Полный текст (1 326 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَهَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ، وَشَهَادَةٌ عَلَى الرَّسُولِ بِمَا لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ.
стр. 37
وَكَذَلِكَ لَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ كَمَا يَسْتَسْهِلُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ بَلْ لَا يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ.
وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَنَعَ الْأَمِيرَ أَنْ يُنْزِلَ أَهْلَ الْحِصْنِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَقَالَ: " «لَعَلَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُهُ أَمْ لَا» " فَمَا الظَّنُّ بِالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَذَا أَوْ لَيْسَ كَذَا؟ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْحَادِثَةِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُصِيبُهُ تَارَةً وَيُخْطِئُهُ تَارَةً وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْحُذَّاقِ مِنْ شُيُوخِ الْمَالِكِيِّينَ - ثُمَّ عَدَّهُمْ - ثُمَّ قَالَ: كُلٌّ يَحْكِي أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْقَائِسِينَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْوِيلُ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ إِذَا اجْتَهَدَ كَمَا أَمَرَ وَبَالَغَ وَلَمْ يَأْلُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَمَعَهُ آلَةُ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى قَصْدِهِ الصَّوَابَ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ وَاحِدًا.
стр. 38
قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْحُذَّاقُ مِنْ أَصْحَابِهِمْ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى مَنْعِ الْقَوْلِ بِإِصَابَةِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ فَقَالَ: لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - سَعَةٌ، إِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ.
وَسُئِلَ أَيْضًا: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لِمَا كُلِّفَ؟ فَقَالَ: مَا هَذَا هَكَذَا، قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا يَكُونَانِ قَطُّ صَوَابًا.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: إِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ رَجُلٌ بِأَحَدِ
стр. 39
الْحَدِيثَيْنِ وَأَخَذَ آخَرُ بِحَدِيثٍ آخَرَ ضِدِّهِ، فَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَا يَدْرِي أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ.
وَأُصُولُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوَاعِدُهُمْ وَنُصُوصُهُمْ عَلَى هَذَا، وَأَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْأَقْوَالِ كَجِهَةِ الْقِبْلَةِ فِي الْجِهَاتِ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ: " «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ» " أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُصِيبُهُ وَقَدْ يُخْطِئُهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» ".
فَمَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْأَجْرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ، فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ إِذَا اسْتَفْرَغَ الْمُجْتَهِدُ وُسْعَهُ وَبَذَلَ جُهْدَهُ.
стр. 40
[فصل نرجع إِلَى الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ]
٣ - فَصْلٌ
فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
فَالْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلَالًا وَصَغَارًا وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ إِمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أَوْ جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا.
قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي ": هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَزَاهُ بِمَعْنَى قَضَاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ، فَتَكُونُ الْجِزْيَةُ مِثْلَ الْفِدْيَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ أَوْ أُجْرَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ: أَيْ يُعْطُوهَا أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَعْنَى مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ.
стр. 41
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ الْآخِذِ لَا بَاعِثًا بِهَا وَلَا مُوَكِّلًا فِي دَفْعِهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ عَنْ إِنْعَامٍ مِنْكُمْ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِكُمْ لَهُمْ وَبِالْقَبُولِ مِنْهُمْ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ النَّاسُ.
وَأَبْعَدَ كُلَّ الْبُعْدِ وَلَمْ يُصِبْ مُرَادَ اللَّهِ مَنْ قَالَ: الْمَعْنَى: عَنْ يَدٍ مِنْهُمْ، أَيْ عَنْ قُدْرَةٍ عَلَى أَدَائِهَا فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ عَاجِزٍ عَنْهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ صَحِيحٌ وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَلَمْ يُفَسِّرْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعَيْنِ وَلَا سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حَذَاقَةِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، حَالٌ أُخْرَى، فَالْأَوَّلُ حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، أَنْ يَأْخُذُوهَا بِقَهْرٍ وَعَنْ يَدٍ، وَالثَّانِي حَالُ الدَّافِعِ لَهَا أَنْ يَدْفَعَهَا وَهُوَ صَاغِرٌ ذَلِيلٌ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ (الصَّغَارِ) الَّذِي يَكُونُونَ عَلَيْهِ وَقْتَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَنْ يَدْفَعَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، وَيَكُونَ الْآخِذُ جَالِسًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ مَاشِيًا لَا رَاكِبًا، وَيُطَالَ وُقُوفُهُ عِنْدَ إِتْيَانِهِ بِهَا وَيُجَرَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْعُنْفِ ثُمَّ تُجَرَّ يَدُهُ وَيُمْتَهَنَ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ وَلَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ.
