← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[ذكر الجزية] [ بَابُ الْجِزْيَةِ] [ فصل ممن تؤخذ الْجِزْيَةِ وحكمتها وسببها] [سَبَبُ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ بَابُ الْجِزْيَةِ] سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ زَادَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْجِزْيَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَسَبَبِ وَضْعِهَا وَعَنْ مِقْدَارِ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِينَ وَمِنَ الْفُقَرَاءِ، وَعَنْ حَدِّ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فِيهَا وَهَلْ يُثَابُ أَوْلِيَاءُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ - أَمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى إِلْزَامِهِمْ بِهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ؟ وَأَجَابَ: أَمَّا سَبَبُ وَضْعِ الْجِزْيَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . [مِمَّنْ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ] فَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنَ

стр. 2

الْمَجُوسِ.

стр. 3

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ تَوَقَّفَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ

стр. 4

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ حَكَى هَذَا عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُكَذِّبْهُمْ فِيهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: " أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَجُوسِ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ يُعَلِّمُونَهُ وَكِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ، وَإِنَّ مَلِكَهُمْ سَكِرَ فَوَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمَّا صَحَا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ وَدَعَا أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ وَقَالَ: تَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِنْ دِينِ آدَمَ وَقَدْ أَنْكَحَ بَنِيهِ بَنَاتِهِ، فَأَنَا عَلَى دِينِ آدَمَ، قَالَ: فَتَابَعَهُ قَوْمٌ وَقَاتَلُوا الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُ حَتَّى قَتَلَهُمْ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ بِكِتَابِهِمْ وَرُفِعَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ فَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ - وَأَرَاهُ قَالَ: وَعُمَرُ - مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ ". فَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ

стр. 5

وَغَيْرُهُمَا وَلَكِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ ضَعَّفُوا الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا أَحْسَبُ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا مَحْفُوظًا. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعَامِلِ كِسْرَى: " أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ ". وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَالتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ وَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: " أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً تَدِينُ

стр. 6

لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ» ". قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: " كَلِمَةً وَاحِدَةً لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] ، قَالَ: فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ» ".

стр. 7

وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا» . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهَ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ [ابْنِ] أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ.

стр. 8

فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنَ الْمَجُوسِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَجَمِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى ذَلِكَ بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: " «وَتُؤَدِّي إِلَيْكُمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ» "، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: " اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ

стр. 9

الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟» ". وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفِقْهِ. مِنْهَا: وَصِيَّةُ الْإِمَامِ لِنُوَّابِهِ، وَأُمَرَائِهِ، وَوُلَاتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ فَبِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يُحْفَظُ عَلَى الْأَمِيرِ مَنْصِبُهُ، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِهِ وَيَأْمَنُ فِيهِ مِنَ النَّكَبَاتِ وَالْغِيَرِ، وَمَتَى تَرَكَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ عِزَّهُ، وَيَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِلنَّاسِ فَمَا إِنْ سُلِبَتِ النِّعَمُ إِلَّا بِتَرْكِ تَقْوَى اللَّهِ وَالْإِسَاءَةِ إِلَى النَّاسِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَيْشَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَغُلُّوا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَغْدِرُوا بِالْعَهْدِ، وَلَا يُمَثِّلُوا بِالْكُفَّارِ، وَلَا يَقْتُلُوا مَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدْعُونَ الْكُفَّارَ - قَبْلَ قِتَالِهِمْ - إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا وَاجِبٌ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَمُسْتَحَبٌّ إِنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الْقَاصِدِينَ لِلْكُفَّارِ، فَأَمَّا إِذَا قَصَدَهُمُ الْكُفَّارُ فِي دِيَارِهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ. وَمِنْهَا: إِلْزَامُهُمْ بِالتَّحَوُّلِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بَيْنَ الْكُفَّارِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ وَصَارَتِ الدَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُلْزَمُوا بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا بَلْ

стр. 10

يُقِيمُونَ فِي دِيَارِهِمْ، وَكَانَتْ دَارُ الْهِجْرَةِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِيَ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ صَارَتِ الْبِلَادُ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُهُمُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَعْرَابَ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنَائِمِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا، فَإِذَا قَاتَلُوا اسْتَحَقُّوا مِنَ الْغَنِيمَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَأَمَّا الْأَعْرَابُ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ هَذَا ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ كَافِرًا مِنْ كَافِرٍ. وَلَا يُقَالُ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً، فَإِنَّ اللَّفْظَ يَأْبَى اخْتِصَاصَهُمْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَيْضًا فَسَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجُيُوشُهُ أَكْثَرُ مَا كَانَتْ تُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْقُرْآنِ وَمِنْ عُمُومِ الْكُفَّارِ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَجُوسِ وَهُمْ عُبَّادُ النَّارِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ لَمْ يَتَوَقَّفْ عُمَرُ ﵁ فِي أَمْرِهِمْ وَلَمْ

стр. 11

يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ : " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ وَالشَّرَائِعَ الْعِظَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمَجُوسِ - مَعَ أَنَّهَا أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمَمِ شَوْكَةً وَعَدَدًا وَبَأْسًا - كِتَابًا وَلَا نَبِيًّا، وَلَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بَلِ الْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا أُخِذَتْ مِنْ عُبَّادِ النِّيرَانِ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ مَعَ كَثْرَةِ قِتَالِهِ لَهُمْ. قِيلَ: أَجَلْ وَذَلِكَ لِأَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ " تَبُوكَ " فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ وَلَمْ يَبْقَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ مِنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ لِأَنَّهُ صَالَحَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ.

стр. 12

[ادِّعَاءُ يَهُودِ خَيْبَرَ إِسْقَاطَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ وَرَدُّ ذَلِكَ] وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ هِيَ الَّتِي أَوْقَعَتْ عِنْدَ الْيَهُودِ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَكَّدُوا أَمْرَهَا بِأَنْ زَوَّرُوا كِتَابًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْقَطَ عَنْهُمُ الْكُلَفَ وَالسُّخَرَ وَالْجِزْيَةَ وَوَضَعُوا فِيهِ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا الْكِتَابُ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا: أَنَّ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ النَّقْلِ وَالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ أَلْبَتَّةَ مَعَ عِنَايَتِهِمْ بِضَبْطِ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَحِينَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ لَمْ تَكُنِ الْجِزْيَةُ نَزَلَتْ حَتَّى يَضَعَهَا عَنْهُمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ. الرَّابِعُ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ تُوُفِّيَ عَامَ الْخَنْدَقِ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ كُلَفٌ وَلَا سُخَرٌ حَتَّى تُوضَعَ عَنْهُمْ. السَّادِسُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الْحُرْمَةِ وَرِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَقْتَضِي وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ أَشَدِّ الْكُفَّارِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَأَيُّ خَيْرٍ حَصَلَ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ دُونَ سَائِرِ الْكُفَّارِ؟

стр. 13

السَّابِعُ: أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أَظْهَرُوهُ ادَّعَوْا أَنَّهُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَهَذَا كَذِبٌ قَطْعًا وَعَدَاوَةُ عَلِيٍّ ﵁ لِلْيَهُودِ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ " مَرْحَبًا " الْيَهُودِيَّ وَأَثْخَنَ فِي الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتَّى كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ.

