَ تَزُولُ وَالْمَطْلُوبُ أَنَّ كُلَّ مَا زَالَتْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَإِنَّمَا يُفَادُ بِعَكْسِ الِاسْتِقَامَةِ لَهَا وَهُوَ لَا يَثْبُتُ كُلِّيًّا. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ خُرُوجَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ تِلْكَ الْكُلِّيَّةِ أَعْنِي الْعَكْسَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ الشَّرْعِ لِلْقَطْعِ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا إلَى
стр. 584
بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، وَعَلَى التَّمَكُّنِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ.
(فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَهَا فَتَوَجَّهَ إلَيْهَا وَالْإِمَامُ فِيهَا بَطَلَ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالسَّعْيِ، وَقَالَ: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ)؛ لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ فَلَا يَنْقُصُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالْجُمُعَةُ فَوْقَهَا فَيُنْقِصُهَا وَصَارَ كَمَا إذَا تَوَجَّهَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَلَهُ أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ خَصَائِصِ الْجُمُعَةِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا فِي حَقِّ ارْتِفَاضِ الظُّهْرِ
الظُّهْرِ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، إذْ لَوْ تَمَّ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَالْمُتَحَقِّقُ وُجُوبُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَيَحْصُلُ مِنْ الِامْتِثَالِ تَوَفُّرُ الشُّرُوطِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ، فَيَلْزَمُ أَنَّ وَجْهَهُ حِينَئِذٍ وُجُوبُ الظُّهْرِ أَوَّلًا ثُمَّ يَجِبُ إسْقَاطُهُ بِالْجُمُعَةِ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ جَوَازُ الْمَصِيرِ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْجُمُعَةِ إذْ كَانَتْ صِحَّتُهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطَ رُبَّمَا لَا تَتَحَصَّلُ فَتَأَمَّلْ.
وَإِذَا كَانَ وُجُوبُ الظُّهْرِ لَيْسَ إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُوبِهَا كَذَلِكَ صِحَّتُهَا قَبْلَ تَعَذُّرِ الْجُمُعَةِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْخِطَابَ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا لَمْ يُتَوَجَّهْ عَلَيْهِ إلَّا بِهَا.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ ظُهْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالسَّعْيِ) هَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَهَا، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا أَوْ كَانَ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ لَكِنَّهُ لَا يَرْجُو إدْرَاكَهَا لِلْبُعْدِ وَنَحْوِهِ لَا تَبْطُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَتَبْطُلُ عِنْدَهُ فِي تَخْرِيجِ الْبَلْخِيِّينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّعْيِ الِانْفِصَالُ عَنْ دَارِهِ فَلَا تَبْطُلُ قَبْلَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ إذَا خَطَا خُطْوَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ الْوَاسِعِ تَبْطُلُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ) وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يُتِمَّهَا مَعَهُ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَا يَبْطُلُ الظُّهْرُ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَعْذُورِ كَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِ، وَحَتَّى لَوْ صَلَّى الْمَرِيضُ الظُّهْرَ ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ بَطَلَ عَلَى ظُهْرِهِ عَلَى الْخِلَافِ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَبْطُلُ ظُهْرُ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ. قُلْنَا إنَّمَا رُخِّصَ لَهُ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ، وَبِالِالْتِزَامِ الْتَحَقَ بِالصَّحِيحِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ)؛ لِأَنَّهُ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ بِخِلَافِ الظُّهْرِ، وَنُقِضَ الظُّهْرُ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ لَكِنَّهُ لِضَرُورَةِ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ؛ إذْ نَقْضُ الْعِبَادَةِ قَصْدًا بِلَا ضَرُورَةٍ حَرَامٌ فَلَا تُنْتَقَضُ دُونَ أَدَائِهَا وَلَيْسَ السَّعْيُ الْأَدَاءَ، وَحَاصِلُ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ
стр. 585
احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَعْيٍ إلَيْهَا.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَعْذُورُونَ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ، وَكَذَا أَهْلُ السِّجْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالْجُمُعَةِ إذْ هِيَ جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالْمَعْذُورُ قَدْ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ (وَلَوْ صَلَّى قَوْمٌ أَجْزَأَهُمْ) لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ) وَبَنَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ
الِاحْتِيَاطَ فِي الْجُمُعَةِ نَقْضُ الظُّهْرِ لِلُزُومِ الِاحْتِيَاطِ فِي تَحْصِيلِهَا، وَهُوَ بِهِ فَيَنْزِلُ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا مَنْزِلَتَهَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقِّقُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَحْصِيلِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ السَّعْيُ مِنْ خَصَائِصِهَا؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهِ فِيهَا وَنُهِيَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ ﷺ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» الْحَدِيثَ. فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِهَا، فَالنَّقْضُ بِهَا إقَامَةٌ لِلسَّبَبِ الْعَادِي مَقَامَ الْمُسَبِّبِ احْتِيَاطًا وَمُكْنَةُ الْوُصُولِ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَهِيَ تَكْفِي لِلتَّكْلِيفِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ السَّعْيُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إلَيْهَا وَلَا إمْكَانَ لِلْوُصُولِ، هَذَا التَّقْرِيرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ مَا يُقَابِلُ الْمَشْيَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَا الْبُطْلَانُ غَيْرُ مُقْتَصَرٍ عَلَى السَّعْيِ بَلْ لَوْ خَرَجَ مَاشِيًا أَقْصِدُ مَشَى بَطَلَتْ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا الْفَرْقَ بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَتَوَجُّهِ الْقَارِنِ إلَى عَرَفَاتٍ حَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَقِفَ بِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ جَامِعُ السَّعْيِ مَنْصُوصًا لِيَطْلُبَ وَجْهَ الْفَرْقِ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ الْجَامِعِ. فَالْحَقُّ فِي التَّقْرِيرِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بَعْدَ إتْمَامِ الظُّهْرِ بِنَقْضِهَا بِالذَّهَابِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَذَهَابُهُ مَشْرُوعٌ فِي طَرِيقِ نَقْضِهَا الْمَأْمُورِ بِهِ فَيُحْكَمُ بِنَقْضِهَا بِهِ احْتِيَاطًا لِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّي الْمَعْذُورُ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ) قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا بَعْدَهَا، وَمَنْ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فَصَلَّوْا الظُّهْرَ تُكْرَهُ لَهُمْ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالْجُمُعَةِ إذْ هِيَ جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ) هَذَا الْوَجْهُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَعَدُّدِ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمُخْتَارَةِ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِهَا، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَطَرَّقُ غَيْرُ الْمَعْذُورِ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَأَيْضًا فِيهِ صُورَةُ مُعَارَضَةِ الْجُمُعَةِ بِإِقَامَةِ غَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ ) أَخْرَجَ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي وَالسَّبْعِينَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ
стр. 586
فَاقْضُوا» (وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ)؛ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ مِنْ وَجْهٍ ظُهْرٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشَّرَائِطِ فِي حَقِّهِ، فَيُصَلِّي أَرْبَعًا اعْتِبَارًا لِلظُّهْرِ وَيَقْعُدُ لَا مَحَالَةَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ اعْتِبَارًا لِلْجُمُعَةِ،
الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» قَالَ مُسْلِمٌ: أَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ «فَاقْضُوا» وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَقَالَ «فَاقْضُوا» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَقَالَ «فَاقْضُوا» وَمِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ نَحْوُهُ، وَمِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ نَحْوُهُ، فَقَدْ تَابَعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ جَمَاعَةٌ، وَبَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ فِي الْحُكْمِ.
فَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ «أَتِمُّوا» قَالَ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِلَفْظِ «فَاقْضُوا» قَالَ: مَا يُدْرِكُهُ آخِرَهَا. قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الْإِتْمَامُ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ، قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُرُودَهُ بِمَعْنَاهُ فِي بَعْضِ الْإِطْلَاقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَنْفِي حَقِيقَتَهُ اللُّغَوِيَّةَ وَلَا يُصَيِّرُهُ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ، وَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ قَضَى صَلَاتَهُ عَلَى تَقْدِيرِ إدْرَاكِ أَوَّلِهَا ثُمَّ فَعَلَ بَاقِيهَا، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى تَقْدِيرِ إدْرَاكِ آخِرِهَا ثُمَّ فَعَلَ تَكْمِيلَهَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا تَكَافَأَ الْإِطْلَاقَانِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ لَيْسَ إلَّا آخِرُ صَلَاةِ الْإِمَامِ حِسًّا وَالْمُتَابَعَةُ وَعَدَمُ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَمِنْ مُتَابَعَتِهِ كَوْنُ رَكْعَتِهِ رَكْعَتَهُ، فَإِذَا كَانَتْ ثَالِثَةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَجَبَ حُكْمًا لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ كَوْنُهَا ثَالِثَةَ الْمَأْمُومِ، وَيَلْزَمُهُ كَوْنُ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَهُ أَوَّلُهَا.
(قَوْلُهُ: إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) بِأَنْ يُشَارِكَهُ فِي رُكُوعِهَا لَا بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ. وَلَهُمَا إطْلَاقُ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ» إلَى قَوْلِهِ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَمَا رَوَاهُ «مَنْ أَدْرَكَ
стр. 587
وَيَقْرَأُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِاحْتِمَالِ النَّفْلِيَّةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى يَشْتَرِطَ نِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ.
(وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَمْتَدُّ طَبْعًا فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ.
رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ أَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى» وَإِلَّا صَلَّى أَرْبَعًا لَمْ يَثْبُتْ، وَمَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ حَسَنٌ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ: ﷺ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ») رَفْعُهُ غَرِيبٌ، وَالْمَعْرُوفُ كَوْنُهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ «خُرُوجُهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَكَلَامُهُ يَقْطَعَ الْكَلَامَ». وَأَخْرَجَ
стр. 588
(وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ تَرَكَ النَّاسُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَتَوَجَّهُوا إلَى الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃: كَانُوا يَكْرَهُونَ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَيَجِبُ تَقْلِيدُهُ عِنْدَنَا إذَا لَمْ يَنْفِهِ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَوْ تَجَرَّدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يَمْتَدُّ طَبْعًا، أَيْ يَمْتَدُّ فِي النَّفْسِ فَيُخِلُّ بِالِاسْتِمَاعِ، أَوْ أَنَّ الطَّبْعَ يُفْضِي بِالْمُتَكَلِّمِ إلَى الْمَدِّ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ، وَالصَّلَاةُ أَيْضًا قَدْ تَسْتَلْزِمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ فَتُخِلُّ بِهِ اسْتَقَلَّ بِالْمَطْلُوبِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا صَلَاةَ».