стр. 42
وَالصَّوَابُ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّغَارَ هُوَ الْتِزَامُهُمْ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ الْتِزَامَ ذَلِكَ هُوَ الصَّغَارُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يُجَرُّونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَيُخْتَمُونَ فِي أَعْنَاقِهِمْ إِذَا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغَارَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الصَّغَارَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ وَيُضْرَبَ.
وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْعَبُوا فِي الْجِزْيَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهُمْ وَلَا تَكْلِيفَهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ وَإِذْلَالَهُمْ.
قُلْتُ: لَمَّا كَانَتْ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى احْتَرَزَ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ، وَأَخَذُوهَا عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُ الْمُعْطِي السُّفْلَى وَيَدُ الْآخِذِ الْعُلْيَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أَعْمَالَ السُّلْطَانِ وَيَظْهَرُ مِنْهُمُ الظُّلْمُ وَالِاسْتِعْلَاءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَخْذُ الضَّرَائِبِ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَأَنَّ دِمَاءَهُمْ مُبَاحَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ
стр. 43
بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالذُّلِّ.
وَهَذَا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْقَاضِي مِنْ أَصَحِّ الِاسْتِنْبَاطِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَدَّ الْقِتَالَ إِلَى غَايَةٍ وَهِيَ إِعْطَاءُ الْجِزْيَةِ مَعَ الصَّغَارِ، فَإِذَا كَانَتْ حَالَةُ النَّصْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ مُنَافِيَةً لِلذُّلِّ وَالصَّغَارِ فَلَا عِصْمَةَ لِدَمِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَمِنْ هَاهُنَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ تِلْكَ الشُّرُوطَ الَّتِي فِيهَا صَغَارُهُمْ وَإِذْلَالُهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَتَى خَرَجُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا فَلَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا ذِمَّةَ، وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالْمُعَانَدَةِ.
وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي آخِرِ الْجَوَابِ الشُّرُوطَ الْعُمَرِيَّةَ وَشَرْحَهَا.
[فَصْلٌ لَيْسَتِ الْجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ]
٤ - فَصْلٌ
[لَيْسَتِ الْجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ]
قَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجِزْيَةَ وُضِعَتْ صَغَارًا وَإِذْلَالًا لِلْكُفَّارِ لَا أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ والزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا أَنِفَتْ مِنْهَا الْعَرَبُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ وَالْتَزَمُوا ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةَ الْمُدَّةِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ بِوَصْفِ الْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةً بِحَسَبِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنَّ سُكْنَى الدَّارِ قَدْ تُسَاوِي فِي السَّنَةِ أَضْعَافَ الْجِزْيَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَوْ
стр. 44
كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ أُجْرَةُ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ يَسْكُنُهَا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
[مِقْدَارُ الْجِزْيَةِ:]
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ فِي تَقْدِيرِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُجْعَلُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ دِينَارٌ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ وَعَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ.
وَأَقَلُّ مَا يُؤْخَذُ دِينَارٌ وَأَكْثَرُهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ التَّرَاضِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ دِينَارٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: أَكْثَرُ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ ضَعِيفٌ خُفِّفَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَنْقُصُ مِنْ فَرْضِ عُمَرَ ﵁ لِمُعْسِرٍ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِغَنِيٍّ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: لَا حَدَّ لِأَقِلِّهَا قَالَ: وَقِيلَ أَقَلُّهَا دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
стр. 45
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: يُوضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ.
قَالُوا: وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إِلَى حَالِ أَهْلِهِ وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ عَادَةَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، فَنَقَلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ أَنَّهَا مُقَدَّرَةُ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَمِنَ الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ.
قَالَ حَرْبٌ فِي " مَسَائِلِهِ ": سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: خَرَاجُ الرُّءُوسِ إِذَا كَانَ الذِّمِّيُّ غَنِيًّا؟ قَالَ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ، قُلْتُ: فَلَيْسَ دُونَ اثْنَيْ عَشَرَ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا.
стр. 46
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ وَأَبِي الْحَارِثِ: أَكْثَرُ مَا يُؤْخَذُ فِي الْجِزْيَةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَالْمُتَوَسِّطُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالْفَقِيرُ اثْنَا عَشَرَ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيَنْقُصَ وَلَيْسَ لِمَنْ دُونَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ خَاصَّةً عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ ذَلِكَ.
وَرَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَصْحَابُهُ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ: وَلَعَلَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهَذَا فِي وَقْتٍ، وَالْعَمَلُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيَنْقُصَ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الْجِزْيَةِ كَمْ هِيَ؟ قَالَ: وَضَعَ
стр. 47
عُمَرُ ﵁ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ، قِيلَ: فَيَزْدَادُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَيَنْقُصُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُزَادُ فِيهِ وَيُنْقَصُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ.
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ تَذْهَبُ إِلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: تَرَى الزِّيَادَةَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ فَإِنْ زَادَ فَأَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ إِذَا كَانُوا مُطِيقِينَ مِثْلَ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جِزْيَةِ الرُّءُوسِ، وَقِيلَ لَهُ: بَلَغَكَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَهَا عَلَى قَدْرِ الْيَسَارِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، فَكَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ؟
[قَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ،
стр. 48
قِيلَ: فَيُزَادُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ؟] قَالَ: عَلَى حَدِيثِ الْحَكَمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ زِدْتُ عَلَيْهِمْ دِرْهَمَيْنِ لَا يُجْهِدُهُمْ، قَالَ: وَكَانَتْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ فَجَعَلَهَا خَمْسِينَ، قَالَ: وَلَمْ يُبَيِّنْ قَوْلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُحْكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سَأَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ
стр. 49
أَنْ يُؤَدُّوا إِلَى الْإِمَامِ عَنْ رُءُوسِهِمْ دِينَارًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُحَارِبَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ بَذَلُوا مَا حَدَّ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَعْجَبَهُ هَذَا وَفَكَّرَ فِيهِ ثُمَّ تَبَسَّمَ وَقَالَ: مَسْأَلَةٌ فِيهَا نَظَرٌ.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْتُ أَبِي أَيَّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي الْجِزْيَةِ؟ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَعَلَى مَا وَصَفَ عُمَرُ ﵁ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَكُسْوَةٌ وَزَيْتٌ، وَأَمَّا أَهْلُ الْيَمَنِ فَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ: وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَعَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ، شَيْءٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ؟ قَالَ: كُلُّ قَوْمٍ عَلَى سَنَنِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَهْلُ الشَّامِ خِلَافُ غَيْرِهِمْ أَيْضًا، وَكُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَا قَدْ جُعِلُوا عَلَيْهِ.
فَقَدْ ضَمَّنَ مَذْهَبَهُ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ.
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ عَلَى مَا وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁.
وَالثَّانِيَةُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، قَالَ الْخَلَّالُ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
وَالثَّالِثَةُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ دُونَ النُّقْصَانِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ خَاصَّةً لَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ.
стр. 50
[فَصْلٌ الْأَصْنَافُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهَا الْجِزْيَةُ]
٥ - فَصْلٌ
[الْأَصْنَافُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهَا الْجِزْيَةُ]
وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْجِزْيَةِ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ، بَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِمَّا تَيَسَّرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثِيَابٍ وَسِلَاحٍ يَعْمَلُونَهُ، وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَمَوَاشٍ وَحُبُوبٍ وَعُرُوضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمَلُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: يُؤْخَذُ فِي الْجِزْيَةِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، دِينَارٌ أَوْ قِيمَتُهُ مَعَافِرَ.
وَالْمَعَافِرُ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ.
وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁، الَّذِي رَوَاهُ فِي " مُسْنَدِهِ " بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» .
وَرَوَاهُ أَهْلُ " السُّنَنِ "، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 51
وَكَذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ لَمْ يَأْخُذْ فِي جِزْيَتِهِمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُمُ الْحُلَلَ وَالسِّلَاحَ.
فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ،
стр. 52
يُقَرُّونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنَّ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَوْ غَدْرَةٌ، عَلَى أَلَّا يُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قِسٌّ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» .
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا أَحْدَثُوا فِي الْإِسْلَامِ أَوَلَمْ يَلْتَزِمُوا مَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ ﵃ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا نَصَارَى وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُمُ الْحُلَلُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْخُذُ النَّعَمَ فِي الْجِزْيَةِ.
وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي صَنْعَةٍ مِنْ مَتَاعِهِ؛ مِنْ صَاحِبِ الْإِبَرِ إِبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَانِّ مَسَانَّ، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالًا، ثُمَّ يَدْعُو النَّاسَ فَيُعْطِيهِمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: خُذُوا فَاقْتَسِمُوا فَيَقُولُونَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَيَقُولُ: أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ وَتَرَكْتُمْ شِرَارَهُ لَتَحْمِلُنَّهُ.
[الْجِزْيَةُ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالشَّرْعِ]
فَيُؤْخَذُ مِنْ عُرُوضِهِ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ، هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 53
- ﷺ وَخُلَفَائِهِ الَّتِي لَا مَعْدِلَ عَنْهَا، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالشَّرْعِ تَقْدِيرًا لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَلَا مُعَيَّنَةِ الْجِنْسِ.
قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ فِي قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيَنْقُصَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ مُعَيَّنَةَ الْجِنْسِ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ، فَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، جَعَلَهَا عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى مِثْلَيْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ، وَقَدْ زَادَهَا عُمَرُ أَيْضًا عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ فَصَيَّرَهَا خَمْسِينَ دِرْهَمًا.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ الْوَاجِبَ دِينَارٌ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ
стр. 54
وَالْمُتَوَسِّطِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّرَهَا بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَجَعَلَهُمْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ مِنِ اجْتِهَادِ عُمَرَ.
وَنَازَعَهُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ بَلْ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ أَيْضًا، وَقَدْ قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سُنَّتِهِ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ فِي الِاتِّبَاعِ فَمَا سَنَّهُ خُلَفَاؤُهُ فَهُوَ كَسُنَّتِهِ فِي الِاتِّبَاعِ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ اشْتَهَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، وَلَا خَالَفَهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَصْلًا.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْعَمَلِ بِهِ فَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ دِينَارٌ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ مُقِلًّا وَلَمْ يَكُنْ مُوسِرًا
стр. 55
وَلَا مُتَوَسِّطًا عَقَدَ لَهُ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ عَلَى دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ: جِزْيَةُ مِثْلِكَ دِينَارَانِ، فَلَا أَعْقِدُ لَكَ ذِمَّةً عَلَى أَقَلَّ مِنْهُمَا، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ حَمَلَ عَلَيْهِ بِعَشِيرَتِهِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَأَقَامَ عَلَى بَذْلِ الدِّينَارِ قُبِلَ مِنْهُ وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: جِزْيَةُ مِثْلِكِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ لَا أَقْبَلُ مِنْكَ أَقَلَّ مِنْهَا، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهِ بِالْكَلَامِ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ بِعَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَقَامَ عَلَى بَذْلِ الدِّينَارِ قُبِلَ مِنْهُ وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَلَا يَخْلُو حَدِيثُ مُعَاذٍ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ إِذْ ذَاكَ الْفَقْرُ، وَقَدْ أَشَارَ مُجَاهِدٌ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ مِنَ الْفَقِيرِ، وَالصَّحَابَةُ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَسْكُنُوا الْيَمَنَ بَلْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ هُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَمْيِيزِ غَنِيِّهِمْ مِنْ فَقِيرِهِمْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ كُلَّهَا طَبَقَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ وَسَكَنُوا الشَّامَ تَفَرَّغُوا لِتَمْيِيزِ طَبَقَاتِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَعْرِفَةِ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ وَمُتَوَسِّطِهِمْ، فَجَعَلُوهُمْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، وَأَخَذُوا مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ مَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ إِعْطَاؤُهُ.