стр. 14

الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ الْيَهُودِ وَهُمُ الْقَوْمُ الْبُهُتُ، أَكْذَبُ الْخُلْقِ عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَكَيْفَ يُصَدَّقُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى؟ ! التَّاسِعُ: أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَأَظْهَرُوهُ فِي أَيَّامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَفِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَفِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ وَالرَّشِيدِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَسْتَثْنُونَهُمْ مِمَّنْ تُوضَعُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ أَوْ لَذَكَرَ ذَلِكَ فَقِيهٌ وَاحِدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُجْمِعَ عَلَى مُخَالَفَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهَا، وَكَيْفَ يَكُونُ بِأَيْدِي أَعْدَاءِ اللَّهِ كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَحْتَجُّونَ بِهِ كُلَّ وَقْتٍ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، وَلَا يَذْكُرُهُ عَالِمٌ وَاحِدٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ؟ وَإِنِ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالسِّيرَةِ وَالْمَنْقُولِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، شَنَّعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَبَيَّنُوا خَطَأَهُ وَحَذَّرُوا مِنْ سَقْطَتِهِ. الْعَاشِرُ: أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ وَالنَّقْلِ يَشْهَدُونَ بِبُطْلَانِ هَذَا الْكِتَابِ،

стр. 15

وَأَنَّهُ زُورٌ مُفْتَعَلٌ وَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، وَلَمَّا أَظْهَرَهُ الْيَهُودُ بَعْدَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ عَلَى عَهْدِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ ابْنُ الْمُسْلِمَةِ فَأَوْقَفَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الْحَافِظُ: هَذَا الْكِتَابُ زُورٌ فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَالَ: فِيهِ شَهَادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَسَعْدٌ مَاتَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَمُعَاوِيَةُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَخَيْبَرُ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْوَزِيرَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ

стр. 16

مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِأَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ عَامِ تَبُوكَ، وَكَانَتْ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ مِنَ الْعَرَبِ كُلُّهُمْ قَدْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ النَّصَارَى وَمِنَ الْمَجُوسِ. قَالَ الْمُخَصِّصُونَ بِالْجِزْيَةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ: الْمُرَادُ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ إِعْدَامُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَلَّا يُقَرَّ كَافِرٌ عَلَى كُفْرِهِ، وَلَكِنْ جَاءَ النَّصُّ بِإِقْرَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَاقْتَصَرْنَا بِهَا عَلَيْهِمْ وَأَخَذْنَا فِي عُمُومِ الْكُفَّارِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى قِتَالِهِمْ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ كُفْرَ الْمُشْرِكِينَ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَعَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وَبَعْضِ آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ مَا لَيْسَ مَعَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالنُّبُوَّاتِ بِخِلَافِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ. وَعَبَدَةُ الْأَصْنَامِ حَرْبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ إِلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ; وَلِهَذَا أَثَّرَ هَذَا التَّفَاوُتُ الَّذِي بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي حِلِّ الذَّبَائِحِ وَجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ، وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِالْمَجُوسِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنَّهَا إِنَّمَا

стр. 17

وُضِعَتْ لِأَجْلِهِمْ خَاصَّةً وَإِلَّا لَوْ كَانَتِ الْجِزْيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْكِتَابِ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَقَالَ: لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. وَأَمَّا تَحْرِيمُ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ فَاتِّفَاقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ طَرْدَهُ الْقِيَاسَ وَإِفْتَاءَهُ بِحِلِّ ذَبَائِحِهِمْ وَجَوَازِ مُنَاكَحَتِهِمْ وَدَعَا عَلَيْهِ أَحْمَدُ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَفْقَهَ وَأَعْلَمَ وَأَسَدَّ قِيَاسًا وَرَأْيًا فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا فِي الدِّمَاءِ بِحَقْنِهَا مُوَافَقَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِعْلِهِ، حَيْثُ أَخَذَهَا مِنْهُمْ وَأَخَذُوا فِي الْأَبْضَاعِ وَالذَّبَائِحِ بِتَحْرِيمِهَا احْتِيَاطًا وَإِبْقَاءً لَهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَإِلْحَاقًا لَهُمْ بِعُبَّادِ الْأَوْثَانِ إِذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَعُبَّادِ النِّيرَانِ، فَالْأَصْلُ فِي الدِّمَاءِ حَقْنُهَا وَفِي الْأَبْضَاعِ وَالذَّبَائِحِ تَحْرِيمُهَا فَأَبْقَوْا كُلَّ شَيْءٍ عَلَى أَصْلِهِ، وَهَذَا غَايَةُ الْفِقْهِ وَأَسَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ النَّظَرِ. [الْحِكْمَةُ مِنْ إِبْقَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا] قَالُوا: وَلِلَّهِ تَعَالَى حِكَمٌ فِي إِبْقَاءِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَإِنَّهُمْ مَعَ كُفْرِهِمْ شَاهِدُونَ بِأَصْلِ النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَفِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَذِكْرِ نُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ وَصِفَاتِ أُمَّتِهِ مَا هُوَ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينِ رِسَالَتِهِ، وَمَا يَشْهَدُ بِصِدْقِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ. وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَبَقَاؤُهُمْ مِنْ

стр. 18

أَقْوَى الْحُجَجِ عَلَى مُنْكِرِ النُّبُوَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالتَّوْحِيدِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمُنْكِرِي ذَلِكَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، ذَكَرَ هَذَا عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، يَعْنِي: سَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ أَرْسَلْنَا قَبْلَ مُحَمَّدٍ رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ أَمْ كَانَ مُحَمَّدٌ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ رَسُولٌ حَتَّى يَكُونَ إِرْسَالُهُ أَمْرًا مُنْكَرًا لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ رَسُولٌ قَبْلَهُ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ، وَالْمُرَادُ بِسُؤَالِهِمْ سُؤَالُ أُمَمِهِمْ عَمَّا جَاءُوهُمْ بِهِ هَلْ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُمْ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُرَادُ سُؤَالُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَيُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ.

стр. 19

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّقْدِيرُ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلَنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: التَّقْدِيرُ وَسَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَالْمُرَادُ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَنْكَرَ النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولًا أَوْ أَنْزَلَ كِتَابًا أَوْ حَرَّمَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ. فَشَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ صِحَّةِ رِسَالَتِهِ ﷺ إِذْ كَانَ قَدْ جَاءَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ إِخْوَانُهُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَلَا جَاءَ بِضِدِّ مَا جَاءُوا بِهِ، بَلْ أَخْبَرَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ وَلَا اقْتِرَانٍ فِي الزَّمَانِ وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ صِدْقِهِ.

стр. 20

[شُبْهَةٌ وَجَوَابُهَا] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] ، وَقَدْ أَشْكَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَأَوْرَدَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا إِيرَادًا وَقَالُوا: كَانَ فِي شَكٍّ فَأُمِرَ أَنْ يَسْأَلَنَا وَلَيْسَ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ إِشْكَالٌ، وَإِنَّمَا أُتِيَ أَشْبَاهُ الْأَنْعَامِ مِنْ سُوءِ قَصْدِهِمْ وَقِلَّةِ فَهْمِهِمْ وَإِلَّا فَالْآيَةُ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الشَّكِّ وَلَا السُّؤَالُ أَصْلًا، فَإِنَّ الشَّرْطَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْمَشْرُوطِ بَلْ وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وَنَظَائِرِهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَسْأَلْ. وَفِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ «عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 21

وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا أَشُكُّ وَلَا أَسْأَلُ» ". وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ أَنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فَاسْأَلْهُمْ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. قَالَ: يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: فَإِنْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي شَكٍّ مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَخْبَرْنَاكَ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، مِنْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي نُبُوَّتِكَ قَبْلَ أَنْ

стр. 22

أَبْعَثَكَ رَسُولًا إِلَى خَلْقِي لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَكَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ وَيَعْرِفُونَكَ بِالصِّفَةِ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مَوْصُوفٌ فِي كُتُبِهِمْ، فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ بِكَ مِنْهُمْ دُونَ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْكُفْرِ بِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ [كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَلْ أَهْلَ التَّقْوَى وَالْإِيمَانِ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ [مِمَّنْ أَدْرَكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ] .