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَجِيءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي. وَأَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ ﷺ قَالَ «وَإِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» وَهَذَا يُفِيدُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ مَنْعَ الصَّلَاةِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَعْلَى مِنْ السُّنَّةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَمَنْعُهُ مِنْهَا أَوْلَى، وَلَوْ خَرَجَ وَهُوَ فِيهَا يَقْطَعُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْعِبَارَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ وَقَدْ ثَبَتَتْ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ لَا، قَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْهُ؛ لِجَوَازِ كَوْنِهِ قَطَعَ الْخُطْبَةَ حَتَّى فَرَغَ وَهُوَ كَذَلِكَ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَبْدِيِّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْخُطْبَةِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» ثُمَّ قَالَ: أَسْنَدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْعَبْدِيُّ وَوَهِمَ فِيهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ» الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ «ثُمَّ انْتَظَرَهُ حَتَّى صَلَّى» قَالَ: وَهَذَا الْمُرْسَلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ مُقْتَضَاهُ عَلَيْنَا، ثُمَّ رَفْعُهُ زِيَادَةٌ إذَا لَمْ يُعَارِضْ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ غَيْرَهُ سَاكِتٌ عَنْ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَنْ الْخُطْبَةِ أَوْ لَا، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَمُجَرَّدُ زِيَادَتِهِ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ بِغَلَطِهِ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ زِيَادَةٌ، وَمَا زَادَهُ مُسْلِمٌ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» لَا يَنْفِي كَوْنَ الْمُرَادِ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ سُكُوتِ الْخَطِيبِ لِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ فَتَسْلَمُ تِلْكَ الدَّلَالَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ.
وَهَذِهِ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ وَقَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُخَلَّى عَنْهَا مَظِنَّتُهَا: يَحْرُمُ فِي الْخُطْبَةِ الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْبِيحًا، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْكِتَابَةُ، وَيُكْرَهُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَرَدُّ السَّلَامِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ. قُلْنَا: ذَاكَ إذَا كَانَ السَّلَامُ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ بَلْ يَرْتَكِبُ بِسَلَامِهِ مَأْثَمًا؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَشْغَلُ خَاطِرَ السَّامِعِ عَنْ الْفَرْضِ، وَلِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، بِخِلَافِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي فَرَّعَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
стр. 589
اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
(وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ جَلَسَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدِي الْمِنْبَرِ) بِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا هَذَا الْأَذَانُ، وَلِهَذَا قِيلَ: هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَحُرْمَةِ الْبَيْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ إذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي الْخُطْبَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ فَكَانَ إحْرَازًا لِلْفَضِيلَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهَلْ يَحْمَدُ إذَا عَطَسَ؟ الصَّحِيحُ نَعَمْ فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ لَكِنْ أَشَارَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِيَدِهِ حِينَ رَأَى مُنْكَرًا الصَّحِيحُ لَا يُكْرَهُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ قَرِيبًا بِحَدِيثٍ يُسْمَعُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ؛ فَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ اخْتَارَ السُّكُوتَ، وَنُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى اخْتَارَ الْقِرَاءَةَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ اخْتِيَارُ السُّكُوتِ كَقَوْلِ ابْنِ سَلَمَةَ، وَحُكِيَ عَنْهُ النَّظَرُ فِي كِتَابِهِ وَإِصْلَاحُهُ بِالْقَلَمِ، مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَوْجَهُ.
فَإِنَّ طَلَبَ السُّكُوتِ وَالْإِنْصَاتِ وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِمَاعِ لَا لِذَاتِهِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ وَالْقِرَاءَةَ لِغَيْرِ مَنْ بِحَيْثُ يَسْمَعُ قَدْ يَصِلُ إلَى أُذُنِ مَنْ بِحَيْثُ يَسْمَعُ فَيَشْغَلُهُ عَنْ فَهْمِ مَا يَسْمَعُ أَوْ عَنْ السَّمَاعِ، بِخِلَافِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ وَالْكِتَابَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا هَذَا الْأَذَانُ) أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَهُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " زَادَ النِّدَاءَ الثَّانِي " وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ، وَتَسْمِيَتُهُ ثَالِثًا؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تُسَمَّى أَذَانًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، وَهَذَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا هَذَا الْأَذَانُ بَعْضُ مَنْ نَفَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً، فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ إذَا رَقَى الْمِنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ، فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ؟ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إذَا فُرِغَ مِنْ الْأَذَانِ قَامُوا فَرَكَعُوا فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ خُرُوجَهُ ﷺ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بَعْدَمَا كَانَ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ، وَيَجِبُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ هَذَا الْمُجَوَّزِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ النَّوَافِلِ مِنْ عُمُومِ «أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُصَلِّي إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَرْبَعًا يَقُولُ: هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».