стр. 56
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقَدِّرْهَا تَقْدِيرًا عَامًّا لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، بَلْ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ وَاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي زَمَانِهِ أَخْذَهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى السَّوَاءِ، وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي زَمَنِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَخْذَهَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ حُلَلًا فِي قِسْطَيْنِ، قِسْطٍ فِي صَفَرٍ وَقِسْطٍ فِي رَجَبٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ - أَوْ قَالَ: عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ - أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَأَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْحِنْطَةِ مُدَّيْنِ وَثَلَاثَةَ أَقْسَاطِ زَيْتٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ كُلَّ شَهْرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، قَالَ: وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
стр. 57
مِصْرَ فَإِرْدَبٌّ كُلَّ شَهْرٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ قَالَ: وَلَا أَدْرِي كَمْ ذَكَرَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الْوَدَكِ وَالْعَسَلِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ دِينَارٍ لَوَجَبَ قَبُولُهُ مِنْهُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ. وَهَذَا قِيَاسُ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ إِذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ بَعْضِهَا وَعَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا، كَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ، وَإِخْرَاجِ بَعْضِ صَاعِ الْفِطْرِ، وَأَدَاءِ بَعْضِ النَّفَقَةِ إِذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَامِهَا، وَغَسْلِ بَعْضِ أَعْقَابِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِهَا، وَقِرَاءَةِ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا عَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا، وَنَظَائِرِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَنَّ عَلَيْهِمُ الزِّيَادَةَ كَمَا يَكُونُ لَهُمُ
стр. 58
النُّقْصَانُ وَلِلزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى وَظِيفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِلزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَهَا هُوَ نَفْسُهُ حِينَ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ فَجَعَلَهَا خَمْسِينَ.
وَلَوْ عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ دِينَارٍ؛ لَحَطَّهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجْرَى عَلَى شَيْخٍ مِنْهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَسْأَلُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَوْ عَلِمَ عُمَرُ أَنَّ فِيهَا سُنَّةً مُؤَقَّتَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا تَعَدَّاهَا إِلَى غَيْرِهَا.
[فَصْلٌ لَا يَحِلُّ تَكْلِيفُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْذِيبُهُمْ عَلَى أَدَائِهَا وَلَا حَبْسُهُمْ وَضَرْبُهُمْ]
٦ - فَصْلٌ
وَلَا يَحِلُّ تَكْلِيفُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَلَا تَعْذِيبُهُمْ عَلَى أَدَائِهَا وَلَا حَبْسُهُمْ وَضَرْبُهُمْ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، «وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يُعَذَّبُونَ فِي الْجِزْيَةِ بِفِلَسْطِينَ، فَقَالَ هِشَامٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» ".
стр. 59
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ رَأَى نَبَطًا يُشَمَّسُونَ فِي الْجِزْيَةِ فَقَالَ لِصَاحِبِهِمْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ يُعَذِّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» ".
قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ.
قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ: إِنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ قَالَ ذَلِكَ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عِيَاضٌ لِهِشَامٍ: قَدْ سَمِعْتُ مَا سَمِعْتَ وَرَأَيْتُ مَا رَأَيْتَ أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَقَدَ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ» ".
стр. 60
قَالَ: وَحَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أُتِيَ بِمَالٍ كَثِيرٍ - أَحْسَبُهُ قَالَ: مِنَ الْجِزْيَةِ - فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمُ النَّاسَ، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا أَخَذْنَا إِلَّا عَفْوًا صَفْوًا، قَالَ: بِلَا سَوْطٍ وَلَا نَوْطٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى يَدِي وَلَا فِي سُلْطَانِي.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ
стр. 61
عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَلَمَّا أَتَاهُ عَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: سَبَقَ سَيْلُكَ مَطَرَكَ إِنْ تُعَاقِبْ نَصْبِرْ، وَإِنْ تَعْفُ نَشْكُرْ وَإِنْ تَسْتَعْتِبْ نُعْتِبْ، فَقَالَ: مَا عَلَى الْمُسْلِمِ إِلَّا هَذَا، مَا لَكَ تُبْطِئُ بِالْخَرَاجِ؟ فَقَالَ: أَمَرْتَنَا أَلَّا نَزِيدَ الْفَلَّاحِينَ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَلَسْنَا نَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكُنَّا نُؤَخِّرُهُمْ إِلَى غَلَّاتِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَا عَزَلْتُكَ مَا حَيِيتُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا وَجْهُ التَّأْخِيرِ إِلَى الْغَلَّةِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي اسْتِيدَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ يُجْتَبَى فِيهِ غَيْرَ هَذَا.