стр. 23

وَلَمْ يَقَعْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ وَمَقْصُودِهَا وَأَيْنَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَإِنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَابْنَ سَلَامٍ إِذْ ذَاكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَكَيْفَ يُؤْمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْتَشْهِدَ عَلَى مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ بِأَتْبَاعِهِ؟

стр. 24

وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هَذَا الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَهُمْ قَدْ يُخَاطِبُونَ الرَّجُلَ بِالشَّيْءِ وَيُرِيدُونَ غَيْرَهُ كَمَا يَقُولُ مُتَمَثِّلُهُمْ: (إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ) . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ، وَالْمُرَادُ أَتْبَاعُهُ بِهَذَا الْخِطَابِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْخَلْقِ، وَالْمَعْنَى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٤] .

стр. 25

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْنَافًا مِنْهُمْ كَافِرٌ بِهِ مُكَذِّبٌ، وَآخَرُ مُؤْمِنٌ بِهِ مُصَدِّقٌ، وَآخَرُ شَاكٌّ فِي الْأَمْرِ لَا يَدْرِي كَيْفَ هُوَ، فَهُوَ يُقَدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ رِجْلًا، فَخَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الصِّنْفَ مِنَ النَّاسِ وَقَالَ: فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْهُدَى عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فَسَلْ. قَالَ: وَوَحَّدَ وَهُوَ يُرِيدُ الْجَمْعَ كَمَا قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] ، وَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] ، وَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] . وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ - فَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ، وَقَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ، وَهَذَا كُلُّهُ

стр. 26

خِطَابٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَلَمَّا عَرَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا الصِّنْفُ الشَّاكُّ، وَكُلُّ هَذَا فِرَارٌ مِنْ تَوَهُّمِ مَا لَيْسَ بِمَوْهُومٍ: وَهُوَ وُقُوعُ الشَّكِّ مِنْهُ وَالسُّؤَالُ، وَقَدْ بَيَّنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِمْكَانُ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا وَلَا مُمْكِنًا فَمَا مَقْصُودُ الْخِطَابِ وَالْمُرَادُ بِهِ؟ قِيلَ: الْمَقْصُودُ بِهِ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ وَالتَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِذَلِكَ لَا يَجْحَدُونَهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بِذَلِكَ، وَأَرْسَلَ مَلَائِكَتَهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ بِوَحْيِهِ وَكَلَامِهِ، فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَلْيَسْأَلْ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَأُخْرِجَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَدَلِّهَا عَلَى الْمَقْصُودِ، بِأَنْ جُعِلَ الْخِطَابُ لِرَسُولِهِ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ قَطُّ وَلَمْ يَسْأَلْ قَطُّ وَلَا عَرَضَ لَهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا الْخِطَابَ بَدَا لَكَ عَلَى صَفَحَاتِهِ: مَنْ شَكَّ فَلْيَسْأَلْ فَرَسُولِي لَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَسْأَلْ. وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ بَعْضِ الْحِكْمَةِ فِي إِبْقَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ، وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. [سَبَبُ وَضْعِ الْجِزْيَةِ] وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَرْفٍ وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ هَلْ وُضِعَتْ عَاصِمَةً لِلدَّمِ، أَوْ مَظْهَرًا لِصَغَارِ الْكُفْرِ وَإِذْلَالِ أَهْلِهِ فَهِيَ عُقُوبَةٌ؟ فَمَنْ رَاعَى فِيهَا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ قَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عِصْمَتِهَا لِدَمِ مَنْ خَفَّ كُفْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ - أَنْ تَكُونَ عَاصِمَةً لِدَمِ مَنْ