وَكَذَا يَجِبُ فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَيْضًا يَعْلَمُونَ الزَّوَالَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤَذِّنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ اعْتِمَادَهُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ اعْتِمَادُهُمْ، بَلْ رُبَّمَا يُعْلِمُونَهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِيُؤَذِّنَ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 590
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قَالَ (وَتَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ
يَفْعَلُ ذَلِكَ» فَقَدْ أَثْبَتَ سِتًّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا سِتَّةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا الْمَنْزِلُ الْمُهَيَّأُ لَهُ صَلَّى فِيهِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إنَّمَا كَانَ مُسَافِرًا فَكَانَ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَعْلَمْ ابْنُ عُمَرَ كُلَّ مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ بِالْمَدِينَةِ فَهَذَا مَحْمَلُ اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي الْبَلَدَيْنِ، فَهَذَا الْبَحْثُ يُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ بَعْدَهَا سِتٌّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ قَوْلُهُمَا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالسُّنَّةُ بَعْدَهَا عِنْدَهُ أَرْبَعٌ أَخْذًا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا " قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ»، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)
لَا خَفَاءَ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ، وَلَمَّا اشْتَرَكَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةُ فِي الشُّرُوطِ حَتَّى الْإِذْنِ الْعَامِّ إلَّا الْخُطْبَةَ لَمْ تَجِبْ صَلَاةُ الْعِيدِ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَاخْتَصَّتْ الْجُمُعَةُ بِزِيَادَةِ قُوَّةِ الِافْتِرَاضِ فَقُدِّمَتْ (قَوْلُهُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) ذَكَرَهُ لِتَنْصِيصِهِ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَفِي النِّهَايَةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي الْقُدُورِيِّ وَهُوَ دَأْبُهُ فِي كُلِّ مَا تُخَالِفُ فِيهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ وَالْقُدُورِيُّ، وَهَذَا سَهْوٌ؛ فَإِنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ أَصْلًا. وَقَوْلُهُ
стр. 591
وَاحِدٍ، فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي فَرِيضَةٌ، وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ عَقِيبَ سُؤَالِهِ قَالَ: «هَلْ عَلَى غَيْرِهِنَّ؟ فَقَالَ: لَا إلَّا إنْ تَطَوَّعَ» وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةً لِوُجُوبِهِ بِالسُّنَّةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمُصَلَّى وَيَغْتَسِلَ وَيَسْتَاكَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمُصَلَّى، وَكَانَ يَغْتَسِلُ فِي الْعِيدَيْنِ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَيُسَنُّ فِيهِ الْغُسْلُ وَالطِّيبُ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ (وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ)؛ لِأَنَّهُ
وَتَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ زِيَادَةً فِي الْبِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَجْهُ الْأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَمَّا مُطْلَقُ الْمُوَاظَبَةِ فَلَا يُفِيدُ الْوُجُوبُ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّكْبِيرِ لَا صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى التَّعْظِيمِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى خُصُوصِ لَفْظِهِ كَانَ التَّكْبِيرُ الْكَائِنُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ مُخْرِجًا لَهُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ إيجَابِ شَيْءٍ فِي مَسْنُونٍ، بِمَعْنَى مَنْ فَعَلَ سُنَّةَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ.
نَعَمْ لَوْ وَجَبَ ابْتِدَاءً وَشُرِطَتْ الصَّلَاةُ فِي صِحَّتِهِ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْمَشْرُوطِ إيجَابُ الشَّرْطِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَكَذَا الِاسْتِدْلَال بِأَنَّهُ شِعَارٌ لِلدِّينِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ يُقَامُ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ لِغَيْرِهِ فَتَجِبُ كَالْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِجَوَازِ اسْتِنَانِ شِعَارٍ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ تَعْدِيَةٌ غَيْرُ حُكْمِ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ، إذْ حُكْمُ الْأَصْلِ الِافْتِرَاضُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ اللُّزُومُ فَيُصْبِحُ الْقِيَاسُ، وَكَوْنُهُ عَلَى خِلَافِ قَدْرِ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ قَادِحٍ بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِيمَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ بِقَاطِعٍ، فَإِنَّهُ إذَا عَدَى بِالْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ فِي الْفَرْعِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ أَصْلًا (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ) رِوَايَةً وَدِرَايَةً لِلْمُوَاظَبَةِ بِلَا تَرْكٍ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ إمَّا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَلَا صَلَاةَ عِيدٍ فِيهَا أَوْ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِهَا.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَطْعَمَ) الْإِنْسَانُ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَطْعُومِ حُلْوًا لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «كَانَ ﷺ لَا يَغْدُو فِي يَوْمِ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» وَأَمَّا حَدِيثُ الْغُسْلِ لِلْعِيدَيْنِ فَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَدِيثُ لُبْسِهِ جُبَّةَ فَنَكٍ أَوْ صُوفٍ غَرِيبٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَ حِبَرَةٍ؟ فِي كُلِّ عِيدٍ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ «كَانَ ﷺ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ» انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنْ الْيَمَنِ فِيهِمَا
стр. 592
﵊ كَانَتْ لَهُ جُبَّةُ فَنْكٍ أَوْ صُوفٍ يَلْبَسُهَا فِي الْأَعْيَادِ (وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ) إغْنَاءً لِلْفَقِيرِ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ لِلصَّلَاةِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى، وَعِنْدَهُمَا يُكَبِّرُ) اعْتِبَارًا بِالْأَضْحَى. وَلَهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الْإِخْفَاءُ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ تَكْبِيرٍ، وَلَا كَذَلِكَ يَوْمَ الْفِطْرِ
خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ لَا أَنَّهُ أَحْمَرُ بَحْتٌ، فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْبُرْدَةِ أَحَدَهُمَا (قَوْلُهُ: وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْمُصَلَّى) وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ إلَى الْجَبَّانَةِ وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمِصْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي مَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ لَهُ ذَلِكَ وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ، وَلَا يُخْرَجُ الْمِنْبَرُ إلَى الْجَبَّانَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ الْمِنْبَرِ بِالْجَبَّانَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ، وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهُ: حَسَنٌ فِي زَمَانِنَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ. (قَوْلُهُ: لَا يُكَبِّرُ إلَخْ) الْخِلَافُ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي الْفِطْرِ لَا فِي أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَعِنْدَهُمَا يَجْهَرُ بِهِ كَالْأَضْحَى، وَعِنْدَهُ لَا يَجْهَرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِهِمَا. وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ التَّكْبِيرِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ بَلْ مِنْ إيقَاعِهِ عَلَى وَجْهِ الْبِدْعَةِ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ بِدْعَةٌ يُخَالِفُ الْأَمْرُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ فَيَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْأَضْحَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَالْأَوْلَى لِلِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ لِمَا سَنَذْكُرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى». فَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِيهَا التَّكْبِيرُ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ أَمْرًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهِ أَعَمُّ مِنْهُ، وَمِمَّا فِي الطَّرِيقِ؛ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى التَّكْبِيرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَّا كَانَ دَلَالَتُهَا عَلَيْهِ ظَنِّيَّةً؛ لِاحْتِمَالِ التَّعْظِيمِ كَانَ الثَّابِتُ الْوُجُوبَ.