قَالَ: وَثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ خَلَفٍ مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ عَنْ
стр. 62
رَجُلٍ مِنْ آلِ أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَجُلًا عَلَى عُكْبَرَاءَ فَقَالَ لَهُ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ: لَا تَدَعَنَّ لَهُمْ دِرْهَمًا مِنَ الْخَرَاجِ، قَالَ: وَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ، ثُمَّ قَالَ: الْقَنِي عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِأَمْرٍ وَإِنِّي أَتَقَدَّمُ إِلَيْكَ الْآنَ، فَإِنْ عَصَيْتَنِي نَزَعْتُكَ لَا تَبِيعَنَّ
стр. 63
لَهُمْ فِي خَرَاجِهِمْ حِمَارًا وَلَا بَقَرَةً وَلَا كُسْوَةً، شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، وَارْفُقْ بِهِمْ، وَافْعَلْ بِهِمْ وَافْعَلْ بِهِمْ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَنْتَرَةَ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي صَنْعَةٍ، مِنْ صَاحِبِ الْإِبَرِ إِبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَانِّ مَسَانَّ، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالًا، ثُمَّ يَدْعُو الْعُرَفَاءَ فَيُعْطِيهِمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ ثُمَّ يَقُولُ: خُذُوا هَذَا فَاقْتَسِمُوهُ، فَيَقُولُونَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَيَقُولُ: أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ وَتَرَكْتُمْ عَلَيَّ شَرَارَهُ لَتَحْمِلُنَّهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ هَذِهِ الْأَمْتِعَةَ بِقِيمَتِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ، وَلَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ إِرَادَةَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالتَّخْفِيفِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ حِينَ قَالَ بِالْيَمَنِ:
стр. 64
ائْتُونِي بِحَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ ﵁ حَتَّى كَانَ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي الْجِزْيَةِ.
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الرِّفْقُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَلَّا يُبَاعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْءٌ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَهُلَ عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ» ؟ " فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ ذِكْرُ الْعَدْلِ أَنَّهُ الْقِيمَةُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ جِسْرٍ قَالَ: شَهِدْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَدِيِّ بْنِ
стр. 65
أَرْطَاةَ قُرِئَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عِتِيًّا وَخُسْرَانًا مُبِينًا، فَضَعِ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَطَاقَ حَمْلَهَا وَخَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ انْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ كَبُرَتْ سِنُّهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ كَبُرَتْ سِنُّهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ كَانَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ عِتْقٌ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ فَقَالَ: مَا أَنْصَفْنَاكَ أَنْ كُنَّا أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ فِي شَبِيبَتِكَ ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ فِي كِبَرِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْلِحُهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ
стр. 66
دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ وَجَوْرٌ فِي أَحْكَامٍ وَسُنَنٍ خَبِيثَةٍ سَنَّتْهَا عَلَيْهِمْ عُمَّالُ السُّوءِ، وَإِنَّ أَقْوَمَ الدِّينِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ، فَلَا يَكُونَنَّ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنْ تُوَطِّنَهَا الطَّاعَةَ لِلَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا قَلِيلَ مِنَ الْإِثْمِ، وَأَمَرْتُكَ أَلَّا تُطَرِّقَ عَلَيْهِمْ أَرْضَهُمْ، وَأَلَّا تَحْمِلَ خَرَابًا عَلَى عَامِرٍ، وَلَا عَامِرًا عَلَى خَرَابٍ، وَلَا تَأْخُذَ مِنَ الْخَرَابِ إِلَّا مَا يُطِيقُ، وَلَا مِنَ الْعَامِرِ إِلَّا وَظِيفَةَ الْخَرَاجِ، فِي رِفْقٍ وَتَسْكِينٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَمَرْتُكَ أَلَّا تَأْخُذَ فِي الْخَرَاجِ [إِلَّا وَزْنَ سَبْعَةٍ لَيْسَ لَهَا آسٍ، وَلَا] أُجُورَ الضَّرَّابِينَ، وَلَا إِذَابَةَ الْفِضَّةِ، وَلَا هَدِيَّةَ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، وَلَا ثَمَنَ الْمُصْحَفِ، وَلَا أُجُورَ الْبُيُوتِ، وَلَا دَرَاهِمَ النِّكَاحِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاتَّبِعْ فِي ذَلِكَ أَمْرِي فَقَدْ وَلَّيْتُكَ فِي ذَلِكَ مَا وَلَّانِي اللَّهُ، وَلَا تُعَجِّلُ دُونِي بِقَطْعٍ وَلَا صَلْبٍ حَتَّى تُرَاجِعَنِيَ فِيهِ، وَانْظُرْ مَنْ أَرَادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الْحَجَّ فَعَجِّلْ لَهُ مِائَةً يَتَجَهَّزُ بِهَا وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَوْلُهُ (دَرَاهِمَ النِّكَاحِ) يُرِيدُ بِهِ بَغَايَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُنَّ الْخَرَاجُ وَقَوْلُهُ (الذُّرِّيَّةِ) يُرِيدُ بِهِ مَنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ.