стр. 27

يَغْلُظُ كُفْرُهُ. وَمَنْ رَاعَى فِيهَا الْمَعْنَى الثَّانِيَ قَالَ: الْمَقْصُودُ إِظْهَارُ صَغَارِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَقَهْرِهِمْ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَخْتَصُّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ كَافِرٍ. قَالُوا: وَقَدْ أَشَارَ النَّصُّ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فَالْجِزْيَةُ صَغَارٌ وَإِذْلَالٌ، وَلِهَذَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ ضَرْبِ الرِّقِّ. قَالُوا: وَإِذَا جَازَ إِقْرَارُهُمْ بِالرِّقِّ عَلَى كُفْرِهِمْ جَازَ إِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ بِالْأَوْلَى ; لِأَنَّ عُقُوبَةَ الْجِزْيَةِ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ الرِّقِّ؛ وَلِهَذَا يُسْتَرَقُّ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يُسْتَرَقُّ عَيْنُ الْكِتَابِيِّ - كَمَا هِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ - كُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَرِقُّ سَبَايَا عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَجُوزُ لِسَادَاتِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ سَبَايَا " أَوْطَاسٍ "، وَكَانَتْ فِي آخِرِ غَزَوَاتِ الْعَرَبِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 28

" «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» ". فَجَوَّزَ وَطْأَهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْإِسْلَامَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَتْ سَبَايَا الصَّحَابَةِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقِرُّهُمْ عَلَى تَمَلُّكِ السَّبْيِ.

стр. 29

وَقَدْ دَفَعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵄ امْرَأَةً مِنَ السَّبْيِ نَفَلَهَا إِيَّاهُ، وَكَانَتْ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ. وَأَخَذَ عُمَرُ وَابْنُهُ ﵄ مِنْ سَبْيِ " هَوَازِنَ "، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَهَذِهِ الْحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ. . وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» " وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. قَالُوا: وَإِذَا جَازَ الْمَنُّ عَلَى الْأَسِيرِ وَإِطْلَاقُهُ بِغَيْرِ مَالٍ وَلَا اسْتِرْقَاقٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ إِطْلَاقُهُ بِجِزْيَةٍ تُوضَعُ عَلَى رَقَبَتِهِ تَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْلَى وَأَحْرَى،

стр. 30

فَضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ عُقُوبَةً فَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ عُقُوبَةِ الِاسْتِرْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ عِصْمَةً فَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ عِصْمَتِهِ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ مَجَّانًا، فَإِذَا جَازَ إِقَامَتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَإِقَامَتُهُ بَيْنَهُمْ بِالْجِزْيَةِ أَجْوَزُ وَأَحْوَزُ، وَإِلَّا فَيَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِالْجِزْيَةِ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِذَا مَنَنَّا عَلَيْهِ أَلْحَقْنَاهُ بِمَأْمَنِهِ، وَلَمْ نُمَكِّنْهُ مِنَ الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: إِذَا جَازَ إِلْحَاقُهُ بِمَأْمَنِهِ حَيْثُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْكُفَّارِ وَعَوْنًا لَهُمْ وَبِصَدَدِ الْمُحَارَبَةِ لَنَا مَجَّانًا، فَلَأَنْ يَجُوزَ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَإِذْلَالًا وَصَغَارًا لِلْكُفْرِ أَوْلَى وَأَوْلَى. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إِذَا جَازَتْ مُهَادَنَتُهُمْ لِلْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ مَالٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَأَنْ يَجُوزَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ إِذَا كَانُوا أُمَّةً كَبِيرَةً لَا تُحْصَى كَأَهْلِ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ اسْتِئْصَالُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَإِذْلَالُهُمْ وَقَهْرُهُمْ بِالْجِزْيَةِ أَقْرَبُ إِلَى عِزِّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَقُوَّتِهِ مِنْ إِبْقَائِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَيَكُونُونَ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَاتِ لَا أَنَّهَا كَرَامَةٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا سِوَاهُمْ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ - كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - فَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ سَيَأْتِي التَّعَرُّضُ إِلَيْهَا فِيمَا