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ بِمُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ أَبِي الطَّاهِرِ الْمَقْدِسِيَّ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَكَذَا رَوَى الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَهْرَ. نَعَمْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا غَدَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى ثُمَّ يُكَبِّرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ صَحَابِيٍّ لَا يُعَارَضُ بِهِ عُمُومُ الْآيَةِ الْقَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ: أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ وَقَالَ ﷺ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» فَكَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ آخَرَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قِيلَ لَا، قَالَ: أَجُنَّ النَّاسُ؟ أَدْرَكْنَا مِثْلَ هَذَا الْيَوْمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا كَانَ أَحَدٌ يُكَبِّرُ قَبْلَ الْإِمَامِ» وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُمْنَعَ الْعَامَّةُ عَنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغَبَاتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ
стр. 593
(وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ الْعِيدِ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ قِيلَ الْكَرَاهَةُ فِي الْمُصَلَّى خَاصَّةً، وَقِيلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَامَّةً؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَفْعَلْهُ.
(وَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ دَخَلَ وَقْتُهَا إلَى الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ وَقْتُهَا) «؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسُ عَلَى قِيدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَلَمَّا شَهِدُوا بِالْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ».
يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَهَبَ مِنْهَا إلَى الْمُصَلَّى؛ لِأَنَّ مَكَانَ الْقُرْبَةِ يُشْهَدُ فَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِلشُّهُودِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا فِي الْمُصَلَّى وَالْبَيْتِ، وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى خَاصَّةً؛ لِمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ خَرَجَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا النَّفْيُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ فِي الْمُصَلَّى لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ إلَخْ) اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ الِارْتِفَاعِ إلَى الزَّوَالِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ كَمَا ذُكِرَ وَفِي أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ يَزِيدَ بْنَ خُمَيْرٍ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ﵁ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ وَأَضْحَى فَأَنْكَرَ إبْطَاءَ الْإِمَامِ فَقَالَ: إنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ» صَحَّحَهُ
стр. 594
(وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَثَلَاثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ يَبْتَدِئُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا بَعْدَهَا، وَيُكَبِّرُ رَابِعَةً يَرْكَعُ بِهَا) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَخَمْسًا بَعْدَهَا وَفِي الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ يَقْرَأُ. وَفِي رِوَايَةٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، وَظَهَرَ عَمَلُ الْعَامَّةِ الْيَوْمَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَمْرِ بَنِيهِ الْخُلَفَاءِ. فَأَمَّا الْمَذْهَبُ فَالْقَوْلُ
النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ التَّنَفُّلُ.
وَفِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى مُصَلَّاهُمْ». وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَنَّهُمْ قَدِمُوا آخِرَ النَّهَارِ. وَلَفْظُهُ عَنْ ابْنِ عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ: حَدَّثَنِي عُمُومَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا «أُغْمِيَ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَخْرُجُوا إلَى عِيدِهِمْ مِنْ الْغَدِ» قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ: وَبِهَذَا اللَّفْظِ حَسَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْنَادَهُ، هَذَا وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا أَنَّ لَفْظَ آخِرِ النَّهَارِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ وَقَبْلِهِ، فَأَمْرُهُ ﷺ إيَّاهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْغَدِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ بِدُخُولِ الزَّوَالِ؛ لِجَوَازِ كَوْنِهِ لِلْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرِ النَّهَارِ مَا بَعْدَ الظُّهْرِ، أَوْ يَكُونُ فِي تَعْيِينِ وَقْتِهَا هَذَا إجْمَاعٌ فَيُغْنِي عَنْهُ، وَقَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ جَعْفَرِ بْنِ إيَاسٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَخْبَرَنِي عُمُومَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ الْهِلَالَ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصْبَحُوا صِيَامًا، فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِالْفِطْرِ فَأَفْطَرُوا تِلْكَ السَّاعَةَ، وَخَرَجَ بِهِمْ مِنْ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْعِيدِ».
(قَوْلُهُ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ) اعْلَمْ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُوَافِقُ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ وَمَا يُوَافِقُ رَأْيَنَا، وَكَذَا عَنْ الصَّحَابَةِ.
أَمَّا عَنْهُ ﷺ ، فَفِي أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى بِسَبْعٍ وَفِي الثَّانِيَةِ بِخَمْسٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِهِ مُسْلِمٌ.
قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالطُّرُقُ إلَيْهِمْ فَاسِدَةٌ، وَفِي أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ «وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ سِوَى تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ صَحِيحٌ.