стр. 67
[فَصْلٌ مَتَى تَجِبُ الْجِزْيَةُ]
٧ - فَصْلٌ
[مَتَى تَجِبُ الْجِزْيَةُ؟]
وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَلَا يُطَالَبُونَ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ شَهْرٍ بِقِسْطِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ، وَهِيَ أَنَّهَا عِنْدَهُ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَلِهَذَا يَقُولُ: إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ تَدَاخَلَتْ كَمَا تَتَدَاخَلُ الْعُقُوبَاتُ، وَلَوْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ سَقَطَتْ كُلُّهَا كَمَا تَسْقُطُ الْعُقُوبَاتُ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ سَقَطَتْ عَنْهُ.
وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتِ السَّنَةُ وَجَاءَتِ السَّنَةُ الْأُخْرَى، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا: تُؤْخَذُ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؟ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَتْ تَجِبُ بِآخِرِ الْحَوْلِ لَاسْتَقَرَّتْ بِمُضِيِّهِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَلَمْ تَتَدَاخَلْ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَالْجِزْيَةِ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنِ الْقَتْلِ وَعِصْمَةِ الدَّمِ فِي حَقِّهِ، وَعِوَضًا عَنِ النُّصْرَةِ لَهُمْ فِي حَقِّنَا وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي ; لِأَنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا يُفْعَلُ لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ النَّاصِرَ وَقَعَتِ الْغُنْيَةُ عَنْهُ.
стр. 68
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ سَبَبَ الْجِزْيَةِ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَيُعْطِيهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ احْتِمَالِ الْمَحَلِّ لِتَعْوِيضِ الضَّرَبَاتِ فِي الْحُدُودِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: تُؤْخَذُ كُلَّ شَهْرٍ بِقِسْطِهِ فَإِنَّهَا لَوْ أُخِّرَتْ حَتَّى دَخَلَ الْعَامُ الثَّانِي سَقَطَتْ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي " الْجَامِعِ ".
وَعَلَى هَذَا فَلَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ أَبَدًا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ تُؤْخَذَ سَلَفًا وَتَعْجِيلًا فَأُخِذَتْ مُفَرَّقَةً عَلَى شُهُورِ الْعَامِ لِقِيَامِ مُقْتَضًى لِصَدَقَتِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَفِي الْأَخْذِ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُ وَالنُّصْرَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ " الزِّيَادَاتِ " فِي نَصْرَانِيٍّ مَرِضَ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ وَهُوَ مُوسِرٌ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمِلِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا، فَإِنْ صَحَّ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ فَهُوَ خَالٍ مِنَ الْغِنَى.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَرِضَ أَكْثَرَ السَّنَةِ أَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا مَرِضَ نِصْفَ السَّنَةِ أَنَّ الْمُوجِبَ وَالْمُسْقِطَ تَسَاوِيَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْعُقُوبَةُ وَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمُسْقِطِ كَالْحُدُودِ.
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَبِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَإِذْلَالٌ وَصَغَارٌ لِلْكُفْرِ وَأَهْلِهِ، فَلَا يُتَأَخَّرُ عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِهَا.