стр. 31

بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالُوا: وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا وَجَبَ فِي مُقَابَلَةِ الْحِرَابِ لَا فِي مُقَابَلَةِ الْكُفْرِ وَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ النِّسَاءُ وَلَا الصِّبْيَانُ وَلَا الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانُ وَلَا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ بَلْ نُقَاتِلُ مَنْ حَارَبَنَا. وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ؛ كَانَ يُقَاتِلُ مَنْ حَارَبَهُ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِهِ أَوْ يُهَادِنَهُ أَوْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَهْرِهِ بِالْجِزْيَةِ، وَبِهَذَا كَانَ يَأْمُرُ سَرَايَاهُ وَجُيُوشَهُ إِذَا حَارَبُوا أَعْدَاءَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، فَإِذَا تَرَكَ الْكُفَّارُ مُحَارَبَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَسَالَمُوهُمْ وَبَذَلُوا لَهُمُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلِلْمُشْرِكِينَ. أَمَّا مَصْلَحَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَمَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ قُوَّةً لِلْإِسْلَامِ مَعَ صَغَارِ الْكُفْرِ وَإِذْلَالِهِ، وَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ مِنْ تَرْكِ الْكُفَّارِ بِلَا جِزْيَةٍ. وَأَمَّا مَصْلَحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ فَمَا فِي بَقَائِهِمْ مِنْ رَجَاءِ إِسْلَامِهِمْ إِذَا شَاهَدُوا أَعْلَامَ الْإِسْلَامِ وَبَرَاهِينَهُ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ أَخْبَارُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْضُهُمْ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِهِمْ. وَالْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَلَيْسَ فِي إِبْقَائِهِمْ بِالْجِزْيَةِ مَا يُنَاقِضُ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا أَنَّ إِبْقَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ بَيْنَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي كَوْنَ كَلِمَةِ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا،

стр. 32

وَكَوْنَ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ، فَإِنَّ مِنْ كَوْنِ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ إِذْلَالَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَصَغَارَهُ وَضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ أَهْلِهِ، وَالرِّقِّ عَلَى رِقَابِهِمْ فَهَذَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا إِلَّا تَرْكُ الْكُفَّارِ عَلَى عِزِّهِمْ وَإِقَامَةِ دِينِهِمْ كَمَا يُحِبُّونَ بِحَيْثُ تَكُونُ لَهُمُ الشَّوْكَةُ وَالْكَلِمَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ تَقْسِيمُ الْفَيْءِ وَالْخُمْسِ] ١ - فَصْلٌ [تَقْسِيمُ الْفَيْءِ وَالْخُمْسِ] وَقَدِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ هَذَا مَنْ يَرَى أَنَّ قِسْمَةَ الْفَيْءِ وَالْخُمْسِ مَوْكُولَةٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَرَاهُ أَصْلَحَ وَأَهَمَّ، وَالنَّاسُ إِلَيْهِ أَحْوَجُ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالُوا: وَالْمُهَاجِرُونَ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ لِلْأَعْرَابِ شَيْءٌ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِلَّهِ، وَوَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فُقَرَاءَ، وَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْفَيْءِ هُمْ وَمَنْ وَاسَاهُمْ وَآوَاهُمْ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْثِرُهُمْ بِالْخُمْسِ عَلَى الْأَنْصَارِ غَالِبًا إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.

стр. 33

وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ أَخَذَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ فِي الْأَعْرَابِ، فَلَمْ يَرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْفَيْءِ وَإِنَّمَا لَهُمُ الصَّدَقَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمُ الْمَرْدُودَةُ فِي فُقَرَائِهِمْ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْجِهَادِ وَأَجْنَادَ الْمُسْلِمِينَ أَحَقُّ بِالْفَيْءِ وَالصَّدَقَةِ. وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ حُكْمَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ أَوَّلًا فِي أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْمُوَالَاةِ لِلْمُهَاجِرِينَ،

стр. 34

وَلَا فِي التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» " فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَعْرَابِ إِذْ ذَاكَ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ، فَلَمَّا اتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ وَسَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ حَقٌّ فِي الْفَيْءِ حَتَّى رُعَاةِ الشَّاءِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " لَئِنْ سَلَّمَنِيَ اللَّهُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ نَصِيبُهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ لَمْ يَعْرَقْ فِيهِ جَبِينُهُ ".