стр. 595
الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَرَفْعَ الْأَيْدِي خِلَافُ الْمَعْهُودِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ أَوْلَى ثُمَّ بِالتَّكْبِيرَاتِ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ حَتَّى يَجْهَرَ بِهِ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْجَمْعُ وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَجِبُ إلْحَاقُهَا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ لِقَوْلِهَا مِنْ حَيْثُ الْفَرِيضَةِ وَالسَّبْقِ، وَفِي
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ وَبِهِ أَقُولُ. وَقَدْ رُوِيَتْ أَحَادِيثُ عِدَّةٌ غَيْرُهَا تُوَافِقُ هَذِهِ، وَفِي أَبِي دَاوُد مَا يُعَارِضُهَا، وَهُوَ «أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي الْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِحَدِيثَيْنِ، إذْ تَصْدِيقُ حُذَيْفَةَ رِوَايَةٌ لِمِثْلِهِ، وَسُكُوتُ أَبِي دَاوُد وَالْمُنْذِرِيِّ تَصْحِيحٌ أَوْ تَحْسِينٌ مِنْهُمَا، وَتَضْعِيفُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَهُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ نَقْلًا عَنْ ابْنِ مُعِينٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ صَاحِبِ التَّنْقِيحِ فِيهِ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ مُعِينٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، لَكِنْ أَبُو عَائِشَةَ فِي سَنَدِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا أَعْرِفُ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: مَجْهُولٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَحَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ أَيْضًا بِهِ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ سَبَبٌ غَيْرُهُ فَكَيْفَ وَقَدْ بَانَ اضْطِرَابُهُ فِيهِ؟ فَمَرَّةً وَقَعَ فِيهِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَمَرَّةً عَنْهُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَالِاضْطِرَابُ فِيهِ مِنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِهِ مَنَعَ الْقَوْلَ بِتَصْحِيحِهِمَا ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ وَأَوَّلَهُ، وَقَالَ: وَنَحْنُ وَإِنْ خَرَجْنَا عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لَكِنْ أَوْجَبَهُ أَنَّ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَتْرُوكٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُسَاوِي شَيْئًا، وَضَرَبَ عَلَى حَدِيثِهِ فِي الْمُسْنَدِ وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ مُعِينٍ: لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوكٌ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَاهِي الْحَدِيثِ، وَأَفْظَعَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِيهِ الْقَوْلَ.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ ﵀: لَيْسَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا آخُذُ فِيهِ بِفِعْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَمَّا مَا عَنْ الصَّحَابَةِ فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعًا، أَرْبَعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ. وَفِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ، فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ أَرْبَعًا ثُمَّ رَكَعَ ". أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَلْ الْأَشْعَرِيَّ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: سَلْ عَبْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَقْدَمُنَا وَأَعْلَمُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا
стр. 596
الثَّانِيَةِ لَمْ يُوجَدْ إلَّا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ فَوَجَبَ الضَّمُّ إلَيْهَا، وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ الْمَرْوِيَّ كُلَّهُ عَلَى الزَّوَائِدِ فَصَارَتْ التَّكْبِيرَاتُ عِنْدَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ.
بَعْدَ الْقِرَاءَةِ.
طَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَأَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرَ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ. خَمْسٌ فِي الْأُولَى وَأَرْبَعٌ فِي الْآخِرَةِ، وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ " وَالْمُرَادُ بِالْخَمْسِ تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ وَثَلَاثٌ زَوَائِدُ، وَبِالْأَرْبَعِ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. طَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ قَاعِدًا فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مَعَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: " إنَّ غَدًا عِيدُكُمْ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَا: أَخْبِرْهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَأَنْ يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى خَمْسًا وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعًا، وَأَنْ يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، وَأَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ تِسْعُ تَكْبِيرَاتٍ: فِي الْأُولَى خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَبْدَأُ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوُ هَذَا.
وَهَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ قَالَهُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَمِثْلُ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ نَقْلِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مَا يُخَالِفُهُ. قُلْنَا: غَايَتُهُ مُعَارَضَةٌ، وَيَتَرَجَّحُ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَعَارِضٌ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِهِمْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَسِتًّا فِي الْآخِرَةِ ". حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٍ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ ". وَرُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِنَا، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: " صَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ عِيدٍ فَكَبَّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ خَمْسًا فِي الْأُولَى وَأَرْبَعًا فِي الْآخِرَةِ، وَوَالَى بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ ". وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاق وَزَادَ فِيهِ: وَفَعَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِثْلَ ذَلِكَ فَاضْطَرَبَ الْمَرْوِيُّ.
وَأَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَوْ لَمْ يَسْلَمْ كَانَ مُقَدَّمًا فَكَيْفَ وَهُوَ سَالِمٌ لِاضْطِرَابِ مُعَارِضِهِ، وَبِهِ يَتَرَجَّحُ الْمَرْفُوعُ الْمُوَافِقُ لَهُ، وَيَخْتَصُّ تَرْجِيحُ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْهُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ ثَنَاءٌ وَالثَّنَاءُ شُرِعَ فِي الْأُولَى أَوَّلًا وَهُوَ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ فَيُقَدَّمُ تَكْبِيرُهَا، وَحَيْثُ شُرِعَ فِي الثَّانِيَةِ شُرِعَ مُؤَخَّرًا وَهُوَ الْقُنُوتُ فَيُؤَخَّرُ تَكْبِيرُ الثَّانِيَةِ عَلَى وَفْقِ الْمَعْهُودِ. (قَوْلُهُ: وَالشَّافِعِيُّ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ) يَعْنِي الْمَرْوِيَّ عَنْهُ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ الرِّوَايَتَيْنِ هَكَذَا عَنْهُ بَلْ إنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَخَمْسًا بَعْدَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا ثُمَّ يَقْرَأُ أَوْ أَرْبَعًا، إلَّا أَنَّ هَذَا بَعْدَمَا عُلِمَ مِنْ طَرِيقَتِنَا أَنَّ
стр. 597
قَالَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) يُرِيدُ بِهِ مَا سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْنَا مَا رَوَيْنَا.