стр. 69
قَالُوا: وَهَذَا - عَلَى أَصْلِ مَنْ جَعَلَهَا أُجْرَةَ سُكْنَى الدَّارِ - أَطْرَدُ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ مُقَسَّطَةً بِتَكَرُّرِ الْأَعْوَامِ رِفْقًا بِهِمْ وَلِيَسْتَمِرَّ نَفْعُ الْإِسْلَامِ بِهَا وَقُوَّتُهُ كُلَّ عَامٍ بِخَرَاجِ الْأَرَضِينَ.
قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَمَّا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِهَا حَتَّى ضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَلَا أَلْزَمَهُمْ بِأَدَائِهَا فِي الْحَالِ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ بَلْ صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا، وَكَانَ يَبْعَثُ رُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ فَيَأْتُونَ بِالْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ مَحَلِّهِمَا، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ سِيرَةُ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا، فَإِنَّ الْأَمْوَالَ الَّتِي تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَعْوَامِ إِنَّمَا تَجِبُ فِي آخِرِ الْعَامِ لَا فِي أَوَّلِهِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجَّلَ عَلَى رَجُلٍ مَالًا كُلَّ عَامٍ يُعْطِيهِ كَذَا وَكَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِسْطِ الْعَامِ الْأَوَّلِ عَقِيبَ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَطَاءَ الْأَوَّلَ وَحْدَهُ بَلِ الْعَطَاءُ الْمُسْتَمِرُّ الْمُتَكَرِّرُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْتُمْ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَخْذَ الْجَمِيعِ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: حَتَّى يَلْتَزِمُوا عَطَاءَ الْجِزْيَةِ وَبَذْلَهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا الْتَزَمُوا لَهُ بَذْلَ الْجِزْيَةِ كَفَّ عَنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْتِزَامِهِمْ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ إِذَا الْتَزَمُوهَا قَبْلَ إِعْطَائِهِمْ إِيَّاهَا اتِّفَاقًا، وَلِهَذَا قَالَ - فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ -: " «فَادْعُهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» " وَإِنَّمَا كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهَا وَالْتِزَامِهَا دُونَ الْأَخْذِ فِي الْحَالِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ بِأَوَّلِ السَّنَةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ تَسْتَقِرُّ جُزْءًا بَعْدَ جُزْءٍ.
стр. 70
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى إِضَافَةِ الْوُجُوبِ إِلَى أَوَّلِ السَّنَةِ انْبِسَاطُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، لَا أَنَّهَا تَجِبُ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِأَوَّلِ السَّنَةِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ الْأَخْذَ بِالْقِسْطِ إِذَا أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُ وُجُوبِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
[فَصْلٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مَجْنُونٍ]
٨ - فَصْلٌ
وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مَجْنُونٍ.
هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الْمُغْنِي ": " لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ
стр. 71
مَوْلَى عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَلَا يَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ، وَلَا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي.
[وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا يَضْرِبُوهَا إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي] .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ.
стр. 72
وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْأَصْلُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَاهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمَذْكُورِينَ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْأَطْفَالِ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ بِالْيَمَنِ: " «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» " تَقْوِيَةً لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁، أَلَا تَرَاهُ ﷺ خَصَّ الْحَالِمَ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ؟ إِلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كُتُبِهِ: " الْحَالِمَ وَالْحَالِمَةَ " فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَحْفُوظَ الْمُثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ
стр. 73
الْحَدِيثُ الَّذِي لَا ذِكْرَ لِلْحَالِمَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَبِهِ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ.
فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ مَحْفُوظًا فَإِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ كَانَ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ.
ثُمَّ ذُكِرَ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ الَّذِي فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» ".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ جَاءَ النَّهْيُ بَعْدَ ذَلِكَ - وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ -.
قُلْتُ: لَمْ يَشْرَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ أَلْبَتَّةَ.
стр. 74
وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي مَغَازِيهِ قَبْلَ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةٌ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» .
«وَرَأَى النَّاسُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ " فَجَاءَ فَقَالَ: امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ "، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» ".
وَفِي لَفْظٍ: " «لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
стр. 75
وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ".
بَلِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَقَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيَوْمَ خَيْبَرَ، كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِخَيْبَرَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» .
следующие страницы →