стр. 35

[فَصْلٌ لَا يَسُوغُ إِطْلَاقُ حُكْمِ اللَّهِ عَلَى مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ إِلَّا مَا عُلِمَ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ يَقِينًا] ٢ - فَصْلٌ [لَا يَسُوغُ إِطْلَاقُ حُكْمِ اللَّهِ عَلَى مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ إِلَّا مَا عُلِمَ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ يَقِينًا] . وَقَوْلُهُ: " «فَإِنْ سَأَلُوكَ عَلَى أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» " فِيهِ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ إِطْلَاقُ حُكْمِ اللَّهِ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِهِ يَقِينًا مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: أَحَلَّ اللَّهُ كَذَا أَوْ حَرَّمَ كَذَا، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ لَمْ أُحِلَّ كَذَا وَلَمْ أُحَرِّمْهُ. وَهَكَذَا لَا يَسُوغُ أَنْ يَقُولَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لِمَا لَا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ وَلَا ثِقَةَ رُوَاتِهِ بَلْ إِذَا رَأَى أَيَّ حَدِيثٍ كَانَ فِي أَيِّ كِتَابٍ، يَقُولُ: " لِقَوْلِهِ ﷺ " أَوْ " لَنَا قَوْلُهُ ﷺ "

стр. 36

وَهَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَشَهَادَةٌ عَلَى الرَّسُولِ بِمَا لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ.

стр. 37

وَكَذَلِكَ لَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ كَمَا يَسْتَسْهِلُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ بَلْ لَا يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَنَعَ الْأَمِيرَ أَنْ يُنْزِلَ أَهْلَ الْحِصْنِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَقَالَ: " «لَعَلَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُهُ أَمْ لَا» " فَمَا الظَّنُّ بِالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَذَا أَوْ لَيْسَ كَذَا؟ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْحَادِثَةِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُهُ تَارَةً وَيُخْطِئُهُ تَارَةً وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْحُذَّاقِ مِنْ شُيُوخِ الْمَالِكِيِّينَ - ثُمَّ عَدَّهُمْ - ثُمَّ قَالَ: كُلٌّ يَحْكِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْقَائِسِينَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْوِيلُ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ إِذَا اجْتَهَدَ كَمَا أَمَرَ وَبَالَغَ وَلَمْ يَأْلُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَمَعَهُ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى قَصْدِهِ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ وَاحِدًا.

стр. 38

قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِهِمْ. قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى مَنْعِ الْقَوْلِ بِإِصَابَةِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فَقَالَ: لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - سَعَةٌ، إِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ. وَسُئِلَ أَيْضًا: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لِمَا كُلِّفَ؟ فَقَالَ: مَا هَذَا هَكَذَا، قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا يَكُونَانِ قَطُّ صَوَابًا. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: إِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ رَجُلٌ بِأَحَدِ

стр. 39

الْحَدِيثَيْنِ وَأَخَذَ آخَرُ بِحَدِيثٍ آخَرَ ضِدِّهِ، فَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَا يَدْرِي أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ. وَأُصُولُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوَاعِدُهُمْ وَنُصُوصُهُمْ عَلَى هَذَا، وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْأَقْوَالِ كَجِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي الْجِهَاتِ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: " «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ» " أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُصِيبُهُ وَقَدْ يُخْطِئُهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» ". فَمَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْأَجْرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ، فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ إِذَا اسْتَفْرَغَ الْمُجْتَهِدُ وُسْعَهُ وَبَذَلَ جُهْدَهُ.

стр. 40

[فصل نرجع إِلَى الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ] ٣ - فَصْلٌ فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فَالْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلَالًا وَصَغَارًا وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ إِمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أَوْ جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا. قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَزَاهُ بِمَعْنَى قَضَاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ، فَتَكُونُ الْجِزْيَةُ مِثْلَ الْفِدْيَةِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ أَوْ أُجْرَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ: أَيْ يُعْطُوهَا أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَعْنَى مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ.
следующие страницы →