كُلَّ مَرْوِيٍّ فِي الْعَدَدِ يُحْمَلُ عَلَى شُمُولِهِ الْأَصْلِيَّاتِ، وَالزَّوَائِدُ تَلْتَفِتُ مِنْهُ إلَى كَوْنِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، تَكْبِيرَاتُ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعَيْنِ مَعَ الْعَشْرِ أَوْ التِّسْعِ، فَاكْتَفَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ اللُّزُومِ فِي الْإِحَالَةِ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، إلَّا أَنَّ عَدَّ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي الْأُولَى دُونَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ فِي الثَّانِيَةِ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَعَلَى اعْتِبَارِهَا إنَّمَا يَقَعُ الِالْتِفَاتُ إلَى كَوْنِ الْمَرْوِيِّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُخَصِّصُ اتِّصَالُ الِافْتِتَاحِ بِالزَّوَائِدِ. قُلْنَا: فَلَمْ يُتَّجَهْ عَدُّ تَكْبِيرَةِ رُكُوعِ الْأُولَى وَعَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ يَقَعُ الِالْتِفَاتُ إلَى كَوْنِهِ أَحَدَ عَشَرَ أَوْ عَشَرًا.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ) تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَكْبِيرَاتُ الْأَعْيَادِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِيهَا وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى تَكْبِيرَاتِ الْجَنَائِزِ. بَلْ يَكْفِي فِيهِ كَوْنُ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ الشَّرْعِ ثُبُوتُ التَّكْبِيرِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الرَّفْعُ فَيَبْقَى عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ. وَيَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ فَإِنَّ الْمُولَاةَ تُوجِبُ الِاشْتِبَاهَ عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي فِي دَفْعِ الِاشْتِبَاهِ عَنْهُمْ هَذَا الْقَدْرُ فَصَلَ بِأَكْثَرَ أَوْ كَانَ يَكْفِي لِذَلِكَ أَقَلُّ سَكَتَ أَقَلَّ، وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ عِنْدَنَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْعِيدِ بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ). وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَرَّةً فِي الْعِيدَيْنِ فَقَطْ.
[فُرُوعٌ] أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا يُحْرِمُ، ثُمَّ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إدْرَاكُهُ فِي الرُّكُوعِ إنْ كَبَّرَ قَائِمًا كَبَّرَ قَائِمًا ثُمَّ رَكَعَ
стр. 598
قَالَ (ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ) بِذَلِكَ وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ (يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَأَحْكَامَهَا)؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ.
(وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَقْضِهَا)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا بِشَرَائِطَ لَا تَتِمُّ
لِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْمَحَلُّ الْأَصْلِيُّ لِلتَّكْبِيرِ، وَيُكَبِّرُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِي، وَالذِّكْرُ الْفَائِتُ يُقْضَى قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، وَإِنْ خَشِيَ فَوْتَ رُكُوعِ الْإِمَامِ رَكَعَ وَكَبَّرَ فِي رُكُوعِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ سُنَّةٌ فِي مَحَلِّهِ، وَالرَّفْعُ يَكُونُ سُنَّةً لَا فِي مَحَلِّهِ، وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِهِ فِي الرُّكُوعِ لَزِمَ تَرْكُ الْمُتَابَعَةِ الْمَفْرُوضَةِ لِلْوَاجِبِ، وَالْقَوْمَةُ لَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بَلْ شُرِعَتْ لِلْفَصْلِ حَتَّى لَمْ يَصِرْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِهَا فَلَا تَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّكْبِيرِ أَدَاءً وَلَا قَضَاءً، وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الْقَوْمَةِ لَا يَقْضِيهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي الرَّكْعَةَ مَعَ تَكْبِيرَاتِهَا الْمَأْمُومُ يَتْبَعُ الْإِمَامَ، وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ حَكَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا يُجْتَهَدُ فِيهِ فَلَوْ جَاوَزَ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ إنْ سَمِعَ مِنْهُ التَّكْبِيرَ لَا يُتَابِعُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ يَتْبَعُهُ إلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ إلَى سِتَّ عَشْرَةَ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُتَابِعُهُ؛ لِتَيَقُّنِ خَطَئِهِ كَالْمُتَابَعَةِ فِي الْمَنْسُوخِ، وَإِنْ سَمِعَ مِنْ الْمُبَلِّغِ كَبَّرَ مَعَهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ لِجَوَازِ الْخَطَإِ مِنْ الْمُبَلِّغِ فِيمَا سَبَقَ فَلَا يَتْرُكُ الْوَاجِبَ لِلِاحْتِمَالِ، وَاللَّاحِقُ يُكَبِّرُ بِرَأْيِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلْفَهُ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ.
وَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فِي التَّشَهُّدِ يَقْضِي بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ صَلَاةَ الْعِيدِ بِالِاتِّفَاقِ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ؛ وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ كَبَّرَ وَأَعَادَ الْقِرَاءَةَ. وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ ضَمِّ السُّورَةِ كَبَّرَ وَلَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَمَّتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَتِمَّ إذْ لَمْ يَتِمَّ الْوَاجِبُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا فَيُعِيدُهَا رِعَايَةً لِلتَّرْتِيبِ.
وَلَوْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ وَرَأَى رَأْيَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يَقْرَأُ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْضِي ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. وَفِي النَّوَادِرِ: يُكَبِّرُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ الْأَذْكَارِ إجْمَاعًا. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالتَّكْبِيرِ يُؤَدِّي إلَى الْمُوَالَاةِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْقِرَاءَةِ يَكُونُ مُوَافِقًا لِعَلِيٍّ ﵁؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا.
وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أَرْبَعًا بِرَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَحَوَّلَ إلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدَعُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَيَبْدَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ الرَّأْيِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ وَلَوْ فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَتَحَوَّلَ إلَى رَأْيِ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ فِي الْقِرَاءَةِ لَا يُعِيدُ التَّكْبِيرَ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَوْسِيطِ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَبَّرَ بِرَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَتَحَوَّلَ إلَى رَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ كَبَّرَ مَا بَقِيَ وَأَعَادَ الْفَاتِحَةَ، وَإِنْ تَحَوَّلَ بَعْدَ ضَمِّ السُّورَةِ لَا يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بِذَلِكَ وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ) لَا شَكَّ فِي وُرُودِ النَّقْلِ مُسْتَفِيضًا بِالْخُطْبَةِ، أَمَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ فَلَا، إلَّا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو الرَّقِّيِّ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى
стр. 599
بِالْمُنْفَرِدِ.
(فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ وَشَهِدُوا عِنْدَ الْإِمَامِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ صَلَّى الْعِيدَ مِنْ الْغَدِ)؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْخِيرٌ بِعُذْرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ (فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدَهُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْحَدِيثِ، وَقَدْ وَرَدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي عِنْدَ الْعُذْرِ.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَيُؤَخِّرَ الْأَكْلَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ لَا يَطْعَمُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَوَجَّهَ إلَى الْمُصَلَّى» (وَهُوَ يُكَبِّرُ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَالْفِطْرِ) كَذَلِكَ نُقِلَ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ)؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَذَلِكَ فَعَلَ (وَيُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ)؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ، وَالْخُطْبَةُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِتَعْلِيمِهِ.
(فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى صَلَّاهَا مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِهَا لَكِنَّهُ مُسِيءٌ فِي التَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمُخَالَفَةِ الْمَنْقُولِ.
(وَالتَّعْرِيفُ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَشْبِيهًا بِالْوَاقِفِينَ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عُرْفُ عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةَ دُونَهُ كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ.
فَخَطَبَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ»، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ: وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْعِيدِ بِخُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَكْرِيرِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ، وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ، فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ خَالَفَ السُّنَّةَ وَلَا يُعِيدُ الْخُطْبَةَ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ) يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا قُلْنَا.
(قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ إلَخْ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ» زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَحْمَدُ «فَيَأْكُلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، وَصَحَّحَ زِيَادَةَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ) حَاصِلُ مَا رَأَيْنَاهُ فِيهِ كَتَبْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) ظَاهِرُ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ مَطْلُوبُ الِاجْتِنَابِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ
стр. 600
(فَصْلٌ فِي تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ)
(وَيَبْدَأُ بِتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَخْتِمُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ) عِنْدَ
لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمُقَاسَمَةُ تُفِيدُ أَنَّ مُقَابِلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأُصُولِ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْوُقُوفَ عَهْدُ قُرْبَةٍ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي غَيْرِهِ. وَجَوَابُهُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَا كَانَ لِلتَّشَبُّهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُعَلَّقَةٌ بِقَصْدِ التَّشَبُّهِ، وَالْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ لِلْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمًا لِمَفْسَدَةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ تُتَوَقَّعُ مِنْ الْعَوَامّ، وَنَفْسُ الْوُقُوفِ وَكَشْفُ الرُّءُوسِ يَسْتَلْزِمُ التَّشَبُّهَ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ. فَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ عَرَضَ الْوُقُوفُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ كَالِاسْتِسْقَاءِ مَثَلًا لَا يُكْرَهُ، أَمَّا قَصْدُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ فِيهِ فَهُوَ مَعْنَى التَّشَبُّهِ إذَا تَأَمَّلْت، وَمَا فِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ لَوْ اجْتَمَعُوا لِشَرَفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ جَازَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِلَا وُقُوفٍ وَكَشْفٍ.
(فَصْلٌ فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ)
وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ التَّكْبِيرُ الَّذِي هُوَ التَّشْرِيقُ، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ لَا يُسَمَّى تَشْرِيقًا إلَّا إذَا كَانَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَخْصُومَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، وَمَا فِي الْكَافِي مِمَّا يَدْفَعُ هَذَا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي جَوَابِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ بِالتَّكْبِيرِ بِأَثَرِ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ» أَيْ لَا تَكْبِيرَ إلَّا فِي مِصْرٍ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ مَعْنَاهَا تَكْبِيرُ التَّكْبِيرِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْرِيقُ فِي هَذَا الْأَثَرِ لَا فِي تِلْكَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْإِضَافَةِ عَلَى مَعْنَى التَّكْبِيرِ، لَكِنَّ الْحَقَّ صِحَّتُهَا عَلَى اعْتِبَارِ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ مِثْلَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ وَحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا كَذَلِكَ تَصْحِيحًا، فَحِينَئِذٍ مَا قِيلَ لَقَبُ الْفَصْلِ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ التَّكْبِيرِ لَا يَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ؛ لِيَكُونَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ أُضِيفَتْ التَّكْبِيرَاتُ إلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَكِنْ إنَّمَا أُضِيفَتْ إلَى التَّشْرِيقِ نَفْسِهِ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ مَا ذُكِرَ
следующие страницы →